المعجزات القرآنية

91. صفحة

"المقام الثاني من "ذو الفقار



الكلمة الخامسة والعشرون



رسالة


المعجزات القرآنية



وذيولها


يبدو لعقلي أنه من الفضول التحري عن برهان،

"، وفي اليد معجزة باقية كـ"القرآن

".أيتضايق فؤادي من إلزام المنكرين وفي اليد برهان الحقيقة كـ"القرآن


92. صفحة

إخطار

كان في نيتنا أن نكتب "خمس شُعل" في بداية هذه الكلمة، إلا أننا اضطررنا إلى الإسراع في الكتابة إسراعًا شديدًا في أواخر الشعلة الأولى كي نطبع بالحروف القديمة[1] حتى كنا نكتب في بعض الأيام عشرين أو ثلاثين صفحة خلال ساعتين أو ثلاث ساعات؛ لذا كتبنا ثلاث شُعَل باختصار وإجمال وتركنا الشعلتين الأخريين مؤقتًا، فننتظر من إخواننا أن ينظروا إلى ما يعود إلي من نقائص وقصور وإشكالات وأخطاء بعين ملؤها الإنصاف والمسامحة.

سـعيد النورسي

 

إن كل آية من أغلب الآيات الواردة في هذه الرسالة –رسالة "المعجزات القرآنية"- إما أصبحت موضع انتقاد من قبل الملحدين، أو تعرضت للاعتراض من قبل أهل العلوم الحديثة، أو تعرضت لوساوس وشبهات شياطين الجن والإنس.

فهذه "الكلمة الخامسة والعشرون" قد بينت حقائق تلك الآيات ونكاتها بيانًا شافيًا، حيث إن المواضع التي ظنها أهل الإلحاد والعلوم نقصًا أُثبِتت بقواعد علمية أنها لمعات إعجاز ومنشأ كمالات البلاغة القرآنية، وأجيب عن الشبهات جوابًا قاطعًا من دون ذكرها حتى لا تتكدر الأذهان، إلا أنه قد ذُكرَت الشبهات في ثلاث أو أربع آيات في المقام الأول من "الكلمة العشرين" فقط مثل: )وَالشَّمْسُ تَجْرِي( و)وَالجِبَالَ أَوْتَادًا(.

ثم إن رسالة "المعجزات القرآنية" هذه مع أنها كُتِبَت مختصرة جدًّا وبسرعة؛ إلا أنها بُيِّنت من حيث علم البلاغة والعلوم العربية بيانًا علميًّا عميقًا قويًّا جعلت العلماء في حيرة من أمرها.

فمع أن كل موضوع من موضوعاتها لا يفهمه كل المدققين فهمًا كاملا ولا يستفيدون منها استفادة كاملة إلا أن لكل شخص حظًّا وافرًا من ذلك البستان.

إن هذه الرسالة قد بينت حقائق كثيرٍ من المسائل المهمة جدًّا من وجهة نظر العلم مع أن في تعبيراتها وعباراتها تقصير، إذ إنها أُلِّفت بسرعة فائقة وفي حالات مضطربة.

سـعيد النورسي


[1] أي الحروف القرآنية التي كانت متداوَلة في عهد الخلافة العثمانية قبل إعلان الجمهورية الجديدة لتركيا.




93. صفحة

رسالة

المعجزات القرآنية

بسم الله الرحمن الرحيم

)قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ والجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا( [الإسراء: 88] صدق الله العظيم.

 

لقد أشرت في رسائلي العربية وفي رسالة النور العربية وفي تفسيري المسمى بـ"إشارات الإعجاز" وفي الكلمات الأربع والعشرين السابقة إلى ما يقرب من أربعين وجهًا لوجوه الإعجاز من بين ما لا حد له من الإعجاز للقرآن الحكيم المعجز البيان الذي هو مخزن المعجزات والمعجزة الكبرى الأحمدية r. والآن أبين -إلى حد ما- خمسة وجوه منها فقط مدرجًا الوجوه الأخرى فيها مجملة، وأشير بمقدمة إلى تعريف القرآن وماهيته.

المقدمة

 وهي ثلاثة أجزاء.

الجزء الأول: ما القرآن؟ وما تعريفه؟

الجواب: إن القرآن -كما بُيِّن في "الكلمة التاسعة عشرة" وأثبت في الكلمات الأخرى- هو الترجمةُ الأزلية لهذا الكتاب الكبير للكون، والترجمانُ الأبدي لألسنتها

94. صفحة

المتنوعة التاليات للآيات التكوينية، ومفسرُ كتابِ عالَمِ الغيب والشهادة، وكشَّافٌ للكنوز المعنوية للأسماء الإلهية المستترة المخفيَّة في الأرض والسماوات، ومفتاحٌ للحقائق المخفية بين سطور الحادثات، ولسانُ عالَمِ الغيب في عالم الشهادة، وكنزٌ للالتفاتات الأبدية الرحمانية والخطابات الأزلية السبحانية الموجودةِ وراء حجاب عالم الشهادة هذا، والآتيةِ من جهة عالم الغيب، وشمسُ هذا العالم المعنوي للإسلام وأساسُه وهندستُه، وخريطةٌ مقدسة للعوالم الأخروية، والقولُ الشارح والتفسيرُ الواضح والبرهانُ القاطع والترجمانُ الساطع لذات الله وصفاته وأسمائه وشئونه، ومُرَبٍّ لهذا العالم الإنساني، وماءٌ وضياءٌ للإسلام الذي هو الإنسانية الكبرى، والحكمة الحقيقية للبشر، ومرشد البشر وهاديهم الحقيقي الذي يسوقهم إلى السعادة. ثم إنه للإنسان كتاب شريعة، وكتاب دعاء، وكتاب حكمة، وكتاب عبودية، وكتاب أمر ودعوة، وكتاب ذكر، وكتاب فكر، وهو كتاب وحيد مقدَّس جامع يتضمن كتبًا كثيرة تكون مرجعًا لجميع حاجات جميع البشر المعنوية.

وكذلك هو كتاب سماوي بمنزلة مكتبة مقدسة تُبْرِز للمشارب المختلفة لجميع الأولياء والصديقين ولجميع العارفين والمحققين، ولمسالكهم المختلفة -كل على حدة- رسالةً لائقةً بمذاق كل واحد من تلك المشارب، وقادرة على تنويرها، وموافقة لمساق كل واحد من تلك المسالك وقادرة كذلك على وصفها.

الجزء الثاني وتتمة التعريف: إن القرآن -كما أثبت وبين في "الكلمة الثانية عشرة"- كلام الله بصفته ربَّ جميع العالمين؛ لأنه أتى من العرش الأعظم ومن الاسم الأعظم ومن أعظم مرتبة لكل اسم من الأسماء الحسنى، وهو فرمان الله بوصفه إله الموجودات قاطبة، وخطاب باسم خالق جميع السموات والأرض، ومكالمة بصفة الربوبية المطلقة، وخطبة أزلية باسم السلطنة السبحانية العامة، وهو سجل التكريم الرحماني من حيث الرحمة الواسعة المحيطة، وهو مجموعة مخابرات تحمل أحيانًا في بدايتها شفرات بحيثية عظمة جلال الألوهية، وهو كتاب مقدس يتفجر بالحكم، ينظر -من حيث نُزوله من محيط الاسم الأعظم- في جميع ما أحاط به العرش الأعظم ويفتشه.


95. صفحة

ومن هذا السر أُطلِق على القرآن ولا يزال يطلق عليه دومًا اسم "كلام الله" بكمال اللياقة والجدارة.

وتأتي في المرتبة بعد القرآن الكريم كتب سائر الأنبياء عليهم السلام وصحفهم.

أما سائر الكلمات الإلهية التي لا نهاية لها، فبعضها مكالمة تظهر في صورة إلهامات باعتبار خاص، وبعنوان جزئي، وبتجلٍّ خاص، وباسم جزئي، وبربوبية خاصة، وسلطنة خاصة، ورحمة خاصة.

وأما إلهامات المَلَك والبشر والحيوانات فمختلفة جدًّا من حيث الكلية والخصوصية.

الجزء الثالث: إن القرآن كتاب سماوي يتضمن إجمالاً؛ كتبَ جميع الأنبياء المختلفة عصورُهم، ورسائل جميع الأولياء المختلفة مشاربُهم، وآثار جميع الأصفياء المختلفة مسالكُهم.

جهاتُه الست مُشرقة، ونقية من ظلمات أوهام الشبهات؛

 فنقطةُ استناده: الوحيُ السماويُّ والكلام الأزلي باليقين.

 هدفُه وغايته: السعادة الأبدية بالمشاهدة.

داخله: هداية خالصة بالبداهة.

أعلاه: أنوار الإيمان بالضرورة.

أسفلُه: الدليل والبرهان بعلم اليقين.

يمينُه: تسليم القلب والوجدان بالتجربة.

يسارُه: تسخير العقل والإذعان بعين اليقين.

ثمرتُه: رحمة الرحمن ودار الجنان بحق اليقين.

مقامُه ورواجُه: قبول المَلَك والإنس والجان بالحدس الصادق.

لقد أُثبِتَت كل صفةٍ من الصفات الواردة في الأجزاء الثلاثة حول تعريف القرآن الكريم إثباتًا قاطعًا في مواضع أخرى، أو ستُثبَت.

فدعوانا ليست مجرد ادعاء، بل كل منها مبرهنة بالبرهان القاطع.


96. صفحة

الشعلة الأولى

لهذه الشعلة ثلاثة شعاعات

الشعاع الأول: بلاغة القرآن في درجة الإعجاز.

هذه البلاغة؛ هي بلاغة خارقة متولدة من جزالة نظم القرآن وحسن متانته، ومن بداعة أساليبه وغرابته وحسنه، ومن براعة بيانه وتفوقه وصفوته، ومن قوة معانيه وحقّانيته، ومن فصاحة لفظه وسلاسته، حيث يدعو أكثر أدباء بني آدم دهاءً، وأبلغ خطبائهم، وأكثر علمائهم تبحرًا إلى المعارضة، ويتحداهم منذ ألف وثلاثمائة سنة[1]، ويضرب على وترهم الحساس ويثير حفيظتهم بشدة، فمع أن القرآن دعاهم إلى المعارضة إلا أن هؤلاء الدهاة الذين ناطحت رُءوسُهم السماوات من غرورهم وكِبْرهم لم يستطيعوا أن يتفوهوا بشيء لمعارضته[2]، بل خضعت له رقبتهم بكمال الذُّل.

فنشير إلى وجه إعجازه في بلاغته بصورتين.

الصورة الأولى: إن له إعجازًا؛ إذ إن أغلب سكان الجزيرة العربية في ذلك العصر كانوا أميين، ولأنهم كانوا أميين كانوا يحفظون مفاخرهم وأحداثهم التاريخية والأمثال التي تُعِين على محاسن الأخلاق بواسطة الشعر والبلاغة بدلا من الكتابة.

فكان الكلام ذو المغزى يتنقل من الأسلاف إلى الأخلاف مطبوعا في الذاكرة بجاذبية الشعر والبلاغة.

ونتيجة لهذا الاحتياج الفطري لديهم؛ كان أكثر الأشياء رواجًا في تجارة السوق المعنوية لهؤلاء القوم هو بضاعة الفصاحة والبلاغة، حتى إن أديبًا بليغًا لقبيلة ما كان كأعظم بطل قومي لها. وكانوا يفتخرون به أكثر من أي شيء آخر.


[1] هذا كان في وقت تأليف الكتاب، والآن أكثر من ألف وأربعمائة سنة.

[2] المعارضة: التقليد والإتيان بالمثل.




97. صفحة

فهؤلاء القوم الأذكياء الذين حكموا العالم بذكائهم بعد الإسلام كانوا في طليعة أمم العالم أجمعها، وكانوا في قمة البلاغة التي كانت أروج شيء لديهم، ومبعث افتخار لهم والتي كانوا يحتاجون إليها أيما احتياج.

وكان للبلاغة تأثير كبير في حياتهم؛ فقد كانت الحرب الضروس تقوم بين فريقين بكلام بليغ لأديب وكانت تضع أوزارها ويتصالحان بكلام بليغ أيضًا، وحتى أنهم كتبوا القصائد السبعة للبلغاء السبع التي تسمى "المعلقات السبع" بالذهب وعلقوها على جدار الكعبة، وكانوا يفتخرون بها.

وكما أن السحر كان هو الرائج في زمن سيدنا موسى u، والطب كذلك في زمن عيسى u، وقد جاءت أهم معجزاتهما من جنس الرائج؛ فكذلك نزل القرآن المعجز البيان في الوقت الذي كانت فيه البلاغة أكثر الأشياء رواجًا.

فالقرآن دعا بلغاء العرب آنذاك إلى الإتيان بمثل أقصر سورة، وتحداهم بخطاباته )وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]، ويقول لهم: إن لم تؤمنوا فأنتم ملعونون، وستدخلون جهنم، وكان يشد عليهم بشدة، ويكسر غرورهم بطريقة مذهلة، ويستخف بعقولهم المتكبرة ويحكم عليهم بالإعدام الأبدي بداية ثم بالإعدام الأبدي في جهنم، فضلا عن الإعدام في الدنيا، ويقول لهم: إما أن تعارضوا وإما أن تهلك أرواحكم وأموالكم.

ولو كانت المعارضة ممكنة، فهل كان من الممكن اختيار طريق الحرب الأخطر والأكثر إشكالاً وصعوبة، مادام أن هناك حلا سهلا وبسيطا كمعارضته ببضعة أسطر وإبطال دعواه؟! أجل؛ إن هذه الأمة وهؤلاء القوم الأذكياء والمعروفون بالسياسة يتركون الطريق الأقصر والأسهل والأسلم، ويختارون الطريق الأخطر والأطول الذي يلقي بأموالهم وأرواحهم في المصيبة والهلاك مع أنهم حكموا العالم بسياستهم فترة من الزمن، هل يمكن ذلك؟!

لأنه لو كان بلغاؤهم استطاعوا أن يعارضوا القرآن ببضع حروف لكان القرآن قد تخلى عن دعواه، ولنجوا هم من الهلاك المادي والمعنوي، ولكنهم اختاروا طريقا أخطر

98. صفحة

وأطول مثل الحرب، إذن كانت المعارضة بالحروف محالة وغير ممكنة، ولذلك اضطُرُّوا إلى القتال بالسيوف.

ثم إن هناك سببين قويين للغاية للإتيان بمثل القرآن وتقليده.

الأول: حرص الأعداء على معارضته.

والآخر: شوق الأصدقاء لتقليده.

فقد أُلِّفت ملايين الكتب العربية تحت هذين الدافعين الشديدين، ولا يشبه أي منها القرآن، وكل من ينظر إلى القرآن وإلى تلك الكتب عالما كان أم عاميًّا سيقول حتمًا: إن القرآن لا يشبه هذه، ولا يستطيع واحد منها أن يكون نظيرًا له؛ إذن فإما أن القرآن تحت جميع تلك الكتب، وهذا باطل ومحال باتفاق جميع الأصدقاء والأعداء، وإما أنه فوق جميع تلك الكتب المؤلفة.

فإن قلت: كيف نعلم أن أحدًا لم يحاول المعارضة، ألم يجد أحد الثقة بنفسه حتى يبرز لتحديه؟ ثم أَلَمْ يُجْدِ تعاونهم في ذلك؟

الجواب: لو كانت المعارضة ممكنة لحاولوا أن يعارضوه حتمًا، لأنه كانت هناك قضية العزة والعرض، وخطر فَقْد الأرواح والأموال، فلو كانوا حاولوا لكان هنالك مساندون كثيرون إلى ذلك حتمًا، لأن المعارضين للحق والمعاندين له كانوا كثيرين دائمًا، فلو كان هناك منحازون إلى ذلك لكان قد اشتهر حتمًا، لأن نزاعًا صغيرًا كفيل بأن يجذب أنظار البشر إليه، ويشتهر في الملاحم، فمثل هذا الصراع العجيب ومثل هذه الأحداث لا يمكن أن تبقى خافية مستورة؟ وعادة ما تنقل أقبح الأشياء وأشنعها ضد الإسلام فتشتهر، ولكن لم يُنقَل في صدد هذه المعارضة غير بضع فقرات لمسيلمة الكذاب. وفي الحقيقة كان لمسيلمة بلاغة، ولكن ولأن كلامه قورن ببيان القرآن المالك لما لا حد له من حسن وجمال، فسُجِّل في التاريخ كهذيانات.

وهكذا فالإعجاز الذي في بلاغة القرآن موجود وجودًا قاطعًا كحاصل ضرب اثنين في اثنين يساوي أربعًا، لذا يكون الأمر على هذا النحو.


99. صفحة

الصورة الثانية: نبين فيها حكمة إعجاز القرآن في بلاغته بخمس نقاط:

النقطة الأولى: إن في نظم القرآن جزالة رائعة.

إن النَّظْم في هيئات كل جملة من جمل القرآن الحكيم، والنظام في كلماته، والانتظام في مناسبات الجمل كل تجاه الآخر، قد بُيِّن في "إشارات الإعجاز" إلى نهايته كما في نظام عدِّ ثواني الساعة ودقائقها وساعاتها وتكميل نظام بعضها البعض، وقد بينت هذه الجزالة والمتانة في النظم في كتاب "إشارات الإعجاز" من أوله إلى آخره، ومن شاء يمكن أن يراجعه ويرى الجزالة الرائعة في هذا النظم بهذه الصورة، إلا أننا نذكر مثالاً أو مثالين فحسب كي نبين النَّظْم في هيئات جملة واحدة.

المثال الأول: ) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ( فمن أجل أن يبين شدة العذاب في هذه الجملة يريد أن يظهر العذاب بإظهار التأثير الشديد لأقله، أي إن جميع هيئات الجملة التي تفيد التقليل تتوجه إلى هذا التقليل وتقوّيه.

فلفظ "لَئِنْ" للتشكيك، والشك يعود إلى القلة.

ولفظ "مَسَّ" إصابة بسيطة وخفيفة، ويفيد القلة أيضًا.

ولفظ "نفحة" مادته رائحة خفيفة، فيفيد القلة كما أن صيغته تدل على مَرَّة واحدة، إذ يدل اسم المرة في التعبير الصرفي على واحد ويفيد القلة. والتنكير في تنوين في "نفحة" للتقليل، ويعني أنه شيء صغير جدا لا يكاد يُعرَف.

ولفظ "مِنْ" للتبعيض، ويعني الجزء، ويفيد القلة.

ولفظ "عذاب" نوع خفيف من المجازاة مقارنة بالنكال والعقاب، فيشير إلى القلة.

ولفظ "ربّك" يُشعِر الشفقة بدلا من القَهَّار والجَبَّار والمُنْتَقِم، فيفيد القلة.

وتفيد الآية أنه إن كان شيء من العذاب بهذه القلة مؤثرًا إلى هذا الحد فيمكنكم أن تقيسوا مدى شدة العقاب الإلهي، فكما أن الهيئات الصغيرة في هذه الجملة يناظر

100. صفحة

بعضها البعض وتساندها فإن كل واحدة منها تقوي المقصد الكلي بلسانها الخاص بها. وهذا المثال ينظر إلى حد ما إلى اللفظ والمقصد.

المثال الثاني: )وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ( إن هيئات هذه الجملة تشير إلى خمسة من شروط قبول الصدقة:

الشرط الأول: أن يتصدق المرء بحيث لا يكون محتاجًا إلى الصدقة هو الآخر، فهذا الشرط تفيده الآيةُ بلفظ "مِنْ" التبعيضية في لفظ "مِمَّا".

الشرط الثاني: ألاّ يأخذ من زيد ويعطي لعمرو، بل عليه أن يتصدق من ماله هو. وهذا الشرط يفيده لفظ "رَزَقْنَاهُمْ"، بمعنى أن أعطوا مما هو رزق لكم.

الشرط الثالث: ألاّ يَمُنَّ المرء، وإلى هذا الشرط يشير لفظ "نَا" في لفظ "رزقنا "، أي إنني أنا الذي أرزقكم، فلا مِنَّة لكم في التصدق من مالي على عبدي.

الشرط الرابع: أي أن تعطيها لرجل يصرفها لنفقته. وإلا فالصدقة على من يصرفها في السفاهة ليس مقبولاً. وإلى هذا الشرط يشير لفظ "ينفقون ".

الشرط الخامس: أن يعطي باسم الله، فلفظ "رزقناهم" يفيد هذا، أي إن المال مالي أنا، فعليكم أن تنفقوا باسمي أنا.

وهناك توسيع مع هذه الشروط؛ أي إن الصدقة كما تكون بالمال، تكون أيضًا بالعلم، وتكون بالقول والفعل والنصيحة كذلك، وإلى هذه الأقسام يشير لفظ "ما" في لفظ "مما" بشموله. وهذه الجملة أيضا تشير إليه بالذات؛ لأنه مطلق، يفيد العموم.

ففي هذه الجملة القصيرة جدًّا -في معنى الصدقة- ينعم على العقل دائرةً واسعة لها، إضافة إلى الشروط الخمس، وتشعره بهيئتها، ففي هيئاتها أنواع من النظم الكثير مثل هذا.

هذا وإن للكلمات أيضًا دائرة نظم واسعة تجاه بعضها ببعض مثل ذلك، وللكلام أيضًا؛


101. صفحة

فمثلا: هناك ست جمل في )قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(، ثلاث منها مثبتة وثلاث منها منفية، تردُّ ستة أنواع من الشرك فضلا عن أنها تثبت التوحيد في ست مراتب. فكل جملة منها تكون دليلا للجمل الأخرى ونتيجة لها أيضًا؛ لأن لكل جملة معنيين، فتكون بمعنى نتيجة وبمعنى آخر دليلاً، بمعنى أن في سورة الإخلاص سور مركبة من الأدلة المُثبِت بعضها بعض الآخر والمنظمة كثلاثين سورة من سورة الإخلاص.

فمثلا: قل هو الله؛ لأنه أحد، ولأنه صمد، ولأنه لم يلد، ولأنه لم يولد، ولأنه لم يكن له كفوًا أحد.

وكذا ولم يكن له كفوًا أحد؛ لأنه لم يولد، ولأنه لم يلد، ولأنه صمد، ولأنه أحد، ولأنه هو الله.

وكذا هو الله؛ فهو أحد، وهو صمد، فإذن لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.

فقس حسب هذا.

فمثلا: ) الم ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ لكل جملة من هذه الجمل الأربع معنيان، فكل جملة دليل على الجمل الأخرى حسب أحد المعنيين، ونتيجة لها حسب المعنى الآخر؛ إذ يحصل نقش نظمي إعجازي من ستة عشر خطَّ مناسَبةٍ. وقد بُيِّن في "إشارات الإعجاز" بيانًا يشكل نقشًا نظميًّا إعجازيًّا. وكما بيِّن في "الكلمة الثالثة عشرة" أنه حتى كأن لمعظم الآيات القرآنية عينًا تنظر بها إلى بعضها بعضًا ووجوهًا يناظر بعضها بعضًا، حيث تمد إليها الخطوط المعنوية للمناسبات، وتنسج نقشًا إعجازيًّا، تفسير[1] "إشارات الإعجاز" يشرح هذه الجزالة النظمية من أوله إلى آخره.

النقطة الثانية: البلاغة الرائعة في معناه.

فانظر إلى هذا المثال الذي بُيِّن في "الكلمة الثالثة عشرة"، وتصور نفسك في العصر الجاهلي في صحراء البداوة قبل ظهور نور القرآن إن شئت أن تتذوق البلاغة المعنوية في هذه الآية مثلاً )سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ( [الحديد:1].


