المعجزات الأحمدية

271. صفحة

المكتوب التاسع عشر

المعجزات الأحمدية

على صاحبها السلام

باسمه سبحانه

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

بسم الله الرحمن الرحيم

)هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا _ مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ([الفتح:28-29]، إلخ.

لقد أثبتت الكلمتان "التاسعة عشرة" و"الحادية والثلاثون" اللتان تخصان الرسالة الأحمدية نبوةَ محمدr بالدلائل القاطعة، لذا نحيل إليهما أمر الإثبات، ونبين تتمة لهما فقط بعضًا من لمعات تلك الحقيقة العظيمة بـ"تسع عشرة إشارة ذات نكات".

الإشارة الأولى ذات النكتة:

لا شك أن مالك هذا الكون ومتصرفه يفعل عن علم ويتصرف عن حكمة، ويدير كل النواحي عن رؤية، ويربي كل شيء عن علم ورؤية، ويدير كل شيء مريدًا وقاصدًا الحِكم والغايات والفوائد التي تظهر عليه. بما أن الفاعل يعلم، فلا بد أن العالِم يتكلم، وبما أنه يتكلم فلا ريب أنه سيتكلم مع ذوي الشعور والإدراك وذوي الفكر ومع من يعرف التكلّم، وبما أنه سيتكلم مع ذوي الفكر، فلا بد أنه سيتكلم مع نوع الإنسان ذي الشعور الكلي الذي هو أكثر ذوي الشعور جامعيّة، وبما أنه سيتكلم مع نوع الإنسان فلا جرم أنه سيتكلم مع من هم أهل للخطاب من بني الإنسان ومن هم كاملون، وبما أنه سيتكلم

272. صفحة

مع أكمل بني الإنسان وأعلاهم استعدادًا وأسماهم أخلاقًا ومن هم أهل ليكونوا مقتدى للبشر، فلا ريب أنه سيتكلم مع محمد r الذي هو صاحب أعلى استعداد وأسمى أخلاق باتفاق الأولياء والأعداء، والذي اقتدى به خمس البشر وخضع لحكمه المعنوي نصف الأرض، والذي تنور المستقبل مدة ألف وثلاثمائة سنة[1] بضياء النور الذي أتى به، والذي يجدد معه البيعة دومًا خمس مرات في اليوم النورانيون وأهل الإيمان من البشر، ويدعون له بالرحمة والسعادة، ويحبونه ويمدحونه، أجل سيتكلم معه وقد تكلم فعلا، وسيجعله رسولاً وقد جعله فعلا، وسيجعله مرشدًا وهاديًا لسائر البشر وقد جعله فعلا.

الإشارة الثانية ذات النكتة:

لقد ادعى الرسول الأكرم r النبوة وأظهر فرمانًا مثل القرآن العظيم الشأن، وأظهر زهاء ألف من المعجزات الباهرة لدى أهل التحقيق، فإن وقوع هذه المعجزات قاطعة وثابتة كقطعية وثبوت وقوع دعوى النبوة، وإسنادهم إليه السحر الذي نقله القرآن الحكيم في كثير من مواضعه على لسان أشد الكفار عنادًا ليظهر أنه حتى هؤلاء الكفار المعاندين لا يستطيعون إنكار وجود تلك المعجزات ووقوعها، ولكنهم -حاشاه- قالوا "إنه سحر" كي يخدعوا أنفسهم ويغرّوا أتباعهم.

أجل إن للمعجزات الأحمدية ثبوتًا قطعيًّا في قوة مائة تواتر، فالمعجزة تصديق من قبل خالق الكون لدعواه r، وتأخذ حكم: صَدَقْتَ. فكما أنك إذا قلت في مجلس السلطان أو في حضرته: إن السلطان قد جعلني موظفًا في العمل الفلاني، فطُلِب منك الدليل على هذه الدعوى، وإذا قال السلطان أجل إني وظفته، كيف أن هذا تصديق لك، فكذلك لو بدل عادته في طريقة تعامله بالتماس ورجاء منك فإنه يكون قد صدّق دعواك تصديقًا أكثر وأقوى من قوله نعم، كذلك فقد ادعى الرسول الأكرم r قائلا: إني مبعوث خالق هذا الكون، ودليلي هو أنه سيبدل عادته المستمرة الدائمة

[1] في أثتاء تأليف هذه الرسالة.




273. صفحة

بدعائي والتماسي، فها انظروا إلى أصابعي، إنه يُجري الماء منها فكأنها عين ذات خمسة صنابير، وانظروا إلى القمر، إنه يشقه إلى نصفين بإشارة من إصبعي، وانظروا إلى هذه الشجرة، إنها تأتي إليّ لتصدقني، وتشهدُ لي، وانظروا إلى هذا الطعام القليل، فمع أنه يكفي لاثنين أو ثلاثة رجال فقط فإنه يشبع المائتين أو ثلاثمائة من الرجال. وهكذا فقد أظهر مئات المعجزات كهذه، فدلائل صدق الرسول r وبراهين نبوته لا تنحصر في معجزاته فحسب، بل إن جميع حركاته وأفعاله تقريبًا، وأحواله وأقواله، وأخلاقه وأطواره، وسيرته وصورته تثبت صدقه وجديته لدى أهل الدقة، حتى إن كثيرًا من الأشخاص مثل "عبد الله بن سلام" الذي هو من علماء بني إسرائيل المشهورين آمنوا بمجرد رؤية وجه ومحيّا الرسول الأكرم r قائلين: إن هذا الوجه ليس بوجه كاذب ومحتال. ومع أن المحققين من العلماء قد قالوا إن دلائل نبوته r ومعجزاته تبلغ الألف، فإن له آلافًا بل مئات الآلاف من دلائل النبوة، وصدّق بنبوته مئات الآلاف من الناس المختلفين في الفكر بمئات الآلاف من الطرق، والقرآن الحكيم فقط يبين ألف برهان على نبوة الرسولr علاوة على وجوه إعجازه الأربعين.

وبما أن في البشر نبوة، وأن مئات الآلاف منهم جاءوا وأعلنوا النبوة وأظهروا المعجزات ثم رحلوا، فلا شك أن النبوة الأحمدية r ثابتة قطعًا بقطعية تفوق الجميع، لأن الدلائل والصفات والأحوال التي تثبت نبوة جميع الأنبياء والتي هي مدار رسالتهم مثل موسى وعيسى عليهما السلام، ومعاملَتهم مع أممهم كل ذلك يوجد عند الرسول الأكرمr في أكمل وجه وأجمعه، وبما أن سبب حكم النبوة وعلته يوجدان في ذات الأحمدية r في أكمل صورة وأفضلها، فلا ريب أن حكم النبوة ثابت له بثبوت قاطع أظهر وأوضح من جميع الأنبياء عليهم السلام.

 

 

الإشارة الثالثة ذات النكتة:

إن معجزات الرسول الأكرم r متنوعة جدًّا. ولأن رسالته عامة فإن أكثر أنواع المخلوقات قد حظي بمعجزة من معجزاته، مثله في هذا كمثل رسول كريم لسلطان ذي

274. صفحة

شأن قدم بهدايا متنوعة إلى مدينة هي مجمع وملتقى الأقوام المختلفين، فإن كل طائفة سترسل إليه من يمثلها عنها لاستقباله، ويرحب به باسم طائفته، ويصفّق له، فكذلك الرسول الأكرم r الذي هو أعظم رسول للسلطان الأزلي الأبدي لما شرّف العالم بقدومه وحين جاء مبعوثًا من قبل خالق الكون إلى البشر الذين هم أهالي الكرة الأرضية بأنوار الحقيقة والهدايا المعنوية التي تتعلق بحقائق الكون هنّأت نبوَّته ورحبت به كل الطوائف بدءًا من الحجر والماء والشجر والحيوان والإنسان وانتهاء إلى القمر والشمس والنجوم بلسانها الخاص وبحملها معجزة من معجزاته. وإن ذكر جميع هذه المعجزات يحتاج إلى تأليف مجلدات كثيرة، وقد ألف المحققون الأصفياء مجلدات كثيرة حول تفاصيل دلائل النبوة، فنحن سنشير إشارات مجملة فحسب إلى الأنواع الكلية لتلك المعجزات المتواترة تواترًا معنويًّا والثابتة ثبوتًا قطعيًّا.

أولاً إن دلائل نبوة الرسول الأكرم r قسمان:

القسم الأول: الأحوال الخارقة للعادة التي تسمى بـ"الإرهاصات" وقد ظهرت قبل النبوة وعند ولادته r.

والقسم الثاني: دلائل النبوة الأخرى، وهذا القسم الثاني أيضًا قسمان:

أحدهما: الأحوال الخارقة التي ظهرت بعده r تصديقًا لنبوته.

ثانيهما: الأحوال الخارقة التي نالها في عصر سعادته r، وهذا القسم الثاني أيضًا قسمان:

أحدهما: دلائل النبوة التي ظهرت في ذاته وسيرته وصورته وأخلاقه وكماله.

ثانيهما: المعجزات التي حظي بها في الأشياء الخارجية الآفاقية، وهذا القسم الثاني أيضًا قسمان:

أحدهما: معنوي وقرآني.

ثانيهما: مادي وكوني، وهذا القسم كذلك قسمان:


275. صفحة

الأول: المعجزات الخارقة للعادة التي ظهرت في وقت دعوى نبوته كي يكسر عناد أهل الكفر، أو لزيادة قوة إيمان أهل الإيمان، كانشقاق القمر، ونبعان الماء من أصابعه، وإشباعه الكثيرين بطعام قليل، ونطق وتكلم الحيوان والشجر والحجر، وغيرها من المعجزات التي تبلغ العشرين نوعًا، وكل نوع في درجة تواتر معنوي، ولكل نوع أفراد متكررة ومتنوعة.

الثاني: الحوادث التي أخبر عن وقوعها في المستقبل، حيث أخبر عنها بتعليم الحق تعالى إياه، وقد ظهرت كما أخبر حقًّا، فنحن نبدأ بهذا القسم الأخير، ونعرض فهرسًا مجملا[1].

 

الإشارة الرابعة ذات النكتة:

إن الأمور الغيبية التي أخبر بها الرسول الأكرم r بتعليم علام الغيوب لا حد ولا حصر لها، وقد أشرنا إلى أنواعها في "الكلمة الخامسة والعشرين" التي تخص إعجاز القرآن، وأوضحناها وأثبتناها فيها إلى حد ما، لذا نحيل ذكر إخباراته الغيبية التي تتعلق بالأزمنة الغابرة، والأنبياء السابقين، والحقائق الإلهية والحقائق الكونية والحقائق الأخروية إلى تلك "الكلمة"، ولا نتحدث عنها حاليا، إلا أننا سنشير إلى بضعة أمثلة جزئية من إخباراته الغيبية الصادقة الكثيرة جدًّا التي تتعلق بالحوادث التي ستصيب الصحابة وآل البيت r من بعده، وما ستواجهه أمته وتلقاه في المستقبل.

سنبين "ستة أسس" كمقدمة حتى تُفهَم تلك الحقيقة فهمًا كاملاً.

 

الأساس الأول: في الحقيقة يمكن أن يكون كل حال من أحوال الرسول الأكرمr  وكل طور من أطواره شاهدًا على صدقه ونبوته، إلا أنه لا ينبغي أن يكون جميع أحواله وأطواره خارقة للعادة، لأن الله الحق تعالى قد أرسله بشرًا، حتى يكون مرشدًا وإمامًا للبشر في أحوالهم الاجتماعية، وفي أعمالهم وحركاتهم التي ستكسبهم

[1] للأسف لم أستطع أن أكتب كما نويت كتابتها، فكُتِبَ كما خطر على القلب بدون تدخل إرادتي، ولم أستطع أن أراعي الترتيب في هذا التقسيم مراعاة كاملة.( المؤلف)




276. صفحة

السعادة الدنيوية والأخروية، ويبين لهم الصنعة الربانية البديعة وتصرفات القدرة الإلهية التي هي خارقة للعادة في الأمور العادية التي كل منها معجزة القدرة الإلهية بحد ذاتها، فلو كان خارقًا للعادة في أفعاله وخارجًا عن طور البشرية، ولما استطاع أن يكون إمامًا لهم بذاته، ولما استطاع أن يعلمهم ويدرّس لهم بأفعاله وأحواله وأطواره، ولكنه كان ينال أمورًا خارقة للعادة وكان يُظهِر المعجزات عند الحاجة بين الحين والحين لإثبات نبوته للمعاندين فحسب، ولكن بمقتضى الامتحان والاختبار الذي هو سر التكليف لم تكن تلك المعجزات البتة بدرجة البداهة فيُضطَرّ الجميع إلى التصديق شاءوا أم أبَوْا؛ لأن سرّ الامتحان وحكمة التكليف يقتضيان أن يُفتح الباب أمام العقل، وألاّ يسلب الاختيار من يد العقل، فلو كانت في منتهى البداهة لما بقي للعقل اختيار، ولصدّق أبو جهل كما صدق أبو بكر الصديقt، ولَمَا بقي فائدة وجدوى من التكليف والامتحان، ولتساوى الفحم مع الألماس.

 ومن عجب العجاب أن آلافًا من أنواع البشر المختلفين المتنوعين في الطبائع والأفكار -بلا مبالغة- آمنوا به بسبب معجزة أو دليل من بين آلاف الوجوه من معجزاته ودلائله أو بكلام واحد له، أو برؤية وجهه الكريم وطلعته البهية أو بعلامة من علاماته وهلم جرا، وعلى الرغم من كل هذا فإنه يقع بعض أشقياء وتعساء هذا الزمان في الضلال، فكأن جميع تلك الدلائل والآثار الثابتة القاطعة لنبوتهr التي تبلغ الآلاف والتي نقلت إلينا نقلاً صحيحًا وساقت جميع هؤلاء الآلاف من الناس والمدققين والمتفكرين إلى الإيمان لا تكفيهم.

الأساس الثاني: إن الرسول الأكرم r بشر، فيتعامل مع الناس على اعتبار بشريته، ورسول؛ حيث إنه ترجمان ومبعوث للحق تعالى باعتبار رسالته. ورسالته تستند إلى الوحي، والوحي قسمان:

أحدهما: الوحي الصريح، فالرسول الأكرم r في هذا ترجمان ومبلغ صرف، ولا تدخُّل له فيه، كالقرآن وبعض الأحاديث القدسية.


277. صفحة

والآخر: الوحي الضمني، وهذا القسم يستند مجملُه وخلاصتُه إلى الوحي والإلهام، ولكن تفاصيله وتصويراته تعود إلى الرسول الأكرمr ، فهو r يبين أحيانًا تفصيل الحادثة المجملة التي تأتي من الوحي وتصويرها مستندًا إلى الإلهام أو الوحي، أو يبينه بفراسته الشخصية، فهذه التفاصيل والتصويرات التي يبينها باجتهاده الشخصي إما يبينها بقوةٍ قدسية عالية من حيث وظيفة الرسالة، وإما يبينها باعتبار بشريته حسب مستوى عرف الناس وعاداتهم وأفكارهم، فلا ينظر إلى كل تفصيل بينه في كل حديث على أنه وحي محض، ولا يتَحرّى الآثار العلوية لرسالته في أفكاره ومعاملاته التي هي من مقتضيات بشريته، وبما أن بعض الحوادث تأتي إليه وحيًا بصورة مطلقة ومجملة، وهو بدوره يصورها بفراسته الشخصية وحسب ما تعارف عليه الناس، ويحتاج الأمر أحيانًا إلى تفسير متشابهات هذا التصوير ومشكلاته، بل حتى يحتاج إلى التعبير، لأن هناك بعض الحقائق تُقرَّب إلى الفهم بضرب المثل.

مثلما أنه سُمِع دوي شديد من الأعماق في مجلس الرسول r ذات يوم، فقال الرسول r: "هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا"، فبعد مدة جاء الخبر: "إن منافقًا مشهورًا بلغ السبعين من عمره مات، وذهب إلى جهنم"، وبيَّن هذا الخبر تأويل الحادثة التي ذكرها الرسول r بتمثيل بليغ.

الأساس الثالث: إن الأخبار المنقولة إن كانت متواترة فهي ثابتة قطعًا، والتواتر قسمان:

أحدهما: تواتر صريح.

والآخر: تواتر معنوي، والتواتر المعنوي أيضًا قسمان:

أحدهما: سكوتي، أي أُقِرَّ بالسكوت، فمثلا لو أخبر رجل في جماعة عن حادثة وقعت بمرأى من هذه الجماعة، فإن لم تكذبه الجماعة، بل قابلتها بالسكوت، فهذا يعني قبولها وإقرارها بهذا الخبر، ولا سيما إن كانت الحادثة التي أخبر عنها تتعلق بالجماعة،

278. صفحة

وكانت هذه الجماعة مستعدة للانتقاد، ولا تقبل الخطأ، وترى الكذب أمرا شنيعًا وقبيحًا، فلا شك أن سكوتها يدل على وقوع تلك الحادثة دلالة قوية.

والقسم الثاني من التواتر المعنوي: وهو أنه لو أخبر رجل عن وقوع حادثة، مثلا إذا قيل إن أوقية من الطعام قد أشبعت مائتي رجل، فالمخبرون يخبرونها بصور وطرق مختلفة،

فينقله أحد بطريقة، وآخر بطريقة أخرى، وثالث بطريقة ثالثة، ولكن الجميع متفقون على وقوع الحادثة نفسها، وهكذا فوقوع حادثة وقوعًا مطلقًا متواترٌ بالمعنى، وثابت قطعًا، ولا يضر بها اختلاف الصور.

 وقد يكون أحيانًا أن خبر الآحاد يفيد القطعية والثبوت كالتواتر ضمن بعض الشروط، وقد يفيد الثبوت ببعض الأمارات الخارجية.

فالقسم الأعظم من معجزات الرسول الأكرم r ودلائل نبوته المنقولة إلينا نُقل متواترة، إما بتواتر صريح أو معنوي أو سكوتي. وبعضها في الحقيقة نُقلت عن طريق خبر الآحاد؛ إلا أنها ينبغي أن تعتبر قاطعة وثابتة كالتواتر بعدما صار مقبولا عند المحدثين النّقّاد وضمن شروط قوية ودقيقة.

أجل إن من يُسمَّون بـ"الحفّاظ" من المحدثين المحققين، وآلافًا من المحدثين المحققين الذين حفظوا مائة ألف حديث على الأقل، والمحدثين المتقين الذين صلُّوا صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء مدة خمسين سنة، وعباقرة علم الحديث وأعلامه وهم أصحاب الكتب الستة وعلى رأسهم الإمام البخاري والإمام مسلم، أقول إن خبر الآحاد الذي صححه وقبله هؤلاء الأئمة والعلماء لا يقل ثبوته عن ثبوت التواتر.

أجل؛ إن محققي علم الحديث ونقّاده قد تخصصوا في الحديث وألِفوا تعبيرات الرسول الأكرم r وأسلوبه العالي وصور بيانه إلى حد كبير واكتسبوا ملكة في هذا إلى حد حتى إنهم لو رأوا حديثا واحدا موضوعًا بين مائة حديث لقالوا إن هذا موضوع، وليس من أحاديث الرسول r، فيرفضونه، وهم كالصيارفة يعرفون جوهر الحديث، ولا يلتبس

279. صفحة

عليهم بقول آخر، إلا أن بعض المحققين كابن الجوزي أفرطوا في النقد، وضعَّفوا بعض الأحاديث الصحيحة، ولكن لا يعني الأمر أن معنى كل حديث موضوعٍ خطأٌ، بل يعني أنه ليس بحديث شريف.

سؤال: ما فائدة السند المعنعن، فيقولون في حادثة معلومة من دون فائدة رواه فلان عن فلان، عن فلان، عن فلان؟

الجواب: فوائده كثيرة، فأحدها على سبيل المثال: تبين العنعنة -نوعًا ما- أن هناك إجماعًا بين من هم في العنعنة من أهل الحديث الموثوقين والصادقين الذين هم حجة في هذا، وتظهر -نوعًا ما- اتفاق أهل التحقيق الذين هم في السند، فكأن كل إمام وكل علاّمة في ذلك السند وفي تلك العنعنة يوقِّع على حكم ذلك الحديث، ويضع ختمه على صحته.

سؤال: لِمَ لَمْ تُنقَل الحادثات الإعجازية باهتمام بالغ بطرق كثيرة ومتواترة كما نُقِلت الأحكام الشرعية الضرورية الأخرى؟

الجواب: لأن أكثر الناس يحتاجون إلى أغلب الأحكام الشرعية في أغلب الأوقات، فهي تتعلق بكل شخص كفرض عين، أما المعجزات فلا يحتاج كل إنسان إلى كل واحد من المعجزات، وحتى لو كانت هناك حاجة فالسماع مرة واحدة يكفي، وكأنها كفرض الكفاية حيث لو علم بها بعض الناس فهو كاف، لذلك فقد يكون أحيانا راو أو راويان لمعجزة واحدة ويكون عشرة أو عشرون راويًا لِحُكم مع أن وجود تلك المعجزة وتحققها أقوى وأكثر ثبوتًا من وجود ذلك الحكم بعشر مرات.

الأساس الرابع: إن بعضًا من حوادث المستقبل التي أخبر عنها الرسول الأكرم r ليست حوادث جزئية، بل هو يخبر بصورة جزئية عن حادثة كلية تتكرر، إلا أن لتلك الحادثة وجوهًا متعددة، ففي كل مرة يبين وجهًا من وجوهها، ثم يجمع راوي الحديث تلك الوجوه، لذا تبدو مخالفة للواقع، فمثلا: إن هناك روايات مختلفة حول السيد "المهدي"، والتفاصيل والتصويرات فيها مختلفة متباينة، ولكن الرسول الأكرم r

280. صفحة

أخبر عن ظهور "المهدي" مستندًا إلى الوحي -كما أثبت في أحد أغصان "الكلمة الرابعة والعشرين"- كي يحافظ على القوة المعنوية لأهل الإيمان في كل عصر، ولا يوقعهم في اليأس أمام الحوادث المفجعة المذهلة، ولكي يربط أهل الإيمان ربطًا معنويًّا بآل بيته الذين هم السلسلة النورانية للعالم الإسلامي، فكل عصر وجد نوعًا من "المهدي" بل مهديين من آل البيت كالمهدي الذي يأتي في آخر الزمان، حتى وجد من الخلفاء العباسيين الذين يعدون من آل البيت المهدي[1] الذي يجمع صفات كثيرة للمهدي الكبير، فاختلطت أوصاف الخلفاء المهديين والأقطاب المهديين الذين جاءوا قبل المهدي الكبير والذين هم أمثاله ونموذجه بأوصاف المهدي الكبير الحقيقي، من أجل ذلك وقع الاختلاف في الروايات.

الأساس الخامس: إن الرسول الأكرمr لم يكن يعلم الغيب من عنده بسر " لا يعلم الغيب إلا الله"، بل الحق تعالى كان يعلمه فيخبر به هو بدوره، والحق تعالى حكيم ورحيم، فحكمته ورحمته تقتضيان ستر أكثرِ الأمور الغيبية، وتتطلبان أن تبقى مبهمة، لأن الأمور التي يكرهها الإنسان في هذه الدنيا أكثر مما يحبها، فالعلم بها قبل وقوعها أليم، ومن هذا السر فقد أُبقِي الموت والأجل مبهمين، وظلت المصائب التي ستنزل بالإنسان مستورة تحت ستار الغيب، ولأن الحكمة الربانية والرحمة الإلهية تقضيان ذلك، فإن عدم إطْلاع الله تعالى الرسول الأكرمr اطلاعًا كليًّا وبالتفاصيل على الحوادث المرعبة المذهلة التي أصابت أمته وأصحابه بعد وفاته حتى لا تجرح رحمته الشديدة الرقيقة بأمته جرحًا كبيرًا، ولا تجرح شفقته الشديدة بآله وأصحابه جرحًا غائرًا لهو من مقتضى الحكمة والرحمة[2]، ولكن الله تعالى أخبره عن الحوادث المهمة من أجل بعض الحكم

[1] المهدي: هو أبو عبد الله محمد بن المنصور ثالث الخلفاء العباسيين، ولد سنة 127هـ، وتوفي سنة 169 هـ أخذت له البيعة في ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين ومائة.

[2] إن الدليل على عدم إطْلاع الله تعالى الرسول الأكرم rإطْلاعًا كاملا أن الصديقة عائشة رضي الله عنها ستكون في وقعة الجمل، وذلك حتى لا يجرح محبّته r وشفقته الشديدة تجاهها؛ هو قوله لأزواجه الطاهرات: ليتني علمت أيكن ستكون في تلك الوقعة، ولكنه أُطلِع عليها فيما بعد إطلاعًا خفيفا فقال لسيدنا عليt: إذا حدث بينك وبين عائشة حادثة "فارفق وبلغها مأمنها". ( المؤلف)




281. صفحة

إخبارًا بصورة غير مفجعة، فأخبر هو بدوره عن تلك الحوادث. ثم إن الله تعالى أخبره عن الحوادث السارة بعضها مجملة وبعضها مفصلة، فأخبر هو بدوره عنها، فالمحدثون الكاملون الذين هم في أعلى درجة من التقوى والعدل والصدق والذين كانوا يخافون بشدة من الوعيد في حديث "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ"[1]، والذين يتجنبون بشدة التهديد الشديد في الآية )فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ( [الزمر:32] نقلوا إلينا تلك الأخبار نقلاً صحيحًا.

الأساس السادس: لقد بُيِّنَت أوصاف الرسول r وأحواله عن طريق السِّير والتاريخ، ولكن أغلب تلك الأوصاف والأحوال تتعلق ببشريته، بينما شخصية الرسول r المعنوية المباركة وماهيته القدسية عالية ونورانية إلى حد لا تتناسب معه الأوصافُ المذكورة في السيرة والتاريخ مع تلك القامة المعنوية العالية، ولا توافق تلكم المرتبة ذلك القدر الرفيع السامي، لأنه تضاف كل يوم بل حتى هذه اللحظة أيضا إلى صحيفة كمالاته عبادة عظيمة بقدر عبادات جميع أمته بسر "السبب كالفاعل"، فهو كما أنه ينال الرحمة الإلهية المطلقة نيلا غير محدود باستعداد لا نهاية له، ينال كذلك ما لا حد له ولا حصر من أدعية أمته الذين لا حد لهم. ولا تتسع الأحوال والأطوار البشرية المذكورة في السيرة والتاريخ للماهية الكاملة المباركة للرسول الأكرم r الذي هو نتيجة لهذا الكون وأكمل ثمرة له، وترجمان خالق الكون وحبيبه، ولا تستوعب حقيقة كمالاته.

فمثلا: لا تستوعب الماهيةَ الكاملة المباركة للرسول الأكرم r وحقيقة كمالاته الأطوارُ التي تَظهر في حادثة منازعة هذه الشخصية المباركة r -التي كان سيدنا جبريل وميكائيل معه في غزوة بدر كمعاونين وحارسين- مع أعرابي في السوق حيث ناقشه في مبايعة فرس وقدَّم الخزيمة شاهدا وحيدا[2].

فلكيلا ينحو المرء منحى خاطئا في الفهم يجب أن يرفع رأسه عاليًا كل حين بين الأوصاف العادية التي تُسمَع باعتبار ماهية بشريته وينظرَ إلى ماهيته الحقيقية وشخصيته

[1] انظر البخاري 1/52، ومسلم 1/10.

[2] انظر سنن أبي داود 3/308، ومسند أحمد5/215، وسنن البيهقي7/66.




282. صفحة

المعنوية النورانية الواقفة عند مرتبة رسالته، وإلا فقد أساء الأدب معه أو وقع في الشبهات، ولإيضاح هذا السر فاستمع إلى هذا التمثيل:

هناك نواة تمر، ووُضعت هذه النواة تحت التراب فانفلقت وأصبحت شجرة مثمرة ضخمة، وهي تتوسع وتكبر دوما وباستمرار، أو هناك بيضة طاوس، وسُلِّطت عليها الحرارة فانفلقت عن فرْخ طاوس، ثم أصبحت طاوسًا كاملا رائعًا بديعًا منقوشة كل نواحيه ومزينًّا من لدن القدرة، فهو ينمو ويكبر باستمرار ويزداد جمالاً دومًا.

والآن هناك صفات وحالات تخص النواة والبيضة، وفيهما مواد دقيقة ورقيقة، فالنخلة التي نشأت عن النواة والطاووس الذي خرج من البيضة لهما صفات وكيفيات سامية عالية مقارنة بالكيفيات والأوضاع البسيطة العادية لتلك النواة والبيضة، فالآن يجب ربط وجمع صفات تلك النواة والبيضة بصفات الشجرة والطاوس وتناولهما معًا بالبحث، لكي يرفع عقل البشر رأسه دومًا من النواة إلى الشجرة، ويصرف نظره من البيضة إلى الطاوس ويدقق فيه، حتى يقبل عقله تلك الأوصاف التي سمعها، وإلا ولو سمع من أحدهم: "لقد جنيت من نواة بمقدار درهم ألف رطل من التمر، وهذه البيضة هي سلطان الطيور في جو السماء" لانساق إلى التكذيب والإنكار.

وكما في هذا المثال فإن بشرية الرسول الأكرم r تشبه تلك النواة وتلك البيضة، أما ماهيته التي تتألق وتسطع بوظيفة الرسالة فهي كشجرة الطوبى والطير المبارك للجنة، علاوة على ذلك فإنها في تكمل مستمر ودائم، فلذلك عندما يفكر أحد في هذه الشخصية التي دخلت في نزاع مع الأعرابي في السوق يجب أن يرفع عين خياله وينظر إلى شخصيته النورانية التي ركبت البراق وخلفت جبريل u وراءها وانطلقت إلى قاب قوسين أو أدنى، وإلا أساء الأدب معه أو لم تصدقه نفسه الأمارة بالسوء.


283. صفحة

الإشارة الخامسة ذات النكتة:

نذكر بعضًا من الأحاديث التي تتعلق بالأمور الغيبية:

المثال الأول: نقل إلينا نقلا صحيحًا ومتواترًا أن الرسول الأكرم r، قال بين جماعة من الصحابة فوق المنبر: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ"[1]، فعندما التقى الجيشان العظيمان للمسلمين صالح سيدنا الحسن t سيدنا معاوية t، فصدَّق المعجزة الغيبية لجده الأمجد r بعد أربعين سنة.

المثال الثاني: نقل إلينا نقلا صحيحًا أنه r قال لعليt، "ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين"[2] فأخبر عن واقعة الجمل وواقعة صفين وواقعة الخوارج وعندما كان سيدنا الزبير بن العوامt وسيدنا عليt يتحابان قال لعليt " ليقاتلنك يومًا وهو غير محق"[3]. وكذا قال لأزواجه الطاهرات: ستتولى إحداكن على رأس فتنة عظيمة وسيُقتل الكثيرون حولها، و"تَنْبُحُ عَلَيْهَا كِلاَبُ الحَوْأَبِ"[4].

فهذه الأحاديث الصحيحة الثابتة قطعًا، أي محاربة سيدنا عليt  بعد ثلاثين سنة مع عائشة والزبير وطلحة y في وقعة الجمل، ومحاربته مع معاويةt  في صفين، ومع الخوارج في حروراء ونهروان، كل ذلك تصديق فعلي لتلك الأخبار الغيبية.

وكذا أخبر عليًّا t عن الرجل الذي سيقتله قائلا: سيُبَلِّل لحيتك بدم رأسك[5]، وكان سيدنا علي يعرفه وهو عبد الرحمن بن ملجم الخارجي.

وأخبر r أيضًا عن رجل من الخوارج بعلامة غريبة فيه يقال له ذو الثدية، فوُجد الرجل بين قتلى الخوارج، فقدّمه سيدنا علي t حجة على أنه هو المُحِقّ، وفي نفس الوقت أعلن عن المعجزة النبوية[6].


[1] انظر البخاري 2/962، وسنن النسائي 1/531, ودلائل النبوة للبيهقي 6/442.

[2] انظر المستدرك على الصحيحين 3/150، ومجمع الزوائد 5/186، والخصائص الكبرى 2/235.

[3] انظر مصنف ابن أبي شيبة 7/545، والمستدرك على الصحيحين 3/413.

[4] انظر صحيح ابن حبان 15/126، و مصنف ابن أبي شيبة 7/536.

[5] انظر كنز العمال 13/62.

[6] انظر صحيح البخاري 3/1321، وصحيح مسلم 2/744، ودلائل النبوة 5/188.




284. صفحة

وأخبر الرسول الأكرم r كذلك برواية صحيحة عن أم سلمة وغيرها، بأن الحسين t سيُقتل في "الطف" أي كربلاء[1]، فبعد خمسين سنة وقعت تلك الواقعة المفجعة التي تحرق الأكباد، فصدَّقت ذلك الإخبار الغيبي.

وأخبر كذلك r مرات كثيرة: إن آل بيتي "يلْقَوْنَ قَتْلاً وَتَشْرِيدًا"[2] من بعدي، وبيَّن ذلك إلى حد ما، فحدث كما أخبر.

 سؤال مهم في هذا المقام:

يقال: إن سيدنا عليا t كان يستحق الخلافة استحقاقًا كاملاً، وله قرابة مع الرسول الأكرم r، وله شجاعة وعلم غزير لا مثيل لهما، فلِم لَمْ يُقدَّم في الخلافة؟ ولم أصيب الإسلام في زمانه بالاضطرابات والبلبلة؟

الجواب: لقد قال قطب عظيم من آل البيت: كان الرسول الأكرم r يرغب في خلافة علي t، ولكنه أُخبِر من الغيب أن مراد الله تعالى غير ذلك، فتخلى r عن رغبته واتبع المراد الإلهي.

وإحدى حِكم المراد الإلهي هي: أن الصحابة y كانوا في أمس الحاجة إلى الاتفاق والاتحاد بعد وفاة النبي r، فلو كان سيدنا علي t تولى الخلافة لكانت أحواله وأطواره التي تنم عن عدم مراءاته للناس وتملقه لهم وعن الجرأة وعدم التخوّف، والتي تشفّ عن زهد وبسالة واستغناء عن الناس فضلا عن شجاعته المعروفة بين العالم، تثير عرق المنافسة لدى كثير من الأشخاص والقبائل، وتتسبب في التفرقة باحتمال قويّ، حيث تشهد على ذلك الأحداث التي وقعت في عهد خلافته.

ثم إن أحد أسباب تأخر خلافة سيدنا علي t هو: أنه كان لا بد من وجود شخصية مثل سيدنا علي t تملك شجاعة وفراسة لا مثيل لهما، وقوة عظيمة موقرة كبني هاشم وآل البيت بين أقوام يحملون أسس أفكار ثلاث وسبعين فرقة ظهرت فيما

[1] انظر المعجم الكبير 3/107، ومجمع الزوائد 9/188، وأعلام النبوة 182.

[2] انظر المستدرك على الصحيحين 4/524، وكنز العمال 11/74.




285. صفحة

بعد، باختلاط الأقوام المختلفة بعضها ببعض اختلافًا كبيرًا كما أخبر الرسولr [1]، وفي وقت ظهور الحوادث المشحونة بالفتن، حتى تصمد أمام هذه الفتن، أجل ولقد ثبتت وصمدت فعلا، وقد أخبر الرسول r عليًّا t قائلا: إنني حاربت من أجل نزول القرآن فستحارب أنت من أجل تأويله[2].

ثم إنه لو لم يكن سيدنا عليّ t ربما كان ملك الدنيا وسلطنتها ينحرف بملوك الأمويين عن الصراط السويّ كليًّا، ولكن جميع رؤساء الدولة الأموية وجدوا أمامهم سيدنا عليًّا وآل البيت، فاضْطُرّ الرؤساء الأمويون إلى السعي إلى حث وتوجيه أتباعهم ومسانديهم إلى حفظ ونشر الحقائق الإسلامية والحقائق الإيمانية والأحكام القرآنية بكل قوتهم كي يرتفعوا إلى منزلة آل البيت حتى وإن لم يفعلوه هم ويحافظوا على مكانتهم ومنزلتهم في نظر المسلمين، وربّوا مئات الآلاف من المجتهدين والمحققين والمحدثين الكاملين والأولياء والأصفياء. وإن لم يكن أمامهم ولاية آل البيت وتقواهم وكمالاتهم العالية القوية جدًّا لانحرفوا انحرافًا تامًّا عن الصراط باحتمال كبير.

فإن قيل: لِمَ لَمْ تستقر الخلافة الإسلامية في آل بيت النبي r ؟ مع أنهم كانوا أحق بها؟

الجواب: إن مُلك الدنيا وسلطنتها خادع فَتَّانَ، وأما آل البيت فكانوا مأمورين بالحفاظ على الحقائق الإسلامية والأحكام القرآنية، فالذي يتولى الخلافة والملك والسلطنة إما أن يكون معصومًا كالأنبياء، وإما أن يكون زاهدًا زهدًا قلبيًّا لا مثيل له كالخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز الأموي والمهدي العباسي حتى لا تغره ولا تخدعه ملك الدنيا. والحال أن خلافة الدولة الفاطمية التي أًُسِّست باسم أهل البيت في مصر، وحكومة الموحّدين في إفريقيا، والدولة الصفوية في إيران، ترينا أن سلطنة الدنيا وملكها لا تصلح لآل البيت، بل تنسيهم وظيفتهم الأصلية التي هي حفظ الدين وخدمة الإسلام، فمتى

[1] انظر روايات اختلاف الأمة إلى ثلاث وسبعين شعبة في سنن النسائي 5/158، وسنن البيهقي 8/187، ومشكاة المصابيح 1/61.

[2] انظر صحيح ابن حبان 15/385، ومسند أحمد 3/31، والمستدرك على الصحيحين 3/132، وخصائص علي 166، وحلية الأولياء 1/67.




286. صفحة

ما تركوا السلطنة والملك فقد خدموا الإسلام والقرآن خدمة باهرة عظيمة، فها انظر إلى الأقطاب الذين أتوا من ذرية الحسن t ولا سيما الأقطاب الأربعة وبالأخص إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي هو الغوث الأعظم، وإلى الأئمة الذين أتوا من نسل الحسين t وبخاصة زين العابدين وجعفر الصادق، فكل منهم أصبح بمنزلة المهدي المعنوي، وبددوا الظلم والظلمات المعنوية، ونشروا الأنوار القرآنية والحقائق الإيمانية، وأظهروا أنهم وارثُو جَدِّهم الأمجد r.

فإن قيل: ما حكمة تلك الفتنة الدموية العظيمة التي أصابت الإسلام والمسلمين وعصر السعادة النورانية وما هو وجه الرحمة فيها؟ لأنهم لم يكونوا يستحقوا العذاب الإلهي؟

الجواب: فكما أن العاصفة الشديدة ذات المطر الغزير في الربيع تثير وتحرك استعداد جميع أنواع النباتات والبذور والأشجار وتزدهر بها وتنمّيها، فكل واحدة منها تتفتح الأزهار الخاصة بها، وتباشر وظيفة فطرية معينة، فكذلك الفتن التي أصابت الصحابة والتابعين قد أثارت وفجرت عندهم الاستعدادات المختلفة المتباينة التي كانت كالبذور وحفَّزتها، وخوّفت كل الطوائف بأن الإسلام في خطر وقد شب الحريق، وجعلتهم يهرعون إلى حفظ الإسلام، فكل واحد منهم أخذ على عاتقه وظيفة معينة من الوظائف المختلفة الكثيرة تجاه المجتمع الإسلامي حسب استعداده، وعمل وجاهد بكمال الجد، فقسم منهم قاموا وعملوا على الحفاظ على الأحاديث الشريفة، وقسم على الشريعة، وقسم على الحقائق الإيمانية، وقسم على القرآن الكريم، وهكذا فكل طائفة اشتغلت بخدمة معينة، وسعوا كلهم في أداء الوظائف الإسلامية سعيًا حثيثًا، وتفتحت أزهار كثيرة بألوان مختلفة، ونُثرت البذور بتلك العاصفة في أقطار العالم الإسلامي الواسع الشاسع، فحوّلت نصف الأرض إلى حديقة الورود، ولكن للأسف ظهرت في تلك الحديقة وبين تلك الورود أشواك فِرق أهل البدعة، فكأن يد القدرة قد هزّت ذلك العصر بالجلال وحركتها بشدة وقلّبتها، وأثارت حماسة أهل الهمة وشحذت هممهم، وطيّرت بالقوة المركزية الناشئة عن تلك الحركة كثيرًا جدًّا من المجتهدين المنوَّرين والمحدثين النورانيين والحُفّاظ القدسيين

287. صفحة

والأصفياء والأقطاب إلى أقطار العالم الإسلامي، وجعلتهم يهاجرون في سبيل ذلك، وحركت ونشّطت المسلمين شرقًا وغربًا، وفتحت أعينهم للاستفادة من الخزائن القرآنية.

والآن نعود إلى ما نحن بصدده، فإن الأحداث التي وقعت بالفعل من بين الأمور الغيبية كما أخبر الرسول الأكرم r عنها كثيرة جدًا تبلغ الآلاف، ونحن سنشير إلى بضعة أمثلة جزئية فقط:

إن أصحاب الكتب الستة المشهورة وعلى رأسهم الإمام البخاري والإمام مسلم متفقون على صحة أكثر الأخبار التي سنبينها، وإن كثيرًا منها متواتر تواترًا معنويًّا، ويمكن أن يعتبر قسم منها ثابتًا ثبوتًا قاطعًا كالمتواتر لاتفاق أهل التحقيق على صحتها.

فقد نقل نقلا صحيحًا أن الرسول r أخبر أصحابه قائلا: "ستَغلبون جميع أعدائكم، وستُوَفَّقون إلى فتح مكة وإلى فتح خيبر وإلى فتح الشام وإلى فتح العراق وإلى فتح إيران وإلى فتح بيت المقدس"[1].

وأخبر أيضًا: "ستُقسمون فيما بينكم كنوز ملوك الفرس والروم وهما أكبر دولتين في ذلك الزمان"[2]، ولم يقل :r أخمن أو أظن، بل أخبر إخبارًا قاطعًا وكأنه يرى عيانًا، فوقع كما أخبر، فعندما كان يخبر كان مضطرًّا للهجرة، وكان أصحابه قلة، وما حول المدينة وجميع العالم كان أعداء له.

وقد نُقل نقلا صحيحًا قطعيا أنه r قال مرارًا:"عَلَيْكُمْ بِسِيرَةِ اللذَّينَ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ"[3]، فأخبر أن أبا بكر وعمر سيبقيان بعده، وسيكونان خليفتين، وسيسيران سيرة رائعة في أكمل وجه وضمن مرضاة الله ومرضاة النبي r، وأن أبا بكر سيبقى قليلا، بينما عمر سيبقى كثيرًا وسيقوم بفتوحات كثيرة.


[1] انظر في ذلك البخاري 2/663، و 3/1159.

[2] انظر صحيح البخاري 3/1135، وصحيح مسلم 4/2236.

[3] انظر سنن ابن ماجة 1/37، والترمذي 5/609، والبيهقي 5/212، والمستدرك على الصحيحين 3/79، وفضائل الصحابة لابن حنبل 1/426.




288. صفحة

وكذا قال: "زُوِيَتْ لِيَ الأَرْضُ، فَأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا"[1]، أي إن أمتي ستملك ملك الدنيا شرقًا وغربًا، وأنه لم تملك أية أمة مثل هذا الملك، فوقع كما أخبر.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا وقاطعًا أنه أخبر قبل غزوة بدر: "هَذَا مَصْرَعُ أَبِي جَهْلٍ وَهَذَا مَصْرَعُ عُتْبَةَ وَهَذَا مَصْرَعُ أُمَيَّةَ هَذَا مَصْرَعُ فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ"[2]، وأشار إلى مصارع كل واحد من سادة قريش المشركين، وقال: "إنني سأقتل أبي بن خلف بيدي"[3]، فوقع كما أخبر.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا قاطعا أنه أخبر وكأنه يشاهد أصحابه الذين يحاربون في غزوة مؤتة وهي غزوة مشهورة وقعت قرب الشام وتبعد مسافة شهر عن المدينة فقال: " أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرُ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ"[4] فأخبر أصحابه بالحادثة بتفاصيلها، ثم رجع يعلى ابن منبه من الحرب بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، فقبل أن يخبر بما دار هناك أخبر المخبر الصادق r الحادثة بتفاصيلها، فأقسم يعلى وقال: حدث كما أخبرتَ بالضبط.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا قاطعًا أنه قال: "إِنَّ الخِلاَفَةَ بَعْدِي ثَلاَثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا"، و"وَإِنَّ هَذَا الأَمْرَ بَدَأَ نُبُوَّةً وَرَحْمَةً ثُمَّ يَكُونُ رَحْمَةً وَخِلاَفَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا، ثُمَّ يَكُونُ عُتُوًّا وَجَبَرُوتًا"[5] فأخبر عن مدة خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة مع مدة خلافة سيدنا الحسن التي دامت ستة أشهر، وأن الخلافة ستكون ملكًا بعد ذلك، ثم تكون جبروتًا وفسادًا للأمة، فوقع كما أخبر.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا قاطعًا أنه قال: "يُقْتَلُ عُثْمَانُ وَهُوَ يَقْرَأُ المُصْحَفَ وَإِنَّ اللهَ عَسَى أَنْ يُلْبِسَهُ قَمِيصًا وَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ خَلْعَهُ"[6] فأخبر أن سيدنا عثمان سيكون خليفة،

[1] انظر صحيح مسلم 4/2215، وأبي داود 4/97.

[2] انظر صحيح مسلم 3/1404، والسيرة الحلبية 2/430.

[3] انظر الشفاء للقاضي عياض 1/116.

[4] انظر البخاري 3/1372.

[5] انظر روايات ذلك في البيهقي8/159، ومسند أحمد 4/273، والمعجم الأوسط6/345.

[6] انظر مسند أحمد 6/114، وكنز العمال 11/274.




289. صفحة

وإن الناس سيطلبون خلعه، وأنه سيقتل مظلومًا وهو يقرأ القرآن، فوقع كما أخبر r.

ونُقل نقلاً صحيحًا قاطعا أنه r احتجم يومًا، فشرب عبد الله بن الزبير دمه كشراب حلو تبركًا فقال له r: "وَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ وَوَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ"[1] فأخبر أنه سيتولى رئاسة الأمة بشجاعة خارقة، وأنه سيتعرض لمهاجمات وغارات رهيبة، وأن الناس سيتعرضون بسببه لحوادث مذهلة رهيبة، فوقع كما أخبر، حيث أعلن عبد الله بن الزبير خلافته في مكة في عهد الأمويين، وقاتل مرات عديدة قتالا في شجاعة وبسالة نادرة، ففي النهاية هاجمه الحجاج الظالم بجيش كبير، وبعد قتال شديد وقع هذا البطل العظيم شهيدًا.

ونقل نقلا صحيحًا قاطعًا أيضًا أنه أخبر عن ظهور الدولة الأموية وأن أكثر ملوكها سيكونون ظالمين، وأنه سيظهر من بينهم يزيد ووليد[2]، وأن معاويةt  سيتولى أمر الأمة، حيث قال له النبي r: "إِذَا مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ"، وأوصاه بالرفق والعدل[3]، وأخبر عن ظهور الدولة العباسية بقوله: "يَخْرُجُ وَلَدُ العَبَّاسِ بِالرَّايَاتِ السُّودِ وَيَمْلِكُونَ أَضْعَافَ مَا مَلَكُوا"[4]، وأن حكمها سيستمر مدة طويلة، فوقع كما أخبر.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا قاطعا أنه r قال: "وَيْلٌ لِلعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ"[5] فأخبر عن الفتنة الرهيبة لجنكيزخان وهولاكو، وأنهم سيقضون على الدولة العباسية العربية، فوقع كما أخبر.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا قاطعا أنه قال لسعد بن وقاص وهو مريض بمرض شديد "لَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيَسْتَضِرَّ بِكَ آخَرُونَ"[6] فأخبر أنه سيكون قائدًا عظيمًا في المستقبل، وسيقوم بفتوحات كثيرة وسينتفع به أمم وأقوام كثيرون، أي

[1] انظر سنن الدارقطني 1/228، والإصابة في تمييز الصحابة 4/93.

[2] انظر مصنف ابن أبي شيبة 7/260، فقد جاء فيه : "أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية "

[3] انظر رواية ذلك في مجمع الزوائد 5/186، ودلائل النبوة للبيهقي 6/446، وتاريخ مدينة دمشق 59/61.

[4] انظر الفتن لنعيم بن حماد 1/203، وانظر المسند للإمام أحمد 1/209.

[5] انظر البخاري 3/1221، ومسلم 4/2207.

[6] انظر البخاري 1/435، وابن حبان 13/384.




290. صفحة

سيسلمون، وأنه سيتضرر منه الكثيرون، أي ستزول دولهم بيده، فكان كما أخبر، حيث تولى سعد بن وقاص t قيادة جيش الإسلام، ودمر دولة الفرس، وأصبح سببًا في إسلام كثير من الأقوام واهتدائهم.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا قاطعا أنه r نعى لأصحابه موت النجاشي -ملك الحبشة الذي أسلم- يوم وفاته في السنة السابعة من الهجرة، وحتى إنه صلى عليه صلاة الجنازة، فبعد أسبوع جاء الخبر أنه توفي في اليوم نفسه الذي أخبر بذلك فيه r[1].

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا قاطعا أنه r عندما كان مع أصحابه الأربعة المصطفِّين على جبل أحد أو حراء، اهتز الجبل وتزلزل، فقال للجبل: "اثْبُتْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدٌ"[2] فأخبر أن عمر وعثمان وعلي y سيُستشهدون، فوقع كما أخبرr .

 

 

والآن فيا أيها الرجل الشقي المسكين يا ذا القلب الميت!

ويا من تقول إن محمدًا العربي r كان عبقريا، وتغمض عينيك أمام تلك الشمس؛ شمس الحقيقة!

لقد سمعت جزءًا من خمسة عشر جزءًا بل مائة جزء من الأمور الغيبية التي هي نوع واحد من أنواع معجزاته البالغة خمسة عشر نوعًا، واستمعت إلى الثابتة منها ثبوتًا قاطعًا بدرجة التواتر المعنوي، فإن من يرى بعين عقله واحدًا من مائة من هذا الإخبار الغيبي يسمى عبقريًّا كبيرًا يكشف المستقبل بفراسته، فبناء عليه لو قلنا إنه عبقري مثلك، فهل يخطئ الرؤيةَ من يملك عبقرية قدسية في درجة مائة عبقري عظيم؟! أفلا يترفع عن أن يخبر أخبارًا كاذبة؟ فلا شك أن عدم الاستماع إلى كلام من يملك مائة درجة من مثل هذه العبقرية العظمى حول سعادة الدارين أمارة الجنون بمائة درجة!

 


[1] انظر البخاري 3/1407،ومسلم 2/657.

[2] انظر البخاري 3/1344، وابن حبان 15/441.




291. صفحة

الإشارة السادسة ذات النكتة:

لقد نقل نقلا صحيحًا قاطعا أنه r قال لفاطمة رضي الله عنها: " أَنْتِ أَوَّلُ أَهْل بَيْتِي لُحُوقًا بِي"[1] فبعد ستة أشهر حدث كما أخبر.

وكذا قال لأبي ذرt : "سَتَخْرُجُ مِنْهَا وَتَعِيشُ وَحْدَكَ وَتَمُوتُ وَحْدَكَ"[2] فأخبر أنه سيُنفى من المدينة، ويعيش وحده، ويموت وحده في الصحراء، فبعد عشرين سنة وقع كما أخبر r.

وذات يوم كان النبي r نائمًا في بيت أم حرام خالة أنس بن مالك t فاستيقظ وتبسم وقال:" رَأَيْتُ أُمَّتِي يَغْزُونَ فِي البَحْرِ كَالمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ"، فتوسلت إليه أم حرام قائلة: ادع الله حتى أكون معهم، فقال r "ستكونين معهم"[3]، فبعد أربعين سنة خرجت إلى فتح قبرص مع زوجها عبادة بن الصامت t، فتوفيت في قبرص، وأصبحت قبرها مزارًا، فحدث كما أخبر r.

ونقل نقلا صحيحًا قاطعا أنه r قال: "يَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ"[4]، أي سيخرج شخص من قبيلة ثقيف يدعي النبوة، وسيظهر منهم شخص ظالم سفاك للدماء، فأخبر عن المختار الثقفي المشهور الذي ادعى النبوة، وعن الحجاج الظالم الذي قتل مائة ألف رجل.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا قاطعا أنه r قال: "سَتُفْتَحُ القُسْطَنْطِينِيَّةُ فَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَنِعْمَ الجَيْشُ جَيْشُهَا"[5]، فأخبر أن إستانبول ستفتح بيد المسلمين، وأن السلطان محمد الفاتح صاحب مرتبة عالية، فوقع كما أخبر r.


[1] انظر صحيح مسلم 4/1905، وسنن النسائي 5/96.

[2] انظر المستدرك على الصحيحين 3/52، ودلائل النبوة 5/222.

[3] انظر صحيح البخار 3/1030، ومسلم 3/1519.

[4] انظر سنن الترمذي 4/499، ودلائل النبوة للبيهقي 6/482.

[5] انظر مسند الإمام أحمد 4/335, والمستدرك على الصحيحين 4/468




292. صفحة

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا قاطعا أنهr  قال: "إِنَّ الدِّينَ لَوْ كَانَ مَنُوطًا بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسٍ"[1] فأشار إلى العلماء والأولياء الأفذاذ الذين أنجبتهم وربتهم إيران وعلى رأسهم أبو حنيفة رحمه الله.

وقال أيضًا: "عَالِمُ قُرَيْشٍ يَمْلأُ الأَرْضَ عِلْمًا"[2]، فأشار إلى الإمام الشافعي رحمه الله وأخبر عنه.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا قاطعا أنه r قال: "سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي ثَلاَثًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً النَّاجِيَةُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، قِيلَ مَنْ هُمْ؟ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي"[3] فأخبر أن أمته ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن الفرقة الناجية الكاملة منها هي أهل السنة والجماعة.

وقالr أيضًا: "القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ"[4] فأخبر عن فرقة القدرية المنكرة للقدر والمنقسمة إلى فرق كثيرة، وأخبر أيضًا عن الرافضية التي انقسمت إلى فرق وشعب كثيرة.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا أنه r قال للإمام علي t (ما معناه): "سيهلك فيك صنفان من الناس كما ضل في عيسى، أحدهما بحب مُفْرِط، والآخر بعداوة مُفْرِطة" [5]، وقد أفرط النصارى في حب سيدنا عيسى u وتجاوزوا عن الحد المشروع، فقالوا: إنه ابن الله، حاشا له تعالى، واليهود تجاوزوا حدودهم لعداوتهم له، وأنكروا نبوته وكماله، فأنت كذلك سيتجاوز بعض الناس في حبك عن الحد المشروع، سيهلك من حبه المُفْرِط، فقال عنهم: "لَهُمْ نَبْزٌ يُقَالُ لَهُمْ الرَّافِضَةُ"[6]، وبعض الناس سيُفرِط في عداوتك، وهم الخوارج وبعض الموالين المفرطين للأمويين، يقال لهم الناصبة.


[1] انظر سنن الترمذي 5/834، وتحفة الأحوذي 9/104.

[2] انظر مسند الطيالسي 39، والخصائص الكبرى 2/237، والسيرة الحلبية 1/41.

[3] انظر سنن الترمذي 5/26.

[4] انظر سنن أبي داود 4/222، والمستدرك على الصحيحين 1/159.

[5] انظر مسند أحمد 1/160، والمستدرك على الصحيحين 2/132، والدر المنثور 2/727.

[6] انظر المعجم الكبير 12/242، ومسند أبي يعلي 12/116.




293. صفحة

فإن قيل: إن القرآن يأمر بحب أهل البيت، وسيدنا الرسول r حث كثيرًا على ذلك، وقد يكون هذا الحب عذرًا للشيعة، لأن أهل الحب هم أهل السكر إلى حد ما، فلماذا لا تنتفع الشيعة ولا سيما الروافض من هذا الحب، ربما هم أسرى محبتهم المفرطة كما أشار النبيr ؟

الجواب: المحبة قسمان:

أحدهما: محبة بالمعنى الحرفي، أي محبة علي والحسن والحسين y وآل البيت محبةً في الله والرسول الأكرم r، فهذه المحبة تزيد محبة الرسول الأكرم r، وتكون وسيلة لمحبة الله تعالى، فهذه المحبة مشروعة، ولا تضر الإفراط فيها، ولا تتجاوز الحد، ولا تقتضي ذم الآخرين وعداوتهم.

والآخر: محبة بالمعنى الاسمي، أي المحبة لذاتهم، أي أن يحب المرء عليًّاt  مفكرًا في شجاعته وبطولاته وكماله، ويحب الحسن والحسين مفكرًا في فضائلهما من دون أن يفكر في الرسول الأكرم r، فحتى لو لم يعرف الله ورسوله فإنه يحبهم، فلا تؤدي هذه المحبة إلى محبة الله ومحبة رسوله r، وإن كان فيها إفراط فإنها تقتضي ذم الآخرين وعداوتهم.

هكذا فقد وقعوا في الخسارة لإفراطهم في حب سيدنا علي t كما أشار النبي r، وتبريهم من سيدنا أبي بكر الصديق وسيدنا عمر y، فهذه المحبة السلبية سبب الخسارة.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا أنهr  قال: "إِذَا مَشَوْا مُطَيْطَاءَ وَخَدَمَتْهُمْ بَنَاتُ فَارِسَ وَالرُّومِ رَدَّ الله بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ وَسَلَّطَ شِرَارَهُمْ عَلَى خِيَارِهِمْ"[1]، أي متى ما خدمتكم بنات الفرس والروم فعندئذ تكون الفتن فيما بينكم، وتكون حروبكم فيما بينكم، وسيرأسكم أشراركم ويتسلطون على خياركم وأبراركم، وبعد ثلاثين سنة وقع كما أخبرr .


[1] انظر صحيح ابن حبان 15/112، ودلائل النبوة للبيهقي 6/525.




294. صفحة

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا قاطعا أنه r قال: "وَتُفْتَحُ خَيْبَرُ عَلَى يَدِ عَلِيٍّ"[1]، ففي اليوم الثاني حدث ما لم يكن متوقعًا إذ أخذ علي باب حصن خيبر بيده كمعجزة نبوية، واستخدمه كترس فوفق للفتح، ثم ألقاه على الأرض، ولم يستطع ثمانية رجال أقوياء رفع ذلك الباب عن الأرض، وفي رواية أخرى أربعون رجلا.

وقال r أيضًا: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ"[2]، فأخبر عن الحرب التي دارت بين علي t وبين معاوية t في صفين. وقال r أيضًا: "إِنَّ عَمَّارًا تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ"[3]، فقتل عمار t بعد ذلك في صفين، فاحتج علي t به على أن أنصار معاوية t هم الفئة الباغية، ولكن معاوية أول هذا الحديث، فقال عمرو بن العاص: الفئة الباغية هم قاتلوه فقط، وليس جميعنا.