[1] يقصد أنه تفسير باعتبار ما كان ينوي له، لكنه رحمه الله توفي قبل أن يتمه، ولم يتناول فيه إلا سورة الفاتحة وأوائل سورة البقرة.




102. صفحة

فاستمع إلى مثل هذه الآيات: )سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ( أو )تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ( [الإسراء: 44] حيث كان كل شيء قد غُطِّي بستار الجمود للطبيعة تحت ظلمة الجهل والغفلة.

وانظر كيف أن موجودات العالم الميتة أو النائمة تُبْعَث بصدى "سَبَّحَ" و"تُسَبِّحُ" في أذهان مَن سمعها، وتستيقظ، وتقوم وتذكر الله.

والنجوم الجامدة التي كل منها كتلة نارية في وجه السماء المظلم، والمخلوقات المسكينة في الأرض تكشف عن وجهها في نظر السامع بصيحة وبنور "تُسَبِّحُ"، إذ يصبح وجه السماء فَمًا، وكل نجم كلمةً تتفجر بالحكم، ويشع نور الحقيقة، والكرة الأرضية رأسا، وكل من البر والبحر لسانا، وكل حيوان ونبات كلمةً تتفجر بالتسبيح.

ومثلا: فانظر الآن إلى هذا المثال الذي أُثبِت في "الكلمة الخامسة عشرة" واستمع إلى هاتين الآيتين ) يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِن نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ([الرحمن: 33] و)وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ([الملك: 5] وانظر ماذا تقولان: إنهما تقولان أيها الجن والإنس المغرورون المتمردون في عجزهم وحقارتهم، ويا أيها المعاندون المتمردون في ضعفهم وفقرهم! إن لم تطيعوا أوامري فهيّا اخرجوا من حدود ملكي إن استطعتم، كيف تتجاسرون على مخالفة تلك الأوامر لسلطان النجوم والأقمار والشموس تطيع أوامره كجنود في استعداد دائم لتنفيذ تلك الأوامر. ثم إنكم تبارزون بطغيانكم الحاكم ذا الجلال الذي له جنود مطيعون مهيبون يستطيعون أن يرجموا شياطينكم بقذائف كالجبال إن كانوا يتحملون ذلك فرضًا. ثم إنكم تعصون بكفركم في ملك المالك ذي الجلال الذي له جنود يستطيعون أن يرسلوا عليكم نجومًا كضخامة الأرض والجبال، وشظايا متقدة ملتهبة، ويشتتونكم حتى لو كنتم أعداء كفرة كِبر الجبال والأرض بفرض المحال، ناهيك عن مخلوقات صغيرات عاجزة أمثالكم. ثم إنكم تخرقون قانونًا يرتبط به من يقدرون على أن يضربوا وجوهكم

103. صفحة

بالأرض إذا لزم الأمر، ويمطرون عليكم بإذن الله كالقذائف النجومَ الشبيهة بالكرات.

فقس على هذه الأمثلة القوةَ والبلاغة التي في معاني سائر الآيات وتعبيرَها العالي.

النقطة الثالثة: البداعة الخارقة في أسلوبه.

أجل إن أساليب القرآن غريبة، وبديعة، وعجيبة، ومقنعة؛ إذ لم يقلد شيئا ولم يقلد أحدًا، ولا يستطيع أحد أن يقلده، ولقد حافظت تلك الأساليب على طراوتها وشبابها وغرابتها دائمًا وما زالت تحافظ عليها كما نزلت.

ولقد كتبنا -على سبيل المثال- في كتاب "إشارات الإعجاز" أن أساليبه البديعة التي في حروفه المقطعة مثل "الم، الر، طه، يس، حم، عسق" الشبيهة بالشفرات في بداية بعض السور تتضمن خمسا أو ستا من لمعات الإعجاز. فالحروف المذكورة -مثلا- في بداية السور قد أخذت نصف كل قسم من الأقسام المعلومة للأقسام الكثيرة للحروف مثل المجهورة والمهموسة والشديدة والرخوة والذلاقة والقلقلة، فنصَّف جميع الأقسام وأخذ النصف الأكثر من الخفيف، والنصف الأقل من الثقيل اللذين لا يقبلان التقسيم. مع أن تنصيف هذه الأقسام المتداخلة والمتشابكة وتنصيف الجميع بطريقة واحدة خفية لا يدركها العقل ومترددة بين مائتي احتمال ممكنةٌ إلا أن سوق الكلام في ذلك الطريق وتلك المسافة الواسعة لا يمكن أن يكون من عمل فكر البشر، ولا يمكن أن تتدخل فيه المصادفة البتة.

وقد استخرج علماء علم أسرار الحروف والمحققون من الأولياء أسرارا كثيرة من هذه المقطعات، إضافة إلى ما تظهر هذه الحروف -التي في بداية السور والتي هي شفرات إلهية- من خمس أو ست من لمعات الإعجاز كهذه، وتوصلوا إلى حقائق عجيبة حيث إن هذه المقطعات بحد ذاتها معجزة ساطعة واضحة حسب نظرهم.

ولا يمكن أن نفتح هذا الباب؛ لأننا لسنا أهلاً لأسرارها ولأننا لا نستطيع أن نثبتها بشكل تراها كل الأنظار، إلا أننا نكتفي بالإحالة إلى خمس أو ست من لمعات الإعجاز التي بُيِّنت حول هذا الموضوع في "إشارات الإعجاز".


104. صفحة

الآن نشير بعض الإشارات إلى أساليب القرآن باعتبار السور والمقاصد والآيات والكلام والكلمة كلٍّ على حدة:

فمثلا: إذا أُمعِن النظر في سورة "عمّ"، فسيُرى أنها تعرض الآخرة والحشر وأحوال الجنة وجهنم بأسلوب بديع مقنع للقلب فكأنها تثبت الأفعال الإلهية والآثار الربانية في هذه الدنيا بالنظر إلى تلك الأحوال الأخروية واحدة فواحدة، ولأن إيضاح الأسلوب في هذه السورة طويل؛ فإننا نشير إلى نقطة أو نقطتين فحسب كما يلي:

تقول هذه السورة في بدايتها لإثبات يوم القيامة: لقد جعلنا لكم الأرض مهداً مفروشًا فرشًا جميلاً، وصيَّرنا الجبال لمسكنكم وحياتكم أعمدة ذات كنوز وأوتادًا ذات خزائن، وجعلناكم أزواجًا متحابين ومتآنسين، وجعلنا الليل سترًا لراحة نومكم، والنهار ميدانًا لمعيشتكم، والشمس مصباحًا مضيئًا ومدفئًا لكم، وأنزلنا الماء من السحب الشبيهة بمنبع ماء باعث للحياة، وننشئ من ماء بسيط جميعَ الأشياء المختلفة المزهرة والمثمرة التي تحمل جميع أرزاقكم بسهولة وفي وقت وجيز، إذن فإن القيامة -وهي يوم الفصل- تنتظركم، ولا يصعب علينا الإتيان بذلك اليوم.

ثم تشير إشارة ضمنية إلى إثبات ما سيحدث يوم القيامة من تشتت الجبال وتشقق السموات، وتهيؤ جهنم، وإيتاء أهل الجنة البساتينَ والحدائق، وتقول معنى: بما أنه يفعل هذه الأفعال في الجبال والأرض أمام أعينكم، فإنه يفعل أفعالا مثل هذه في الآخرة كذلك.

إذن فالجبال في بداية السورة تتوجه إلى أحوال الجبال يوم القيامة، والجنات المذكورة في نهايتها تنظر إلى الجنات في الآخرة، فقس على هذا سائر النقاط، فانظر كيف أن لها أسلوبًا عاليًا رائعًا.

ومثلا: ) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ _ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ

105. صفحة

حِسَابٍ( إلخ [آل عمران: 26-27] هذه الآية تبين الشئونَ الإلهية في البشر، والتجليات الإلهية في تعاقب الليل والنهار، والتصرفات الربانية في فصول السنة، والإجراءات الربانية في الحياة والممات والحشر والنشر الدنيوي في الأرض بأسلوب رفيع عال بيانًا يسخِّر عقول أهل الدقة.

ولما كان أسلوب القرآن الشامل الساطع الباهر العالي يظهر بشيء من التدقيق والإمعان فإننا لا نفتح تلك الخزانة حاليا.

ومثلا: ) إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ _وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ _ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ _ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ _ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ( [الانشقاق 1-5] تبين هذه الآيات مدى انقياد وإطاعة السماوات والأرض لأمر الحق تعالى بأسلوب عال كما يلي:

فكما أن القائد الأعظم يشكل ويفتح مركزين لأمور لازمة للجهاد كشعبة الجهاد والمناورة والتجنيد، وبعدما ينتهي الجهاد وتنتهي الأمور الأخرى يتوجه ذلك القائد الأعظم إلى ذلكما المركزين كي يستخدمهما في أمور أخرى ويستعملَهما بتبديلهما، ويقول كل واحد من ذلكما المركزين بلسان موظفيه وخدامه أو بلسانه:

"يا قائدي أنظرني[1] قليلاً حتى أُنْهِي ما تبقى من الأعمال القديمة وأنظف المكان من بقايا تلك الأعمال وأطرحها خارجًا، ثم تفضل عليّ بالدخول، فنحن طرحناها خارجا ونقف طوع أمرك ورهن إشارتك، فتفضل وافعل ما تشاء، فنحن منقادون لأوامرك، وما تفعله كله حق ومصلحة جميلة".

فكذلك السماوات والأرض مركزان قد فُتِحا للتكليف والاختبار والامتحان، فبعدما تنتهي المدة تزيل السموات والأرض بالأمر الإلهي الأشياءَ التي تتعلق بمركز التكليف، وتقولان: "يا ربنا استخدِمنا فيما تشاء، فإطاعتك حق واجب علينا، وكل ما تفعله حقٌّ"، فانظر إلى عظمة الأسلوب في جملها وأنعم النظر فيه.

فمثلا: )وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ( [سورة هود: 44] فَسَنُرِي أسلوبًا واحدًا لهذه الآية في مرآة التمثيل للإشارة إلى قطرة واحدة من بحر بلاغتها، وذلك:


[1] أنظرني : أمهلني.




106. صفحة

فكما أن القائد يأمر في حرب عامة بعد النصر جيشَه المطلِق للنار بـ "أوقفوا إطلاق النار"، ويأمر جيشه الآخر المهاجم بـ "كفوا عن الهجوم"، فعندها يقف إطلاق النار ويتوقف الهجوم، ويقول لجيوشه: انتهى الأمر، واستولينا على الأعداء، وقد نصبت رايتنا على قمة قلعة العدو العالية في مراكزهم، ونال أولئك الظالمون الوقحون الذين ترَدَّوْا إلى أسفل السافلين عقابهم.

فكما في هذا المثال فإن السلطان الذي لا مثيل له ولا نظير قد أمر السماوات والأرض بإهلاك قوم نوح u وبعدما أديا وظائفهما يأمرهما، يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء كُفِّي، لقد انتهت مهمتك، فانسحب الماء، واستقرت سفينة المأمور الإلهي التي تؤدي وظيفة الخيمة على الجبل، ونال الظالمون عقابهم. فانظر إلى علو هذا الأسلوب، تقول الآية: "إن السماء والأرض كجنديين مطيعين يسمعان الأوامر ويمتثلان لها". فهذا الأسلوب يشير إلى أن الكون يغضب من عصيان الإنسان، وتحتد السماء والأرض، وتقول بهذه الإشارة: لا يعصى من الذي تأتمر له السماء والأرض كجنديين ولا ينبغي أن يعصى، وهي بذلك تعبر عن زجر شديد. فتُبين الآية في بضع جمل حادثة عامة كالطوفان بكل نتائجها وحقائقها بيانًا موجَزًا معجِزًا جميلاً مجملاً، فقس على هذه القطرة سائر قطرات هذا البحر.

ثم انظر الآن إلى الأسلوب الذي يري -القرآن- من خلال الكلمات، فمثلا: انظر إلى كلمة " كَالعُرْجُونِ القَدِيمِ" في )وَالقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالعُرْجُونِ القَدِيمِ(، [يس:39]، كيف أنها تظهر أسلوبًا لطيفًا، وذلك: أن للقمر منزلاً هو دائرة نجوم الثريا، وتشبِّه القمر عندما يكون هلالاً بالغصن الأبيض القديم للنخل. وبهذا التشبيه تعرض أمام عين السامع التي هي خياله، كأن وراء الستار الأخضر للسماء شجرةً خَرَقَ غصن أبيض نوراني حادّ من أغصانها الستار وأخرج رأسه، وكأن الثريا عنقود لذلك الغصن، وكأن النجومَ الأخرى ثمار منوَّرة لشجرة الخلقة المستورة.

فإن كان لك ذوق فستدرك كيف أن هذا العرض لأنظار سكان الصحراء الذين أهم سبب معيشتهم هو النخل، أسلوب تعبيرٍ مناسب جميل لطيف عال.


107. صفحة

ومثلا: إن كلمة "تجري" في الآية )وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا( [يس:38] تفتح نافذة على أسلوب عال كما أثبت في آخر "الكلمة التاسعة عشرة" وذلك: تُفهِم بلفظ "تجري" أي؛

بتعبير دوران الشمس تفهِّم عظمة الصانع بتذكيره بتصرفات القدرة الإلهية المنتظمة في تعاقب الشتاء والصيف وتعاقب الليل والنهار، وتلفت الأنظار إلى المكتوبات الصمدانية التي كتبها قلم القدرة في صحائف تلك الفصول، فتُعلِم حكمة الخالق ذي الجلال.

وبـ)وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا( [نوح: 16] أي بتعبير المصباح يفتح نافذة على مثل هذا الأسلوب: حيث تُذكِّر أن هذا العالم قصر وما فيه من الأشياء مزينات ومطعومات ولوازم قد أُعِدت وأحضرت للإنسان وذوي الحياة، وأن الشمس شمعة كبيرة مسخرة، فتُفهم بذلك عظمة الصانع وإحسان الخالق وتبيِّن دليلا للتوحيد بأن الشمس التي يظنها المشركون أنها أهم وأسطع معبود لديهم هي سراج مسخَّر ومخلوق جامد. إذن بتعبير "سراج" تذكِّر برحمة الخالق في عظمة ربوبيته، وتُفهم إحسانه في سعة رحمته، وتُشعِر في هذا الإفهام كرمَه الذي في عظمة سلطنته، وتُعلِم في هذا الإشعار الوحدانيةَ، وتقول معنى: إن السراج المسخر الجامد لا يمكن أن يكون مستحقًّا للعبادة أبدًا.

ثم إن الجريان في عبارة " تجري" يذكِّر بالتصرفات المنتظمة العجيبة في دوران الليل والنهار والشتاء والصيف، ويُفهِم في هذا التذكير عظمة قدرة الصانع المنفرد في ربوبيته، إذن فهي تصرف أذهان البشر من الشمس والقمر إلى صحائف الليل والنهار والشتاء والصيف، وتلفت أنظار التدقيق إلى سطور الحادثات المكتوبة في تلك الصحائف.

أجل إن القرآن لا يتحدث عن الشمس للشمس، بل يتحدث عنها من أجل من نوَّرها، ولا يبحث في ماهية الشمس التي لا يحتاجها الإنسان، بل يبحث في وظيفة الشمس؛ حيث إنها تؤدي وظيفة الزنبرك لانتظام الصنعة الربانية، ووظيفة المركز لنظام الخلقة الربانية، ووظيفة المكوك لانسجام الصنعة الربانية في الأشياء التي ينسجها النقَّاش الأزلي بخيوط الليل والنهار.


108. صفحة

فيمكنك أن تقيس على هذا سائرَ الكلمات القرآنية، فهي وإن كانت تبدو وكأنها كلمة بسيطة مألوفة فإنها تؤدي وظيفة المفاتيح لكنوز المعاني اللطيفة.

وهكذا فمن أجل علو وسطوع أسلوب القرآن كما في أغلب الصور السابقة، كان أعرابي يفتتن بكلام واحد أحيانًا، ويَخِرُّ ساجدًا دون أن يسلم، ولما سمع أعرابي آية )فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ( [الحجر: 94] خر ساجدًا، فقيل له: هل أسلمت؟ قال: لا، ولكني سجدت لبلاغة هذا الكلام.

النقطة الرابعة: الفصاحة الخارقة في لفظه.

أجل إن في لفظ القرآن فصاحة في منتهى السلاسة كما أنه بليغ لا مثيل له من حيث المعنى ومن حيث أسلوب بيانه. والدليل القاطع على وجود الفصاحة هو عدم إيراثه السأم، وشهادة العلماء الأفذاذ العباقرة في علم البيان والمعاني برهان باهر على حكمة تلك الفصاحة.

أجل؛ إن القرآن لا يورث السأم حتى لو كُرِّر آلاف المرات، بل يورث اللذة، ولا يَثقل على ذهن طفل صغير، بل يستطيع أن يحفظه، ولا تمجه أسقم الأسماع المتأذية من كلام قليل بسيط، بل يلاطف الأسماع، ويكون كالشراب الحلو لفم المحتضر، وتتلذذ أذنه ودماغه بزمزمة القرآن كما يتلذذ فمه بماء الزمزم.

والسر في عدم إيراثه السأم هو: أن القرآن قوت وغذاء للقلوب، وقوة وغناء للعقول، وماء وضياء للروح، ودواء وشفاء للنفوس، لذا لا يورث السأم. فنحن نأكل الخبز يوميًّا ولا نسأم، ولكن لو أكلنا أطيب فاكهة كل يوم لأورثتنا السأمَ، إذن ولأن القرآن حق وحقيقة وصدق وهداية وذو فصاحة خارقة فلا يورث السأم، فهو يحافظ على حلاوته وطراوته كما يحافظ على شبابيته دائمًا، حتى إن أحد البلغاء المدققين من سادات قريش ذهب من قبل المشركين ليسمع القرآن، فأقرَّ لهم بعدما سمعه بأن له حلاوة وطراوة وبأنه لا يشبه كلام البشر، وإني لأعلم الشعراء والكهان وهذا لا يشبه كلام هؤلاء أبدًا، فلا

109. صفحة

نستطيع إلا أن نقول إنه سحر كي نخدع أتباعنا[1]، وهكذا ينبهر أمام فصاحة القرآن الحكيم حتى أشدَّ أعدائه عنادًا.

إن إيضاح أسباب الفصاحة في آيات القرآن الحكيم وكلماته وجمله يطول كثيرًا؛ لذا نختصر الكلام ونبين كنموذج فحسب سلاسة اللفظ وفصاحته الحاصلتين اللتين تظهران في أوضاع الحروف الهجائية في آية واحدة، ولمعة إعجاز تتلمع من تلك الأوضاع. فهذه الآية )ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ( [آل عمران: 154] فيها جميع حروف الهجاء. فانظر إنه لم يفسد سلاستها مع أن جميع أقسام الحروف كالحروف الثقيلة مجتمعة معًا، بل زادها رونقًا ونغمةَ فصاحةٍ متناسبة متساندة ناشئة عن أوتار مختلفة.

ثم أنعم النظر في لمعة الإعجاز هذه؛ تجد أن الياء والألف وهما أخف حروف الهجاء تنقلب إحداهما إلى الأخرى، قد تكررت كل منهما إحدى وعشرين مرة وكأنهما أختان، والميم والنون[2] لأنهما أختان وتحل كل واحدة منهما محل الأخرى، فقد ذُكر كل منهما ثلاثًا وثلاثين مرة، وكذلك الصاد والسين والشين أخوات حسب المخرج والصفة والصوت؛ لذا فقد ذكر كل واحد منها ثلاث مرات، والعين والغين مع أنهما أختان إلا أن العين أخف من الغين فقد ذكر ست مرات، والغين نصفها أي ثلاث مرات لثقلها، وإن ( ط ) و( ظ ) و( ذ ) و( ز ) لأنها أخوات حسب المخرج والصفة والصوت، لذا فقد ذكر كل واحد منها مرتين، واللام والألف يتحدان معًا في صورة "لا"، فالألف حصتها في "لا" نصف حصة اللام، لذا ذكرت اللام اثنتين وأربعين مرة والألف نصفها،

[1] وقول هذا البليغ وهو الوليد بن المغيرة هو: إن عليه لحلاوة وإن له لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو ولا يُعلَى عليه.

[2] والتنوين أيضًا نون. (المؤلف)




110. صفحة

أي إحدى وعشرين مرة، والهمزة[1] مع الهاء أختان حسب المخرج فقد ذكرت الهمزة ثلاث عشرة مرة، والهاء لأنها أخف من الهمزة فقد ذكرت أربع عشرة مرة، والقاف والفاء والكاف إخوة فالقاف ذكرت عشر مرات لأن فيها نقطة زائدة، والفاء تسع مرات، والكاف تسع مرات، والباء تسع مرات والتاء اثنتي عشرة مرة، لأن درجتها ثلاثة، والراء أخت اللام، ولكن الراء مائتان حسب الحساب الأبجدي واللام ثلاثون، فانخفضت الراء ست درجات لأنها فوق اللام بست درجات، ثم إن الراء تتكرر كثيرا في النطق وتثقل؛ لذا ذكرت ست مرات فقط، والخاء والحاء والثاء والضاد ذكرت كل منها مرة واحدة لثقلها ولبعض أوجه التناسب بينها، والواو أخف من الهاء والهمزة وأثقل من الياء والألف؛ فذكرت سبع عشرة مرة فوق الهمزة الثقيلة بأربع درجات وتحت الألف الخفيفة بأربع درجات كذلك.

فالقرآن يظهر بهذا الوضع المنتظم الذي لا مثيل له وتلك المناسبات الخفية وذلك الانتظام الرائع وذلك النظم والانسجام الدقيق الحساس في ذكر هذه الحروف، يظهر كحاصل اثنين في اثنين يساوي أربعًا أنه ليس في مقدور فكر البشر أن يفعل هذا. أما المصادفة فمحال أن تتدخل فيه.

فالانتظام العجيب والنظام الغريب في أوضاع هذه الحروف كما أنها أصبحت سببًا لسلاسة اللفظ وفصاحته فيمكن أيضًا أن تكون لها حكم كثيرة مخفية أخرى أيضًا، فبما أنه رُوعِيَ مثل هذا الانتظام في حروفه فلا شك أنه قد روعي انتظام ذو أسرار، وانسجام نوراني في كلماته وجمله ومعانيه، بحيث لو رأته العين لقالت ما شاء الله، ولو فهم العقل لقال بارك الله.

النقطة الخامسة: البراعة في بيانه.

 أي التفوق والمتانة والعظمة. فكما أن في نظمه جزالة، وفي لفظه فصاحة، وفي معناه بلاغة، وفي أسلوبه بداعة، ففي بيانه كذلك براعة فائقة.


[1] الهمزة المنطوقة وغير المنطوقة هي خمس وعشرون، وأخت الهمزة الساكنة فوق الألف بثلاث درجات، لأن الحركة ثلاثة. (المؤلف)




111. صفحة

أجل؛ إن بيان القرآن في أعلى مرتبة في جميع أقسام الكلام وطبقات الخطاب كالترغيب والترهيب، والمدح والذم، والإثبات والإرشاد، والإفحام والإفهام، فبيانه([1]) في سورة "الإنسان" مثلا -من بين ما لا حد له من الأمثلة في مقام الترغيب والتشويق- عذبٌ لطيف كماء الكوثر، ويجري بسلاسة كينبوع السلسبيل، فهو لذيذ كثمار الجنة، وجميل كلباس حور العين.

وأما بيانه في مقدمة سورة "الغاشية" مثلا من بين ما لا حد له من الأمثلة في مقام الترهيب والتهديد فيؤثر في صِماخ([2]) أهل الضلالة كتأثير الرصاص الذي يغلي، وفي دماغهم كالنار المحرقة، وفي فمهم كالزقوم المحرق، وفي وجوههم كنار جهنم اللافحة التي ترسل ألسنتها الملتهبة، وفي معدتهم كالضريع المُرّ الشائك.

نعم؛ إن اتخاذ جهنم -وهي موظف العذاب- التي تظهر تهديد الواحد حالة تتقطع فيها من غضبها وغيظها وإخبار القرآن بأنها تتميز من الغيظ ليدل على مدى شدة ترهيب ذلكم الواحد وهوله.

وأما بيان القرآن في السور الخمسة التي تبدأ بـ"الحمد لله" من بين آلاف الأمثلة في مقام المدح فساطع كالشمس([3]) ومزين كالنجوم، وعظيم ومهيب كالسماوات والأرض، ومحبوب كالملائكة، وشفوق كالرحمة على الصغار في الدنيا، وجميل كالجنة في الآخرة.

ومن بين آلاف الأمثلة لمقام الذم والزجر -مثلا- الآية )أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا( [الحجرات: 12] حيث يذم القرآن فيها الذمَّ بست مراتب، ويزجر عن الغيبة زجرا عنيفا بست مراتب وذلك:

أن الهمزة " أ " في بداية الآية تعني الاستفهام الإنكاري، ويسري معناها سريان الماء في جميع كلمات الآية، فتقول الآية بالهمزة أولا: أليس لكم العقل الذي هو محل سؤال وجواب حتى يفهم أمرًا شنيعًا إلى هذه الدرجة؟!


[1] لقد لبس هذا الأسلوب البياني لباس معاني تلك السورة. (المؤلف)

[2] الصماخ: الأذن.

[3] في هذه العبارات إشارة إلى موضوعات تلك السور. (المؤلف)




112. صفحة

وثانيا تقول بلفظ "يحب": أفسد قلبكم الذي هو محل المحبة والبغض حتى صار يحب أكره الأمور؟!

وثالثا تقول بكلمة "أحدكم": ماذا حدث لحياتكم الاجتماعية والمدنية التي تستمد حياتها من الجماعة حتى أصبحت تقبل عملا مسمِّمًا لحياتكم كهذا؟!

ورابعا تقول بكلام: " أن يأكل لحم أخيه": ماذا حدث لإنسانيتكم حتى أصبحتم تنهشون أصدقاءكم كالحيوان المفترس؟!

وخامسا تقول بكلمة "أخيه": أليست لكم رقة لبني جنسكم وصلة رحم بينكم حتى أصبحتم تنهشون من غير إنصاف الشخص المعنوي لمظلوم هو أخوكم من أوجه كثيرة؟! أليس لكم عقل حتى صرتم تعضون أعضاءكم بأسنانكم كالمجنون؟!

وسادسا تقول بكلام "ميتًا": أين ضميركم؟ أفَسدت فطرتكم حتى أصبحتم ترتكبون أكره فعل تجاه أخيكم وهو أكل لحمه بينما هو يستحق الاحترام؟

إذن فالذم والغيبة مذمومان عقلاً وقلبًا وإنسانيةً وضميرًا وفطرةً وعصبية وقومية.

ثم انظر كيف أن هذه الآية تزجر عن ذلك الجرم بإيجاز أي تذم الذم في ست مراتب في إعجاز باهر.

ومن آلاف الأمثلة لمقام الإثبات مثلا في الآية )فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( [الروم: 50] يثبت الحشر ويزيل استبعاده ببيان لا يمكن أن يكون يفوقه إثبات، وذلك:

كما أثبت ووضِّح في الحقيقة التاسعة من "الكلمة العاشرة" وفي "اللمعة الخامسة" من "الكلمة الثانية والعشرين" أن القرآن يعرض أمام أنظار البشر في إحياء الأرض في كل فصل ربيع ثلاثمائة ألف نوع من أنواع نماذج الحشر بمنتهى الانتظام والتمييز مع أنها في منتهى الاختلاط والتداخل والتشابك، حيث يقول: إن الذي يفعل هذه الأفعال في هذه الصورة لا يصعب عليه الإتيان بالحشر والقيامة.


113. صفحة

ثم إن كتابة مئات الآلاف من أنواع الأحياء معًا بإتقان وبلا خطأ وبلا نقص كتابة متداخلة بقلم القدرة على صحيفة الأرض ختمُ الواحد الأحد، لذا فإن القرآن كما يثبت الوحدانية بهذه الآية كالشمس فإنه يبين الحشر والقيامة أيضا بيانًا سهلا قاطعًا كطلوع الشمس وغروبها.

فكما أنه يبين هذه الحقيقة من حيث الكيفية في لفظ "كيف" فإنه يذكر تلك الحقيقة بتفصيل في سور كثيرة.

فمثلا: يثبت الحشر في سورة "ق" ببيان ساطع جميل لطيف عال يورث الإنسان قناعة كقناعته لمجيء الربيع. فانظر؛ إن القرآن يقول ردًا على إنكار الكفار إحياء العظام البالية وقولهم إن هذا شيء عجيب ومستحيل: )أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ _ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ _ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ _ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحَصِيدِ _ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ _ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ( [سورة ق: 6-11]، فيسيل بيانه كالماء، ويتلألأ كالنجوم، ويورث القلب لذة ومذاقًا كالتمر، ويكون في الوقت نفسه رزقًا له أيضا.

ومن ألطف أمثلة مقام الإثبات)يس _وَالقُرْآنِ الحَكِيمِ _ إِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ( [يس: 1-3]، أي إني أقسم بالقرآن الحكيم أنك لمن الرسل، فهذا القسم يشير إلى أن حجة الرسالة أمر يقيني وحقّ بلغ مقام التعظيم والإجلال في الأحقية إلى حد يُقسَم به. فيقول بهذه الإشارة: إنك لرسول، لأن في يدك القرآن، وأما القرآن فحق وكلام الحق تعالى، لأن فيه الحكمة الحقيقية، وعليه ختم الإعجاز.

ومن الأمثلة ذات الإيجاز والإعجاز لمقام الإثبات هذه الآيةُ: )قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ _ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ( [يس: 88-89] فكما صُوِّر في التمثيل الثالث للحقيقة التاسعة من "الكلمة العاشرة"، أن شخصًا

114. صفحة

واحدًا شكل جيشًا عظيمًا من جديد في يوم واحد أمام الأعين؛ فإذا قال قائل إن هذا الشخص يستطيع أن يجمع ببُوق كتيبة قد تفرقت أفرادُها للاستراحة، فتخضع الكتيبة لنظامه، فأنت أيها الإنسان إن قلت لا أصدق هذا، فإنك تعلم كيف أن هذا إنكار في جنون.

فكما في هذا المثال تماما فإن القدير العليم الذي يسجل ويدرج من العدم مجددا بكمال الانتظام وميزان الحكمة ذرات الأجساد الشبيهة بالكتيبة ولَطائفها بأمر "كن فيكون" لجميع الحيوانات وسائر ذوي الحياة الشبيهة بالجيش، والذي يوجِد في كل قرن بل حتى في كل ربيع على وجه الأرض مئات الآلاف من أنواع ذوي الحياة وطوائفها الشبيهة بالجيش، فهل يقال بعد هذا في استبعاد كيف يجمع القدير العليم الذرات الأساسية والأجزاء الأصلية التي قد تعرف بعضها على بعض تحت نظام جسد شبيه بالكتيبة بصيحة واحدة بصور إسرافيل u؟ فإن قيل هذا فهو جنون في بلاهة.

وإن بيان القرآن في مقام الإرشاد لمؤثر ورقيق، ومؤنس وشفيق بحيث إنه يملأ الروح شوقًا، والقلب ذوقًا، والعقل شغفًا، والعين دمعًا. ومن بين آلاف الأمثلة على ذلك هو )ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً( [البقرة: 74] إلخ، فالآية تخاطب بني إسرائيل: -كما أثبت ووضح في مبحث الآية الثالثة في المقام الأول من "الكلمة العشرين"- فماذا حدث لكم حتى أصبحتم لا تبالون بجميع معجزات موسىu، وأصبحت أعينكم جافة لا تدمع، وقلوبكم قاسية لا حرارة فيها، مع أن الحجر الصلب ذرف الدموع من اثنتي عشرة عينًا كالينبوع بضربة عصا موسى u معجزة من معجزاته؟ وقد وضح هذا المعنى الإرشادي في تلك "الكلمة"، لذا نحيله إليها ونختصر هنا.

فانظر إلى هذين المثالين فقط من بين آلاف الأمثلة في مقام الإفحام والإلزام:

المثال الأول: ) وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ( [البقرة: 23]، نشير هنا إلى مجمله فقط لأنه وضح

115. صفحة

وأثبت في كتاب "إشارات الإعجاز"، وذلك:

يقول القرآن المعجز البيان: أيها الإنس والجن إن كانت لديكم شبهة في كون القرآن كلام الله، وإن كنتم تتوهمون أنه كلام بشر، فها أمامكم الميدان فاخرجوا، وأتوا بكتاب مثل هذا القرآن من أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولم يدرسهما مثل محمد الذي تصفونه بالأمين، فإن لم تستطيعوا أن تفعلوا هذا، فليكن غير أمي، وليكن من أشهر الأدباء والعلماء، فإن لم تستطيعوا أن تفعلوا هذا أيضًا، فليكن ليس واحدًا فاجمعوا جميع بلغائكم وخطبائكم، بل جميع الآثار الجليلة لجميع البلغاء السابقين، وبمساعدة جميع الأدباء القادمين، وهِمَم آلهتكم، وحاولوا بكل ما أوتيتم من قوة أن تأتوا بمثل هذا القرآن، فإن لم تستطيعوا أن تفعلوا هذا أيضًا فاصنعوا كتابًا نظيرا لبلاغة القرآن التي في نظمه فقط بغضّ النظر عن حقائقه التي لا يمكن تقليدها وعن معجزاته المعنوية الكثيرة، ويخاطبهم بإلزام )فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ( [هود: 13]، لا أريد منكم صدق المعنى، فليكن مفتريات ومختلقات وأكاذيب وحكايات باطلة، فإن لم تستطيعوا أن تفعلوا هذا أيضًا، فأتوا بـ"عشر سور" مثله فقط وليس كل القرآن، فإن لم تستطيعوا أن تفعلوا هذا أيضًا، فأتوا بسورة واحدة من مثله، بل هذا أيضًا كثير فأبرزوا سورة قصيرة من مثله. وحتى بما أنكم لا تستطيعون ولن تستطيعوا مع أنكم محتاجون إلى ذلك أشد الحاجة؛ لأن كرامتكم وعرضكم، وعزتكم ودينكم، وعصبيتكم وشرفكم، وأرواحكم وأموالكم، ودنياكم وآخرتكم لا يمكن أن تنجو إلا بالإتيان بمثله، فستفنى وتزول في الدنيا أرواحكم وأموالكم في هلاك بدون كرامة وبدون عزة وبدون دين وبدون شرف في الذل، وسيُحكَم عليكم في الآخرة بالسجن الأبدي في جهنم وستكونون حطبًا للنار مع أصنامكم بإشارة )فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ([البقرة: 24].

وبما أنكم فهمتم عجزكم بثماني مراتب، فلا شك أنه يجب عليكم أن تعلموا بثماني مرات أن القرآن معجز، فإما أن تؤمنوا، أو تكفوا وتذهبوا إلى الجحيم.

فانظر إلى إلزام القرآن المعجز البيان في مقام الإفحام، وقل "ليس بعد بيان القرآن

116. صفحة

بيان"، أجل إنه ليس هناك بيان بعد بيان القرآن، ولا يبقى حاجة إلى ذلك.

المثال الثاني: )فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ _ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ _ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ _ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ _ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَ يُؤْمِنُونَ _ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ_ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ _ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَّ يُوقِنُونَ _ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ _ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ _ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ _ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مِغْرَمٍ مُثْقَلُونَ _ أَمْ عِندَهُمُ الغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ _ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ _ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ( [الطور: 29-43] نبين حقيقة واحدة من بين آلاف الحقائق لهذه الآية مثالا لبيان الإفحام فحسب، وذلك؛

أن هذه الآيات تلزم جميع أقسام أهل الضلالة وتسد جميع منابع الشبهات بخمس عشرة طبقة من الاستفهام الإنكاري التعجبي بلفظ "أَمْ" "أَمْ ولا تدع ثغرة شيطانية لأهل الضلالة ليدخلوا ويختفوا فيها إلا وتسدها، ولا تدع ستارًا من أستار الضلالة ليدخلوا ويختفوا تحته إلا وتمزقه، ولا تدع كذبًا من أكاذيبهم إلا وتسحقه، وفي كل فقرة من فقراتها تبطل إما بتعبير وجيز خلاصة الفكر الكفري الذي تحمله طائفة من الطوائف، وإما تحيل بطلانه إلى البداهة بالسكوت عنه لكون ذلك البطلان ظاهرًا، أو تشير إشارة مجملة هنا لكونه قد رُدَّ عليه بتفصيل في آيات أخرى.

فمثلا: الفقرة الأولى تشير إلى الآية: )وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ([يس: 69]، والفقرة الخامسة عشرة ترمز إلى الآية: )لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا( [الأنبياء: 22]، فقس سائر الفقرات على هذا، وذلك:

تقول الآية في المقدمة: بلِّغ الأحكام الإلهية فأنت لست بكاهن، لأن كلام الكاهن مختلط وتخميني، أما كلامك فحق ويقيني، ولست بمجنون أبدًا وتشهد حتى أعداؤك على كمال عقلك.


117. صفحة

أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ(، فيا عجبًا، أيقولون كالكفار العوام الذين ليس لديهم قوة محاكمة: "إنك شاعر" وينتظرون هلاكك؟ فقل لهم انتظروا وأنا أيضًا أنتظر، فإن حقائقك العظيمة الساطعة منزهة عن خيال الشعر ومستغنية عن تزييناته.

)أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ أم يقولون مثل الفلاسفة الأغبياء المُعْتَدِّين بعقولهم: إن عقلنا يكفينا، فيستنكفون عن اتباعك؟ والحقيقة أن العقل يأمر باتباعك؛ لأن كل ما تقوله معقول، ولكن العقل لا يستطيع وحده أن يدركه.

)أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ أم أن سبب إنكارهم هو عدم خضوعهم الحق كالظالمين الطغاة؟ والحقيقة أن عاقبة الفراعنة والنماردة الذين هم رءوس الظالمين المتجبرين معلومة ومعروفة.

)أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَ يُؤْمِنُونَ_ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ أم يتهمونك كالمنافقين الكذابين الذين لا ضمير لهم بأن القرآن كلامك، الحقيقة أنهم كانوا يدعونك بـ"محمد الأمين"، ولا يعلمون فيهم من هو أصدق كلامًا منك، إذن إنهم لم يرغبوا في الإيمان، وإلا فليلتمسوا مثيلا للقرآن بين آثار البشر.

)أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ(، أم يظنون -كالفلاسفة العبثيين الذين يعتقدون أن الكائنات عبث لا غاية لها- أنهم سائبون طلقاء لا حكمة ولا غاية ولا وظيفة ولا خالق لهم؟ يا ترى أفعميتْ أبصارهم؟! أولا يرون أن الكون بأكمله مزين بالحكم ومثمر بالغايات، وأن الموجودات بدءًا من الذرات إلى الشموس موظفات بالوظائف ومسخرات للأوامر الإلهية.

) أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ( أم يتخيلون -مثل الماديين المتفرعنين- أنهم يغذون أنفسهم بأنفسهم ويخلقون الأشياء التي يحتاجون إليها، فيستنكفون عن الإيمان والعبودية، إذن فكل واحد منهم يظن نفسه خالقًا، مع أن خالق شيء واحد يجب أن يكون خالقًا لجميع الأشياء، إذن فكِبْرهم وغرورهم جعلهم في منتهى الحماقة، حتى إنهم يظنون من هو عاجز عجزا مطلقًا ومغلوب أمام ذبابة واحدة وجرثومة واحدة أنه قدير مطلق.


118. صفحة

وبما أنهم سقطوا من العقل والإنسانية إلى هذا الحد، فإنهم أضلّ من الحيوانات بل أدنى من الجمادات، وبذا فلا يَحزُنك إنكارُهم، بل عُدَّهم نوعًا من الحيوانات المضرة والمواد القذرة، ولا تنظر إليهم ولا تهتم بهم.

)أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ(، أم ينكرون وجود الله كالمعطلة السخفاء الحمقاء المنكرين لوجود الخالق، فلا يسمعون القرآن؟ إذن فلينكروا وجود السماوات والأرض، أو ليقولوا نحن خلقناهما، وليتخلوا عن موازين العقل كليًّا وليدخلوا في هذيان الجنون، إذ تتراءى وتُقرَأ براهين توحيد في السماوات بعدد نجومها والأرض بعدد أزاهيرها. إذن ليست لديهم نية لقبول الحق واليقين. مع أنهم يعلمون أن حرفًا واحدًا لا يكون بلا كاتب، فكيف يظنون أن كتاب الكون هذا الذي كُتِب في كل حرف منه كتاب كامل بلا كاتب؟!

)أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ(، أم ينكرون أصل النبوة كبعض الفلاسفة الضالين الذين ينفون اختيار الحق سبحانه تعالى وإرادته، وكالبراهمة ولا يؤمنون بك؟ إذن فلينكروا جميع ما يشاهَد في جميع الموجودات ويدل على الاختيار والإرادة من آثار الحكمة والغايات والانتظام والثمرات وآثار الرحمة والعناية، وجميع معجزات كل الأنبياء عليهم السلام، أو ليقولوا إن خزائن الإحسان التي مُنحَت لجميع المخلوقات عندنا وفي يدنا، فليكشفوا عن أنفسهم أنهم لا يستحقون الخطاب، فلا يَحزُنك إنكارُهم، وقل إن لله كثيرًا من الحيوانات البليدة.

)أَمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ(، أم أنهم يظنون أنفسهم رقباء على الله ومفتشين عليه تعالى ويريدون أن يجعلوه مسئولا مثل المعتزلة المتحكمين الذين جعلوا العقل حاكمًا مسيطرًا؟ فلا تَفْتُر أبدًا، إذ لا أهمية لإنكار مثل هؤلاء المغرورين فلا تهتم بهم.

)أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أم يظنون أن هناك طريقًا آخر إلى عالم الغيب مثل الكهان الذين يتبعون الجن والشياطين ومثل من يمارسون تحضير الأرواح؟ إذن فهم يتخيلون أن لهم سلمًا يرتقون به إلى السموات التي سُدَّت أبوابُها على شياطينهم، فيكذبون أخبارك السماوية، فإنكار مثل هؤلاء الدجالين المشعوذين في حكم العدم.

119. صفحة

أَمْ لَهُ البَنَاتُ وَلَكُمُ البَنُونَ أم أنهم ينسبون إلى الأحد الصمد الولدَ المنافي لوجوب وجوده ووحدته وصمديته واستغنائه المطلق، ويسندون إلى الملائكة الأنوثة المنافية لعبوديتهم وعصمتهم وجنسهم كالفلاسفة المشركين الذين يعتقدون وجود شركاء باسم "العقول العشرة" و"أرباب الأنواع" والصابئين الذين يسندون إلى النجوم والملائكة نوعًا من الألوهية، والملحدين والضالين الذين ينسبون إلى الحق تعالى الولد؟ أم يظنون أنها شفعاء لهم حتى لا يتبعونك.

فإسناد التناسل الذي هو واسطة تكاثر وتعاون ورابطة حياة وبقاء للمخلوقات -مثل الإنسان- التي هي في دائرة الإمكان والفانية والمحتاجة إلى بقاء نوعه والجسمانية والمتجزئة والقابلة للتكاثر والعاجزة والمحبة للدنيا لدرجة عبادتها والمشتاقة للوارث، وإسناد الأولاد إلى الخالق ذي الجلال الواجب والدائم وجودُه، والأزلي والأبدي بقاؤُه، المجرد والمعلى عن الجسمانية، والمنزه والمبرأ عن التجزؤ والتكاثر، والمقدسةُ قدرتُه عن العجز، والذي ليس كمثله شيء، ولا سيما إسناد نوع من الأولاد أي ما لا حد له من البنات اللاتي لا يعجب بهن أناس عاجزون مساكين ويرونها غير لائقة ومناسبة لعزتهم وغرورهم، فهو سفسطة وجنون وهذيان بحيث لا قيمة لتكذيب وإنكار مثل هؤلاء الوضيعين الذين يحملون هذا الفكر، فلا تبال بهم، إذ لا يُصغَى إلى سفسطة كل سخيف وضيع وهذيان كل مجنون.

)أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أم أنهم يجدون تكاليفك ثقيلة كعبدة الدنيا الطاغين الباغين الذين اعتادوا على الحرص والخسة فيهربون منك؟ ألم يعلموا أنك لا تبتغي أجرك وأجرتك إلا من الله؟

 أثقيل إيتاء مقدار عُشْر أو واحدا من أربعين من المال الذي آتاه الحق تعالى إياهم إلى فقرائهم حتى تكون في أموالهم بركة ويتخلصوا من حسد الفقراء ودعائهم عليهم، أهو ثقيل حتى يرون أمر الزكاة ثقيلا ويتحفظون ويمتنعون عن الإسلام؟

فتكذيبهم لا قيمة له فضلا عن أنهم يستحقون الصفعة لا الإجابة. 


120. صفحة

أَمْ عِندَهُمُ الغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أم لا يعجبون بأخبارك الغيبية كالبوذيين الذين يدعون علم الغيب، والعقلانيين الذين يتخيلون تخميناتهم في الأمور الغيبية يقينًا؟ أعندهم كتاب غيبي حتى يرفضون كتابك الغيبي؟ إذن إنهم يتخيلون ويحلمون أن عالم الغيب -الذي لا يُفتَح لغير الأنبياء الذين يوحى إليهم والذي لا يمكن لأحد أن يدخله- عندهم ومفتوح لهم وأنهم يقتبسون منه المعلومات فيكتبونها؟

فلا يفتِّرَنَّك تكذيب مثل هؤلاء المغرورين المتكبرين الذين تجاوزوا عن حدهم إلى أقصى حد؛ إذ ستدمر الحقائق التي أتيت بها في وقت قصير بأحلامهم وخيالاتهم.

)أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ(، أم يريدون أن يخدعوا الناس فيصدونهم عن الهداية التي لا ينالونها ويحتالون عليهم فيردونهم عنها كالمنافقين الدجالين والزنادقة الدساسين الذين فسدت فطرتهم وفسد وجدانهم؛ إذ يطلقون عليك اسم الكاهن تارة والمجنون تارة والساحر تارة أخرى، ويريدون أن يُقنِعوا الناس بتصديق هذا مع أنهم غير مقتنعين به؟

فلا تعتبر مثل هؤلاء الدجالين الدساسين كإنسان سوي ولا تفتر عن دعوتك ولا تذهب نفسك حسرات على دسائسهم وإنكارهم، بل اسعَ واجتهد أكثر، لأنهم لا يحتالون إلا على أنفسهم، ويضرون بأنفسهم، وتوفيقهم في الشر مؤقت، واستدراج ومكر إلهي.

)أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ(، أم يعارضونك ويستغنون عنك مستندين إلى آلهة أخرى كالمجوس الذين يتوهمون إلهين مستقلين باسم خالق الخير وخالق الشر، وكعبدة الأسباب وكعبدة الأصنام الذين يمنحون الأسباب المختلفة، الألوهيةَ نوعًا ما ويتخيلون أنها نقطة استناد لهم؟

إذن فهم حسب حكم )لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا( عَمُوا عن أن يروا هذا الانتظام المتقن والانسجام الأجمل اللذين يظهران في الكون ظهور النهار، والحال أنه لو كان هناك عمدتان في قرية، وواليان في مدينة، وملكان في مملكة لفسد الانتظام واختل، وتشوش الانسجام واختلط، بينما رُوعِيَ الانتظام مراعاة دقيقة بدءًا من جناح

121. صفحة

الذباب إلى قناديل السماوات، فلم يُترَك موضع للشرك ولو بمقدار جناح الذباب، وبما أنهم يتصرفون خلافًا للعقل والحكمة وبشكل مناف للشعور والبداهة فلا يَعدلنَّك تكذيبُهم عن التذكير؟

وهكذا بينا بيانًا مجملاً جوهر بيان واحد حول الإفحام والإلزام فقط من مئات من جواهر هذه الآيات التي هي سلسلة حقائق، فلو كنت أستطيع أن أبين عدة جواهر أخرى لكنت تقول: إن هذه الآيات كلا على حدة معجزة.

أما بيان القرآن في الإفهام والتعليم فهو بديع رائع، وذو لطافة وسلاسة، بحيث إن أبسط عامي يفهم بسهولة أعمق حقيقة من بيانه.

أجل، إن القرآن المعجز البيان يذكر كثيرا من الحقائق الغامضة ويعلمها بأسلوب بسيط ظاهر يلاطف النظرَ العام، ولا يجرح الشعور العام، ولا يُعجِزُ الفكر العام ولا يتعبه. وكما أنه لو أُجري حديث مع طفل لاستُعمِلت تعبيرات طفولية، وكذلك فإن الأساليب القرآنية التي تسمى بـ" التنزلات الإلهية إلى عقول البشر" والتي تنزل إلى درجة المخاطب في أسلوب المتكلم وتخاطب حسب ذلك وتُفهِم أشد العوام أمية الحقائق الغامضة الإلهية والأسرار الربانية التي لا يستطيع أن يبلغها أكثر الحكماء تبحرًا بأفكارهم، ببعض التشبيهات والتمثيلات على صورة المتشابهات، فمثلا:

)الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى( تبين الربوبية الإلهية -بتمثيلٍ- شبيهةً بالسلطنة، ومرتبة ربوبيته جل وعلا في تدبير العالم في مثال سلطان يجلس على عرش سلطنته ويدير أمور الحكومة.

أجل؛ إن القرآن وهو كلام الخالق ذي الجلال لهذا الكون صدر من المرتبة العظمى للربوبية، وتفوق على جميع المراتب، وأرشد جميع البالغين إلى تلك المراتب، ونفذ من سبعين ألف حجاب، والتفت إلى تلك الحجب ونورها، ونثر فيضه ونشر نوره على آلاف من طبقات المخاطبين المختلفين فهمًا وذكاءً، وعاش في العصور والقرون المختلفة

122. صفحة

قابلية واستعدادًا، ونثر معانيه بوفرة وكثرة إلى هذا الحد، مع كل ذلك لم يفقد من كمال شبابه مقدار ذرة، بل ظل في منتهى الطراوة واللطافة، فهو قد درّس لكل عامي درسًا مفهومًا بمنتهى السهولة وبصورة السهل الممتنع، إلى جانب ذلك درّس أيضًا بالكلمات نفسها في الدرس نفسه كثيرًا من الطبقات المتباينة درجاتُهم والمختلفةِ أفهامُهم وأقنعها وأشبعها، فلا ريب أنه إذا أُمعِن النظر في أي ناحية من نواحي ذلكم الكتاب الذي يفيض بالمعجزات فلا تملك إلا أن ترى لمعة إعجاز.

الحاصل: فكما أن لفظا من ألفاظ القرآن مثل "الحمد لله" إذا ما تلي يملأ الكهف الذي هو أُذُن الجبل، ويستقر هذا اللفظ نفسه في الأذن الصغيرة للذباب استقرارًا تامًّا، فكذلك وكما أن معاني القرآن تشبع العقول التي كالجبال، فإنها تعلم في الوقت نفسه العقول الصغيرة صغر الذباب والبسيطة جدًّا بالكلمات نفسها وتشبعها وتطمئنها، إذ يدعو القرآن جميع طبقات الإنس والجن إلى الإيمان، ويعلم علوم الإيمان لجميعهم ويثبتها، إذن سيستمع إلى درس القرآن أشد العوام أمية مع أخص الخواص جنبًا إلى جنب متكاتفين وسيستفيدون منه. إذن فالقرآن الكريم مائدة سماوية تجد آلاف الطبقات المختلفة من الأفكار والعقول والقلوب والأرواح غذاءها في تلك المائدة، وتجد ما تشتهيه وتُشبَع رغباتُها، حتى إن كثيرًا من أبوابها ظلّت مغلقة لتُفتَح للقادمين في المستقبل، فإن شئت مثالا لهذا المقام فالقرآن كله من أوله إلى آخره مثال له.

أجل، إن كل تلميذ من تلاميذ القرآن ومن استمع إلى درسه من جميع المجتهدين والصديقين وحكماء الإسلام، والمحققين وعلماء أصول الفقه والمتكلمين والأولياء العارفين والأقطاب العاشقين والعلماء المدققين وعوام المسلمين يقولون متفقين إننا نفهم درسنا فهمًا كاملا.

الحاصل تتلألأ لمعات إعجاز القرآن في مقام الإفهام والتعليم كما في سائر الطبقات.

123. صفحة

الشعاع الثاني: جامعية القرآن التي لا مثيل لها.

لهذا الشعاع خمس لمعات:

اللمعة الأولى: وهي الجامعية الخارقة في لفظه. فلا شك أن هذه الجامعية تظهر ظهورًا جليًّا في "الكلمات" السابقة وفي الآيات المذكورة في هذه "الكلمة". أجل، إن ألفاظ القرآن قد وُضِعَت بطريقة بحيث إن لكل كلام بل لكل كلمة بل لكلِّ حرفٍ بل حتى لسكونٍ أحيانًا وجوها كثيرة، وتعطي لكل مخاطبٍ من مخاطبيه حصته من أبواب مختلفة كما أشار إليها الحديث الشريف "لكلِّ آيةٍ ظَهْرٌ وبَطْنٌ وحَدٌّ ومطلع ولكُلٍّ شُجُونٌ وغُصُونٌ وفُنُونٌ"[1].

فمثلا: )والجِبَالَ أَوْتَادًا( [النبأ: 7] كلامٌ يعني أني جعلتُ الجبال دعامات وأعمدة لأرضكم، فحصة العامي من هذا الكلام هو أنه يرى الجبال وكأنها دعامات مركوزة ومغروزة في الأرض ظاهرًا، ويتفكر ويتأمل منافعه ونعمه التي فيها، ويشكر خالقه.

وحصة الشاعر من هذا الكلام هو أنه يتخيل الكرة الأرضية قاعدةً، وقبّةَ السماء خيمةً منصوبة عليها خضراءَ عظيمة بديعةً مزينةً بمصابيح كهربائية، ويتخيل الأفق كدائرة والجبال التي تبدو أذيالُ السماء فوقها كأنها أوتاد تلك الخيمة، فيعبد صانعه ذا الجلال في إعجاب.

أما الأديب الذي يعيش في الخيمة فحصّته من هذا الكلام أنه يتصور أن سطح الأرض صحراء وبيداء، وسلسلة الجبال كخيام البدويين الكثيرة المتناثرة المختلفة جدًّا، وكأن طبقة ترابية ألقيت كستار على أعمدة عالية، وكأن الرءوس الحادة لتلك الأعمدة قد رَفعت ذلك الستار الترابي وجعلته مساكن ينظر بعضها إلى بعض لمخلوقات مختلفة كثيرة. يتصور هكذا فيسجد سجدة إعجاب لفاطره ذي الجلال الذي نصب ووضع بيسر تلك المخلوقات العظيمة الهائلة التي تشبه الخيام المنصوبة على الأرض.


[1] هو جزء من حديث في صحيح ابن حبان 1/276، حديث رقم 75. 




124. صفحة

أما الأديب الجغرافي فقسمته من هذا الكلام أنه يتأمل الكرة الأرضية سفينةً تسبح في البحر المحيط الهوائي أو الأثيري، والجبالَ دعامات وأعمدة رُكِّزت وغُرِزت في تلك السفينة للتثبيت والتوازن، يناجي القدير ذا الكمال الذي جعل الكرة الأرضية الضخمة كسفينة متقنة بديعة ووضعَنا فيها يجوِّلنا في أقطار العالم، ويقول "سبحانك ما أعظم شأنك!".

أما العالم المتخصص في علم الاجتماع وعلوم الحضارة فحصّته من هذا الكلام هي أنه يفهم من الآية أن الأرض مسكن، وأن عماد هذا المسكن هو الحياة، وعماد الحياة هو الماء والهواء والتراب التي هي مقومات الحياة، وعماد الماء والهواء والتراب هو الجبال؛ لأن الجبال مخزنُ المياه، ومصفاةُ الهواء؛ إذ ترسب الغازات المضرة فتصفي الهواء، وحاميةُ التراب إذ يحفظه من التوحل ومن استيلاء البحر، وخزينةٌ لسائر الحاجات الضرورية لحياة الإنسان، فيحمد بكمال التعظيم الصانعَ ذا الجلال والإكرام الذي جعل هذه الجبال الضخمة بهذه الصورة أوتادًا لأرضنا التي هي مسكن حياتنا، وأمين الصندوق لمعيشنا.

أما حصة فيلسوف الحكمة الطبيعية من هذا الكلام هي؛ أنه يفهم أن الزلازل والاهتزازات التي تحدث نتيجة بعض الانقلابات والامتزاجات في باطن الكرة الأرضية تهدأ بظهور الجبال، وأن السبب في استقرار الكرة الأرضية في محورها وفي عدم خروجها من مدارها السنوي بارتجاج الزلزلة هو بروز الجبال، وأن حدة غضب الأرض وحنقها وثورتها تهدأ وتسكن بالتنفُّس بمنافذ الجبال، يفهم هكذا ويدخل الإيمان قلبه تمامًا ويقول: "الحكمة لله".

ومثلا: إن كلمة "رَتْقًا" في الآية )أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا( [الأنبياء: 30]، تُفهِم العالم الذي لم يتلوث بالتدقيقات الفلسفية أن فَتْح أبواب السماء بالمطر في حين أنها كانت صافية صحوًا، وفَتْح الأرض بالخُضرة في حين أنها كانت جافة لا حياة فيها وليست صالحة للتولد، وخَلْق جميع الأحياء من ذلك الماء بنوع من الازدواج والتلقيح هو من شأن القدير ذي الجلال الذي وجه الأرض بستان صغير له

125. صفحة

وأن السحب التي هي لثام السماء رشاشات ماء لبستانه، هكذا يفهم ويسجد لعظمة قدرته تعالى.

وتفيد هذه الكلمة للعالم المتخصص في العلوم الكونية أن الأرض والسماء بينما كانتا في بداية الخلقة كومتين لا شكل لهما، وعجينتين طريتين لا نفع لهما، ومادتين مجتمعتين لا ولد ولا مخلوقات لهما، فتحهما الفاطر الحكيم وبسطهما، وجعلهما في شكل جميل وصورة نافعة وجعلهما منشأ للمخلوقات المزينة الكثيرة، وهكذا يأخذه الإعجاب والحيرة أمام سعة حكمته تعالى.

وتفيد هذه الكلمة فيلسوف العصر الحديث بأن كرتنا الأرضية والكواكب الأخرى التي تشكل المجموعة الشمسية كانت في البداية ممتزجة مع الشمس على شكل عجينة لم تُبسَط، ثم بسط القادر القيوم تلك العجينة، ووضع تلك الكواكب في مواضعها واحدًا فواحدًا، فوضع الشمس هناك والأرض هنا، وفرش الأرض بالتراب، وأنزل عليها المطر من السماء، ونثر عليها الضياءَ من الشمس وعمَّر الأرض وأسكننا فيها، وهكذا يفهم ويخرج رأسه من وحل الطبيعة ويقول "آمنت بالله الواحد الأحد".

ومثلا: إن اللام في الآية )وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرِّ لَهَا ([يس: 38]، تفيد معناها المعروف كما تفيد معنى "في" ومعنى "إلى"، فيرى العامي اللام في) لِمُسْتَقَرِّ( بمعنى إلى، وتُفيد الآية هذا المعنى: إن الشمس وهي مصباح متحرك مضيء ومدفئ بالنسبة لكم سينتهي سيرها يومًا ما وستبلغ مستقرها، وستكون في وضع لا تنفعكم فيه بعد ذلك، فهكذا يفهم العامي ويفكر في النعم العظيمة التي علقها الخالق ذو الجلال على الشمس، ويقول "سبحان الله" و "الحمد لله".

ويرى العالِم اللام في معنى "إلى"، إذ العالم لا يرى الشمس مصباحًا وسراجًا فحسب، وإنما يراها أيضًا مكوكًا للمنسوجات الربانية التي تُحاك وتُنسَج في معمل الرّبيع والصيف، ومدادًا وحُقَّة[1] من نور للمكتوبات الصمدانية التي تُكتَب على صحائف الليل والنهار،

[1] الحُقَّة: وعاء صغير ذو غطاء يتخذ من عاج أو من زجاج أو غيرهما.




126. صفحة

وتدفعه إلى التفكر في نظام العالم الذي جريان الشمس الظاهري الصوري علامةٌ له وإشارة إليه، فيخرّ ساجدًا أمام صنعة الصانع الحكيم قائلا "ما شاء الله"، وأمام حكمته قائلا "بارك الله".

أما الفيلسوف الفلكي فيرى اللامَ في الآية بمعنى "في"، أي إن الشمس تنظم وتحرك منظومتها بالأمر الإلهي بجريانها وكأنها زنبرك في مركزها وعلى محورها، فيقول بكمال الحيرة والاستحسان لصانعه ذي الجلال الذي خلق ونظم مثل هذه الساعة الكبرى "العظمة لله والقدرة لله فينبذ ويرمي الفلسفة، ويدخل في الحكمة القرآنية.

ويرى الحكيم المدقق اللام بمعنى "لام العلة" و"لام الظرفية"، أي ولأن الصانع الحكيم يجعل الأسباب الظاهرية حجبًا لشئونه، فقد ربط الكواكب وكأنها أحجار المقلاع بالشمس، بالقانون الإلهي المسمى بـ"الجاذبية العامة"، فيدوِّر تلك الكواكب في دائرة حكمته بحركات متفاوتة ومختلفة، ولكن منظمة منسقة، وقد جعل حركة الشمس في مركزها سببًا ظاهريًّا لتوليد تلك الجاذبية، أي إن معنى "لمستقر" هو "في مستقر لها لاستقرار منظومتها"، لأن الحركة تولد الحرارة، والحرارةُ تولد القوة، والقوة تولد الجاذبية ظاهرًا، فهذه سنة الله وقانون رباني، فهذا الحكيم عندما يفهم مثل هذه الحكمة من حرف من حروف القرآن يقول "الحمد لله"، إن الحكمة الحَقَّة إنما في القرآن، فلا تساوي الفلسفة عندي فلسا واحدا.

أما من يملك فكرًا وقلبًا شاعريًّا فهو يفهم من هذه اللام وهذا "الاستقرار" معنى أن الشمس شجرة نورانية، والكواكب ثمراتها المتحركة، فالشمس تنتفض حتى لا تسقط تلك الثمرات بخلاف الأشجار، فإن لم تنتفض فستسقط الثمرات وستتبعثر، ثم إنه يمكن أن يتخيل أن الشمس رئيس الذاكرين المجذوب، فيذكر الله بذكر ذي جذبة ونشوة في مركز حلقة الذكر، ويدفع الآخرين أيضًا إلى مثل ذلك الذكر، وكنت قد قلت في إحدى الرسائل[1] حول هذا المعنى ما يلي:


[1]أي في رسالة اللوامع. 




127. صفحة

"أجل؛ إن الشمس شجرة مثمرة، تنتفض حتى لا تسقط ثمارها السيَّارة[1]، فلو سكنتْ وصَمتت[2]؛ لانْفَلَتَت الجذبةُ، وبَكَت مجذوباتُها المنتظمة في الفضاء".

ومثلا:) وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ( [البقرة: 5]، فيها سكوت وإطلاق، إذ لم تعيّن بِمَ يفلحون حتى يجد فيها كل واحد ما يريد، تختصر الكلام ليطول المعنى؛ لأن غاية بعض المخاطبين هي النجاة من النار، وبعضهم لا يفكر إلا في الجنة، وبعضهم يتمنى ويرغب في السعادة الأبدية، وبعضهم لا يرجو إلا الرضا الإلهي، وبعضهم غاية أمله رؤية الله، وهكذا يطلق القرآن الكلام في مواضع كثيرة جدًّا كما هو الحال في هذا الموضع حتى يعم المعنى، ويحذف حتى يفيد معاني كثيرة، ويوجز حتى يكون لكل واحد نصيب من المعنى؛ إذ تقول الآية "المفلحون" ولا تعيِّن بم يفلحون، فكأنها تقول بالسكوت: لكم البشرى أيها المسلمون! يا أيها المتقي إنك تفلح بنجاتك من النار، وأنت أيها الصالح تفلح بفوزك بالجنة، وأنت أيها العارف ستنال الرضا الإلهي، وأنت أيها العاشق ستحظى برؤية الله.

وهكذا فقد أوردنا مثالا واحدًا فقط كنموذج على جامعية لفظ القرآن من بين آلاف الأمثلة للكلام والكلمة والحرف والسكوت، وأنت بدورك تقيس الآية والقصة على ذلك.

ومثلا: إن الآية ) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِر لِذَنْبِكَ ( [محمد: 19]، فيها وجوه كثيرة فيها مراتب مختلفة ومتفاوتة حتى إن جميع طبقات الأولياء رأت حاجتها إلى هذه الآية في جميع أنواع سلوكهم ومراتبهم، وأخذوا غذاء معنويًّا ومعنى جديدًا يليق بمرتبتهم؛ فلأن لفظ "الله" اسم جامع فإنه يتضمن أنواعا من التوحيد بعدد الأسماء الحسنى، مثل: لا رزَّاق إلا هو، لا خالق إلا هو، لا رحمن إلا هو، وهكذا.

ومثلا: إن قصة موسى عليه السلام التي هي من قصص القرآن لها آلاف الفوائد كما لعصا موسى عليه السلام من الفوائد، فهذه القصة فيها تسلية الرسول r وطمأنته،

[1] السيارة: أي الكواكب.

[2] أي الشمس.




128. صفحة

وتهديد الكفار، وتقبيح المنافقين، وتوبيخ اليهود وما شاكلها من المقاصد والوجوه الكثيرة جدًّا، ولذلك فقد كررت في السور، فمع أنها تفيد جميع المقاصد في كل موضع فإن مقصدًا واحدًا منها يكون هو المقصود بعينه في ذلك الموضع، وتكون المقاصد الأخرى تابعة له.

فإن قلت: كيف سنعرف أن القرآن أراد جميع المعاني التي ذكرتها في الأمثلة السابقة وأنه يشير إليها؟

الجواب: بما أن القرآن خطبة أزلية، ويخاطب جميع بني آدم المختلفة طبقاتهم والقابعين المصطفِّين على العصور وخلفها ويعلّمهم، فلا بد أنه سيدرج وسيريد المعاني المتعددة حسب تلك الأفهام المختلفة، وسيضع أمَارات تدل على إرادته.

نعم قد أُثبِتت وبُيِّنت في كتاب "إشارات الإعجاز" المعاني المتعددة لكلمات القرآن -مثل هذه المعاني المذكورة هنا- بقواعد علم الصرف والنحو، وبدساتير علم البيان والمعاني، وبقوانين علم البلاغة، وإضافة إلى ذلك نقول إن جميع الوجوه والمعاني المقبولة حسب علم المعاني، والمناسبة حسب علم البيان، والمستحسَنة حسب علوم البلاغة هي من معاني القرآن بإجماع أهل الاجتهاد وأهل التفسير وأهل أصول الدين وأهل أصول الفقه، وبشهادة اختلافاتهم بشرط أن تكون صحيحةً حسب العلوم العربية، وحَقَّةً حسب الأصول الدينية، وقد وضع القرآن الحكيم أمارات على تلك المعاني حسب درجاتها، فإما لفظية أو معنوية، فإن كانت تلك الأمارة معنوية فإن أمارة من سياق الكلام أو من آية أخرى تشير إلى ذلك المعنى، وإن مئات الآلاف من التفاسير التي أُلِّفت من قبل المحققين والتي بلغ بعضها عشرين أو ثلاثين أو أربعين أو ستين أو حتى ثمانين مجلدًا لبرهان باهر قاطع على جامعية لفظ القرآن وإعجازه.

وعلى كل حال فلو أوضحنا في هذه "الكلمة" (أي في هذه الرسالة) كل أمارة تدل على كل معنى من المعاني بقانونها وقاعدتها لطال الكلام كثيرًا؛ لذا نختصر هنا ونحيل بعضها إلى "إشارات الإعجاز".


129. صفحة

اللمعة الثانية: الجامعية الخارقة في معانيه.

أجل؛ إن القرآن يفيض ويجود من خزانة معانيه بمصادرَ كل المجتهدين، ومذاق جميع العارفين، ومشارب جميع الواصلين، ومسالك جميع الكاملين، ومذاهب كل المحققين، إضافة إلى ذلك فإنه أصبح دليلهم دائمًا، ومرشدهم في ترقياتهم في كل وقت، وينشر وينثر الأنوار على طرقهم من معينه الذي لا ينضب ومن خزانته التي لا تنفد، وهذا مصدق ومتفق عليه عندهم.

اللمعة الثالثة: الجامعية الخارقة في علمه.

أجل؛ إن القرآن كما أنه يجري من بحر علمه علوم الشريعة المتعددة الكثيرة، وعلوم الحقيقة المتنوعة الكثيرة، وعلوم التصوف المختلفة التي لا حد لها، فإنه يُجري كذلك من بحره هذا بكثرة وبانتظام الحكمةَ الحقيقية لدائرة الممكنات، والعلوم الحقيقية لدائرة الوجوب، والمعارف الغامضة لدائرة الآخرة، ولو أردنا أن نأتي بمثال لهذه اللمعة لاحتاج الأمر إلى تأليف مجلد كامل؛ لذا نبرز هذه "الكلمات" الخمسة والعشرين كمثال لها فحسب.

أجل؛ إن الحقائق الصادقة لجميع "الكلمات" الخمس والعشرين ما هي إلا خمس وعشرون قطرة من بحر علم القرآن، فإن كان في تلك الكلمات قصور فإنها تعود إلى فهمي القاصر.

اللمعة الرابعة: الجامعية الخارقة في مباحثه.