وقال r أيضًا: "إِنَّ الفِتَنَ لاَ تَظْهَرُ مَادَامَ عُمَرُ حَيًّا"[4] فحدث كما أخبر.

ثم إن سهيل بن عمرو t عندما أسر قبل أن يسلم، قال عمرt  للرسول الأكرم r ائذن لي أقتلع أسنانه، لأنه كان يحرّض كفار قريش على حربنا بفصاحته، فقال الرسول الأكرم r: "عَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا يَسُرُّكَ يَا عُمَرُ"[5] ففي الحادثة الفجيعة الأليمة المحزنة وهي حادثة وفاة النبي r قام أبو بكر الصديقt  في المدينة المنورة فألقى خطبة مؤثرة وعزى الجميع وواساهم في مصيبتهم بمتانة كاملة، وقام كذلك سهيلt  هذا في مكة المكرمة فعزى الصحابة وواساهم بمصيبتهم وألقى بفصاحته المعروفة خطبة تشبه معنىً خطبة أبي بكر الصديق، حتى إن كلمات الخطبتين متشابهة.


[1] انظر رواية ذلك في صحيح البخاري 4/1542، وسنن النسائي 5/46.

[2] انظر البخاري 3/1320، وصحيح ابن حبان 15/128.

[3] انظر البخاري 1/172، ومسلم 4/2236.

[4] انظر الإشارة إلى ذلك في البخاري 1/196، ومسند أحمد 5/401.

[5] انظر السيرة النبوية لابن هشام 3/200، وأعلام النبوة 161، والاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله 3/41.




295. صفحة

وقال r لسراقة t: "كَيْفَ بِكَ إِذَا لَبِسْتَ سُوَارَيْ كِسْرَى"[1]، وفي عهد سيدنا عمر t قتل كسرى، وأتي بحلي وكنوز وأساورة كسرى الرائعة، فألبسها سيدنا عمر t سراقة t، وقال: "الحَمْدُ للهِ الذي سَلَبَهُمَا كِسْرَى وَأَلْبَسَهُمَا سُرَاقَةَ" فصدَّق الإخبار النبوي.

وقال r أيضًا: "إَذَا ذَهَبَ كِسْرَى فَلاَ كِسْرَى بَعْدَهُ"[2]، فكان كما أخبر r.

وقال r لرسول كسرى: لقد قتل ابن كسرى شيروية برويز أباه كسرى في يوم كذا"[3] فتحقق رسول كسرى فتأكد أن قتله في اليوم الذي أخبر الرسول الأكرم r، فأسلم، واسم ذلك الرسول "فيروز" في بعض الأحاديث.

ونقل نقلا صحيحًا أنه r أخبر عن الرسالة التي أرسلها حاطب بن بلتعة إلى قريش سرًّا، فأرسل عليًّا والمقداد رضي الله عنهما وقال لهما: إن في موقع كذا رسالة مع شخص، فاذهبا وائتيا بها"[4]، فذهبا إلى نفس الموقع الذي أخبرهما الرسول r وأتيا بها، واستدعى الرسول r حاطبًا، فسأله لماذا أقدم على ذلك، فاعتذر، وقبل r عذره.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا أنه r قال في حق عتبة بن أبي لهب: يَأْكُلُهُ كَلْبُ اللهِ"[5]، فأخبر عن عاقبة عتبة الفجيعة، وعندما خرج يريد اليمن جاءه أسد وأكله، فصدَّق خبر الرسول r ودعاءه عليه.

ونقل أيضًا نقلاً صحيحًا أن سيدنا بلالاًt  صعد الكعبة حين فتح مكة وأذن، فجلس رؤساء قريش يتحدثون وهم أبو سفيان، وعتاب ابن أسيد، والحارث بن هشام،

[1] انظر سنن البيهقي 6/357، ودلائل النبوة 6/325.

[2] انظر البخاري 3/1135، ومسلم 4/2236.

[3] انظر الإصابة في تمييز الصحابة 1/337، والسيرة الحلبية 3/292.

[4] انظر صحيح البخاري 4/1557، ومسلم 4/1941، ودلائل النبوة 5/17.

[5] انظر دلائل النبوة للأصبهاني 219.




296. صفحة

فقال عتاب: كان أبي محظوظًا إذ لم يشهد هذا اليوم، فقال الحارث: "ألم يجد محمد رجلا غير هذا الغراب الأسود حتى يؤذن"، فأهانه، فقال أبو سفيان: أما أنا فأخاف ولا أقول شيئًا، فحتى إن لم يكن هناك أحد فإن أحجار هذه البطحاء تخبره، فيعلم هو بذلك[1]، وفعلا لقيهم الرسول r بعد قليل وأخبرهم بما قالوه بحرفه، فعند ذلك شهد عتاب والحارث الشهادتين وأسلما.

فيا أيها الملحد المسكين، ويا ذا القلب الميت، ويا من لا يعرف الرسول r !

انظر إن اثنين من سادة قريش المعاندين أسلما بإخبار غيبي واحد فحسب، فما أفسد قلبك، إنك تسمع آلاف المعجزات -كهذا الإخبار الغيبي- المتواترة تواترًا معنويًّا، مع ذلك لا تقتنع قناعة تامًّة ولا تطمئن إليه. وعلى كل حال نرجع إلى الصدد.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا أن سيدنا العباس وقع أسيرا بيد الصحابة في غزوة بدر، فطُلب منه فدية لإطلاق سراحه، فقال: ليس لي مال، فقال الرسول الأكرم r لقد أودعتَ مالا في المكان الفلاني عند زوجك أم الفضل، فصدّقه سيدنا العباس وقال: كان هذا سرًّا بيننا ولم يعرفه غيرنا، وعندئذ أسلم ووجد كمال الإيمان[2].

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا قاطعا أن الساحر المفسد لبيد اليهودي عمل سحرًا عجيبًا مؤثرًا ليؤذي الرسول الأكرم r، أخذ مشطًا ولف الشعر بالمشط، وعمل سحرًا عليه، وألقاه في بئر، فقال الرسول الأكرم r لعلي ولبعض الصحابةy : اذهبوا إلى البئر الفلانية، وائتوا بأدوات وآلات السحر[3]، فذهبوا ووجدوا كما أخبر r فأتوا بها، وكلما انحلّت عقدة كان يجد الرسول الأكرم r خفة من وعكته.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا أنه r قال لجماعة فيها أشخاص كبار فاضلون مثل أبي هريرة وحذيفة: "ضِرْسُ أَحَدِكُمْ فِي النَّارِ أَعْظَمُ مِنَ أُحُدٍ"[4] فأخبر عاقبة أحدهم

[1] انظر زاد المعاد 3/409، والطبقات الكبرى 4/200.

[2] انظر الروض الأنف 3/134، وتخريج الأحاديث والآثار 2/40.

[3] انظر البخاري 3/1192، ومسلم 4/1719.

[4] انظر الروض الأنف 4/355.




297. صفحة

الأليمة المذهلة بارتداده، فقال أبو هريرة: لم يبق من تلك الجماعة إلا أنا ورجل، فخفت أنا، ثم إن ذلك الرجل انضم إلى صفوف مسيلمة فيما بعد، فقتل مرتدًّا، فظهرت حقيقة الإخبار النبوي.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا أن عمير وصفوان قررا قبل أن يسلما قتل النبي r مقابل مال عظيم، أما عمير فقصد قتل النبي r فأتى المدينة، فرآه الرسول r وناداه، فذكر له ما دار بينه وبين صفوان، ووضع يده على صدر عمير، فقال عمير: "نعم"، وأسلم[1].

وقد وقعت أخبار غيبية كثيرة جدًّا أمثال هذه، وذكرت في الكتب الستة الصحيحة المشهورة، وبُيِّنت بأسانيدها، والوقائع التي ذُكرَت في هذه الرسالة أكثرها ثابت قطعًا ويقيني في منزلة التواتر المعنوي، وقد ذكرها علماء الحديث وعلى رأسهم البخاري ومسلم في صحيحيهما، حيث اتفق أهل التحقيق على أنهما أصح الكتب بعد القرآن الكريم، وذكرت أيضًا بأسانيد متصلة معنعنة في سنن الإمام الترمذي والنسائي وأبي داود، وفي مستدرك الحاكم، ومسند الإمام أحمد بن حنبل، ودلائل النبوة للبيهقي.

والآن فيا أيها الملحد السكير! كيف تقول إن محمدًا العربي r كان عبقريا، ثم تنصرف ولا تولي اهتمامًا به، إذ إن الإخبارات الصادقة للرسول r التي تتعلق بالأمور الغيبية لا تخلو عن هذين الشقين؛

إما أن تقول: إن في تلك الشخصية القدسية نظرًا حادًّا ثاقبًا وعبقرية واسعة، حيث يرى الماضي والمستقبل والدنيا بأكملها، ويعلم ما فيها، وله عين تشاهد أطراف العالم والشرق والغرب، وعبقرية تكشف جميع أزمنة الماضي والمستقبل، فهذه الحالة لا يمكن أن تكون في بشر، فإن وُجدت فيه تكون موهبة وخارقة من الخوارق منحها خالق العالم له، وهذا بحد ذاته أعظم معجزة وحده.

وإما أن تؤمن أن تلك الشخصية المباركة موظف مأمور وتلميذ لمن كل شيء تحت نظره وتصرفه، وجميع أنواع الكائنات وجميع الأزمنة تحت أمره، وكل شيء مكتوب

[1] انظر مجمع الزوائد 8/286.




298. صفحة

ومسجل في سجله الكبير، ويُعْلم تلميذه ويريه متى يريد، إذن إن محمدًا العربي r يتلقى الدرس من أستاذه الأزلي، ويلقيه كما يتلقى.

ونقل نقلا صحيحًا أنه r عندما أرسل خالد بن الوليد للحرب إلى أكيدر سيد دومة الجندل قال له: "إِنَّكَ تَجِدُهُ يَصِيدُ البَقَرَ"[1]، فأخبر أنه يجده وهو يصيد البقر الوحشي، وأنه سيقع أسيرًا دون نزال ومجابهة، فذهب سيدنا خالد t فوجده كما وصفه r، وأسره وجاء به.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا أنهr  قال في الصحيفة التي كتبتها قريش ضد بني هاشم وعلّقوها على سقف الكعبة، "الأرضة أكلت ما كتبتم"[2] ولم تمس أسماء الله التي فيها، فنظروا إلى الصحيفة فوجدوها كما أخبر.

ونقل أيضًا نقلا صحيحًا أنه r كان قد أخبر عن ظهور طاعون عظيم في أثناء فتح بيت المقدس، ففُتح بيت المقدس في عهد سيدنا عمر t وظهر طاعون توفي بسببه سبعون ألف شخص في ثلاثة أيام[3].

وأخبر أيضًا عن بناء البصرة وبغداد قبل وجودهما وإنشائهما، وأن كنوز الأرض ستدخل بغداد، وأن العرب سيحاربون مع الأتراك ومع الشعوب التي تقطن حول بحر قزوين، وأن أغلب هذه الشعوب سيدخلون الإسلام، وسيحكمون العرب في عقر دارهم، إذ قال: "يُوشِكُ أَنْ يَكْثُرَ فِيكُمْ العَجَمُ وَيَأْكُلُونَ فَيْئَكُمْ وَيَضْرِبُونَ رِقَابَكُمْ"[4]، وقال أيضًا: "هَلاَكُ أُمَّتِي عَلَى يَدِ أُغَيْلِمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ"[5] فأخبر عن فساد ملوك الأمويين الشريرين كيزيد والوليد.

وأخبر أيضًا أنه سيحدث ارتداد في بعض الأماكن كاليمامة[6].


[1] انظر المستدرك على الصحيحين 4/565، ودلائل النبوة للبيهقي 5/253.

[2] انظر سنن البيهقي 6/365.

[3] انظر البخاري 3/1281، ومسلم 4/1740، وصحيح ابن حبان 7/175.

[4] انظر مسند الروياني 351.

[5] انظر البخاري 6/2589، وصحيح ابن حبان 15/108.

[6] انظر البخاري 4/1591، ومسلم 4/1781.




299. صفحة

وقال أيضًا في غزوة الخندق الشهيرة: "إِنَّ قُرَيْشًا وَالأَحْزَابَ لاَ يَغْزُونِي أَبَدًا وَأَنَا أَغْزُوهُمْ"[1]، وظهر كما أخبر r.

ونقل كذلك نقلا صحيحًا أنه r قال قبل وفاته بشهر أو شهرين: "إِنَّ عَبْدًا خُيِّرَ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ"[2]، فأخبر بذلك عن وفاته.

وقال في حق زيد بن صوحان: "يَسْبِقُهُ عُضْوٌ مِنْهُ إِلَى الجَنَّةِ"[3]، فأخبر عن أن عضوًا من أعضاء زيد سيستشهد قبله، فقُطعت إحدى يديه في حرب نهاوند، بمعنى أن تلك اليد استشهدت قبله، ودخلت الجنة معنى.

فهذه الأمور الغيبية التي ذكرناها نوع واحد من عشرة أنواع من معجزاته، فذكرنا قسمًا واحدًا من الأقسام العشرة لذلك النوع، فالآن قد ذكرنا إجمالا مع هذا القسم أربعة أنواع من نوع الإخبار الغيبي الواسع جدًّا في "الكلمة الخامسة والعشرين" التي تخص إعجاز القرآن. فتأمل في هذا النوع مع تلك الأنواع الأربعة الكبيرة التي فيها أخبار غيبية بلسان القرآن، وشاهد كيف أنها برهان للرسالة قاطع ولا شك فيه ومشرق وساطع وقوي، فمن لم يفسد قلبه وعقله نهائيًّا لا شك أنه سيصدق أن الرسول الأكرم r رسول للحق ذي الجلال وهو خالق كل شيء وعلام الغيوب، وأنه يتلقى الأخبار منه.

 


[1] انظر مسند الإمام أحمد 4/262، ودلائل النبوة للبيهقي 3/457.

[2] انظر مسلم 4/1854.

[3] انظر أعلام النبوة 158.




300. صفحة

الإشارة السابعة ذات النكتة:

سنشير إلى بضع أمثلة ثابتة قطعًا ومتواترة معنى مما يخص بركة الطعام من المعجزات النبوية. ومن الأنسب أن نذكر مقدمة قبل الخوض في الموضوع.

مقدمة:

إن الأمثلة الآتية حول معجزات البركة، كل واحد منها نقل بطرق متعددة، بل إن بعضها نقلت نقلا صحيحًا بستة عشر طريقًا، وأغلبها وقع في حضرة جماعة غفيرة، وذكرها ونقلها ثقات صادقون.

فمثلا: إن أحدهم يروي أنه أكل من طعام بمقدار صاع واحد -وهو أربع حفنات تقريبا- سبعون رجلا وشبعوا جميعهم، فهؤلاء السبعون يسمعون كلامه، ولا يكذّبونه، بمعنى أنهم يصدقونه بالسكوت، فالصحابة الجادّون الصادقون الذين كانوا ينشدون الحق، والذين عاشوا في ذلك العصر عصر الصدق والحقيقة، إذا رأوا مقدار ذرة من الكذب في كلام كانوا يرفضونه ويكذّبونه، بينما الحوادث التي سنذكرها رواها كثيرون، فصدقهم الآخرون بالسكوت، إذن إن كل حادثة ثابتة قطعًا كأنها متواترة معنى.

ثم إن التاريخ والسيرة يشهدان على أن الصحابة أكثر ما اهتموا بعد حفظ آيات القرآن الكريم اهتمامًا بالغًا هو حفظ أفعال وأقوال الرسول الأكرم r، وبخاصة اهتموا بكل قوتهم بحفظ أحواله التي تتعلق بالأحكام والمعجزات، واهتموا بصحة تلك الأحوال اهتماما بالغا، ولم يهملوا حتى أصغر حركة ولا سيرة ولا حال من أحوال الرسول r، فكتب الأحاديث تشهد على أنهم لم يهملوها بل سجّلوها.

ثم إن كثيرين سجلوا المعجزات والأحاديث التي تتعلق بالأحكام وقيدوها في عصر السعادة بالكتابة، ولا سيما العبادلة السبعة قيدوها بالكتابة، وخصوصا ترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وبخاصة آلاف المحققين من التابعين الذين جاءوا بعد ثلاثين أو أربعين سنة قيدوها بالكتابة. ثم بعد ذلك نقلها الأئمة المجتهدون الأربعة وآلاف من المحدثين المحققين وحفظوها بالكتابة، ثم جاء بعد مائتي سنة من الهجرة أصحاب الكتب الستة المقبولون عند الأمة وعلى رأسهم الإمام البخاري والإمام مسلم فأخذوا على عاتقهم وظيفة حفظها.


301. صفحة

ثم ظهر آلاف من النقاد المتشددين كابن الجوزي فميزوا الأحاديث الموضوعة التي دسها بعض الملحدين، أو الجاهلين أو ضعاف الحفظ أو ضعاف التفكر وبينوها.

ثم جاء بعدهم كثير من العلماء الجهابذة والمحققين كجلال الدين السيوطي الذي تمثل له النبي r سبعين مرة فتشرف بمحادثته في اليقظة كما يصدق ذلك أهل الكشف، فميزوا جواهر الأحاديث الصحيحة من سائر الكلام والموضوعات.

وهكذا فالحوادث والمعجزات التي سنذكرها قد وصلتنا صحيحة منتقلة من يد إلى يد عبر ما لا يعد ولا يحصى من أيدي ثقاة متعددين كثيرين أمناء، "الحَمْدُ للهِ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي"، فبناء على هذا لا يخطرن على بال أحد أنه كيف نعلم أنه لم تَشُبْ شوائب تلك الحوادث التي جاءتنا منذ ذلك الوقت إلى وقتنا الحاضر ومن مسافة بعيدة، بل ظلت صافية!

فنذكر بعض الأمثلة على المعجزات الثابتة التي تتعلق بالبركة:

المثال الأول: يروي أصحاب الكتب الستة الصحاح وفي مقدمتهم الإمام البخاري ومسلم متفقين أن أم سليم أم أنس t قَلَتْ حفنتين أو ثلاث حفنات من التمر بالزيت في وليمة زواج الرسول الأكرمr  بزينب رضي الله عنها، ثم وضعتها في إناء، وأرسلتها إلى رسول الله r مع أنس، فقال r لأنس: ناد فلانًا وفلانًا، وادع كل من تصادفهم، ودعا أنس كل من صادفه، فجاء نحو ثلاثمائة صحابي، فاكتظَّت الصفة وغرفة الرسول r بالناس، وقال r: "تَحَلَّقُوا عَشَرَةً عَشَرَةً"، ثم وضع يده الشريفة المباركة على ذلك الطعام القليل، ودعا الله، ثم قال: تفضلوا، فأكل هؤلاء الثلاثمائة جميعهم، وشبعوا وخرجوا، ثم قال لأنس: ارفع الطعام، وقال أنس فيما بعد: لم أدر أن الطعام حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت. [1]


[1] انظر صحيح البخاري 5/1981، وصحيح مسلم 2/1051، وسنن الترمذي 5/357، والجمع بين الصحيحين 2/487، ومشكاة المصابيح 3/1661.




302. صفحة

المثال الثاني: يقول أبو أيوب الأنصاري الذي استضاف النبي r في بيته: صنعت طعامًا لاثنين يكفي الرسولr  وأبا بكر الصديق، فقال له r: "ادْعُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَشْرَافِ الأَنْصَارِ" فجاءوا وأكلوا، ثم قال: "ادْعُ سِتِّينَ" فجاءوا وأكلوا، ثم قال: "ادع سَبْعِينَ" فجاءوا وأكلوا، فبقي في الأواني الطعام زائدا، فكل من أتى أسلم أمام هذه المعجزة وبايع، وأكل من الطعام الذي كان يكفي الاثنين مائة وثمانون رجلا[1].

المثال الثالث: يروى بطرق متعددة من طريق سيدنا عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وسلمة بن الأكوع، وأبو عمرة الأنصاري، أنهم قالوا: أصاب الجيش جوع في إحدى الغزوات، فاشتكوا إلى رسول اللهr فقال: اجمعوا بقية أزوادكم التي في أخراجكم، فأتى كل واحد بشيء من التمر، ومن أكثر منهم أتى بأربع حفنات ووضعوها على نطع، يقول سلمةt  قدرت مجموعها، فكانت لا تزيد عن ربضة العنز، ثم دعا الرسول الأكرم r بالبركة، فقال لهم: ليأت كل واحد بوعائه، فانطلقوا فجاءوا بأوعيتهم، ولم يبق في ذلك الجيش وعاء إلا ملأوه، فبقي فضل منه، فقال راو من الصحابة: لقد أدركت من سير هذه البركة، أنه لو أتى أهل الأرض لكفاهم[2].

المثال الرابع: يروي أصحاب الكتب الصحاح وعلى رأسهم الإمام البخاري ومسلم أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: كنا مائة وثلاثين صحابيًا مع رسول الله في سفر، فعُجن لصاع من الخبز وهو أربع حفنات تقريبا، وذبح ماعز وطُبِخ وشوِّي كبده وكليتاه، ثم قال: وأيم الله لقد قطع رسول اللهr  لكل واحد من الثلاثين والمائة قطعة من ذلك اللحم المشوي، ثم وضع r اللحم المطبوخ في قصعتين، فأكلنا منه جميعًا حتى شبعنا، وفضل منه في القصعتين، وحملته على البعير[3].


[1] انظر الرواية بتمامها في دلائل النبوة للفريابي 44, وكنز العمال 12/ 190، والمعجم الكبير 4/185، ومجمع الزوائد 8/303، والسيرة الحلبية 3/366، والخصائص الكبرى 2/80، وسيرة النبي المختار 145.

[2] انظر صحيح البخاري 2/879، وصحيح مسلم 3/1345، ودلائل النبوة للبيهقي 4/119.

[3] انظر صحيح البخاري 2/923، و5/2058، وصحيح مسلم 3/1626، وسنن البيهقي 9/215، ودلائل النبوة للفريابي 81، ودلائل النبوة للبيهقي 6/95، والخصائص الكبرى 2/80.




303. صفحة

المثال الخامس: تروي كتب الصحاح رواية ثابتة قطعًا: أن سيدنا جابر الأنصاري t أعلن مقسمًا أنه أكل من صاع من خبز الشعير ومن لحم العَنَاق[1] ألف رجل في غزوة الأحزاب الغراء، مع ذلك بقي وكأنه لم يؤكل منه شيء، ثم يقول سيدنا جابرt : لقد طُبِخ الطعام في ذلك اليوم في بيتي، فأكل هؤلاء الرجال الألف من ذلك الصاع ومن لحم الحمل وذهبوا، وما زالت بُرْمَتنا تغلي، والعجين يخبز، وقد جعل r ريقه المبارك في البُرمة، ودعا بالبركة[2].

فيذكر سيدنا جابر t مقسمًا بالله معجزة البركة هذه في حضرة ألف صحابي مبينًا علاقتهم بها، إذن يمكن القول: إن هذه الحادثة ثابتة قطعًا وكأن ألف رجل رَوَوْها.

المثال السادس: نُقل نقلا صحيحًا قاطعًا أن أبا طلحة المشهور عم أنس t خادم رسول الله r قال: لقد أطعم رسول الله r سبعين أو ثمانين رجلا من قليل من خبز الشعير الذي أتى به أنس تحت إبطه حتى شبعوا، وأمر بأن يفتوا هذا الخبز القليل، ودعا بالبركة، وكان البيت ضيقًا، فجاءوا عشرة عشرة، وخرجوا شباعًا[3].

المثال السابع: روت كتب الصحاح كصحيح مسلم، وكذلك جاء في "الشفاء" الشريف نقلا صحيحًا قاطعًا: أن سيدنا جابر الأنصاريt  قال: سأل شخص طعامًا من الرسول الأكرم r لعياله، فأعطاه رسول الله r نصف حمل من الشعير، فأكل الرجل وعياله وضيوفه من ذلك الشعير مدة طويلة، ثم نظروا ووجدوا أنه لا ينفد، وكالوه حتى يعرفوا كم نقص، فرُفعت البركة وزالت، وبدأ ينقص، فأتى النبيَّ r فأخبره بما كان، فقال له r جوابًا: "لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ وَلَقَامَ بِكُمْ"، أي لكفاكم طوال حياتكم[4].


[1] العناق: الأنثى من ولد الماعز.

[2] انظر صحيح البخاري 4/1505، وسنن الدارمي 1/33، ومصنف ابن أبي شيبة 6/314 ودلائل النبوة للفريابي: 51.

[3] انظر صحيح البخاري3/1311، وصحيح مسلم 3/1612، ودلائل النبوة6/89، والخصائص الكبرى2/77.

[4] انظر صحيح مسلم:4/1784، ودلائل النبوة للبيهقي6/114،  والخصائص الكبرى2/86.




304. صفحة

المثال الثامن: روت الكتب الصحيحة كالترمذي والنسائي والبيهقي والشفاء: أن سَمُرَة بن جُنْدُب t قال: جيء إلى الرسول الأكرم بقصعة لحم، فأكل منها رجال من الصباح حتى المساء فوجًا فوجًا[1].

فبناء على السر الذي بيناه في المقدمة إن حادثة البركة هذه ليست رواية سمرة بن جندب t فقط، وإنما يعلن سمرة عنها باسم الجماعات التي أكلت منها بناء على تصديقهم وإقرارهم وكأنه ممثل عنهم.

المثال التاسع: روى المحققون الصادقون الثقاة كصاحب "الشفاء" الشريف، وابن أبي شيبة المشهور، والطبراني رواية صحيحة أن أبا هريرة t قال: أمرني الرسول الأكرم r بأن أدعو فقراء المهاجرين الذين يبلغ عددهم أكثر من مائة والذين اتخذوا صُفّة المسجد النبوي الشريف مسكنًا لهم، فبحثت عنهم وجمعتهم، فوُضعت بين أيدينا جميعًا صحفة[2] طعام، وأكلنا منها ما نشاء، ثم قمنا عنها، وبقيت مليئة كما وُضعت، إلا أنه كان يظهر أثر الأصابع على الطعام[3].

فسيدنا أبو هريرةt  يخبر باسم أهل الصفة الكاملين جميعًا مستندًا إلى تصديقهم، إذن فهذه الرواية ثابتة قطعًا وكأن جميع أهل الصفة رووها معنىً، أفمن الممكن أن يسكت أولئك الصادقون الكاملون عنه ولا يكذبونه إن لم يكن هذا الخبر صحيحًا وحقًّا؟

المثال العاشر: نقل نقلا صحيحًا قاطعا أن سيدنا الإمام علي t قال: جمع الرسول الأكرم r بني عبد المطلب يومًا، وكانوا أربعين رجلا، وكان بعضهم يأكل ولد الجمل كاملا، ويشرب أربع أواق من اللبن، فصنع لهم جميعًا مُدًّا من الطعام، فأكلوا جميعًا وشبعوا، وبقي الطعام كما كان، ثم أتى إليهم بلبن في إناء من خشب يكفي لثلاثة أو أربعة على الأكثر، فشربوا جميعًا وارتووا، وبقي كما لو أنه لم يشرب منه[4].


[1] انظر سنن النسائي 4/170, والمستدرك على الصحيحين2/675، وسنن الترمذي5/593، ودلائل النبوة 6/93.

[2] الصحفة: آنية الطعام.

[3] انظر مصنف ابن أبي شيبة 6/315، ومجمع الزوائد 8/308، والطبقات الكبرى1/256، ودلائل النبوة للفريابي 45، وأعلام النبوة 139، والخصائص الكبرى2/81.

[4] انظر سنن النسائي الكبرى 5/125، والأحاديث المختارة2/72، ومجمع الزوائد 8/302، وكنز العمال 13/76، وخصائص علي 83، وفضائل الصحابة لابن حنبل 2/712.




305. صفحة

فهذه معجزة بركة ثابتة قطعًا كثبوت شجاعة وصدق سيدنا عليt .

المثال الحادي عشر: نقل نقلا صحيحًا، أن رسول الله r أمر بلالاً الحبشي t في وليمة سيدنا علي والسيدة فاطمة الزهراء أن يصنع خبز من أربعة أو خمسة أمداد من الدقيق وأن يذبح واحد من أولاد الإبل، فقال سيدنا بلال t فجئت بالطعام، فوضعr  يده المباركة الشريفة عليه، ثم جاء الصحابةy  مجموعات، وأكلوا وخرجوا، فدعا r بالبركة في الطعام المتبقي أيضًا، وأرسل قصعة إلى كل واحدة من أزواجه الطاهرات، وأمرهن بأن يأكلن منها وأن يطعمن من زَارَهن[1].

أجل؛ لا بد من مثل هذه البركة في مثل هذا الزواج المبارك، ووقوعها ثابت قطعًا.

المثال الثاني عشر: يروي سيدنا الإمام جعفر الصادق عن أبيه الإمام محمد الباقر عن أبيه زين العابدين عن الإمام علي y: أن فاطمة الزهراء طبخت طعامًا يكفيهما فقط، ثم أرسلت عليًّا حتى يدعو الرسول الأكرم r فيأتي ويأكلوا معًا، فشرّفهم r وأمر بأن يرسَل من ذلك الطعام إلى كل واحدة من أزواجه، بعد أن ترك قصعة منه لنفسه ولعلي وفاطمة وأولادهما، قالت السيدة فاطمة: فرفعنا قِدْرنا وما زالت تفيض، فأكلنا من ذلك الطعام ما شاء الله أن نأكل[2].

فيا ترى لم لا تُصدق معجزة البركة هذه التي ترد من سلسلة الرواية النورانية العالية كمن رآها عيانًا، فحتى الشيطان لا يستطيع أن يجد مبررًا وذريعة أمامها لتكذيبها.

المثال الثالث عشر: يروي الأئمة الصادقون كأبي داود وأحمد بن حنبل والبيهقي عن دكين الأحمسي بن سعيد المزين، وعن الصحابي نعمان بن مقرن الذي تشرف مع إخوانه الستة بصحبة النبيr ، ومن رواية جرير بطرق متعددة عن عمر بن الخطاب t أن الرسول الأكرم r أمر عمر بأن يزود بالزاد والذخيرة للسفر أربعمائة راكب أتوا من قبيلة أحمس، فقال عمر t: "يا رسول الله، إن الذخيرة الموجودة بضعة أَصْوع،

[1] انظر مصنف عبد الرازق 5/488، والمعجم الكبير 22/411، ومجمع الزوائد 9/208.

[2] انظر الطبقات الكبرى1/186.




306. صفحة

ومجموعها مقدار ربضة ولد الإبل"، فقال لهr : "اذهب فزودهم"، فذهب وأعطى ما يكفي الفرسان الأربعمائة من الزاد والذخيرة من نصف الحمل من التمر، فقال: بقي كما كان وكأنه لم ينقص منها شيء[1].

فوقعت معجزة البركة هذه وهي تتعلق بأربعمائة رجل، وبخاصة بعمر t، فهؤلاء كلهم وراء هذه الروايات، فسكوتهم تصديق، ولا تقل إنها خبر آحاد فتنصرف، فمثل هذه الحوادث تورث الاطمئنان والقناعة كما يورث التواترُ المعنوي حتى وإن كانت خبر الآحاد.

المثال الرابع عشر: يروي أصحاب الكتب الصحيحة وفي مقدمتهم البخاري ومسلم، أن أبا جابر t توفي، وترك دَيْنًا كثيرًا، والدائنون من اليهود، فأعطى جابر الغرماء أصل مال أبيه، فلم يقبلوا، ولم تكن تكفي ثمار بستانه لأداء الدين لمدة سنوات، فقال الرسول الأكرمr : "اقطفوا ثمار البستان واجمعوها"، ففعلوا كما أمرهم، فتجول الرسول الأكرم r بينها، ودعا، فقضى منها جابر جميع الديون لغرماء والده، وبقي من الثمار بقدر المحصول الذي يحصلون عليه في سنة واحدة، وفي رواية أخرى بقي مثل ما أعطى الغرماء، فتعجب اليهود الغرماء من هذه الحادثة كثيرًا، واستغربوا[2].

فهذه المعجزة الباهرة معجزة البركة ليست رواية بضعة رواة مثل سيدنا جابر وحده، بل هي بمنزلة المتواتر معنى رواها جميعُهم ممثلين رجالا كثيرين تتعلق بهم تلك الحادثة.

المثال الخامس عشر: يروي المحققون وفي مقدمتهم الإمام الترمذي والبيهقي رواية صحيحة عن أبي هريرةt  أنه قال: أصاب الجيش الجوع في غزوة من الغزوات، وفي رواية: غزوة تبوك، فقال الرسول الأكرم r: "هَلْ مِنْ شَيْءٍ" فقلت بعض التمر في الخُرج، وفي رواية خمس عشرة تمرة، فقال: "فأت به"، فأتيت به، فأدخل يده المباركة فيه، وأخرج قبضة، ووضعها في وعاء، ودعا بالبركة، ثم دعا الجيش عشرة عشرة، فأكلوا

[1] انظر صحيح ابن حبان 14/462.

[2] انظر صحيح البخاري 3/1312، وسنن النسائي 4/105.




307. صفحة

جميعًا، ثم قال r: "خُذْ مَا جِئْتَ بِهِ وَاقْبِضْ عَلَيْهِ وَلاَ تَكُبَّهُ" فأخذت وأدخلت يدي في ذلك الخُرج، فوقع في يدي مثل الذي أتيت به، ثم أكلت من هذه التمرات في حياة الرسول الأكرم r وفي حياة أبي بكر وعمر وعثمان y.[1]

وروي من طريق آخر: لقد أنفقت من هذه التمرات كذا حمل بعير في سبيل الله، ونهب ذلك الوعاء في مقتل عثمان t.[2]

فمعجزة البركة هذه التي رواها أبو هريرة في مجمع من الناس كغزوة تبوك، والذي هو أهم تلميذ في الصفة التي هي المدرسة القدسية ودار ذكر لمعلم الكون وفخر العالم عليه الصلاة والسلام، والذي نال الدعاء النبوي لزيادة الحفظ، يجب أن تكون هذه المعجزة ثابتة وقوية كثبوت وقوة رواية جيش بأكمله معنىً.

المثال السادس عشر: تروي الكتب الصحاح كالبخاري ومسلم رواية قاطعة، وهي أن أبا هريرة t أصابه الجوع، فتبع النبيَّ r إلى بيته الشريف، فوجدا أن لبنًا في قدح أتي به هدية ووضع هناك، فأمره الرسول الأكرم r بأن ادع أهل الصفة، فقال في نفسه: إنني أستطيع أن أشرب اللبن كله، وأنا أحوج إليه، ولكني جمعتهم امتثالا لأمر النبي r وأتيت بهم، وكانوا أكثر من مائة، فقال لي r اسقهم، فأسقيتهم اللبن الذي في القدح فردًا فردًا، فكل واحد كان يشرب حتى يرتوي ثم أعطي الآخر، وهكذا شرب أهل الصفة فردًا فردًا من ذلك اللبن الصافي، ثم قالr :" بَقِيَ أَنَا وَأَنْتَ فَاشْرَبْ" فشربت أنا، وكلما شربت قال لي اشرب، حتى قلت والذي بعثك بالحق ذي الجلال لم يبق مجال لأشرب، ثم أخذ، فسمى الله وحمده وشرب البقية، فهنيئا مائة ألف مرة[3].

فالذي لا يقبل هذه الرواية من أبي هريرة الذي أشهد جميع أهل الصفة معنى وكأنه يمثلهم جميعًا وهو التلميذ الصادق الحافظ الشهير لمدرسة الصفة التي هي المدرسة الأحمدية

[1] انظر دلائل النبوة للبيهقي 1/130, والسيرة الحلبية3/165.

[2] انظر سنن الترمذي 5/685،  ومشكاة المصابيح3/1669.

[3] انظر صحيح البخاري 5/2370.




308. صفحة

القدسية، مع أن هذه المعجزة الباهرة معجزة البركة اللطيفة كاللبن الخالص الصافي والتي لا شك ولا ريب فيها ثابتة روايتها قطعًا كعين اليقين في الكتب الستة الصحيحة وعلى رأسهم الإمام البخاري الذي حفظ خمسمائة ألف حديث؛ أقول فالذي لا يقبل تلك الرواية قبولا قاطعًا كقبوله للمتواتر فهو إما فاسد القلب وإما فاقد العقل.

فيا ترى؛ أمن الممكن لشخص مثل أبي هريرة الصادق الذي وقف جميع حياته للحديث والدين، وسمع حديث "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"[1] ورواه، أن يسقط من قيمة ما حفظه من الأحاديث النبوية وأن يشكك في صحته، وأن يروي حادثة لا أصل لها من الصح، ويقول كلامًا مخالفًا يجعله مستهدفًا لتكذيب أهل الصفة، حاشاه؟!

فيا رب بحرمة بركة الرسول الأكرمr هذه، بارك فيما أعطيتنا من الرزق المادي والمعنوي.

 

نكتة مهمة:

من المعلوم أنه كلما اجتمعت أشياء ضعيفة قويت، وإذا جُعلت الخيوط الرقيقة الرفيعة برمة أصبحت حبلا قويًّا، وإذا جُعِلَت الحِبال القوية برمة ما استطاع أحد أن يقطعها، وقد بينا خمسة عشر مثالا لقسم واحد فحسب من خمسة عشر قسمًا من قسم معجزات البركة فقط من أنواع المعجزات الخمسة عشر، فكل مثال من تلك الأمثلة دليل قاطع وقوي بذاته لإثبات النبوة، فحتى لو فرضنا أن بعضها ليس بقوي، فإننا لا نستطيع أن نقول إنه ليس بقوي، لأن من يتفق مع القوي يتقوّى.

ثم إن اجتماع هذه الأمثلة الخمسة عشر بتواتر معنوي قاطع لا شك فيه يدل على معجزة كبرى قوية، فالمعجزة الكبرى في هذه المجموعة إذا مزجت مع الأقسام الأربعة عشر الأخرى التي لم تذكر ضمن معجزات البركة لظهرت فيها معجزة كبرى قوية لا

[1] انظر البخاري 1/52، و مسلم 1/10.




309. صفحة

تنقطع ولا تنفصم كصنع الحِبال القوية برمة، ثم أضف هذه المعجزة الكبرى إلى مجموع سائر أنواع المعجزات الأربع عشرة، سترى كيف أنها تدل على برهان للنبوة الأحمدية r القاطعة القوية التي لا تتزلزل، فعماد النبوة الأحمدية r عماد قوي كالجبل يتكون من هذا المجموع، فالآن فهمت وأدركت مدى حماقة من يرى ذلك السقف المتين المعلى قابلا للسقوط وغير ثابت بسبب الشبهات التي تنشأ من سوء الفهم في هذه الجزئيات والأمثلة!

أجل؛ إن تلك المعجزات التي تخص البركة تدل على أن محمدا العربي عليه الصلاة والسلام مأمور حبيب وعبد عزيز مكرم للرحيم الكريم الذي يرزق الجميع ويخلق الأرزاق، بحيث يرسل إليه r من العدم والغيب مآدب من أنواع الرزق خلافًا للعادة.

ومن المعلوم أن جزيرة العرب منطقة قليلة الماء والزراعة، ولذلك كان سكانها ولا سيما الصحابة في صدر الإسلام معرضين لضيق المعيشة، وكانوا يعانون من قلة الماء كثيرا، فبناء على هذه الحكمة ظهرت أهم المعجزات الباهرة الأحمدية في الطعام والماء، فهذه الخوارق هي بمنزلة الإكرام الإلهي والإحسان الرباني ومأدبة رحمانية للرسول الأكرم r بناء على الاحتياج أكثر من كونها معجزة ودليلا على النبوة؛ لأن الذين رأوا تلك المعجزات كانوا قد صدّقوا نبوته r، ولكنه كانت كلما ظهرت معجزة يزداد الإيمان ويصبح نورًا على نور.

الإشارة الثامنة ذات النكتة:

هذه الإشارة تبين قسما من المعجزات التي ظهرت فيما يتعلق بالماء.

مقدمة: من المعلوم أن الحوادث التي تقع بين الجماعات إذا رويت من طريق الآحاد ولم تكذَّب فإن ذلك يدل على صدقها؛ لأن في فطرة الإنسان ميل فطري يسوق صاحبه إلى أن يقول للكذب أنه كذب، وبخاصة إذا كان الصحابة الذين لا يسكتون على الكذب أكثر من أي قوم، وبخاصة إذا كانت الحوادث تتعلق بالرسول الأكرم r وبالأخص إذا كان الرواة هم من مشاهير الصحابة، فلا شك أن راوي ذلك الخبر الواحد يرويه

310. صفحة

كما لو كان ممثلا عن الجماعة التي رأت تلك الحادثة، أما المعجزات المتعلقة بالماء التي سنذكرها الآن، فقد استلم كلَّ واحدة من أمثلتها آلافٌ من محققي التابعين من يد كثير من الصحابة بطرق متعددة، ووضعوها في أيدي مجتهدي القرن الثاني، فهؤلاء أخذوها وتلقوها بكمال الجد والاحترام والتوقير، وسلموها إلى محققي القرون التالية وهكذا تنقلت في كل طبقة عن طريق آلاف الأيدى القوية حتى وصلت عصرنا.

ثم إن كتب الأحاديث التي كتبت في عصر السعادة نقلت إلى القرن الذي يليه نقلا صحيحًا سليمًا، حتى وصلت إلى الأئمة العباقرة في علم الحديث كالإمام البخاري ومسلم، فقام هؤلاء الأئمة بتبيين مراتبها بكمال التحقيق، وجمعوا ما لا شبهة لصحته، وعلمونا وقدموا لنا. "جَزَاهُمُ اللهُ خَيْرًا كَثِيرًا".

فجريان الماء ونبعانه من أصابع الرسول الأكرم r المباركة وسقيه كثيرًا من الناس والجيش متواترة، رواها جماعة يستحيل تواطؤهم واتفاقهم على الكذب، فهذه المعجزة ثابتة قطعًا، ثم إنها تكرر حدوثها ثلاث مرات في ثلاث جماعات عظيمة، فقد رواها رواية صحيحة قاطعة جماعةٌ من أهل الصحاح كالإمام البخاري والإمام مسلم والإمام مالك والإمام شعيب والإمام قتادة عن جماعة من مشاهير الصحابة وفي مقدمتهم سيدنا أنس خادم النبي r، وسيدنا جابر وسيدنا ابن مسعودy ،  وسنبين "تسعة أمثلة" من الأمثلة الكثيرة للمعجزات التي تتعلق بالماء.

المثال الأول: يروي أصحاب الصحاح وعلى رأسهم الإمام البخاري ومسلم رواية صحيحة عن أنس t أنه قال: كنا ثلاثمائة شخص مع رسول الله r في موضع يسمى "الزوراء"، فأمر r بالوضوء لأداء صلاة العصر، فلم نجد الماء، وأمر r بشيء من الماء، فأتينا به، وأدخل يده المباركة فيه، فرأيت أن الماء يجري من أصابعه كصنبور، ثم جاء جميع من معه وهم ثلاثمائة رجل، فتوضأوا جميعًا وشربوا.[1]

فهذا المثال يرويه أنس t ممثلا عن ثلاثمائة شخص، فهل من الممكن ألا يشترك هؤلاء الثلاثمائة معنى في هذه الرواية؟! وألا يكذَّبوها إن لم يشتركوا فعلا؟!


[1] انظر البخاري 3/1309، ومسلم 4/1783.




311. صفحة

المثال الثاني: تخبر الكتب الصحاح وعلى رأسها صحيح البخاري وصحيح مسلم، عن سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري t أنه قال: عطشنا نحن الألف وخمسمائة في يوم الحديبية، فتوضأ الرسول الأكرم r من إناء من جلد يسمى قربة، ثم أدخل يده فيه، فرأيت الماء يجري من أصابعه كصنبور، شرب منه ألف وخمسمائة شخص وملأوا أوعيتهم.[1]

سأل سالم بن أبي الجَعْد فيما بعد جابرًاt  كم كان عددكم: قال فحتى لو كنا مائة ألف لكفانا، ولكنا خمسة عشر مائة.

فرواة هذه المعجزة الباهرة يبلغون ألفًا وخمسمائة شخص معنى، لأن في فطرة البشر ميل يسوقه إلى أن يقول للكذب هذا كذب، أما الصحابة فلا يمكن أن يسكتوا على الكذب أمام تهديد الحديث الشريف" مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ "[2] إذ إنهم ضحَّوا بأرواحهم وأموالهم وآبائهم وأمهاتهم وقومهم وقبائلهم من أجل الصدق والحق، وأصبحوا فدائيين من أجل الحق والصدق، وبما أنهم قد سكتوا عن هذه الحادثة، يعني ذلك أنهم قبلوا هذه الرواية واشتركوا معنى وصدقوا بها.

المثال الثالث: وتروي أيضًا الكتب الصحاح وفي مقدمتها البخاري ومسلم أن سيدنا جابرًا t قال وهم في غزوة "بواط": قال الرسول الأكرم r : "نَادِ بالوُضُوءِ"، فقيل لا يوجد ماء، فقال الرسول الأكرم r إيتوني بماء قليل، فأتيناه بماء قليل جدًّا، ثم غطى ذلك الإناء بيده، فقرأ شيئا لا أدري ما هو، ثم قال: "رِدْنَا بِجَفْنَةِ الرَّكْبِ": فأُتي بها، فوضعتها بين يدي الرسول الأكرم r وأدخل يده فيها، وفرق بين أصابعه، فكنت أصُبُّ ذلك الماء القليل على يده المباركة، فرأيت الماء يجري بكثرة من أصابعه المباركة، ثم امتلأت الجفنة، فناديت من يحتاجون إلى الماء، فجاءوا جميعًا، فتوضأوا من ذلك الماء وشربوا، فقلت: لم يبق أحد، فرفع r يده وبقيت الجفنة مليئة. [3]

فهذه المعجزة الأحمدية الباهرة متواترة معنى، لأن سيدنا جابرًا t كان على رأس من

[1] انظر البخاري 3/1310، و4/1526، ومسند أحمد 3/329.

[2] انظر البخاري 1/52، و مسلم 1/10.

[3] انظر مسلم 4/2307، وفتح الباري 6/586.




312. صفحة

قاموا بذلك العمل، لذا فله الكلمة الأولى فيها، وهو يعلنها باسم الجميع، إذ هو الذي كان يخدم حينئذ، فمن حقه أن يعلن أولا وقبل كل أحد، فابن مسعودt  يقول في نفس الرواية: فرأيت الماء يجري من أصابع الرسول الأكرم r كالصنبور.

 فيا ترى إذا قال كل واحد من مشاهير الصحابة الصديقين كأنس وجابر وابن مسعود y وأمثالههم: رَأَيْتُ، فهل يمكن ألا يكون رأى؟!

فالآن اجمع هذه الأمثلة الثلاثة، وانظر كيف أنها معجزة باهرة قوية، فإذا اجتمعت هذه الطرق الثلاثة أثبتت معجزة نبعان الماء من أصابعه r إثباتًا قاطعًا كأنها متواترة تواترًا حقيقيًّا، فمعجزة تفجير سيدنا موسى u الماء من اثنتي عشرة عينًا من الحجر لا يمكنها أن ترقى إلى درجة معجزة نبعان الماء من أصابع الرسول الأكرمr  العشرة كأنه عشرة صنابير؛ لأن نبعان الماء من الحجر ممكن، وله نظير في الأمور العادية، ولكن نبعان الماء من اللحم والعظم بكثرة كماء الكوثر ليس له نظير في الأمور العادية.

المثال الرابع: يروي الإمام مالك في كتابه المعتبَر "الموطّأ" عن مشاهير الصحابة كمعاذ بن جبل t أنه قال: صادفنا عينا في غزوة تبوك، وكان يجري ماؤها كخيط رقيق في سمك خيط الشبكة، فأمر الرسول الأكرمr  أن اجمعوا قليلا من هذا الماء، فجمعوا في غرف أيديهم شيئا منه، فغسل به الرسول الأكرم r يده ووجهه، ثم ألقينا الماء في العين، فإذا بمنفذ العين انفتح فجرى الماء بكثرة، وكفى جميعَ الجيش، -حتى إن الإمام ابن إسحاق وهو أحد الرواة يقول: جرى ماء تلك العين تحت التراب وله صوت كرعد السماء- وقال الرسول r لمعاذ: "يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ الحَيَاةُ أَنْ تَرَى مَا هَهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا" [1]وكذلك كان.

المثال الخامس: يروي الإمام البخاري عن سيدنا البراء t، ومسلم عن سلمة بن الأكوع t ويروي سائر أصحاب الصحاح عن رواة آخرين متفقين: أنهم قالوا: صادفنا بئرًا في غزوة الحديبية، وكنا ألفًا وأربعمائة شخص، فكان ماء البئر يكفي لخمسين

[1] انظر صحيح مسلم 4/1784، وموطأ مالك 1/143، وصحيح ابن حبان 14/475، والخصائص الكبرى1/454.




313. صفحة

شخص فقط لا أكثر، فنزحنا الماء، ولم نترك فيها شيئا، فجاء الرسول الأكرم r وجلس على حافة البئر، وطلب دلوا من الماء، فأتيناه به، وجعل من ريقه المبارك في الدلو، ودعا، ثم صب ماء الدلو في البئر، فإذا بالبئر تفور وتجيش، وتمتلئ حتى فمها، وشرب جميع الجيش ودوابّهم حتى ارتووا، وملأوا أوعيتهم[1].

المثال السادس: ويروي أيضًا أصحاب الكتب الصحاح وعلى رأسهم أئمة الحديث العباقرة كالإمام مسلم وابن جرير الطبري نقلا صحيحًا عن أبي قتادة الصحابي المشهور أنه قال: كنا نذهب إلى مؤتة لإمداد الجيش بسبب استشهاد القادة فيها، فكانت عندي قربة، وقال لي الرسولr  "احْفَظْ عَلَى مِيضَئَتِكَ فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ عَظِيمٌ" أي احفظ قربتك ولنا معها شأن، ثم بدأ العطش فيما بعد، وكنا اثنين وسبعين شخصًا، وفي رواية الطبري ثلاثمائة شخص، فأصابنا العطش، فقال لي الرسول الأكرم r هات قربتك، فأتيت بها، فأخذها ووضع فمه في فمها، ولا أعلم هل نفث فيها أم لا، ثم جاء اثنان وسبعون شخصًا، فشربوا منها، وملأوا أوعيتهم، ثم أخذتها أنا، وكان بقي الماء كما كان عندما أعطيت[2].

فانظر إلى هذه المعجزة الأحمدية الباهرة r وقل: "اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ بِعَدَدِ قَطَرَاتِ المَاءِ".

المثال السابع: تروي الكتب الصحاح وعلى رأسها البخاري ومسلم عن عمران بن الحصين أنه قال: أصابنا العطش مع رسول الله r في سفر، فقال لي ولعلي: إن امرأة في موقع كذا تذهب وقد حملت قربتين من الماء على دابة، فائتيا بها، فذهبنا أنا وعلي معًا، فوجدنا المرأة في الموقع الذي وصف لنا r مع حمل الماء، وجئنا بها، فأمر أن صُبَّا قليلا منه في وعاء، فصببنا، فدعا بالبركة، ثم وضعنا الماء مرة أخرى في القربة التي تحملها الدابة، فأمر أن يأتي الجميع ويملأوا أوعيتهم، فجاء جميع من في القافلة، وملأوا

[1] انظر البخاري 3/1311، ومسند أحمد 4/290.

[2] انظر صحيح مسلم 1/472، ودلائل النبوة للفريابي63، ودلائل النبوة للبيهقي4/283.




314. صفحة

أوعيتهم، وشربوا، ثم قال: اجمعوا للمرأة بعض الأشياء، فملأوا إزارها، فيقول عمران: فتخيلت أن القربتين تمتلئان شيئا فشيئا وتزدادان، فقال الرسول الأكرم r للمرأة: " فَإِنَّا لَمْ نَأْخُذْ مِنْ مَائِكِ شَيْئًا وَلَكِنَّ اللهَ سَقَانَا" أي إن الله سقانا من خزانة رحمته.[1]

المثال الثامن: يروي الرواة وعلى رأسهم ابن خزيمة المشهور في صحيحه عن سيدنا عمر t أنه قال: أصابنا العطش في غزوة تبوك، حتى إن البعض كان ينحر جمله فيعصر ما في داخله فيشربه، فرجا أبو بكر من الرسول الأكرم r أن يدعو، فرفع r يديه ولم يكد ينزلهما حتى اجتمعت الغيوم والسحب، ونزل المطر حتى ملأنا أوعيتنا، ثم انسحب الماء، وكان خاصًّا لجيشنا ولم يتجاوز حدودنا[2].

إذن لم تتدخل المصادفة فيها، فهي معجزة محضة من المعجزات الأحمدية.

المثال التاسع: يروى نقلا صحيحًا عن عمر بن شعيب -وهو حفيد الصحابي المشهور عبد الله بن عمرو بن العاصy - وقد وثقه أربعة أئمة في علم الحديث ورووا عنه: أنه قال: ركب النبي r الجمل مع عمه أبي طالب قبل النبوة، فعندما وصلا إلى موقع يسمى بذي المجاز بالقرب من عرفة قال أبو طالب: عطشت، فنزل الرسول الأكرم r فضرب الأرض بقدمه، فخرج الماء وشرب أبو طالب.[3]

قال أحد المحققين: كما أن هذه الحادثة هي من قبيل الإرهاصات لوقوعها قبل النبوة، فإن تفجر عين عرفات بعد ألف سنة في الموقع نفسه يمكن أن يعد من الكرامات الأحمدية r.

وهكذا تبين لنا روايات بتسعين طريقًا المعجزات التي تتعلق بالماء كهذه الأمثلة التسعة وإن لم تكن تسعين مثالا.

فالأمثلة السبعة الواردة في البداية قوية وثابتة قطعًا كالتواتر المعنوي، والمثالان الأخيران الواردان في الختام وإن لم تكن طرقهما قوية متعددة وليس رواتهما كثيرين إلى حد كبير،

[1] سنن البيهقي1/32، والخصائص الكبرى2/73.

[2] انظر صحيح ابن حبان4/223، والمستدرك على الصحيحين1/263، ودلائل النبوة للبيهقي 5/231.

[3] انظر طبقات ابن سعد1/152،  والخصائص الكبرى1/207، والسيرة الحلبية1/190.




315. صفحة

إلا أن أهل كتب الأحاديث الصحيحة كالإمام البيهقي والحاكم يروون عن سيدنا عمر t معجزة ثانية متعلقة بالسحاب تؤيد وتقوي المعجزة المتعلقة بالسحاب في المثال الثامن والمروية عن سيدنا عمرt  وهي: أن سيدنا عمر سأل الرسول الأكرم r دعاء الاستسقاء، لأن الجيش كان يحتاج إلى الماء، فرفع r يده فاجتمعت الغيوم فورًا، وجاء المطر، وسقت الجيش ما يكفيه ثم انصرفت، وكأنها كانت مأمورة لإسقاء الجيش فقط، فجاءت وأعطت حسب الحاجة ثم ذهبت، فهذه الحادثة كما أنها تؤيد المثال الثامن وتثبته إثباتًا قاطعًا، فإن محقِّقًا كابن الجوزي -الذي هو أحد العلماء المشهورين، والذي يتشدد كثيرا في التصحيح، بل يعد كثيرا من الأحاديث الصحيحة من الموضوعات ويردها- يقول: "إن هذه الحادثة وقعت في غزوة بدر المشهورة، فالآية ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ [الأنفال: 11] تبين تلك الحادثة وتعبر عنها". وبما أن الآية تشير إلى تلك الحادثة إذن لا تبقى أية شبهة في ثبوتها.

ثم إن نزول المطر بدعاء النبيr فجأة وبسرعة وقبل أن ينزل يديه قد تكرر كثيرًا، فهي معجزة متواترة متفردة مستقلة بحد ذاتها، وقد روي رواية متواترة أنه r في بعض المرات رفع يديه في المسجد وهو على المنبر فنزل المطر قبل أن يُنزِل يديه.

 

الإشارة التاسعة:

إن إحدى أنواع معجزات الرسول الأكرم r هي امتثال الأشجار لأوامره كالبشر، وإقبالها عليه منخلعة من مكانها، فهذه المعجزة المتعلقة بالأشجار متواترة معنى كتواتر نبعان الماء من أصابعه المباركة r، ولها صور متعددة، وقد وصلتنا بطرق كثيرة.

أجل يمكن أن يقال: إن انخلاع الأشجار من مكانها لأمر الرسول الأكرمr  وإقبالها عليه متواتر تواترًا صريحًا؛ لأنه قد رَوى المعجزة نفسها المتعلقة بالشجرة -رواية قاطعة- كل واحد من مشاهير الصحابة الصديقين كسيدنا علي، وسيدنا عبد الله بن عباس، وسيدنا عبد الله بن مسعود، وسيدنا عبد الله بن عمر، وسيدنا يعلى بن مرة،

316. صفحة

وسيدنا جابر، وسيدنا أنس بن مالك، وسيدنا بريدة، وسيدنا أسامة بن زيد، وسيدنا غيلان بن سلمة y، وروى تلك المعجزة مئات من أئمة التابعين بطرق مختلفة عن كل صحابي من هؤلاء الصحابة المذكورين، وكأنهم نقلوها إلينا متواترة تواترًا مضاعفًا، فهذه المعجزة المتعلقة بالشجرة هي بمنزلة معجزة متواترة معنى ثابتة قطعًا لا تقبل أية شبهة، فهذه المعجزة الكبرى مع أنها تكررت فإننا سنبين بضع صور صحيحة منها ببضعة أمثلة.

المثال الأول: يروي الأئمة وعلى رأسهم الإمام ابن ماجه والدارمي والإمام البيهقي نقلا صحيحًا عن أنس بن مالك وعن سيدنا علي t، ويروي البزار والإمام البيهقي عن سيدنا عمر t أن ثلاثة من الصحابة قالوا: كان الرسول r مغتمًّا وحزينًا من تكذيب الكفار، فقال: يا رب "أرني آية لا أبالي من كذبني بعدها"[1]، وفي رواية أنس أن سيدنا جبريل كان حاضرًا، وكانت هناك شجرة بجانب الوادي فنادى الرسول r الشجرةَ بإعلام جبريل، حتى جاءت إلى جواره، ثم قال لها اذهبي، فذهبت واستقرت في مكانها مرة أخرى[2].

المثال الثاني: يروي علامة المغرب القاضي عياض في كتابه "الشفاء" الشريف بسند عال صحيح موثوق معنعن، عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن أعرابيًا جاء الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام في سفر، فقال: "أين تريد" فقال الأعرابي: إلى أهلي، فقالr : "هَلْ لَكَ إِلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ"، فقال الأعرابي ما هو، فقال r: "أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فقال الأعرابي من يشهد هذه الشهادة، فقال r :"هَذِهِ الشَّجَرَةُ السَّمُرَةُ" فقال ابن عمر: فانخلعت الشجرة من مكانها متهادية، وجاءت تشق الأرض إلى رسول الله r، فاستشهدها ثلاث مرات، فشهدت الشجرة على صدقه، فأمرها فذهبت واستقرت في مكانها مرة أخرى[3].


[1] انظر مسند أبي يعلي1/190،  ومسند البزار1/438، والمطالب العالية 15/557، ودلائل النبوة للبيهقي 6/13.

[2] انظر سنن ابن ماجة 2/1336، ومسند أحمد 3/113.

[3] انظر صحيح ابن حبان14/434، والخصائص الكبرى 2/60.




317. صفحة

وروى بريدة عن طريق ابن صاحب الأسلمي نقلا صحيحًا فقال: بينما كنا عند رسول الله r في سفر إذ جاء أعرابي، وطلب آية -أي معجزة- فقال الرسول الأكرم r وأشار إلى شجرة: "قُلْ لِتِلْكَ الشَّجَرَةِ رَسُولُ اللهِ يَدْعُوكِ"، فتهادت الشجرة يمنة ويسرة، وأخرجت عروقها من الأرض وجاءت إلى حضرة النبي r فقالت: السّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ"، ثم قال الأعرابي فلترجع إلى مكانها مرة أخرى، فأمرها r فعادت، فقال الأعرابي: ائذن لي أسجد لك، فقال لا إذن لأحد، فقال: إذن سأقبل قدميك، فأذن له[1].

المثال الثالث: تروي الكتب الصحاح -وفي مقدمتها صحيح مسلم- عن جابر رضي الله عنه أنه قال: "كنا في سفر مع الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وقد بحث r عن مكان لقضاء حاجته فلم يجد مكانا مستورًا عن أعين الناس ثم ذهب إلى شجرتين، فأخذ بغصنٍ من أغصان إحداهما، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، وذكر أنه فعل بالأخرى مثل ذلك حتى إذا كان بالمنتصف بينهما، قال: التئما عليّ بإذن الله، فالتأمتا، فجلس خلفهما، وبعد أن قضى حاجته، أمر أن تعود كل منهما إلى مكانها".

وفي رواية أخرى أن جابرًا رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله r بـ"يا جابر، قل لهذه الشجرة: يقول لك رسول الله الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما"، فالتأمتا، وجلس خلفهما، وكنت أنتظر، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشار برأسه هكذا يمينًا وشمالاً فذهبت الشجرتان إلى مكانهما "[2].

المثال الرابع: يقول أسامة بن زيد -أحد القائدين الشجعان للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وخدامه- في رواية صحيحة: "كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن لقضاء الحاجة مكان خالٍ يستر عن أعين الناس، فقال: "هل ترى من نخلٍ أو حجارة؟" قلت: نعم، قال: "انطلق وقل لَهُن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركن أن تأتين لمخرج رسول الله، وقل للحجارة مثل ذلك"، فقلت ذلك لهن، فوالله لقد اجتمعن

[1] انظر الخصائص الكبرى 2/59، وأعلام النبوة 1/192.

[2] انظر صحيح مسلم 4/2347، ودلائل النبوة 6/8.




318. صفحة

والحجارة صرن ركامًا، فلما قضى حاجته، قال لي: "قل لهن يفترقن"، فوالذي نفسي بيده رأيت الأشجار والحجارة يفترقن حتى عُدن إلى مواضعهن"[1].

يخبر عن هاتين الحادثتين -اللتين رواهما جابر وأسامة رضي الله عنهما- كل من يعلى بن مرة، وغيلان بن سلمة الثقفي، وابن مسعود -رضي الله عنهم- بعينهما في غزوة حنين.

المثال الخامس: يخبر علامة عصره الإمام ابن فورك الملقَّب بالإمام الشافعي الثاني كناية عن اجتهاده الكامل وفضله إخبارًا قاطعًا أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام سار في غزوة الطائف ليلاً على الحصان وهو وَسِنٌ، فاعتَرضتهُ سدرةٌ، فانفرجت له نصفين حتى تفسح له الطريق ولا تؤذي الحصان، وجاز الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام مع الحصان بينهما، وبقيت هذه الشجرة على ساقين إلى وقتنا هذا وفي حالة مباركة[2].

المثال السادس: يخبر يعلى رضي الله عنه من طريقه برواية صحيحة أن شجرة تسمى طلحة أو سَمُرة جاءت في سفر ما، فدارت حول الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وكأنها تطوف به، ثم رجعت إلى مكانها، فقال الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام: "إنها استأذنت أن تسلِّم عليَّ"؛ أي استأذنتْ رب العالمين لتسلِّم عليَّ[3].

المثال السابع: إن المحدِّثين يروون برواية صحيحة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إن شجرة أخبرت بمجيء جن "نصيبين" حين كانوا يأتون إلى الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام للاهتداء إلى الإسلام في موقع يسمى "بطن النخل"[4].

ويروي الإمام مجاهد في هذا الحديث عن ابن مسعود أن الجن طلبوا دليلاً، فأمر الرسولُ الأكرم عليه الصلاة والسلام شجرةً بالإتيان إليه، فجاءت تجرُّ عروقَها، ثم عادت إلى مكانها مرة أخرى[5].


[1] انظر دلائل النبوة 6/25، والخصائص الكبرى 2/61.

[2] انظر السيرة الحلبية 3/83، وسيرة النبي المختار148.

[3] انظر المعجم الكبير 22/275، وأخبار مكة للفاكهي 4/28، وسيرة النبي المختار148.

[4] انظر البخاري 3/1401.

[5] انظرأخبار مكة للفاكهي 4/23.




319. صفحة

فمعجزة واحدة كَفَتْ طائفة الجن، فيا ترى ألاَ يكون من سمع ألف معجزة مثل هذه المعجزة ولم يهتد إلى الإسلام أضلّ من شياطين الجن الذين يعبرون عنهم بـ ﴿يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً [الجن: 4].

المثال الثامن: يروي الترمذي برواية صحيحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام قال لأعرابي: "أرأيتَ إن دعوتُ هذا العِذق من هذه النخلة أَتَشهد أنِّي رسول الله؟" قال: "نعم"، فدعاه الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام فانقطع عن أعلى شجرة العرجون، وأتى إلى الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام ناقزًا، فقال: "ارجع"، فعاد إلى مكانه مرة أخرى[1].

وهكذا فإن هناك أمثلة كثيرة مثل هذه الأمثلة الثمانية، وقد نُقِلت إلينا بطرق شتى، ومن المعلوم أنه إذا جُمِعت سبعة أو ثمانية خيوط رفيعة تصبح حبلاً متينا قويًّا، وبناء على هذا؛ فلا شك أن معجزة الشجرة هذه -التي رُويت عن أشهر الصحابة الصديقين بطرق متعددة- هي بقوة التواتر المعنوي، بل هي التواتر الحقيقي بعينه.

وإذا ما انتقلت الرواية من الصحابة إلى التابعين تتخذ صورة التواتر أصلا، وخاصة أن أصحاب الكتب الصحيحة مثل البخاري ومسلم وابن حبان والترمذي قد مهدوا هذا الطريق إلى زمن الصحابة وجعلوه راسخا إلى درجة أن رؤية الحديث في البخاري -مثلا- هي كالاستماع إليه من الصحابة مباشرة.

فيا ترى ألا يكون قسم من المخلوقات الجامدة غير العاقلة -الذين يسمُّون أنفسهم إنسانًا- مستحقا للنار كأدنى وأتفه قطعة حطب من الشجرة اليابسة إن لم يعرف الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام ولم يؤمن به، مع أن الأشجار تعرف الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وتصدِّق برسالته وتسلِّم عليه وتزوره وتسمع كلامه وتطيع أوامره كما ورد في الأمثلة؟!

 


[1]انظر المستدرك على الصحيحين 2/676.




320. صفحة

الإشارة العاشرة:

إن الذي يقوِّي معجزة الشجرة هذه أكثر فأكثر هو معجزة "حنين الجذع" المروية رواية متواترة.

نعم؛ إن بكاء الجذع اليابس في المسجد النبوي الشريف بحضور جماعة عظيمة بسبب الفراق الأحمدي r مؤقتًا يؤيِّد أمثلة معجزة الشجرة التي بيَّنَّاها، ويقوِّيها؛ إذ هي أيضا شجرة، فنوعهما واحد، ولكن هذه متواترة بذاتها، والأقسام الأخرى متواتر نوعُ كل واحدة منها، ولا تبلغ جزئياتُهَا وكثيرٌ من أمثلتها درجة التواتر الصريح.        

نعم، إن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام كان يستند إلى الجذع اليابس من شجرة النخل وهو يخطب في المسجد الشريف، ولما صُنع المنبر الشريف، صعد الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام المنبر وبدأ يخطب، ولما كان يخطب أخذ الجذع في البكاء والأنين كأنين العشار، وسمعه الجميع، حتى جاءه الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، ووضع يده عليه، وتكلم معه، وسلاه، فتوقف الجذع عن البكاء.

إن هذه المعجزة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام قد رُويت بطرق متعددة وبالتواتر.

نعم؛ إن معجزة "حنين الجذع" مشهورة ومنتشرة جدًا ومتواترة تواترًا حقيقيًّا، وإنها جاءت من الجماعة العالية من الصحابة بخمسة عشر طريقًا، ومئاتٌ من أئمة التابعين أخبروا العصور التالية عن تلك المعجزة بهذه الطرق، وعلماء الصحابة المشهورون من تلك الجماعة من الصحابة، ومشاهير علماء الصحابة ورؤساء رواية الحديث كخادم النبي أنس بن مالك وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسهل بن سعد، وأبي سعيد الخدري، وأبي بن كعب، وبُريدة، وأم المؤمنين أم سلمة -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- وكل من هؤلاء على رأس طريق من تلك الطرق أخبروا الأمةَ عن تلك المعجزة بعينها، وأصحاب الكتب الصحيحة وفي مقدمتهم البخاري ومسلم أخبروا العصور التالية عن تلك المعجزة الكبرى المتواترة بطرقهم.


321. صفحة

ويقول جابر رضي الله عنه في طريقه: "كان الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام إذا خطب يقوم إلى عمود يابس يسمى بجذع النخل، فلما صُنع له المنبر الشريف وصعد عليه لم يتحمل الجذع فراقه صلى الله عليه وسلم، وبكى وأنّ بصوت كصوت العشار"، ويقول أنس رضي الله عنه في طريقه: "حتى ارتجّ المسجد لخواره".

ويقول سهل بن سعد في طريقه: "وكَثُر بكاء الناس لما رأوا به من بكاء وحنين".

ويقول أُبَي بن كعب في طريقه: "حتى تصدّع وانشق" لشدة بكائه.

وفي طريق آخر: قال الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام "إن هذا بكى لما فقد من الذكر"؛ أي إن بكاءه من فراقه الذكر الإلهي الذي في الذكر والخطبة المقروءة في موقعه.

وفي طريق آخر: قال الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام "لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تَحَزُّنًا على رسول الله"؛ أي لو لم أحتضنه ولم أسلّه لاستمر بكاؤه هكذا من فراقه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى يوم القيامة[1].

ويقول بريدة رضي الله عنه في طريقه: لما بكى الجذع وضع الرسول يده الشريفة عليه وقال: "إن شئت أردَّك إلى الحائط الذي كنت فيه، فتنبت لك عروقك ويكمل خلقُك ويجدَّد لك خوصُك وثمرُك، وإن شئت أغرسك في الجنة يأكل أولياء الله من ثمرك"، ثم أصغى له النبيُّ صلى الله عليه وسلم يستمع ما يقول، فقال: "اغرسني في الجنة يأكل مني أولياء الله في مكان لا يبلى" فسمعه من يليه، فقال الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام: "قد فعلتُ"، ثم قال: "اختار دار البقاء على دار الفناء".

روى الإمام المشهور أبو إسحاق الإسفراني -وهو من الأئمة الكبار لعلم الكلام- أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام لم يذهب إلى الجذع وإنما الجذع هو الذي جاء إليه بأمر منه، ثم أمره فعاد إلى مكانه.

يقول أبَي بن كعب رضي الله عنه: "بعد هذه الحادثة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجذع تحت المنبر"، فوُضع، وبقي هناك إلى أن هدم المسجد لتجديده، فأخذه أبَي ابن كعب رضي الله عنه، فحوفظ عليه إلى أن بلي.


[1] انظر روايات ذلك في البخاري 3/1314، وسنن البيهقي 3/195، والطبقات الكبرى 1/253، والسيرة الحلبية 3/366، وفتح الباري6/603، وسيرة النبي المختار 149.




322. صفحة

وحينما كان الحسن البصري المشهور يحدّث طلابه عن تلك المعجزة كان يبكي ويقول: "الخشبةُ تحنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقًا إليه لمكانه فأنتم أحق بأن تشتاقوا إلى لقائه"[1].

ونحن نقول: نعم؛ إن الاشتياق والحنين إليه r ومحبته إنما تكون باتباع سنته السنية وشريعته الغراء.

نكتة مهمة:

لو قيل: لِمَ لم تُرو المعجزة الطعامية التي هي إشباع ألف من الناس في غزوة الخندق بصاع من طعام، والمعجزة المائية التي هي أروت ألفًا وخمسمائة من الناس بما فار من الماء من أصابعه المباركة r، بطرق كثيرة وبصورة لامعة زاهية مثلما رُويت معجزة حنين الجذع هذه، مع أن كلاً من هاتين المعجزتين وقعت أمام جماعة يزيد عدد أفرادها عن عدد أفراد الجماعة التي وقعت أمامها معجزةُ حنين الجذع؟

الجواب: إن المعجزات التي ظهرت قسمان: قسم منها يظهَر بيد الرسول عليه الصلاة والسلام ليجعل الناس يصدِّقون بنبوته، وحنين الجذع من هذا النوع؛ بحيث إنها ظهرت كحجة لتصديق النبوة فحسب، ولزيادة إيمان المؤمنين، ودفع المنافقين إلى الإخلاص والإيمان، وسوق الكفار إلى الإيمان، لذا فالكل عواما وخواصا رآها، واعتُنِيَ بنشرها أكثر من غيرها، وأما معجزة الطعام ومعجزة الماء هذه، فهي كرامة أكثر من كونها معجزة، بل هي إكرام أكثر من كونها كرامة، بل هي وليمة رحمانية أقيمت بناء على الاحتياج إليها، ولهذا وإن كانت دليلاً على دعوى النبوة ومعجزة لها فإن الغرض الأصلي من هذه هو أن الجيش كان أصابه الجوع، فقدَّم الحقُّ تعالى وليمةً لألف رجل من صاع من الطعام من خزانة الغيب، مثلما يخلق من بذرة واحدة ألف رطل من التمر، وأجرى الماء على أصابع القائد الأعظم كماء الحياة لجيش المجاهدين الذين أصابهم العطش فأسقاهم، ولهذا

[1] انظر روايات ذلك في البخاري 3/1314، وسنن البيهقي 3/195، وسنن ابن ماجة 1/454، وسنن الدارمي 1/31، ومصنف أبي شيبة 6/319، ومسند أحمد 1/249، ودلائل النبوة 2/558، والخصائص الكبرى2/127، والطبقات الكبرى 1/253، والسيرة الحلبية 3/366، وفتح الباري6/603، وسيرة النبي المختار 149، وعمدة القاري6/215.




323. صفحة

السر لا يبلغ أي مثال من أمثلة معجزة الطعام ومعجزة الماء درجةَ معجزة حنين الجذع؛ ولكن أمثلة وأنواع هاتين المعجزتين متواترة وكثيرة من حيث الكلية كمعجزة حنين الجذع.

ثم إنه لم يستطع كل واحد رؤية بركة الطعام وجريان الماء على أصابعه صلى الله عليه وسلم وإنما رأى أثره فحسب، وأما بكاء الجذع فسمعه الجميع؛ ولهذا انتشرت أكثر من غيرها.

وإن قيل: إن الصحابة رضي الله عنهم قد حفظوا باهتمام بالغ كلَّ حال من أحوال الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وكل حركة من حركاته ونقلوها إلى من بعدهم، ولِمَ رُوِيَتْ مثل هذه المعجزات بعشرة طرق أو عشرين طريقًا؟ مع أنه كان يجب أن تروى بمائة طريق؟

و لِمَ تروى عن أنس وجابر وأبي هريرة رضي الله عنهم كثيرًا، ولا تروى عن سيدنا أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا قليلاً؟

الجواب: إن الجواب عن الشق الأول من السؤال قد ورد في ختام "الأساس الثالث" من "الإشارة الثالثة"، وأما الجواب عن الشق الثاني فهو: كما أن الإنسان إذا احتاج إلى دواء فإنه يذهب إلى الطبيب، وإذا احتاج للأمور الهندسية يذهب إلى المهندس، وينقل المعلومات الهندسية من المهندس، وللمسائل الشرعية يستخبر المفتي، وهكذا فإن قسمًا من علماء الصحابة رضي الله عنهم كانوا موظفين -معنويًّا- ليعلِّموا العصور الآتية الأحاديث النبوية، وكانوا يسعون إلى هذا بكل ما أوتوا من القوة.

نعم؛ إن أبا هريرة رضي الله عنه قد وهب ووقف كل حياته في سبيل الحفاظ على الأحاديث النبوية، وأما عمر رضي الله عنه فقد كان مشغولاً بسياسة العالم والخلافة الكبرى؛ ولذالك لم يكن يروي إلا قليلاً، وكان يعتمد على الأشخاص كأبي هريرة وأنس وجابر رضي الله عنهم في إبلاغ الأحاديث إلى الأمة، وبما أن صحابيًّا صدِّيقًا صدوقًا صادقًا مصدَّقًا ومشهورًا إذا أخبر عن حادثة بطريق واحد فيُكتفى به، ولا تبقى حاجة إلى رواية راوٍ آخر؛ لذا تُروى بعض الأحداث المهمة بطريقين أو ثلاثة.


324. صفحة

الإشارة الحادية عشرة:

كما أن "الإشارة العاشرة" قد بيَّنت المعجزة النبوية التي وقعت في طائفة الشجر، كذلك "الإشارة الحادية عشرة" ستشير إلى ظهور المعجزات النبوية في طائفة الحجر والجبل من الجمادات، ونحن بدورنا سنذكر سبعة أو ثمانية أمثلة من بين أمثلتها الكثيرة جدًّا.

المثال الأول: إن علامة المغرب حضرة القاضي عياض يروي في كتابه "الشفاء" الشريف بسند علوي وعن الأئمة الكبار مثل البخاري أن سيدنا ابن مسعود t -خادم النبي صلى الله عليه وسلم- قال: "لقد كُنّا نَسْمعُ تَسبيحَ الطعامِ وهو يُؤكَل"[1].

المثال الثاني: إن الكتب الصحيحة تروي عن أنس وأبي ذر رضي الله عنهما برواية صحيحة أن أنس خادم النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كنا مع رسول الله وأخذ بيده الحصيات الصغيرة، فسبَحن في يده المباركة، ثم وضعهن في يد أبي بكر رضي الله عنه فسبَّحن"[2].

يقول أبو ذرّ الغفاري -رضي الله عنه- في طريقه: "ثم وضعهن في يد عمر رضي الله عنه فسبَّحن، ثم وضعهن على الأرض فسكتن،  ثم أخذهن من جديد ووضعهن في كف عثمان، فبدأن بالتسبيح"، يقول أنس و أبو ذر الغفاري رضي الله عنهما: "ثم وضعهن في أيدينا فخرسن"[3].

المثال الثالث: ثَبتَ برواية صحيحة عن سيدنا علي وجابر -رضي الله عنهما- وعن السيدة عائشة الصّدّيقة رضي الله عنها أنه كان الجبل والحجر يقول للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم: "السلام عليك يا رسول الله".

وقال علي رضي الله عنه في طريقه: "كنا بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في

[1] انظر البخاري 3/1312.

[2] انظر أعلام النبوة 194.

[3] انظر المعجم الأوسط 4/245، ودلائل النبوة 6/65.




325. صفحة

بداية النبوة، فخرج إلى بعض نواحيها، فما استَقبلَهُ شجر ولا جبلٌ إلاَّ قال له: السلام عليك يا رسول الله"[1].

وقال جابر رضي الله عنه في روايته: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمرّ بحجر ولا شجرٍ إلاَّ سجد له"؛ أي انقاد له وقال: "السلام عليك يا رسول الله"[2].

وفي رواية عن جابر رضي الله عنه أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام قال: "إني لأعرف حجرًا كان يسلِّم عليَّ"، قيل: "إنه إشارة إلى الحجر الأسود"[3].

وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها في طريقها: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لما استقبلني جبرائيل بالرسالة جعلتُ لا أمرُّ بحجرٍ ولا شجرٍ إلاَّ قال: السلام عليك يا رسول الله"[4].

المثال الرابع: ويروى برواية صحيحة عن العباس رضي الله عنه أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام اشتمل عليه وعلى بنيه -عبد الله وعبيد الله والفضل وقثم- بملاءة، ودعا قائلاً: "يا رب، هذا عمي وصنو أبي وهؤلاء بنوه فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي"، فأمّنت بابُ البيت وسقفه وجدرانه قائلة: "آمين آمين" واشتركن في الدعاء[5].

المثال الخامس: روت الكتب الصحاح متفقة وفي مقدمتها البخاري وابن حبان وداود والترمذي عن أنس وأبي هريرة وعن عثمان ذي النورين وسعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة أنه: صعد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان على جبل أُحُد، فرجف بهم من مهابتهم أو من سروره وفرحه، فقال الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام: "اثبت يا أحُد فإنما عليك نبي وصدّيق وشهيدان"[6]، فهذا الحديث يخبر إخبارًا غيبيًّا عن أن عمر وعثمان رضي الله عنهما سيستشهدان.


[1] انظر روايات ذلك في سنن الترمذي 5/593، والدارمي 1/25، والمستدرك على الصحيحين 2/677.

[2] انظر دلائل النبوة 6/69، والخصائص الكبرى 1/114.

[3] انظر صحيح مسلم 4/1782.

[4] انظر مجمع الزوائد8/260،  وكنز العمال 11/206.

[5] انظر المعجم الكبير 19/263.

[6] انظر البخاري 3/1344.




326. صفحة

وقد رُوي تتمةً لهذا المثال أنه لما هاجر الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام من مكة وبدأ كفار قريش متابعته، صعد على جبل ثبير، فقال له ثبير: "اهبط يا رسول الله فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذّبني الله"، فقال له حراء: "إليَّ يا رسول الله"[1]، ولهذا السر يستشعر أهلُ القلب الخوفَ في ثبير والأمنَ والاطمئنانَ في حراء.

ويُفهم من هذا المثال أن كل جبل من تلك الجبال العظيمة عبد مستقل بذاته، ومسبِّح، وموظَّف، وأنه يعرف النبي عليه الصلاة والسلام، ويحبُّه، فليست الجبال سائبةً بلا وظائف.

المثال السادس: يُروى برواية صحيحة عن ابن عمر رضي الله عنهما أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام قرأ على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: 67] ثم قال: "إن الجبَّار يعظِّم نفسه ويقول: أنا الجبار أنا الجبار أنا الكبير المتعال"، فَرجَف المنبرُ وارتج وخاف وتزلزل إلى حد كاد يُسقِط الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام[2].

المثال السابع: يُروى برواية صحيحة عن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما وعن ابن مسعود رضي الله عنه -الذي هو خادم النبي وأحد العلماء الكبار من الصحابة- أنهما قالا: "كان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم مثبتة الأرجل بالرصاص في الحجار، فلما دخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسجدَ عام الفتح جعل يشير بقضيب في يده إليها ولا يمسّها، ويقول: ﴿جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [الإسراء: 81] فما أشار إلى وجه صنمٍ إلاَّ وقع لقفاه ولا لقفاه إلاَّ وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم"[3].


[1] انظر عمدة القاري 1/62.

[2] انظر ابن حبان 16/322، ومسند أحمد2/72.

[3]  انظر الخصائص الكبرى 1/438




327. صفحة

المثال الثامن: هو قصة بحيرا الراهب المشهورة وهي: أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام خرج قبل البعثة مع عمه أبي طالب وجماعة من قريش إلى نواحي الشام للتجارة، ولما وصلوا إلى جوار كنيسة الراهب بحيرا جلسوا هناك وكان الراهب لا يخرج إلى أحَد فخرج فجأة وجعل يتخللهم حتى رأى محمدا الأمين عليه الصلاة والسلام فقال: "هذا سيد العالمين وسيكون رسولا" فقال له قرشيون: من أين لك هذا وما عِلمُك؟ فقال الراهب المبارك وقد أقبل صلى الله عليه وسلم وعليه غمامةٌ تظلّه فلما دنا من القوم وجدهم سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مالَ الفيء إليه: "إنه لم يبق شجر ولا حجر إلاَّ خرَّ ساجدًا له ولا يسجد إلاَّ لنبيٍّ"[1].

وهكذا فربما هنالك ثمانون مثالاً كهذه الأمثلة الثمانية، وإذا جُمعت هذه الأمثلة الثمانية لأصبحت سلسلة قوية لا تستطيع أية شبهة أن تفصم عراها، أو تزعزعها، وهذا النوع من المعجزات؛ أي تكلُّم الجمادات كدليل على النبوة هو في حكم تواتر معنوي ويفيد اليقين والقطعية من حيث شموله، وكل مثال من هذه الأمثلة يستمد قوة أخرى من مجموعها تفوق قوته الذاتية؛ نعم، إن عمودًا ضعيفًا إذا تكاتف مع الأعمدة القوية يصبح قويَّا ومُحكَما، وإذا انخرط رجل ضعيف في العسكرية يتقوَّى إلى حد يتحدى معه ألفًا من الرجال.

الإشارة الثانية عشرة:

إنها عبارة عن "ثلاثة أمثلة" تتعلق بـ"الإشارة الحادية عشرة"، ولكنها في غاية الأهمية.

المثال الأول: إن هذه الآية ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى [الأنفال: 17] تخبر بنصِّها القاطع بتحقيق جميع المفسرين المحققين وإخبار أهل الحديث أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام قد أخذ في غزوة بدر قبضة من تراب وحصيات ورمى بها في وجوه جيش الكفار قائلاً: "شاهت الوجوه"، فدخلت تلك القبضة من التراب في عين كل

[1] انظر مصنف أبي شيبة 6/317، والسيرة الحلبية 1/195.




328. صفحة

كافر من هؤلاء الكفار كما بلغت سمع كل واحد منهم كلمة "شاهت الوجوه" مع أنها كلام واحد.

وانشغل كل واحد منهم بعينه وفروا بعد أن كانوا في حالة الهجوم.

ويخبر أهل الحديث وفي مقدمتهم الإمام مسلم بأن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام عندما كان الكفار يصولون بشدة على المسلمين في غزوة حنين كما كانت الحال في بدر، رمى كذلك قبضةً من تراب وقال: "شاهت الوجوه"، فدخلت في عين كل واحد منهم -بإذن الله- قبضةٌ من تراب كما بلغت سمع كل واحد منهم كلمة "شاهت الوجوه"، وفروا منشغلين بعيونهم[1].

ولأن هذه الحادثة الخارقة للعادة التي وقعت في غزوة بدر وحنين ليس في نطاق الأسباب العادية وليست ضمن قدرة البشر يقول القرآن المعجز البيان: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17]؛ أي إن تلك الحادثة تفوق قدرة البشر، وهي لم تقع بالقوة البشرية، وإنما وقعت بالقدرة الإلهية وبصورة خارقة للعادة.

المثال الثاني: تخبر الكتب الصحيحة وفي مقدمتها صحيح البخاري ومسلم أن يهودية أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر شاة سمَّمتْها بسم شديد وأرسلتها إليه r، فبدأ يأكل الصحابة منها، فقال r فجأة: "ارفعوا أيديكم، فإنها أخبرتني أنها مسمومة"، فرفع الجميع أيديهم، إلاَّ أن بشر بن البراء مات من أثر لقمة واحدة تناولها بسبب السم الشديد الذي فيها فدعا صلى الله عليه وسلم اليهودية -واسمها زينب- وقال لها: "ما حَمَلكِ على ما صنعتِ؟" قالت تلك الشقية: "إن كنت نبيًّا لم يضرّك الذي صنعتُ، وإن كنتَ مَلِكًا أرَحْتُ الناسَ منك"[2]. وفي بعض الروايات إنه لم يأمر بقتلها، وفي بعضها الآخر أمر بقتلها، قال أهل التحقيق: "لم يأمر بقتلها بل دفعها لأولياء بشر بن البراء، فقتلوها".


[1] انظر روايات ذلك في صحيح مسلم 3/1402، و ابن حبان 14/430،  والمستدرك على الصحيحين 1/268، وسنن الدارمي 2/289.

[2] انظر البخاري 3/1156.




329. صفحة

فاستمع إلى نقطتين أو ثلاث تُبيِّن وجه الإعجاز في هذه الحادثة العجيبة:

أولاها: جاء في إحدى الروايات: أن بعضًا من الصحابة سمعوا قولَ ذراع الشاة حينما أخبرتْ عن أنها مسمومة.

ثانيتها: وفي رواية أخرى أنه بعدما أخبر الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام عن السمِّ، قال: "قولوا باسم الله ثم كلوا، فإنه لا يضر السمُّ بعدَه"، وإن لم يقبل ابن حجر العسقلاني هذه الرواية إلاَّ أن غيره من العلماء قبلها.

ثالثتها: انكشاف مؤامرة اليهود الماكرين وبطلان مكرهم على الرغم من أنهم كانوا يريدون أن يقضوا على الرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- وعلى الصحابة المقربين رضي الله عنهم معا، وكأنه صلى الله عليه وسلم قد أُنبِئ من الغيب فجأة، ووقوع هذا النبأ كما أخبر عنه، وقول الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام -الذي لم يُسمع منه قط خبر مخالف للواقع في نظر الصحابة- "إن ذراع هذه الشاة تخبرني"؛ نقول إن كل هذا أورثهم يقينًا وكأن كل واحد منهم سمع هذا القول من الشاة بأذنه.

المثال الثالث: هو معجزة من المعجزات الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام في ثلاث أحداث مقابل معجزة "اليد البيضاء" و"العصا" لسيدنا موسى عليه السلام.

أولاها: أخرج الإمام أحمد بن حنبل الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وصحَّحه: أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام أعطى قتادة بن نعمان في ليلةٍ مظلمة ممطِرة عُرجونًا، وقال: "انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرًا ومن خلفك عشرًا، فإذا دخلتَ بيتك فسترى سوادًا فاضربه حتى يخرج فإنه الشيطان"، فانطلق قتادة، فأضاء له العرجون كاليد البيضاء، حتى دخل بيته ووجد السواد فضربه حتى خرج[1].

ثانيتها: انقطع سيف عكاشة بن محصن الأسدي وهو يقاتل المشركين في غزوة بدر الكبرى -التي هي منبع الغرائب- فأعطاه الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام عودًا غليظًا بدلا من السيف، وقال: "اضرب به"، فتحوَّل العودُ في يده -بإذن الله- سيفًا

[1] انظر المعجم الكبير 119/5، ومجمع الزوائد 2/41.




330. صفحة

أبيض طويلاً، فقاتل به، ثم حمله معه طول حياته إلى أن استشهد في حرب اليمامة[1].

إن هذه الحادثة ثابتة قطعًا؛ لأن عكاشة رضي الله عنه افتخر بهذا السيف طول حياته، واشتهر هذا السيف باسم "العَوْن"، فافتخار عكاشة رضي الله عنه به واشتهار السيف باسم "العون" أكثر من غيره من السيوف حجتان على ثبوت الحادثة.

ثالثتها: روى ابن عبد البر الذي هو أحد علاّمات مصر ومن كبار العلماء المحققين مصحِّحا أنه قد انكسر سيف عبد الله بن جحش الذي هو ابن عمة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد وهو يقاتل، فأعطاه الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام عودًا، فتحوَّل هذا العودُ في يده سيفًا، فقاتل به، وظلّ هذا السيف -الذي هو أثر المعجزة- باقيًا.

ويقول ابن سيد الناس في سِيَره: وبعد مدّة باع عبد الله ذلك السيف لشخص يُدعى بغاء التركي بمائتي دينار[2].

فهذان السيفان معجزتان كمعجزة عصا موسى عليه السلام، إلاَّ أنه لم يبق لعصا موسى عليه السلام وجه الإعجاز بعد وفاته، وأما هذان السيفان فقد ظلاَّ باقيين.

الإشارة الثالثة عشرة:

إن أحد أنواع المعجزات الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام هو شفاء المرضى والجرحى بنفثه المبارك، وهذا النوع من المعجزات متواتر وله أمثلة كثيرة جدًّا، ولكن تواتره معنوي من حيث النوع، وقسم من جزئياته في حكم التواتر المعنوي كذلك،  وإن كان قسم آخر منه آحاديا إلاَّ أنه يورث القناعة العلمية؛ إذ إن الأئمة المدققين لعلم الحديث صحَّحوا هذا النوع من المعجزات وخرَّجوه، ونحن هنا سنذكر بضعة أمثلة من بين أمثلته الكثيرة جدًّا.


[1] انظر دلائل النبوة 3/98، وزاد المعاد 3/186.

[2] انظر رواية ذلك في مصنف عبد الرازق 11/279، والإصابة 4/36، والروض الأنف 3/285.




331. صفحة

المثال الأول: روى علامة المغرب القاضي عياض في كتابه "الشفاء" الشريف بعنعنة علوية عن سعد بن أبي وقاص -الذي هو خادم النبي وأحد قُوَّاده، وكبير القواد لجيش الإسلام في عهد عمر رضي الله عنه، وفاتح بلاد الفرس، وأحد العشرة المبشرين بالجنة- أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيُناوِلني السهمَ لا نَصْلَ لَهُ، فيقول: "ارمِ به"، وقد رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ عن قوسه حتى اندقّت، كان ذلك في غزوة أحد، وكانت السهام التي لا نصلَ لها تَمرقُ كالرّيشة وتثبت في جسد الكفار، وأصيبت يومئذٍ عين قتادة (بن النعمان) حتى وقعت على وجنته، فرّدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده المباركة الشافية فكانت أحسنَ عَينيه[1]. واشتهرت هذه الحادثة حتى إن أحد أحفاد قتادة حينما جاء إلى عمر بن عبد العزيز عرّف نفسَه قائلاً:

أنا ابن الذي سالَت على الخدِّ عينُه              فرُدَّتْ بكفِّ المصطفى أحسنَ الردّ

فعادت كمــا كانت لأول أمرها          فيا حُسنَ ما عينٍ ويا حُسنَ ما ردّ[2]

ورُوي أيضًا برواية صحيحة أن سهمًا أصاب وجه أبي قتادة المبارك في غزوة تسمى "يوم ذي قرد"، ومسح الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام الجرحَ بيده المباركة، وقال أبو قتادة: "لم أشعر قط ألمه ولا جرحه"[3].

المثال الثاني: تروي الكتب الصحيحة وفي مقدمتها البخاري ومسلم أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام أعطى الراية عليًّا يوم خيبر، وكان رمدًا يشعر آلاما شديدة، فلما تفل في عينه أصبح ترياقًا لعينه فبرئت بإذن الله، ولما جاء الغد أخذ علي باب القلعة وهو من حديد وكأنه ترس في يده، وفتح القلعة[4].

وفي الحادثة نفسها نفث الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام على ضربة سيف بساق سلمة بن الأكوع، فبرئت[5].


[1] انظر السيرة الحلبية 2/504، وانظر المعجم الكبير19/8،  ومجمع الزوائد6/113، ودلائل النبوة 3/251.

[2] انظرالبيتين بلانسبة في السيرة الحلبية 2/543، والروض الأنف 3/271.

[3] انظر المستدرك على الصحيحين 3/546.

[4] انظر صحيح مسلم 4/1872،و مصنف أبي شيبة 7/394، ومسند أحمد 5/358.

[5] انظر السيرة الحلبية 3/348، ودلائل النبوة 4/251.




332. صفحة

المثال الثالث: يروي أصحاب كتب السير وفي مقدمتهم النسائي عن عثمان بن حنيف أنه قال: إن أعمى أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يكشف لي عن بصري، قال: "فانطلق وتوضأ ثم صلِّ ركعتين وقل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبيّ الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك، أن يكشف لي عن بصري، اللّهم شفِّعه فيَّ"، فرجع وقد كشف الله عن بصره[1].

******************************************************

المثال الرابع: يروي الإمام الكبير ابن وهب، أن معوذ بن عفراء وهو أحد شهداء بدر الأربعة عشر عندما كان يتقاتل مع أبي جهل، قطع أبو جهل اللعين يد هذا البطل، فمسك يده المقطوعة بيده الأخرى وذهب إلى رسول اللهr، فألصقها r بمكانها مرة أخرى، ومسح عليها بريقه، فشفي، ثم رجع إلى الحرب فقاتل حتى استشهد[2].

ويروي أيضًا الإمام الجليل ابن وهب، أنه ضُرِبت كتف خبيب بن يساف بالسيف في تلك الغزوة، وجُرِح جرحًا بالغًا كأنه انفصل إحدى شقيه، فألصق الرسول r ذراعه بكتفه بيده الشريفة، ونفث عليه فشُفي[3].

فمع أن هاتين الواقعتين من رواية الآحاد، فإن تصحيح إمام كابن وهب لهما، وحدوثهما في غزوة كغزوة بدر التي هي منبع المعجزات، ووجود أمثلة كثيرة تشبههما، كل ذلك ينفي الشك في أن وقوعهما ثابت قطعًا.

فهناك ربما ألف مثال ثبت في الأحاديث الصحيحة على أن يد الرسول الأكرم r المباركة كانت شفاء.


[1] انظر سنن النسائي 6/169.

[2] انظر سيرة النبي المختار 155.

[3] انظر السيرة الحلبية 3/349.




333. صفحة

إن هذه الفقرة لجديرة بأن تكتب بالذهب والماس

أجل؛ إن ذكر الحصى وتسبيحه في كفه r كما سبق ذكره، وتسبب الحصيات والتراب في الكف نفسها في هزيمة الأعداء وكأنها قذائف وقنابل بسرّ )وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى ([الأنفال: 17]، وشقّ إحدى أصابع الكف نفسها القمر إلى شقين، بنصّ )وَانْشَقَّ القَمَرُ( [القمر: 1]، وجريان الماء من الأصابع العشرة لتلك اليد نفسها كأنها عيون، وإرواءها الجيشَ كله، وكون اليد نفسها شفاء للمرضى والجرحى، كل ذلك ليدل على مدى كون تلك اليد المباركة معجزة خارقة للقدرة الإلهية.

وكأن كف تلك اليد بين الأحباب مجلس ذكر صغير سبحاني لو دخلتها الحصيات لسبحت لله وذكرته، وهي مستودع ذخيرة رباني صغير تجاه الأعداء لو دخلها التراب والحصى لأصبح قنابل وقذائف، وهي للجرحى والمرضى صيدلية رحمانية صغيرة، إذا مست أي جرح أو مرض صارت شفاء له، وإذا ارتفعت بالجلال شقت القمر وأعطته صورة القوسين، وإذا عادت وانخفضت بجمال أصبحت عين رحمة ذات عشرة صنابير يجري منها ماء الكوثر.

فيا ترى إذا كانت يد واحدة لمثل هذه الشخصية مدارًا وموضع تجلٍّ لمثل هذه المعجزات العجيبة، أفلا يُدَرك من هذا بداهة مدى مقبولية تلك الشخصية لدى خالق الكون، ومدى صدقها في دعوتها، ومدى سعادة الذين بايعوا تلك اليد!

سؤال: يقال إنك تقول عن كثير من الروايات أنها متواترة، في حين أن أغلبها نسمعه لأول مرة، والروايات المتواترة لا تبقى مخفية هكذا؟

الجواب: إن لدى علماء الشريعة كثير من أمور متواترة وبديهية، هي مجهولة عند من ليس منهم، ولدى أهل الحديث كذلك أمور متواترة كثيرة، لا ترقى عند غيرهم حتى إلى درجة الآحاد، وهكذا يبين أهل كل علم وفنٍّ البديهيات والنظريات حسب ذلك العلم، أما بقية الناس فيعتمدون على أهل الاختصاص في ذلك العلم، ويسلمون الأمر لهم، أو يدخلون فيه ويعرفونه.


334. صفحة

فما قلنا إنه متواتر حقيقي، أو متواتر معنوي، أو ما يفيد الثبوت من الوقائع التي هي بمنزلة المتواتر قد بين حكمَها أهل الحديث وأهل الشريعة وأهل الأصول وأكثر طبقات العلماء بهذه الصورة، فإذا جهل ذلك العوام الغافلون أو الجاهلون الذين أغمضوا عيونهم، فالقصور والخطأ يعود إليهم.

المثال الخامس: أخرج الإمام البغوي وصحح، أنه كُسِرت رجل علي بن الحكم في غزوة الخندق بضربة من الكفار، فمسح عليها الرسول الأكرم r فشُفي في تلك اللحظة حتى لم ينزل عن فرسه[1].

المثال السادس: يروي أهل الحديث وعلى رأسهم الإمام البيهقي أن الإمام علي t كان مريضًا مرضًا شديدًا، وكان يئن من شدة الألم ويدعو لنفسه، فجاءه الرسول الأكرم r فقال: "اللّهُمَّ اشْفِهِ"، ولمسه برجله، فقال له انهض، فشفي، ويقول الإمام علي: فما اشتكيت من ذلك المرض بعد ذلك[2].

المثال السابع: القصة المشهورة لشرحبيل الجعفي وهي أنه كان في كفه ورم يمنعه من القبض على السيف وعلى زمام الفرس، فمسح الرسول الأكرم r بيده على ذلك الورم الذي في كفه، ودلَّكه بيده المباركة، فلم يبق من ذلك الورم أثر[3].

المثال الثامن: ستة من الأطفال نال كل واحد منهم معجزة من المعجزات الأحمدية r.

الأول: يروي المحقق الكبير والمحدث المشهور الإمام ابن أبي شيبة: أن امرأة أتت بولد إلى الرسول الأكرم r وكان بالولد عاهة، فلم يكن يتكلم، أي كان بليدًا، فتمضمض الرسول الأكرم r بماء وغسل يده، ثم أعطى المرأة الماء، فقال لها اسقي الولد منه، فلم يبق أثر من مرض الولد وعاهته بعدما شرب الماء، وأصبح ذا عقل وكمال يفوق العقلاء من الناس[4].


[1] انظر دلائل النبوة 6/185.

[2] انظر سنن النسائي الكبرى 6/261، ومسند أحمد 1/107

[3] انظر السيرة الحلبية 3/370، ودلائل النبوة للبيهقي 6/176.

[4] انظر السيرة الحلبية 3/370.




335. صفحة

الثاني: يروي سيدنا ابن عباس t رواية صحيحة: جيء إلى الرسول الأكرم r بولد مجنون، فوضع يده المباركة على صدره، فتقيأ الولد فجأة، وخرج من جوفه شيء أسود كالخيار الصغير، فشفي وانصرف[1].

الثالث: يروي الإمام البيهقي والنسائي رواية صحيحة، أن قدرًا تغلي وقعت بما فيها على ذراع ولد اسمه محمد بن حاطب، فأحرقت ذراعه كاملا، فمسحه الرسول الأكرم r ومرر عليه بصاقه، فشفي في لحظته[2].

الرابع: أتى الرسولَ الأكرم r ولد كبير ولكنه أبكم لا يتكلم، فقال له r: من أنا؟ فقال الولد الذي لم يتكلم قط: "أَنْتَ رَسُولُ اللهِ"، وبدأ يتكلم[3].

الخامس: أخرج وصحح الإمام السيوطي إمام عصره الذي تشرف برؤية الرسول الأكرم r في عالم اليقظة مرات عديدة، أن الرسول الأكرم r أتي بمولود حديث الولادة اشتهر فيما بعد بـ"مبارك اليمامة"، فالتفت إليه الرسول الأكرم r فبدأ الولد يتكلم، وقال: "أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ" فقال الرسول الأكرم r "بارك الله"، ولم يتكلم هذا الولد قط إلى أن كبر، فاشتُهر ذلك الولد باسم "مبارك اليمامة" لنيله معجزة من معجزات الرسول الأكرم r ودعائه[4] بـ "بارك الله".

الولد السادس: كان الرسول الأكرم r يصلي فقطع عليه صبي حادّ الطبع صلاته ومر من أمامه، فدعا عليه r: "اللَّهُمَّ اقْطَعْ أَثَرَهُ" فلم يقدر الصبي على المشي بعد ذلك وظلّ على تلك الحال، ونال جزاء مشاكسته[5].

الولد السابع: إن امرأة ذات طبيعة طفولية قليلة الحياء طلبت من الرسول الأكرم r لقمة عندما كان يأكل، فأعطاها، فقالت لا، إنما أريد اللقمة التي في فيك،

[1] انظر سنن الدارمي 1/24، ومصنف أبي شيبة5/47،  ومسند أحمد1/254.

[2] انظر صحيح ابن حبان 7/241، والنسائي 4/366، ودلائل النبوة البيهقي 6/174.

[3] انظر دلائل النبوة 6/61، والخصائص الكبرى 2/114.

[4] انظر كنز العمال 12/172.

[5] انظر سنن أبي داود 1/188، وسنن البيهقي 2/275.




336. صفحة

فأعطاها r، فبعدما أكلت تلك المرأة الوقحة اللقمة أصبحت أكثر النساء حياء وفاق حياؤها كل نساء المدينة[1].

وهكذا فهناك أمثلة كثيرة تبلغ الثمانين بل الثمانمائة كهذه الأمثلة الثمانية، ذكرت أغلبها في كتب السيرة والأحاديث.

أجل؛ إذا كانت يد الرسول الأكرم r المباركة كصيدلية لقمان الحكيم، وبصاقه كماء العين الباعث للحياة لسيدنا الخضر، ونفثه مغيث ومُنجِد وشافٍ كنفث عيسى u، وإذا كان البشر يتعرضون للمصائب والمحن؛ فلا شك أن كثيرين من الناس اشتكوا إلى الرسول الأكرم r كثيرًا، وجاء إليه المرضى والصبيان والمجانين بكثرة كاثرة، فعادوا جميعهم بالشفاء.

حتى إن أبا عبد الرحمن الذي يسمى بطاوس اليماني، وهو من أعظم أئمة التابعين والذي حج أربعين مرة، وصلى صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء خلال أربعين سنة، والتقى بكثير من الصحابة، يخبرنا يقينًا ويحكم جازما فيقول: إن كل مجنون أتى إلى الرسول الأكرم r ووضع يده على صدره شفي شفاء مطلقًا، ولم يبق من لم يُشْفَ.

فإذا حكم جازمًا حكمًا كليا كهذا إمام مثل هذا الإمام الذي أدرك عصر السعادة، فلا شك أنه ما من مريض أتى إليه r إلا وشفي، وبما أنه شفي فلا شك أن الذين سيأتون إليه لمثل هذا الغرض يبلغون الآلاف.

الإشارة الرابعة عشرة:

إن نوعًا عظيمًا من أنواع معجزات الرسول الأكرم r هو الخوارق التي ظهرت بدعائه r.

أجل؛ إن هذا النوع متواتر تواترًا قاطعًا وحقيقيًّا، وجزئياته وأمثلته كثيرة لا تعد ولا تحصى، وأكثر أمثلته بلغت درجة التواتر، بل أصبحت مشهورة قريبة من التواتر، ونقل بعضَها أئمة أعلام نقلا يفيد الثبوت كالمتواتر المشهور، فنحن سنذكر –كنماذج- بعضًا

[1] انظر المعجم الكبير 8/231، ومجمع الزوائد 8/312.




337. صفحة

من أمثلة هذا النوع الكثيرة جدا والقريبة من التواتر والمنتشرة التي في درجة المشهور، وسنذكر أيضًا بضع جزئيات لكل مثال.

المثال الأول: لقد روى أئمة الحديث وعلى رأسهم الإمام البخاري والإمام مسلم أن الرسول الأكرم r كان إذا دعا دعاء الاستسقاء كان يستجاب له دائمًا وبسرعة، هذه الحادثة في درجة التواتر وحدثت مرات عديدة، حتى إنه r رفع يديه بعض المرات لدعاء الاستسقاء وهو على المنبر وقبل أن يُنزلهما نزل المطر، وكما ذكرنا سابقًا أن الجيش عندما أصابه العطش بعض المرات كان السحاب يأتي ويسقيه المطر.

بل حتى إن جد الرسول الأكرم r عبد المطلب كان يخرج إلى الاستسقاء بوجهه الكريم r في صغره، فكان ينزل المطر كرامة لوجهه الكريم، وقد اشتهرت تلك الحادثة ببعض أشعار عبد المطلب.

وقد توسل سيدنا عمر t بالعباس t بعد وفاة النبي r فقال: "اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا"، فنزل المطر[1].

وروي أنه r سئل أن يستسقي، فدعا الرسول الأكرم r فنزل المطر حتى اضطروا إلى أن يقولوا: ادع الله حتى يقلع، فدعا فأقلع[2].

المثال الثاني: وهناك رواية مشهورة قريبة من التواتر أن الرسول الأكرم r دعا عندما كان يتعبد في الخفية قبل أن يصل عدد الصحابة والمؤمنين أربعين، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ بِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَوْ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ" فبعد بضعة أيام أسلم عمر t وأصبح سببًا في الجهر بالإسلام وإعزازه، ولُقِّب باللقب العالي السامي "الفاروق"[3].

المثال الثالث: ورد أنه r كان يدعو لبعض الصحابة الكرام المصطفين لمقاصد مختلفة فكان يستجاب له استجابة عجيبة حتى بلغت كرامة تلك الأدعية درجة المعجزة.


[1] انظر صحيح البخاري 1/342.

[2] انظر الشفاء 1/327.

[3] انظر المستدرك على الصحيحين 3/89.




338. صفحة

وعلى سبيل المثال: يروي الإمام البخاري ومسلم أن النبي r دعا لابن العباس: اللّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ"، فاستجيبت دعوته حتى نال اللقب الرفيع "ترجمان القرآن" واكتسب الرتبة العالية "حَبْر الأمة"[1]، حتى إن سيدنا عمر t كان يدخله على صغر سنه مجلس العلماء وكبار الصحابة.

ويروي كذلك أهل الكتب الصحيحة وعلى رأسهم الإمام البخاري: أن أم أنس t سألت الرسول الأكرم r فقالت: ادع لخادمك أنس بالبركة في أولاده وماله، فدعا r: "اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِي مَا أَعْطَيْتَهُ"، فأعلن أنس مقسمًا في آخر عمره: لقد دفنت بيدي مائة من أولادي، ولم يعش أحد سعيدًا مثلي في ماله وثروته، فأنتم ترون أن مالي كثير جدا، كل ذلك ببركة الدعاء النبوي[2].

ويروي أهل الحديث وفي مقدمتهم الإمام البيهقي، أن الرسول الأكرم r دعا

لعبد الرحمن بن عوف t وهو من العشرة المبشرين بالجنة بكثرة المال والبركة، وكسب ثروة ببركة ذلك الدعاء حتى إنه تصدق مرة في سبيل الله بسبعمائة بعير مع أحمالها[3]. فانظروا إلى بركة الدعاء النبوي، وقولوا: بارك الله.

يروي الرواة وعلى رأسهم البخاري أن الرسول الأكرم r دعا لعروة بن أبي جعدة t بالبركة في تجارته كي يكسب ويربح كثيرا، فيقول عروة: لقد كنت أتاجر أحيانًا في سوق الكوفة، فأكسب في يوم واحد أربعين ألفا، ثم أعود إلي بيتي[4]، حيث يقول الإمام البخاري عنه: فكان لو اشترى التراب ربح فيه [5].

ودعا r كذلك لعبد الله بن جعفرt  بكثرة المال والبركة، فنال عبد الله بن جعفر ثروة كبيرة حتى اشتهر بها في ذلك العصر، فاشتهر بالسخاء بقدر ما اشتهر بالثروة التي نالها ببركة الدعاء النبوي[6].


[1] انظر البخاري 1/66.

[2] انظر البخاري 5/2333.

[3] انظر مسند عبد بن حميد 407، وسيرة النبي المختار 156.

[4] انظر سنن البيهقي الكبرى 6/112.

[5] انظر البخاري 3/1332.

[6] انظر سنن النسائي الكبرى 5/48.




339. صفحة

ولهذا النوع أمثلة كثيرة، نكتفي منها بهذه الأمثلة الأربعة كنماذج.

ويروي الأئمة وعلى رأسهم الإمام الترمذي أن النبي r دعا لسعد بن أبي وقاص t قائلا: " اللَّهُمَّ أَجِبْ دَعْوَتَهُ" فكان كل الناس في ذلك العصر يخافون من دعاء سعد عليهم، واشتهر أنه كان مستجاب الدعوة[1].

وقال لأبي قتادة t المشهور: أَفْلَحَ الله وَجْهَكَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ" فدعا له بأن يبقى شابًّا، واشتهر في الروايات الصحيحة أن أبا قتادة عندما توفي وهو ابن سبعين سنة كان كابن خمسة عشر سنة[2].

والقصة المشهورة للشاعر المشهور النابغة، أنه أنشد شعرًا من أشعاره عند الرسول الأكرم r:

بلغنا السماء في مجدنا وسنائنا       وإنا نريد فوق ذلك مظهرًا[3]

فقال له الرسول الأكرم r ملاطفًا، "إِلَى أَيْنَ يَا أَبَا لَيْلَى" أي إلى أين تقصد في شعرك ما بعد السماوات؟ فقال: "إِلَى الجَنَّةِ يَا رَسُولَ اللهِ"، ثم أنشد شعرًا آخر ذا حكم فدعا له r: "لاَ يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ"، وقد بلغ النابغة مائة وعشرين سنة، وببركة الدعاء النبوي لم ينقص من أسنانه شيء، حتى إذا سقطت سنّ من أسنانه نبتت أخرى مكانها[4].

وروي رواية صحيحة أنه r دعا لعلي t فقال: "اللَّهُمَّ اكْفِهِ الحَرَّ وَالقَرَّ"، فكان علي t ببركة هذا الدعاء يلبس ملابس الصيف في الشتاء ويلبس ملابس الشتاء في الصيف، وكان يقول: لم أشعر بالبرد والحرّ أبدًا ببركة ذلك الدعاء[5].


[1] انظر ابن حبان 15/450، والترمذي 5/649.

[2] انظر المستدرك على الصحيحين 3/546.

[3] البيت للنابغة الجعدي انظر خزانة الأدب 3/161.

[4] انظر مسند الحارث 2/844، ومجمع الزوائد 8/126، وتخريج الأحاديث والآثار 2/329.

[5] انظر مجمع الزوائد 9/122.




340. صفحة

ودعا كذلك للسيدة فاطمة رضي الله عنها: "اللَّهُمَّ لاَ تُجِعْهَا" فتقول السيدة فاطمة: لم أشعر بألم الجوع بعد ذلك الدعاء[1].

وقد طلب طفيل بن عمرو من الرسول الأكرم r معجزة حتى يريها لقومه، فقال r: "اللَّهُمَّ نَوِّرْ لَهُ"، فظهر بين عينيه نور، ثم انتقل إلى طرف عصاه، وبسبب ذلك اشتهر بـ"ذي النور"[2]، فكل هذه الروايات هي من الأحاديث المشهورة التي اكتسبت الثبوت واليقين.

وذات يوم اشتكى أبو هريرة إلى الرسول الأكرم r: إني أصاب بالنسيان، فقال له r: ابسط رداءك، ثم صب من يديه وكأنه أخذ شيئًا من الغيب بيده المباركة، فكرر ذلك مرتين أو ثلاثة ثم قال له: ضم رداءك الآن، فضمه، فيقسم أبو هريرة بالسر المعنوي لدعاء النبوي: "إني لم أنس شيئًا بعد ذلك"[3]، فهذه الروايات هي من الأحاديث المشهورة.

المثال الرابع: نذكر بضعة وقائع دعا فيها الرسول الأكرم r على بعض الأشخاص:

الأولى: لقد مزق ملك فارس المسمى "برويز" الرسالة النبوية التي أرسلها r إليه، فبلغ ذلك الرسول الأكرم r فدعا عليه: "اللّهُمَّ مَزِّقْهُ" أي يا رب مَزِّقْهُ ومزِّق ملكه كل ممزق كما مزَّق رسالتي، وظهر تأثير ذلك الدعاء، حيث قتله ومزّقه ابنه "شيرويه" بالخنجر، ومزق سعد بن أبي وقاص ملكه كل ممزّق، ولم تبق للدولة الساسانية أية قوة أو شوكة[4] في أي مكان، ولكن القيصر والملوك الآخرين لم تكن عاقبتهم التمزيق لاحترامهم رسائل الرسول r إليهم.


[1] انظر تهذيب الآثار 1/286، والمعجم الأوسط 4/211.

[2] انظر عمدة القاري 14/208.

[3] انظر البخاري 1/56.

[4] انظر مرآة الجنان 1/35.




341. صفحة

الثانية: حادثة مشهورة قريبة من التواتر وتشير إليها الآيات القرآنية، وهي أنه في صدر الإسلام وبينما كان الرسول الأكرم r يصلي في المسجد الحرام اجتمع سادة قريش، وأساءوا إليه إساءة بالغة، فدعا r عليهم عندئذ، فيقول ابن مسعود: "والله لقد رأيت في غزوة بدر جيف من أساءوا إليه ومن دعا r عليهم"[1].

الثالثة: دعا الرسول الأكرم r على قبيلة مضر التي هي من أكبر قبائل العرب بالقحط لتكذيبهم إياه، فانقطع المطر عنهم، فظهر القحط والغلاء، فالتمست قريش التي هي من قبيلة مضر الرحمة عند الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، فدعا لهم فنزل المطر، فارتفع القحط، وهذه الواقعة مشهورة بدرجة التواتر[2].

المثال الخامس: استجابة دعائه r على بعض الأشخاص المعينين استجابة تامة سريعة، ولهذا أمثلة كثيرة نذكر "ثلاثة أمثلة" ثابتة قطعًا كنماذج:

أولها: دعا على عتبة بن أبي لهب: بـ"اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلاَبِكَ"، فعندما كان عتبة في سفر جاء أسد فبحث عنه في القافلة فوجده ومزقه، وهذه الواقعة مشهورة رواها أئمة الحديث وصححوها[3].

ثانيها: قصة محلم بن جثامة، وقد قتل عامر بن الأضبط غدرًا، وكان الرسول الأكرم r جعله أميرًا على رأس سرية للجهاد والحرب، وكان محلم معه في السرية، فلما بلغه خبر غدره غضب غضبًا شديدًا، فدعا عليه بـ"اللّهُمَّ لاَ تَغْفِرْ لِمُحَلِّمٍ"، فبعد سبعة أيام هلك محلم، ووضعوه في قبر، ولكن القبر لفظه، وكلما وضعوه في القبر لم تقبله الأرض، ثم اضطروا إلى أن يبنوا جدارًا مُحكَمًا بين حجرين، وبهذه الطريقة ووري تحت الأرض[4].