أجل؛ إن القرآن قد جمع المباحث الكلية للإنسان ووظيفته، والكون وخالقه، والأرض والسماوات، والدنيا والآخرة، والماضي والمستقبل، والأزل والأبد، فضلا عن أنه بيَّن جميع المباحث الأساسية المهمة بدءًا من خلق الإنسان من النطفة إلى دخوله القبرَ، ومن آداب الأكل والنوم إلى مباحث القضاء والقدر، ومن خلق العالم في ستة أيام إلى وظائف الرياح في هبوبها التي أشير إليها بأقسام )وَالمُرْسَلاَتِ( و)وَالذَّارِيَاتِ(، ومن تدخّله تعالى في قلب الإنسان وإرادته بإشارة )وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ( [التكوير: 29]

130. صفحة

و)يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ( [الأنفال: 24] إلى إمساكه جميع السماوات في قبضة له بإشارة )وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ( [الزمر: 67]، ومن زهرة الأرض وعنبها ونخيلها في )وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ( [يس: 34] إلى الحقيقة العجيبة التي عبر عنها بـ)إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا( [الزلزلة: 1]، ومن أوضاع السماء في حالة )ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ( [فصلت: 11] إلى انشقاقها بالدخان، وتساقط نجومها وانتثارها في الفضاء غير المحدود، ومن انفتاح الدنيا للامتحان إلى انغلاقها، ومن البرزخ والحشر والصراط بعد القبر الذي هو أول منزل من منازل الآخرة إلى الجنة وإلى السعادة الأبدية، ومن أحداث الزمن الماضي وخلق جسد سيدنا آدم عليه السلام وصراع ابنيه إلى الطوفان وإلى غرق قوم فرعون وإلى الأحداث المهمة لكثير من الأنبياء عليهم السلام، ومن الحادثة الأزلية التي أشارت إليها )أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ( إلى الواقعة الأبدية التي عبر عنها )وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ _ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ( [القيامة: 22-23].

أجل؛ إن القرآن بيَّن هذه المباحث بيانًا يليق بالحق تعالى الواحد ذي الجلال الذي يدير الكون كلَّه كإدارة قصر، ويفتح الدنيا والآخرة ويغلقهما كغرفتين، ويتصرف في الأرض كتصرفه في البستان، ويتصرف في السماء فكأنها سقف زُيّن بالمصابيح، ويرى ويشاهد الماضي والمستقبل كصحيفتين حاضرتين أمام نظره كالليل والنهار، وينظر إلى سلسلة الشئون الإلهية -كالأزل والأبد والأمس واليوم- وقد اتصل وارتبط طرفاها ببعضهما كنظره إلى الزمن الحاضر.

وكما أن بنَّاء يحدِّث عن منزلين بناهما ودبَّر شئونهما، وينظم برامجه وتخطيطه، ويصنع جدولا وفهرسًا لأعماله؛ كذلك فإن القرآن يَظهر كبيان يليق بمن هو صنع هذا الكون ويديره وكتب وأظهر جدول أعماله وفهرسه وبرامجه إذا جاز التعبير، ولا يُرى فيه بأي وجه من الوجوه أي أثر للتصنع والتكلف، فكما أنه ليست فيه أية أمارة لشائبة تقليد، ولا أمارة لأية خدعة؛ كأَنْ يتحدث لحساب وباسم واحد آخر، مفترضًا نفسه في مكانه وموقعه. 


131. صفحة

وكما أن ضياء النهار يقول: إني آت من الشمس؛ فإن القرآن ببيانه الصافي البرَّاق الساطع، وبكل جديته، وبكل صفائه، نقائه يقول: إني بيان خالق العالم وكلامه.

أجل، هل يليق القرآن المعجز البيان الذي ملأ الدنيا بصيحات التقدير والاستحسان وزمزمة الحمد والشكر، وحوَّل الأرض إلى دار للذكر ومسجد ومعرض تشاهَد فيه مصنوعات الله البديعة، هل يليق هذا القرآن بغير الصانع المنعم الذي زين هذا العالم ببدائع وتُحَف، وملأه بنِعَم لذيذة، ونثر على وجه الأرض بغاية الإبداع والإنعام عجائبَ صنعته ونعمَه القيمة إلى هذا الحد، ورصّها، وفرشها على وجه الأرض، ونضَّدها وصفَّها في تنسيق؟! ويكون كلام من غيره تعالى؟! ومن غيرُه يستطيع ادعاء ملكيته؟! ولمن غيره تعالى يكون هذا الكلام؟!

فهل يليق الضياء الذي يضيء الأرض إلا بالشمس؟! ونُور مَن غير الشمس الأزلي يكون بيان القرآن الذي كشف طلسم الكون ونوَّر وأضاء العالم؟! ومن يجرؤ أن يأتي بنظير له ويقلده؟! في الحقيقة من المحال ألا يتكلم الصانع الذي زين الأرض بمصنوعاته وإبداعاته مع الإنسان الذي يقدّر ويعرف قيمة مصنوعاته وإبداعاته البديعة. وبما أنه يفعل ويعلم فلا بد أنه يتكلم، وبما أنه يتكلم فلابد أن القرآن هو الذي يجدر ويليق بتكلمه، وإن مالك الملك الذي لا يتوانى في تنظيم زهرة كيف لا يهتم بكلام دوى صداه في جميع ملكه؟! وهل ينسبه إلى غيره فيسقطه من الاعتبار؟!

 

اللمعة الخامسة: الجامعية الخارقة في أسلوب القرآن وإيجازه.

لهذه اللمعة خمسة أضواء:

الضوء الأول: إن لأسلوب القرآن جامعيةً خارقة؛ بحيث إن سورة واحدة تضم البحر المحيط القرآني الذي يحيط بالكون، وإن آية واحدة تضم خزانة تلك السورة وتستوعبها، وإن أغلب الآيات كل واحدة منها كسورة قصيرة، وإن أغلب السور كل واحدة منها كقرآن صغير، فإن هذا الإيجاز المعجز لطف عظيم للإرشاد وتسهيل لطيف. 


132. صفحة

ولأن كل واحد يحتاج كل وقت إلى القرآن، إلا أنه لا يتلو القرآن كاملا كل وقت لبساطة عقله أو لأسباب أخرى، أو لا يستطيع أن يجد وقتًا وفرصة لتلاوته، فحتى لا يحرم من القرآن فإن كل سورة تكون بمنزلة قرآن بل حتى إن كل آية طويلة تكون كسورة قصيرة.

 بل إن أهل الكشف متفقون على أن القرآن مندرج في الفاتحة، وأن الفاتحة مندرجة في البسملة، والبرهان على هذه الحقيقة هو إجماع أهل التحقيق.

الضوء الثاني: إن آيات القرآن جامعة بدلالاتها وإشاراتها لجميع طبقات الكلام والمعارف الحقيقية والحاجات البشرية، كالأمر والنهي، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والزجر والإرشاد، والقصص والأمثال، والأحكام والمعارف الإلهية، والعلوم الكونية وقوانين ومقومات الحياة الشخصية والحياة الاجتماعية والحياة القلبية والحياة المعنوية والحياة الأخروية، أي إن المعنى الذي تفيده "خُذْ مَا شِئْتَ لِمَا شِئْتَ" أي "خذ ما تشاء من القرآن متى ما شئت" أصبح مقبولا مع صدقه حتى صار بين أهل الحقيقة كمثل مضروب، ففي الآيات القرآنية جامعية يمكن أن تكون دواء لكل داء وغذاء لكل حاجة.

أجل، يجب أن يكون كذلك؛ لأن المرشد المطلق لجميع طبقات أهل الكمال الذين يقطعون المراتب دائمًا في الرقي والسمو يجب أن يكون مالكًا لهذه الخاصية.

الضوء الثالث: إيجاز القرآن المعجزُ:

إن القرآن يذكر حينًا طرَفَي سلسلة طويلة ذكرًا يبين ويبرز ويُظهِر هذه السلسلة بيانًا لطيفًا، وحينًا آخر يدرج في كلمة براهين كثيرة لدعوى ما صراحةً وإشارةً ورمزًا وإيماءً.

فمثلا: إن القرآن بذكره المبدأ والمنتهى لسلسلة خلق الكون التي تشكل سلسلة آيات الوحدانية ودلائلها في الآية )وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ( [الروم: 22] يبين تلك السلسلة الثانية، ويسوق القارئ إلى قراءة السلسلة الأولى.


133. صفحة

أجل؛ إن أول مرتبة لصحائف العالم التي تشهد على الصانع الحكيم هي أساس خلق السماوات الأرض، ثم سلسلة الشئون في تزيين السماوات بالنجوم وإعمار الأرض بالأحياء وثم في تسخير الشمس والقمر وتبدّل الفصول وثم في اختلاف الليل والنهار ودورانهما، وهكذا إلى أن تصل إلى خصوصية الملامح والأصوات واختلافها وتمايزها وتشخصاتها التي هي أكثر مواضع انتشار الكثرة.

وبما أنه وُجِد انتظام مُحكَم يبعث على الحيرة والعجب في تشخصات ملامح الأفراد التي هي أكثر المواضع بعدًا عن الانتظام، وأكثرها تعرضًا لتدخُّل المصادفة فيها، وأُظهِر وأُثبِت أن قلم حكيم مبدع يعمل فيها؛ فلا شك أن سائر الصحائف الظاهر انتظامُها تتبين وتُفهَم تلقائيًّا، وتدل على نقاشها.

وبما أنه يُرَى ويشاهَد أثر الإبداع والحكمة في خلق السماوات والأرض الضخمة الهائلة؛ فلا شك أن أثرَ إبداع ونقش حكمة الصانع الذي وضَعَ السماوات والأرض بحكمة كحجر الأساس في بناء قصر الكون ظاهر جدًّا في سائر أجزاء قصر الكون. فهذه الآية تضمنت إيجازًا لطيفًا جدًّا بإظهارها الخفي وإخفائها الظاهر.

وحقًّا إن سلسلة البراهين التي تبدأ ست مرات بـ )وَمِنْ آيَاتِهِ( بدءًا من )فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ( [الروم: 17] إلى )وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ( [الروم: 27] هي سلسلةُ جواهر، وسلسلة نور، وسلسلة إعجاز، وسلسلة إيجاز معجز. ويتمنى القلب أن أُظهِر الماسات المخفية في هذه الخزائن والكنوز، ولكن ما حيلتي فإن المقام لا يحتمل ذلك، فأؤجله إلى وقت آخر ولا أفتح هذا الباب حاليًّا.

ومثلا: بين كلمة "فأَرْسِلُونِ" وبين كلمة " يُوسُفُ " في الآية )... فَأَرْسِلُونِ _ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ( [يوسف: 45-46] تكمن هذه المعاني: "إلى يوسفَ لأستَعبِرَ منه الرؤيا فأرسَلُوه، فذهب إلى السجن وقال يوسفُ" بمعنى أنه أجمل خمس جمل في جملة واحدة وأوجزها فيها، ومع ذلك فلم يُخِلَّ بالوضوح، ولم يُشْكِل في الفهم.


134. صفحة

ومثلا )الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً( [يس: 80]: يرد القرآن على إنكار الإنسان العاصي الذي كأنه يتحدى قائلا: من يحيي هذه العظام البالية؟ ويقول سيحييها الذي خلقها أول مرة، فذلكم الخالق يعلم كل شيء بكل كيفياته، ويقول أيضًا: إن الذي أخرج لكم النار من الشجر الأخضر قادر على أن يهب الحياة للعظام البالية. فهذا الكلام ينظر ويتوجه إلى دعوى الإحياء بوجوه كثيرة ويثبتها، فيبدأ أولاً بهذا الكلام سلسلة إحسانه التي أحسنها إلى الإنسان ويثيره، ويذكِّره، ويوجز الكلام ويحيل إلى العقل؛ لأنه فصلها في آيات أخرى، أي إنه يقول: إن الذي آتاكم الثمرة والنار من الشجرة، والأرزاقَ والحبوب من الأعشاب، والحيوانات والنباتات من التراب، وجعل الأرض مهدًا لطيفًا وُضِعت فيه جميع أرزاقكم، والعالمَ قصرًا بديعًا فيه جميع حاجاتكم، لا يمكن أن يفر منه الإنسان ولا يمكن أن يذهب سدى ولا يمكن أن يذهب إلى العدم فيختفي منه، ولا يمكنكم أن تكونوا بلا وظائف ومهمات وتدخلوا القبر وتناموا نوما هنيئا دون أن تُوقَظوا.

 ثم يشير إلى دليل من دلائل تلك الدعوى، ويقول رمزًا بكلام "الشجر الأخضر": يا من ينكر الحشر، انظر إلى الأشجار، لا يمكن بالإنكار والاستبعاد تحدي قدرة من يحيي ويُخضِّر في الربيع الأشجارَ التي لا حد لها بعد أن ماتت في الشتاء وأصبحت كالعظام، ولا يمكن تحدي من يُظهر حتى في كل شجرة نماذج لثلاثة أنواع من الحشر في الأوراق والأزهار والثمار!

ثم يشير إلى دليل آخر ويقول: كيف تستبعدون منح العظام الشبيهة بالحطب حياةً كالنار وشعورًا كالنور مِن الذي أخرج لكم مادة لطيفة خفيفة نورانية كالنار من مادة كثيفة ثقيلة مظلمة كالشجرة؟!

ثم يذكر دليلاً آخر صراحة ويقول إن الذي يخلق النار من شجرة مشهورة تُخرِج النار للبدويين إذا ما حُكّ غصنان أخضران منها بدل الكبريت، ويجمع بين طبيعتين متضادتين كالخضرة برطوبتها مع الحرارة باليبس، ويجعل هذا منشأ لذاك، والذي يمتثل

135. صفحة

لأمره ويتحرك بقوته كل شيء حتى العناصر الأصلية والطبائع الأساسية، والذي يُظهِر أنه ليس هناك شيء سائب طليق يتحرك حسب مزاجه، لا يُستبعَد منه إخراج الإنسان -الذي خُلق من التراب وعاد إليه- من التراب من جديد، ولا يُتحَدَّى بالعصيان.

ثم يذكِّر بشجرة موسى u المشهورة بأن دعوة الرسول الأكرم r هي دعوة موسى u أيضًا، فيومئ إلى اتفاق الأنبياء عليهم السلام إيماء خفيًّا وبذلك يزيد إيجاز هذه الكلمة لطافة أخرى.

الضوء الرابع: إن إعجاز القرآن جامع وخارق للعادة حيث لو دُقِّق النظر لشوهد أنه يُري أحيانًا الدساتير الكلية الواسعة للغاية والطويلة جدًّا والقوانين العامة بجزئها البسيط وعن طريق حادثة خاصة رحمة بالأفهام العامية والبسيطة كما يُرِي البحر في إبريق، وسنشير إلى مثالين اثنين فقط من بين آلاف الأمثلة الدالة على ذلك.

المثال الأول: إنه ثلاث آيات بٌيِّنت بالتفصيل في المقام الأول من "الكلمة العشرين" حيث تُفيد بعنوان "تعليم الأسماء" لشخص آدم عليه السلام؛ تعليمَ جميع العلوم والمعارف التي ألهمها نوعُ بني آدم.

وتفيد بحادثة سجود الملائكة لآدم عليه السلام وعدم سجود الشيطان له أنه كما أن أغلب الموجودات ابتداء من السمك وانتهاء إلى الملك مسخرة للإنسان؛ فكذلك لا تطيعه بل تعاديه المخلوقات المضرة ابتداء من الثعبان وانتهاء إلى الشيطان.

وكذلك تفيد بحادثة ذبح قوم موسى عليه السلام البقرةَ أن فكرة عبادة البقرة -التي استُنتِجت من عبادة المصريين البقرَ والتي أظهرت تأثيرها في حادثة العجل- ذُبحت بسكين موسى عليه السلام.

وتفيد بعنوان نبع الماء من الحجر وتشققه وتدحرجه وجريان الغدير منه أن الطبقة الحجرية التي هي تحت الطبقة الترابية تقوم بوظيفة الخزان للعروق المائية ووظيفة الأم للتراب.


136. صفحة

المثال الثاني: إنه جمل وأجزاء قصة موسى عليه السلام التي تكرّرت في القرآن كثيرًا، حيث إن كل جملة من جملها بل كل جزء من أجزائها قد أُظهرت على أنها طرف لدستور كلي، وتفيد ذلك الدستورَ، فمثلاً: )يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً( (سورة غافر: 40/36)، يأمر فرعونُ وزيره بأن "ابن لي برجًا عاليًا لأرصد أحوال السماوات وأطلع عليها، فيا ترى هل هناك إله يتصرف في السماء كما يدّعي موسى -عليه السلام-؟".

 فبكلمة "صرحًا" وبتلك الحادثة الجزئية تفيد دستورًا عجيبًا يجري حكمه ويسيطر على عادات وتقاليد فراعنة مصر الذين يرغبون في الجبال لكونهم في صحارى لا جبال فيها، والذين ادّعوا الربوبية لكونهم عبدة الطبيعة لعدم معرفتهم بالخالق، والذين خلّدوا أسماءهم بإظهارهم آثار جبروتهم، والذين بنوا الأهرام المشهورة الشبيهة بالجبال لكونهم عبدة الشهرة، والذين حنّطوا جنائزهم وحفظوها في تلك المقابر الشبيهة بالجبال لإيمانهم بالسحر والتناسخ.

ومثلاً: تقول الآية لفرعون الذي غرق: )فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ( (سورة يونس: 10/92)، وتفيد بهذا العنوان دستورًا حياتيًا ذا عبرة ومشوبًا بالموت لجميع الفراعنة، وهو نقل جنائزهم من الماضي بالتحنيط إلى مشاهدة الأجيال الآتية في المستقبل بناء على فكرة التناسخ، وتفيد: كما أن البدن الذي اكتُشف في القرن الأخير والذي هو جسد فرعون الذي غرق بعينه قد أُلقي به من البحر -الذي هو محل غرقه- إلى الساحل، فكذلك سيُلقى به من بحر الزمان فوق متن أمواج العصور إلى ساحل هذا العصر، وبذلك تفيد إشارة غيبية معجزة، ولمعة إعجازية، وأن هذه الكلمة الواحدة معجزة.

ومثلاً: تفيد الآية ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ﴾ [البقرة: 49] بعنوان حادثة وقعت في عهد فرعون من الفراعنة وهي ذبح ذكور بني إسرائيل واستحياء نسائهم وبناتهم الإباداتِ الجماعيةَ المتعددةَ التي يتعرض لها اليهود في كل عصر في أكثر البلاد والدورَ الذي تلعبه نساؤهم وبناتهم في حياة السفاهة للبشرية.


137. صفحة

 ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: 96]، ﴿وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 62]، ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64]، ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: 4]، ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرض مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60] إن هذين الحكمين القرآنيين المتوجهين إلى اليهود يتضمنان هذين الدستورين الرهيبين العامين اللذين يديرهما هؤلاء القوم بالدسائس والخدعة؛ وذلك أن هؤلاء القوم كما أنهم هم الذين مارسوا الربا المضاعف الذي يزعزع الحياة الاجتماعية البشرية، ويجعل السعي والعمل في صراع ونزال مع رأس المال، ويضع الفقراء في صراع ومجابهة مع الأغنياء، وتسببوا في تأسيس البنوك، وجمعوا الأموال بأنواع الحيل والخدعة؛ فكذلك هؤلاء هم الذين شاركوا في كل نوع من أنواع هيئات ومنظمات الإفساد، وأدخلوا أصابعهم في كل نوع من أنواع الثورات والانقلابات والفساد لينتقموا من الحكومات التي حُرموا منها واضطهدوا فيها وظُلموا من قبلها ومن الذين تغلبوا عليهم.

مثلاً: تفيد الآية ﴿فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ [البقرة: 94-95] بعنوان حادثةٍ جزئيةٍ وقعت في جماعة صغيرة في المجلس النبوي أن شعب اليهود الذين هم أشهر الشعوب البشرية بالحرص على الحياة وبالخوف من الموت، لن يتمنّى لسانُ حالهم الموت ولن يتخلوا عن الحرص على الحياة إلى يوم القيامة.

ومثلاً تفيد الآية ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران: 112] بهذا العنوان وبصورة عامة المقدرات الاستقبالية لهذا الشعب، ولأجل مثل هذه الدساتير المذهلة المندرجة في سجايا ومقدرات هذا الشعب فإن القرآن يتعامل معهم بقسوة شديدة، ويلقنهم صفعات تأديب شديدة، فقس على هذه القصة في ضوء هذه الأمثلة الأجزاءَ والقصصَ الأخرى لقصة موسى عليه السلام وقصة بني إسرائيل. 


138. صفحة

إن وراء كلمات القرآن البسيطة ومباحثه الجزئية كثيرًا من اللمعات الإعجازية، كلمعةِ إيجازٍ إعجازيٍّ في هذا الضوء الرابع، فالعارف تكفيه الإشارة.

الضوء الخامس: إن جامعية القرآن خارقة من حيث المقاصد والمسائل والمعاني والأساليب واللطائف والمحاسن.

أجل؛ فلو أُنعم النظر في سور القرآن المعجز البيان وآياته وخاصة في فواتح السور وفي مبادئ الآيات ومقاطعها، لظهر أنها تجمع جميع أنواع البلاغة، وجميع أقسام فضائل الكلام، وجميع أصناف الأساليب العالية، وجميع أفراد المحاسن الأخلاقية، وجميع فذلكات العلوم الكونية، وجميع فهارس المعارف الإلهية، وجميع الدساتير النافعة للحياة الشخصية والحياة الاجتماعية للبشر، والقوانين النورانية لحكمة الكون العالية، ومع ذلك لا يُرى فيها أي أثر من آثار التشوش مطلقًا. حقًّا إن جمع هذا القدر من الأجناس المختلفة في مكان واحد دون تشوش أو فوضى لهو من شأن نظام إعجازي قهار. والحق أن تمزيق ستر العاديات التي هي منشأ الجهل المركب بالبيانات القاطعة، واستخراج الخوارق المخفية تحت ستر العادة وإبرازها وعرضها، وتحطيم طاغوت الطبيعة التي هي منبع الضلالة بسيف البرهان الألماسي، وتبديد وتشتيت وتفتيت الطبقات الكثيفة لنوم الغفلة بصيحات كالرعد، وحلّ وكشف الطلسم المغلق للكون والمعمى العجيب لخلقة العالم اللذين أعجزا الفلسفة البشرية والحكمة الإنسانية مع كل هذا الانتظام في هذه الجامعية؛ لا شك أنه ما هو إلا من الشئون الخارقة للعادة لذي معجزات كالقرآن البصير بالحقيقة والعالم بالغيب والمانح للهداية والمُظهِر للحق، كما وُضّح وأثبت في "الكلمات" الأربع والعشرين السابقة.

أجل؛ إنه لو أُمعن النظر في آيات القرآن بعين الإنصاف لظهر أنها لا تُشبه سلسلة أفكار تدريجية تتبع مقصدًا أو مقصدين كسائر الكتب، بل لها طور دفعي وآني ينم عن أنها تُلقَى إلقاء، ولها علامات تشير إلى مجيء كل طائفة من طوائفها -التي جاءت معًا ومجتمعة- مستقلةً من مكان بعيد، وإلى مجيء مخابرة جادة ومهمة للغاية واحدةً فواحدة وبصورة متقطعة.


139. صفحة

نعم؛ من يستطيع أن يقوم بهذه المخابرة المتعلقة بالكائنات وبخالق الكائنات تعلقًا جادًّا وثيقا غير خالق الكائنات؟ من يستطيع أن يتجاوز حده تجاوزًا لا حد له ويُنطق الله حسب هواه، ويُنطق الكائنات نطقًا صادقا صحيحًا؟

نعم؛ إنه يظهر في القرآن تكلُّم صانع الكائنات كلامًا جادًّا للغاية حقيقيًّا ساميًا حقًّا واستنطاقه الآخرين. ولا توجد فيه أية أمارة تومئ إلى التقليد. إنه هو الذي يتكلم ويجعل الآخرين يتكلمون. لو تجاوز أحدهم حده -بفرض المحال- تجاوزًا لا حد له كمسيلمة الكذاب وتقوَّل على خالقه ذي الجلال الذي هو صاحب العزة والجبروت حسب فكره، وأنطق الكائنات بهذا الفكر؛ لظهرت في كلامه -بلا شك- آلاف من أمارات التقليد، وآلاف من علامات الخدعة والدجل والتزوير؛ لأن كل طور من أطوار من يتقلدون أطوارا عالية سامية وهم في أقبح الأطوار وأسوئها سيدل على أنهم مقلِّدون.

فانظر وأمعن النظر في الآية التي تعلن هذه الحقيقة بالقسم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 1-4].

 

الشعاع الثالث: إعجاز القرآن المعجز البيان الحاصل من إخباراته الغيبية ومحافظته على شبابيته في كل عصر وصلاحيته لكل طبقة من طبقات الناس.

ولهذا الشعاع "ثلاث جلوات".

الجلوة الأولى: إخباراته الغيبية، ولهذه الجلوة "ثلاث ومضات ".

الومضة الأولى: إخباراته الغيبية عن الماضي.

أجل؛ إن القرآن الحكيم يذكر على لسان شخص أمّيٍّ أمين -متَّفق على أميته وأمانته- الحالاتِ والوقائعَ المهمة للأنبياء من زمان آدم حتى عصر السعادة بطريقة وإخبار في منتهى القوة والجدّ وتحت تصديق الكتب السماوية الأخرى كالتوراة والإنجيل،

140. صفحة

ويوافق على النقاط التي اتفقت عليها الكتب السابقة، ويفصل الحقائق الواقعية التي اختلفت فيها تلك الكتب مصحّحًا إياها، وهذا يعني أن نظر القرآن المطلع على الغيب يرى الأحوال الماضية فوق جميع تلك الكتب السابقة؛ حيث يزكّيها في المسائل المتفق عليها مصدّقًا إياها، ويصبح فيصلاً بينها في المسائل المختلَف فيها مصحِّحًا إياها، والواقع أن إخبارات القرآن عن الوقائع والأحوال الماضية ليست أمرًا عقليًّا حتى يُخبَر عنها بالعقل، بل نقل متوقف على السماع، والنقل خاص بأهل القراءة والكتابة.

إن القرآن ينزل على شخص لا يعرف القراءة ولا الكتابة معروف بالأمانة وموصوف بالأمية باتفاق الأحبّاء والأعداء، ويخبر ويبحث -القرآن- عن تلك الأحوال الماضية بطريقة وكأنه يراها؛ لأنه يتناول العقدةَ الحياتيةَ والروحَ لحادثة طويلة ثم يجعلها مقدمة لمقصده؛ إذن فإن الفذلكات والخلاصات في القرآن تدل على أن من يعرض هذه الخلاصة وتلك الفذلكة يرى الماضي كله بجميع أحواله؛ إذ كما أن كلاما مستخلَصا للأشخاص المتخصصين في علم أو صنعة وصنعتَهم الصغيرة المستخلصة تدل على مهارتهم وملكتهم؛ كذلك فإن المستخلَصات والأرواح للوقائع المذكورة في القرآن تدل على أن الذي يُخبر عنها محيط بكل تلك الوقائع، يراها، أي يخبر عنها إن جاز التعبير بمهارة خارقة للعادة.

الومضة الثانية: إخباراته الغيبية عن المستقبل.

إن لهذا القسم من الإخبارات أنواعًا كثيرة، القسم الأول منها ذو خصوصية، وخاص ببعض من أهل الكشف والولاية. فمثلاً إن محيي الدين بن عربي[1] قد وجد كثيرًا من الإخبارات الغيبية في سورة ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾، والإمام الرباني[2] قد رأى كثيرا من

[1] محيي الدين بن عربي: المتصوف الكبير الإمام محي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي، لقب بالشيخ الأكبر ولذا ينسب إليه مذهب باسم الأكبرية، ولد بمرسية في الأندلس في شهر رمضان الكريم عام 558هـ الموافق 1164م عامين قبل وفاة شيخ عبد القادر الجيلانى وتوفي في دمشق عام 638هـ الموافق 1240م، ودفن في جبل سفح قاسيون.

[2] الإمام الرباني:هو أحمد بن عبد الأحد السرهندي الفاروقي (٩٧١ــ١٠٣٤هـ) برع في علوم عصره، وفقه الله تعالى إلى إخراج الدولة المغولية من الإلحاد إلى الإسلام.




141. صفحة

إشارات وإخبارات المعاملات الغيبية في الحروف المقطعة في بدايات السور. وهكذا فالقرآن من أوله إلى آخره نوع من الإخبار عن الغيب بالنسبة لعلماء الباطن. أما نحن فنشير إلى قسم يخص الجميع، ولهذا القسم كذلك طبقات كثيرة جدا، فسنتحدث عن طبقة واحدة فقط، إن القرآن الحكيم يخاطب الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام ويقول[1]:

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: 60]،

و﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: 27]،

و﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: 28]،

و﴿وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ [الروم: 3-4]،

و﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: 30-31]،

و﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67]،

و﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ [البقرة: 24]،

و﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ [البقرة: 95]،

و﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]،

و﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: 88]،


[1] لأن هذه الآيات التي تخبر عن الغيب وضحت في تفاسير أخرى كثيرة، وكذلك لأن المؤلف قد نوى طبع هذا الكتاب بالحروف القديمة (أي الحروف القرآنية) فوقع في خطأ الاستعجال؛ فإن هذه الآيات بقيت بدون توضيح هنا وظلت كنوزها القيمة مخفية. (المؤلف)

 




142. صفحة

و﴿يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾ [المائدة: 54]،

و﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [النمل: 93]،

و﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الملك: 29]، و﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ [النور: 55].

فالإخبارات عن الغيب التي تفيدها مثل هذه الآيات الكثيرة قد تحققت بعينها صحيحة كما أُخبر عنها. ومثل هذه الإخبارات الغيبية التي وردت على لسان شخص متعرض للاعتراضات والانتقادات الكثيرة وسيخسر دعواه لأصغر خطأه، (وردت على لسانه) بدون تردد وبكمال الجدية والاطمئنان وبطريقة تنم عن الثقة القوية بذاته، تدل دلالة قاطعة على أنه يتلقى الدروس من أستاذه الأزلي، ثم بعد ذلك يُخبر عنه.

الومضة الثالثة: إخباراته الغيبية عن الحقائق الإلهية والحقائق الكونية والأمور الأخروية.

 نعم، إن بيانات القرآن حول الحقائق الإلهية وبياناته الكونية التي تحل طلسم الكون وتفتح معمى خلقة العالم لهي أهم الإخبارات الغيبية؛ لأنه ليس من شأن عقل البشر أن يسلك باستقامة ضمن ما لا حد له من طرق الضلالة ويصل إلى هذه الحقائق الغيبية، ولا يمكن ذلك. ومن المعلوم أن أعظم حكماء البشر وعباقرتهم لم يستطيعوا أن يبلغوا أصغر تلك المسائل بعقولهم.

 ثم بعد بيان القرآن تلك الحقائق الإلهية والكونية التي أظهرها، وبعد صفاء القلب وتزكية النفس، وبعد رقي الروح واكتمال العقل، تقبل عقولُ البشر تلك الحقائق قائلة: "صدقتَ"، وتقول للقرآن: "بارك الله". وقد ورد إيضاح وإثبات هذا القسم في "الكلمة الحادية عشرة" إلى حد ما، فلم تبق حاجة إلى التكرار. 


143. صفحة

وأما الأحوال الأخروية والبرزخية فلا يستطيع عقل البشر أن يبلغها بمفرده ولا يستطيع أن يراها، إلاّ أنه يثبتها في درجة الشهود بالطرق التي بيّنها القرآن. ولقد وُضِّح وأُثبت في "الكلمة العاشرة" مدى صدق وحقيقة تلك الإخبارات الغيبية للقرآن، فارجع إليها.

الجلوة الثانية: شبابية القرآن.

إن القرآن يحافظ على طراوته وشبابيته في كل عصر وكأنه ينزل حالاً.

نعم؛ ولأن القرآن خطاب أزليّ يخاطب في كل عصر جميع طبقات البشرية معًا؛ لذا فينبغي أن يكون له شباب دائمي كهذا. إنه قد شوهد هكذا ولا يزال يشاهد هكذا. وحتى إنه يتوجه وينظر إلى كل عصر من العصور المختلفة من حيث الفكر، والمتباينة من حيث الاستعداد وكأنه خاص بذلك العصر، ويلفت الأنظار إليه، ويلقّن دروسه.

إن آثار البشر وقوانينهم تهرم مثلهم، وتتغير، وتُبدَّل، لكن أحكام القرآن وقوانينه ثابتة وراسخة إلى حد أنه كلما مرت العصور تُظهر قوتَها أكثر فأكثر.

نعم؛ إن هذا العصر الحاضر وأهل الكتاب لهذا العصر الذين يثقون بأنفسهم أكثر من العصور السابقة والذين يجعلون أصابعهم في آذانهم إزاء كلمات القرآن، هم محتاجون إلى الخطاب الهادي المرشد للقرآن ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ حتى وكأن هذا الخطاب متوجه مباشرة إلى هذا العصر، ولفظ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ يتضمن كذلك معنى "يا أهل المدرسة"، وبكل قوته وبكل طراوته وبكل شبابيته يرسل إلى كل أقطار العالم صيحةَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64].

مثلاً: المدنية الحاضرة التي هي نتيجة لأفكار جميع البشر بل الجان قد اتخذت طور المعارضة تجاه القرآن الذي عجز عن معارضته الأفراد والجماعات، إنها تعارض إعجاز القرآن بسحرها، فالآن سنعقد تجاه هذه المعارِضة الجديدة المذهلة مقارنة بين أساسات ودساتير المدنية التي وضعتها عن طريق المعارضة وبين أساسات القرآن، لنُثبت دعوى إعجاز القرآن في الآية ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ... ﴾.


144. صفحة

وفي الدرجة الأولى تُثبت الموازنات والموازين التي عُقدت في الكلمات السابقة ابتداء من "الكلمة الأولى" وانتهاء إلى "الكلمة الخامسة والعشرين" والآيات التي هي حقائق تلك "الكلمات" وبداياتها إعجازَ القرآن وغلبته على المدنية الحاضرة إثباتًا قاطعًا كقطعية ضرب الاثنين في الاثنين يساوي أربعًا.

وفي الدرجة الثانية تلخيص قسم من دساتيرها كما أُثبت في "الكلمة الثانية عشرة"، وذلك أن المدنية الحاضرة تعتبر بفلسفتها "القوةَ" نقطةَ استنادٍ لها في حياة البشر الاجتماعية، وتستهدف "المنفعةَ"، وتتخذ "الصراع" دستورًا للحياة، وبالنسبة لها رابطة الجماعات "عنصرية" و"قومية سلبيةٌ"، وغايتها وهدفها بعض من "اللهويات" لإشباع رغبات النفس وزيادة حاجات البشر. والحال أن شأن القوة "التجاوز"، وشأن المنفعة "الصراع" عليها، إذ إنها لا تفي بجميع الرغبات، وشأن دستور الصراع "المجابهة والمنازلة"، وشأن العنصرية "التعدّي والتجاوز"؛ إذ إنها تتغذى وتتقوى بابتلاع الآخرين، فتلك المدنية -من جراء دساتيرها هذه وعلى ما فيها من محاسن كثيرة- تمنح لعشرين بالمائة فقط من البشر سعادة صورية ظاهرية نوعًا ما وتدفع الثمانين بالمائة إلى الشقاوة والبؤس.

وأما حكمة القرآن فتعتبر "الحق" نقطة استناد لها بدلاً من القوة، وتجعل غايتها "الفضيلة والرضا الإلهي" بدلاً من المنفعة، وتتخذ دستور "التعاون" أساسًا في الحياة بدلاً من دستور الصراع، وتقبل "الرابطة الدينية والصنف والوطن" في رابطة الجماعات بدلاً من العنصرية والقومية، وغايتها وهدفها أن تسد التجاوزات غير المشروعة لنزوات النفس، وأن تحث الروح على معالي الأمور، وأن تشبع مشاعرها السامية وأن تسوق الإنسان إلى الكمالات الإنسانية فتجعلَه إنسانًا حقًّا.

وأما شأن الحق فهو "الاتفاق"، وشأن الفضيلة "التساند"، وشأن التعاون "السعي إلى إمداد الآخرين بعضهم بعضا"، وشأن الدين "الأخوة والانجذاب"، وشأن إلجام النفس الأمارة وكبح جماحها وحث الروح على الكمالات وإطلاقها "سعادةُ الدارين". فالمدنية الحاضرة مع أنها تلقت المحاسن من الأديان السماوية السابقة وخاصة من إرشادات القرآن؛ فإنها غُلبت أمام القرآن في نظر الحقيقة. 


145. صفحة

وفي الدرجة الثالثة سنبين ثلاث أو أربع مسائل فقط كنموذج من بين آلاف مسائلها.

نعم؛ إن دساتير القرآن وقوانينه ولأنها جاءت من الأزل فستنتهي إلى الأبد، وليس محكومًا عليها بالموت بعد الشيخوخة كما هو الحال في قوانين المدنية الحاضرة. إنها نضرة دائمًا وقوية. فمثلاً إن المدنية الحاضرة مع جميع منظماتها الخيرية وأنظمتها الصارمة ونظمها الجبارة الشديدة ومؤسساتها التربوية الأخلاقية لم تستطع أن تعارض مسألتين اثنتين من القرآن الحكيم، فغُلِبَت، وهما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]، و ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. وسنبيِّن هذه الغالبية المعجزة للقرآن بمقدمة، كالآتي:

كما أن معدن جميع اضطرابات البشر هو كلمة واحدة؛ كذلك فإن منبع جميع الأخلاق السيئة هو كلمة واحدة، كما أُثبت في "إشارات الإعجاز".

الكلمة الأولى: إذا شبعتُ أنا فمالي إن مات غيري من الجوع.

والكلمة الثانية: اعمل أنت لآكل أنا.

نعم؛ إن البشر يعيشون في حياتهم الاجتماعية عيشا هنيئا بتوازن الخواص والعوام أي الأثرياء والفقراء. وأما أساس هذا التوازن في طبقة الخواص فهو الرحمة والشفقة، وفي طبقة العوام الاحترامُ والطاعة. والآن فكما أن الكلمة الأولى قد ساقت طبقة الخواص إلى الظلم وفساد الأخلاق والقسوة، والكلمة الثانية ساقت العوام إلى الحقد والحسد والصراع والمبارزة، فسلبت راحة البشر منذ بضعة عصور؛ فكذلك حدثت في هذا العصر نتيجة صراع السعي مع رأس المال أحداث أوربا العظيمة المعلومة لدى الجميع.

وكما أن المدنية الحاضرة لم تستطع أن تُصلح بين هاتين الطبقتين من البشرية مع جميع منظماتها الخيرية ومدارسها الأخلاقية والتربوية وقوانينها وأنظمتها ونظمها الصارمة؛ فكذلك لم تستطع أن تعالج الجرحين الغائرين للحياة البشرية. 


146. صفحة

أما القرآن فيَجْتَثّ الكلمةَ الأولى من أصلها بإيجاب الزكاة، ويعالجها، ويجتث الكلمةَ الثانية من أصلها ويعالجها بحرمة الربا.

أجل؛ إن الآية القرآنية تقف أمام باب العالم وتقول للربا "ممنوع"، وتأمر الناس قائلة: "سدوا أبواب البنوك حتى تسدّوا أبواب الصراع والنزاع"، وتأمر تلاميذه بأن "لا تدخلوها".

الأساس الثاني: إن المدنية الحاضرة ترفض تعدد الزوجات، وتعتبر هذا الحكم القرآني مخالفًا لها، ومنافيًا للحكمة ولمصلحة البشر.

نعم؛ إن كانت الحكمة من الزواج مقتصرة على قضاء الشهوة فقط للزم -بالعكس- تعدد الزوجات. والحال أنه ثابت حتى بشهادات جميع الحيوانات وبتصديق جميع النباتات المتزاوجة أن حكمة الزواج وغايتها هي التناسل والتكاثر. وأما اللذة الحاصلة من قضاء الشهوة فهي أجرة جزئية تُمنح من لدن الرحمة الإلهية للقيام بهذه الوظيفة.

وبما أن الزواج حكمة وحقيقة لإنجاب النسل ولبقاء النوع، فلا شك أن المدنية الحاضرة مضطرة لقبول فتح بيوت الدعارة الكثيرة؛ إذ إن المرأة التي ليست لها قابلية للإنجاب إلا مرة واحدة فقط في السنة، ولا تكون قابلة للحمل إلا خلال نصف أيام الشهر، وتدخل سن اليأس في الخمسين من عمرها لا تكفي للرجل الذي غالبًا ما يكون قابلا للتلقيح حتى المائة من عمره.

الأساس الثالث: إن المدنية المفتقرة إلى العقل، تنتقد الآية؛ إذ القرآن يعطي للمرأة الثلث من الميراث. وذلك أن أكثر الأحكام في الحياة الاجتماعية تجري حسب الأكثرية، فغالبًا ما تجد المرأة رجلاً يحميها، وأما الرجل فيضطر لأن يشارك حياته امرأة تثقل عليه وتُحمَّل نفقتها ومعيشتها عليه، فبهذه الصورة لو أخذت المرأة نصف ما يأخذه الرجل من ميراث أبيها لأكمل زوجُها القسم الناقص. ولو أخذ الرجل ثلثي الميراث من أبيه فسيُعْطِي الثلث لإعاشة المرأة التي تزوجها، وبهذا يكون مساويًا لأخته في الميراث. فالعدالة القرآنية تقتضي هكذا، وقد حَكَمَت بذلك[1].


[1] فقرة من لائحة التمييز المرفوعة إلى المحكمة وُجِّهت إلى المحكمة وأسكتتها، قد أصبحت هامشًا لهذا المقام؛ إنني أقول للمحكمة: إن كان هناك عدالة على وجه الأرض فلا شك أنها سترفض القرار الباطل الذي يدين شخصًا فسّر أقدس دستور إلهيّ وأحقّه في الحياة الاجتماعية لثلاثمائة وخمسين مليون إنسان في كل عصر منذ ألف وثلاثمائة وخمسين سنة مستندًا إلى تصديق واتفاق ثلاثمائة وخمسين ألف تفسير ومقتديًا باعتقاد أجدادنا السابقين في ألف وثلاثمائة وخمسين سنة، وستنقض هذا الحكم. (المؤلف). 




147. صفحة

الأساس الرابع: كما أن القرآن يمنع عبادة الأصنام بشدة؛ فكذلك يمنع الشغف والولع بالصور لحد العبودية الذي هو نوع من تقليد عبادة الأصنام. وأما المدنية الحاضرة فقد أرادت أن تعارض القرآن معتبرة الصور من محاسنها. والحال أن الصور -ظليةً كانت أم غير ظلية- إما ظلم متحجر، أو رياء متجسد، أو نزوة متجسمة، بحيث إنها تحث وتدفع البشر -مهيِّجة رغباتهم ومثيرة لها- إلى الظلم والرياء والهوى. وأما القرآن فيأمر النساء -رحمة بهن- بأن يتحجبن بحجاب الحياء للحفاظ على حرمتهن وكرامتهن، حتى لا تُذَلَّّ معادن الشفقة تلك تحت أقدام الرغبات والنزوات الرذيلة، ولا يُصبحن أداة للرغبات والنزوات ومتاعًا تافهًا[1]. وأما المدنية الحاضرة فقد أخرجت النساء من أعشاشهن، ومزقت حجابهن، وأغوت البشر. ومن المعلوم أن الحياة العائلية تستمر بالاحترام والمحبة المتبادلة بين الرجل والمراة، والحال أن التكشف والتبرج قد أزال الاحترام الجاد والمحبة الخالصة وسمَّم الحياة العائلية. ولاسيما الشغف والولع بالصور والتفرج عليها فهو يزعزع الأخلاق بشدة ويتسبب للسقوط الروحي ويُفهم ذلك من الآتي:

كما أن النظر إلى جثمان امرأة ميتة حسناء محتاجة إلى الرحمة نظرةً شهويةً يهدم الأخلاق، فكذلك النظر إلى صور النساء الأموات أو صور النساء الأحياء التي هي في حكم جنازات صغيرة لهن نظرة شهوانية يهدم المشاعر السامية للإنسان هدمًا، ويخربها تخريبا.

إن كل مسألة من آلاف المسائل القرآنية تخدم الحياة الأبدية للبشر فضلا عن أنها تسعى لتوفير سعادتهم في الدنيا كما في هذه الأمثلة الثلاثة، فيمكنك أن تقيس سائر المسائل على المسائل المذكورة.


[1] إن "اللمعة الرابعة والعشرين" من "المكتوب الحادي والثلاثين" التي هي حول تستر وحجاب النساء، أثبتت إثباتًا قاطعًا أن الحجاب فطري للنساء، وخلعه مناف للفطرة. (المؤلف). 




148. صفحة

كما أن المدنية الحاضرة تُغلب أمام دساتير القرآن المتعلقة بالحياة الاجتماعية للبشر، وتُفلس أمام الإعجاز المعنوي للقرآن من حيث الحقيقة، كذلك فقد أُثبت في الموازنات بين تلكما الحكمتين -حكمة القرآن وفلسفة أوربا- بالموازين في الكلمات البالغ عددها خمسة وعشرين إثباتًا قاطعًا أن الحكمة البشرية والفلسفة الأوربية التي هي روح المدنية الحاضرة عاجزةٌ، وأن حكمة القرآن معجزةٌ. وكذلك فقد أُثبت في "الكلمة الحادية عشرة" و"الكلمة الثانية عشرة" عجز حكمة الفلسفة وإفلاسها، وإعجاز حكمة القرآن وغناها، فيمكنك مراجعتهما.

وكما أن المدنية الحاضرة تُغلب أمام الإعجاز العلمي والعملي للقرآن، كذلك فإن نسبة أدب المدنية الحاضرة وبلاغتها إلى أدب القرآن وبلاغته هي كنسبة بكاء يتيم بحزن قاتم بكاء يائسًا، وغناء سكّير سكران في حالة هابطة دنيئة، إلى غناء عاشق لمعالي الأمور بحزن ملؤه الاشتياق والأمل بسبب فراق مؤقت، وإلى القصائد الوطنية الحماسية التي تُنشَد للتشجيع على النصر والحرب والتضحيات السامية؛ لأن الأدب والبلاغة يورثان -من حيث تأثير الأسلوب- إما الحزن وإما السرور.

أما الحزن فهو قسمان؛ الأول: ينشأ من فقد الأحباب؛ أي إنه حزن قاتم ينشأ من انعدام الأحباب والأصحاب بحيث يورثه أدب المدنية الحاضرة التي هي مشوبة بالضلالة ومعتقدة بالطبيعة ومتعودة على الغفلة. والثاني: ينشأ من فراق الأحباب؛ أي إن الأحباب موجودون ولكنهم يورثون حزنا مليئا بالاشتياق من جراء الفراق. فهذا الحزن هو الحزن الذي يورثه القرآن الهادي المنير.