[1] انظر البخاري 3/1163.

[2] انظر البخاري 1/346، و مرآة الجنان 1/35.

[3] انظر سنن البيهقي 5/211.

[4] انظر سنن أبي داود 4/171.




342. صفحة

ثالثها: رأى الرسول الأكرم r رجلا يأكل بشماله، فقال له "كل بيمينك"، فقال الرجل لا أستطيع، فقال له r "لاَ استَطَعْتَ"، فلم يستطع الرجل أن يرفع يده اليمنى بعد ذلك قط[1].

المثال السادس: نذكر بضعة حوادث من الأمور الخارقة التي ظهرت بدعاء الرسول الأكرم r ولمسه، وهي ثابتة ثبوتًا قاطعًا:

الأول: لقد أعطى الرسول الأكرم r بضعة شعرات من شعره لسيف الله خالد بن الوليد t، ودعا له بالنصر، فحفظ سيدنا خالد تلك الشعرات تحت قلنسوته، فببركات تلك الشعرات والدعاء لم يدخل سيدنا خالد حربًا إلا وخرج منها مظفرًا منتصرًا.

الثاني: إن سيدنا سلمان الفارسي t كان عبدًا لليهود قبل أن يسلم، وكان يريد أن يكون حرًّا، فطلب منه مواليه أشياء كثيرة لعتقه، فقالوا له تُعتق على أن تغرس أولا ثلاثمائة شتلة نخيل، وتثمر هذه الشتلات، ثم تدفع أربعين أوقية من الذهب، فأتى الرسول الأكرم r فاشتكى له حاله، فغرس r بيده ثلاثمائة شتلة نخيل بجوار المدينة، إلا شتلة غرسها غيره، فأثمر جميع ما غرسه r خلال ذلك العام، والشتلة التي غرسها غيره لم تثمر فقلعها r، وغرسها مرة أخرى فأثمرت هي كذلك، ثم مسح على مثل بيضة دجاج من الذهب ببصاقه، ودعا، وأعطاه لسلمان t، فقال له: اذهب فأعطه لليهود، فذهب سلمان t إليهم وأعطاهم أربعين أوقية من ذلك الذهب، وبقي ذلك الذهب الذي مثل بيضة دجاج كما كان[2]، وهذه الواقعة أهم حادثة مرت بحياة سلمان الطاهر t، وقد رواها الأئمة الثقاة.

الثالث: أهدت صحابية اسمها أم مالك سمنًا للرسول الأكرم r من عكّتها، فدعا لها r مرة وأعطاها العكة، ثم قال: لا تصبوا العكة ولا تعصروها، فأخذت

[1] انظر صحيح مسلم 3/1599.

[2] انظر روايات ذلك في سنن البيهقي 10/321، والمعجم الكبير 6/225.




343. صفحة

أم مالك العكة، فمتى ما طلب أولادها سمنًا وجدوا سمنًا في العكة ببركة دعائه r، واستمر ذلك زمنا طويلا، ثم عصروها فذهبت البركة[1].

المثال السابع: إن هناك أمثلة كثيرة لحلاوة المياه وانتشار الرائحة الطيبة منها بدعاء الرسول الأكرم r ولمسه، فنذكر منها بضعة أمثلة على سبيل المثال:

الأول: يروي أهل الحديث وعلى رأسهم الإمام البيهقي: أنه كان ينقطع أحيانًا ماء بئر تسمى "بئر قبا" أي ينتهي، فسكبr  فيها من فضل وضوئه، ودعا، فزاد الماء ولم ينقطع بعد ذلك أبدًا[2].

الثاني: يروي أهل الحديث وعلى رأسهم أبو نُعَيم في دلائل النبوة أن الرسول الأكرمr  ألقى بصاقه في البئر التي في بيت أنس t ودعا، فأصبح أعذب ماء وأحلاه في المدينة المنورة[3].

الثالث: يروي ابن ماجة أن الرسول الأكرم r أتي بدلو من ماء زمزم فأخذ منه شيئًا في فمه ثم أفرغه في الدلو، فأصبحت تفوح من الدلو رائحة طيبة كالمسك.

الرابع: يروي الإمام أحمد بن حنبل، أنه استخرج ماء بملء دلو من بئر، فألقى الرسول الأكرم r ريقه فيه،  ثم أفرغ الماء r في البئر فبدأت تفوح منها رائحة طيبة كالمسك[4].

الخامس: يروي حماد بن سلمة وهو من أولياء الله الكبار، وثقة عند الإمام مسلم وعلماء المغرب أن الرسول الأكرم ملأ سِقاءً من جلد بماء ثم نفث فيه، ودعا، وأوكأه، ثم أعطاه لبعض الصحابة، فقال لهم لا تحلوه إلا عندما أردتم أن تتوضأوا، فحلّوا وكاءه في وقت الوضوء، فوجدوا أن فيه لبنًا صافيًا، وفي فمه زبدة وسمنًا[5].


[1] انظر مجمع الزوائد 8/309.

[2] انظر الشفا 1/331.

[3] انظر الخصائص الكبرى 1/105.

[4] انظر سنن ابن ماجه 1/216.

[5] انظر الشفاء 1/329.




344. صفحة

هذه الأجزاء الخمسة بعضها مشهورة وروى بعضها أئمة عظام، فمجموع هذه الأمثلة المذكورة هنا وغير المذكورة تشير إلى تحقق معجزة مطلقة كالتواتر المعنوي وتدل عليها.

المثال الثامن: إن هناك أمثلة كثيرة لتحول الماعز العقيمة وغير المدرة إلى مُدرَّة بل مدرة جدًّا للبن، بمسح الرسول الأكرم r عليها بيده المباركة ودعائه، وسنذكر فقط على سبيل المثال بضعة أمثلة مشهورة ثابتة قطعًا.

أولها: تروي جميع الكتب المعتمَدة لأهل السيرة أن الرسول الأكرم r وأبا بكر t مرا على بيت أم معبد عاتكة بنت الخزاعية رضي الله عنها في أثناء الهجرة، وكانت هناك ماعز عجفاء هزيلة عقيمة لا لبن فيها، فسأل الرسول الأكرم r عاتكة، أليس بها لبن؟ فقالت أم معبد، ليس بها دم، فأنى لها أن تدر اللبن، فذهب إليها الرسول الأكرم r ومس بيديه ظهرها، ومسح ضرعها ودعا، ثم قال: ائتوا بوعاء، واحلبوا فيه، فحلبوا، فبعد أن شرب الرسول الأكرم r وأبو بكر t، شرب سكان البيت حتى ارتووا، فأصبحت الماعز قويًّة وبقيت مباركة قوية[1].

ثانيها: قصة شاة ابن مسعود t المشهورة، وهي أن ابن مسعود كان راعيًا لبعض الناس قبل إسلامه، وكان الرسول الأكرم r وأبو بكر t يمران بمكان وجود ابن مسعود مع شياهه، فطلب منه اللبن، فقال ابن مسعود: إن الشياه ليست لي، وإنما هي ملك لآخر غيري، فقال له r: ائتني بشاة عقيمة لا لبن بها، فجاء بشاة لم ينز عليها تيس منذ عامين، فمسح الرسول الأكرم r على ضرعها ودعا، ثم حلبوها، فأخذوا منها لبنًا خالصًا صافيًا، وشربوا، فأسلم ابن مسعود بعد أن رأى هذه المعجزة[2].

ثالثها: قصة شياه حليمة السعدية مرضعة الرسول الأكرم r المشهورةُ: فكان أصاب تلك القبيلة شيء من القحط، وأصبحت الحيوانات هزيلة عجفاء لا لبن بها،

[1] انظر دلائل النبوة 1/278.

[2] انظر صحيح ابن حبان 15/536.




345. صفحة

وما كانت تأكل حتى تشبع، فعندما أُرسِل الرسول الأكرم r هناك إلى مرضعته كانت أغنام حليمة السعدية ترجع في المساء خلاف الآخرين شبعانة وممتلئة باللبن ببركته r[1].

وهناك أمثلة جزئية أخرى كثيرة مثل هذه الأمثلة في كتب السيرة، ولكن هذه الأمثلة كافية للمقصد الأساس.

المثال التاسع: نذكر على سبيل المثال بعض الأمثلة الجزئية الكثيرة المشتهرة للخوارق التي ظهرت بعد أن مسح الرسول الأكرم r على رءوس بعض الأشخاص ووجوههم بيديه المباركتين، ودعا لهم.

أولها: مس الرسول الأكرم r رأس عمر بن سعد t، ودعا له، وعندما توفي هذا الصحابي وقد بلغ الثمانين لم تكن في رأسه شعرة بيضاء ببركة ذلك الدعاء[2].

ثانيها: وضع r يده على رأس قيس بن زيد ومسح عليه، ودعا له، فعندما توفي كان جميع رأسه أبيض إلا الموضع الذي وضع الرسول الأكرم r يده عليه ومسحه بقي أسود فاحما [3].

ثالثها: إن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب t كان صغيرًا ودميمًا، فمسح الرسول الأكرم r على رأسه ودعا له، فأصبح طويل القامة حسن الصورة [4].

رابعها: جُرِح وجه عائذ بن عمرو  tفي غزوة حنين، فمسح الرسول الأكرم بيده الدم عن وجهه، فأصبح الموضع الذي مسته يد الرسول الأكرم r منوّرًا، حتى عبر المحدثون عنه بـ" كغُرَّةِ الفَرَس"، أي كان يلمع الموضع الذي مسته يده r.[5]


[1] انظر الطبقات الكبرى 1/112.

[2] انظر الشفاء 1/334.

[3] انظر الشفاء 1/334.

[4] انظر الشفاء 1/335.

[5] انظر المستدرك على الصحيحين 3/677.




346. صفحة

خامسها: ومسح r بيده على وجه قتادة بن سلمة t ودعا له، فبدأ وجه قتادة يتلألأ كالمرآة[1].

سادسها: أن الرسول الأكرم r سكب بعض الوَضوء على وجه ربيبته زينب بنت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها في صغرها على سبيل المزاح والملاطفة، فبعد أن أصاب وجهها الماء أصبحت جميلة، بديعة الجمال[2].

وهناك أمثلة كثيرة كهذه الحوادث الجزئية، روى أغلبها أئمة الحديث، وحتى لو افترضنا كل واحدة من هذه الجزئيات آحادًا وضعيفة، فإن مجموعها يدل على وقوع معجزة مطلقة فعلا من معجزات الرسول الأكرم r في حكم متواتر معنويّ؛ لأنه إذا رويت حادثة بطرق متعددة وبصور وأشكال مختلفة كثيرة فإن وقوع الحادثة الأصلية يكون ثابتًا قطعًا، وحتى لو كانت الطرق والصور ضعيفة فإنها تثبت وقوع الحادثة الأصلية، فمثلا: إذا سُمِع دَوِيّ، فقال بعض الناس: لقد تهدم البيت الفلاني وانهار، وقال آخر تهدم بيت آخر، وذكر آخر بيتًا ثالثًا، وهكذا، فكل رواية من هذه الروايات قد تكون آحادًا أو ضعيفة أو خلافًا للواقع، ولكن الواقعة الأصلية الثابتة من أن بيتًا تهدم بالفعل لا شك فيها، فالجميع متفقون على هذا، بينما الأمثلة الجزئية الست التي ذكرناها صحيحة، بل بلغ بعضها درجة الشهرة، فلو اعتبرنا كل واحد منها ضعيفًا بالافتراض؛ فإن مجموع الجزئيات يدل على معجزة من معجزات الرسول الأكرم r المطلقة دلالة قاطعة، كتهدم البيت بالفعل في المثال.

وإن معجزات الرسول الأكرم r الباهرة موجودة قطعًا في كل نوع، أما جزئياتها وأمثلتها فهي صور تلك المعجزات المطلقة الكلية أو نماذجها.

فكما أن يد الرسول الأكرمr  وأصابعه، وريقه، ونفثه، وكلامه أي دعاءه، مبدأ لكثير من المعجزات؛ فإن سائر لطائف الرسول الأكرم r كذلك، ومشاعره، وأجهزته مدار لكثير من الخوارق، وقد ذكرت كتب السيرة والتاريخ تلك الخوارق، وبينت أن في سيرته وصورته ومشاعره كثير من دلائل النبوة.


[1] انظر معجم الصحابة 2/360،  والشمائل الشريفة 30.

[2] انظر المعجم الكبير 24/282.




347. صفحة

الإشارة الخامسة عشرة:

فكما أن الأحجار والأشجار والقمر والشمس تعرفه r وتصدق نبوته بإظهارها معجزة من معجزاته، فكذلك طائفة الحيوانات وطائفة الموتى وطائفة الجنّ وطائفة الملائكة تعرف تلك الشخصية المباركة r، وتصدق نبوته؛ لذا فكل طائفة تظهر معرفتها به بإظهارها بعضًا من معجزاته r، وتعلن تصديقها لنبوته.

ولهذه الإشارة الخامسة عشرة "ثلاث شعب".

 

الشعبة الأولى

وهي معرفة نوع الحيوانات للرسول الأكرم r وإظهارها معجزاته.

 لهذه الشعبة أمثلة كثيرة، فنحن سنذكر على سبيل النماذج فحسب بعض الحوادث المشهورة والثابتة بدرجة التواتر المعنوي، أو التي وثقها الأئمة المحققون وقبلوها أو تلقتها الأمة بالقبول.

الحادثة الأولى: رواية مشهورة بدرجة التواتر، وهي مجيء الحمامتين ووقوفهما كالحارسين بباب غار ثور الذي تحصن فيه الرسول الأكرم r وسيدنا أبو بكر t كي ينجوَا من ملاحقة الكفار لهما، وستر العنكبوت باب الغار بنسيج سميك نسجه نسجًا عجيبًا خارقًا وكأنه يؤدي وظيفة الحجّاب، حتى إن أبي بن خلف وهو من سادة قريش والذي قتل في غزوة بدر على يد الرسول الأكرم r نظر إلى الغار، فقال له أصدقاؤه لندخل الغار، فقال كيف ندخل، إني أرى نسيجًا كما لو أنه نسج قبل أن يولد محمد، وهناك حمامتان، لو كان فيه إنسان هل كانتا تقفان[1].

ويروي الإمام الجليل ابن وهب كذلك أن طائفة الحمام المباركة أظلت الرسول الأكرم r فوق رأسه يوم فتح مكة[2].


[1] انظر روايات ذلك في البخاري 3/1323، ومصنف عبد الرازق 5/389، ومجمع الزوائد 6/53، والطبقات الكبرى 1/229.

[2] انظر السيرة الحلبية 2/210.




348. صفحة

ويُروَى عن السيدة عائشة رضي الله عنها رواية صحيحة أنها قالت: كان في بيتنا طير داجن مثل الحمامة، فإذا كان الرسول الأكرم r في بيتنا، كان يقف ساكنًا ولا يتحرك، فمتى ما خرج الرسول الأكرم r بدأ الطير الحركة، يذهب ويجيء ويتحرك بلا انقطاع، بمعنى أن ذلك الطير كان يصغي إلى الرسول الأكرم r، ويسكن في حضرته بالوقار[1].

الحادثة الثانية: حادثة الذئب التي صارت بمنزلة التواتر المعنوي بخمسة أو ستة طرق، هذه القصة العجيبة رويت بطرق كثيرة عن مشاهير الصحابة، وعلى سبيل المثال فإن أبا سعيد الخدري، وسلمة بن الأكوع، وابن أبي وهب، وأبا هريرة، وصاحب واقعة الراعي أهبان رضي الله عنهم يخبرون بطرق متعددة أن ذئبًا خطف شاة، فأنقذها الراعي منه، فقال له الذئب، ألا تخشى الله؟ لقد أخذت رزقي مني، فقال الراعي: عجب عجيب هل يتكلم الذئب؟ قال له الذئب: العجب حالك أنت، إن هناك رسولا خلف هذا الوادي يدعوكم إلى الجنة، ولا تعرفونه.

فمع أن جميع الطرق متفقة على تكلم الذئب، فإن في رواية أبي هريرة وهي طريق قوي، قال الراعي للذئب، أنا سأذهب ولكن من سيرعى أغنامي؟ فقال الذئب: أنا أرعاها، فترك الراعي رعي الأغنام للذئب فأتى الرسول الأكرم r فأسلم، ثم رجع، فوجد الذئب راعيًا، وليس بالأغنام نقص، فذبح له شاة، لأنه أصبح أستاذًا ومرشدًا ومعلمًا له[2].

وفي رواية أخرى أن أبا سفيان وصفوان بن أمية من رؤساء قريش رأيا ذئبًا يتعقب ظبيًا فدخل الحرم الشريف، فرجع الذئب، فتعجبوا، وتكلم الذئب فأخبرهم بالرسالة الأحمدية r، فقال أبو سفيان لصفوان، لا نذكر هذه القصة لأحد، أخشى أن تخلو مكة ويلتحق به أهلها[3].


[1] انظر الشفاء 1/309.

[2] انظر روايات ذلك في المستدرك على الصحيحين 4/514، وصحيح ابن حبان 14/418، ودلائل النبوة للأصبهاني 182.

[3] انظر البداية والنهاية 6/146.




349. صفحة

الحاصل إن قصة الذئب تورث قناعة كالمتواتر المعنوي الثابت قطعًا.

الحادثة الثالثة: حادثة الجمل التي رويت بخمسة أو ستة طرق عن مشاهير الصحابة، ومثلا الطرق المتعددة لأبي هريرة، وثعلبة بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهم والصحابة الذين على رأس كل طريق يروون متفقين أن جملا جاء الرسول الأكرم r وسجد له من باب تحية إكرام وتعظيم وتكلم معه.

ويروى أيضًا في عدة طرق، أن ذلك الجمل ثار في بستان وتوحش، وكان لا يسمح لأحد أن يقترب منه، بل كان يهجم عليه، فدخل الرسول الأكرم r عليه، فجاء الجمل وسجد سجدة تعظيم، وبرك عنده، ووضع الرسول الأكرم r زمامًا، فقال الجمل للرسول الأكرم r لقد استخدموني في أمور وأعمال شاقة، والآن يريدون أن ينحروني، فلهذا ثرت، فقال الرسول الأكرم r لصاحب الجمل: أ هو كذلك؟ قال: نعم[1].

وكذا ناقة الرسول الأكرم r التي تُدعى بالعضباء، حيث إنها لم تأكل ولم تشرب بعد وفاة النبي r حتى ماتت[2].

ويروي قسم من مشاهير الأئمة كأبي إسحاق الإسفرائيني أن تلك الناقة تكلمت مع الرسول الأكرم r في قصة مهمة.

ويروى رواية صحيحة أن جمل جابر بن عبد الله تعب تعبًا شديدًا في سفر، وما كان يقدر على السير، فنخسه الرسول الأكرم r نخسة خفيفة، فسُرَّ الجمل ونشط نشاطًا بسبب معاملته الطيبة له، حتى كان يصعب إمساك زمامه، ولا يلحق به في الطريق لسرعته كما يروي جابر t[3].


[1] انظر سنن الدارمي 1/24، وسيرة النبي المختار 152.

[2] انظر السيرة الحلبية 3/433.

[3] انظر سيرة النبي المختار 159.




350. صفحة

الحادثة الرابعة: يروي أئمة الحديث وعلى رأسهم الإمام البخاري، أنه أشيعت حادثة مهمة في ليلة ما كأن هناك أعداء يهجمون من خارج المدينة المنورة، ثم خرج الفرسان الشجعان، وذهبوا ورأوا أن رجلا قادم، فإذا هو الرسول الأكرم r فقال لهم ليس هناك شيء، وكان قد ركب فرس أبي طلحة t فسبقهم بمقتضى شجاعته القدسية، وتحقق من الأمر ورجع، فقال لأبي طلحة: "وَجَدْتُ فَرَسَكَ بَحْرًا" أي إن فرسك سريع ولا يهز راكبه، مع أن فرس أبي طلحة كان بطيئًا أي من جنس ما يسمى بالقَطوف، فكان بعد تلك الليلة لا يجارى في الجري[1].

وروي رواية صحيحة أن الرسول الأكرم r قال لفرسه في سفر في وقت الصلاة قف، فوقف، ولم يحرك عضوًا من أعضائه حتى انتهاء الصلاة[2].

الحادثة الخامسة: أن خادم الرسول الأكرم r سفينة t تلقى أمرًا منه بالذهاب إلى والي اليمن معاذ بن جبل t فخرج، فلقيه أسد في الطريق، فقال له سفينة: إني خادم رسول الله r، فزأر الأسد وانصرف، ولم يمسه بسوء.

ويروى بطريق آخر: أن سفينة t ضل طريقه وهو راجع، فلقيه أسد، فأرشده إلى الطريق ولم يمسه بسوء[3].

ويروي سيدنا عمر t أن أعرابيًّا أتى الرسول الأكرم r فكان بيده ضب، فقال للرسول الأكرم r إن يشهد هذا الحيوان بأنك رسول الله أُسلِم، وإلا لن أسلم، فسأل الرسول الأكرم r الحيوان، فشهد الضب على رسالته بلسان فصيح[4].

وتروي أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أن ظبيًا تكلم مع الرسول الأكرمr  وشهد على رسالته[5].


[1] انظر سنن ابن ماجة 2/926.

[2] انظر الشفاء 1/315.

[3] انظر المستدرك على الصحيحين 2/675، ودلائل البيهقي 6/45.

[4] انظر المعجم الأوسط 6/127، ودلائل البيهقي 6/36.

[5] انظر سيرة النبي المختار 152، ومرآة الجنان 1/34.




351. صفحة

فهنالك أمثلة كثيرة كهذه وهي مشهورة قطعًا، وذكرنا بعض النماذج منها.

نقول لمن لا يعرف الرسول الأكرم ولا يطيعه ولا يمتثل لأوامره: أيها الإنسان اعتبر، إن الذئب والأسد يعرفان الرسول الأكرم r، ويطيعانه، فيقتضي الأمر أن تسعى كي لا تسقط إلى درجة أدنى من الحيوان والذئب.

 

الشعبة الثانية

معرفة الجنائز والجن والملائكة للرسول الأكرم r

فلهذه الشعبة حوادث كثيرة، فنبين أولا بعض النماذج التي اشتهرت ورواها الأئمة الموثوقون من أمثلة الجنائز، أما أمثلة الجن والملائكة فهي متواترة وكثيرة ليست واحدة بل ألفا، فمِن تكلم الموتى الأمثلة الآتية:

المثال الأول: يخبر الإمام الحسن البصري وهو كبير علماء الظاهر والباطن في عهد التابعين، وتلميذ مهم وصدوق للإمام علي t: أنه أتى رجل إلى الرسول الأكرم r فبدأ يبكي ويشكو إليه، قال: كانت لي بنت صغيرة، ماتت في هذا الوادي القريب، فألقيتها هناك، فرقّ له الرسول الأكرم r وأشفق عليه، فقال له تعال نذهب هناك، فذهبوا، فنادى الرسول الأكرمr  تلك البنت الميتة يا فلانة، فإذا البنت تقول: "لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ"، قال لها r هل ترغبين في أن ترجعي إلى أبويك مرة أخرى، فقالت: "لا، إني وجدت من هو خير منهما"[1].

المثال الثاني: يخبر عدد من الأئمة الكبار المشهورين كالإمام البيهقي والإمام ابن عدي أن أنسًا بن مالك t قال: كان لعجوز ابن وحيد، فتوفي فجأة، فحزنت عليه تلك المرأة الصالحة حزنًا شديدًا، فقالت يا رب، لقد هاجرت من أجل رضاك وبيعة رسول الله وخدمته r، فرد إلي ابني الوحيد الذي يوفر ويحقق لي الراحة لوجه رسولك، يقول

[1] انظر أعلام النبوة 141.




352. صفحة

أنس: فقام الرجل الذي مات، فأكل معنا[1]، وإلى هذه الحادثة العجيبة تشير قصيدة البردة للإمام البصيري في بيتها:

لَوْ نَاسَبَتْ قَدْرَهُ آيَاتُهُ عِظَمًا               أَحْيَا اسْمُهُ حِينَ يُدْعَى دَارِسَ الرِمَمِ

المثال الثالث: يروي الرواة مثل الإمام البيهقي عن عبد الله بن عبيد الله الأنصاري t أنه قال: كنت فيمن حضر دفن ثابت بن قيس t بن شمّاس في القبر بعدما استشهد يوم اليمامة، وفي أثناء إدخاله القبر سمع منه صوت فجأة، يقول "محمد رسول الله أبو بكر الصديق وعمر الشهيد وعثمان البر الرحيم" ثم كشفنا عنه فإذا هو ميت لا حراك له، فأخبر عن شهادة عمر t قبل توليه الخلافة[2].

المثال الرابع: يروي الإمام الطبراني، وأبو نُعَيم في دلائل النبوة عن نعمان بن بشير t أن زيدًا بن خارجة t سقط في السوق فجأة وتوفي هناك، فنقلوه إلى البيت، وبين المغرب والعشاء وبينما النساء حوله باكيات قال "أَنْصِتُوا أَنْصِتُوا" ثم قال بلسان فصيح "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ"، وتكلم قليلاً، ثم نظرنا إليه فإذا هو ميت لا حراك فيه[3].

فإذا كان الموتى الذين لا حياة لهم يصدقون رسالته r ولم يصدقها الأحياء، فلا شك أن الأحياء المجرمين هم أفقد للحياة ممن لا حياة له، وأكثر موتًا من الموتى.

أما خدمة الملائكة للرسول الأكرم r وتمثلهم له وإيمان الجن وطاعتهم له فهو متواتر، وموجود ومصرَّح به بنص القرآن في كثير من الآيات، فإن خمسة آلاف من الملائكة أصبحوا جنودًا له r في مقدمة الجيش، وخدموه مثل الصحابة في غزوة بدر بنص القرآن الكريم[4]، حتى إن أولئك الملائكة نالوا شرفًا بين الملائكة كأصحاب بدر[5]، فلهذه المسألة وجهان:


[1] انظر دلائل النبوة 6/50، والخصائص الكبرى 2/111.

[2] انظر التاريخ الكبير 5/138.

[3] انظر المعجم الكبير 4/202، ومجمع الزوائد 7/230.

[4] سورة الأحزاب، الآية التاسعة قوله تعالى ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾.

[5] انظر البخاري 4/1467.




353. صفحة

الوجه الأول: إن وجود طوائف الجن والملائكة وعلاقتهم بنا ثابتة ثبوتًا قاطعًا كوجود طوائف الحيوان والإنسان، وقد أثبتنا ذلك في "الكلمة التاسعة والعشرين" بدلائل قاطعة وبدرجة ثبوت ضرب اثنين في اثنين يساوي أربعًا، فنحيل إثباتها إلى تلك الكلمة.

الوجه الثاني: رؤية أفراد أمة الرسول الأكرمr  لهم وتحدثهم معهم بشرفه r كنتيجة معجزة له r، فيروي أئمة الحديث وعلى رأسهم الإمام البخاري ومسلم متفقين أن ملكا أي جبريل u أتى ذات مرة في صورة إنسان أبيض الثياب، فذهب إلى الرسول الأكرم r وهو جالس بين الصحابة فسأله: ما الإسلام، وما الإيمان، وما الإحسان؟ فأخبره الرسول الأكرم r، فتعلم الصحابة الحاضرون أمور دينهم من هذا، ورأوه رؤية حقيقية، فكان كالمسافر إلا أنه لم يظهر عليه أي أثر للسفر، ثم قام واختفى فجأة، فقال الرسول الأكرم r لقد فعل جبريل ذلك من أجل أن يعلمكم ويدرّس لكم[1].

ويروي أئمة الحديث رواية صحيحة وقاطعة بدرجة المتواتر المعنوي، أن الصحابة كانوا يرون جبريل u عند الرسول الأكرم r كثيرا في صورة دحية t الذي هو صاحب حسن وجمال، فمثلا يروي سيدنا عمر وابن العباس وأسامة بن زيد وحارث وعائشة الصديقة وأم سلمة رضي الله عنهم رواية ثابتة قاطعةً أنهم قالوا: "إننا رأينا جبريل كثيرًا عند رسول الله r في صورة دِحْيَة"[2]. فهل من الممكن أن يقول هؤلاء الصحابة رأينا دون أن يروا؟

ويروي سعد بن أبي وقاص وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وفاتح بلاد فارس رواية صحيحة قاطعة فيقول: إننا رأينا رجلين ذوي ثياب بيضاء على يمين وشمال رسول الله r في غزوة أحد كأنهما حارسان، ثم فهمنا أنهما جبريل وميكائيل[3]، فإذا قال بطل من أبطال الإسلام مثل سعد t رأينا، هل يمكن ألا يكون رأى؟


[1] انظر البخاري 1/27.

[2] انظر البخاري 3/1330.

[3] انظر البخاري 4/1489، ومسلم 4/1802.




354. صفحة

ويروي أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي r رواية صحيحة، فيقول: رأينا في غزوة بدر فرسانًا بيض الثياب بين السماء والأرض[1].

وكذا طلب حمزة t من الرسول الأكرم r أن يريه جبريل، فأراه في الكعبة، ولم يُطِق النظر إليه، فأغمي عليه وسقط[2]، فوقوع مثل هذا النوع من رؤية الملائكة كثير، فكل هذه الوقائع تشير إلى نوع من أنواع المعجزات الأحمدية r، وتدل على أن الملائكة أيضا تحوم حول مصباح نبوته r كالفراش.

أما الجن فرؤيتهم والتحدث والمحاورة مع كثير منهم قد حدث ليس مع الصحابة فقط وإنما مع عوام الأمة أيضا كثيرًا، فأئمة الحديث يروون أقوى وأصح الروايات من أن ابن مسعود t قال: رأيت الجن في "بطن النخل" في ليلة اهتدائهم، وشبّهتُهم بطائفة "الزط" الطوال القامة من قبائل السودان وكانوا يشبهونهم بالفعل[3].

والقصة المشهورة لخالد بن الوليد التي أخرجها أئمة الحديث وقبلوها، أنه خرجت جنية في صورة امرأة سوداء عندما حطموا الصنم الذي يسمى العزّى، فشقّها خالد بن الوليد اثنتين بضربة سيف، فقال الرسول الأكرم r عن تلك الحادثة: إنها كانت تُعبَد وهي في صنم العزى، فلن تعبد بعد ذلك[4].

وهناك رواية مشهورة عن سيدنا عمر t أنه قال: بينما نحن مع رسول الله r إذ أتى جنيّ اسمه هامة في صورة الشيخ وبيده عصا، فأسلم، فعلمه الرسول الأكرم r بعضًا من قصار السور، فتعلمها وانصرف[5]، ومع أن بعض أئمة الحديث جرحوا هذه الرواية الأخيرة، فإن أئمة كبارًا حكموا بصحتها، وعلى كل حال فلا حاجة لإكثار الحديث في هذا النوع، فأمثلته كثيرة.


[1] انظر المستدرك على الصحيحين 3/363، وكنز العمال 10/184.

[2] انظر الشفا 1/362.

[3] انظر المعجم الكبير 10/66.

[4] انظر السيرة الحلبية 3/208.

[5] انظر الخصائص الكبرى 1/234، والإصابة 6/518.




355. صفحة

نحن نقول إن آلافا من الأقطاب والأصفياء كالشيخ عبد القادر الجيلاني قد التقوا بالفعل بالملائكة والجن، وتحدثوا معهم بواسطة نور الرسول الأكرم r وتربيته واتباعهم له، فهذه الحادثة لها أمثلة كثيرة ترقى بها إلى درجة مائة متواتر.

أجل؛ إن التقاء أمة الرسول الأكرم r بالملائكة والجن وتكلمهم معهم هو أثر من آثار معجزة تربيته وإرشاده.

 

الشعبة الثالثة:

إن حفظ الرسول الأكرم r وعصمته معجزة باهرة، والحقيقة الباهرة للآية الكريمة )وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ( [المائدة: 67] تدل على معجزات كثيرة.

أجل؛ لما ظهر الرسول الأكرم r تحدى وحده ليس طائفة معينة، أو قومًا معينين، أو بعضًا من أهل السياسة، أو دينًا من الأديان فحسب، وإنما تحدى جميع الملوك وجميع أهل الأديان.

بينما كان عمه أكبر أعدائه، وقومه وقبيلته كانوا أعداء له، فإنه ظل ثلاثًا وعشرين سنة بلا حراسة ولا عناء ولا حفظ على الرغم من تعرضه للاغتيال مرات كثيرة، وكان حفظ الله وعصمته معه إلى وقت وفاته r بكمال السعادة والراحة في فراشه وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، وكل ذلك يُظهر كالشمس كيف أن الآية )وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ( تفيد حقيقة قوية وكيف أنها نقطة استناد متينة.

فنحن سنذكر على سبيل المثال بضع حوادث أصبح وجودها ثابتًا ثبوتًا قاطعًا.

الحادثة الأولى: إن أهل السير والحديث يُخبرون بالاتفاق بأن قبيلة قريش قد اتفقت فيما بينها اتفاقًا جازمًا على قتل الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وحتى بتخطيط من الشيطان الذي جاء في صورة إنسان، فأخذوا من كل قبيلة فتىً على الأقل حتى لا تقع فتنة بين القرشيين، وأصبح عددهم ما يقارب مائتي رجل، واقتحموا بيت الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام تحت قيادة أبي جهل وأبي لهب، وكان مع الرسول الأكرم

356. صفحة

عليه الصلاة والسلام آنذاك سيدنا علي رضي الله عنه، فقال له: "تنام في فراشي هذه الليلة"، وانتظرهم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام حتى وصلت قريش، وحاصروا البيت، فخرج عليهم، وذرَّ شيئا من التراب على رءوسهم، ولم يره أي واحد منهم، فخرج من بينهم وذهب، وحمامتان وعنكبوت قد أصبحوا حراسًا له في غار حراء إزاء قريش، وحافظوا عليه[1].

الحادثة الثانية: من الأحداث الثابتة القاطعة أنه لما خرج الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه من الغار واتجها نحو المدينة، أرسل رؤساء قريش رجلاً في غاية الشجاعة يسمى "سراقة" مقابل مال وفير حتى يتابعهما، ويحاول قتلهما، وفي أثناء سيرهما رأيا أن سراقة يأتي، فقلق أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقال له الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام كما قال في الغار "لا تحزن إن الله معنا"، وألقى نظرة إلى سراقة، فانغرزت قوائم خيله في الأرض، ثم تخلص، واستمر في متابعتهما، وانغرزت قوائم خيله في الأرض مرة أخرى، وكان يخرج من المكان الذي انغرزت قوائمه فيه شيء شبيه بالدخان، وفهم حينئذ أنه ليس بإمكانه ولا بإمكان أحد أن ينال منه، وطلب الأمان، فكتب له الرسول الأكرم r الأمان، وأمره ألاّ يجعل أحدًا يلحق بهم[2].

وبمناسبة هذه الحادثة نبيِّن كذلك ما يلي: يخبرون بصورة صحيحة أن راعيًا قد رآهما وذهب إلى مكة ليخبر قريشًا عنهما، ولما دخل مكة نسي ما خرج له، ومهما حاول فلم يتذكر، واضطر إلى الرجوع حيث أتى، ثم فهم أنه قد أنسي[3].

الحادثة الثالثة: يروي أئمة الحديث بطرق متعددة أنه في غزوة "غطفان" و"أنمار" اقترب من الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام رجلٌ يسمى "غورث" -وهو سيد شجاع لإحدى القبائل- دون أن يَشعر به أحدٌ، وقال له وهو قائم على رأسه منتضيًا

[1] انظر روايات ذلك في البخاري 3/1323، ومصنف عبد الرازق 5/389، ومجمع الزوائد 6/53، والطبقات الكبرى 1/229.

[2] انظر البخاري 3/1323، ومسلم 4/2309.

[3] انظر الشفا 1/351.




357. صفحة

سيفه: "من يمنعك مني؟"، قال: "الله"، ثم دعا "اللَّهم اكفنيه بما شئت"، فانكب على وجهه[1] ووقع سيفه من يده، وأخذ الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام السيف بيده وقال: "ومن يمنعك الآن؟"، ثم عفا عنه r، فرجع إلى قومه، والناس استغربوا من أمر هذا الرجل الشجاع الجريء، وسألوه: "ماذا جرى لك، لماذا ما استطعت أن تفعل شيئًا؟"، فقال:"حدث كذا وكذا، جئتكم من عند خير الناس".

وحدث مثل هذه الحادثة في غزوة بدر، وهي أن رجلاً من المنافقين رفع سيفه دون أن يشعر به أحد ليهوي به على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا به ينظر إليه r فيرتعد المنافق ويسقط السيف من يده[2].

الحادثة الرابعة: يخبر أغلب أهل التفسير عن سبب نزول الآية ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 8-9]، وأئمة علم التفسير وأئمة الحديث برواية مشهورة قريبة من التواتر المعنوي، أن أبا جهل أقسم: لئن أرى محمدًا ساجدًا لأضربنّه بهذه الصخرة، فجاءه بصخرةٍ وهو ساجد، ليطرحها عليه فظلت يداه مرفوعتين وبعد أن أتم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام صلاته انصرف، وانطلقت يد أبي جهل، بإذن منه صلى الله عليه وسلم أو لانتفاء الحاجة[3].

وفي رواية أن الوليد بن المغيرة -وهو من قبيلة أبي جهل- كذلك أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصخرة ليضرب به رأسه وهو ساجد، فطمس الله على بصره فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام، فرجع، ولم ير الذين أرسلوه إلا أنه كان يسمع أصواتهم حتى إذا انتهى الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة عاد بصرُه، لانتفاء الحاجة[4].


[1] انظر البخاري 4/1515، وابن حبان 7/138.

[2] انظر روايات ذلك في البخاري 4/1516، ومسند أحمد 5/42.

[3] انظر المستدرك على الصحيحين 3/368.

[4] انظر الشفا 1/351.




358. صفحة

ويُروى عن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه برواية صحيحة أنه بعدما نزلت سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: 1] جاءت امرأة أبي لهب ﴿حَمَّالَة الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4] التي تسمى أم جميل إلى المسجد الحرام وفي يدها حجارة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا في المسجد ومعه أبو بكر الصدِّيق، ولم تر إلاَّ أبا بكر الصدِّيق، فسألت: "يا أبا بكر أين صاحبك فقد بلغني أنه يهجوني، لو وجدته لضربت بهذه الحجارة فاه"، ولم تر الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام مع أنه كان أمامها[1].

فلا شك أن حمَّالة حطب في جهنم كهذه لا تستطيع أن تدخل حضور سلطان من قيل في حقه "لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك"[2] الذي هو تحت الحفظ الإلهي، وتراه.

الحادثة الخامسة: يُروى برواية صحيحة أن عامر بن طفيل وأربد بن قيس حين وفدا على الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، قال له عامر: "أنا أشغل عنك وجه محمد، فاضربه أنت"، فلم يره فَعَلَ شيئًا، فلما رجع قال له لِمَ لم تضربه؟ قال: "كيف أضربه والله ما هممتُ أن أضربه إلاَّ وجدتك بيني وبينه، فكيف أضربك ؟"[3].


[1] انظر سيرة ابن هشام 2/201، وسمط النجوم العوالي 1/409.

[2] في الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة للملا علي القاري 295:" قال الصغاني إنه موضوع كذا في الخلاصة لكن معناه صحيح فقد روى الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: أتاني جبريل فقال يا محمد لولاك ما خلقت الجنة ولولاك ما خلقت النار وفي رواية ابن عساكر لولاك ما خلقت الدنيا".

   وفي كشف الخفاء للعجلوني 2/214:" قال الصغاني موضوع وأقول لكن معناه صحيح وإن لم يكن حديثا". وجاء في الآثار المرفوعة للكنوي : مما لم يثبت لفظا ولكن ورد معنى " ما اشتهر على لسان القصاص والعوام والخواص من حديث ( لولاك لما خلقت الأفلاك) قال علي القاري في تذكرة الموضوعات حديث لولاك لما خلقت الأفلاك قال العسقلاني موضوع، كذا في الخلاصة لكن معناه صحيح فقد روى الديلمي عن ابن عباس مرفوعا: أتاني جبريل فقال قال الله يا محمد لولاك ما خلقت الجنة ولولاك ما خلقت النار انتهى. ذكر القسطلاني في المواهب اللدنية والزرقاني في شرح أن الحاكم أخرج في مستدركه عن عمر مرفوعا أن آدم رأى اسم محمد مكتوبا على العرش وأن الله قال لآدم لولا محمد ما خلقتك. وروى أبو الشيخ في طبقات الأصفهانيين والحاكم عن ابن عباس أوحى الله إلى عيسى آمن بمحمد ومر أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلا الله محمدا رسول الله وفي سنده عمر وابن أوس لا يدري من هو، قال الذهبي وعند الديلمي عن ابن عباس رفعه أتاني جبريل فقال إن الله يقول لولاك ما خلقت الجنة ولولاك ما خلقت النار". انظر الآثار المرفوعة 44-45.

[3] انظر الشفا 1/353.




359. صفحة

الحادثة السادسة: يُروى برواية صحيحة أن شيبة بن عثمان الحجبي -وكان حمزة رضي الله عنه قد قَتَل أباه وعمه- أتى خفية في غزوة حُنين أو أُحُد ليأخذ ثأره، فلما أتى من خلفه r ورفع سيفه،  سقط السيف من يده، فنظر إليه الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، ووضع يده على صدره، ويقول شيبة: "وضع يده على صدري وهو أبغض الخلق إليّ فما رفعها إلاَّ وهو أحبُّ الخلق إليَّ"، فأسلم، وقال له الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام: "هيا اذهب فقاتِل"، وقال شيبة: "فتقدمتُ أمامه أضرب بسيفي وأقِيه بنفسي، ولو لقيتُ أبي تلك الساعة لأوقعتُ به دونه"[1].

وأتى إلى الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة رجل يسمى "فضالة" راغبًا في قتله، ونظر إليه الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وتبسَّم، وقال: "ما كنتَ تُحدِّث به نفسك؟"، فاستغفر له ووضع يده على صدره، فأسلم، وقال: "فوالله ما رفعها حتى ما خلق الله شيئًا أحبَّ إليَّ منه"[2].

الحادثة السابعة: رُوي برواية صحيحة أن اليهود تآمروا على الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام عندما جلس إلى جدار، انبعث أحدهم ليطرح عليه حجارة كبيرة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فانصرف بحفظ الله، فبطلت مؤامرتهم[3].

وهنالك أحداث كثيرة مثل هذه الأمثلة السبعة، فيروي أئمة الحديث وفي مقدمتهم الإمام البخاري والإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحرس حتى نزلت هذه الآية ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: 67] فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة وقال: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني ربي عزّ وجل" أي لا داعي للحراسة؛ إذ إن ربي يحفظني[4].


[1] انظر الشفا 1/353.

[2] انظر زاد المعاد 3/412، والسيرة النبوية 5/80.

[3] انظر الشفا 1/352.

[4] انظر المستدرك على الصحيحين 2/342.




360. صفحة

فهذه الرسالة من بدايتها إلى ههنا تبيِّن أن كل نوع وكل عالم في هذا الكون يعرف الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، ويتعلق به، وأن في كل نوع من أنواع الكون تَظهر معجزاته، إذن إن ذلكم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام مأمور وموظف ورسول للحق تعالى ولكن بوصفه خالق الكون وبعنوانه رب جميع المخلوقات.

نعم؛ كما أن موظفًا ومفتشًا كبيرًا للسلطان تعرفه كلُّ دائرة من دوائر الدولة، وإذا ما دخل أية دائرة من تلك الدوائر يجد علاقة معها؛ لأن له مأمورية باسم سلطان الجميع، فلو كان مفتشًا لدائرة العدل فحسب -مثلاً- فيكون ذا علاقة مع دائرة العدل، والدوائر الأخرى لا تعرفه كثيرًا، ولو كان مفتشًا لدائرة العسكرية، فدائرة الداخلية لا تعرفه، وكذلك يُفهم أن كل طائفة في جميع دوائر السلطنة الإلهية بدءًا من الملك وانتهاء إلى الذباب والعنكبوت تعرفه أو يُعَرِّفه الله لهم، إذن إنه خاتم الأنبياء ورسول رب العالمين، ورسالته شاملة فوق رسالات جميع الأنبياء.

الإشارة السادسة عشرة:

إن الخوارق التي تسمى "الإرهاصات" والتي ظهرت قبل بعثة النبي مرتبطة بها، هي أيضا من دلائل النبوة، وهي "ثلاثة أقسام":

القسم الأول

هو إخبار التوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء حول النبوة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، وهو ثابت بنص القرآن.

 نعم؛ بما أن هذه الكتب سماوية، وبما أن أصحاب هذه الكتب أنبياء، فلا شك أنه ضروري وقطعي أن تتحدث تلك الكتب عن شخص نسخ دينهم، وغيَّر شكل الكون، ونوَّر نصف الكرة الأرضية بالنور الذي أتى به. 


361. صفحة

نعم؛ إن هذه الكتب التي تخبر عن الأحداث الصغيرة، هل من الممكن ألا تخبر عن الحادثة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام التي هي أعظم حادثة لنوع البشر؟ فبما أنها ستخبر عنه r بالبداهة، فإما سيكذِّبونه حتى ينقذوا دينهم من التخريب وكتبهم من النسخ، وإما سيصدِّقونه حتى يتصفى دينهم من الخرافات والتحريف بهذا النبي ذي الحقائق؛ والحال أنه لا توجد أية أمارة للتكذيب في أي كتاب باتفاق الأصدقاء والأعداء، إذن إن هناك تصديقًا، وبما أن هناك تصديقًا بصورة قاطعة مطلقة، وبما أن هناك علة قاطعة وسببًا قويًّا راسخا يقتضي وجود هذا التصديق، فنحن بدورنا سنثبت وجود هذا التصديق بـ"ثلاث حجج" قاطعة تدل عليه.

الحجة الأولى: إن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام يقول لهم بلسان القرآن: إن في كتبكم تصديقًا بي وأوصافًا لي، وإن كتبكم تصدِّقني في الأمور التي أبيِّنها، ومع أنه يتحداهم ويضرب على رءوسهم دائمًا بالآيات مثل ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران: 93] ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران: 61]لم يستطع أحد من علماء اليهود ولا من قساوسة النصارى أن يُظهر خطأ من أخطائه، ولو كان قد أظهر لأعلنه في كل مكان الكفارُ واليهود المنافقون وعالم الكفر جميعًا الذين هم كثيرون وذوو عناد وحسد شديد.

ثم إنه قال: إما أن تجدوا خطئي وإما أن أجاهدكم حتى أهلَك، والواقع أنهم اختاروا الحرب والذلَّ والهجرة، وهذا يعني أنهم لم يستطيعوا أن يجدوا خطأه، ولو كانوا وجدوا خطأً واحدًا لتخلصوا من هذا كله.

الحجة الثانية: ولأن عبارات التوراة والإنجيل والزبور ليست معجزة كعبارات القرآن، ولأنها ترجمت لا من الأصل وإنما من ترجمات سابقة، فجاءت ترجمة عن ترجمة؛ دخلت فيها كلمات أجنبية كثيرة جدا، والتبس كلام المفسرين وتأويلاتهم الخاطئة بآيات تلك الكتب، وأضيفت فيها تحريفات بعض الجهلاء وأهل الأغراض السيئة، وبهذه الصورة

362. صفحة

كثرت التحريفات والتغييرات في تلك الكتب، وحتى العلامة الشهير الشيخ رحمة الله الهندي قد أثبت لقساوسة وعلماء اليهود والنصارى تحريف آلاف من المواقع في الكتب السابقة، وألزمهم الحجة.

ومع هذا القدر من التحريف فقد استخرج حتى في هذا العصر العالم المشهور حسين الجسري رحمة الله عليه من تلك الكتب مائة وعشرة أدلة حول النبوة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، وسجلها في "الرسالة الحميدية" وترجمها المرحوم إسماعيل حقي المناستري، فمن أراد أن يطَّلع على تلك الأدلة، فليراجعها.

وكثير من علماء اليهود والنصارى قد أقروا واعترفوا بقولهم "إن أوصاف محمد العربي عليه الصلاة والسلام مكتوبة في كتبنا".

أجل؛ وفي مقدمتهم أحد ملوك الروم "هرقل" المشهور وهو غير مسلم اعترف وقال: "نعم، إن عيسى عليه السلام يخبر عن محمد عليه الصلاة والسلام".

وملك الروم وحاكم مصر المسمى بـ"المقوقس" ومن أشهر علماء اليهود ابن صوريا وابن أخطب وأخوه كعب ابن أسيد وزبير ابن باطيا وأمثالهم من العلماء والرؤساء على الرغم من أنهم ظلوا غير مسلمين، فقد أقروا قائلين: "نعم، إن أوصافه موجودة في كتبنا، وكتبنا تتحدث عنها".

ومن ترك العناد وأسلم من علماء اليهود المشهورين ومن قساوسة النصارى المشهورين بعدما رأوا الأوصافَ المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام في الكتب السابقة، قد بيَّنوا أوصافه في التوراة والإنجيل، وألزموا بهذا سائر علماء اليهود والنصارى، منهم: العالم المشهور عبد الله بن سلام، ووهب بن منبه، وأبو ياسر، وشامول -وهو عاش في عهد ملك اليمن تُبَّع، وآمن كما آمن تُبَّع قبل البعثة غيابًا- وابنا سَعْية وهما أسيد وثعلبة[1].

وقد نزل يومًا العارف بالله ابن هيبان على بني النضير قبل البعثة وقال لهم: قريبٌ

[1] انظر دلائل النبوة للبيهقي 2/80.




363. صفحة

ظهور نبي، هذا دار هجرته، وتوفي هناك، وعندما حاربت هذه القبيلة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، ظهر وبرز أسيد وثعلبة ونَادَيَا هذه القبيلة بصوت عال قائلين: والله هو الذي عَهِد إليكم فيه ابن هيبان، أي لا تحاربوه، إلاَّ أنهم لم يستمعوا إلى كلامهما، فأصابهم ما أصابهم.

وآمن كثير من علماء اليهود مثل ابن بُنيامين، ومُخَيْرِقْ، وكعب الأحبار؛ إذ إنهم رأوا الأوصاف النبويَّة على صاحبها الصلاة والسلام في كتبهم، وألزموا من لم يؤمنوا.

وبحيرا الراهب المشهور وهو من علماء النصارى -الذي سبق ذكره- وهو الذي دعا قرشيين من أجل الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام لما سافر مع عمه إلى الشام وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ورأى أن غمامة لم تزل تظلل القافلة، وفهم أن من يبحث عنه بقي هناك، فأرسل من يأتي به، وقال لأبي طالب: عُدْ به إلى مكة، فاليهود حسَّاد يكيدون له، فإنَّا نجد أوصافه في التوراة.

ونسطور الحبشة وملكها النجاشي قد آمَنَا معًا؛ إذ إنهما رأيا الأوصاف المحمديَّة على صاحبها الصلاة والسلام في كتابهما.

والعالم النصراني المشهور المسمى بـ "ضغاطر" رأى أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام، وآمن، وأعلن إيمانه بين الروم، فاستُشهد.

وحارث بن أبي شمر الغساني وهو من رؤساء النصارى، والرؤساءُ الروحانيون في الشام وملوكُها أي صاحب إيليا، وهرقل، وابن ناطور، وجارود، وأمثالهم من الأشخاص المشهورين رأوا أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام في كتبهم، وآمنوا، إلاَّ أن هرقل لم يُظهر إيمانه حرصًا على سلطنة الدنيا.

ومثل هؤلاء سلمان الفارسي t كذلك كان نصرانيًّا في البداية، وبعد أن رأى أوصافه عليه الصلاة والسلام، أخذ يتحرى عنه. 


364. صفحة

وكذلك العالم الجليل بـ "تميم"، وملك الحبشة المشهور النجاشي، ونصارى الحبشة، وقساوسة نجران يخبرون جميعًا بالاتفاق قائلين: إننا رأينا الأوصاف النبويَّة في كتبنا، فآمَنَّا.

الحجة الثالثة: سنذكر على سبيل المثال بضع نماذج من آيات التوراة والإنجيل والزبور التي تتعلق برسولنا عليه الصلاة والسلام.

أولاها: إن هناك آية في الزبور وهي: "اللَّّهم ابعث لنا مقيم السنة بعد الفترة"، و"مقيم السنة" هو من الأسماء الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام.

وآية من الإنجيل: "قال المسيح إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ليبعث فيكم الفارقليط" أي ليأتي إليكم الفارقليط يعني أحمد.

وآية أخرى من الإنجيل: "إني أطلب من ربي فارقليط يكون معكم إلى الأبد"، والفارقليط هو اسم نبيِّنا عليه الصلاة والسلام في تلك الكتب بمعنى الفارق بين الحق والباطل.

وآية من التوراة: "إن الله قال لإبراهيم إن هاجر تلد ويكون من ولدها مَن يدُه فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخشوع".

وآية أخرى من التوراة: "وقال يا موسى إني مقيم لهم نبيًّا من بني إخوتهم مثلك، (أي أرسل رسولا مثلك من بني إسماعيل الذين هم إخوة بني إسرائيل) وأجري قولي في فيه والرجل الذي لا يقبل قول النبي الذي يتكلم باسمي فأنا أنتقم منه".

وآية ثالثة من التوراة: "قال موسى رب إني أجد في التوراة أمة هم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، فاجعلهم أمتي، قال تلك أمة محمد".

تنبيه:

إن اسم محمد عليه الصلاة والسلام قد ورد في تلك الكتب بأسماء سريانية وعبرية مثل "مشفَّح"، و"المُنْحَمَنَّا"، "وحمياطا" التي هي بمعنى محمد، أما الاسم "محمد" فلم يرد صريحًا إلاَّ قليلاً، وحرّف كذلك اليهود الحسّاد هذا العدد المحدود من الاسم "محمد" 

365. صفحة

الصريح، من ذلك آية من الزبور تقول: "يا داود يأتي بعدك نبي يسمى أحمد ومحمدًا صادقًا سيِّدًا أمته مرحومة".

 وكلّ من عبد الله بن عمرو بن العاص الذي هو أحد العبادلة السبعة والذي قام بتدقيقات كثيرة في الكتب السابقة، وعبد الله بن سلام الذي هو أول من أسلم من مشاهير علماء اليهود، وكعب الأحبار المشهور وهو من العلماء الكبار من بني إسرائيل قد أعلنوا وأظهروا هذه الآية الآتية بعينها في التوراة التي لم يُجرَ عليها التحريف كثيرًا في ذلك الزمان، فجزء من تلك الآية بعدما خاطب سيدَنا موسى عليه السلام يقول للنبي الذي سيأتي بعده: "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتُك المتوكل، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، بل يعفو ويغفر ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلاَّ الله".

وآية أخرى من التوراة:

"محمد رسول الله مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمّادون"، فلفظ "محمد" في هذه الآية قد ورد باسم سرياني يعني محمد.

وآية أخرى من التوراة:

"أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل". فهذه الآية تخاطب النبي الذي سيأتي بعد موسى عليه السلام من بني إسماعيل الذين هم إخوة بني إسحاق.

وكذلك آية أخرى من التوراة تقول:

"عبدي المختار ليس بفظٍّ ولا غليظ"، فمعنى المختار هو المصطفى وهو اسم النبي.

والآية الواردة في الإنجيل "معه قضيب من حديد يقاتل به وأمته كذلك" التي هي حول وصف النبي الذي سيأتي بعد عيسى عليه السلام والذي بشَّر به الإنجيل ببضع آيات منه بعنوان "رئيس العالم"، تُظهر أنه سيأتي نبي يحمل سيفا وهو مأمور بالجهاد، فـ"قضيب من حديد" يعني السيف. 


366. صفحة

والآية الأخيرة من سورة الفتح ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:29] تعلن كتلك الآية من الإنجيل أن أمته كذلك مثله أصحاب السيوف؛ أي سيكونون مأمورين بالجهاد، مشيرةً إلى الآيات الأخرى في الإنجيل، وتعلن كذلك مع الإنجيل أن محمدًا عليه الصلاة والسلام هو صاحب السيف، ومأمور بالجهاد.

وفي الباب الثالث والثلاثين من الكتاب الخامس من التوراة هذه الآية: "أقبل الحق تعالى من طور سيناء وطلع علينا من ساعير، وظهر في جبال فاران"، فهذه الآية كما أنها تخبر عن نبوة موسى عليه السلام بفقرة "أقبل الحق تعالى من طور سيناء"، وتخبر عن نبوة عيسى عليه السلام بفقرة "وطلع علينا من ساعير" التي هي عبارة عن جبال الشام، كذلك تخبر بالضرورة عن الرسالة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام بفقرة "ظهر في جبال فاران" التي هي عبارة عن جبال الحجاز بالاتفاق.

وهناك آية في التوراة تصدِّق حكم الآية الأخيرة من سورة الفتح ﴿...ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ...﴾ وتتعلق بأصحاب النبي الذي ظهر من جبال الفاران، وهي: "إن معه أعلام القدسيين، وهي في يمينه"، وتصفهم بـ"القدسيين"؛ أي أصحابه هم الأولياء الصالحون القدسيون.

وهناك آية في الباب الثاني والأربعين من كتاب النبي أشعيا، وهي:

"إن الحق سبحانه سيبعث عبده المصطفى المجتبى في آخر الزمان، وسيرسل إليه الروح الأمين جبرائيل يعلِّمه الدين الإلهي، وهو كذلك سيعلِّم الناس كما علَّمه الروح الأمين، وسيحكم بين الناس بالحق، وهو نورٌ سيُخرج الناس من الظلمات، وأنا أخبركم ما أخبرني الرب قبل وقوعه"؛ فهذه الآية تبيِّن بيانًا صريحًا جدًّا أوصاف نبي آخر الزمان محمد عليه الصلاة والسلام.

وهناك آية في الباب الرابع من كتاب النبي "ميخائيل" المسمى بـ"ميشاعل"، وهي: "ستكون في آخر الزمان أمة مرحومة تختار الجبل المبارك لتعبد الحق تعالى فيه، ويجتمع فيه

367. صفحة

خلق كثير من كل إقليم يعبدون الرب الواحد ولا يشركون به شيئًا"، فهذه الآية تصف بصورة واضحة جبل عرفات الذي هو أقدس جبل في الدنيا، وتكبيراتِ وعباداتِ الحجاج الذين يفدون من كل إقليم، والأمة المحمدية التي اشتهرت بشعار "الأمة المرحومة".

وهناك آية في الباب الثاني والسبعين من الزبور، وهي:

"يملك من البحر إلى البحر، ومن الأنهار إلى أقصى الأرض، يأخذ ملوك اليمن والجزائر إليه هدايا، ويسجد الملوك وينقادون له، ويُصلّى عليه كل حين ويُدعى له كل يوم بالبركة، وأنواره تسطع من المدينة، ويظل ذكره إلى أبد الآباد، واسمه كان موجودًا قبل وجود الشمس وسيظل منتشرًا ما بقيت الشمس"، فهذه الآية تصف بصورة واضحة ظاهرة فخر العالم عليه الصلاة والسلام.

فيا ترى أي نبي جاء غير النبي r بعد سيدنا داود u ونشر دينه من الشرق إلى الغرب، وجعل الملوك يعطونه الجزية، وجعل السلاطين ينقادون له وكأنهم يسجدون له، ونال صلوات وأدعية خمس نوع البشر كل يوم، وسطعت أنواره من المدينة؟ فهل هناك غيره r؟

والآية الثلاثون من الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا المترجم إلى اللغة التركية هي:

"ولن أتكلم معكم بعد هذا كثيرًا، لأن رئيس هذا العالم يأتي، وليس عندي وليس فيّ أبدًا شيء مما عنده هو"، فتعبير "رئيس العالم" يعني فخر العالم، ولقب فخر العالم هو أشهر لقب لمحمد العربي عليه الصلاة والسلام.

والآية السابعة من الباب السادسة عشرة من إنجيل يوحنا، هي: "لكني أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أذهب، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزِّي"، فمن رئيس العالم والمعزِّي الحقيقي للناس غير محمد العربي عليه الصلاة والسلام؟

أجل؛ إنه هو فخر العالم، وإنه هو الذي ينقذ الناس الفانيين من الإعدام الأبدي، ويعزِّيهم.


368. صفحة

وكذلك الآية الثامنة من الباب السادس عشر من إنجيل يوحنا، هي: "ومتى ما جاء، سيُلزِم العالم في الخطيئة والصلاح والحكم"، فمن بدَّل فساد العالم إلى صلاح، وأنقذه من الآثام والشرك، وبدَّل سياسة الدنيا والحاكمية فيها غير محمد العربي عليه الصلاة والسلام؟

وكذلك الآية الحادية عشرة من الباب السادس عشر من إنجيل يوحنا هي:

"لقد حان وقت مجيء رئيس العالم "، فرئيس العالم[1] لا شك أنه هو أحمد محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو سيد البشر.

والآية الثالثة عشرة من الباب الثاني عشر من إنجيل يوحنا هي:

"إذا جاء روح الحق ذاك، فسيرشدكم جميعًا إلى الحقيقة؛ لأنه لا ينطق من عنده، وسيحدثكم عن كل ما سمع ويخبركم عن الأمور المستقبلية"، فهذه الآية صريحة.

فيا ترى من الذي يدعو الناس جميعًا إلى الحق والحقيقة معًا، وكل ما يخبره هو الوحي، ويقول ما يسمعه من جبرائيل، ويخبر عن القيامة والآخرة بالتفصيل، غير محمد العربي عليه الصلاة والسلام؟ ومن يمكن أن يكون غيره؟

وفي كتب الأنبياء عليهم السلام أسماء للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام باللغة السريانية والعبرية بمعنى محمد وأحمد ومختار؛ ففي صحف سيدنا شعيب عليه السلام اسمه "مُشَفَّحْ" بمعنى محمد، وفي التوراة "الْمُنْحَمَنَّا" كذلك بمعنى محمد، و"حِمْيَاطَا" بمعنى نبي الحرم، وفي الزبور "المختار". وكذلك في التوراة "الخَاتَمُ الْحَاتَمْ"، وفي التوراة والزبور "مقيم السنة"، وفي صحف إبراهيم والتوراة "مَازْمَازْ"، وفي التوراة "أَحْيَدْ"؛ حيث إن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام قال: "اسمي في القرآن محمد، وفي الإنجيل أحمد، وفي التوراة أحيد"، وفي الإنجيل من أسماء النبي عليه الصلاة والسلام"صاحب القضيب والهراوة"؛

[1] نعم، إنه r رئيس وسلطان؛ له على الأقل ثلاثمائة وخمسون مليونا من الأتباع والرعايا وفي كل عصر من أغلب العصور منذ ألف وثلاثمائة وخمسين سنة يطيعون أوامره بكمال التسليم والانقياد، ويجددون بيعتهم له بالسلام والصلاة عليه كل يوم. (المؤلف) 




369. صفحة

أي صاحب السيف والعصا، نعم، إن أعظم الأنبياء بين الأنبياء الذين هم أصحاب السيوف، والذي هو مأمور هو وأمته بالجهاد، وهو الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وكذلك في الإنجيل هو "صاحب التاج". أجل؛ إن لقب "صاحب التاج" هذا خاص بالرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، والتاج يعني "العمامة"، والقوم الذين كانوا يلبسون عامة العمامة والعقال بين الأمم في قديم الزمان كانوا العرب، "وصاحب التاج" في الإنجيل يعني قطعًا الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وكذلك في الإنجيل "البارقليط" أو "الفارقليط" حيث فُسِّر هذا الاسم في تفاسير الإنجيل بمعنى المحب التابع للحق والفارق بين الحق والباطل وهو اسم لشخص يأتي في المستقبل ويدعو الناس إلى الحق.

وقال عيسى عليه السلام في الإنجيل: "سأذهب كي يجيء رئيس العالم"، فيا ترى من جاء بعد عيسى عليه السلام وترَأَّسَ العالم، وفَرَّقَ وميَّز بين الحق والباطل، وأرشد الناس مثله غير الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام؟ بمعنى أن سيدنا عيسى عليه السلام كان يبشِّر أمته دائمًا ويخبر بأنه "سيأتي واحد ولن تبقى الحاجة إليَّ، أنا مقدمة له، ومبشِّره".

والآية الكريمة: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ[1] [الصف: 6]. تقول إن عيسى عليه السلام يبشر أمته في الإنجيل مرات عديدة بأن سيدًا عظيمًا للناس سيأتي، ويذكره ببعض أسمائه، وهذه الأسماء لا شك أنها سريانية وعبرانية رآها أهل التحقيق. وإن تلك الأسماء تعني "أحمد ومحمد والفارق بين الحق والباطل"، إذن إن عيسى عليه السلام قد بشَّر بأحمد عليه الصلاة والسلام مرات عديدة.


[1] (أمته الحامدون) إن السائح أوليا شلبي المشهور قرأ الآية الآتية في الإنجيل المكتوب على جلد الغزال في ضريح شمعون الصفا التي نزلت في حق الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وهي: (أيتون)؛ أي ابن، (أزربيون)؛ أي من نسل إبراهيم، (بروفتون)؛ أي النبي، (لوغسلين)؛ أي ليس كاذبًا، (بنت؛ أي له، (أفزولات)؛ أي مولده بمكة، (كه كالوشير)؛ أي جاء بصلاح، (تونومنين)؛ أي اسمه المبارك، (مواميت)؛ أي أحمد ومحمد، -فكلمة "مواميت" محرفة عن كلمة "مَمَدْ" وكلمة "مَمَدْ" محرفة عن كلمة "محمد"- (ايسفدوس)؛ الذين يتبعونه، (تاكرديس)؛ أي أصحاب العالم (بيست بيت)؛ أي صاحب العالم.(المؤلف). 




370. صفحة

سؤال، إن قلتَ: لماذا سيدنا عيسى عليه السلام يبشِّر أكثر من غيره من الأنبياء، بينما الآخرون يكتفون بالإخبار، ولا يبشِّرون إلاَّ نادرًا؟

الجواب: لأن أحمد عليه الصلاة والسلام أنقذ عيسى عليه السلام من تكذيب اليهود المذهل الرهيب ومن افتراءاتهم الشنيعة، وأنقذ دينَه من التحريف المذهل، ومع هذا يملك شريعة عالية سهلة جامعة تُكمل نقصان الشريعة العيسوية من ناحية الأحكام إزاء الشريعة الصعبة لبني إسرائيل الذين لا يعترفون بعيسى عليه السلام؛ ولهذا السبب فإنه بشَّر مرات عديدة قائلاً: "يأتي رئيس العالم".

وهنالك أبحاث وآيات كثيرة في التوراة والإنجيل والزبور وفي سائر صحف الأنبياء عن النبي الذي سيأتي في آخر الزمان، كما بينَّا بعضًا من نماذجها وأمثلتها، وإنه مذكور في تلك الكتب بأسماء كثيرة، ومن يكون يا ترى نبي آخر الزمان الذي تحدثت عنه جميعُ كتب الأنبياء بآيات متكررة بهذا القدر من الأهمية غير محمد عليه الصلاة والسلام؟

القسم الثاني من الإرهاصات ودلائل النبوة

هو أن الكهنة وبعضًا من الناس العارفين بالله الذين هم أولياء الله إلى حد ما والذين عاشوا في ذلك الزمان في عهد الفترة وقبل البعثة الأحمدية r قد أخبروا عن مجيء الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، ونشروا إخباراتهم هذه، ونقلوها بأشعارهم إلى العصور الآتية، وأمثلتها كثيرة، فنحن سنذكر منها ما هو مشهور ومنتشر وقَبِله ونقله أهل السيرة والتاريخ، منها:

أولها: إن ملِكًا اسمه "تُبَّعْ" من ملوك اليمن قد رأى أوصاف الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام في الكتب القديمة، وآمن به r، وأعلن شعره كالآتي:

 شهدتُ على أحمـد أنه رسول من الله باري النسم

371. صفحة

فلو مُدَّ عمري إلى عمره لكنتُ وزيرًا[1] له وابن عمٍّ[2]

ثانيها:إن قس بن ساعدة المشهور -الذي هو من أشهر وأهم خطباء العرب ورجل موحِّد مشرق الضمير- قد أعلن الرسالة الأحمدية r قبل البعثة النبوية بهذا الشعر:

 أرسل فينا أحمدَ خير نبي قد بُعث

صلى عليه الله ما عجّ له ركبٌ وحث[3]

ثالثها: إنّ كعبًا بن لؤي الذي هو من أجداد الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام قد أشار إلى النبوة الأحمدية كأثر إلهام فقال:

على غفلةٍ يأتي النبي محمد فيخبر أخبارًا صدوقًا خبيرها[4]

رابعها: إن سيف بن ذي يزن الذي هو أحد ملوك اليمن قد رأى أوصاف الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام في الكتب السابقة، وآمن به r، وكان مشتاقًا إليه، ولما ذهب عبد المطلب جدُّ الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام مع قافلة قريش إلى اليمن دعاهم سيف بن ذي يزن، وقال لهم: إذا ولد بتهامة ولدٌ بين كتفيه شامةٌ كانت له الإمامة وإنك يا عبد المطلب لجدُّه، فقد دعا جد النبي r سرًّا وأخبره قبل البعثة أنه جد ذلك الولد، إخبارًا ينم عن كرامة.

خامسها: ورقة بن نوفل المشهور الذي هو من أبناء عمّ خديجة الكبرى رضي الله عنها إذ الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام أخذه الخوف والقلق في بداية نزول الوحي، وحكت له هذه الحادثة المشهورة، فطلب منها أن ترسله إليه، فجاءه الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وحكى له ما حدث في مبدأ الوحي، فقال له ورقة: "بشِّر يا محمد إنِّي أشهد أنَّك أنت النبي المنتظر وبَشَّر بكَ عيسى"[5].


[1] أي كنت له كعلي رضي الله عنه. (المؤلف)

[2] البيتان منسوبين لتبع في البداية والنهاية 4/145، وتفسير القرطبي 16/146.

[3] البيتان منسوبين لقس بن ساعدة في السيرة الحلبية 1/328، وتاريخ مدينة دمشق 3/434.

[4] البيت منسوبا له في تاريخ اليعقوبي 1/236، وسيرة النبي المختار 97.

[5] انظر صحيح البخاري 1/4.




372. صفحة

سادسها: إن عارفًا بالله يسمى عَسْكَلان الحِمْيَرِي عندما رأى قرشيين قبل البعثة كان يسألهم قائلاً: "هل فيكم من يدّعي النبوة؟"، وكانوا يجيبون عن سؤاله بـ"لا"، ثم سأل السؤال نفسه زمن البعثة، فقالوا: "نعم؛ إنَّ أحدًا يدّعي النبوة"، فقال: "إن العالم ينتظره"[1].

سابعها: أخبر ابن العَلا وهو أحد علماء النصارى المشهورين عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وقبل أن يراه، ثم جاء ورأى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: والذي بعثك بالحق لقد وجدتُ صفتَك في الإنجيل وبشَّر بك ابن البتول.

ثامنها: قال النجاشي ملك الحبشة الذي سبق ذكره: ليتَ لي خِدْمَته بدلاً عن هذه السلطنة؛ أي ليتني كنت خادمًا لمحمد العربي عليه الصلاة والسلام بدلاً عن هذا الملك؛ إذ إن خدمته أفضل من الملك.

فالآن بعد هؤلاء العارفين الذين يخبرون عن الغيب بإلهام رباني سنذكر الكهنة الذين يخبرون عن الغيب بواسطة الأرواح والجان، والذين أخبروا إخبارا صريحا جدا عن مجيء الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وعن نبوَّته، فهم كثيرون، ونحن سنذكر بعضًا من أشهر إخباراتهم التي أصبحت في حكم التواتر المعنوي والتي نقلها أكثر كتب التاريخ والسير، وسنتحدث عنها مجملاً محيلين قصصهم وأقوالهم الطويلة إلى كتب السير.

أولهم: كاهن مشهور اسمه "شِقْ"؛ كان له عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة وكأنه نصف إنسان، فسجل التاريخ إخبارات ذلك الكاهن عن الرسالة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام مرارًا وتكرارًا تسجيلا يصل لدرجة التواتر وبصورة قاطعة.

ثانيهم: كاهن الشام المشهور "سَطِيح" الذي كان أعجوبة من عجائب الخلقة حيث لم يكن له عظم وكأنه جسد بلا أعضاء ووجهه كان في صدره، وعاش زمنًا طويلاً، اشتهر بين الناس بإخباراته الصادقة عن الغيب، وحتى إن كسرى ملك الفرس أرسل إليه رسوله العالم "موبَزان" ليسأله تفسير رؤياه العجيب وسر سقوط شرفات إيوانه الأربعة

[1] انظر كنز العمال 13/99، والسيرة الحلبية 1/446.




373. صفحة

عشر حين الولادة الأحمدية r، وقال سطيح ما معناه: "سيحكم فيكم أربعة عشر شخصًا، ثم بعد ذلك ستزول سلطنتكم، وسيأتي شخص يُظهر دينًا جديدًا، فهو سيُزيل دينكم ودولتكم"، فهذا الرجل "سطيح" قد أخبر بصورة صريحة عن مجيء نبي آخر الزمان r.

وقد أخبر سَواد بن قارب الدوسي، وخنافر، وأفعى نجران، وجذل بن جذلل الكندي، وابن خلصة الدوسي، وفاطمة بنت النعمان النجارية وأمثالهم من الكهنة المشهورين عن مجيء نبي آخر الزمان وأنه محمد عليه الصلاة والسلام حسبما ذُكر في كتب التاريخ والسيرة مفصلاً.

وسعدى بنت كريز وهي من أقارب عثمان رضي الله عنه قد تلقت خبر نبوة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام من الغيب بواسطة الكهانة، فقالت لعثمان ذي النورين رضي الله عنه في بداية الإسلام: "اذهب، فآمن به"، فآمن عثمان رضي الله عنه في بداية الإسلام، وذكرت سعدى هذه الحادثة بهذا الشعر:

"هدى الله عثمان بقولي إلى التي                 بها رُشْدُه والله يَهدِي إلى الحق"[1]

ثم إن الجان الذين لا تُرَى أجسامهم ولكن تُسمع أصواتهم المسمين بـ"الهواتف" قد أخبروا مرارًا كما أخبر الكهنة عن مجيء الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، منها؛

هتف هاتف جني لـ"ذياب بن الحارث" كالآتي، وأصبح سببًا لإسلامه وإسلام غيره:

يا ذياب يا ذياب

 اسمع العَجَب العُجاب

بُعث محمدٌ بالكتاب

 يدعو بمكة فلا يُجاب[2]


[1] البيت منسوبا لسعدى بنت كريز في تاريخ مدينة دمشق 39/25.

[2] الأبيات منسوبة لصوت من الجن في الإصابة 2/402.




374. صفحة

وهتف كذلك هاتف جني لـ"سامعة بن قرة الغطفاني" كالآتي، فأصبح سببًا في إيمان بعض الناس:

جاء الحق فسَطع

ودُمِّر باطلٌ فانقمع[1]

وهكذا فإن بشارة هؤلاء الهواتف وإخباراتهم مشهورة وكثيرة جدًّا.

وكما أن الكهنة والهواتف قد أخبروا عن رسالة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، كذلك الأصنام والقرابين التي ذبحت للأصنام قد أخبرت عنها، فمثلاً:

من القصص المشهورة أن صنم قبيلة "ماذن" هتف وأخبر عن الرسالة الأحمدية قائلاً: هذا النبي المرسل جاء بالحق المنزل.

وحادثة مشهورة كانت سببًا في إسلام "عباس بن مرداس" هي أن له صنمًا اسمه "ضِمَّارْ" فهتف يومًا قائلاً:

"أردى ضمَّار وكان يُعبد مدة قبل البيان من النبي محمد" أي جاء الآن بيان محمد فلا مجال للضلالة بعد.

وسمع عمر رضي الله عنه من الذبيح الذي ذبح لصنم قبل الإسلام ما يلي:

"يا آل الذبيح، أمرٌ نجيح، رجلٌ فصيح، يقول: لا إله إلاَّ الله"[2]

فهناك وقائع كثيرة مثل هذه الأمثلة، قبِلتها الكتب الموثوقة ونقلتها.

وكما أن الكهنة والعارفين بالله والهواتف وحتى الأصنام والقرابين أخبروا عن الرسالة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، وأصبح كل حادثة سببًا في إيمان قسم من الناس، كذلك قد وُجدت عبارات مكتوبة بالخط العربي القديم على بعض الأحجار والقبور وشواهد القبور مثل "محمد مُصْلِح أمين"، وآمن بسببها قسم من الناس، نعم؛ إن

[1] انظر دلائل النبوة 2/259.

[2] انظر صحيح البخاري 3/1403.




375. صفحة

العبارة الموجودة على بعض الأحجار والمكتوبة بالخط العربي القديم "محمد مصلح أمين" تقصد الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام؛ إذ إن هناك سبعة أشخاص يحملون اسم محمد قبله وفي زمن قريب من زمنه ولا غير، وليس لأحدهم غيره لياقة بتعبير "مصلح أمين" بأي وجه من الوجوه.

القسم الثالث:

الخوارقُ والأحداثُ التي وقعت حين ولادة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام من الإرهاصات.

هذه الأحداث قد وقعت متعلقةً بولادته، وهناك بعض الأحداث قبل البعثة فهي من معجزاته مباشرة r، وهي كثيرة، ونحن سنذكر كنماذج بعضًا من أمثلتها التي اشتهرت وتحققت صحتها وقبِلها أئمة الحديث.

أولها: النور العظيم الذي رأته أم النبي عليه الصلاة والسلام ليلة الولادة النبوية ومن معها كلٌ من أم عثمان بن العاص وأم عبد الرحمن بن عوف؛ حيث قلن: "رأينا نورًا عند ولادته أضاء لنا ما بين المشرق والمغرب"[1].

ثانيها: سقوط معظم الأصنام في الكعبة تلك الليلة[2].

ثالثها: تزلزل وانشقاق إيوان كسرى المشهور، وانهيار أربع عشرة شرفة من شرفاته تلك الليلة[3].

رابعها: غيض بحيرة "ساوة" التي كانت تقدَّس، وخمود النار التي كانت تُشعَل دائمًا دون أن تخمد منذ ألف سنة في "اصطخر آباد" والتي اتخذها المجوس معبودًا لهم تلك الليلة[4].


[1] انظر المستدرك على الصحيحين 2/673.

[2] انظر السيرة الحلبية 1/114.

[3] دلائل النبوة 1/18.

[4] انظر الخصائص الكبرى 1/80، وسيرة النبي المختار 106




376. صفحة

فهذه الأحداث الثلاثة أو الأربعة إشارة إلى أن هذا المولود الجديد سيزيل عبادة النار، وسيحطم قصر سلطنة فارس، وسيحول دون تقديس الأشياء التي لا يأذن الله بها.

خامسها: حادثة الفيل التي بُيِّنَتْ بنص قطعي في سورة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾، وإن لم تقع ليلة الولادة إلاَّ أن وقوعها قريبا من الولادة، ومن هذه الناحية هذه الحادثة وأمثالها هي كذلك من الإرهاصات الأحمدية r، وهي أن أبرهة ملك الحبشة جاء لهدم الكعبة وفي مقدمة الجيش فيل جسيم يقال له "محمود"، ولما اقتربوا من مكة توقَّف الفيل عن المشي، فلم يجدوا حلاًّ، فرجعوا، ولكن طيور أبابيل هزمتهم شر الهزيمة، ففَرُّوا.

هذه القصة العجيبة مشهورة وموجودة في كتب التاريخ مفصَّلة، وهذه الحادثة هي من دلائل نبوة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام؛ لأن الكعبة المكرمة التي هي قبلته عليه الصلاة والسلام ومولده ووطنه الحبيب قد نجت من تخريب أبرهة بصورة غيبية وخارقة للعادة وفي وقت قريب جدا من الولادة.

سادسها: لما كان الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام عند حليمة السعدية في صباه رأت حليمة وزوجها مرات عديدة أن غمامة تظلله حتى لا ينزعج من الشمس، فأخبرا الناس بذلك، واشتهرت هذه الحادثة صحيحةً[1].

وكذلك لما سافر إلى الشام وهو ابن اثني عشر سنة رأى بحيرا الراهب أن غمامة تظلل الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وأراها الناسَ[2].

وكذلك لما رجع الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام مع ميسرة خادم خديجة الكبرى رضي الله عنها من تجارة قبل البعثة، رأت خديجة الكبرى رضي الله عنها أن ملكين في صورة غمامة يظللان الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وأخبرت خادمها ميسرة بذلك، وقال لها ميسرة: "كنت أرى ذلك منذ أن خرجنا"[3].


[1] انظر الطبقات الكبرى 1/112.

[2] انظر الطبقات الكبرى 1/154.

[3] انظر الطبقات الكبرى 1/130.




377. صفحة

سابعها: ثبت برواية صحيحة أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام جلس تحت شجرة قبل البعثة، وهذا المكان كان يابسًا، فاخضرَّ فجأة، وأغصان الشجرة انحنت فوق رأسه وأظلته[1].

ثامنها: إن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام كان يعيش في بيت أبي طالب وهو صغير السن، وإذا أكل أبو طالب وأولاده معه r شبعوا، وإذا لم يكن موجودًا معهم في الطعام لم يشبعوا، وهذه الحادثة مشهورة وقطعية وقوعُها[2].

وقد قالت أم أيمن -التي ربَّت وخدمت الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام في صباه- إن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام لم يَشْكُ أبدًا الجوع ولا العطش لا في صغره ولا في كبره[3].

تاسعها: البركة والازدياد في مال مرضعته r حليمة السعدية وفي لبن غنمها خلافًا لقبيلتها، وإن هذه الحادثة مشهورة وقطعي وقوعها[4].

وإن الذباب كان لا يؤذيه ولا يقع على جسده المبارك ولا على ثيابه[5]، ولقد ورث السيد عبد القادر الجيلاني - قدس سره - الذي هو من شجرته المباركة هذه الحالة عن جده؛ إذ لم يكن يزعجه الذباب أيضًا.

عاشرها: ازدياد سقوط النجوم بعد ولادة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام ولاسيما ليلة الولادة، وهذه الحادثة؛ أي سقوط النجوم -كما أثبتناها ببراهينها في "الكلمة الخامسة عشرة" إثباتًا قاطعًا- إشارة وعلامة على انقطاع الشياطين والجان عن إخبارهم عن الغيب، فبما أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام قد ظهر في الدنيا بالوحي، إذن لا بد من الحيلولة دون إخبارات الكهنة والجان ومن يخبر عن الغيب إخبارًا ناقصًا ومشوبًا بالكذب حتى لا تورث الشبهةَ في الوحي ولا تشبه الوحي.


[1] انظر السيرة الحلبية 1/218.

[2] انظر الخصائص الكبرى 1/140.

[3] انظر الخصائص الكبرى 1/141.

[4] انظر الطبقات الكبرى 1/112.

[5] انظر مرقاة المفاتيح 8/69.




378. صفحة

أجل؛ إن الكهانة قبل البعثة كانت كثيرة منتشرة، وانتهى أمرها بعد نزول القرآن، وحتى إن كثيرين من الكهنة قد أسلموا؛ إذ إنهم لم يجدوا مخبريهم من طائفة الجن، إذن إن القرآن قد منعهم منعا باتّا.

وكمثل هؤلاء قد ظهر في زماننا هذا في أوربا بين من يشتغلون بتحضير الأرواح نوع من الكهانة في صورة الوسائط.

الحاصل: إنه قد ظهر قبل نبوة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام أحداث وأشخاص كثيرون جدًّا يصدِّقون بنبوته ويدعون الآخرين إلى التصديق .

نعم؛ إن من سيكون رئيسًا[1] معنويًّا للعالم، وسيغير الشكل المعنوي للدنيا، وسيجعل الدنيا مزرعة للآخرة، وسيعلن قيمة مخلوقات الدنيا، وسيرشد الجن والإنس إلى السعادة الأبدية، وسينقذ الجن والإنس الفانيين من الإعدام الأبدي، وسيكشف حكمة خلق الدنيا وطلسمه المغلق ومعماه، وسيَعْلم مقاصد خالق الكون، وسيعلِّمها الناس، وسيعرف هذا الخالق وسيعرِّفه للجميع؛ لا شك أن كل شيء وكل نوع وكل طائفة سيحب مجيئه وسينتظره وسيستقبله استقبالا حسنا وسيرحب به، وسيصفِّق له قبل مجيئه، وسيعرفونه إن أخبرهم خالقهم، وإن كل نوع من المخلوقات يُظهر معجزاته وكأنه يستقبله استقبالا حسنا ويرحب به، ويصدِّق بنبوته بلسان المعجزة، كما رأينا في الإشارات والأمثلة السابقة.

الإشارة السابعة عشرة:

إن أعظم معجزة للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام بعد القرآن هي هو؛ أي الأخلاق العالية التي اجتمعت فيه بحيث إنه يتفق الأصدقاء والأعداء على أنه في أعلى

[1] نعم؛ إن الذي قيل في حقه "لولاك لو لاك" رئيس؛ وأي رئيس تستمر سلطنته منذ ألف وثلاثمائة وخمسين سنة، وفي كل عصر بعد العصر الأول له ثلاثمائة وخمسين مليونا من الأتباع والرعايا على الأقل، وضم نصف الكرة الأرضية تحت لوائه، ويجدد أتباعُه بيعتهم له بالصلاة والسلام عليه كل يوم بكمال الخضوع، ويطيعون أوامره؟! (المؤلف).




379. صفحة

طبقة في كل خصلة من الخصال الحميدة، حتى كان يقول بطل الشجاعة علي رضي الله عنه مرارًا: "لما اشتدت الحرب كنا نلتجئ إلى الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام ونتحصَّن به"[1]،

وهكذا كان يملك من كل خلق من الأخلاق الحميدة أعلى درجة لا يمكن البلوغ إليها، نحيل هذه المعجزة الكبرى إلى كتاب "الشِفَاء" الشريف لعلامة المغرب القاضي عياض؛ والحق أنه قد بيَّن تلك المعجزات الأخلاقية الحميدة بيانًا نفيسًا، وأثبتها إثباتا جيدًا.

وكذلك فإن من المعجزات الأحمدية العظيمة على صاحبها الصلاة والسلام مصدَّقة من قبل الأحباء والأعداء؛ شريعته الكبرى التي لم يأت مثيلها ولن يأتي، ونحيل بعضا من بيان هذه المعجزة العظيمة إلى كل من الكلمات الثلاثة والثلاثين والمكتوبات الثلاثة والثلاثين واللمعات الإحدى والثلاثين والشعاعات الثلاثة عشر التي كتبناها.

وكذلك من المعجزات العظيمة المتواترة للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام انشقاق القمر.

أجل؛ إن انشقاق القمر هذا فضلاً عن أنه مروي بصورة متواترة وبطرق متعددة عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر والإمام علي وأنس وحذيفة وأمثالهم من أعاظم الصحابة الكثيرين رضوان الله عليهم، فقد أعلنت أيضا الآية ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [سورة القمر: 1] عن هذه المعجزة العظيمة للعالم.

ولم يقابِل مشركو قريش العنيدون هذا الخبر الذي أخبرت به هذه الآية بالإنكار، وإنما اكتفوا بقولهم "هذا سحر"، بمعنى أن انشقاق القمر قطعي حتى من قبل الكفار، ونحيل هذه المعجزة العظيمة إلى رسالة "انشقاق القمر" التي هي ذيل لـ"لكلمة الحادية والثلاثين" التي كتبناها حول انشقاق القمر.

وكما أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام قد أظهر لأهالي الأرض معجزة انشقاق القمر، كذلك فقد أظهر لأهالي السماوات معجزة المعراج الكبرى، فنحيل هذه المعجزة

[1] انظر المستدرك على الصحيحين 2/155.




380. صفحة

العظيمة معجزة المعراج إلى "رسالة المعراج" التي هي "الكلمة الحادية والثلاثون"؛ لأن تلك الرسالة قد أثبتت كم هذه المعجزة الكبرى نورانية وعالية وصحيحة ببراهين قطعية حتى أمام الملحدين، إلاَّ أننا سنتحدث عن سياحة بيت المقدس التي هي مقدمة لمعجزة المعراج وعن معجزة حصلت صبيحة المعراج بناء على طلب قريش منه r وصفَ بيت المقدس، وهي أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام أخبر قريشًا صبيحة المعراج عن المعراج، فكذَّبته قريش، وقالوا: "إن كنت ذهبت إلى بيت المقدس فصف لنا أبواب وجدران بيت المقدس وأحواله"، وقال الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام: "فَكربْتُ كُرْبًا لَمْ أكْربْ مِثْلَهُ قَطُّ، فَجَلَّى الله لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَكَشَفَ الْحُجُبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى رَأَيْتُهُ فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ"، فوجدت قريش آنذاك أنه يخبر عن بيت المقدس إخبارًا صحيحًا وكاملاً.

وكذلك قال الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام لقريش: "رأيت قافلة لكم وأنا في الطريق، وستصل قافلتكم غدًا في وقت كذا"، وطفقوا ينتظرون تلك القافلة في ذاك الوقت، وتأخرت القافلة ساعة، وتوقفت الشمس ساعة بتصديق أهل التحقيق ليكون إخبار الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام صدقًا[1]، أي إن الأرض عطلت سياحتها ووظيفتها ساعة لتُظهر أن كلامه حق، وأظهرت ذلك التعطيل بسكون الشمس.

أجل؛ إن الأرض الضخمة تترك وظيفتها لتصديق كلام واحد صدر من محمد العربي عليه الصلاة والسلام، وتكون الشمس الضخمة الهائلة شاهدة لها، فافهم مدى شقاء من لا يصدِّق شخصًا كهذا ولا يطيع أوامره، ومدى سعادة من يصدِّقه ويقول لأوامره "سمعنا وأطعنا"، وقل: الحمد لله على الإيمان والإسلام.


[1] انظر روايات ذلك في صحيح البخاري 4/1743، وصحيح ابن حبان 1/252، وسنن النسائي الكبرى 6/377.




381. صفحة

الإشارة الثامنة عشرة:

إن أعظم معجزة أبدية -جامعة لمئات من الدلائل النبوية، والتي أُثبِت إعجازها بأربعين وجها- للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام هي القرآن الحكيم.

وقد بيَّنت وأثبتت "الكلمة الخامسة والعشرون" المتعلقةُ ببيان هذه المعجزة الكبرى أربعين وجهًا من إعجازه مجملة في حوالي مائة وخمسين صفحة؛ لذا نحيل هذه المعجزة الكبرى التي هي مخزن المعجزات إلى تلك الكلمة، وسنبيِّن نكتتين أو ثلاث نكات.

النكتة الأولى:

إن قيل: إن إعجاز القرآن في بلاغته، وكان ينبغي أن يكون لجميع الطبقات نصيب من إعجاز القرآن، إلا أنه لا يمكن أن يفهم الإعجاز الموجود في بلاغته إلا عالم محقق واحد من بين ألف شخص؟

الجواب: إن للقرآن الحكيم نوعًا من الإعجاز لكل طبقة، ويُشعر بوجود إعجازه بشكل أو بآخر، فمثلاً:

إنه يُظهر لطبقة أهل البلاغة والفصاحة إعجازه في بلاغته الخارقة للعادة.

ويُظهر لطبقة أهل الشعر والخطابة إعجازه في الأسلوب البديع الغريب الجميل العالي، وهذا الأسلوب مع أن الجميع يُعجَب به إلاَّ أن أحدًا لا يستطيع تقليده، ولا يشيخ بمرور الزمان وهو أسلوب غض طري دائمًا، وهو نثر منظوم ونظم منثور يحمل سموًّا وحلاوة.

ويُظهر لطبقة الكهنة والمخبرين عن الغيب إعجازه في الإخبارات الغيبية الخارقة.

ويُظهر لطبقة أهل التاريخ وعلماء أحداث العالم إعجازه في الإخبار عن الأمم السالفة وأحداثها وفي الأحوال والأحداث المستقبلية والبرزخية والأخروية.

ويُظهر لطبقة علماء علم الاجتماع وأهل السياسة إعجاز القرآن في دساتيره القدسية. أجل؛ إن الشريعة الكبرى النابعة من القرآن تُظهر سر هذا الإعجاز.


382. صفحة

ويُظهر للطبقة التي توغلت في المعارف الإلهية والحقائق الكونية الإعجاز في الحقائق القدسية الإلهية في القرآن، أو يُشعر بوجود إعجازه.

ويُظهر القرآن لأهل الطريقة والولاية إعجازه في أسرار آياته التي هي في تموّج دائم كالبحر.

 وهكذا يفتح القرآن الكريم نافذة أمام كل طبقة من أربعين طبقة، ويُظهر إعجازه.

وحتى حينما يُقرأ القرآن على طبقة العوام التي تعتمد على أذنها وتفهم المعاني إلى حد ما، يصدِّق صاحب الأذنين بأنه لا يشبه الكتب الأخرى، ويقول هذا العامي: إما أن هذا القرآن تحت جميع الكتب التي سمعناها، وهذا ما لا يمكن أن يقوله حتى العدو، وهذا محال مائة في المائة، وإما هو فوق جميع الكتب التي نسمعها؛ إذن إنه معجزة.

فنحن سنوضِّح إلى حد ما هذا الإعجاز الذي فهمه هذا العامي ذو الأذنين لنساعده، كالآتي:

إن القرآن المعجز البيان لما ظهر تحدَّى العالم، وأثار في الناس رغبتين اثنتين شديدتين.

أولاهما: رغبة التقليد لدى أحبائه؛ أي الرغبة في التشبه بأسلوب القرآن الحبيب والرغبة في التحدث مثله.

ثانيتهما:رغبة النقد والمعارضة لدى أعدائه، أي رغبة إبطال دعوى الإعجاز بالمقابلة بمثل أسلوب القرآن، فبهاتين الرغبتين الشديدتين كُتبت ملايين من الكتب العربية، وهي في الميدان، فلو قُورِن أبلغ وأفصح هذه الكتب بالقرآن، لقال كل من سمع: "إن القرآن لا يشبه أيًّا من هذه الكتب"، إذن إن القرآن ليس بمستوى جميع تلك الكتب، إذن إن القرآن إما تحت جميع تلك الكتب، وهذا محال مائة بالمائة فضلاً عن أن أحدًا -حتى الشيطان-[1] لا يستطيع القول بذلك.


[1] إن المبحث الأول المهم من "المكتوب السادس والعشرين" هامشٌ وإيضاحٌ لهذه الجملة. (المؤلف).




383. صفحة

وإما فوقها؛ إذن إن القرآن المعجز البيان فوق جميع الكتب التي كُتبت.

ويُظهر القرآن الحكيم إعجازه حتى للطبقة الجاهلة العامية التي لا تفهم المعنى بعدم تسبب قراءته في السأم والملل.

أجل؛ إن هذا الرجل العامي الجاهل يقول: "لو استمعت إلى أجمل الأبيات وأشهرها مرتين أو ثلاث مرات لمللتها، وأما هذا القرآن لا يملّني أبدًا، بل يزيدني شوقًا إلى الاستماع إليه أكثر فأكثر، إذن فهو ليس بكلام بشر".

ويُظهر القرآن الحكيم إعجازه كذلك لطبقة الأطفال -الذين يسعون لحفظه- باستقرار القرآن الكبير في الذاكرات الصغيرة لهؤلاء الأطفال اللطيفين الضعفاء البسطاء -الذين لا يستطيعون أن يُبقوا في ذاكرتهم صفحة واحدة- بكمال السهولة على الرغم من وجود الآيات والجمل المتشابهة الكثيرة التي تسبِّب الالتباس والتشويش.

ويُشعر حتى المرضى والمحتضرين الذين يتأثرون من الكلام والضجيج -ولو قليلاً- نوعًا من إعجازه حيث إنهم يرون أن زمزمة وصدى القرآن لطيفة وجميلة كماء زمزم.

الحاصل:إن القرآن الحكيم يُظهر إعجازه بأربعين وجهًا لأربعين طبقة مختلفة وللناس المتباينين، أو يُشعرهم بوجود إعجازه، ولا يحرم أحدًا من ذلك.

وحتى إن هناك نوعًا من علامة الإعجاز القرآني موجها للطبقة التي لها عينان فقط[1] وليس لها أذن ولا قلب ولا علم، وهو: أن كلمات القرآن الذي كُتب وطُبع بخط الحافظ عثمان تنظر بعضها إلى بعض، فمثلاً:

لو ثُقبت الأوراق تحت كلمة ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ في سورة الكهف لرأينا كلمة ﴿قِطْمِيرٍ﴾ في سورة "فاطر" بانحراف طفيف، وسيظهر اسم ذلك الكلب.


[1] وجه الإعجاز تجاه الطبقة التي لها عينان فقط وليس لها أذن ولا قلب ولا علم بقي هنا مجملاً ومختصرًا وناقصًا، إلاَّ أن وجه الإعجاز هذا قد بُيِّن في "المكتوب التاسع والعشرين" و"المكتوب الثلاثين*" بصورة ساطعة نيرة ظاهرة باهرة، حتى إن العميان يمكنهم أن يروه، واستكتبنا مصحفًا يُظهر هذا النوع من الإعجاز، وسيُطبع بإذن الله، وسيرى الجميع هذا الوجه الجميل.

*كنا تصورنا ونوينا تأليف "المكتوب الثلاثين" بصورة باهرة، إلاَّ أنه قد ترك مكانه  لكتاب "إشارات الإعجاز"، ولم يَظهر هو نفسه. (المؤلف).   




384. صفحة

وكلمة ﴿مُحْضَرُونَ﴾ المكررة مرتين في سورة "يس" تظهران فوق بعضهما، وكلمتا ﴿لمُحْضَرُونَ﴾ في سورة "الصافات" تنظران إليهما، وفي نفس الوقت ينظر بعضها إلى بعضها الآخر، ولو ثُقب موضع إحداها لظهرت الكلمات الأخرى بانحراف طفيف.

وكلمتا ﴿مَثْنَى في ختام سورة "سبأ" وفي بداية سورة "فاطر" تناظر إحداهما الأخرى ولا يمكن أن يكون نظر كلمتي ﴿مَثْنَى بعضهما إلى بعض أمرًا تصادفيًّا وهي مكررة في القرآن ثلاث مرات فقط، وأمثال هذه النماذج كثيرة، وحتى إن كلمة واحدة في خمسة أو ستة أماكن يناظر بعضها بعضًا بانحراف يسير وراء الأوراق، ورأيت مصحفًا كتبت الجمل التي تنظر بعضها إلى بعض في الصفحات المتقابلة بلون أحمر، فقلت حينها: "هذه الحالة هي أيضا أمارة لنوع من المعجزة"، ثم رأيت فيما بعد أن هناك جُملا كثيرة للقرآن ينظر بعضها إلى بعض بحكمة تحت الأوراق المتعددة للقرآن.

إن هناك نوعًا من علامة الإعجاز في نقش القرآن الحكيم وخطه حيث إن ترتيب سور القرآن إنما هو بإرشاد النبي عليه الصلاة والسلام، وترتيب المصاحف المطبوعة المنتشرة هو بإلهام إلهي؛ لأن هذه الحالة ليست أمرًا تصادفيًّا، ولا نابعًا من تفكير البشر، ولكن هناك بعض الانحرافات بسبب نقصان الطباعة، فلو كانت الطباعة منتظمة انتظامًا تامًّا لوقعت الكلمات فوق بعضها تماما.

ولفظ الله الموجود في كل صفحة من صفحات السور المدنية المتوسطة والطويلة للقرآن

385. صفحة

كُرِّر تكرارًا بديعًا، وأظهر مناسبة عددية لطيفة ذات معان[1] [2] [3] [4]  على وجهي الورقة وفي الصفحات المتقابلة بالتكرار خمس مرات أو ست أو سبع أو ثماني أو تسع أو إحدى

[1] مع أن ألفاظ القرآن المزينة والمقفاة وأسلوبه الفصيح والبديع ومزايا البلاغة التي تجذب الأنظار إليه كثيرةٌ بالنسبة لأهل الذكر والمناجاة؛ فإنها تمنح جدية سامية وحضورًا إلهيًّا، وجمعًا للخواطر، ولا تسبب في الإخلال، والحال أن هذا النوع من مزايا الفصاحة والصنعة اللفظية والنظم والقافية يخل بالجدية والاطمئنان، ويشتِّت التركيز مع أنه يُشعر بالظرافة واللباقة، وحتى إنني كنت أقرأ مناجاة مشهورة للإمام الشافعي وهي ألطف المناجات وأكثرها جدية وأعلاها نظمًا وسبب رفع القحط والغلاء عن مصر، فرأيت أنها تخل بالجدية السامية للمناجاة؛ إذ إنها منظومة ومقفاة، وهي وِردي منذ ثماني أو تسع سنوات، فما استطعت أن أجمع بين الجدية الحقيقية وبين القافية والنظم التي فيها، وفهمت من هذا أن للقرآن نوعًا من الإعجاز في قوافيه الخاصة الفطرية الممتازة وفي نظمه ومزاياه؛ لذا فهو يحافظ على الجدية التامة والحضور الكامل، ولا يخل به، وإن أهل المناجاة والذكر وإن لم يفهموا هذا النوع من الإعجاز عقلاً فإنهم يشعرون به قلبًا. (المؤلف).

[2] إن سرًّا إعجازيًّا معنويًّا للقرآن المعجز البيان هو أن القرآن يبيِّن درجة الإيمان العظيمة الساطعة للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام الذي حظي بالاسم الأعظم، ويبيِّن ويعلِّم بأسلوب فطري المرتبة العالية للدين الحق العظيم الشامل السامي الذي يوضِّح الحقائق العالية لعالم الآخرة وعالم الربوبية كخريطة مقدسة، ويبيِّن خطاب خالق الكون بما لا حد له من العزة والعظمة باعتباره ربًّا لجميع الموجودات؛ فلا شك أنه لا تستطيع أن تناظر هذا النوع من الإفادة الفرقانية وهذا الطرز من البيان القرآني وتعارضه جميع العقول البشرية حتى ولو اتحدت وأصبحت عقلاً واحدًا بسر الآية ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾، "أين الثرى من الثريَّا"، لأنه لا يمكن أن يقلَّد أبدًا من حيث تلك الأسس الثلاثة، ولا يُناظَر. (المؤلف).

[3] إن الآيات تتم في ختام كل صفحة من صفحات القرآن الحكيم وتنتهي بفاصلة لطيفة جميلة، وسر ذلك هو أن آية المداينة التي هي أطول الآيات قد اتُّخِذَت مقياسًا للصفحات، وسورة الإخلاص وسورة الكوثر مقياسًا للسطور، لذا فقد ظهرت هذه المزية الجميلة للقرآن الحكيم وعلامة من علامات إعجازه. (المؤلف).  

[4] لقد اكتُفِي في مبحث هذا المقام بسبب مرض الاستعجال بالمواضع القليلة الجزئية جدا والنماذج القصيرة والأمارات الصغيرة لكرامة في غاية الأهمية والعظمة والعلو والسمو، وفي منتهى الزينة واللطافة والتحفيز والتشويق من حيث نجاح وتوفيق رسائل النور، مع أن تلك الحقيقة العظمى والكرامة اللطيفة المحبوبة تشكل باسم التوافق مع خمسة أو ستة أنواع لها سلسلةً من سلاسل كرامات رسائل النور، ولمعاتِ نوع من أنواع إعجاز القرآن المشاهَد بالعين، ومنبعَ إشارات للرموز الغيبية، ثم بعد فترة من الزمن استكتبنا مصحفا مذهَّبا يُظهِر لمعة إعجاز ناشئة عن توافق لفظ "الله" في القرآن، وألّفت الرسائل الثمانية القصيرة التي تسمى بـ" الرموزات الثمانية" في بيان المناسبات اللطيفة والإشارات الغيبية الناشئة عن توافق حروف القرآن، وكتبت كرامة من كرامات الغوث عبد القادر الجيلاني وثلاثة من كرامات سيدنا علي t وخمس رسائل باسم الإشارات القرآنية التي تصدق رسائل النور وتستحسنها وتقدر قيمتها بسر التوافق، بمعنى أنه قد أُحِسَّت تلك الحقيقة العظمى بإجمال في أثناء تأليف رسالة "المعجزات الأحمدية"، ولكن للأسف لم يَرَ المؤلف ولم يُظهر إلا ظفرًا من أظفارها، ثم انطلق دون أن ينظر خلفه. (المؤلف).




386. صفحة

عشرة مرة في أغلب الأحيان.

النكتة الثانية: فكما أن السحر كان هو الرائج في زمن سيدنا موسى u، لذا جاءت أعظم معجزاته بما يشبه السحر، وكان علم الطب هو الرائج في زمن سيدنا عيسى u، ولذلك جاءت أغلب معجزاته من ذلك الجنس، فكذلك كان أروج شيء في زمن سيدنا الرسول الأكرم r في الجزيرة العربية هو أربعة أمور:

أولها: البلاغة والفصاحة.

ثانيها: الشعر والخطابة.

ثالثها: الكهانة والإخبار عن الغيب.

رابعها: علم الحوادث الماضية والوقائع الكونية.

فعندما جاء القرآن المعجز البيان تحدى أصحاب هذه الأنواع الأربعة من المعلومات، فاضْطَرّ -أولا وقبل أي أحد- أهلَ البلاغة إلى أن يجثوا على ركبهم دفعة، فاستمعوا إلى القرآن بِحيرة وإعجاب.

ثم جعل أهل الشعر والخطابة في حيرة وإعجاب بحيث أذهلهم وأدهشهم وأبهرهم إبهارًا شديدًا وجعلهم يُنزِلون أفضل أشعارهم وهي المعلقات السبعة المشهورة المكتوبة بالذهب التي علقت على جدار الكعبة للافتخار، وحطّ من شأنها وقيمتها.

ثم إنه أسكت السحرة والكهان الذين يخبرون عن الغيب، وأنساهم أخبارهم الغيبية، وطرد جِنهم، وأنهى عهد الكهانة.

ثم إنه أنقذ من كان على علم ومعرفة بوقائع الأمم السالفة وأحوال العالم وحوادثه من الخرافات والأكاذيب، وعلَّمهم حوادث الزمن الماضي الحقيقية ووقائع العالم المنورة.

فهذه الطبقات الأربعة جثَتْ على ركبها أمام القرآن بكمال الإعجاب والإجلال، وأصبحت تلامذة له، ولم يقدر أن يقوم أحد منهم أبدًا بمعارضة سورة واحدة.

فإن قيل: كيف نعلم أن أحدًا لم يستطع معارضته، وأن المعارضة مستحيلة؟


387. صفحة

الجواب: لو كانت المعارضة ممكنة لكان هناك من حاول ذلك، لأن الحاجة إلى المعارضة كانت شديدة، فكان دينهم وأموالهم وأرواحهم وعيالهم في خطر، فلو حاولوا المعارضة لتخلصوا ونجوا، ولو كانت المعارضة ممكنة لحاولوا بالفعل، فلو كانوا حاولوا المعارضة لكان الكفار والمنافقون المساندون للمعارضة وهم كثيرون جدًّا ساندوا المعارضة والتزموا بها ونشروها لكل الناس، كما نشروا كل شيء ضد الإسلام، فلو كانوا قد نشروا ذلك وقاموا بالمعارضة لسُجِّلت في التاريخ والكتب بكل عظمة وزهو، فها هو ذا التاريخ والكتب في الميدان؛ لا يوجد في أي واحد منها سوى بضع فقرات لمسيلمة الكذاب، ومع ذلك فإن القرآن الحكيم قد تحداهم بطريقة تمس وترهم الحساس، وتثير العناد دائمًا خلال ثلاثة وعشرين سنة قائلا:

فائتوا بنظير للقرآن ومثله من أمي كمحمد الأمِّي r.

وإن لم تفعلوا، فليكن ليس أميًّا، بل عالِمًا وكاتبًا كبيرًا.

وإن لم تفعلوا ذلك أيضا، فليكن ليس واحدًا، فليجتمع كل علمائكم وبلغائكم وليتعاونوا، بل يساعدكم ويعينكم آلهتكم التي تعتمدون عليهم.

وإن لم تستطيعوا هذا أيضًا، فاستعينوا بالكتب البليغة المؤلفة قديمًا، وادعوا إلى معاونتكم الأجيال القادمة ثم ائتوا بمثل القرآن وأبرزوه.

وإن لم تفعلوا ذلك أيضًا، فأتوا بعشر سور مثلها وليس القرآن كله.

وإن لم تستطيعوا كذلك أن تأتوا بمثل عشر سور بشكل حقيقي وصادق، فليكن مركبًا من الحكايات والقصص المختلقة، وليكن مثل بلاغته ونظمه.

وإن لم تستطيعوا أن تفعلوا ذلك أيضا فأتوا بمثل سورة واحدة فحسب، ولا تكن طويلة، بل قصيرة، وإلا فإن دينكم وأرواحكم و أموالكم وعيالكم في خطر في الدنيا والآخرة!

ولقد تحدى القرآن جميع الإنس والجن ليس ثلاثة وعشرين سنة فحسب بل منذ ألف وثلاثمائة سنة بطريقة الإلزام في ثماني طبقات، تحداهم ومازال يتحدى، ولكن الكفرة

388. صفحة

الأوائل قد ألقوا بأنفسهم وأرواحهم وأموالهم وعيالهم إلى الخطر، واختاروا أخطر طريق وهو طريق الحرب، وتركوا أسهل طريق وأقصره وهو طريق المعارضة، إذن كانت المعارضة غير ممكنة.

فهل يسلك أي عاقل -وبخاصة الرجال الذين عاشوا في الجزيرة العربية في ذلك الزمان وبالأخص الرجال الأذكياء كالقرشيين- أصعب الطرق، ويترك الطريق الأقصر والأسهل ويلقي بنفسه وماله وعياله في الخطر والتهلكة، ويسلك أصعب الطرق إن كان من الممكن أن يأتي أديب من أدبائهم بمثل سورة واحدة من القرآن، وينقذ وينجي هؤلاء من هجوم القرآن وتحديه؟!

الحاصل: لم تكن المعارضة بالحروف ممكنة، لذا اضطروا إلى المحاربة بالسيوف كما قال الجاحظ المشهور.

فإن قيل: إن بعض العلماء المحققين قالوا: "إنه لا يمكن معارضة سورة واحدة من القرآن، بل آية، بل جملة، بل كلمة منه، ولم يحدث ذلك أبدًا"، فإننا نرى أن هذه الأقوال مبالغ فيها، ولا يقبلها العقل، لأن في كلام البشر جمل تشبه جمل القرآن، فما حكمة هذا القول؟

الجواب: هناك مذهبان في إعجاز القرآن:

المذهب الأول: وهو المذهب الراجح ومذهب أكثر العلماء القائل: إن لطائف البلاغة ومزايا المعاني في القرآن فوق طاقة البشر وقدرتهم.

المذهب الثاني: وهو المذهب المرجوح القائل: إن معارضة سورة واحدة من القرآن هي ضمن قدرة البشر وطاقتهم، ولكن الحق تعالى صرف البشر عن ذلك كمعجزة للرسول الأكرم r، فكما أن رجلا يستطيع أن يقوم على رجليه، ولكن إذا قال نبي لهذا الرجل كعلامة معجزة له: لن تقوم، فإنه لن يستطيع أن يقوم ويكون هذا معجزة، ويُسمَّى هذا المذهب المرجوح بـ"مذهب الصرْفَة"، أي إن الحق تعالى صرف الجن والإنس

389. صفحة

عن أن يقدروا على أن يأتوا بمثل سورة من القرآن، فلو لم يصرفهم ويمنعهم لأتى الجن والإنس بمثل سورة منه، فقول العلماء القائلين بأنه لا يمكن الإتيان بمثل كلمة من القرآن هو حقيقة حسب هذا المذهب؛ لأن الحق تعالى صرفهم عن ذلك من أجل الإعجاز، ولا يستطيعون أن يتفوهوا في المعارضة، وحتى لو تفوهوا فإنهم لا يستطيعون أن ينطقوا بكلمة بدون الإذن الإلهي.

أما حسب المذهب الراجح ومذهب الأغلبية فإن الرأي الذي بينه العلماء له وجه دقيق وهو:

إن كلمات القرآن الحكيم وجمله تنظر بعضها إلى بعضها الآخر، فتنظر كلمة واحدة أحيانًا إلى عشرة مواضع، فتكون فيها عشر نكت بلاغية وعشر مناسبات، كما بينا في التفسير المسمى بـ"إشارات الإعجاز" بعض الأمثلة من تلك النكات في بعض جمل سورة الفاتحة وفي جمل صدر سورة البقرة، فمثلا: إن وُضِع حجر بمنزلة العقدة لجميع النقوش المتعددة والمختلفة في جدار قصر منقوش مزين حيث ينظر إلى كل النقوش وترتبط بها جميعًا، يتوقف ذلك على معرفة الجدار مع نقوشه، وكما أن وضع بؤبؤ العين في رأس الإنسان يتوقف على معرفة مناسبات وعلاقات جميع أجزاء الجسد بعضها ببعض ووظائفه العجيبة وموقف العين تجاه تلك المناسبات والوظائف، كذلك فإن قسما من أهل الحقيقة الذين تقدموا كثيرا في سبر أغوار الحقائق قد رأوا كثيرا جدًّا من المناسبات والعلاقات بين كلمات القرآن، والوجوه التي تنظر إلى سائر الآيات والجمل، وبخاصة علماء علم الحروف، فقد تقدموا في هذا الأمر كثيرا، وبينوا لمن هم أهل لذلك في كل حرف من حروف القرآن بقدر صفحة من الأسرار وأثبتوا ذلك.

فبما أنه كلام خالق كل شيء فإن كل كلمة من كلماته يمكن أن تكون بمنزلة القلب والنوى، أي يمكن أن تكون كقلب للجسد المعنوي المتكون من الأسرار، ونواة لشجرة معنوية.


390. صفحة

أجل؛ قد يوجد في كلام البشر كلمات مثل كلمات القرآن، بل مثل جمله وآياته، ولكن كلمات القرآن قد وضعت في مكانها بمراعاة مناسبات وعلاقات كثيرة جدًّا بينها، فلا بد من علم محيط حتى يضعها في موضعها.

النكتة الثالثة: قد أنعم الحق تعالى ذات يوم تفكرًا حقيقيًّا على قلبي بعبارات عربية من أجل بيان ماهية القرآن المعجز البيان مجمَلة كخلاصة الخلاصة.

والآن سنكتب ذلك التفكر باللغة العربية كما هو، ثم نبين معانيه.

"سُبْحَانَ مَنْ شَهِدَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَصَرَّحَ بِأَوْصَافِ جَمَالِهِ وَجَلاَلِهِ وِكَمَالِهِ القُرْآنُ الحَكِيمُ المُنَوَّرة جِهَاتُهُ السِّتُّ الحَاوِي لِسِرِّ إِجْمَاعِ كُلِّ كُتُبِ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ وَالمُوَحِّدِينَ المُخْتَلِفِينَ فِي الأَعْصَارِ وَالمَشَارِبِ وَالمَسَالِكِ المُتَّفِقِينَ بِقُلُوبِهِمْ وَعُقُولِهِمْ عَلَى تَصْدِيقِ أَسَاسَاتِ القُرْآنِ وَكُلِّيَّاتِ أَحْكَامِهِ عَلَى وَجْهِ الإِجْمَالِ، وَهُوَ مَحْضُ الوَحْيِ بِإِجْمَاعِ المُنْزِلِ وَالمُنْزَلِ وَالمُنْزَلِ عَلَيْهِ، وَعَيْنُ الهِدَايَةِ بِالبَدَاهَةِ، وَمَعْدنُ أَنْوَارِ الإِيمَانِ بِالضَّرُورَةِ، وَمَجْمَعُ الحَقَائِقِ بِاليَقِينِ، وَمُوصِلٌ إِلَى السَّعَادَةِ بِالعَيَانِ، وَذُو الأَثْمَارِ الكَامِلة بِالمُشَاهَدَةِ، وَمَقْبُولُ المَلَكِ وَالإِنْسِ وَالجَانِّ بِالحَدْسِ الصَّادِقِ مِنْ تَفَارقِ الأَمَارَاتِ وَالمُؤَيَّدِ بِالدَّلاَئِلِ العَقْلِيَّةِ بِاتِّفَاقِ العُقَلاَءِ الكَامِلِينَ، وَالمُصَدَّقِ مِنْ جِهَةِ الفِطْرَةِ السَلِيمَةِ بِشَهَادَةِ اطْمِئْنَانِ الوِجْدَانِ، وَالمُعْجِزَةُ الأَبَدِيَّةُ البَاقِي وَجْهُ إِعْجَازِهِ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ بِالمُشَاهَدَةِ، وَالمُنْبَسِطة دَائِرَةُ إِرْشَادِهِ مِنَ المَلأِ الأَعْلَى إِلَى مَكْتَبِ الصِّبْيَانِ يَسْتَفِيدُ مِنَ عَيْنِ دَرْسِ المَلاَئِكَةِ مَعَ الصَّبِيِّينَ، وَكَذَا هُوَ ذُو البَصَرِ المُطْلَقِ يَرَى الأَشْيَاءِ بِكَمَالِ الوُضُوحِ وَالظُّهُورِ، وَيُحِيطُ بِهَا وَيُقَلِّبُ العَالَمَ فِي يَدِهِ، وَيَعْرِّفُهُ لَنَا كَمَا يُقَلِّبُ صَانِعُ السَّاعَةِ السَّاعَةَ فِي كَفِّهِ وَيُعَرِّفُها لِلنَّاسِ، فَهَذَا القُرْآنُ العَظِيمُ الشَّأنِ هُوَ الذِّي يَقُولُ مُكَرَّرًا: "اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ".