وأما السرور فهو أيضًا قسمان: القسم الأول يحث النفسَ على الرغبات واللهويات، وهذا من شأن أدب مدنية المسرحية السينمائية الروائية. والثاني يُسكت ويخرس النفس ويحث الروح والقلب والعقل والسر حثًّا لطيفًا بريئًا مؤدَّبا على معالي الأمور وعلى اللحاق بوطنهم الأصلي ومقرهم الأبدي وأحبابهم الأخرويين، فهذا هو السرور الذي يورثه القرآن المعجز البيان الذي يدفع البشر ويشوِّقهم إلى الجنة والسعادة الأبدية ورؤية

149. صفحة

جمال الله. فالمعنى العظيم والحقيقة العظيمة التي تفيدها الآية ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: 88] يُظَنّ من قبل قاصري الفهم بسبب عدم إمعان النظر فيها أنه صورةٌ محالة سيقت من أجل بلاغة مبالَغ فيها، حاشاه، إنها ليست مبالغة وليست صورةً محالة وإنما هي البلاغة الحقيقية بعينها وصورة ممكنة وواقعية.

إن وجهًا من وجوه تلك الصورة هو أنه لو جُمِع جميع الأقوال والكلمات الجميلة للإنس والجنّ التي لم تترشح من القرآن والتي ليست ملكًا للقرآن؛ لما استطاعت أن تكون نظيرا للقرآن، فلم يستطع أحدهم أن يفعل ذلك؛ لذا لم يُظهر أحد شيئًا من هذا القبيل.

والوجه الثاني هو أن المدنية الحاضرة وحكمة الفلسفة والآداب الأجنبية التي هي نتاج أفكار الجنّ والإنس وحتى الشياطين وحصيلة مساعيهم وأعمالهم، هي في دركة العجز أمام أحكام القرآن وحكمته وبلاغته، كما قد بيّنا مثالاً لها.

الجلوة الثالثة: إن القرآن الحكيم يتوجه إلى كل طبقة من طبقات البشر في كل عصر وكأنه يتوجه مباشرة توجها خاصًّا بتلك الطبقة، ويخاطبها.

نعم؛ أما القرآن الذي يدعو جميع بني آدم بجميع طبقاتهم إلى الإيمان الذي هو أسمى علم وأدقه، وإلى معرفة الله التي هي أوسع علم وأنوره، وإلى الأحكام الإسلامية التي هي أهم المعارف وأكثرها تنوّعًا، ويدرّس لهم، فمن اللازم له أن يلقن كل نوع وكل طبقة من الناس درسًا يناسبهم.

والحال أن الدرس واحد وليس مختلفا ومتباينًا، فلا بد إذن من وجود طبقات في الدرس نفسه، وكل واحدة منها تأخذ حظها -حسب درجاتها- من كل مستوى من مستويات دروس القرآن وخطابه. لقد ذكرنا نماذج كثيرة لهذه الحقيقة، فيمكن الرجوع إليها، إلا أننا سنشير هنا إلى تفاوت الفهم في جزء أو جزءين وطبقة أو طبقتين. 


150. صفحة

مثلاً: إن حظ طبقة العوام -التي تشكل الأغلبية- من فهم الآية ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: 3-4] هو أن الحق تعالى منزَّه عن الوالد والولد والأقران والزوجة.

وأما طبقة أخرى متوسطة أكثر منها في المستوى فتفهم أنه يجب نفي ألوهية عيسى عليه السلام والملائكة والأشياء القابلة للتولد. ولأنه لا فائدة من نفي شيءٍ محالٍ في الظاهر، فلا بد أن يكون المراد في البلاغة حُكمًا لازمًا مدارًا للفائدة، فالمراد من نفي الولد والوالد الخاصين بالجسمانية هو نفي ألوهية من له ولد ووالد وكفو، وإظهار عدم لياقتهم بأن يكونوا معبودًا. ومن هذا السر فإن سورة الإخلاص يمكنها أن تُفيد كل واحد من الناس كل حين.

وحظ طبقة أكثر تقدمًا من الطبقتين السابقتين -لحد ما- من الفهم هو أن الحق تعالى منزه عن جميع الروابط التي تُشعر الموجودات بالتوليد والتولّد، ومبرأ عن شريك ومُعِين ونظير، بل علاقته مع الموجودات هي الخلاقية، يوجِد الأشياء بأمر ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ وبإرادته الأزلية وباختياره، ومنزه عن كل رابطة تنافي الكمال كالإيجاب والاضطرار والصدور غير الاختياري.

وحظ طبقة أكثر تقدمًا من تلك الطبقات السابقة من الفهم هو؛ أن الحق تعالى أزلي وأبدي وأول وآخر وليس له -بأي حال من الأحوال- نظير ولا كفو ولا شبيه ولا مِثْل ولا مثال ولا مثيل لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. إلا أن هناك في أفعاله وشئونه مَثَلاً تفيد التشبيه فحسب﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ﴾. فيمكنك أن تقيس على هذه الطبقات أصحاب حظ المختلفين كطبقة العارفين وطبقة أهل العشق وطبقة الصديقين.

ومثلاً: -المثال الثاني- ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40] إن حظ الطبقة الأولى من الفهم هو أن زيدًا رضي الله عنه الذي هو خادم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام والذي نال خطاب "يا بُنيّ"، طلّق زوجته العزيزة؛ إذ إنه لم ير نفسه كفوًا لها. فتزوجها الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام بأمر من الله. حيث تقول الآية "إذا

151. صفحة

خاطبكم الرسول عليه الصلاة والسلام بـ"يا بُنيّ" يكون قالها من حيث النبوة والرسالة، وهو ليس أباكم من حيث شخصيته حتى لا تكون السيدات اللائي تزوجهن مناسبات له.

وحظ الطبقة الثانية من الفهم هو: إن آمرًا عظيمًا ينظر إلى رعيته بشفقة الأب، وإذا كان ذلك الآمر سلطانًا روحانيًا ظاهرًا وباطنًا ولأن رحمته حينئذ تفوق شفقة الأب بمائة درجة، فينظر إليه كل فرد من رعيته نظرهم للأب وكأنهم أولاده الحقيقيون الأصليون؛ وحيث إن النظر إلى الأب لا ينقلب إلى النظر إلى الزوج ولا ينقلب النظر إلى البنت إلى النظر إلى الزوجة بسهولة، فلا يناسب هذا السرَّ زواج الرسول عليه الصلاة والسلام من بنات المؤمنين حسب أفكار عامة الناس، لذا يقول القرآن إن الرسول صلى الله عليه وسلم يُشفق عليكم بنظر الرحمة الإلهية، ويعاملكم معاملة الأب، وأنتم كأبنائه باسم الرسالة والنبوة، ولكنه ليس أباكم من حيث شخصيته البشرية حتى يكون زواجه من بناتكم غير مناسب.

والقسم الثالث يفهم كالآتي:

ينبغي عليكم أن تنتسبوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وتستندوا إلى كمالاته وتعتمدوا على شفقته الأبوية فلا ترتكبوا الخطيئات والذنوب.

نعم؛ إن هناك كثيرين يعتمدون على كبارهم ومرشديهم فيتكاسلون، وحتى إن منهم من يقول أحيانًا (كبعض من العَلويين): "إن صلاتنا قد أُدِّيت من قبل كبارنا".

النكتة الرابعة: إن قسما من الناس يفهم من هذه الآية إشارة غيبية كالآتي: إن أبناء الرسول عليه الصلاة والسلام لن يبلغوا مبلغ الرجال ولن يدوم نسله من جهة الرجال لحكمة، إلا أن نسله سيدوم من جهة البنات إذ إن الآية تشير بإفادة تعبير الرجال إلى أنه أبو البنات. فلله الحمد إن البدر المنوَّر لسلسلتين نورانيتين كالحسن والحسين رضي الله عنهما اللذين هما النسل المبارك من فاطمة رضي الله عنها يُديمان النسل المادي والمعنوي لشمس النبوة. اللهم صل عليه وعلى آله.

قد تمّت الشعلة الأولى مع شعاعاتها الثلاثة.


152. صفحة

الشُّعْلَةُ الثَّانِيَةُ

لهذه الشعلة الثانية "ثلاثة أنوار".


النور الأول

إن هناك سلاسة رائقة وسلامة فائقة وتساندًا متينًا وتناسبًا مُحكمًا في هيئة مجموع القرآن المعجز البيان، وتعاونًا قويًّا بين جمله وهيئاته، وتجاوبًا ساميًا بين آياته ومقاصده بشهادة آلاف من الأئمة العباقرة لعلم البيان وفن المعاني كالزمخشري[1] والسكاكي[2] وعبد القاهر الجرجاني[3]. ومع ذلك فإن هناك ثمانية أو تسعة أسباب مهمة يمكنها أن تتسبب في إخلال وإفساد هذا التجاوب والتعاون والتساند والسلاسة والسلامة، إلا أنها لا تفسد ولا تخل بسلاسته وسلامته وتسانده بل تقويها وتزيدها قوةً.

إلا أن تلك الأسباب قد أجرت حُكمها إلى حد ما وأخرجت رأسها من ستار النظام والسلاسة. فكما أنه يَظهر بعض من البروزات والمدبَّبات في جذع شجرة عادية مستقيمة، ولكنها لا تظهر لتُخلّ بتناسب الشجرة وتناسقها، وإنما تظهر لتعطي الثمرة التي هي مدار لتكمل وجمال تلك الشجرة في زينة؛ فكما في ذلك تمامًا فإن تلك الأسباب أيضًا تُخرج رءوسها الحادّة لتُفيد معاني قيّمة لسلاسة نظم القرآن.


[1] الزمخشري: هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي، الزمخشري علامة فارسي ولد في قرية زَمَخْشَر، من أعمال خوارزم (467 هـ /538 هـ)، من أئمة المعتزلة من أشهر مؤلفاته تفسيره "الكشاف" ومعجم "أساس البلاغة".

[2] السكاكي: هو يوسف بن أبي بكر بن محمد أبو يعقوب السكاكي (554هـ/626 هـ) من أهل خوارزم علامة إمام في العربية والمعاني والبيان والأدب والعروض والشعر متكلم فقيه متفنن في علوم شتى، من أشهر مؤلفاته مفتاح العلوم.

[3] عبد القاهر الجرجاني: هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، فارسي الأصل، جرجاني الدار، ولد في جرجان وعاش فيها دون أن ينتقل إلى غيرها حتى توفي سنة 471 هـ، من أشهر مؤلفاته دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة.




153. صفحة

أجل؛ فعلى الرغم من أن هذا القرآن المبين نزل منجَّمًا متفرقًا حسب مواقع الحاجات خلال عشرين سنة فإن له تناسبا كاملا يُظهر انسجامًا وكأنه نزل دفعة واحدة. وعلى الرغم من أن هذا القرآن نزل حسب أسباب النزول المختلفة المتباينة خلال عشرين سنة، فإنه يُظهر كمال التساند وكأنه نزل لسبب واحد. وعلى الرغم من أن هذا القرآن نزل جوابًا لأسئلة متفاوتة مكررة فإنه يُظهر كمال الامتزاج والاتحاد وكأنه نزل جوابًا لسؤال واحد، وعلى الرغم من أن هذا القرآن نزل لبيانِ أحكامِ حادثاتٍ متغايرة متعددة فإنه يُظهر انتظامًا كاملاً وكأنه بيان لحادثة واحدة. وعلى الرغم من أن هذا القرآن نزل في حالات متباينة متنوعة وبأساليب مناسبة لأفهام المخاطبين غير المحدودين بالتنزلات الكلامية فإنه يُظهر تماثلاً لطيفًا وسلاسة جميلة وكأن الحالات واحدة، ودرجات الفهم واحدة ويظهر سلاسة كماء سلسبيل رقراق، وعلى الرغم من أن هذا القرآن يتكلم متوجهًا إلى أصناف متعددة متباعدة من المخاطبين فإن له سهولة في البيان وجزالة في النظام ووضوحًا في الإفهام وكأن مخاطبيه من صنف واحد. وحتى إن كل صنف يظن أن المخاطَب هو نفسه فحسب بالأصالة، ومع أن القرآن نزل للهداية إلى الغايات الإرشادية المتفاوتة المتدرجة فإن له استقامة كاملة وموازنة دقيقة وانتظاما جميلا وكأن المقصد واحد.

أجل؛ إن تلك الأسباب هي أسباب للتشويش، إلا أنها قد استُخدِمت في بيان إعجاز القرآن وسلاسته وتَنَاسُبه.

نعم؛ إن كل من كان قلبُه غير سقيم وعقله مستقيمًا وضميره غير مريض وذوقه سليمًا، يرى سلاسة جميلة وتناسبًا حسنًا ونغمة لطيفة وفصاحة فريدة في بيان القرآن. ومن كانت له عين سليمة في بصيرته يرى أن للقرآن عينًا ترى جميع الكائنات ظاهرها وباطنها بصورة واضحة وكأنها صفحة كتاب أمامها، ويقلّبها كما يشاء، ويبيِّن معاني تلك الصفحة كما يشاء، ولو أردنا أن نوضّح حقيقة هذا "النور الأول" بأمثلة، للزمنا مجلدات؛ لذا أكتفي بالإيضاحات المتعلقة بإثبات هذه الحقيقة في سائر رسائلي باللغة العربية وفي "إشارات الإعجاز" وفي تلك الكلمات البالغ عددها خمسًا وعشرين كلمة، فأورد القرآن كله مثالاً. 


154. صفحة

النور الثاني

وهو حول الفذلكات التي أظهرها القرآن في خواتم آياته وحول المزية الإعجازية في أسلوبه البديع من حيث الأسماء الحسنى.

إخطار: ستأتي آيات كثيرة في هذا "النور الثاني"، وهذه الآيات ليست أمثلة لـ"النور الثاني" فحسب، بل هي أمثلة- في الوقت ذاته- للمسائل والشعاعات السابقة، وإيضاحاتها بحق تكون طويلة جدا، فأنا مضطر حاليا للاختصار والإجمال؛ لذا فإننا أشرنا إلى هذه الآيات التي هي من أمثلة هذا السر العظيم للإعجاز إشاراتٍ في غاية الاختصار محيلين تفاصيلها إلى وقت آخر.

فالقرآن المعجز البيان غالبا ما يذكر في خواتيم الآيات بعضا من الفذلكات تتضمن إما الأسماء الحسنى وإما معانيها، أو تحيل إلى العقل لتسوقه إلى التفكر، أو تتضمن قاعدة كلية من المقاصد القرآنية ويأتي بفذلكات لتأكيد الآية وتأييدها؛ إذ في تلك الفذلكات بعض من إشارات من حكمة القرآن العلوية، ورشاشات من ماء الحياة للهداية الإلهية، وشرارات من برق إعجاز القرآن. نذكر الآن من تلك الإشارات الكثيرة جدًّا عشرة فقط بإجمال، ونشير إلى مثال من أمثلتها الكثيرة جدا وإلى المعنى الإجمالي لحقيقة واحدة فقط من حقائق كثيرة لكل واحد من الأمثلة. وإن معظم هذه الإشارات العشرة توجَد مجتمِعة ومعا في معظم الآيات فتشكِّل النقش الإعجازي، وإن معظم الآيات التي نسوقها أمثلةً هي أمثلة على معظم الإشارات، ونحن سنذكر إشارة واحدة فحسب من كل آية، وسنشير إشارة خفيفة فحسب إلى المعنى المختصر للآيات التي سنذكرها كأمثلة، والتي سبق ذكرها في "الكلمات" السابقة.

المزية الأولى للجزالة: إن القرآن الحكيم ببياناته المعجزة يبسط وينشر أمام الأنظار أفعال الصانع ذي الجلال وآثاره، ثم يستخرج الأسماء الإلهية من تلك الآثار والأفعال، أو يثبت مقصدًا أصليا من المقاصد القرآنية كالحشر والتوحيد، ومن أمثلة المعنى الأول؛

مثلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: 29] ومن أمثلة الشق الثاني؛


155. صفحة

مثلا: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً [النبأ: 6-8] إلى ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً [النبأ: 17] إنه في الآية الأولى يبسط ويسرد أعظم الآثار التي تشهد بغاياتها ونظامها على العلم والقدرة، يبسطها ويسردها كمقدمات لنتيجة ولهدف مهم فيستخرج اسم "العليم".

وفي الآية الثانية يذكر الأفعال الكبيرة والآثار العظيمة للحق تعالى ومن ثم يذكر الحشر الذي هو "يوم الفصل" كنتيجة لها كما وضِّح إلى حد ما فى النقطة الثالثة من الشعاع الأول من الشعلة الأولى.

النكتة الثانية للبلاغة: القرآن الكريم يبسط أمام أنظار البشر منسوجات الصنعة الإلهية ويُرِيها، ثم في الفذلكة يطوي تلك المنسوجات في الأسماء، أو يحيلها إلى العقل.

ومن أمثلة الأولى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ﴾ [يونس: 31-32]

فيقول في البداية: من الذي هيّأ السماء والأرض كخزانتين لرزقكم ويخرج من هناك المطر ومن هنا الحبوب؟ وهل يقدر أحد غير الله أن يجعل السماء والأرض الضخمتين هائلتين كحارسي خزانة مطيعين؟ إذن الشكر له.

ويقول في الفقرة الثانية: من هو مالكُ أبصاركم وأسماعكم التي هي من أثمن وأغلى أعضائكم؟ ومن أي معمل أو محل اشتريتموها؟ فالذي يستطيع أن يمنحكم هذه الأبصار والأسماع الرائعة الثمينة الغالية إنما هو ربكم، هو الذي أوجدكم، وهو الذي يربيكم، وهو الذي أعطاكموها. إذن فذلكم الله هو الرب الحق، وذلكم الله هو المعبود الحق.

ويقول في الفِقْرة الثالثة: من الذي يحيي الأرض الميتة؟ ومن الذي يحيي مئات الآلاف من الطوائف الميتة؟ ومن الذي يَقدِر على فعل ذلك غير الحق تعالى وغير خالق جميع الكائنات؟ لا شك أنه هو الذي يقدر على ذلك، وهو الذي يحيي. وبما أنه هو الحق فلا شك أنه لن يضيِّع الحقوق، وسيرسلكم إلى محكمة كبرى، وسيحييكم أيضًا كما يحيي الأرض.


156. صفحة

ويقول في الفقرة الرابعة: من غير الله يستطيع أن يدير هذا الكون العظيم، ويدبر أموره بكمال الانتظام كإدارة وتدبير قصر أو مدينة؟ وبما أنه لا يقدر على ذلك غير الله فلا نقص في القدرة التي تدير الكون العظيم بجميع أجرامه بسهولة ويسر؛ بحيث لا يمكن أن يكون لها حاجة إلى أي شريك، أو اشتراك أو معاونة ومساعدة، والذي يدير الكون العظيم لا يترك المخلوقات الصغيرة إلى أيدٍ أخرى، إذن فستقولون "الله" شئتم أو أبيتم.

فالفقرة الأولى والرابعة تقولان: "الله"، والفقرة الثانية تقول: "الرب"، والفقرة الثالثة تقول: "الحق"، فافهم كيف أن ﴿فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ تظهر في إعجاز!

فالقرآن الحكيم يذكر التصرفات العظيمة للحق تعالى والمنسوجات المهمة لقدرته، ثم يقول إن معمل ومنوال تلك الآثار العظيمة والمنسوجات المهمة هو ﴿فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾، أي بذكره الأسماء "الحق، الرب، الله" يُرِي منابع تلك التصرفات العظيمة.

ومن أمثلة الثانية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164]

فإن القرآن الحكيم بعدما يَعُدُّ منسوجات الصنعة كتجلي سلطنة الألوهية في خلق السماوات والأرض الذي يُظهِر كمال القدرة وعظمة الربوبية للحق تعالى، والذي يشهد على الوحدانية، وتجلي الربوبية في اختلاف الليل والنهار، وتجلي الرحمة بتسخير السفن -التي هي من أعظم الوسائل في الحياة الاجتماعية البشرية- في البحار وتجلي عظمة القدرة في إرسال ماء الحياة من السماء إلى الأرض الميتة وإحيائها بطوائفها البالغة مئات الآلاف، وجعلها كمحشر العجائب، وتجلي الرحمة والقدرة في خلق الحيوانات المختلفة المتنوعة غير المحدودة من تراب بسيط على الأرض، وتجلي الرحمة والحكمة في تدبير وتوظيف الرياح في وظائف عظيمة كخدمة تنفس وتلقيح النباتات والحيوانات، وفي تحريكها وإدارتها لجعلها صالحة للتنفس، وتجلي الربوبية في تسخير السحب التي هي

157. صفحة

واسطة الرحمة بين الأرض والسماء بجمعها وتفريقها معلَّقة في الجوّ كمحشر العجائب، وجعْلها تستريح كجيش ثم دعْوتها إلى مباشرةِ وظيفتها..أقول إن القرآن الحكيم بعدما يعد منسوجات الصنعة كهذه يقول: ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ليسوق العقل إلى معرفة حقائق تلك الأمور وتفاصيلها حتى يجعله يتفكر، ويحيل إلى العقل من أجل إيقاظه.

المزية الثالثة للجزالة: يفصِّل القرآن أحيانا أفعال الحق تعالى، ثم يجملها بفذلكة، إذ يورث القناعة بتفصيله، ويُرَسِّخها في الأذهان بإجماله.

مثلا: يشير القرآن الحكيم إلى النعم التي أُنعِم بها على سيدنا يوسف وأجداده عليهم السلام بهذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: 6] إذ يقول: لقد شرّفناكم بمقام النبوة من بين البشر كلهم, وربطنا سلسلة الأنبياء كلهم بسلسلتكم، وجعلنا سلسلتكم رأس جميع السلاسل، وجعلنا بيتكم غرفة تعليم وهداية للعلوم الإلهية والحكمة الربانية فجمعنا عندكم بذلك العلم وتلك الحكمة سلطنة وملك الدنيا في سعادة مع السعادة الأبدية للآخرة، وجعلناك بعلم وحكمة رئيسًا عزيزًا لمصر ونبيا عظيمًا ومرشدا حكيما" وبعد ذكر وعدِّ هذه النعم الإلهية يذكر أنه جل وعلا جعله هو وآباءه وأجداده يمتازون بالعلم والحكمة، ثم يقول: "إن ربك عليم حكيم" حيث إن ربوبيته وحكمته تقتضيان أن تَجْعَلاَكَ وآباءك وأجدادك مُتجلًّى ومَظهَرًا لاسمي "العليم" و"الحكيم"، فيجمِل بهذه الفذلكة تلك النعم المفصّلة.

ومثلا: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء﴾ [آل عمران: 26] هذه الآية تُظهِر تصرفات الحق تعالى في الحياة الاجتماعية البشرية بهذه الصورة: إن العزة والذلة والفقر والغنى أمور مرتبطة مباشرة بمشيئة الحق تعالى وإرادته وحده؛ بمعنى أن كل شيء -حتى أكثر التصرفات انتشارًا في طبقات المخلوقات- بمشيئة الله وتقديره، ولا يمكن أن تتدخل المصادفة فيها.