فتوضيح معاني هذا التفكر هو:

إن الجهات الست للقرآن المعجز البيان مشرقة ساطعة منورة لا يمكن أن تدخلها الأوهام والشبهات؛ لأن وراءه العرش الأعظم فهو يستند إليه، ففي تلك الجهة نور

391. صفحة

الوحي، وأمامه وفي هدفه سعادة الدارين، وهو قد مد يده إلى الأبد والآخرة، أمامه الجنة ونور السعادة.

وفوقه يسطع ويتلألأ ختم الإعجاز.

ومن تحته أعمدة البراهين والأدلة.

وباطنه الهداية الخالصة المحضة.

ويمينه يسوق العقول بعبارات" أَفَلاَ يَعْقِلُونَ" المكررة إلى النطق بـ"صَدَقْتَ"

وشِماله يمنح القلوبَ الأذواقَ الروحانية، فيستشهد الضمائر ويسوقها إلى قول "بارك الله".

فمن أي زاوية من زوايا القرآن المعجز البيان وجهاته يستطيع أن يتسلل لصوص الأوهام والشبهات؟!

أجل؛ إن القرآن المعجز البيان جامع لسر إجماع كتب الأنبياء والأولياء والموحدين المختلفين في العصور والمشارب والمسالك، أي إن جميع أهل القلب والعقل هؤلاء قبلوا وذكروا مجمل أحكام القرآن وأساساته في كتبهم مصدقين إياها، بمعنى أنهم كجذور لشجرة القرآن السماوية.

وإن القرآن يستند إلى الوحي، وهو وحي؛ لأن الله تعالى ذا الجلال الذي أنزل القرآن يظهر ويثبت بواسطة معجزات الرسول الأكرم r أن القرآن وحي، والقرآن النازل هو أيضا يُبين بما يَظهر عليه من الإعجاز أنه يأتي من العرش، وإن ارتباك المنزل عليه وهو الرسول الأكرم r في بداية نزول الوحي، واضطرابه في أثناء نزول الوحي، وإخلاصه وتعظيمه للقرآن أكثر من أي أحد، يدل على أن القرآن وحي ينزل عليه ضيفًا من الأزل.

ثم إن ذلك القرآن محض هداية، لأن خلافه وضده ضلالة الكفر بالمشاهدة.

ثم إن ذلك القرآن معدن الأنوار الإيمانية بالضرورة، فلا شك أن عكس الأنوار الإيمانية الظلمات، وقد أثبتنا هذا في كثير من "الكلمات" و"الرسائل" إثباتًا قاطعًا. 


392. صفحة

ثم إن القرآن مجمع الحقائق باليقين، ولا تستطيع الخرافات والخيالات أن تتسلل إليه.

أجل؛ إن القرآن يثبت أنه عين الحقائق حتى في مباحثه المتعلقة بعالم الغيب كما في مباحثه المتعلقة بعالم الشهادة، وأنه ليس فيه تناقض بشهادة العالم الإسلامي المشبع بالحقائق الذي شكَّله، والشريعة الراسخة العريقة التي أظهرها، والكمالات السامية التي تحلّى بها.

ثم إن القرآن يوصل إلى سعادة الدارين بالعيان وبلا شبهة، ويسوق البشر إليها، فمن لديه شبهة فليقرأ القرآن وليستمع إليه مرة واحدة ماذا يقول!

ثم إن ثمرات القرآن خارقة رائعة تنبض بالحياة، إذن إن شجرة القرآن تكون قد أرسلت جذورها في الحقائق، وهي نابضة بالحياة؛ لأن حياة الثمرة تدل على حياة الشجرة، فانظر كم أثمر من الثمرات الكاملة الرائعة ذات الحياة والنور كالأصفياء والأولياء في كل العصور!

ثم إن القرآن مقبول الإنس والجن والملك ومرغوب لديهم بالحدس والقناعة الناشئين عن أمارات متفرقة غير محدودة؛ بحيث إنه إذا قرئ يلتفون حوله كالفراش بالاشتياق واللهفة.

ثم إن القرآن محكم ومؤيد بالدلائل العقلية فضلا عن أنه وحي.

نعم إن اتفاق العقلاء الكاملين شاهد على ذلك، وقد أثبت العلماء متفقين وعلى رأسهم أئمة علم الكلام وعباقرة الفلسفة كابن سينا وابن رشد أساسات القرآن بأصولهم ودلائلهم.

والقرآن مصدق من حيث الفطرة السليمة، فكل فطرة سليمة تصدقه إن لم يكن عندها مشكلة أو سقم ومرض؛ لأن اطمئنان الوجدان وراحة القلب إنما يحصلان ويتمّان بأنواره، إذن فإن الفطرة السليمة تصدقه بشهادة اطمئنان الوجدان. 


393. صفحة

أجل؛ إن الفطرة تقول للقرآن بلسان حالها: "إن كمال فطرتنا لا يحصل ولا يتم بدونك"، وهذه الحقيقة قد أثبتناها في كثير من المواضع.

ثم إن القرآن معجزة أبدية خالدة بالمشاهدة وبالبداهة، ويظهر عليه كل حين إعجازه، ولا ينطفئ ولا يخبو كالمعجزات الأخرى، ولا ينقضي وقته وأجله، فهو أبدي خالد.

ثم إن في مراتب إرشاد القرآن سعة، بحيث يتلقى سيدنا جبريل في درس واحد الدرس عينه مع طفل صغير جنبًا إلى جنب، ويأخذان حظهما منه، ويقرأ أذكى فيلسوف كابن سينا الدرس عينه مع عامي من أهل التلاوة والقراءة جنبًا إلى جنب ويأخذان حظهما، وقد يستفيد أحيانا رجل عامي بقوة الإيمان وصفائه استفادة أكثر من ابن سينا.

ثم إن في القرآن عينًا ترى وتشاهد الكون كله، وتحيط به، وتستوعب الكون كصفحات الكتاب، وتبين طبقاته وعوالمه، فكما أن الساعاتي يقلب ساعته، ويفتحها، ويريها ويعرّفها، فالقرآن كذلك قد أمسك الكون بين يديه يقلبه ويعرفه ويريه.

فهذا هو القرآن العظيم الشأن حيث يقول) فاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله(، ويعلن الوحدانية.

اللَّهُمَّ اجْعَلِ القُرْآنَ العَظِيمَ لَنَا فِي الدُّنْيَا قَرِينًا، وَفِي القَبْرِ مُؤْنِسًا، وَفِي القِيَامَةِ شَفِيعًا، وَعَلَى الصِّرَاطِ نُورًا، وَمِنَ النَّارِ سِتْرًا وَحِجَابًا، وَفِي الجَنَّةِ رَفِيقًا، وَإِلَى الخَيْرَاتِ كُلِّهَا دَلِيلاً وَإِمَامًا. اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا وَقُبُورَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَالقُرْآنِ، وَنَوِّرْ بُرْهَانَ القُرْآنِ بِحَقِّ وَبِحُرْمَةِ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مِنَ الرَّحْمَنِ الحَنَّانِ، آمِينَ.

 


394. صفحة

الإشارة التاسعة عشرة ذات النكتة:

لقد أُثبِت في الإشارات السابقة إثباتًا قاطعًا لا ريب فيه أن الرسول الأكرم r رسول الله.

وإن محمدا العربي r الثابتة رسالته بآلاف الدلائل القاطعة هو أسطع دليل وأقطع برهان باهر على وحدانية الله والسعادة الأبدية، فسنعرض هنا في هذه الإشارة تعريفًا موجزًا مجملا كخلاصة الخلاصة لذلك الدليل المشرق الساطع والبرهان الناطق الصادق؛ وبما أنه r دليل ونتيجته معرفة الله، فلا بد من معرفة الدليل ووجه دلالته، إذن فنحن سنبين وجه دلالته r وصحته بخلاصة مختصرة جدًّا، وذلك كالآتي: فكما أن الرسول الأكرم r دليل بذاته على وجود خالق الكون ووحدته كما تدل موجودات هذا الكون عليه جل وعلا، فإنه أعلن بلسانه دلالته الشخصيَّة ودلالة جميع موجودات الكون، وبما أنه دليل فسنشير إلى حجّية هذا الدليل r واستقامته وصدقه وأحقيته في "خمسة عشر أساسًا".

الأساس الأول: إن هذا الدليل الذي يدل على صانع الكون بذاته ولسانه وبدلالة أحواله ومقاله مصدَّق من حيث حقيقة الكون وصادق؛ لأن دلالة جميع الموجودات على الوحدانية هي بمنزلة تصديق بمن يعلن الوحدانية، بمعنى أنه مصدَّق من قبل الكون كله في دعواه التي يعلنها، وأن الوحدانية الإلهية التي هي الكمال المطلق والسعادة الأبدية التي هي الخير المطلق موافقة ومنسجمة ومطابقة لحسن وكمال جميع حقائق العالم، إذن فلا بد أنه r صادق في دعواه.

إذن إن الرسول الأكرم r برهان ناطق لوحدانية الله والسعادة الأبدية، وصادق ومصدَّق.

الأساس الثاني: وبما أن ذلك الدليل الصادق المصدَّق له آلاف المعجزات أكثر من جميع الأنبياء، وشريعة لا تُنسَخ ودعوة شاملة لجميع الجن والإنس، إذن فلابد أنه رئيس جميع الأنبياء عليهم السلام، وبما أنه كذلك فلابد أنه جامع لسر جميع معجزات الأنبياء واتفاقهم، بمعنى أن قوة إجماع جميع الأنبياء وشهادة معجزاتهم تشكل نقطة استناد لصدقه وأحقيته r.

وإنه r سلطان وأستاذ جميع الأولياء والأصفياء الذين بلغوا مرتبة الكمال بتربيته وإرشاده ونور شريعته، فهو إذن جامع لسر كراماتهم، وتصديقهم بالإجماع، وقوة

395. صفحة

تحقيقاتهم، لأنهم سلكوا وساروا في الطريق الذي شقه أستاذهم ومعلمهم وترك بابه مفتوحًا، فوجدوا الحقيقة، إذن فجميع كراماتهم وتحقيقاتهم وإجماعهم تشكل نقطة استناد لصدق أستاذهم المقدس وأحقيته.

ثم إن برهان الوحدانية ذلك -كما تَبيَّن في الإشارات السابقة- له معجزات باهرة قطعية يقينية وإرهاصات خارقة ودلائل نبوة لا شك ولا ريب فيها، حيث إنها تصدقه تصديقًا لو اجتمع جميع الكون لما استطاع أن يبطل تصديقها له.

الأساس الثالث: إن ذلك الداعي إلى الوحدانية والمبشر بالسعادة الأبدية ذا المعجزات الباهرة، له أخلاق عالية في ذاته المباركة، وسجايا سامية في وظيفة رسالته، وخصال غالية في الشريعة والدين اللذين يقوم بتبليغهما بحيث يصدقه r حتى أعدى أعدائه، ولا يستطيع أن يجد مجالا لإنكاره.

وبما أن له أسمى الأخلاق وأحسنها، وأرفع السجايا وأكملها، وأغلى الخصال وأفضلها في ذاته ووظيفته ودينه؛ فلا ريب أنه مثال الكمالات الكامنة في الموجودات، ومثال الأخلاق العالية وممثلها وتمثالها وأستاذها ومعلمها.

إذن فهذه الكمالات التي في ذاته ووظيفته ودينه نقطة استناد قوية متينة لأحقيته وصدقه، لا تتزعزع أبدًا.

الأساس الرابع: إن ذلك الداعي إلى الوحدانية والسعادة الذي هو معدن الكمالات ومعلم الأخلاق العالية لا ينطق من تلقاء نفسه ولا عن هواه، وإنما يُنطق، نعم؛ إن خالق الكون هو الذي يُنطِقهr، فهو يتلقى الدرسَ من أستاذه الأزلي ثم يعلم الآخرين، لأن خالق الكون قد أظهر وبين بآلاف الدلائل للنبوة -المذكور بعضها في الإشارات السابقة- وبِخَلْقِه له جميع تلك المعجزات أنه r إنما ينطق باسمه جل وعلا، ويبلِّغ كلامه.

وأما القرآن المنزل عليه فيبين بأربعين وجهًا للإعجاز الظاهر عليه والباطن فيه أنه r ترجمان الحق تعالى.

ثم إنه r يبين بكل إخلاصه وتقواه، وجديته وأمانته، وسائر أحواله وأطواره في ذاته أنه لا ينطق ولا يتحدث باسمه هو ولا من بنات أفكاره هو، بل ينطق ويتكلم باسم خالقه.

ثم إن جميع أهل الحقيقة الذين استمعوا إليه قد صدَّقوه بالكشف والتحقيق وآمنوا به بعلم اليقين أنه لا ينطق من تلقاء نفسه ولا عن هواه، وإنما يُنطِقه خالق الكون، ويعلِّمه، ويجعله يعلِّم الناس، إذن إن صدقه وأحقيته يستندان إلى إجماع هذه الأسس الأربعة القوية المتينة الراسخة.


396. صفحة

الأساس الخامس: ثم إن ذلك الترجمان للكلام الأزلي يرى الأرواح، ويتحدث مع الملائكة، ويرشد الجن والإنس أيضا، فلا يتلقى العلم من عالم الإنس والجن، بل يتلقاه من فوق عالم الأرواح والملائكة، وله علاقات واطلاع فيما وراء تلك العوالم، فمعجزاته التي سبق ذكرها وسيرته المنقولة إلينا بتواتر قاطع قد أثبتت هذه الحقيقة، إذن فلا يتدخل فيما يخبره ويبلغه لا الجن ولا الأرواح ولا الملائكة بل حتى الملائكة المقربون ما عدا جبريل u ، بخلاف تدخلهم فيما يخبر به الكهنة ومن يخبرون عن الغيب، حتى إنه يسبق سيدنا جبريل u الذي هو رفيقه في أكثر الأحيان ويتقدمه.

الأساس السادس: إن ذلكم الرسول الذي هو سيد الْمَلَك والجن والإنس هو أنور ثمار شجرة الكون وأكملها، وتمثال الرحمة الإلهية، ومثال المحبة الربانية، أنور برهان للحق، وأسطع سراج للحقيقة، ومفتاح طلسم الكون، وكشَّاف مُعَمَّى الخلقة، وشارح حكمة العالم، والداعي إلى السلطنة الإلهية والمعلِنُ لها، ووصَّاف محاسن الصنعة الربانية وإبداعاتها، وأكمل نموذج للكمالات التي في الموجودات من حيث استعداداته الجامعة، إذن فإن أوصافه وشخصيته المعنوية تشير بل تدل على أنه العلة الغائية للكون، أي إن خالق هذا الكون نظر إلى تلكم الشخصية وخلق الكون، أي يمكن القول إنه سبحانه وتعالى لو لم يخلقه لما خلق الكون كذلك.

أجل؛ إن الحقائق القرآنية والأنوار الإيمانية التي أتى بها إلى الجن والإنس، وما يتحلَّى به من أخلاق عالية وكمالات سامية شاهد قاطع على هذه الحقيقة.

الأساس السابع: إن ذلك البرهان للحق والسراج للحقيقة قد أظهر دينًا وشرعًا جامعين للدساتير المحقِّقة لسعادة الدارين، ومع جامعيتهما هذه قد بيَّنا حقائق الكون ووظائفه وأسماء خالق الكون وصفاته بيانًا حقًّا.

فهذا الإسلام وتلك الشريعة محيطان وكاملان، ويعرِّفان الكون مع تعريف نفسيهما بحيث إن كل من ينعم النظر في ماهيتهما يدرك بلا شك أن ذلك الدين هو بيان وبلاغُ خالق هذا الكون الجميل الذي يعرِّفه.

فكما أن بنّاء قصر ما يصنع تعريفًا لائقًا بذلك القصر، ويكتب وصفًا كي يظهر نفسه بأوصافه، فكذلك تظهر في هذا الدين وتلك الشريعة المحمدية إحاطة وعلو وأحقية تشير إلى أنهما قد صدرا عن قلم خالق الكون ومدبره، فالذي دبر هذا الكون ونظّمه تدبيرًا وتنظيمًا بديعًا هو الذي نظم هذا الدين تنظيمًا رائعًا.


397. صفحة

أجل؛ إن ذلك النظام الأكمل البديع يتطلب هذا النَّظْم الأجمل.

الأساس الثامن: إن محمدًا العربي r المتصف بالصفات المذكورة المستند إلى نقاط استناد قوية لا تتزعزع أبدًا، يعلن باسم عالم الغيب متوجهًا إلى عالم الشهادة على رءوس الجن والإنس، ويخاطب الأقوام والشعوب القابعة وراء العصور القادمة والقرون الآتية، وينادي نداءً يُسمِع به جميعَ الجن والإنس وجميع الأماكن وجميعَ العصور، أجل إننا نسمعه.

الأساس التاسع: إنه يخاطب خطابًا عاليًا قويًّا تَسمعه العصور كلها، أجل؛ إن كل عصر يسمع رجع صداه.

الأساس العاشر: ثم إنه يظهر من سيرة تلكم الشخصية وحياتها وسلوكها أنها ترى ثم تخبر بما ترى؛ لأنه في أصعب الأوقات وأخطرها تتكلم بكمال الثقة وبلا تردد ولا اضطراب وارتباك، وأحيانًا تتحدى وحدها العالم.

الأساس الحادي عشر: إنه يدعو بكل قوته دعوة قوية؛ يسوق معها نصف الأرض وخمس البشر إلى القول "لبيك" استجابة لصوته، وأنطقهم بـ "سمعنا وأطعنا".

الأساس الثاني عشر: إنه يدعو بجدية ووقار ويربي تربية راسخة بحيث ينقش دساتيره على جباه العصور وأحجار الأقطار، ويخلِّدها في وجوه الدهور ويؤبدها.

الأساس الثالث عشر: إنه يتكلم ويدعو بكل ثقة واطمئنان معتمِدًا على قوة ومتانة الأحكام التي يبلغها، بحيث لو اجتمع العالم لما استطاع أن يعدل به، أو يتراجع عن حكم من أحكامه ولا يستطيع أن يجعله نادمًا، والشاهد على هذا تاريخ حياته وسيرته السَّنِيّة كلها.

الأساس الرابع عشر: إنه يدعو ويبلّغ بكل اطمئنان وثقة، بحيث إنه لا يبقى تحت منة أحد، ولا يضطرب ولا يجزع أمام أية مشكلة، ويعمل بالأحكام التي أتى بها قبل أي أحد بكمال الإخلاص والصدق وبلا تردد، ويقبل بها، ثم يعلنها، والشاهد على ذلك هو ما اشتهر لدى الأصدقاء والأعداء من زهده واستغنائه عن الناس، وترفعه عن زينة الدنيا الفانية.

الأساس الخامس عشر: إن إطاعته للدين الذي أتى به قبل كل أحد، وعبوديته لخالقه أكثر من أي أحد، واتقاءه واجتنابه المنهيات أكثر من أي أحد، كل ذلك يدل دلالة قاطعة على أنه مبلّغ لسلطان الأزل والأبد ورسول له، وأخلص عبد لذلكم المعبود الحق، وترجمان للكلام الأزلي.


398. صفحة

ونتيجة هذه الأسس الخمسة عشر هي:

إن هذه الشخصية المتصفة بالصفات المذكورة تقول بكل قوتها في جميع حياتها مكررة ودائمًا )فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ(، وتعلن الوحدانية.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ بِعَدَدِ حَسَنَاتِ أُمَّتِهِ.

سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ

 

يَا اللهُ، يَا رَحْمَانُ، يَا رَحِيمُ، يَا فَرْدُ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا حَكَمُ، يَا عَدْلُ، يَا قُدُّوسُ، بِحَقِّ اسْمِكَ الأَعْظَمِ وَفُرْقَانِكَ الأَحْكَمِ وَرَسُولِكَ الأَكْرَمِ اجْعَلْ طَلَبَةَ رَسَائِلِ النُّورِ نَاشِرِينَ لأَسْرَارِ القُرْآنِ، وَقلُوبَهُمْ مُظْهِرَةً لأَنْوَارِ الإِيمَانِ، وَوَفِّقْهُمْ وَسَدِّدْهُمْ للاسْتِقَامَةِ عَلَى السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ وَالطَّرِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَاجْعَلْهُمْ سعداء فَي الدَّارَيْنِ، آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ.

 

إكرامٌ إلهيٌّ وأثرُ عنايةٍ ربانيةٍ

نقول على أمل أن نحظى بمضمون الآية)وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ( [سورة الضحى:11]:

سأذكر أثر عناية الله تعالى ورحمته في تأليف هذه الرسالة "رسالة المعجزات الأحمدية"، حتى ينظر القراء إليها باهتمام.

لم يكن في قلبي ونيتي تأليف هذه الرسالة البتة، لأنه كان قد كتب حول الرسالة الأحمدية الكلمتان "الحادية والثلاثون" و"التاسعة عشر"، فإذا بخاطر مجبِر يخطر على قلبي لتأليف هذه الرسالة، فكانت قوة ذاكرتي قد ضعفت نتيجة المصائب، ولم أسلك فيما كتبت حسب مشربي طريق النقل "قال، وقيل" ولم تكن عندي كتب الأحاديث والسيرة، مع ذلك بدأت بتأليفها قائلاً "توكلت على الله"، فرافقني التوفيق وساعدتني ذاكرتي أكثر من قوة ذاكرة سعيد القديم، فكُتِب بسرعة في كل ساعتين أو ثلاث ساعات ثلاثون أو أربعون صفحة، كانت تُكتَب في ساعة واحدة خمس عشرة صفحة، وكانت الروايات والنقول من كتب الإمام البخاري ومسلم والبيهقي والترمذي والشفاء للقاضي عياض، ودلائل النبوة لأبي نعيم والطبراني والطبري، وكان قلبي يرتجف؛ إذ لو

399. صفحة

كان في النقل خطأ لكان ذلك إثمًا؛ لأنه حديث شريف، ولكن تبين لنا أن فيها عناية إلهية، وأن هناك حاجة إلى هذه الرسالة، فنرجو من الله تعالى أن تكون قد كُتبَت كتابة صحيحة إن شاء الله، فأرجو من إخواني إذا وُجِد خطأ في بعض ألفاظ الأحاديث أو في أسماء الرواة، أن يصححوا وينظروا بعين المسامحة.

سـعيد النورسي

أجل؛ لقد كان أستاذنا يملي علينا ونحن نكتب المسودة، وما كان لديه أي كتاب، وما كان يرجع إلى كتاب ما، فكان فجأة يقول في منتهى السرعة، ونحن نكتب، وقد كنا نكتب خلال ساعتين أو ثلاث ساعات أكثر من ثلاثين أو أربعين صفحة، مما أعطانا قناعة أن هذا التوفيق كرامة للمعجزات النبوية على صاحبها الصلاة والسلام.

 

 خادمه الدائم           خادمه وكاتب المسودة          كاتب المسودة وأخوه في الآخرة     

عبد الله جاويش              سليمان سامي                       الحافظ خالد     

 

أخوه وكاتب المسودة والتبييض

 الحافظ محمد توفيق الشامي

400. صفحة

الذيل الأول من "المعجزات الأحمدية"

ولأن "الكلمة التاسعة عشرة" حول الرسالة الأحمدية وذيلها حول معجزة انشقاق القمر، قد أُدرجا هنا بمناسبة المقام.  

بسم الله الرحمن الرحيم

تتضمن اللمعة الرابعة عشرة هذه أربع عشرة رشحة:

الرشحة الأولى: هناك ثلاثة معرِّفات كلية عظيمة تُعرِّف لنا ربنا:

إحداها: كتابُ الكون هذا، حيث استمعنا إلى نبذة من شهادته في ثلاث عشرة لمعة من الدرس الثالث عشر([1]) من رسائل النور.

ثانيتها: خاتمُ الأنبياء عليه الصلاة والسلام، الذي هو الآية الكبرى لكتاب الكون الكبير هذا.

ثالثتها: القرآنُ العظيم الشأن.

والآن ينبغي أن نتعرف على البرهان الناطق الثاني، الذي هو خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، ونستمع إليه.

أجل؛ فانظر إلى الشخص المعنوي لهذا البرهان؛ تر أن سطح الأرض أصبح له مَسْجِدًا، ومكة المكرمة محرابًا، والمدينة المنورة منبرًا، ذلك البرهان الباهر نبينا عليه الصلاة والسلام إمامٌ لجميع أهل الإيمان، وخطيبٌ لكل البشر، ورئيس لجميع الأنبياء، وسيد لكل الأولياء، ورئيسُ حلقة ذكر مكوّنة من جميع الأنبياء والأولياء، هو الذي أصبحت شخصيته المعنوية شجرة نورانية، عروقها النابضة بالحياة هي الأنبياء كلهم، وثمراتها الطرية هي الأولياء جميعهم، بحيث يصدق دعوته كل الأنبياء المستندين إلى معجزاتهم، وكل الأولياء المعتمدين على كراماتهم، ويوَقِّعون على تصديقها؛ إذ إن نبينا هذا - عليه الصلاة والسلام - يقول ويدعي “لا إله إلا الله”، فكل أولئك الذاكرين النورانيين الذين

[1] أي إنها مذكورة في كتاب “المدخل إلى عالم النور”.

 



401. صفحة

اصطفوا على اليمين والشمال، أي الماضي والمستقبل، يرددون نفس الكلمة، ويقولون معنويًا بالإجماع: صدقت، وبالحق نطقت، فأنى لوهم أن يتدخل ويدخل أصابعه في مُدّعىً كهذا مؤيَّد بما لا يحدّ من توقيعات التصديق. 

الرشحة الثانية: إن ذلك البرهان التوحيدي النوراني كما أنه مؤيد بإجماع وتواتر كلاَ الجناحين؛ فهو مؤيّد كذلك بتأييد وتصديق مئات الإشارات للكتب السماوية([1]) كالتوراة والإنجيل، وبآلاف رموزات الإرهاصات، وبالإشارات المشهورة للهواتف، وبالشهادات المتواترة للكَهَنة، وبدلالات آلاف معجزاته كشَقّ القمر، وبأحقية شريعته، وكذلك أخلاقُه الحميدة الكاملة في ذاته، وسجاياه الغالية في منتهى الحسن عند أداء وظيفته، وتقواه الخارقة للعادة، وعبوديته الخارقة، وجدِّيته الخارقة للعادة، ومتانته الخارقة للعادة المظهرة لكمال أمانته وقوة إيمانه وغاية اطمئنانه ونهاية وثوقه، والدالة على ذلك.

كل ذلك يُظهرُ عيانا كالشمس أنه صادق للغاية في دعواه.

الرشحة الثالثة: إن شئتَ فهلمَّ نذهب إلى جزيرة العرب، وإلى عصر السعادة، لنَزُور ولو خيالا الرسول الأكرم - عليه الصلاة والسلام - ونشاهده على رأس وظيفته.

فها انظر، إنه يلوح لنا من يمتاز بحسن السيرة وجمال الصورة، بيده كتاب معجز، وفي لسانه خطاب كله حقائق، يبلّغ خطبة أزلية لجميع بني آدم، بل للجن والإنس والملائكة، بل لكل الموجودات، ويجيب بإجابات مقنعة ومقبولة على الأسئلة الثلاثة المعضلة المدهشة العظيمة التي هي: مَن أنت؟ ومن أين تأتي؟ وإلى أين تذهب؟ التي تُسأل عنها كلُّ الموجودات، والتي شَغَلت العقول وأوقعتها في الحيرة، حالًّا وشارحًا المُعَمَّى العجيب لسرّ خلقة العالم، وفاتحا وكاشفا الطلسم المغلق لسر الكون.

الرشحة الرابعة: انظر إلى ضياء الحقيقة الذي ينشره؛ فإن نظرت إلى الكون بعيدًا خارجًا عن تلك الدائرة النورانية لحقيقة إرشاده رأيت أن صورة الكون بمنزلة مأتم عام، وأن

[1] قد استخرج حسين الجسري مائة وأربع عشرة إشارة من تلك الكتب في كتابه “الرسالة الحميدية”، فإذا كان هنالك مثل هذا الكم بعد التحريف؛ فلا شك أن إشارات صريحة كثيرة كانت موجودة من قبله.  

 




402. صفحة

الموجودات أجانب وغريب بعضها عن بعض، بل أعداء، وأن الجامدات جنائز مدهشة مرعبة، وأن كل ذوي الحياة بمنزلة أيتام باكين من صفعات الزوال والفراق.

ثم انظر، إن ذلك المأتم العام انقلب بفضل النور الذي نشره ذلكم الشخص الكريم إلى مجلس ذكر مفعم بالشوق والجذبة([1])، وإن تلك الموجودات التي كانت تبدو أعداء وغريب بعضها عن بعض اتخذت صورة أحباب وإخوان، وإن تلك الجامدات الميتة الصامتة اتخذت وضع موظفات مؤنسات وخادمات مسخَّرات، وإن أولئك الأيتام الغرباء الباكين الشاكين اتخذوا صورة ذاكرين مسبِّحين، أو صورة شاكرين مُسرَّحين من وظائفهم.              

الرشحة الخامسة: ثم إن كل الحركات والتنوعات والتبدلات والتغيرات الموجودة في الكون ارتقت وسمت بذلك النور إلى مرتبة مكتوبات ربانية، وصحيفة آيات كونية، ومرايا للأسماء الإلهية، بعدما تجردت من التفاهة، ومن العبث، ومن كونها ألعوبة للمصادفة، وسما العالم كذلك وارتقى بذلك النور إلى مرتبة كتاب حكمة صمدانية.

 ثم إنه إذا ما تنوّر بذلك النور كلٌّ من ضعف الإنسان وعجزه وفقره واحتياجاته التي لا حد لها، والتي تُسقطه إلى ما دون جميع الحيوانات، وتنوَّر بذلك النور عقلُه الذي يجعله أشقى من جميع الحيوانات، والذي يكون واسطة نقل الحزن والألم والغم، فسيسمو الإنسان إلى درجة فوق جميع الحيوانات، بل فوقَ جميع المخلوقات، وسيصبح الإنسان بالتضرع سلطانًا مكرمًا، وبالابتهال خليفة عزيزًا كريمًا في الأرض بعدما تنوّر عجزه وفقره وعقله بذلك النور.

إذن؛ إنه إن لم يوجد ذلك النور لانْحَطَّ كل شيء حتى الكون وحتى الإنسان إلى درجة العبثية والتفاهة.

أجل؛ إنه يلزم وجود شخص عظيم كهذا لكونٍ بديع كهذا، وإلا لوجب ألا يوجد الكون والأفلاك.


[1] الجذبة: النشوة والانجذاب.

 



403. صفحة

الرشحة السادسة: فهذا الشخص الكريم لكونه مخبرًا عن سعادة أبدية ومبشرًا بها، وكاشفًا ومعلنًا عن رحمة لا نهاية لها، وداعيًا إلى سلطنة الربوبية ومشاهدها، وكشّافًا عن كنوز الأسماء الإلهية وعارضَها، فإن نظرت إليه بهذه النظرة؛ أي من جهة عبوديته فإنك ستراه مثالا للمحبة، ونموذجا مجسَّدا للرحمة، وشرفًا للإنسانية وأكثر ثمار شجرة الخلقة نورانية.

وإن نظرت إليه من جهة أخرى؛ أي من جهة رسالته، فإنك ستراه برهانًا للحق وسراجًا للحقيقة وشمسًا للهداية ووسيلة للسعادة، فها انظر كيف أن نوره أحاط بالشرق والغرب كالبرق، وأن نصف الأرض، وخمس البشر قبِل هدية هدايته بحيث فدتها الأرواح والمهج، فما لنفسنا وشيطاننا لا يقبلان بـ“لا إله إلا الله” بكلّ مراتبها، التي هي أساس كل قضية ذلكم الشخص.

الرشحة السابعة: فها انظر كيف أن هذا الشخص استأصل ورفع دفعةً واحدةً وبسرعة في هذه الجزيرة الواسعة العاداتِ السيئة الوحشية لأولئك الأقوام المتنوعين المتوحشين والمتعصبين لعاداتهم والعنيدين، وخَلَّقَهم بكلّ الأخلاق الحسنة، فجعلهم معلمين لكل العالم وأساتذة للأمم المتحضرة.

وها انظر إنه لم يحقق ذلك بتسلط صوري عليهم، بل فتح وسخّر العقول والأرواح والقلوب والنفوس، وأصبح محبوب القلوب، ومعلم العقول، ومربي النفوس، وسلطان الأرواح.

الرشحة الثامنة: إنك تعلم أن عادة صغيرة كالتدخين في طائفة صغيرة لا يستطيع أن يرفعها بتاتا إلا حاكم عظيم، وبهمَّة عظيمة، بينما هذا الشخص يرفع بجهد بسيط ظاهريا وبهمة صغيرة وفي زمن قليل عادات كبيرة وكثيرة في أقوام كثيرين وعنيدين ومتعصبين، ويغرز ويرسِّخ مكانها سجايا عالية بصورة ثابتة، وكأنها تجري مجرى الدم في عروقهم، ويقوم بأعمال خارقة وكثيرة جدا مثل هذه.

وها نُدخل الجزيرةَ العربية في أعين الذين لا يرون ذلك العصرَ عصرَ السعادة! هيا فليأخذوا معهم مئات من الفلاسفة، ولْيَذهبوا إلى هناك، ولْيَعملوا مائة عام، فهل يمكنهم

404. صفحة

يا ترى أن يقوموا بواحد في المائة مما قام به هذا الشخص الكريم في غضون سنة واحدة بالنسبة إلى ذلك الزمان؟

الرشحة التاسعة: ثم إنك تعلم أنه لا يمكن لرجل قليل الشأن بحيثيته البسيطة على جماعة صغيرة، وفي مسألة بسيطة، وقضية متنازَعٍ فيها أن يكذب كذبةً صغيرةً بل مخجِلة بلا حجاب وبلا خوف أمام أعدائه إلى حدٍّ لا يُشعِرهم بحيلته من غير قلق وارتباك.

فانظر الآن إلى هذا الشخص الكريم؛ هل من الممكن أن يوجد زيف في كلماته التي يقولها بلهجة شديدة عالية تثير حفيظة أعدائه كموظف عظيم جدًّا في وظيفة عظيمة جدًّا وبحيثية كبيرة جدًّا وهو في أمَسِّ الحاجة إلى أمن وأمان كبيرين جدًّا وسط جماعة كبيرة جدًّا وتجاه عداوة شديدة جدًّا في مسائل كبيرة جدًّا، وفي قضايا كبيرة جدًّا، وفي ثقة وحرية كبيرة جدًّا بلا خوف ولا تردد وبلا حجاب ولا ارتباك، وبصفاء صادق وجدية عظيمة؟ وهل من الممكن أن تشوبها حيل وخداعات؟ كلاَّ: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (سورة النجم ٥٣/٤)

نعم إن الحق لا يَخدع، وإن الذي يرى ويبصر الحقيقة لا ينخدع، وإن مسلكه - عليه الصلاة والسلام - الحق مستغن عن الحيلة والخدعة.

فأنّى للخيال أن يبدو كالحقيقة في عين من يبصر الحقيقة ويخدعه.

الرشحة العاشرة: وانظر كم هو يُظهر ويثبت حقائق ومسائل مدهشة ولازمة وضرورية، وجاذبة ومثيرة لحب الاستطلاع، وإنك لتعلم أن أكثر ما يثير ويستفز الإنسان هو حب الاستطلاع، حتى إن قيل لك إنه إن تُعطِ نصف عمرك ونصف مالك، فسيأتي أحدهم من القمر وكوكب المشترى ويخبرك بما فيهما من أحوال وأوضاع، و يخبرك أيضًا بصدق عما سيحدث في مستقبلك وعما سيصيبك، فإن كان لك حب استطلاع لأعطيت له نصف عمرك ونصف مالك فعلا.

والحال أن هذا الشخص يذكر أخبارا عن سلطان؛ القمرُ في ملكه يدور كذبابة حول فراشة، والفراشة التي هي الأرض تطير حول سراج، والسراج الذي هو الشمس ما هو إلا مصباح بين آلاف المصابيح في دار ضيافةٍ مِن آلاف منازل ذلك السلطان.


405. صفحة

ثم إنه يتحدث عن عالم عجيب بصورة حقيقية، ويخبر عن انقلاب عظيم؛ بحيث إنه لو أصبح آلاف من أمثال الكرة الأرضية قنابل وانفجرت؛ لم تكن أعجب من ذلك العالم ومن ذلك الانقلاب، فاستمع على لسان هذا الشخص الكريم سوَرًا مثل: ﴿إذا الشمس كورت﴾ (سورة التكوير 81/1) و﴿إذا السماء انفطرت﴾ (سورة التكوير 82/1) و﴿القارعة﴾ (سورة التكوير 101/1).

ويخبر أيضًا عن مستقبل بصورة صادقة؛ بحيث إن هذا المستقبل الدنيوي ما هو إلا بمنزلة قطرة سراب بالنسبة إليه.

ثم إنه يخبر إخبارا جادًّا للغاية عن سعادة بحيث إن كل السعادة الدنيوية بالنسبة إليها كبرق زائل بالنسبة إلى الشمس السرمدية.

الرشحة الحادية عشرة: إنه لتنتظرنا بلا شك ولا ريب عجائب كهذه تحت الحجاب الظاهري لهذا الكون العجيب ذي الأسرار والألغاز، فلا بد من وجود شخص فذ فريد يظهر معجزات ليخبر عن مثل هذه العجائب، ثم إنه يتضح من أحوال وسلوك هذا الشخص الكريم أنه قد رأى، وأنه يرى ويقول ما رآه، ثم إنه يدرس لنا ويعلمنا بصورة سليمة مُتقَنة جِدًّا درسَ: ماذا يريد منا إله هذه السماوات والأرض الذي يسبغ علينا نعمه؟ وما هي مرضياته؟

فما الذي أصاب أكثر الناس حتى إنهم صمّوا وعَموا، بل أصبحوا مجانين فلا يرون هذا الحق، ولا يسمعون هذه الحقيقة، ولا يفهمونها في حين ينبغي ترك كل شيء والإقبال على هذا الشخص والإصغاء إليه، وهو الذي يعلمنا حقائق ضرورية كثيرة جدا مثيرة لحب الاستطلاع كالحقائق السابقة.

الرشحة الثانية عشرة: إن هذا الشخص الكريم وكما أنه برهانٌ ناطقٌ حقٌّ ودليل صادق بدرجة أحقية وحدانية خالق الموجودات؛ فإنه كذلك برهان قاطع ودليل ساطع على الحشر والسعادة الأبدية، بل كما أن هذا الشخص هو سبب الحصول على السعادة الأبدية ووسيلة الوصول إليها بهدايته؛ فكذلك هو سبب وجود تلك السعادة ووسيلة إيجادها بدعائه وتضرعه. 


406. صفحة

ونذكر هنا مرة أخرى بمناسبة المقام هذا السر الذي ذُكر في قضية الحشر: فها انظر؛ إن ذلكم الشخصَ يدعو في صلاة كبرى، وكأنما جزيرة العرب هذه بل الأرض تصلي بصلاته العظمى وتتضرع.

وانظر إنه يتضرّع ويبتهل في جماعة عظمى؛ كأنما الأشخاص الكاملون النورانيون من بني آدم منذ زمن آدم عليه السلام إلى عصرنا وإلى يوم القيامة يقتدون به باتباعه، ويؤمّنون على دعائه.

وانظر إنه يدعو لتحقيق حاجة عامة؛ وكأنما يشترك في تضرعه وابتهاله ليس أهل الأرض فقط بل أهل السماوات، بل الموجودات كلها، قائلين: نعم آمين ياربنا، ونحن كذلك نطلب ونسأل.

ثم إنه يبتهل ابتهالا مِلؤُه افتقار وحزن ومحبوبية واشتياق وتضرع؛ بحيث يُبكي الكون كلَّه ويشركه في دعائه.

وانظر إنه يدعو لمقصد ولغاية دعاءً يرفع الإنسانَ والعالم بل المخلوقات كلها من أسفل سافلين ومن السقوط ومن التفاهة ومن العبثية إلى أعلى عليين؛ أي إلى مرتبة ذات قيمة وإلى البقاء، وإلى الوظائف السامية.

وانظر إنه يسأل ويتضرع ببكاء يَتَّسِم بالاستمداد والاستغاثة وبدعاء وابتهال حلو ملؤه استرحام ورجاء؛ وكأنما يُسمع به كل الموجودات والسماوات والعرش ويهيّج به وجدها([1])، ويجعلها تقول لدعائه آمين اللهم آمين.

وانظر إنه يسأل ويطلب حاجاته من قدير سميع كريم، وعليم بصير رحيم، يرى أخفى حاجة وتضرع لأخفى ذي حياة بالمشاهدة ويَسمعه ويستجيبه ويرحمه؛ لأنه يعطي ما يسأله

- ولو كان بلسان الحال - يعطيه بصورة ملؤها الحكمة والبصيرة والرحمة؛ بحيث لا تترك مجالا للشبهة بأن هذه التربية وهذا التدبير خاصَّان بمن هو سميع وبصير، وبمن هو كريم ورحيم.


[1] وجدها: عشقها وولهها.

 



407. صفحة

الرشحة الثالثة عشرة: يا ترى ماذا ينشد ويطلب ويسأل هذا الداعي الذي هو أشرف نوع الإنسان، وفريد الكون والزمان، وبحق فخرٌ للكائنات واقفًا على الأرض جامعًا خلفه جميع أفاضل بني آدم رافعًا يديه متوجهًا إلى العرش الأعظم؟ انظر واستمع: إنه يسأل السعادة الأبدية ويطلب البقاء ويريد اللقاء ويطلب الجنة، وإنه يطلب معها جميع الأسماء الإلهية القدسية التي تُظهِر أحكامَها وجمالها في مرايا الموجودات، حتى إنه لولم توجد الأسباب الموجبة غير المحدودة لذلك المطلوب كالرحمة والعناية والحكمة والعدالة، لتسبب دعاءٌ واحدٌ لذلكم الشخص في بناءِ تلك الجنة التي إيجادها خفيف على قدرة خالقنا كخفة إيجاد ربيعنا.

نعم؛ وكما أن رسالة هذا الشخص أصبحت سببا في فتح دار الامتحان هذه، كذلك فإن عبوديته سببٌ في فتح الدار الآخرة.

فيا ترى هل يقبل الانتظام الفائق المشهود الذي جعل أهل العقل والتحقيق يقولون [ليس في الإمكان أبدع مما كان] وكذلك حسنُ الصنعة الذي لا قصور فيه، والذي يتجلى في تلك الرحمة، وكذلك جمالُ الربوبية الذي لا مثيل له، هل يقبل كل ذلك مثلَ هذا القبح ومثل هذه القساوة ومثل هذه الفوضى؛ بحيث إن الحق تعالى يسمع باهتمام لأدنى الرغبات والأصوات جزئيةً وأهميةً ويحققها، ثم لا يسمع أكثر الرغبات أهمية وأكثرها ضرورة كأنه لا أهمية لها ولا يفهمها ولا يحققها، حاشا وكلا، ثم حاشاه مائة ألف مرة، فجمال كهذا لا يقبل قبحًا كهذا، ولا يكون قبيحًا.

فيا صديقي الخيالي، هذا كاف الآن، فلنعد إلى الوراء، وإلا فلو أننا مكثنا مائة عام في ذاك الزمان وفي تلك الجزيرة لما أحطنا إحاطة كاملة ولو بواحد في المائة من غرائب أعمال وعجائب وظائف ذلك الشخص الكريم، ولا شبعنا من مشاهدته.

والآن أقبل: لننظر إلى كل العصور التي سنعرِّج عليها في عودتنا واحدا فواحدا، وانظر كيف أن كل عصر قد تفتح أزهارًا بالفيض الذي اقتبسه من شمس الهداية تلك، وأثمر ملاين الثمار المنورة كأمثال أبي حنيفة والشافعي وأبي يزيد البسطامي والشيخ الجيلاني

408. صفحة

والشيخ النقشبندي والإمام الغزالي والإمام الرباني، ونؤجل تفصيلات مشهوداتنا إلى وقت آخر، ولنصلِّ على هذا الشخص الهادي ذي المعجزات بالصلوات التي تشير إلى قسم من معجزاته القطعية الثبوت.

عَلَى مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْفُرْقَانُ الْحَكِيمُ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنَ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَلْفُ أَلْفِ صَلاَةٍ وَأَلْفُ أَلْفِ سَلاَمٍ بِعَدَدِ حَسَنَاتِ أُمَّتِهِ، وَعَلَى مَنْ بَشَّرَ بِرِسَالَتِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَبَشَّرَتْ بِنُبُوَّتِهِ الْإِرْهَاصَاتُ وَهَوَاتِفُ الْجِنِّ وَأَوْلِيَاءُ الإِنْسِ وَكَوَاهِنُ الْبَشَرِ وَانْشَقَّ بِإِشَارَتِهِ الْقَمَرُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَلْفُ أَلْفِ صَلاَةٍ وَأَلْفُ أَلْفِ سَلاَمٍ بِعَدَدِ أَنْفَاسِ أُمَّتِهِ، وَعَلَى مَنْ جَاءَتْ لِدَعْوَتِهِ الشَّجَرَةُ وَنَزَلَ سُرْعَةً بِدُعَائِهِ الْمَطَرُ وَأَظَلَّتْهُ الْغَمَامَةُ مِنَ الْحَرِّ وَشَبِعَ مِنْ صَاعٍ مِنْ طَعَامِهِ مِئَاتٌ مِنَ الْبَشَرِ وَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ كَالْكَوْثَرِ وَأَنْطَقَ الله لَهُ الضَّبَّ وَالظَّبْيَ وَالْجَذْعَ وَالذِّرَاعَ وَالْجَمَلَ وَالْجَبَلَ وَالْحَجَرَ وَالْمَدَرَ صَاحِبِ الْمِعْرَاجِ وَمَا زَاغَ الْبَصَرُ سَيِّدِنَا وَشَفِيعِنَا مُحَمَّدٍ أَلْفُ أَلْفِ صَلاَةٍ وَأَلْفُ أَلْفِ سَلاَمٍ بِعَدَدِ كُلِّ الْحُرُوفِ الْمُتَشَكِّلَةِ فِي الْكَلِمَاتِ الْمُتَمَثِّلَةِ بِإِذْنِ الرَّحْمَنِ فِي مَرَايَا تَمَوُّجَاتِ الْهَوَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ قَارِئٍ مِنْ أَوَّلِ النُّزُولِ إِلىَ آخِرِ الزَّمَانِ وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا يَا إِلَهَنَا بِكُلِّ صَلاَةٍ مِنْهَا... آمين

 

وقد بَيَّنتُ دلائل النبوة الأحمدية التي أشرنا إليها إجمالا في هذه الكلمة (أي هذه الرسالة) في رسالة باللغة التركية مسماة بـ“شعاعات معرفة النبي” وفي “المكتوب التاسع عشر”، وقد ذُكرت فيها وجوه الإعجاز للقرآن الحكيم إجمالا، وكذا قد بينت إجمالا في رسالة باللغة التركية مسماة بـ“لمعات” وفي “الكلمة الخامسة والعشرين” أن القرآن معجز بأربعين وجهًا، وقد أشرت فيهما إلى هذه الوجوه، وقد كتبت وجها واحدا فقط من تلك الوجوه الأربعين وهو بلاغته من ناحية النظم في أربعين صفحة من تفسيري باللغة العربية المسمى بـ“إشارات الإعجاز”، فإن كانت لك حاجةٌ فيمكنك أن تراجع هذه الكتب الثلاث.


409. صفحة

الرشحة الرابعة عشرة: إن القرآن الحكيم الذي هو مخزن المعجزات والمعجزة الكبرى يثبت النبوة الأحمدية والوحدانية الإلهية إثباتًا قاطعًا؛ بحيث لا يدع حاجة إلى برهان آخر، ونحن بدورنا نشير إلى تعريفه، وإلى لمعة أو لمعتين من إعجازه الذي أصبح موضع نقد.

فالقرآن الحكيم الذي يعرِّف لنا ربنا هو: الترجمة الأزلية لهذا الكتاب الكبير للكون، والترجمان الأبدي لألسنتها التاليات للآيات التكوينية، ومفسر كتاب عالم الغيب والشهادة، وكشَّاف لكنوز معنوية للأسماء المستترة المخفيَّة في صحائف الأرض والسماوات، ومفتاح للحقائق المضمرة بين سطور الحادثات، ولسان عالم الغيب في عالم الشهادة، وخزينة للالتفاتات الأبدية الرحمانية، والخطابات الأزلية السبحانية الموجودة وراء حجاب هذا العالم، والآتية من عالم الغيب، وشمس العالم المعنوي للإسلام وأساسه وهندسته، وخريطة مقدسة للعالم الأخروي، والقول الشارح، والتفسير الواضح، والبرهان القاطع، والترجمان الساطع لذات الله، وصفاته وأسمائه وشئونه، ومربّ للعالم الإنساني، وماء وضياء للإسلامية التي هي الإنسانية الكبرى، والحكمة الحقيقية لنوع البشر، والمرشد الهادي الحقيقي للبشر؛ حيث يسوقهم إلى السعادة.

ثم إنه للإنسان كتاب شريعة، وكتاب حكمة، وكتاب دعاء، وكتاب عبودية، وكتاب أمر ودعوة، وكتاب ذكر، وكتاب فكر، وهو كتاب واحد مقدَّس جامع يتضمن كتبًا كثيرة تستحق أن تكون مرجعًا لجميع حاجات البشر المعنوية.

وكذلك هو كتاب سماوي بمنزلة مكتبة مقدسة يبرز للمشارب المتباينة لجميع الأولياء والصديقين ولجميع العارفين والمحققين، ولمسالكهم المختلفة - كل على حدة - رسالة لائقة بمذاق كل واحد من تلك المشارب، وقادرة على تنويرها وموافقة لمساق كل واحد من تلك المسالك وقادرة على تصويرها.

فانظر إلى لمعة الإعجاز في تكراراته التي يتوهمها بعضهم سببا للقصور؛ فلأن القرآن كتاب ذكر، وكتاب دعاء، وكتاب دعوة، فإن التكرار فيه مستحسن بل ضروري جدًّا وبليغ للغاية، وليس كظن أهل التقصير، إذ إن شأن الذكر تنوير بالتكرار، وشأن الدعاء تقرير بالترديد، وشأن الأمر والدعوة تأكيد بالتكرار. 


410. صفحة

وكذا ولأنه لا يقدر كل فرد على أن يقرأ القرآن الكريم كله في كل وقت، ولكنه غالبا ما يستطيع قراءة سورة واحدة، لذا فإن أهم المقاصد القرآنية أدرجت في معظم السور الطويلة حتى أصبحت كل سورة بمنزلة قرآن صغير، بمعنى أنه قد كُرِّر فيه بعض المقاصد كالتوحيد والحشر وقصة موسى عليه السلام حتى لا يَحرِم القرآنُ أحدا.

وكذا فإن الحاجات المعنوية متنوعة كتنوع الاحتياجات الجسمانية، فالإنسان يحتاج إلى بعضها في كل نَفَسٍ كـ“الهواء” للجسم و“هُوَ” للروح، وإلى بعضها في كل ساعة كـ“باسم الله”، وهكذا فتكرار الآيات إذن ينشأ عن تكرر الاحتياج.

 فيكررها - القرآن الكريم - بالإشارة إلى ذلك الاحتياج لكي يوقظ الإنسان ويشوّقه إلي الأمور المكررة، ولكي يحرك الاشتياق والاشتهاء إليها.

وكذا إن القرآن مؤسِّس، وإنه أسس لدين مبين، وهو أساسات لهذا للعالم الإسلامي ، وهو مغير للحياة الاجتماعية البشرية، وجواب للأسئلة المكررة لمختلف الطبقات البشرية، ولابد للمؤسس من التكرار للتثبيت، ولابد له من الترديد للتأكيد، ولابد له من التقرير والتحقيق والتكرار للتأييد.

وهكذا فإن القرآن الكريم يذكر ويتحدث عن مسائل عظيمة وحقائق دقيقة؛ إذ لابد من التكرار مرات كثيرة وفي صور مختلفة؛ لترسيخها وتثبيتها في قلوب الجميع، ومع ذلك فإنه تكرارٌ صورةً، إلا أنه في الحقيقة: لكل آية معانٍ غزيرة، وفوائد جمة ووجوه وطبقات كثيرة، تُذكَر في كل مقام من أجل معنى وفائدة ومقصد خاص يختلف عن الآخر.

وأما إبهام القرآن وإجماله في بعض المسائل الكونية فهو لمعة إعجاز إرشادية، ولا يمكن أن يكون مدار انتقاد كما يتوهمه أهل الإلحاد، وليس بسبب تقصير.

فإن قلتَ: يا ترى لماذا لا يتحدث القرآن الحكيم عن الموجودات كما تتحدث الفلسفة؟ ولماذا يترك بعض المسائل مجمَلة ويذكر بعض المسائل بصورة مبسطة واضحة

411. صفحة

وظاهرة بحيث ينسجم مع النظر العمومي، ولا يجرح الحس العام، ولا يُتعب فكر العوام ولا يرهقه؟

فنقول مُجيبين:

إن الفلسفة ضلت طريق الحقيقة؛ لذا فإنك قطعا قد فهمت من الدروس والكلمات السابقة أن القرآن الحكيم يتحدث عن هذا الكون ليخبر عن الذات والصفات والأسماء الإلهية، أي ليفهّم معاني كتاب الكون هذا ويعرّف بخالقها، إذن فالقرآن لا ينظر إلى الموجودات لنفسها بل ينظر إليها لِمُوجِدها، ومع ذلك يخاطب الجميع.

أما العلوم والحكمة فتنظر إلى الموجودات من أجل الموجودات، فضلا عن أنها تخاطب أهل العلوم خاصة.

إذن؛ وبما أن القرآن الحكيم يجعل الموجودات دلائل وبراهين؛ فلابد من أن يكون الدليل ظاهرا وواضحًا، وأن يكون مفهومًا بسهولة ويسر لدى نظر الجميع.

وبما أن القرآن مرشد يخاطب جميع طبقات البشر، وبما أن أكثر الطبقات عددا هي طبقة العوام، فحتما يقتضي الإرشاد أن يُجمِلَ الأشياء الفضولية بالإبهام، وأن يقرِّبَ الأشياء الدقيقة بالتمثيل، وألا يغير الأشياء البديهية في نظرهم الظاهري السطحي بصورة فضولية بل مضرة؛ لكيلا يوقعهم في المغالطات.

فمثلا: يقول عن الشمس؛ إنها سراج ومصباح يدور، فهو لا يتحدث عن الشمس لذات الشمس ولا لماهيتها، بل يتحدث عن كونها لَوْلَبًا لانتظام، ومركزا لنظام نوعًا ما، إذ الانتظام والنظام مرآة لمعرفة الصانع.

أجل إنه يقول: ﴿والشمس تجري﴾ فبتعبير ﴿تجري﴾ هذا يُفهِّم عظمة الصانع بتذكير التصرفات المنتظمة للقدرة الموجودة في دوران الشتاء والصيف والليل والنهار، إذن فإن هذا الجريان والدوران مهما كانت حقيقته لا يؤثر في الانتظام المقصود والمنسوج والمشهود. 


412. صفحة

وكذلك يقول: ﴿وجعلنا الشمس سراجا﴾، فبتعبير ﴿سراجا﴾ هذا يصور العالمَ كقصر، وما فيه من أشياء كمزينات ومطعومات ولوازم قد هُيِّئت للإنسان ولذوي الحياة، والشمسَ كقنديل مسخر، وبهذا يُفَهِّم رحمةَ الخالق وإحسانه.

وانظر الآن ماذا تقول هذه الفلسفة السخيفة الثرثارة؟ إنها تقول: إن الشمس كتلة عظيمة مائعة نارية تجعل الكواكب المتطايرة منها تدور حولها، وإن جسامتها هكذا، وماهيتها كذا وكذا، فلا تعطي الروحَ كمالا علميًّا، بل دهشة مُوَحشَةً وحيرة مذهلة، ولا تتحدث عنها كما يتحدث القرآن، فقياسا على هذا تفهم مدى قيمة المسائل الفلسفية الفارغة باطنا والمطنطنة ظاهرًا، فلا تخدعنك صورتها المزينة، فتسيء الأدب إلى البيان المعجز للقرآن.

إخطار: للرشحة الرابعة عشرة من رسائل النور التي ألفت باللغة العربية ست قطرات، وللقطرة الرابعة - على وجه الخصوص - ست نكات تبين خمسة عشر نوعا من أنواع إعجاز القرآن الحكيم البالغة حوالي أربعين إعجازًا؛ اختصرناها هنا مكتفين بها، فإن شئت فارجع إليها تجد كنوزا من المعجزات.

اَللَّهُمَّ اجْعَلِ الْقُرْآنَ شِفَاءً لَنَا مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَمُؤْنِسًا لَنَا فِي حَيَاتِنَا وَبَعْدَ مَمَاتِنَا، وَفِي الدُّنْيَا قَرِينًا وَفِي الْقَبْرِ مُؤْنِسًا وَفِي الْقِيَامَةِ شَفِيعًا وَعَلَى الصِّرَاطِ نُورًا وَمِنَ النَّارِ سِتْرًا وَحِجَابًا وَفِي الْجَنَّةِ رَفِيقًا وَإِلىَ الْخَيْرَاتِ كُلِّهَا دَليِلا وَإِمَامًا بِفَضْلِكَ وَجُودِكَ وَكَرَمِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ آمين. اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْفُرْقَانُ الْحَكِيمُ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. آمين.


413. صفحة

ذيل الكلمتين "التاسعة عشرة" و "الحادية والثلاثين"

حول معجزة انشقاق القمر

باسم الله الرحمن الرحيم

)اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القمر _ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ( [القمر:1-2].

إن الفلاسفة ومقلديهم الحمقى البلهاء الذين يريدون أن يخسفوا بالأوهام الفاسدة معجزة انشقاق القمر التي هي معجزة ساطعة كالبدر من معجزات الرسول الأكرم r يقولون: لو كان قد وقع انشقاق القمر لعلمه العالم أجمع، ولنقله التاريخ البشري وذكره؟

الجواب: إن انشقاق القمر قد أُظهر إظهارًا مؤقتًا في الليل في وقت الغفلة كي يكون دليلاً لدعوى النبوة أمام جماعة حاضرين شاهدين قد سمعوا بتلك الدعوى وأنكروها، وقد كانت الحضارة لم تنتشر في ذلك الزمان ولم تتقدم، بل ظلت منحصرة، وكانت الأرصاد الجوية والفلكية قليلة بسيطة جدًّا، إضافة إلى وجود أسباب تحول دون رؤية القمر كاختلاف المطالع، ووجود الضباب والسحاب، لذا فليس من الضروري أن يُرَى في جميع أنحاء العالم ويُسجَّل في التاريخ أجمع.

فاستمع الآن إلى "خمس نقاط" من النقاط الكثيرة التي ستزيل سحب هذه الأوهام عن وجه انشقاق القمر:

النقطة الأولى: إن القرآن الحكيم قد أعلن لجميع العالم هذه الحادثة بقوله )وَانْشَقَّ القَمَرُ( وعلى الرغم من أن عناد كفار ذلك الزمان والمكان الشديد جدًّا معلوم ومشهور في التاريخ فإنه لم يستطيع أحد من أولئك الكفار المنكرين للقرآن أن يكذّب بهذه الآية، أي إنهم لم يستطيعوا أن يتفوهوا بشيء في إنكار هذه الحادثة التي أخبرت عنها الآية، فلو لم تكن هذه الحادثة قد وقعت بالفعل وثابتة قطعًا لدى الكفار في ذلك الزمان،

414. صفحة

لكانوا كذبوا بها تكذيبًا كبيرًا ولهجموا على إبطال دعوى النبوة متذرعين بهذا القول، ولكن لم تنقل كتب التاريخ والسيرة حول هذه الحادثة أيَّ شيء عن الكفار فيما يتعلق بعدم وقوع تلك الحادثة، ولكن الذي نُقِل إلينا أن الكفار الذين شهدوا تلك الحادثة ورأوها قالوا إنه سحر كما تُبيِّن الآية )وَيَقُولُوا سِحْر مُّسْتَمِرٌّ(، وقد أظهر لنا السحر، فإن كانت القوافل في الأنحاء الأخرى قد رأتها فهي حقيقة، وإلا فهو قد سحرنا إذن، ثم في صباح اليوم التالي أخبرت القوافل القادمة من اليمن ومن الأماكن الأخرى أنهم قد رأوا مثل هذه الحادثة، فقال الكفار عن فخر العالم r: "إن سحر يتيم أبي طالب قد بلغ السماء" حاشاه.

النقطة الثانية: لقد قال أكثر المحققين العظماء كسعد الدين التفتازاني: إن انشقاق القمر متواتر كتواتر نبع الماء من أصابع الرسول الأكرم r وسقيه الجيش جميعه، وأنين وبكاء الجذع اليابس -الذي كان يستند إليه في أثناء إلقاء خطبته في المسجد- من الفراق الأحمدي، وسماع الصحابة جميعهم ذلك، أي تنقله جماعة كثيرة عن طبقة وطبقة يستحيل تواطؤهم واتفاقهم على الكذب، فلذلك قالوا إنه متواتر كتواتر ظهور نجم مذنَّب مشهور قبل ألف سنة مثل مذنب " هالي"، ووجوده ثابت قطعًا بالتواتر كوجود جزيرة "سرنديب" التي لم نرها.

فإثارة التشكيكات الوهمية في مثل هذه المسائل الشهودية الثابتة قطعًا حماقة وبلاهة، يكفيها ألا تكون محالاً، ومع ذلك فإن انشقاق القمر ممكن كانشقاق الجبل بسبب البركان.

النقطة الثالثة: إن المعجزة هي لإثبات دعوى النبوة وإقناع المنكرين لها، وليست للإجبار والإكراه، إذن يجب إظهار المعجزة بطريقة تُقنع السامعين بدعوى النبوة، فإظهارها لأماكن أخرى، أو إظهارها إظهارًا بديهيًّا بدرجة الإكراه والإجبار مخالف لسر التكليف كما أنه مناف لحكمة الحكيم ذي الجلال؛ لأن سر التكليف يقتضي فتح الباب أمام العقل وعدم سلب الاختيار منه، فلو كان الفاطر الحكيم قد ترك انشقاق

415. صفحة

القمر يستمر بضع ساعات كي يريه لجميع العالم حسب أهواء الفلاسفة، وسُجِّل في تاريخ البشرية جمعاء، لما صار عندئذ دليلا على دعوى النبوة مثل الحوادث السماوية الأخرى، ولما كان خاصًّا بالرسالة الأحمدية، أو لصار معجزة بديهية تجبر العقل على التصديق، وتسلبه اختياره، فسيصدق النبوة شاء أم أبى، ويتساوى أمثال أبي جهل ذي الروح السافلة كالفحم مع أبي بكر الصديق ذي الروح العالية كالألماس، ويضيع سر التكليف؛ فلهذا السر حدث مؤقتًا وفي الليل وفي وقت الغفلة، وجعل الله اختلاف المطالع والضباب والسحاب وأمثالها من الأسباب ستارًا له، ولم يظهره للعالم أجمع، أو بتعبير آخر لم يجعله يسجَّل في التاريخ.

النقطة الرابعة: إن هذه الحادثة ولأنها وقعت آنيًّا وفي الليل وعندما كان جميع الناس في غفلة فلن تُرَى البتة في أنحاء العالم، حتى ولو ظهرت لبعض الأفراد فإنهم لن يصدقوا أعينهم، ولو صدقوا فلا شك أن حادثة مهمة كهذه لن تكون رأس مال باقيًا للتاريخ عن طريق خبر الواحد، وقد وردت في بعض الكتب زيادةٌ من أن القمر نزل على الأرض بعد انشقاقه قد ردها أهل التحقيق، وقالوا ربما أضافها منافق بنية أن يحط من شأن هذه المعجزة الباهرة.

ثم مثلا كانت انجلترا في ذلك الوقت محاطة بضباب الجهل وكان الوقت في إسبانيا وقت بدايات الغروب، وفي أمريكا النهار، وفي الصين واليابان الصباح، وفي أماكن أخرى أسباب مانعة أخرى، فبناء على كل هذا ما شوهدت البتة.

فانظر الآن إلى هذا المعترض، يقول: إن تاريخ أقوام الإنجليز، والصين، واليابان، وأمريكا لا يذكرها ولا يتحدث عنها، إذن إنها لم تقع! ألا سحقًا ولعنة على الذين يداهنون الأوربيين ويتملقونهم مثله، ويتزلفون إليهم!

النقطة الخامسة: إن انشقاق القمر ليس حادثة طبيعية حدثت مصادفة ومن تلقاء نفسها بناء على بعض الأسباب الطبيعية حتى تُعَدَّ من القوانين العادية الطبيعية، بل أوقعها خالق الشمس والقمر الحكيم بصورة خارقة للعادة لتصديق رسالة رسوله، ولتنوير

416. صفحة

دعواه، وقد أُظهِرت لإقامة الحجة على أناس شاءتهم الحكمة الربانية بمقتضى سر الإرشاد، وسر التكليف، وحكمة الرسالة، وقد أخفيت حادثة انشقاق القمر عمن لم يقتضِ ولم يشأ سر الحكمة أن يروها، وعن أناس لم تبلغهم دعوى النبوة بعد في أقطار الأرض، بناء على أسباب كثيرة مانعة لرؤية تلك الحادثة كعدم ظهور القمر في بعض البلدان بسبب الضباب والسحاب واختلاف المطالع، وطلوع الشمس في بعضها، وفي بعضها الصباح، وغروب الشمس حديثًا في بعضها، ولو كانت قد أُظهِرت لهم جميعًا أيضا، لكانت ستُظهَر على أنها نتيجة إشارة الرسول الأكرم r ومعجزة للنبوة فعندئذ كانت ستبلغ رسالته درجة البداهة، وكان سيُضطَرّ جميع الناس إلى التصديق، ولما بقي للعقل اختيار، وضاع سر التكليف، ولكن الإيمان باختيار العقل.

ولو أنها أُظهِرت كحادثة سماوية بحتة لانقطعت علاقتها وصلتها بالرسالة الأحمدية، ولما كانت لها علاقة خاصة معه r.

الحاصل لم تبق شبهة في إمكان انشقاق القمر، وأُثبت إثباتًا قاطعًا.

والآن نشير إلى ستة براهين[1] من بين براهينها الكثيرة التي تدل على وقوعها كالآتي:

الأول: إجماع الصحابة العدول على وقوعها.

الثاني: اتفاق جميع المفسرين من أهل التحقيق على وقوعها عند تفسيرهم للآية) انْشَقَّ القَمَرُ(.

الثالث: رواية ونقل جميع المحدثين الصادقين وهم أهل الرواية الصحيحة وقوعها بأسانيد كثيرة وبطرق مختلفة.

الرابع: شهادة جميع الأولياء والصديقين من أهل الكشف والإلهام.

الخامس: تصديق أئمة علم الكلام وعلمائه المتبحرين المختلفين بعضهم عن بعض اختلافًا كبيرًا من حيث مسلكهم.


[1] أي إن هناك ست حجج لوقوعها كستة إجماعات، فهذا المقام ظل مختصرًا للأسف مع أنه كان يستحق مزيدا من الإيضاح.(المؤلف).




417. صفحة

السادس: تلقي أمة محمد r الذين لا يجتمعون على الضلال بنص قاطع تلك الحادثة بالقبول.

فكل هذه البراهين تثبت انشقاق القمر كالشمس.

الحاصل

إن ما ذكرناه حتى هذا الموضع كان من أجل التحقيق ولإلزام الخصم، أما بعد هذا فستكون الجمل من أجل الحقيقة والإيمان.

أجل؛ إن التحقيق قال هكذا، أما الحقيقة فتقول: فكما أن خاتم ديوان النبوة r الذي هو القمرُ المنير لسماء الرسالة قد أظهر الحقّ تعالى محبوبيته وتفوقه على سكان السماوات وأهل العالم العلوي بالمعراج الذي هو الكرامة العظمى والمعجزة الكبرى للولاية التي في عبوديته التي بلغت مرتبة المحبوبية -أي بالمعراج الذي هو تسيير الحق تعالى جسما أرضيا في السماوات-وأثبت ولايته r؛ فكذلك شق الحق تعالى القمر المرتبط بالأرض والمعلَّق في السماء إلى اثنين بإشارة من قبل أرضي، وأُظهِرت لأهل الأرض معجزة لرسالة هذا الأرضي، بحيث إن الرسول الأكرم r قد طار إلى أوج الكمالات بجناحين نورانيين كالرسالة والولاية كجناحين نورانيين منبسطين للقمر، حتى بلغ قاب قوسين أو أدنى، فأصبح مدار فخر لأهل السماوات وأهل الأرض.

عليه وعلى آله الصلوات والتسليمات ملء الأرض والسماوات.

)سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ(

سـعيد النورسي                    

 


418. صفحة

جزء من ذيل المعجزات الأحمدية

الخاتمة: حول دلائل الرسالة الأحمدية، وجواب مختصر عن السؤال الذي يتعلق بالمشكل الأول من المشكلات الثلاثة التي في ختام الأساس الثالث من رسالة "المعراج النبوي".

السؤال: لماذا هذا المعراج العظيم خاص بمحمد العربي؟

الجواب: إن مشكلتكم الأولى قد حُلَّت بتفصيل في الكلمات الثلاثين السابقة، إلا أننا نبين هنا فهرسا مختصرا كإشارات مجملة تشير إلى كمالات الذات الأحمدية ودلائل نبوته، وأنه أليق شخص لذلك المعراج الأعظم كالآتي:

أولا: إنه قد أخرج حسين الجسري([1]) ذلك المحقق - حتى في هذا الزمان - مائة وأربع عشرة إشارة تبشيرية بالنبوة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام من الكتب المقدسة كالتوراة والإنجيل والزبور مع تعرضها لكثير من التحريف، وسَرَدَهَا في كتابه “الرسالة الحميدية”.

ثانيا: أنه نُقلت إلينا تاريخيا وبصورة صحيحة بشارات كثيرة قبيل بعثة النبي تشير إلى نبوته، وأنه نبي آخر الزمان، كَبَيَانات الكاهنَين المشهورين “شق” و“سطيح”([2]) المعروفين تاريخيا.

ثالثا: إن مئات الخوارق التي تُعرَف بالإرهاصات([3]) كسقوط الأصنام عند الكعبة، وانشقاق الإيوان المشهور لكسرى فارس ليلة الولادة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام مشهورة عبر التاريخ.

رابعا: إن السيرة والتاريخ يثبتان بتحقيقات المحققين أنه - صلى الله عليه وسلم -

[1]   حسين الجسري: من علماء سوريا، ولد سنة ١٢٦١هـ وتوفي ١٣٢٧هـ، وكان من علماء عصره.

 

[2]   شق وسطيح: أما شق فهو ابن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قيس بن عبقر بن أنمار بن نزار، وأما سطيح فاسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان، وكانا كاهنين في الجاهلية وبشرا بالنبي وكانا من أعاجيب الدنيا فكان شقٌّ نصفَ إنسان، وكان سطيحٌ جسدا ملقى لا جوارح له، وكان وجهه في صدره، فكان مثل السطيحة.

 

[3]   الإرهاصات: المقدمات والأمارات الدالة على قرب وقوع الشيء.

 



419. صفحة

أظهر ما يبلغ ألف معجزة؛ كسقيه الجيش بماء نَبَعَ من أصابعه، وكَبُكَاء وأنين الجذع الجافِّ في المسجد كأنين الجمل أمام جمع غفير بسبب نقل

 المنبر ومفارقة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانشقاق القمر بِنَصِّ الآية: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ([1])

خامسا: لا يتردد أهل الإنصاف والدقة في أنه توجد أخلاق حسنة في شخصه صلى الله عليه وسلم على أعلى درجة باتفاق الأصدقاء والأعداء، وأنه توجد سجايا([2]) سامية في وظيفته وتبليغاته على أسمى درجة بشهادة كل معاملاته، وأنه توجد أسمى الخصال الحميدة في شريعته على أكمل درجة بشهادة محاسن الأخلاق الموجودة في دين الإسلام.

سادسا: إن الرسول قد أظهر العبودية العظمى في دينه على أسطع صورة بما تتطلبه الألوهية من ظهور بمقتضى الحكمة كما أشير إليه في “الإشارة الثانية” من “الكلمة العاشرة”.

وإنه بالبداهة هو كذلك الشخص الداعي والمعرِّفُ على أجمل صورة لجمال خالق العالم في كماله المطلق بما يتطلبه من إظهار وإعلان بواسطةٍ ما، حسب مقتضى الحكمة والحقيقة.

وإنه بالمشاهدة كذلك هو الشخص المعلن بأعلى صوتٍ عن كمال صنعة صانع العالم في جماله المطلق بما يتطلبه من عرضٍ وإبداء للعيان بجذب انتباه الأنظار إليه.

وإنه بالضرورة كذلك هو المعلن عن جميع مراتب التوحيد في أعلى درجة للتوحيد بما يريد رب كل العوالم من إعلان وحدانيته من خلال طبقات الكثرة.

وكذلك فإنه بالبداهة أجلى وأصفى مرآة تعكس محاسن وجمال ولطائف حُسنِ مالِكِ العالمِ كما يشير إليه جمال آثاره البديعة، وهو أفضل مَن أحبَّه وحببَّه، فلبّى إرادتَه سبحانه في رؤية وإراءة ذلك الجمال المقدس بمقتضى الحقيقة والحكمة.


[1]   سورة القمر٥٤/١.

 

[2]   السجايا: جمع سجية، وهي الأخلاق والطبائع.

 



420. صفحة

وإنه بالبداهة كذلك هو أعظم مَن أعلن عن الخزائن الغيبية لصانع قصر هذا العالم، المليئة بأبدع المعجزات وأثمن الجواهر ووصفها وعرَّفها في أعظم صورة، بما يريده الصانع ذو الجمال من إظهار خزائنه تلك والإعلان عنها وإعلام وتعريف كمالاته بواسطة تلك الخزائن.

وإنه هو كذلك بالبداهة من قام بمهمة الإرشاد والقيادة بالقرآن الحكيم للجن والإنس، بل حتى للروحانيين والملائكة في أعظم صورة بما يريده صانعُ هذا الكون من خلقه إياه مزيَّنا بأنواع العجائب والزِينات؛ وإدخالِه فيه ذوي الشعور من مخلوقاتِه للسير والتنَزُّه والعبرة والتفكر، وإعلامِه معاني وقيمة صنائعه وآثاره لهم ولأهل المشاهدة والتفكر بمقتضى حكمته.

وإنه كذلك بالبداهة هو من كشف بحقائق القرآن عن الطلسم([1]) المغلق الذي يتضمن القصد من تحولات الكون والغاية منها، ومَن حلَّ اللغزَ المحير في الموجودات، ذلك اللغز الذي هو أسئلة ثلاثة معضلة: مَن تكون؟ ومِنْ أين؟ وإلى أين؟ في أوضح صورة وأعظم درجة، بما يريده الحاكم الحكيم لهذا الكون من كشف ذلك الطلسم، وحلِّ ذلك اللغز لجميع ذوي الشعور بواسطة رسول.

وإنه هو كذلك بالبداهة مَن أتى وَبَيَّن بالقرآن الكريم في أعلى وأكمل صورة مرضيات ومطالب الصانع ذي الجلال لهذا العالم والذي يريد أن يُعرِّف نفسه إلى ذوي الشعور من مخلوقاته بوساطة مصنوعاته الجميلة، ويريد أن يحبب ذاته إليهم بوساطة النعم النفيسة الغالية، ومقابل هذا التعريف والتحبيب يريد بالضرورة أن يُبلِّغَ مرضياته ورغباته الإلهية لذوي الشعور بواسطة رسول.

وإنه هو كذلك بالبداهة من قام بالإرشاد أحسن قيام، ومن أدّى مهمة الرسالة أفضل أداء بالقرآن الكريم في أعظم مرتبة وأبلغ صورة وطرز، بما يريده رب العالمين من صَرْفِ وجه هذا الإنسان عن الكثرة إلى الوحدة، وعن الفناء إلى البقاء بواسطة مرشد، ذلك

[1]   الطلسم: اللغز.

 



421. صفحة

الإنسان الذي هو ثمرة العالم، والذي أعطى له رب العالمين استعدادا واسعا يسع العالم كله، وهيأه([1]) للعبودية الكلية، وجعل مشاعره مفتونة بالكثرة والدنيا.

وحيث إن أشرف الموجودات هم ذوو الحياة، وأشرف ذوي الحياة هم ذوو الشعور، وأشرف ذوي الشعور هو الإنسان الحقيقي؛ فإن الذي أدّى من بين بني الإنسان الحقيقيين تلك الوظائف المذكورة آنفًا أكملَ أداء في أعظم مرتبة لا شك أنه سيكون هو الذي سيعرج إلى قاب قوسين بذلك المعراج العظيم، وسيطرق([2]) باب السعادة الأبدية، وسيفتح خزائن رحمته جل وعلا، وسيشاهد الحقائق الغيبية للإيمان.

سابعًا: إنه بالمشاهدة في المصنوعات تحسينات في منتهى الجمال، وتزيينات في منتهى الروعة، وإن مثل هذه التحسينات والتزيينات تدل بالبداهة على وجود إرادة قوية للتحسين، وقصد التزيين لدى صانع تلك المصنوعات، فتلك الإرادة والقصدية القويتان تدلان بالضرورة على وجود رغبة قوية، ومحبة مقدسة لدى ذلك الصانع نحو صنعته.

لذا فمن البديهي أن يكون أحب مخلوق لدى الصانع البديع الذي يحب مصنوعاته هو أكثر المصنوعات جامعية، ومَن يُظهر في ذاته لطائف الصنعة إظهارًا كاملاً، ومن يَعرفها ويعرِّفها ومَن يحبِّب نفسه ويستحسن جمال المصنوعات الأخرى قائلا: ما شاء الله.

وإنه كذلك بالمشاهدة هو من جعل السماوات تَرِنّ بصدى، وهزّ الكون بنغمات القرآن الكريم بقوله سبحان الله، ما شاء الله، الله أكبر، تجاه المزايا والمحاسن التي تجمّل وتزين المصنوعات واللطائف والكمالات التي تنور الموجودات، ومن جعل البَّرَّ والبحر في نشوة بالاستحسان والتقدير والتفكر والإعلان والذكر والتوحيد.

فلا شك أن ذهاب مثل هذا الشخص العظيم - الذي يضاف إلى كِفَّة ميزانه مثلُ ما قامت به جميع أمته من حسناتٍ بسر “السبب كالفاعل”، والذي تُمِدُّ صلواتُ جميع الأمة

[1]   هيأه للشيء: أهله وجعله مستعدا لفعله.

 

[2]   طرق الباب : دقه.

 



422. صفحة

كمالاتِه المعنويةَ، والذي يحظى بما لا نهاية له من فيض الرحمة والمحبة الإلهية فضلا عن نتائج الوظائف التي يؤديها في رسالته وأجرِها المعنوي- إلى الجنة وإلى سدرة المنتهى وإلى العرش وإلى قاب قوسين بسُلَّم المعراج؛ لهو عين الحق، ونفس الحقيقة، ومحض الحكمة.

أدرجت هنا -بمناسبة المقام- المرتبةُ الخامسة عشرة التي تتحدث عن الرسالة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام من رسالة "الآية الكبرى".

ثم إن سائح الدنيا هذا، خاطب عقله قائلاً: "بما أنني أبحث عن مالكي وخالقي بموجودات هذا الكون، فلا شك أنه يجب علينا أولاً وقبل أىّ شيء أن نذهب معًا إلى عصر السعادة لزيارة محمد العربي -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أشهر هذه الموجودات وأكملها حتى بتصديق أعدائه، وأعظم قائد وأشهر حاكم لها، وأسماها كلامًا وأسطعها عقلاً، والذي أنار أربعة عشر قرنًا بفضائله وقرآنه، حتى نسأله عمَّا نبحث عنه". فدخل بعقله هذا العصر، ورأى أن ذلك العصر أصبح -حقًا- عصر سعادة البشر بهذه الشخصية على صاحبها الصلاة والسلام؛ إذ إنه جعل في وقت وجيز أشد الأقوام بداوة وأمّية أساتذة وحكامًا للدنيا بالنور الذي أتى به، ثم بدأ التحري قائلاً لعقله:"إن علينا أولاً وقبل أىّ شيء أن نعلم قدروقيمة ذلك الرسول الكريم الخارق الفذ -عليه الصلاة والسلام- وحقانية أقواله، وصدق إخباراته إلى حد ما، ثم نسأله عن خالقنا "، وسيشار هنا إشارة قصيرة إلى "تسعة أدلة كلية" فقط من الأدلة القاطعة غير المحدودة التي وجدها.

أولها: وجود جميع السجايا الحسنة والخصال الحميدة في هذه الشخصية حتى بتصديق أعدائه، وظهور مئات من المعجزات على يده والتي نقلت نقلا قاطعا، وقسم منها بتواتر، كانشقاق القمر بإشارة أصبعه بصراحة آية ﴿وَانْشَقَّ القَمَرُ﴾، وفرار جنود أعدائه بدخول قليل من التراب الذي رماه عليهم بقبضته في أعينهم جميعا بصراحة آية ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾، وسقيه الماء الذي جرى كالكوثر من بين أصابعه الخمسة لجميع جنوده العطشى إلى حد الارتواء.


423. صفحة

ولقد بينت أكثر من ثلاثمائة من هذه المعجزات مع أدلتها القاطعة في "رسالة المعجزات الأحمدية" الخارقة ذات الكرامة التي هي " المكتوب التاسع عشر"، لذا أحالها السائح إليها، وقال: إن هذا الشخص الذي له معجزات باهرة إلى هذا الحد بالإضافة إلى هذا القدر من هذه الأخلاق الحسنة والكمالات لا بد أنه صاحب أصدق حديث، ولا بد أنه يترفع عن الحيلة والكذب والخداع الذى هو من شأن فاسدي الأخلاق.

ثانيها: كونه يحمل بيده فرمان مالك هذا الكون الذي يقبله ويصدقه في كل عصر أكثر من ثلاثمائة مليون إنسان، وكون القرآن العظيم الشأن الذي هو ذلك الفرمان معجزًا من سبعة أوجه.

ولقد بين بتفصيل في " رسالة المعجزات القرآنية " أي " الكلمة الخامسة والعشرين" وهي رسالة مشهورة وشمس من شموس رسائل النور، بُيِّنَ فيها مع أدلتها القوية أن القرآن معجز من أربعين وجهًا، وأنه كلام خالق الكون، لذا أحاله هذا السائح إليها فقال: إنه لا يمكن أن يصدر من هذا الشخص -الذي هوترجمان هذا الفرمان والمبلغ له وهو الحق عينه والحقيقة ذاتها- الكذبُ الذي يعني الجناية على هذا الفرمان والخيانة لصاحبه.

ثالثها: إنه عليه الصلاة والسلام قد ظهر بشريعة وإسلام وعبودية ودعاء وإيمان ودعوة لا مثيل لها، ولا يمكن أن يكون لها مثيل أصلا، ولم يوجد أفضل منها ولن يوجد؛ لأن تلك الشريعة التي ظهرت من شخص أمي عليه الصلاة والسلام أدارت أربعة عشر قرنًا من الزمن وخمس البشرية بالعدل والحق وبقوانينها الدقيقة التي لا حد لها؛ لا تقبل المثيل.

ثم إن الإسلام الذي ظهر من أفعال وأقوال وأحوال رجل أمي عليه الصلاة والسلام، باعتباره دليلا هاديا ومرجعا لثلاثمائة وخمسين مليونا من البشر في كل عصر، ومرشدا ومعلما لعقولهم، ومنورا ومصفّيا لقلوبهم، ومربّيا ومزكّيا لنفوسهم، ومدار انكشاف لأرواحهم، ومعدنا لترقياتها، لم يكن له مثيل ولن يكون.


424. صفحة

ثم إن تفوقه وسبْقه الجميع في جميع أنواع جميع العبادات التي في دينه، وكونه أتقى من كل أحد، وأخشاهم لله، ومراعاته لأدق أسرار العبودية رعاية تامّة في خضم المجاهدات المتواصلة التي لا مثيل لها والظروف المضطربة القاسية، وقيامه بكل ذلك من عنده هو بدون أن يقلد أحدا وعلى أكمل وجه، وربطه بين المبدأ والمنتهى لا يمكن أن يكون له مثيل، ولن يكون.

ثم إنه يصف ربه بمعرفة ربانية في "الجوشن الكبير" الذي هو واحد من آلاف أدعيته ومناجاته، وصفاً بحيث لم يستطع أهل المعرفة وأهل الولاية الذين جاءوا ومضوا منذ ذلك الزمن أن يبلغوا مع تلاحق الأفكار لا إلى تلك المرتبة من المعرفة ولا إلى تلك الدرجة من الوصف، مما يدل على أنه لا مثيل له كذلك في الدعاء. فمن ينظر إلى الموضع الذي بُيِّنت فيه ترجمة مختصرة لمعاني فقرة واحدة من تسعة وتسعين فقرة للجوشن الكبير في بداية رسالة المناجاة، سيقول "لا مثيل للجوشن أيضًا".

ثم إنه قد أبدى متانة وثباتًا وجسارة [1]في تبليغ الرسالة وفي دعوة الناس إلى الحقّ، بحيث إن عدم إبدائه أي أثر للتردد والقلق والخوف، وتحديه وحده للعالم بأسره واستطاعته مواجهة العالم بمفرده، وجَعْله الإسلام يحكم العالم، على الرغم من عداوة الدول الكبرى والأديان العظمى بل حتى عداوة قومه وقبيلته وعمه عداوة شديدة؛ كل ذلك ليثبت أنه لم يكن له مثيل أيضًا في التبليغ والدعوة ولن يكون.

ثم إنه قد حمل في الإيمان قوة فائقة ويقينًا خارقًا وانكشافًا معجزًا واعتقادًا عاليًا نوّر العالم، بحيث إن عدم إيراث جميع الأفكار والعقائد وحِكم الحكماء وعلم الرؤساء الروحانيين السائدة في ذلك الزمان أية شبهة وأي تردد وأي ضعف وأية وسوسة لا في يقينه ولا في اعتقاده ولا في اعتماده ولا في اطمئنانه؛ على الرغم من معارضتها ومخالفتها وإنكارها له، وإن استفاضة جميع أهل الولاية -وعلى رأسهم الصحابة- الذين ترقَّوا في المعنويات وفي المراتب الإيمانية من مرتبة إيمانه في كل وقت، ووجودهم إياه في أعلى الدرجات؛ كل ذلك يدل بداهة على أنه لا مثيل لإيمانه كذلك.


[1] جسارة : جُرْأة وشجاعة



425. صفحة

وقد فهم السائح أنه لا شك أن صاحب شريعة كهذه لا مثيل لها، وإسلام لا نظير له، وعبودية خارقة، ودعاء لا مثيل له، ودعوة شاملة أذهلت الكونَ، وإيمان معجز لا يمكن أن يكون عنده كذب قطّ، ولا يمكن أن يَخْدَعَ، فَهِمَ هذا وصدَّقه عقله.

رابعها: فكما أن إجماع الأنبياء عليهم السلام دليل قوي جدًّا على وجود الله ووحدانيته جل وعلا؛ فهو أيضا شهادة مُحكمة ثابتة راسخة جدًّا على صدق هذه الشخصية -عليه الصلاة والسلام- ورسالتها؛ لأن كل ما هو مدار لصدق الأنبياء -عليهم السلام- ونبوتهم من صفات قدسية ومعجزات ووظائف؛ يوجدُ فيه -عليه الصلاة والسلام- على أكمل وجه، وهذا مصدق تاريخيا، بمعنى أن هؤلاء الأنبياء -عليهم السلام- قد أخبروا بمجيئه بلسان مقالهم في التوراة والإنجيل والزبور، وفي صحفهم، وبشروا الناس به، وقد بُيِّن وأثبت بوضوح أكثر من عشرين قسمًا من أكثر الأقسام وضوحا من الإشارات المبشرة للكتب المقدسة في "المكتوب التاسع عشر"، فهم كذلك يصدقون بلسان حالهم -أي بنبوتهم ومعجزاتهم- ذلك الشخص -عليه الصلاة والسلام- الذي هو متقدم أكثر من الكل، والأكمل في مسلكهم ووظيفتهم، ويؤيدون دعواه، وكما أنهم يدلون على الوحدانية بلسان المقال والإجماع؛ فكذلك يشهدون على صادقيته بلسان الحال وبالاتفاق، وقد أدرك السائح ذلك.

خامسها: كما أن آلافًا من الأولياء الذين وصلوا إلى الحق والحقيقة والكمالات والكرامات والكشفيات والمشاهدات بدساتير هذه الشخصية -على صاحبها الصلاة والسلام- وتربيتها واتباعها واقتدائها يدلون على الوحدانية؛ فإنهم يشهدون كذلك بالإجماع والاتفاق على صادقية ورسالة هذا الرسول -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أستاذهم ومرشدهم.

وقد رأى هذا السائح أن مشاهدةَ الأولياء بنور الولاية بعضًا مما أخبر به هذا الرسول الكريم من عالم الغيب، واعتقادهم وتصديقهم بجميعها بنور الإيمان بعلم اليقين أو بعين اليقين أو بحق اليقين؛ يدل كالشمس على مدى حقانية وصادقية هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أستاذهم ومرشدهم.


426. صفحة

سادسها: كما أن ملايين المدققين الأصفياء والمحققين الصديقين والحكماء المؤمنين الأذكياء الذين وصلوا إلى أعلى مقام في المرتبة العلمية بتعلم ودراسة الحقائق القدسية التي أتى بها هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- والعلوم العالية التي اخترعها، والمعرفة الإلهية التي كشفها مع أنه أمي، يثبتون الوحدانية التي هي أس الأساس لدعوى ذلكم الرسول -عليه الصلاة والسلام- ببراهينهم القوية، ويصدقونها بالاتفاق؛ فإن شهادتهم متفقين على حقانية هذا المعلم الأكبر والأستاذ الأعظم وعلى أن كلامه حقيقة؛ لحجةٌ لرسالته وصادقيته كوضح النهار، وإن رسائل النور مثلا بأجزائها المائة برهان واحد على صدقه.

سابعها: وقد أدرك السائح أن تصديق الطائفة العظيمة التي تسمى "الآل والأصحاب" -رضي الله عنهم- وهم أشهر بني البشر بعد الأنبياء -عليهم السلام- في الفراسة والدراية[1] والكمالات، وأجدرهم بالاحترام، وأكثرهم شهرة، وأكثرهم تمسكًا بالدين، وأبعدهم نظرا؛ نقول أدرك أن تصديقهم الذي لا يتزعزع وإيمانهم القوي بالاتفاق والإجماع على أن هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- أصدق الناس في الدنيا، وأسماهم، وأكثرهم امتلاكًا للحق والحقيقة نتيجة تحريهم وتفتيشهم وتدقيقهم بكمال الشغف والشوق، وبمنتهى الدقة ونهاية الجد لجميع أحوال هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- وأفكاره وتصرفاته، ما ظهر منها وما بطن؛ لدليل كالنهار الذي يدل على ضياء الشمس.

ثامنها: كما أن هذا الكون يدل على صانعه وكاتبه ونقّاشه الذي أوجده ويديره وينظمه، ويتصرف فيه بالتصوير والتقدير والتدبير وكأنه قصر أو كتاب أو معرض أو متنزه ومنظر جميل؛ كذلك فلا شك أنه يتطلب ويقتضي ويدل في كل الأحوال على وجود داعٍ عظيم، وكشَّاف صادق، وأستاذ محقق، ومعلم صادق يعْلم المقاصد الإلهية في خلق الكون ويعلِّمها، ويُعلِّم الحكم الربانية في تحولاته، ويدرّس النتائج التي في حركاته الوظيفية، ويعلن قيمة ماهيته وكمالات ما فيه من الموجودات، ويعبر عن معاني ذلك

[1] الدراية : المعرفة والعلم



427. صفحة

الكتاب الكبير، وقد علم السائح أنه لا شك في أن الكون بمقتضى ما ذكر يشهد على صدق هذا الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أفضل من أدّى كل هذه الوظائف، وأنه أعظم موظف مأمور صادق لخالق الكون.

تاسعها: بما أن هناك وراء الحجاب من يريد أن يعرض مهاراته بمصنوعاته البديعة الحكيمة، وكمالات إبداعه، ويريد أن يعرف نفسه ويحببها بمخلوقاته الجميلة المزينة، ويريد بهذه النعم غير المحدودة اللذيذة الثمينة أن يجعل عباده يشكرونه ويحمدونه، وأن يجعلهم يعبدونه مقابل ربوبيته عبادة ملؤها الامتنان والشكر والعبودية بالتربية والإعاشة العامة ذات الشفقة والحماية، بل حتى بأطعمة وبمآدب ربانية أُعِدَّت إعدادا يُطَمْئِنُ ويُشْبِعُ أدقَ أذواق الأفواه، وجميع أنواع الاشتهاء، وأن يجعلهم يؤمنون ويستسلمون وينقادون لألوهيته مُظهِرًا ألوهيته بتصرفات وإجراءات عظيمة مهيبة، وبفعالية وخلاقية مذهلة حكيمة كتبدل الفصول وتكوير الليل والنهار واختلافهما، ويريد كل وقت أن يظهر عدالته، ويحق الحق بحمايته الخير والأخيار، وإزالته الشر والأشرار، وإهلاك الظالمين والمكذبين بصفعات سماوية كل وقت؛ فلا شك وفي كل الأحوال أن أحب مخلوق لدى ذلك المتستر بالغيب، وأصدق عبد له، ومن يحلّ ويكشف طلسم خلق الكون ومعمّاه بقيامه بخدمة مقاصده المذكورة خدمة تامّة، ومن يتحرك باسم ذلك الخالق دومًا، ومن يستمد منه العون ويطلب التوفيق منه، ومن ينال الإمداد والتوفيق فعلا سيكون هذا الرسول الكريم، محمدًا القرشي عليه الصلاة والسلام.

ثم خاطب السائح عقله قائلاً: بما أن هذه الحقائق التسع المذكورة تشهد على صدق هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام؛ فلا شك أنه -عليه الصلاة والسلام- مدار شرف لبني آدم، ومدار افتخار لهذا العالم، وحقيق بأن يطلق عليه فخر العالم، وشرف بني آدم، ولا شك في أن هيمنة عظمة السلطنة المعنوية للقرآن المعجز البيان -الذي بيده وهو فرمان الرحمن- على نصف الأرض وكمالاته الشخصية وخصاله العالية؛ لتدل على

428. صفحة

أن أهم شخصية في هذا العالم شخصيته هو -عليه الصلاة والسلام- وأن أهمّ قول في حق خالقنا هو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

فتعال الآن وانظر، إن أساس جميع دعاوى هذه الشخصية الخارقة -عليه الصلاة والسلام- وغاية جميع حياتها استنادًا إلى قوة مئات من معجزاتها القاطعة الظاهرة الباهرة، وإلى آلاف من حقائقها العالية الراسخة في دينه لهو الدلالة والشهادة على وجود الواجب الوجود ووحدانيته وصفاته وأسمائه، وإثبات وجود الواجب الوجود والإعلان عنه والإعلام به.

إذن إن الشمس المعنوية لهذا الكون، والبرهان النير لخالقنا هو ذلكم الرسول عليه الصلاة والسلام، حبيب الله، حيث هنالك ثلاثة أنواع عظيمة للإجماع لا تخدع ولا تنخدع تؤيد شهادته وتصدقها وتوقِّع عليها:

أولها: تصديق جماعة نورانية -بالإجماع- اشتهرت بآل محمد -عليه الصلاة والسلام- في العالم، والتي تضم آلافًا من الأقطاب والأولياء العظام الذين لهم أبصار حادة، وأنظار نافذة تطلع على الغيب؛ كالإمام علي رضي الله عنه الذي قال: "لو كشف الغيب لما ازددت يقينًا"، وكالغوث الأعظم[1] -قدس سره- الذي كان يشاهد -وهو على الأرض- العرشَ الأعظم، وعظمة تَمثَال[2] إسرافيل عليه السلام.

ثانيها: تصديق الجماعة المشهورة في العالمين الذين يطلق عليهم "الصحابة" متفقين مع الإيمان القوي الذي جعلهم يضحون بأنفسهم وأموالهم وآبائهم وعشيرتهم، هذه الجماعة التي كانت قومًا بدوًا يسكنون في بيئة أمية، وبعيدًا عن الحياة الاجتماعية، وخالين من الأفكار السياسية، ليس لهم كتاب، ويعيشون في ظلمات عصر الفترة، والذين أصبحوا في زمن قصير جدًّا أساتذة ومرشدين وساسة وحكامًا عادلين لأكثر الأمم والحكومات حضارة وعلمًا، وأرقاها في الحياة الاجتماعية والسياسية، والذين أداروا العالم من الشرق إلى الغرب إدارة أعجبت العالم.


[1] يقصد عبد القادر الجيلاني.

[2] تَمثَال : تَمَثُّل



429. صفحة

ثالثها: تصديق الجماعة العظمى ممن لا يعد من العلماء المحققين المتبحرين الذين نشأوا في أمته، والذين لهم آلاف الأفراد في كل عصر، والذين تقدموا في كل علم بعبقرية، ويعملون في مجالات مختلفة، تصديقهم بالتوافق وبدرجة علم اليقين.

فحكم السائح أن شهادة هذه الشخصية -على صاحبها الصلاة والسلام- على الوحدانية ليست شهادة شخصية وجزئية، بل هي شهادة عامة وكلية لا تتزعزع، ولا تستطيع الشياطين أن تخرج لمجابهتها أبدًا ولو اجتمعوا عليها.

ولقد ذكر في "المرتبة السادسة عشرة" من "المقام الأول" إشارة قصيرة إلى هذا الدرس الذي تلقاه هذا السائح في الأرض ومسافر الحياة -الذي ساح بعقله في عصر السعادة- من تلك المدرسة النورانية، ما يلي:

"لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأَحَدُ الِّذي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ فَخْرُ العَالَمِ وَشَرَفُ نَوْعِ بَنِي آدَمَ بِعَظَمَةِ سَلْطَنَةِ قُرْآنِهِ وجمال سعة دِينِهِ وَكَثْرَةِ كَمَالاَتِهِ وَعُلْوِيَّةِ أَخْلاَقِهِ حَتَّى بِتَصْدِيقِ أَعْدَائِهِ وَكَذَا شَهِدَ وَبَرْهَنَ بِقُوَّةِ مِئَاتِ مُعْجِزَاتِهِ الظَّاهِرَةِ البَاهِرَةِ المُصَدِّقَة المُصَدَّقَةِ وَبِقُوَّةِ آلاَفِ حَقَائِقِ دِينِهِ السَّاطِعَةِ القَاطِعَةِ بِإِجْمَاعِ آلِهِ ذَوِي الأَنْوَارِ وَبِاتِّفَاقِ أَصْحَابِهِ ذَوِي الأَبْصَارِ وَبِتَوَافُقِ مُحَقِّقِي أُمَّتِهِ ذَوِي البَرَاهِينِ وَالبَصَائِرِ النَّوَّارَةِ ".


430. صفحة

خاتمة ذو الفقار

حزب الورد الأكبر من الرسالة النورية

قرأت يومًا الجوشن الكبير والحزب النوري، فرأيت أن الجوشن الكبير ورسائل النور والحزب النوري تنير الكون من أوله إلى آخره، وتبدد غياهب الظلمات، وتمزق الغفلة والطبيعة كل تمزيق، وتمزق الستار الذي يحاول أهل الغفلة وأهل الضلالة أن يتستروا وراءه، وتحلج الكائنات مع جميع أنواعها كالقطن، وتمشطها بأمشاطها، وتظهر أنوار التوحيد وراء آخر وأوسع ستائر الكائنات التي غرقت فيها أهل الضلالة، وتُظهر نور الأحدية وراء الستائر التي هي آخر نقطة استناد وأوسعها وسبب غفلة أهل العلوم كعلماء الفلك، فهي تتعقب أعداءها حتى هناك، وتدمر أبعد حصونهم وتهدمها، وتدل على طريق الاطمئنان في كل مكان، فلو فروا إلى الشمس لضربت رءوسهم وقالت لهم إنها مدفأة ومصباح؛ اعرفوا من الذي يمدها بالحطب والغاز وأفيقوا.

وتظهر أيضًا أن الكائنات من أولها إلى آخرها تتجلى عليها الأسماء الإلهية كالمرايا، فلا يبقى مجال للغفلة، ولا يمنع أي شيء استحضار رقابة الله، وليس كما يفعله أهل الطريقة والحقيقة من نفي الكون أو نسيانه أو تناسيه، بل لقد رأيت أنها تُكسب مرتبة حضور واسع سعة الكون، وتتخذ عبودية واسعة سعة الكون الكلي الدائم، وأعطتني قناعة جازمة قاطعة بأن في "الحزب النوري" حقيقة "تفكر ساعة" إلى آخره.

                                                                سـعيد النورسي             

 

باسمه سبحانه

إخواني الأعزاء،

إن لهذا الحزب النوري كرامة معنوية عظيمة جدًّا تخص شخصيتي، ولقد حان وقت بيانها.


431. صفحة

عندما انقلب سعيد القديم إلى سعيد الجديد قبل ثلاث وعشرين سنة بحث عن سرّ "تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ" لأنه كان يسلك مسلك التفكر، فكان ذلك السر يغير صورته فيثمر رسالة باللغة العربية أو بالتركية في كل سنتين، فاستمرت هذه الحقيقة بدءًا من رسالة "القطرة" العربية إلى رسالة الآية الكبرى وغيرت صورها حتى أصبحت في صورة الحزب الأكبر النوري الدائمة، فكلما تضايقت وتضجرت منذ عشرين سنة، وأصاب فكري وقلبي الإرهاق أزال هذا الحزب ذلك الضيق والملل والتعب والإرهاق كلما قرأت بعضًا منه متفكرًا فيه، وقد تكرر ألف مرة أنه لم يبقَ بقراءة سُدس هذا الحزب أي أثر من الملل والتعب الناشئين عن الانشغال بكثير من الأمور، أجل؛ ومازال هذا الحال مستمرًّا حتى الآن.

سعيد النورسي     

حقيقة مهمة

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه الرسالة رسالة صغيرة باللغة العربية يظهر فيها معنى الحديث "تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ"[1]، وهي برهان أنوار لرسائل النور، ووردها الأعظم والأكبر، ومثالها المصغر، وذكر تفكري عظيم، وعلم إيماني عظيم، وهي بمنزلة حزب كبير لأهل العلم ناشئ عن امتزاج "اللمعة التاسعة والعشرين" المؤلّفة بالعربية و"الشعاع السابع" اللذين هما شاهدان كبيران لعظمة وحقيقة الآية الكبرى في القرآن وهي رسالتا الآية الكبرى -أي"اللمعة التاسعة والعشرين" و"الشعاع السابع" ويمكن أن تكون وردًا عظيمًا إيمانيًّا تفكريًّا يقرأها أحيانًا من يجيد اللغة العربية من طلاب رسائل النور أو من عنده رسائل "الآية الكبرى" و"المناجاة" و"المكتوب العشرون" ويقرأها منهم، فإذا قرئ مرة في كل عشرة أيام لزاد الإيمان كثيرًا وقوّاه.

     سـعيد النورسي

 

 

 

 


[1]



432. صفحة

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً * تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً [الإسراء: 42-44]  

(شرح وإيضاح هذا القسم في المقام الثاني من رسالة "الآية الكبرى"[1])

فاعلم أنه لا إله إلا الله آمنا بأنه لا إله إلا الله الواجب الوجود الواحد الأحد الفرد الصمد الذي دل على وجوب وجوده في وحدته، وعلى عظمة قدرته في حشمة سلطنته السموات الشاهدات بكلمات النجوم والشموس والأقمار والسيارات المحركات المسخرات بالإدارة المدورات المدبرات بالمشيئة الموظفات المنظمات بكمال الحكمة والانتظام والمستخدمات المستوقدات بغاية المحافظة والميزان فالأجرام العلوية والكواكب الدرية في قبة الفلك بكمال ظهور شهادتها مجسمات نيرات براهين ألوهيته وعظمته وبغاية وضوح دلالاتها شعاعات شواهد ربوبيته وعزته، تشهد على شعشعة سلطنة ألوهويته وتنادي على وسعة حاكميته في إحاطة ربوبيته بجميع العوالم والأشياء فاستمع إلى آية ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ [سورة ق: 6].

ثم انظر إلى السماء كيف ترى سكوتا في سكونة حركة في حكمة تلألؤا في حشمة تبسما في زينة مع انتظام الخلقة مع اتزان الصنعة تشعشع سراجها لتبديل المواسم ولتحويل صحائف الفصول إلى قلم القدرة لكتابة سطور النباتات والحيوانات تهلهل مصباحها لتنوير المنازل ولتقويم الأوقات وتعيين السنين تلألؤ نجومها لتنوير الكائنات وتزيين العوالم تعلن لأهل النهى ربوبية في سلطنة بلا انتهاء لتدبير هذا العالم.

لا إله إلا الله الذي دل على وجوب وجوده في وحدته وعلى غاية وسعة رحمته في سرعة فعالية قدرته الجو الشاهد بكلمات السحاب والرياح والرعود والبروق والأمطار المسخرات المصرفات المدبرات الموظفات بإيصال هدايا الرحمن ونقل لطائف المواد

[1]  إن الإمام بديع الزمان ألف هذا القسم باللغة العربية مباشرة. 



433. صفحة

والأصوات إلى أنواع ذوي الحياة والإنسان؛ بقصد الإحسان وإرادة الإنعام في تحولاتها وحركاتها المشوشة في الظاهر المنظمة في الحقيقة بشهادة حكمها وفوائدها وتطابقها لمظان حاجات ذوي الحياة.

لا إله إلا الله الذي دل على وجوب وجوده في وحدته وعلى إحاطة حاكميته وحكمته وإرادته لكل شيء جميع العناصر الشاهدات بكلمات مواليدها المصنعات بالمشيئة وتنائجها المنظمات بالإرادة وخدماتها المكملات بالحكمة ووظائفها المنتظمات بالقصد بكمال المسخرية والانقياد والإطاعة والانتظام في ترابها وحديدها ومائها وهوائها مع جمودها وجهلها وتشاكسها ومشوشيتها وتشابهها وتماثلها وانتشارها واستيلائها بلا قيد في ذواتها مع كمال موزونية وانتظام ما في أياديها.

نعم تلألؤ الضياء من تنويره تشهيره لإراءة عجائب صنعته تموج الرياح من تصريفه توظيفه بقصد إيصال أوامره إلى مصنوعاته تفجر الأنهار من تذخيره تسخيره تزين الأحجار من تجهيزه تدبيره لمنافع ذوي الحياة من عباده تبسم الأزهار من تزيينه تحسينه للتعرف والتودد إلى مخلوقاته تبرج الأثمار من إنعامه إكرامه لإحساس كمال فضله وكرمه تسجع الأطيار من إنطاقه إرفاقه لإشعار حسن إدارته ولطف ربوبيته تهزج الأمطار من تنزيله، تفصيله؛ لتبشير حيواناته في إمدادات نباتاته تحرك الأقمار من تقديره، تدويره لتعيين الأوقات والسنين لذوي الشعور من خلقه سبحانه ما أنور برهانه ما أبهر سلطانه.

آمنا بأنه لا إله إلا الله الذي دل على وجوب جوده في وحدته وعلى كمال رحمانيته في محاسن ربوبيته الأرض الشاهدة بكلمات معادنها المدخرات بالحكمة للحاجات وكلمات نباتاتها المتسنبلات بالرحمة للأقوات وبكلمات أشجارها المثمرات بالعناية للأرزاق وبكلمات هي حيواناتها المصورات المدبرات بأكمل تدبير وإدارة وبأحسن تربية وإعاشة وبألطف إطعام ومحافظة بدقائق الحكمة والإرادة وبلطائف الرحمة والعناية جل جلاله. 


434. صفحة

فسبحان من جعل حديقة أرضه مشهر صنعته محشر فطرته مظهر قدرته مدار حكمته مزهر رحمته مزرع جنته ممر المخلوقات مسير القافلات مسيل الموجودات مكيل المصنوعات فجميع تلك القافلات لاسيما مزين الحيوانات منقش الطيورات مثمر الشجرات مزهر النباتان معجزات علمه خوارق صنعته هدايا جوده بشائر لطفه فتبسم الأزهار من تزين الأثمار وتهزج الأمطار على خدود الأزهار وتسجع الأطيار في نسمة الأسحار وترحم الوالدات على الأطفال الصغار وتزين الأشياء والأشجار وتبرج الأزهار والأثمار ما هي إلا تعرف صانع ودود وتودد خالق رحمان ترحم منعم حنان، وتحننن محسن منان للجن والإنسان والروح والحيوان والملك والجان بالحجة والبرهان بل بالمشاهدة والعيان.

لا إله إلا الله الذي دل على وجوب وجوده في وحدته وعلى عظمة حاكميته في حشمة ربوبيته جميع البحار والعيون والأنهار بكلمات جواهرها المزينات وحيواناتها المنتظمات ووارداتها وصرفياتها بالميزان وادخارها ومحافظتها بالانتظام.

لا إله إلا الله الذي دل على وجوب وجوده في وحدته وعلى عظمته سلطنة ألوهويته في لطائف تدابير ربوبيته جميع الجبال والأودية والصحاري الشاهدات بكلمات معادنها ودفائنها وخزائنها ومنابعها المدخرات المسخرات المهيآت بالتدابير الاحتياطية لأنواع حاجات ذوي الحياة وبكلمات نباتاتها المزينات المتزهرات المتبسمات والمتسنبلات المرسلات لإطعام المخلوقات وبكلمات أشجارها المورقات المزهرات المثمرات الناشرات أياديها بالأثمار لإنفاق ذوي الحياة.

لا إله إلا الله الذي دل على وجوب وجوده في وحدته وعلى أنواع نقوش جلوات أسمائه ومحاسن صنعته في لطائف دقائق حكمته إجماع جميع أنواع النباتات وجميع أصناف الأشجار الشاهدات بكلمات الأوراق والأزهار والبذور والأثمار الموزونات المنظومات الفصيحات البليغات المنشدات لمدائح خلاقها ومصورها ومزينها بشهادة إحاطة حقيقة تبارز إرادة الإحسان والإنعام والإكرام والامتنان في الكل على ذوي

435. صفحة

الحياة بإهدائها لها مزينة بلطائف الرحمة والعناية وتظاهر حقيقة التصوير والتدبير والتمييز والتزيين في كلها بدقائق الحكمة والإرادة والزرع والنشر لاسيما بطيران البذور بأجنحة الأشعار وبمشاهدة حقيقة فتح جميع صورها المتباينة الغير المحدودة بكمال الانتظام والاتزان والامتياز على مر الزمان والمواسم بلا سهو ولا نسيان، من بذورات ونواتات وحبات متشابهات مختلطات مخترعات دفعة من العدم محدودات معدودات حتى صارت البذور والأثمار والحبوب والأزهار معجزات الحكمة، خوارق الصنعة هدايا الرحمة خلاصة الأطعمة براهين الوحدة بشائر لطفه في دار الآخرة شواهد صادقة بأن خلاقها على كل شيء قدير وبكل شيء عليم قد وسع كل شيء بالرحمة والعلم والصنع والتصوير حتى كأن الشمس في الكائنات كالثمرة والسراج في الخلق والتدبير والنجوم في السماء كالأزهار والأثمار في الصنع والتصوير والأرض في الفضاء كالبيضة والحبة لا تثقل عليه في الخلق والتقدير والصنع والتصوير.

نعم جميع النباتات والأشجار شاهدات على وجوب موجودية صانعها ووحدانيته بكمال الوضوح والظهور وغاية الصراحة والبيان وبالخاصة عند انفتاح أكمامها وانكشاف أزهارها وتزايد أوراقها وتكامل ثمارها ورقص بناتها (أي أولادها) المتبسمة على أيادي أغصانها وبأفواه مزينات أزاهيرها وأكمامها وبألسنة منتظمات سنابلها وعناقديها وبحروف موزونات بذورها ونواتاتها وبكلمات منظومات حباتها وثمارها وبدلالات معاني مصنعات نظامها في ميزانها في تنظيمها في توزينها في تزيينها في تمييزها في صنعتها في صبغتها في زينتها في نقوشها في طعومها في روائحها في ألوانها في أشكالها المتمازيات المنتظمات الواصفات لتجليات صفات خلاقها والمفسرات لجلوات أسمائه والمعرفات لتودداته وتعرفاته إلى مخلوقاته لاسيما توصيفها لخلاقها بما يتقطر من طرافة عيون أزاهيرها ويترشحمن طراوة أسنان سنابلها ويتحلب من عسيلة شفاه ثمارها من قطرات رشحات لمعات جلوات تودده وتحببه وتعرفه وتعهده لمصنوعاته سبحانه ما أزين برهانه وما أظهره وما أبهره. 


436. صفحة

لا إله إلا الله الذي دل على وجوب وجوده في وحدته وأحديته وعلى صفاته وأسمائه إجماع جميع أنواع الحيوانات والحوينات وجميع أقسام الطيور والطويرات بكلمات الأعضاء والآلات المنتظمة بدقة الإرادة والحكمة وبجمل الجوارح والجهازات المكملة بالمشيئة والعناية وبمعاني الحواس والحسيات المنظمة بقصد الإحسان والرحمة بشهادة إحاطة حقيقة الصنع والإبداع، والخلق والاختراع من العدم في الكل بدقائق الحكمة والإرادة وبشهادة تظاهر حقيقة التصوير والتدبير والتمييز والتزيين والتربية والإعاشة بمحاسن الرحمة والعناية وبمشاهدة حقيقة فتح جميع صورها المتخالفة الغير المحصورة بكمال الانتظام والاتزان والامتياز بالدوام في الفصول والأزمان بلا سهو ولا نسيان من قطرات وبيضات متماثلة متشابهة مختلطة منشآت من العدم محصورات معدودات.

آمنا بأنه لا إله إلا الله الواجب الوجود الواحد الأحد الذي دل على وجوب وجوده في وحدته وأحديته وعلى صفاته وأسمائه وشئونه وأفعاله إجماع جميع الأنبياء والمرسلين مع جميع الأخيار بقوة ما لا يحصى من المعجزات الباهرات الظاهرات المتواترات المصدِّقات المصدَّقات وما لا يحد من المكالمات والمناجاة والمشاهدات ومن المقابلات والإمدادات والإعانات الغيبيات الإلهية.

لا إله إلا الله الذي دل على وجوب وجوده في وحدته إجماع الأصفياء والصديقين مع الأبرار بقوة ما لا يحد من البراهين الزاهرات الواضحات القاطعات المحققات ومن الدلائل النورانية الساطعات المدققات.

لا إله إلا الله الذي دل على وجوب وجوده في وحدته إجماع الأولياء والأقطاب ذوي المقامات والأسرار بقوة ما لا يعد من الكشفيات المشهودات الصادقات المتطابقات.

لا إله إلا الله الذي دل على موجوديته في وحدانيته إجماع الملائكة المتمثلين للأبصار واتفاق الأرواح الطيبين الظاهرين للأنظار بقوة تطابق إخباراتهم المتوافقات المتواترات المشتهرات. 


437. صفحة

لا إله إلا الله الذي دل على وجوب وجوده في وحدته إجماع العقول المستقيمة بقوة يقينياتها واعتقاداتها المتوافقات على التوحيد مع تباين المذاهب وكذا إجماع القلوب السليمة بقوة كشفياتها ومشاهداتها المتطابقات على الوحدة مع تخالف المشارب.

آمنا بأنه لا إله إلا الله الواجب الوجود الواحد الأحد الذي دل على وجوب وجوده في وحدته، وعلى صفاته وأسمائه وشئونه وأفعاله إجماع جميع الكتب المقدسة الإلهية، والصحف السماوية مع جميع الوحيات في جميع الأدوار المتضمنة تلك الوحيات للتنزلات والتعرفات الإلهية إلى مخلوقاته والإمدادات والمقابلات الربانية لمناجاة عباده والإشعارات الرحمانية لوجوده لمخلوقاته.

لا إله إلا الله الذي دل على وجوب وجوده في وحدته إجماع الإلهامات الصادقة في كتب الأصفياء والصديقين في عموم الأعصار المتضمنة تلك الإلهامات للتوددات والتعرفات الربانية والإغاثات والإجابات الرحمانية في مقابلات دعوات مخلوقاته وللإحساسات السبحانية لحضوره لمصنوعاته.

لا إله إلا الله الواجب الوجود الواحد الأحد الفرد الصمد الذي دل وشهد وبرهن على وجوب وجوده في وحدته وعلى أحديته في صمديته وعلى صفاته في أسمائه وعلى شؤونه في أفعاله وعلى جماله وجلاله في كماله فخر العالم بحشمة قرآنه وشرف نوع بني آدم بكثرة كمالاته محمد r وعلى آله وصحبه وسلم بقوة المعجزات الباهرات الظاهرات على يديه وبقوة الكمالات العاليات المشهودات في ذاته وبقوة الحقائق القاطعات الساطعات في دينه وبقوة إجماع آله الأطهار ذوي الكرامات والخوارق والأنوار وبقوة اتفاق أصحابه الأخيار ذوي قوة البصائر ونفوذ الأنظار واستقامة الأفكار ومع توافق الأصفياء ذوي البراهين القاطعة والتدقيقات الساطعة في عموم الأقطار والأعصار.

لا إله إلا الله الواجب الوجود الواحد الأحد الذي دل وشهد وبرهن على وجوب وجوده في وحدته وعلى أحديته وصمديته، وعلى صفاته وأسمائه وشؤونه وأفعاله وجماله

438. صفحة

وجلاله وكماله القرآن المعجز البيان المنور للأكوان والأزمان المقبول المرغوب لأنواع الملك والإنس والجان المقروء كل آياته في كل دقيقة بألسنة مئات مليون من نوع الإنسان وبألسنة ما لا يحصى من الروحانيات والمخلوقات ذوي الإذعان الجاري سلطنته المعظمة على نصف الأرض وخمس نوع البشر في أربعة عشر عصرا بكمال الاحتشام والاحترام المقرر بالحقائق الراسخة الست بالحجة والبرهان المصدق حقانيته من جانب المقامات الستة بالمشاهدات والعيان المنور أطرافه من الجهات الست بالتحقيق والإذعان بإجماع سوره وآياته السماوية على التوحيد وباتفاق حقائقه وأسراره القدسية على الوحدة وبتوافق ثمراته وآثارها المعنوية على الوحدانية.

آمنا بأنه لا إله إلا الله الواجب وجوده الممتنع نظيره، الممكن كل ما سواه الذي دل على وجوب وجوده في وحدته وعلى صفاته وأسمائه وشؤونه وأفعاله هذه الكائنات الكتاب الكبير المجسم القرآن الجسماني المعظم القصر المزين المنظم البلد المكمل المحتشم بإجماع أبوابه وفصوله وصحفه وسطوره وآياته وكلماته وحروفه ونقطه على وجوب وجود كاتبه ومؤلفه الأزلي الأبدي وباتفاق أركانها وأنواعها وأجزائها وجزئياتها وسكنتها ومشتملاتها وتجدداتها وتحولاتها وعلى وحدانية صاحبها وصانعها السرمدي بشهادة إحاطة حقيقة "الحدوث" و"الإمكان" و"التغير" في كلها وبشهادة إحاطة حقيقة التداخل والتعاون والتناسب في عمومها بالانتظام وبشهادة إحاطة حقيقة التغيير والتبديل تحت حكمة وإرادة وحقيقة التصوير والتدبير تحت قصد ومشيئة وحقيقة التربية والإعاشة تحت محافظة ونظام وميزان فجميع الأجرام العلوية والموجودات الأرضية في بستان الكائنات معجزات قدرة خلاق عليم بالضرورة وجميع هذه النباتات المتلونة والحيوانات المتنوعة المنثورة المنشورة في حديقة الأرض خوارق صنعة صانع حكيم بالبداهة وجميع هذه الأزهار والأثمار المتزينة المتبسمة في جنان الكائنات هدايا رحمن رحيم بالحدث الشهودي بل بالمشاهدة تشهد هاتيك وتنادي تاك وتعلن هذه بأن خلاقها ومصورها وواهبها على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، تتساوى بالنسبة

439. صفحة

إليه الذرات والنجوم والمتناهي وغير المتناهي فكل الوقوعات الماضية وغرائبها معجزات قدرة ذلك الصانع الحكيم تشهد على أنه قدير على كل الإمكانات الاستقبالية وعجائبها.

فالكائنات مثل الشجرة والقصر تدل بالقطع على موجودية من أسس في ستة أيام بنيان هذه الشجرة المحيطة والقصر المزين وفرش أساساتها بأصول مشيئته وحكمته وفصلها إلى أركانها بدساتير قضائه وقدره ونظمها بقوانين عادته وسنته وزينها بنواميس عنايته ورحمته ونورها بخصوصيات إمدادات جلوات أسمائه وصفاته لضعفاء الأفراد وشذوذات قوانينه فسبحان من جعل هذا العالم الكبير كهذا الإنسان الصغير في الصنع والتقدير بكمال اليسر والسهولة، والإبداع والتدبير بأحسن صورة نعم ذاك العالم الكبير كهذا العالم الصغير مصنوع قدرته مكتوب قدره إبداعه لذاك بتجلي الألوهية صيره مسجدا إيجاده لهذا العقل والإيمان صيره ساجدا إنشاؤه لذاك مزرعة المحصولات صير ذاك ملكا بناؤه لهذا ذي الذوق والاحتياج صيره مملوكا صنعته في ذاك بغاية الانتظام تظاهرت كتابا صبغته في هذا بأكمالياتها بغاية الاتزان تبارزت خطابا قدرته في ذاك تظهر حشمته وتبرز جلاله رحمته في هذا تنظم نعمته تصف جماله حشمته في ذاك تشهد هو الواحد الفرد لا ضد ولا شريك ولا نظير له نعمته في هذا تعلن هو الأحد الصمد لا ند ولا معين ولا وزير له سكنه في ذاك في الكل والأجزاء سكونا حركة خاتمه في هذا في الجسم والأعضاء حجيرة ذرة.

آمنا بأنه لا إله إلا الله الواجب الوجود الواحد الأحد له الأسماء الحسنى وله المثل الأعلى الذي دل بذاته على وجوب وجوده في وحدته وعلى صفاته وأسمائه وشؤونه وأفعاله الذات الواجب الوجود بإجماع تجليات جميع صفاته وأسمائه وأفعاله وشؤونه بسر الإحاطة بكل شيء بالفعالية في الحكمة وإشعاراتهما بوجوده والاستيلاء على كل شيء بالتصرفات في الرحمة وإحساساتهما بحضوره عندها وباتفاق جميع آثاره ومصنوعاته بسر التدبير والإدارة بغاية الانتظام والميزان وبسر التربية والإعاشة بغاية

440. صفحة

الإحسان والإنعام وكذا شهد على وجوبه ووحدته بشهادة مشاهدة عظمة إحاطة حقيقة تبارز الألوهية المطلقة المحيطة لأقطار الكائنات في تظاهر الربوبية المطلقة العامة لجميع المخلوقات في مشاهدة الفعالية الدائمة الشاملة لجميع المصنوعات المستمرة في كل آن وزمان وفي كل كون ومكان بالصنع والإبداع والخلق والتقدير والتغيير والتبديل والتربية والتدبير والمحافظة والإعاشة بكمال الانتظام والاتزان والامتياز والإتقان بلا قصور ولا نقصان.

نعم فما حقيقة هذه الكائنات كلا وأجزاء وصحائف وطبقات، وما حقائق هذه الموجودات كليا وجزئيا ووجودا وبقاء إلا وهي ظلال أنواره وآثار أفعاله وأنواع نقوش أنواع جلوات أسمائه وإلا خطوط قلم قضائه وقدره وتنظيمه وتقديره بعلم وحكمة وإلا نقوش بركار علمه وحكمته وتصويره وتدبيره بصنع وعناية وإلا تزينات يد بيضاء صنعه وعنايته وتحسينه وتنويره بلطف وكرم وإلا أزاهير عين لطفه وكرمه وتودده وتعرفه برحمة ونعمة وإلا ثمرات فياض عين رحمته ونعمته وترحمه وتحننه بجمال وكمال وإلا لمعات جلوات جماله وكماله فكل ما في الموجودات من المحاسن والكمالات من لمعات جلوات جماله وكماله بسر مرور المرايا وذهاب المظاهر مع دوام التجلي بالاستمرار.

نعم تفاني المرآة زوال الموجودات مع التجلي الدائم مع الفيض الملازم من أظهر الظواهر من أبهر البواهر أن الجمال الظاهر أن الكمال الزاهر ليسا ملك المظاهر ومن أفصح تبيان من أوضح برهان على الجمال المجرد والإحسان المجدد والكمال المسرمد للواجب الوجود للواحد الودود.

فكما أن الأثر المصنع المنظم المكمل يدل على بالبداهة على الفعل الاختياري المكمل وهو على الاسم العنوان وهو على الوصف المصدر له وهو على الاستعداد والشأن الذاتي وهو على الذات الفاعل الصانع كذلك جميع هذه الآثار المكملة شاهدات على الأفعال الإلهية بالبداهة وهي على الأسماء الحسنى بالضرورة وهي على الصفات القدسية بعلم اليقين وهي على الشؤون الذاتية بعين اليقين وهي على الذات

441. صفحة

الواجب الوجود في وحدانيته وأحديته في جلاله وجماله وكماله بعلم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وتشهد على شهادة الله بهذه الشهادة السابقة آية ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾ صدق الله العظيم [آل عمران: 18-19].

لا إله إلا الله الواحد الأحد ذو الكبرياء والعظمة المنافيتين للشركة بالضرورة.

لا إله إلا الله ذو الآمرية العامة والحاكمية المطلقة المانعتين من الشركة بالبداهة.

لا إله إلا الله ذو الربوبية الشاملة والألوهية المطلقة المستلزمتين للوحدة بسر توقف غاياتهما وكمالاتهما على الوحدانية.

لا إله إلا الله ذو الفتاحية المتماثلة العامة المكملة وذو الرحمانية الواسعة المتشابهة المنتظمة الدالتين بسر الإحاطة وبسر التماثل على الوحدة بالضرورة.

لا إله إلا الله ذو الإدارة المحيطة من الذرات إلى السيارات المنتظمة والإعاشة الشاملة لكل ذوي الحياة المقننة الشاهدتين بسر الإحاطة والتداخل على الوحدانية بالبداهة.

لا إله إلا الله ذو الأسماء والأفعال المحيطة وصانع العناصر والأنواع المستولية الشاهدة بإحاطتها واستيلائها على الوحدة.

لا إله إلا الله موجد الأشياء بالكثرة المطلقة في السرعة المطلقة في السهولة المطلقة مع الانتظام المطلق وكمال حسن الصنعة وغلو القيمة الدالة هذه الكيفية على الوحدة بالضرورة.

نعم فانظر إلى آثاره المتسقة على وجه الأرض كيف ترى كالفلق سخاوة مطلقة مع انتظام مطلق في سرعة مطلقة مع اتزان مطلق في سهولة مطلقة مع اتقان مطلق في كثرة مطلقة مع كمال مطلق في وسعة مطلقة مع حسن صنع مطلق في بعدة مطلقة مع اتفاق مطلق في توافقات مطلقة مع تمايز مطلق في خلطة مطلقة مع امتياز مطلق

442. صفحة

في مبذولية مطلقة مع غلو القيمة فهذه الكيفية المشهودة شاهدة للعاقل المحقق ومجبرة للأحمق المنافق على قبول الوحدة والصنعة للحق ذي القدرة المطلقة وهو العليم المطلق إذ في الوحدة سهولة مطلقة إلى درجة الوجوب واللزوم وفي الكثرة صعوبة منغلقة إلى درجة الامتناع.

 لا إله إلا الله الواحد الأحد الذي تزاحمت خواتم وحدته على كل مكتوب من مكتوباته في كل صفحة من صفحات موجوداته حتى كأن كل زهرة وثمر وكل نبات وشجر بل كل حيوان وحجر في كل واد وجبل وكل باد وقفر خاتم بين النقش والأثر يظهر لدقة النظر بأن ذا ذاك الأثر هو صانع نوعه وجنسه فهو كاتب ذاك المكان بالعبر فهو كاتب صحائف البر والبحر بمداد النباتات وذوي الحياة والشجر فهو نقاش صحف السماوات بمداد النجوم وبمرصعات السيارات والشمس والقمر لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا إله إلا الله الواجب الوجود الواحد الأحد.

 لا إله إلا الله الملك الحق المبين، محمد رسول الله صادق الوعد الأمين بشهادة ظهوره دفعة مع أميته بأكل دين وشريعة وبأقوى إيمان وعبادة وبأعلى دعوات ودعوة وبأعم تبليغ وأتم متانة خارقات مثمرات لا مثل لها تدل على غاية جديته واعتماده وعلى غاية وثوقه واطمئنانه، وعلى كمال صدقه وحقانيته

لا إله إلا الله الملك الحق المبين محمد رسول الله صادق الوعد الأمين بشهادة آلاف المعجزات المحمدية والكمالات الأحمدية وبشهادة ما لا يحد من الحقائق القرآنية والبراهين الفرقانية، ومن إشارات الحقائق الجوشنية، ومن دلائل الرسائل النورية وبشهادة مئات الإرهاصات المبشرات المتواترات الماضية، وآلاف الحادثات المشهودات المصدقات الاستقبالية.

لا إله إلا الله الملك الحق المبين محمد رسول الله صادق الوعد الأمين بشهادة قوة يقينيات آله الأطهار ذوي المقامات والكشفيات والأنوار بالتصديق له والإيقان بدرجات حق اليقين وبشهادة كمال إيمان أصحابه الأخيار ذوي قوة البصائر ونفوذ

443. صفحة

الأنظار، واستقامة الأفكار بالتصديق له والإيمان في درجات عين اليقين وبشهادة قوة تحقيقات الأصفياء ذوي البراهين القاطعة وتدقيقات الأنظار بالتصديق له والاعتقاد في درجات علم اليقين وبشهادة تطابق كشفيات الأقطاب على رسالته ذوي المراتب والأسرار بدرجات الكشفيات والمشاهدات بالتحقيق واليقين، وبشهادة تواتر تصديقات الأنبياء له في الصحف والأخبار وبشهادة بشارات الرسل برسالته بالمشاهدة في الكتب ذات الأنوار في الأزمنة السالفين وبشهادة تواتر بشارات الكواهن والهواتف والعرفاء السابقين.

لا إله إلا الله الملك الحق المبين محمد رسول الله صادق الوعد الأمين بشهادة الكائنات بحقائقها وغاياتها على رسالته بسر توقف حصول غايات الكائنات وتوقف ظهور المقاصد الإلهية منها وتوقف تقرر قيمتها ووظائفها وتوقف تبارز حسنها وكمالاتها بل وتوقف تحقق حكمها وحقائقها على سر الرسالة البشرية لاسيما الرسالة المحمدية إذ هي الكاشفة المظهرة المدار الأتم لها ولولا الرسالة الإنسانية لاسيما الرسالة المحمدية لصارت هذه الكائنات المكملة ذوي المعاني السرمدية والحقائق الراسخة هباء منثورا متطايرة المعاني ومتساقطة الكمالات وهو محال من وجوه وجهات.

لا إله إلا الله الملك الحق المبين محمد رسول الله صادق الوعد الأمين بشهادة صاحب الكائنات وخلاقها ومدبرها ومتصرفها بأفعاله وإجراءاته على رسالته أي بإنزال القرآن المعجز البيان عليه وبإظهار أنواع المعجزات الباهرات على يديه وبتوفيقه وحمايته في كل حالاته وبإدامة دينه وإعلائه بكل حقائقه وبإعلاء مقام حرمته وشرفه وإكرامه على جميع مخلوقاته بالمشاهدة والعيان وبجعل رسالته شمسا معنوية لكائناته وبجعل دينه فهرستة كمالات مخلوقاته وعباده وبجعل حقيقته مرآة جامعة لتجليات الألوهية بالحجة والبرهان.

نعم فالألوهية المطلقة مستلزمة بسر التظاهر للرسالة في الإنس والجان لاسيما الرسالة المحمدية إذ هي المرآة الجامعة لتجليات الكمالات الإلهية. 


444. صفحة

اللهم يا من تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن نشهدك ونشهد جميع ما سبق بأنا نشهد بأنك أنت الواحد الواجب الوجود الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم القدير العليم الرحمن الرحيم الخلاق الحكيم لك الأسماء الحسنى، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وكذا نشهدك ونشهد الدلائل السابقة بأنا نشهد أن محمدا عبدك ونبيك وصفيك وخليلك وجمال ملكك ومليك صنعك وعين عنايتك وشمس هدايتك ولسان حجتك ومحبتك ومثال رحمتك ومثال رحمتك ونور خلقك وشرف موجوداتك وسراج وحدتك في كثرة مخلوقاتك وكشاف طلسم كائناتك بحقيقة وبقرآنه ودلال سلطنة ربوبيتك ومبلغ مرضياتك ومعرف كنوز أسمائك ومعلم عبادك وترجمان آيات كائناتك ومدار شهودك وإشهادك ومرآة أنوار محبتك لجمالك وأسمائك ومحبتك لصنعتك ومحاسن مخلوقاتك وحبيبك ورسولك الذي أرسلته رحمة للعالمين ولبيان محاسن سلطنة ربوبيتك يا رب العالمين، بحكميات صنعة صبغة نقوش قصر العالمين ولتعريف كنوز جلوات أسمائك يا إله الأولين والآخرين بإشارات معاني كلمات آيات سطور كتاب العالمين ولبيان مرضيات رب السموات والأرضين فصل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه بعدد حسنات أمته ونستودع حفظك وحمايتك ورحمتك هذه الشهادات التي أنعمتها علينا في هذه الساعة فاحفظها بعد القبول منا بأحسن قبول إلى يوم الحشر والميزان واجعلها في صحيفة حسناتنا وفي صحيفة عموم الكاتبين لرسائل النور وفي صحائف حسنات والدينا وفي صحائف حسنات جميع طلبة رسائل النور الصادقين آمين بحرمة سيد المرسلين, آمين.

 

﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ [الإسراء: 111]

الله أكبر من كل شيء قدرة وعلما إذ هو العليم بكل شيء بعلم محيط لازم ذاتي للذات ويلزم الأشياء لا يمكن أن ينفك عنه شيء، بسر الحضور والشهود والنفوذ

445. صفحة

والإحاطة النورانية واستلزام الوجود لإحاطة نور العلم بعالم الوجود فالانتظامات الموزونة.. والاتزانات المنظومة والحكم العامة والعنايات التامة والأقضية المنتظمة والأقدار المثمرة والآجال المعينة والأرزاق المقننة والإتقانات المفننة والاهتمامات المزينة. وغاية كمال الانتظام والاتزان والاتقان والامتياز المطلق والسهولة المطلقة تدل كل ذلك على إحاطة علم علام الغيوب بكل شيء ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14] فنسبة دلالة حسن صنعة الإنسان على شعور الإنسان إلى نسبة دلالة حسن خلقة الإنسان على علم خالق الإنسان كنسبة لميعة نجيمة الذبيبة في الليلة الدهماء إلى شعشعة الشمس في رابعة النهار.

الله أكبر من كل شيء قدرة وعلما إذ هو المريد لكل شيء ما شاء الله كان ولم يشأ لم يكن إذ تنظيم صنعة هذه المصنوعات من بين الإمكانات الغير المحدودة والطرق العقيمة والاحتمالات المشوشة والسيول المتشاكسة لهذا النظام الأدق الأرق وتوزينها بهذا الميزان الحساس الجساس وتمييزها بهذا التعينات المزينة المنتظمة وخلق الأشياء المنتظمة الحيوية من البسيط الجامد الميت كالإنسان بجهازاته من النطفة والطير بجوارحه من البيضة والشجر بأعضائه من الحبة تدل كل ذلك على أن كل شيء مصنوع بمشيئته وإرادته وتخصيصه وترجيحه سبحانه لا إله إلا هو فكما أن توافق ذوي الحيات في أساسات الأعضاء النوعية والجنسية يدل على أن صانع الكل واحد أحد كذلك أن تمايزها بالتعينات المنتظمة يدل على أن ذلك الصانع الواحد الأحد فاعل مختار يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

الله أكبر من كل شيء قدرة وعلما إذ هو القدير على كل شيء بقدرة مطلقة محيطة ضرورية ناشئة لازمة للذات فمحال تداخل ضدها فلا مراتب فيها فتتساوى بالنسبة إليها الذرات والنجوم والجزئي والكلي والإنسان والعالم والنوات والشجر بشهادة غاية كمال الانتظام المطلق والاتزان المطلق والامتياز المطلق والإتقان المطلق والامتياز

446. صفحة

الأتم في الكثرة والسرعة والوسعة.. والسهولة المطلقات وبسر النورانية والشفافية والمقابلة والموازنة والانتظام والامتثال وبسر إمداد الواحدية وبسر الوحدة وتجلي الأحدية وبسر التجود والوجوب ومباينة الماهية وبسر عدم التقيد وعدم التحيز وعدم التجزئ وبسر انقلاب العوائق والموانع إلى حكم الوسائل المسهلات وبسر الذرة والجزء والإنسان والنوات ليست بأقل جزالة وصنعة من النجم والكل والكلى والعالم والشجر فخالق هاتيك هو خالق هؤلاء وبسر أن المحاط كالأمثلة المكتوبة المصغرة أو كالنقط المحلوبة المعصرة.. فلابد أن يكون المحيط في قبضة خالقها ليدرج مثاله فيها بموازين علعمه ويعصرها منه بدساتير حكمته فكما أن قرآن العزة المكتوب على الجوهر الفرد يعني الذرة الأصغر بذرات الأثير ليس بأقل جزالة من قرآن العظمة المكتوب على صحف السموات بمداد النجوم والشموس. فكاتب هذا هو كاتب ذاك.. كذلك ليس ورد الزهرة بأقل جزالة من دري نجم الزهرة ولا النملة من الفيلة ولا النحلة من النخلة فكما أن غاية كمال السرعة والسهولة أوقع أهل الضلالة في التباس التشكيل بالتشكل المستلزم لمحالات غير محدودة تمجه الأوهام كذلك أثبت ذلك الكمال لأهل الهداية والحقيقة تساوي النجوم مع الذرات بالنسبة إلى قدرة خالق الكائنات جل جلاله.. الله أكبر.

سعيد النورسي

 


447. صفحة

باسمه سبحانه

إن أخانا المرحوم حسن فيضي الذي كتب هذه الرسالة الطويلة ذات الحقيقة عن رسائل النور استشهد بدلا من أستاذه تصديقًا لما قاله في إحدى رسائله: "إنني نذرت أن تكون روحي فداء لك" مثل المرحوم الشهيد الحافظ علي، وذهب إلى جوار أخيه الشهيد الحافظ علي الكبير، فهذا الرجل ذو الجناحين هو من أهل القلب ومن أهل العلم والحقيقة المرموقين، لقد خدم الإيمان بصفته معلمًا في المدارس ثلاثين سنة، وحصل على رسائل النور منذ عشر سنوات، وعمل لخدمة الإيمان تحت ستار الخفاء، ثم أعلن وصرح عن الحقائق والكمالات العالية لرسائل النور مباشرة بكل ما أوتي من قوة من دون خوف وتحفّظ خلال سنتين، رحم الله روحه وأرواح أصدقائه النوريين الذين في عالم البرزخ آلاف الرحمات بكل حرف من رسائل النور. آمين آمين، آمين.

                                                                    سـعيد النورسي     

 

هذه رسالة مهمة طويلة لحسن فيضي الذي هو من المعلمين المدققين المبرزين ذوي الرتبة العالية في كلية العلوم وفي العلوم الإسلامية[1].

بسم الله الرحمن الرحيم

)اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ( [النور: 35].


[1] لقد طوي بعض أجزائها ولم تكن هناك حاجة لنشرها. (المؤلف)

 



448. صفحة

نحن نعرِّف رسائل النور كما يلي:

يا رسائل النور، لم يبق أي شك ولا شبهة بعد في أنك نابعة من أنوار القرآن الكريم ومن معجزاته، وأنك إلهام الحق ولسان الحق، وأُلِّفتِ بأمره جل جلاله وإذنه.

ولكن يا تُرى هل أُلِّف مثيل لك حتى الآن؟! وهل وُجد حتى الآن مثيل ونظير لنسخك المزينة الرائعة البديعة الفصيحة البليغة التي أُلِّفَتْ ورتبت ونظمت باللغة التركية؟! حقًّا، الفصاحة التي في وجهك، والبلاغة التي في لبك وروحك، والحلاوة التي فيك لا توجد في المؤلفات الأخرى.

ومن المعلوم لدى أهل ذلك الفن وأربابه أن الآيات البينات الإلهية تحمل بقراءات متنوعة علوم الحكمة والحقيقة والمعرفة وكثيرًا من الرموز والأسرار والإشارات والعلوم العربية، فأنت كذلك تحملين بين كل صفحات من صفحاتك وسطر من سطورك، بل حتى في كل حرف وكلمة فيك كثيرًا من المعالي وكثيرًا من الأسرار واللدنيات التي تجعل تلامذتك في إعجاب وانبهار وذهول، فهذه الحال تثبت أنك معجزة من معجزات القرآن.

وأنت قد أُلِّفتِ تأليفًا ورُتِّبتِ ترتيبًا تشدّين به النظر كلما نظر إليك الإنسان، وتثيرين رغبة القراءة كلما قرأك الإنسان، وكما أن أرفع تلاميذك يأخذ منك الفيض وولع العلم والمعرفة، فكذلك يتلقى عنك أدنى تلاميذك العلم والفيض والمعرفة.

ما أعظمكِ من مؤلَّف، وما أعذبكِ من كوثر! فمزيتك هذه تمنح لغتنا التركية قيمة عالية ومزية دائمة لا تنفد، وسموك وكرامتك يرفعان من شأن اللغة التركية بين جميع اللغات، وبكِ نرى في لغتنا الأصالة والفصاحة العاليتين إلى هذا الحد اللتين لا تسعهما لغة أي قوم وأي كتاب آخر غير القرآن الكريم، فكما أن آثار الأدباء والبلغاء انحط شأنها وخبت وانطفأت أمام نور القرآن الكريم مع بدء نزوله في عصر قد بلغت الفصاحة والبلاغة فيه إلى أقصى حد، فكذلك قد حيَّرتْ البلغاءَ والخطباء فصاحتُك وبلاغتك الجبارة التي لا حد ولا نهاية لها.


449. صفحة

فأنت لست ملحمة شعرية، ولكنك قد أُلِّفْتِ فصيحة وبليغة وبأسلوب مميَّز وموسيقي، وجميع حروفك تتساند وتتكاتف، وجميع كلماتك وجملك قد نظِّمت برعاية السياق والسباق والانتظام والانسجام، وكل واحدة منها تمد الأخرى بقوة وقدرة ومتانة إلى حد لا يمكن معه الإتيان بمثلك مع أنك منثورة ومكتوبة باللغة التركية، ولن يحظى أحد بتأليف أثر باهر مثلك مرة أخرى، فيا ترى من كان يخطر على باله ويتخيل أن يطلع بعد أربعة عشر قرنًا كاملا من شروق شمس الإسلام نورٌ سام إلهي عرشي مثلك مرة أخرى مجددًا، ولا سيما في هذا القرن الأخير وعلى يد الأتراك وبلغتهم؟! فأية نعمة عظيمة لنا هذه، وأية سعادة هذه لإنسان هذا العصر يا رب؟!

إن لغتنا التركية تفتخر وتعتز بك، وتشمخ وتتأبّى وتتربع على عرشٍ فوق جميع اللغات.

 وإن الآثار المباركة لأشخاص عظام أمثال مولانا جامي، ومولانا جلال الدين الرومي، والسيد المصري، والسيد بدر الدين، تلك الآثار المترجَمة المنقولة إلى جميع لغات الغرب تنظر إليك وتستعد لتقديم التهاني لك قائلة: ما شاء الله وبارك الله فيك يا رسائل النور، ما أسعدك، لقد أصبحت تاجًا على رءوسنا، ويتهيأ جميع البشر على وجه الأرض لقبولك واستقبالك.  

وإنا لنتمنى ونأمل أن يُقرأ أثر مبارك ميمون مثلكِ في وقت قريب بكمال الفخر واللهفة والإقبال في مساجد العالم الإسلامي ومعابده وفوق منابره ومنصاته.

وإن ما في براهينك من قوة وإقناع وأصالة وجزالة تخلب وتسلب إرادة الإنسان واختياره فتسخّرهما، وتجذب جميع الناس إليها وتخضعهم لنفسها.

وإن تشبيهاتك وعباراتك الجميلة اللطيفة لا يمكن إيجاد مثلها وقولها مرة أخرى، ولا يمكن الإتيان بمثيل ونظير ما فيك من المقارنات والمقايسات والأمثال والوقائع. 


450. صفحة

وإن هذه الفيوضات والأنوار التي تشرق من القرآن العربي على الكلمات التركية والتي تتفجر الآن من اللغة التركية الأصيلة لا تدع شكًا ولا ريبًا في القلوب من أنك نموذج قدرة وعلامة رحمة.

إنك جِلاء لمرآة الإدراك وصفاء لعالم القلب، وغذاء للأرواح والمهج، فسبحان الله! مهما تباهت وافتخرت الأمة التركية فإن تباهيها وافتخارها سيظل قليلا، وإن حججك وبراهينك وعباراتك وكلماتك وتشبيهاتك التي تنوّر العيون وتبهج النفوس هي حقًّا دلائل القرآن الحكيم الذي نزل من العرش الأعظم وحججه وبراهينه؛ لأنها تُذهِب الهموم والأحزان وتبهج الإنسان وتبعث فيه النشاط، ولا يُسمَع حين تُقرأ أي صدى للاعتراض ولا تُشَمّ أية رائحة للإنكار، وحينها يقف العقل والمنطق، وتصفو النفس الإنسانية وتتصفى، وكأن جميع حقائقك قد صُنعت أولا في المعامل السامية الصمدانية للمصانع الربانية والرحمانية، ثم غُسلت في بحر النور الإلهي وأخرجت منه، ثم أُرسلت إلى مصنع عطر الورد، فغُمست سبع مرات في عطر الورد، ثم طُيّبت وعطرت ببخور العود الخالص، ثم بعد ذلك أُلفتِ وكُتبتِ بكل هذا.

وجميع مسائلك وموادك قيمة وعظيمة وجليلة، وإن كلماتك الرصينة الرائعة المزينة والمنورة قد طوت الكتب التي تحمل الخلافات وألقتها جانبًا، فعرضت نفسها على أنظار الأنام، والآن تعلنين وتخاطبين بنداء نوراني قائلة: لا اختلاف منذ اللحظة، بل الاتحاد، وإن عهد الموتى والخاملين والجامدات على وشك الانتهاء، ويأتي عهد الأحياء والنشطين والجاذبين، فأنصتوا واسمعوا.

فالآن جاء عهد النور، والنور هو سيد الموقف، وسأروي هذا العصر الغارق في الظلمات والعصور القادمة بنوري الذي اقتبسته من القرآن". تقولين ذلك وتَدْعين جميع الناس إلى الإيمان وكل الأفراد إلى الله تعالى.


451. صفحة

فيا نور القرآن، إنك تتضاعف وتتسنبل مرة أخرى في آخر الزمان وتنوّر وتزين آفاق العالم بحقائق القرآن، ويا شمس الإسلام التي نوّرت نصف الأرض حتى الآن، إنك تدْعين اليوم جميع سكان الأرض من شقاوة الجهل والضلالة والشرك إلى نور الهداية وإلى الأمن والأمان والسلامة، هنيئًا لك دعوتك هذه، فانثري الضياء على الأشقياء والتعساء الذين يتخبطون غارقين في دوامة الدناءة والأنانية والشيطنة، وامنحيهم النور والسرور وافتحي طريق الحق الحقيقي لمن يصنعون أصنامهم بأيديهم ثم يعبدونها، ومن يغرقون في وديان الضلالة المظلمة المشئومة، ومن يجعلون الفانيات الزائلات أصنامًا وأوثانًا لقلوبهم، ومن يسقطون ضحايا في سبيل النفس الأمارة بالسوء وهواهم ورغباتهم وشهواتهم، وبَيّني لهم هدفهم وخلصيهم وأنقذيهم، واسعَي إلى إغاثة وإمداد العشاق والصادقين المتألمين المهمومين الذين يبكون في الليالي المظلمة ساهرين، ويستصرخون قائلين يا ربنا أرسل علينا نورك، وابعثي في نفوسهم الأمل والسلوان والسرور والبهجة والنور، وادعيْ أهل الطبيعة والشرك الصم العميان المغلوبين المبتلين إلى مدرسة نور الإيمان وإلى الرحمن الرحيم خالق السماوات والأرض.

إنك تنادين بلسان نورك قائلة: " يا أيها الطبيعي ويا أيها الفيلسوف تعال اخرج من هذا المستنقع العميق، وافتح عينيك وانظر إلى نوري، لأعلمَك حقيقة الطبيعة والفلسفة، ففيّ العلوم والصناعات الحقيقية الأصيلة، فإن أحسنت قراءتي والاستماع إلي فستبلغ إلى قصر بواسطة سلّمي النوراني، وتلتقي بسلطان، فالعلم الأعظم الحقيقي والفقه الأكبر الأصلي عندي أنا، فتعلَّم الطبيعة والفلسفة مني، فعلوم الأولين والآخرين عندي أنا، وأنا لست ببضاعة أحد ولا بمقال أحد، ولست مقتبسةً من أي كتاب، ولست مسروقة من أي كتاب، وإنما أنا ربانية وقرآنية، ولست علمًا ناشفًا جافًّا، وإنما أنا نشطة نابضة بالحيوية لامعة مشرقة ونورانية، وأنا نور دائم لا يموت وبديعة ذات كرامة، أتفجر من أثر حي لا يموت، وأبعث الروح في الموتى وروحًا جديدة للأحياء، وأنا دواء الهموم وشفاء

452. صفحة

الأمراض ورحمة الرحمن للعالمين، فتخلَّ عن عنادك وإصرارك، فاقرأني، واستمع إليّ حتى أنقذك من طريقك التائه العشوائي الذي يؤدي إلى الظلمات والفناء، وأكسبك عالمًا عظيمًا واسعًا للسعادة والخلود".

آه فأي كتاب مبارك وجميل مشرق وفريد أنتِ! تبكين القارئ وتضحكين الباكي، وتحيين الميت، وتأخذينه إلى "مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا" متجاوزة به ومخلصة إياه من الأنا، إنك تجبرين الناس على الاستماع إليك بلهفة وشوق، وتسوقين القلوب إلى الجذبة، وتدفعين الأرواح إلى النشوة، وإنك كتابٌ حقٌّ تتفجر فيضًا وحكمة ورحمة! فيا ترى لِمَ يبيع الذين يتتلمذون على يديك حقًّا أنفسهم وأموالهم إلى الله فورًا؟ إن الذين ينسبون إليك العيب والنقص ويفترون عليك هم العميان الذين لا يقدرون على النظر إلى سنا نورك المبهر للعيون، أو المرضى السفهاء الذين في عيونهم رمد وعَوَر، وواضح جدًّا أن الوضيعين المجانين الذين يحاولون أن يَصِموك ويشوهوا سمعتك هم أنفسهم ملطخون بالجرم والجناية، فأهل الفضل والكمال يرونك كاملة وتامة، وينزهونك عن شوائب العيب والنقص، إنك تشخّصين وتفحصين وتعالجين بنورك أهم الأمراض القلبية والفكرية والروحية التي لم يستطع علاجها أخلص الأطباء وأمهرهم حتى الآن، وتجدين ألزم شفاء ودواء، وتقدمينه لمن نزلت بهم مصائب روحية ومعنوية، وتفتحين عيون إدراكهم وعقولهم، وتنقذين هؤلاء البؤساء المساكين في وقت قصير جدًّا، وإنك تستحقين أن تكوني الوِرد الأكثر حكمة وطلسمًا وأسرارًا وتضرعًا ومعنًى وعلوًّا وسموًّا وتأثيرًا وثمرةً وطلبًا وحبًّا، وإنك تنثرين الرحمات والبركات على من يحبونك ويستنسخونك ويقرئونك ويحفظونك في رءوسهم، وتظهرين كرامات خارقة، وإنك تكرمين بعضًا من تلامذتك الخاصين المخلصين بأوسمة الأولياء والأصفياء وتزيّنهم بها، ولا تدَعِين أية فرصة لخصومك، بل إذا اقتضى الأمر تخرسينهم، وتضربينهم تارة ببعض الصفعات الخاصة وتارة باللطمات العامة.

آه! كم أن براهينك واضحة، وكم هي حججك قوية، وكم هي دلائلك ودساتيرك مذهلة! وكم أنت مزينة، وكم أنت مجهَّزة، وكم أنت رائعة! فيا أيها النور، إن أقوى عدو لك وأعتى وأعنف خصم لك لا يشغل موقعًا أمام عينيك ولو بقدر بعوضة. 


453. صفحة

إنك لم تقعي بين يدي أهل التدقيق ولم تظهري أمامهم لكي تطلبي منهم الأمان والمدد، بل لكي تظهري لهم قوتك وقدرتك وشوكتك وعظمتك ونورك الأبدي لمن يتظاهرون بأنهم أعلم العلماء في هذا الزمان، فتُلزميهم وتفحميهم، وتهزميهم وتغلبيهم، وتثبتي لهم رشدك، وتدفعيهم أيضا إلى تصديق حق حياتك، حتى إنهم في النهاية لم يستطيعوا الصمودَ أمام نورك الذي يملأ العيون ويبهرها، وكسروا عصَا إنكارهم واعتراضهم، وطرحوها أرضًا واستسلموا لك واتبعوك.

وإن أجزاءك قد دخلت المحاكم لا بصفة المجرم والجاني والمتَّهم، بل بصفة معلم ومربٍّ ومرشد، وأظهرتِ في كل قاعات المحاكم شدتك وصولتك وعظمتك وعزتك إظهارًا باهرًا فخمًا، وغسلتهم كذلك بماء الإيمان والقرآن، ونفخت في قاعات المحاكم أيضًا روحًا جديدة ونفخة جديدة.

وأنت عندما جعلت تلامذتك العاشقين الصادقين صفوفًا متراصين كقافلة الملائكة، وعينت السيد الإمام بديع الزمان قائدًا عامًّا لهم، وقدتهم قائلة "سيري يا قافلة النور بإذن الله" كان مئات من الناس من كل أصناف الشعب يشاهدون مرور جيش نور الإيمان الجرّار العرمرم في الطرق بكمال الاطمئنان والوقار ويسلمون عليهم، وكانوا يهنئون ذلك الموكب النوراني بأرواحهم ومهجهم ويوقّرونهم ويعظّمونهم، فحتى العميان قد شاهدوا هذا المشهد المنوَّر، وحتى الصمّ سمعوه، وحتى القساة غلاظ الأكباد بكوا أمامه.

أما سر حكمة جريك إلى السجون فهو أن السجناء الذين ينتظرون منذ سنوات بلا نور ولا ضوء في السجون يقولون لك بالمراجعة المعنوية المهمة: "أغثنا يا نور القرآن وأنقذنا، لا سماح لنا بالخروج والخلاص من هنا والوصول إليك ولا طاقة لنا إلى ذلك، ولكنك نور تستطيع أن تدخل في كل الأماكن، ولا مانع لديك، فلا تنسنا، ولا تحرمنا يائسين، واغسل وطهر بماء رحمتك وبنور إيمانك وجوهنا السوداء وجباهنا المتسخة المسودة بسبب جرمنا وعصياننا حتى نستطيع أن نقف بين يدي الله القدوس مطهَّرين، واسقنا وارونا نحن أيضًا من الماء الصافي والكوثر الباقي وماء الحياة الأبدي والأحمدي." 


454. صفحة

أجل؛ هكذا تجلت الحقيقة في سجن دنيزلي، فاليوم يدرس مئات من الطلبة ويتنورون ويكتملون في مدارس العلم والمعرفة والقرآن التي فتحتها في تلك الأماكن وغيرها من السجون التي ظهرت فيها الصحوة بسبب تلك المدارس، ويتحولون إلى عضو نافع لعالم البشر والحضارة، وتُغلَق أماكن الملاهي والقمار وتتحول إلى بيوت النور، فما أعظمه من عون للأمن المجتمعي!

إنك أرقدتِ في مقابر كل بلدة مررت بها شهيدًا مرحومًا مغفورًا له من تلامذتك المخلصين الصادقين الذين ترقوا وسمَوْا قلبًا وروحًا وأصبحوا عند الله من المقبولين الممدوحين وأحرزوا واكتسبوا درجة الولاية ونصبتهم كحراس عليها فأذقتهم كذلك الذوق الروحاني المنبعث من رسائل النور، وملأت مزارات ومراقد أهل القبور بالنور وجعلت أرواحهم سعيدة مسرورة.

إن سير القلم في أثناء تقرير وتحرير كلماتك على الورقة بطريقة غير إرادية وكتابة كلماتك كتابة سريعة بدون مسودة وبدون غلط وخطأ ونقص، وظهور رسائل وكتب في وقت قصير كبضع ساعات قصيرات، واكتمالها صحيحة سليمة رغم مرض الترجمان[1] وتوعكه أحيانا، كل ذلك دليل قاطع على أنك لست أثر ذكاء ودراية، بل خارقة وكرامة قرآنية.

فعلى الرغم من أنك تحت مراقبة ومُلاحَقة وخفاء إلا أن انتشارك بسير سريع في كل الأنحاء واستنساخك، وإقبال جميع الناس عليك رجالا ونساءً بلهفة ونشوة وكأنك مضاد للسُّم وترياق، وازديادك توهجًا وشدة وعدم انطفائك كلّما أرادوا أن يطفئوك بأفواههم، وصَوْلتك وهيبتك تجاه الكفر المطلق والزندقة وحدك بشهامة، وتغلبك وانتصارك عليها في النهاية، لا شك أن كل هذا يُقابَل بالتهنئات والتصفيق ليس في الكرة الأرضية فحسب بل في عالم الملائكة كذلك.


[1] يقصد الإمامَ النورسي رحمه الله.



455. صفحة

ونورت بنورك كثيرًا من المعاني والأسرار الغامضة التي ظلت مطوية في الظلمات حتى الآن وأصبحت مجهولة مع أنها لم تَخْلُ من إثارة الأذهان وخدشها، وشرحتها وبينتها، وكفيتنا مشقة الطريق وأنقذتنا من الضياع والتّيهِ فيها.

ولا شك أن بقاء هذه الأمة الطاهرة والبلاد الشبيهة بالجنة سليمة متينة في أثناء أحداث شديدة هائلة استغرقت سبع سنين في الأرض[1]، وبقاء البلاد الإسلامية كلها أيضًا محفوظة من كل الهجمات، لا شك أنه بعون إلهي وبنور القرآن هذا، فماذا سيفعل الآن يا ترى العالم النصراني الذي انهار ودُمِّر من أوله إلى آخره تجاه ذلك الوضع المؤلم المذلّ؟

أجل؛ إن الكفر والإلحاد إما سيزول ويطمر، وإما سيرتمي في نورك الذي أشرق وسطع في أفق أهل الإسلام، أليس كذلك؟ إنك فتحت أقصر طريق وأيسره وأقومه الذي يمضي إلى ديوان الأحدية وحرم مسجد الألوهية، وينتهي عند مقام "قاب قوسين أو أدنى" الذي هو ذروة الكمال، وأرشدتنا إليه. فجميع المرضى والشيوخ والمساكين والأبرياء والغرباء واليتامى والأرامل والفقراء الذين يحاولون أن يسيروا في الطريق القصير الذي فتحته حديثًا في جادة الأولياء والأصفياء التي هي الصراط المستقيم، يُفحص ويُعالج جميع هؤلاء اليوم في مَشفى فيض حكمتك ويجدون الشفاء فيه، ويجدون المكانة التي يستحقونها والحامي الذي يليق بهم.

إنك تمنحين العين للعميان والأذن للصم واللسان للبُكْم، وتقدمين الشفاء للمرضى والإيمان لغير المؤمنين، وتبشرين الذين تعبوا وسئموا من قراءاتهم وتدقيقاتهم الآثار والكتب المختلفة المليئة بالقيل والقال والخالية من الحق والحقيقة، ولم يجدوا مبتغاهم بعد، والذين ظلوا ينشدون نورًا واطمئنانًا وسكينة من الحقّ، وتَدْعينهم إلى النور وتقولين: " إنني منبع جميع المعارف، وقشطة جميع العلوم، وزبدة كل شيء وخلاصته، ورَوْنَق مدينة القلب"، وتلقّنين درسا حقيقيًّا ومفيدًا لذوي العقول والذكاء من المتخصصين في العلوم

[1]  يقصد الحرب العالمية الثانية. 



456. صفحة

والفلسفة الذين درسوا سنوات عديدة في أفضل وأعلى مدارس ومعاهد العلوم والفنون والفلسفة في أوربا وأمريكا وأكملوها وتخرجوا فيها، وتبينين لهم حقيقة المادة والذرة وماهيتهما، وتبينين لهم كيف ينشأ عن هذه الأشياء البسيطة التي لا شعور ولا وعي ولا إدراك لها عالَمٌ كبير ذو حياة وصاحب إدراك ودنيا ضخمة ذات حياة وإدراك وكيف يحدث ذلك، فتضربين على رءوسهم التي لا إدراك ولا بصيرة لها، وتدفعين كل واحد منهم إلى الحيرة والذهول، بل تعلّمين هذه الحقائق بسهولة وخفة حتى للذين لم يَرَوْا في حياتهم مدرسة أصلا من تلامذتك سواء كانوا أطفالا أو شيوخًا.

وإن عباراتك الوجيزة الحقيقية مثل "خلق أشياء كثيرة من شيء واحد بتحريك مادة بسيطة من قِبل يد غيبية بكمال الانتظام والاعتناء" تعطي معلومات بملء البحار فضلا عما تعطيه من السرور والانشراح للصدور، وهذا الوضوح وهذه السعة وهذه الأدلة الساطعة كالشمس وهذه الصراحة والإشارات كلها آثار كراماتك العلمية والنورية.

وأنت المؤلَّف المتين والنور المبين الوحيد الأكثر عذوبة وحلاوة وجاذبية وجمالا ورونقا الذي يستحق أن يُسمع ويُقرأ ويُستنسخ ويُنشر بكمال الاشتهاء والشوق على جميع الأيدي والألسنة، وأنت التي ستحقِّقين وحدة المسلمين والمجتمع الإنساني وستنشرين وتنثرين نور الوحدة والاتحاد جاعلة طلاب العلم وأسرار العالم على قلب واحد وعلى لسان واحد، موحِّدة بين العلوم والفنون المختلفة في المدارس الحديثة والمدارس الدينية والتكايا والزوايا التي لا اتفاق ولا انسجام بينها الآن[1].  

وكذا أنت التي ستكونين وسيلة لانتشار جميع العلوم الظاهرية والباطنية من القرآن الذي هو منبعك ومعدنك في العالم حتى يستقر نظام العالم، ولامتداده إلى وقته المرهون، وأنت التي ستكونين مدارًا ومؤثرًا لاستراحة عباد الله الصالحين واستعلائهم وتفوقهم.

فيا نور القرآن، ويا حقيقة الإيمان، بما أنك تقومين اليوم بقيادة ثلاثمائة وخمسين مليون مسلم باسم القرآن، إذن فستزيلين المعتقدات والاختلافات السيئة التي تسللت بين أهل

[1]  انظر تفصيل ذلك في أواخر رسالة "المناظرات". 



457. صفحة

الإسلام ورسخت فيما بينهم منذ قرون، وتستأصلين الفتن والفساد والنفاق والشقاق الذي يسود ويهيمن علينا، وستحفظين إن شاء الله بنور القرآن أمة محمد المرحومة التي هي السواد الأعظم في كتلة عظيمة وفرقة ناجية إلى وقت صبح المحشر تحت جناح رأفة القرآن ورحمته إن شاء الله.

ها أنت ذي في عالم الإسلام بعد سيدنا الإمام الحيدر علي كرم الله وجهه الذي هو ناشر العلم والمعرفة والواقف على أسرار القرآن والذي أعلن نفسه للعالم من بين أصحاب الرسول الأكرم r بقوله: سلوني عما شئتم أخبركم، سلوني عن أخبار الماضي والحاضر والمستقبل، وبيَّن وأوضح كل مشكل وأثبت الحديثَ الشريفَ "أنا مدينةُ العِلْم وعليٌّ بابُها"[1]، وبعد الإمام جعفر الصادق رحمه الله تاج المجتهدين الذي أعلن في الناس "سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَإِنَّهُ لاَ يُحَدِّثُ أَحَدٌ بَعْدِي"[2]، فشخصيتك المعنوية يا رسائل النور هي ثالث ثلاثة أولئك المنادين وقد نبعتِ من فيضهما وظهرتِ في هذا العصر، وأعلنت "سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ" وحللت وكشفت كل الأسرار والمعضلات، ورفعت كل حائل.

وكم من تجليات وحيوية ونشاط ونشوة تظهرين وترين للعالم على مرآتك المصقولة العالية بتجليات أسماء الله تعالى "الرحيم" "الحكيم" و"البديع" التي حظيت بتجلياتها، وبأنوارها الصافية السرمدية! ووقف الجن خلفك، والروحانيات والملائكة والأب والابن والغني والفقير والصديق والغريب في حلقة علمك وأنوارك متصافين جنبًا إلى جنب للاستماع إلى الحقائق الإيمانية القرآنية التي فيك، يأخذون منك الغذاء والشفاء والسرور لأرواحهم.

إن أستاذي الذي هو ترجمان "رسائل النور" وخادم من خدّامها عبد من عباد الله وولد معنوي للإمام علي t وتلميذ للغوث الأعظم الإمامِ عبد القادر الجيلاني، ومكرَّم

[1] انظر المستدرك على الصحيحين 3/137، قال : "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه

وأبو الصلت ثقة مأمون.

[2] انظر المستدرك على الصحيحين 2/383، وهو فيه لسيدنا علي بن أبي طالب.



458. صفحة

ومؤيَّد بنصرة الحق تعالى، ويبدو أنه لم تنته بعد مهمته وعمله في الخدمة القرآنية والنورية، ولم يأذن قلم القضاء بعد لانتقاله وسفره من هذا العالم الفاني إلى العالم الباقي، لذا فإنه يحوّل كل السم إلى السكّر ويحوّل كل السكر إلى الكوثر بمدد سيدنا محمد r الذي هو سند العالمين وسيد الإنس والجن، فتتلاشى سحب الأحزان والأشجان وتتبدد.

إنني أرى حضرتك يا أستاذي مستحقًّا لتقدير وتهنئة جميع أهل الإيمان والقرآن باسم شخصيتك المعنوية وطلاب النور المباركين الشبيهين بالمرايا الذين يحملون أوسمة الأصفياء والأتقياء، والذين يقفون أمام باب النور ويخدمون القرآن والإيمان وينثرون النور على الجاهل والعالم، والأمي والعارف، والظالم والمظلوم، والمنكر والمؤمن، والصديق والعدو، والصالح والطالح، والحيوان والحشرات، وجميع ذوي الروح.

ويا ترجمان القرآن، إن أهل العبرة وأرباب البصيرة الذين ينظرون بنظرة متفحصة وإمعان إلى الشخصية المعنوية لرسائل النور التي هي مرآتك المصقولة يمكنهم أن يشاهدوا الرسول الهاشمي r في تلك المرآة إن أرادوا ذلك، بل حتى إذا نظروا نظرة أكثر دقة وحدّة فسيرون الوجه الفضّي لذلكم المحبوب الإلهي ونوره الشمسي، وسيقرأ وسيفهم سورة الإخلاص الشريفة الساطعة على وجهه الطاهر التي كتبت بيد القدرة ليس العالم فحسب بل حتى الأمي.

أيتها المعجزة القرآنية، وأيتها الأنوار الرحمانية، ارفعيني الآن قليلا إلى عرفان ومقام الأستاذ العالي ناشرِ الأفكار وكاشف الأسرار الذي هو ترجمانك وكاتبك الأكبر، واسمحي لي أن أتكلم معه.

فها هو ذا كوخه الصغير المتواضع الذي يؤويه فكأنه عار من كل شيء، لا يُرى فيه إلا إبريق وكوب للماء، ووابور غاز، وإناء زنكي، وفراش بسيط متواضع، وبضعة أشياء ضرورية معدودة، اللهم إلا غذاؤه وزاده وطعامه الشهري الذي لا يزن إلا كيلو

459. صفحة

واحدًا فقط مغطى بورقة ومعلق على مسمار، وله سجادة وبعض الأجزاء من رسائل النور، ليس له مال ولا أولاد ولا عيال ولا يملك شيئًا، ولا يملك على وجه البسيطة شبرا يتصرف فيه، فها هي ذي غرفته وأمتعته الفانية الزائلة! وها هي ذي شخصيته المتجردة المنزوية المنعزلة! وها هي ذي حياته المرة الأليمة! وها هي ذي حالته البائسة المنكوبة التي يعيشها منذ ما يقرب من عشرين عاما منفيا أو محبوسا! وهذا التعذيب والتنكيل يحرق الأكباد وتقشعر منه الجلود، فلِمَ يفوق كلَّ ذلك صبرُك وتحملك هذا؟! وهل يمكن أن يقارن أجرك العظيم بأجر أي إمام جليل وأي مجتهد مظلوم؟ أما كانت مصانع النور تعمل وتشتغل إن لم تكن هذه المعانات والمشقات والابتلاءات؟ فيا ترى أما كانت تغلي وتتفجر خزانة الرحمة الإلهية إن لم تكن هذه الهجمات والتسميمات وهذا النفي والعزلة والانزواء؟ إن حالة الأستاذ المؤلمة تبكي الإنسان بدموع من دم، ولكنه راض عن حالته هذه ولا يشكو منها، بل هو مسرور ومطمئن بذلك ولا يشعر فتورًا ولو بمقدار ذرة، إنه يَجِد غنى لا ينفد في هذا الفقر والعَوَز.

ولا يقبل الزكاة التي هي فضلة المال والتي لا تنسجم معه ومع مسلكه الذي هو وراثة الأنبياء ولا تليق بطبقة العلماء ولا يأخذها أبدا، كما أنه يتجنب ويبتعد عن قبول العطايا والهدايا الجميلة التي لا ضرر من قبولها في الدين وليست ممنوعة شرعًا، بل قبولها سُنَّة مسنونة، حتى إنه رفض الراتب الشهري الذي أرادت الحكومة الجمهورية تخصيصه له، ورفض كذلك قبول منزل فخم قررت الحكومة أن تبنيه له بآلاف الليرات، ولم يقبله، وقبْل ذلك قد امتنع عن قبول وظائف ذات رواتب عالية عُرضت عليه في مختلف الأماكن كأن يكون واعظًا عامًّا للبلاد ونائبًا في المجلس الوطني، واستنكف عنها، فهو لا يلتفت إلى الدنيا ولا إلى أهل الدنيا وملكها ومتاعها، ولا ينشغل بالسياسة وبالاختلافات، ولا يسعى وراء الخرقة والفرقة، ولا يحبّ من ينشغلون بها، ولا يسعى إلا لأجل الثروة الأبدية والسعادة السرمدية واقفًا على باب القبر قائلا: "أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ"[1]، فهو هادم

[1] انظر سنن ابن ماجة 2/825.



460. صفحة

الجهل، وخادم النور، فلو كان قد أراد الدنيا وطلبها وأخذ ما يعرض عليه من الهدايا الجميلة والزكاوات والصدقات والتبرعات لكان صاحب ثروة بقدر ملايين، ولكنه يقول مثلما قال سيدنا عمر t: "لو أخذت على ظهري ثقلاً كثيرًا لما استطعت أن ألحق بقلب الكون وروحه r وحبيب الله محمد العربي ولا بالكاملين والواصلين الذين هم أحبائه بل أتوقف في وسط الطريق ولا أستطيع السير"، فهو ترك الدنيا وما فيها وحبها وعشقها بل تَرَك التَّرْكَ وبذل كل جهده وهمته وعمره الثمين وحصره في نشر الأنوار القرآنية اتباعًا وامتثالا لجواب سيدنا الرسول الأكرم r تجاه كلامه تعالى في الحديث القدسي "خلقت الأشياء والأفلاك من أجلك" بقوله "وأنا تركت وضحّيت كل ذلك من أجلك"، ولذلك فقد تحوَّل كل ما عاناه من مشقة وضيق إلى رحمة، وكل خدماته إلى حكمة، وهذا الترجمان الذي قال مثل نيازي المصري[1]  "من لا يرى اللطف والقهر شيئًا واحدًا يقاسي العذاب، ولا يفهمنا إلا الذي يتخلص من ذلك العذاب ويصبح سلطانًا"، يرى كل شيء جميلا وطيبًا فصيّر القطرة محيطًا، والإنسان إنسانًا حقًّا، وجعل النور الذي اقتبسه من القرآن سلطان العالم.

ولابد أن في حبه الشديد للشعب التركي البطل الذي خدم عالم الإنسانية والإسلامية والحرمين الشريفين قرونًا طويلة، وفي قضائه أهم جزء من حياته في أماكن يسكنها الأتراك حِكَمًا ومعاني وملاحظات كثيرة.

من أجل ماء وجه الحبيب الأكرم r، ومن أجل الدم الذي ترقرق في كربلاء، ومن أجل العين التي تبكي في ليالي الفراق، ومن أجل الوجه الذي شحب في سبيل عشقك، انصر رسائل النور وانصر الأستاذ والإسلام يا رب!

آمين.


[1] هو محمد بن علي الملاطي الملقب بنيازي المصري من مشايخ الخلوتية توفي سنة 1105هـ، من تصانيفه أسئلة وأجوبة في التصوف، وتسبيع قصيدة البردة، وتعبير الرؤيا وغيرها.




461. صفحة

فيا رسائل النور!

لينطفئ نجم المستقبل للأشقياء التعساء الذين يريدون أن يطفئوك،

ولتنقلب رأسا على العقب عزته ومجده ورفعته وشرفه،

فإنك نور خالد لا ينطفئ ولا يموت.

 

قامتك طويلة، ونظراتك حازمة، فيا ليلى ويا من يراك يصبح مجنونًا.

كلامك في الفرش، وعينك متطلعة إلى العرش، والقلب مغرم بك يا روحي.

نقابك نور، نظراتك نور، كتابك نور أيتها النور.

منبتك نُورْس[1]، طبيعتك مؤنسة، وجوهرك وأصلك فريد وحيد.

أنت وردة متفتحة، وبلبل مغرد، وعليك كِلّة[2] لطيفة.

كُتب عليك "قاب قوسين أو أدنى".

ألا يفديك بروحه من يرى فيك الحق؟!

قولك حق، ومسلكك حق، ومقامك الكعبة العلياء.

﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ [الصف: 8]

يا سيدي وأستاذي العزيز، لقد كتبتُ هذه الكلمات بيد رسائل النور وقلمها ولسانها على قلبي الحقير وبما تطاير منها من الشرارات، فأرجو أن تقبلها، وأقبل يديك بكل الاحترام، وأنتظر دعواتك يا سيدي.

                                          تلميذكم المفتقر إلى دعواتكم

                                     حسن فيضي


[1] قرية تابعة لولاية بتليس جنوبي شرق تركيا، وهي مسقط رأس الإمام.

[2] الكِلّة : الستر الرقيق يخاط كالبيت يتوقى به من البق والبعوض وغيرها.



462. صفحة

بسم الله الرحمن الرحيم

يا الله يا رحمن  يا رحيم  يا فرد  يا حي  يا قيوم يا حَكَم يا عدل  يا قدوس

بحق الاسم الأعظم، وبحرمة القرآن المعجز البيان، وبكرامة وشرف الرسول الأكرم r أَدخِلْ خُسْرَوْ الذي كتب خمسمائة نسخة بقلم واحد وأَدخِلْ مساعديه المباركين، ورفقاءه وأصدقاءه النوريين في السعادة الأبدية في جنات الفردوس. آمين. ووفّقهم في خدمة الإيمان والقرآن دومًا. آمين. واكتب في صحيفة حسناتهم ألف حسنة لكل حرف من حروف كتاب ذو الفقار، آمين. وامنن عليهم بالثبات والدوام والإخلاص في نشر الأنوار "رسائل النور". آمين.

يا أرحم الراحمين، أسعِد جميع طلاب النور في الدنيا والآخرة، واجعلهم سعداء. آمين.

واحفظهم وَقِهِمْ شرَّ شياطين الجن والإنس. آمين.

وتجاوز عن تقصيراتِ هذا العبد المسكين سعيد. آمين.

باسم جميع طلاب النور

سعيد النورسي