158. صفحة

ثم إن أهم أمر في حياة البشر بعد ذكر هذه الحكمة هو الرزقُ، فهذه الآية تثبت ببضع مقدمات أن رزق البشر يرسَل مباشرة من خزانة رحمة الرزّاق الحقيقي؛ وذلك أنه يقول إن رزقكم مرتبط بحياة الأرض، وإحياء الأرض يتوقف على الربيع، والربيع بيد من يسخر الشمس والقمر ويدوّر الليل والنهار، إذن فلا يمكن أن يُعطِيَ تفاحةً واحدة لإنسان كرزق حقيقي له إلا من يستطيع أن يملأ كل أطراف الأرض بالثمار، ومن ثم يكون رزّاقًا حقيقيًّا له.

ثم يقول: ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 27] ويُجمِل ويثبت في هذه الجملة تلك الأفعال المفصَّلة، أي يقول: إن الذي يرزقكم بغير حساب هو الذي يقوم بهذه الأفعال.

النكتة الرابعة للبلاغة: يذكر القرآن في بعض الأحايين المخلوقات الإلهية بالترتيب ثم يُظهِر أن لتلك المخلوقات نظامًا وميزانًا، وأنها ثمرات ذلك النظام والميزان، وكأنه بذلك يضفي عليها شفافية ولمعانًا، ثم يُظهِر الأسماء الإلهية التي لها جلوات على ذلك الترتيب الشبيه بالمرآة، أي كأن تلك المخلوقات المذكورة ألفاظ وكأن هذه الأسماء معانيها أو بذور تلك الثمار أو خلاصاتها.

مثلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: 12-14]

فالقرآن يذكر ويرتب الأطوار العجيبة الغريبة البديعة المنتظمة الموزونة لخلقة الإنسان بطرز شبيه بالمرآة حيث يَظهَر فيه ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ من تلقاء نفسها وتجعلك تقولها، وحتى إن أحد كتاب الوحي قال هذه العبارة قبل ورودها في أثناء كتابته هذه الآية، وقد خيل إليه هل جاء الوحي إليه أيضًا، ولكن حقيقة الأمر أن كمال نظام بداية الآية وشفافيتها وانسجامها هو الذي أظهرها قبل مجيئها.


159. صفحة

ومثلا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54] إن القرآن الحكيم يعرض ويظهر في هذه الآية الكريمة عظمةَ القدرة الإلهية وسلطنة الربوبية بطرز، حيث يذكر أن الشمس والقمر والنجوم مستعدة لتلبية أوامره جل وعلا كجنود مطيعين، ويدوِّر الليل والنهار متعاقبين متتاليين كخطين أسود وأبيض أو كشريطين، فيشير بذلك إلى القدير ذي الجلال الذي يكتب آيات ربوبيته في صحائف الكون، والذي هو على عرش ربوبيته، لذا فكل روح إذا سمعتها شعرت برغبة ملحة في القول: "بارك الله، ماشاء الله، فتبارك الله رب العالمين". إذن ﴿تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ تكون في حكم خلاصة وبذرة وثمرة وماء حياة لسابقتها.

المزية الخامسة للجزالة: يذكر القرآن الكريم أحيانا الجزئيات المادية المتعرضة للتغير، والمتسببة في الكيفيات المختلفة، ثم يُجمِلها ويربطها بالأسماء الكلية الثابتة من أجل أن يحولها إلى صورة الحقائق الثابتة، أو يشجع ويحث على التفكر والعبرة ويختمها بفذلكة.

ومن أمثلة المعنى الأول: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: 31-32] فهذه الآية تذكر -أولا- في مسألة خلافة آدم عليه السلام حادثة جزئية وهي أن له علما يجعله يترجح على الملائكة، ثم بعد ذلك يذكر ضمن تلك الحادثة حادثة مغلوبية الملائكة من ناحية العلم أمام آدم عليه السلام، ثم يُجمِل هاتين الحادثتين باسمين كليين من الأسماء الحسنى، أي ﴿أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ أي ولأنك أنت العليم والحكيم؛ لذا علَّمت آدم فغلب علينا، ولأنك أنت الحكيم تعطينا وتمنحنا حسب استعداداتنا، وتعطيه وتمنحه رجحانية حسب استعداداته.


160. صفحة

ومن أمثلة المعنى الثاني: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: 66] الخ و﴿فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 69]

فهذه الآيات بعدما ذكرت كيف أن الحق تعالى جعل مخلوقاته مثل الضأن والماعز والبقر والجمل كينابيع اللبن الخالص الصافي اللذيذ للناس، وجعل المصنوعات الأخرى مثل العنب والنخيل كطاولة أو كمرجل نعم لطيفة ولذيذة وحلوة، وجعل معجزات قدرته الصغيرة كمثل النحل كساقي الشربات الشافية اللذيذة فتقول ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ من أجل الحث والتشجيع على التفكر والعبرة وإلى قياس أمور أخرى عليها، وتختم به.

النكتة السادسة للبلاغة: تبسط الآية أحيانا وتنشر أحكام الربوبية على كثرة واسعة، ثم تجمعها وتربطها برابطة وحدة هي في حكم جهة الوحدة، أو تضعها في قاعدة كلية.

مثلا: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: 255] ففي آية الكرسي يثبت القرآن الكريم بعشر جُمَل عشر طبقات من طبقات التوحيد في ألوان مختلفة، فضلا عن أنه يقطع الشرك ومداخلة الغير بشدة وعنف بجملة ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ويطرحه وينبذه.

ثم إن هذه الآية ولأنها مَظهَر لاسم الأعظم فإنها تحمل معاني حول الحقائق الإلهية في أعظم مرتبة؛ لذا فهي تُظهِر تصرف الربوبية في درجة الأعظمية.

ثم إنها بعدما ذكرت تدابير الألوهية المتوجهة إلى السماوات والأرض معًا وبعدما ذكرت الحفيظية الشاملة على العموم في درجات عظمى تلخّص رابطة الوحدة وجهة الوحدة ومنابع تجلياتها العظمى بـ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.

ثم مثلا: ﴿اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ *

161. صفحة

وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 32-34] فهذه الآيات تقول: كما أن الحق تعالى خلق الكون الضخم الهائل كقصر وأرسل من السماء إلى الأرض ماء الحياة وجعل الأرض والسماء خادمتين لإنتاج الرزق للناس؛ كذلك سخر لهم السفينة حتى يُفسِح أمام كل إنسان مجال الاستفادة من جميع أنواع الثمار الموجودة في سائر أقطار الأرض، وسخرها للناس حتى يكسبوا كل أنواع أسباب رزقهم متبادلين ثمرات سعيهم، أي إنه أعطى للبحر والريح والشجر حالة؛ وكأن الريح سوط والسفينةَ فرس والبحرَ صحراء تحت أقدامه. وإنه جل وعلا جعل الناس يرتبطون بجميع أقطار الأرض بوساطة السفينة، وسخّر الأنهار الكبيرة كوسائط نقل فطرية طبيعية للإنسان، وسيّر الشمس والقمر كلا على حدة لحصول الفصول، وجعلهما كخادمين مسخَّرين حتى يقدما للإنسان نعم المنعم الحقيقي المتنوعة حسب تنوع الفصول، وجعلهما كعاملي الدَّفة لتدوير ذلك الدولاب[1] الكبير، دولاب الفصول، وسخّر الليل والنهار للإنسان، أي سخّر الليل كغطاء لراحة نومه والنهارَ كمتجر وسوق لكسب رزقه. فبعدما عدّ القرآن هذه النعم الإلهية يشير إلى مدى سعة دائرة النعم المنعَم بها على الإنسان، ومن ثم يشير إلى مدى عدم محدودية النعم في تلك الدائرة بهذه الخلاصة: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ أي إن كل ما طلبه الإنسان بلسان الاستعداد وبلسان الاحتياج الفطري أُعطِي له ومنحه، وإن كل ما مُنِح للإنسان من النعم الإلهية لا يعد ولا يحصى.

أجل؛ إذا كانت مائدة نعم الإنسان هي السماوات والأرض، وإذا كان بعض النعم على تلك المائدة هي أشياء كالشمس والقمر والليل والنهار؛ فلا شك أن النعم المتوجهة للإنسان كثيرة لا تعد ولا تحصى.

السر السابع للبلاغة: يُظهِر القرآن الكريم أحيانا غايات المسبَّب وثمراته من أجل عزل السبب الظاهري عن قابلية الإيجاد، ومن أجل إبرازه لها على أنها بعيدة عنها حتى

[1] يقصد الترس.




162. صفحة

يُفهَم أن السبب ستار ظاهري بحت؛ لأن إرادة الغايات الحكيمة للغاية والثمرات المهمة يلزم أن تكون عمل عليم للغاية وحكيم للغاية، وأما سببها فهو جامد لا شعور له.

ثم إن الآية بذكرها ثمرة وغايات الأسباب تشير إلى أن الأسباب في الحقيقة تبدو وتتراءى أمام ظاهر النظر وفي عالم الوجود متصلة مع المسبَّبات ومتلاصقة بها، ولكن في الحقيقة هنالك مسافة بعيدة بينهما، إذ هنالك مسافة بعيدة ما بين السبب وإيجاد المسبَّب إلى حد لا تستطيع معه يد أكبر سبب أن تلحق بإيجاد أصغر مسبَّب، فالأسماء الإلهية تطلع كالنجوم في المسافة المعنوية الطويلة بين السبب والمسبَّب، ومطالعُها هي تلك المسافة المعنوية الطويلة. وكما أن أذيال السماء تبدو وتتراءى متصلة ومقترنة بآفاق الجبال بالدائرة الأفقية للجبال في ظاهر النظر، بينما هنالك ابتداء من الدائرة الأفقية للجبال آفاق الجبال وانتهاء إلى أذيال السماء مسافات عظيمة هي مطالع جميع النجوم ومساكن لأشياء أخرى؛ كذلك فإن بين الأسباب والمسبَّبات مسافة معنوية تُرَى بمنظار الإيمان ونور القرآن.

مثلا: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ [عبس: 24-32] فهذه الآية الكريمة تذكر معجزات القدرة الإلهية بترتيب حكيم، وتربط الأسباب بالمسبَّبات، وفي النهاية تشير بلفظ ﴿مَّتَاعاً لَّكُمْ إلى غاية هي إثبات أن هناك متصرفًا خفيًّا يرى ويراعي تلك الغاية في ثنايا جميع تلك الأسباب والمسبَّبات المتسلسِلة، وأن تلك الأسباب هي حجب وستر أمامه.

أجل؛ إنها بتعبير ﴿مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ تعزل جميع الأسباب عن قابلية الإيجاد، وتقول معنى: يأتي الماء من السماء لكي ينشئ الرزق لكم ولأنعامكم، وهذا يعني أن الماء ولأنه لا يحمل قابلية الرحمة والشفقة لكم ولحيواناتكم حتى يوصلكم الرزق فإنه لا يأتيكم بذاته بل يُرسَل إليكم. 

163. صفحة

ثم إن التراب ينفتح بنباتاته ويأتي رزقُكم منه، ولأن هذا التراب الذي لا يحمل المشاعر والوعي والشعور بعيد كل البعد عن قابلية التفكير في رزقكم والشفقة عليكم، فلا ينفتح بذاته ومن تلقاء نفسه، بل يفتح أحدهم ذلك الباب، ويضع النعم في أيديكم.

ثم إن الأعشاب والأشجار ولأنها بعيدة كل البعد عن إنبات الثمار والحبوب لكم رحمة بكم متفكرة في رزقكم؛ فإن الآية تشير إلى أنها حبال وخيوط يَمُدّها الحكيم الرحيم من وراء الحجب معلِّقا النعم عليها ويوصلها إلى ذوي الحياة. فمن هذه البيانات تتراءى مطالع أسماء كثيرة كـ"الرحيم" و"الرزاق" و"المنعم" و"الكريم".

ومثلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ * وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [النور: 43-45]

فهذه الآية في أثناء بيانها التصرفات العجيبة في نظام السحب في إنزال المطر الذي هو من أهم معجزات الربوبية ومن أعجب حجب خزانة الرحمة تقول: كأن أجزاء السحاب إذا انتشرت واختفت في جو الهواء تجتمع بأمر إلهي كما تجتمع الجنود المتفرقة المستريحة بصوت بوق فتُشكِّل السحاب، ثم يؤلِّف الحق تعالى بين تلك السحب المتقطعة المتجزئة وكأنه يشكل جيشًا من طوائف صغيرة مختلفة، ويرسل إلى ذوي الحياة ماءَ الحياة من تلك القطع التي هي في شكل الجبال السائرة وجسامتها في القيامة وفي كيفية الثلج والبرد من حيث البياض والرطوبة، ولكن في هذا الإرسال تتراءى إرادة وقصد، ويأتي حسب الحاجة، إذن فإنه يُرسَل. بينما كان الجو صافيًا نقيًّا نظيفًا ولم يكن فيه شيء لا تجتمع قطع كالجبال من تلقاء نفسها وكأنها في محشر العجائب، بل الذي يَعرِف ذوي الحياة هو الذي يرسل. ففي هذه المسافة المعنوية تتراءى مطالع أسماء كـ"القدير" و"العليم" و"المتصرف" و"المدبر" و"المربي" و"المغيث" و"المحيي".


164. صفحة

 المزية الثامنة للجزالة: يذكر القرآن الكريم أحيانًا عجائب أفعال الله الجارية في الدنيا كتمهيد من أجل أن يجعل القلب يقبل أفعاله الخارقة التي ستحدث في الآخرة وكإعداد من أجل أن يهيئ الذهن للتصديق، أو يذكر الأفعال العجيبة الإلهية المستقبلية والأخروية بطريقة نقتنع بها بنظائرها الكثيرة التي هي من مشهوداتنا.

مثلا: )أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ( [يس:77] إلى آخر السورة، يثبت القرآن الحكيم الحشر في هذا الصدد في مسألة الحشر بسبع أو ثماني صور وبطرز مختلف؛ حيث يعرض النشأة الأولى أمام العيون أولاً ويقول: إنكم ترون نشأتكم من النطفة إلى العلقة، ومن العلقة إلى المضغة، ومن المضغة إلى خلقة الإنسان، وكيف تنكرون إذن النشأة الأخرى؟! هي مثلها بل أهون منها!

ثم بعدما أشار إلى الإحسانات العظيمة التي أحسنها الحق تعالى على الإنسان بكلمة )الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا ([يس:80] يقول: الذي أنعم عليكم بمثل هذه النعم لن يترككم سدى حتى تدخلوا القبر وتناموا دون أن تقوموا.

ثم يقول رمزًا: إنكم ترون إحياء الأشجار الميتة واخضرارها، وكيف لا تستطيعون قياس العظام الشبيهة بالحطب عليها فتستبعدون إحياءها؟!

ثم هل يعجز الذي خلق السماوات والأرض عن إحياء وإماتة الإنسان الذي هو ثمرة السماوات والأرض؟!

فالذي يهتم ويعتني بشجرة ضخمة هل يهمل ثمرتها ويتركها للآخرين؟! وهل تظنون أنه يجعل عبثا وسائبًا "شجرة الخلقة" التي عُجِنت بجميع أجزائها بالحكمة بتركه جميع نتائج الشجرة؟!

فإن الذي سيحييكم في الحشر هو من تخضع له جميع الكائنات كجنود مطيعين، وتحني رأسها أمام أمر "كن فيكون" بكمال الانقياد، وخلق ربيع أهون عليه كخلق زهرة، وخلق جميع الحيوانات سهل على قدرته كخلق ذبابة. ولا يتحدى قدرة من يتصف بهذه الأوصاف قائلين "من يحيي العظام" للتعجيز.


165. صفحة

ثم إنه يقول بتعبير)فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( [يس:83] إنه جل وعلا القدير ذو الجلال الذي بيده زمام كل شيء، وعنده مفاتيح كل شيء، يقلب الليل والنهار والشتاء والصيف بسهولة كسهولة تقليب صفحات كتاب، والدنيا والآخرة أمام قدرته كمنزلين يغلق هذا ويفتح ذاك.

بما أن الأمور هكذا فنتيجةً لجميع الدلائل "وإليه ترجعون" أي إنه سيحييكم بعد القبر ويأتي بكم إلى الحشر وسيحاسبكم في حضرته الجليلة.

فإن هذه الآيات هيأت الذهن لقبول الحشر، وجهَّزت القلب؛ إذ أظهرت نظائره في الأفعال الدنيوية.

ثم إن القرآن الكريم يذكر في بعض الأحايين أفعال الله الأخروية العجيبة بطريقة تُشعِر بنظائرها الدنيوية حتى لا يبقى مجال للاستبعاد والإنكار.

مثلا: )إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ([التكوير:1] )إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ([الانفطار:1] )إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ([الانشقاق:1] ففي هذه السور يذكر الانقلابات العظيمة وتصرفات الربوبية التي ستحدث في القيامة والحشر بطريقة يقبل الإنسان بسهولة معها تلك الانقلابات التي تُذهِل القلب ولا يستوعبه العقل، وذلك لأنه رأى نظائرها في الدنيا في الخريف والربيع مثلا. يطول بنا الحديث حتى الإشارة إلى المعاني المجملة لتلك السور إشارة خفيفة؛ لذا سنذكر كلمة واحدة فحسب كنموذج، فمثلا: تفيد كلمة )إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ([التكوير:10] أنه تُنشَر جميع أعمال الكل في الحشر مكتوبةً على صحيفة، وهذه المسألة ولأنها عجيبة جدا بحد ذاتها فالعقل لا يستطيع وحده أن يجد إليها سبيلا، ولكن نظير نشر الصحف ظاهر جدا في حشر الربيع كما تظهر معها نظائر لنقاط أخرى كما تشير إليه السورة؛ لأن لكل شجرة مثمرة ولكل عشب مزهر أعمالاً وأفعالاً ووظائف، ولها عبوديات حسبما سبَّحت مُظهِرةً عليها الأسماء الإلهية، فجميع أعمالها تلك تُكتَب مع سيرها الذاتية في جميع نواها وبذيراتها وتَخرج وتظهر في ربيع آخر وفي أرض أخرى، وهي كما أنها تَذكُر بصورة فصيحة جدا أعمال أجدادها

166. صفحة

وأصولها بلسان الشكل والصورة التي تبديها؛ كذلك تنشر صحائف أعمالها بفروعها وأغصانها وأوراقها وأزهارها وثمارها، فالذي يفعل ويقوم بهذه الأمور في حكمة وحفيظية وتدبير وتربية ولطف أمام عيوننا وأبصارنا هو من يقول: "إذا الصحف نشرت"، فقس سائر النقاط على ذلك، واستنبط إن كانت لك قدرة. ولمساعدتك سنقول الآتي: كما أن هذا الكلام أي "إذا الشمس كورت" تشير بلفظ "التكوير" أي اللف والطي والجمع إلى تمثيل باهر فيومئ كذلك إلى نظيره.

الأول: أجل إن الحق تعالى قد فتح من لدنه ستر العدم والأثير والسماء وأخرج من خزانة رحمته سراجًا كالشمس الشبيهة بجوهرة تضيء الدنيا، وأظهر ذلك السراج للدنيا، وبعدما أُغلِقت الدنيا فسيلفّ تلك الجوهرة في ستره وسيرفعها.

والثاني: كما أن الشمس مأمورة موظفة بنشر متاع الضياء وبلفّ الضياء والظلمة بالتناوب على رأس الأرض، وأن الحق تعالى يجعل تلك الموظفة في كل مساء تجمع متاعها وتختفي، وأحيانا تكون في الأخذ والرد مع ستار سحب، ويكون القمر ستارًا أمام وجهها أحيانا أخرى، فهي تنفض يدها من عملها شيئًا ما وتجمع متاعها وسجل أعمالها؛ كذلك فإن تلك المأمورة ستنفصل يومًا ما عن تلك المأمورية بلا شك. حتى وإن لم يكن هنالك سبب لعزلها فإن الشامَتين الصغيرتين حاليًا على وجهها واللتين ما زالتا تميلان إلى الكبر شيئا فشيئا ستكبران، وستطوي الشمس بأمر رباني ضوءها الذي لفّته على رأس الأرض بإذن إلهي، ويلف الحق تعالى هذا الضوء على رأس الشمس ويقول لها: لم يبق لكِ عمل على الأرض، هيا اذهبي إلى جهنم واحرقي من عبدوكِ وحقَّروا وأهانوا مأمورًا مسخرًا مثلك متهمين إياه بالخيانة وعدم الوفاء. وبهذا تقرأ الشمس على وجهها المبقع فرمان "إذا الشمس كورت".

النكتة التاسعة للبلاغة: يذكر القرآن الكريم أحيانا المقاصد الجزئية، ثم من أجل سوق الأذهان إلى مقامات كلية بواسطة تلك الجزئيات يُثبِّت ويقرر ذلك المقصد الجزئي بالأسماء الحسنى التي هي في حكم قاعدة كلية، ويحققه ويُثْبِتُه.


167. صفحة

مثلا: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ([المجادلة:1]يقول القرآن: إن الحق تعالى سميع مطلق، يسمع كل شيء، حتى إنه ليسمع باسمه "الحق" حادثة جزئية وهي جدال زوجة معك وهي تشتكي من زوجها.

إنه يسمع -كأمر عظيم وباهتمام- باسمه "الرحيم" شكوى المرأة - التي نالت ألطف تجليات الرحمة والتي هي معدن لحقيقة هي أكثر الحقائق تضحية من حقائق الشفقة- من زوجها إلى الله وهي محقة ويهتم بشكواها اهتمامًا ملؤه الجد باسمه "الحق". ولكي يجعل هذا المقصد الجزئي كليا يقول القرآن بأنه لا شك أن الذي يسمع ويرى أكثر الحوادث جزئية للمخلوقات والذي هو خارج عن دائرة الإمكان للكون ينبغي أن يكون سامعًا لكل شيء، ويرى كل شيء، والذي يكون ربا للكون يجب أن يرى هموم ومشاكل مخلوقات صغيرة مظلومة ويسمع أنينها وبكاءها، والذي لا يرى همومهم ومشاكلهم ولا يسمع أنينهم وبكاءهم لا يستطيع أن يكون ربا، إذن يثبِّت بجملة "إن الله سميع بصير" حقيقتين عظيمتين.

ومثلا: )سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ([الإسراء:1] بعدما ذكر القرآن سير الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام من المسجد الحرام -الذي هو مبدأ معراجه- إلى المسجد الأقصى يقول "إنه هو السميع البصير"، والضمير في "إنه" إما راجع إلى الحق تعالى، وإما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أما إذا كان راجعًا إلى الرسول فيكون المعنى كالآتي: إن في هذه السياحة الجزئية سيرًا عموميًّا وعروجًا كليًّا؛ بحيث إنه قد سمع ورأى كل الآيات الربانية وعجائب الصنعة الإلهية التي تمثلت أمام سمعه وبصره في المراتب الكلية للأسماء من مبدأ المعراج حتى سدرة المنتهى وحتى قاب قوسين أو أدنى، يقول القرآن ذلك ويعرض تلك السياحة القصيرة الجزئية كمفتاح لسياحة كلية هي محشر العجائب. 


168. صفحة

 وإذا كان الضمير راجعا إلى الحق تعالى يكون كالآتي:

إنه جل وعلا أرسل عبدًا من عباده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي هو مجمع الأنبياء من أجل أن يدعوه إلى حضرته لكي يوظفه بوظيفة ما وجعله يتقابل مع الأنبياء عليهم السلام، وأعلن أنه الوارث المطلق لأصول أديان جميع الأنبياء، ثم بعد ذلك سيَّره في ملكوت ملكه حتى قاب قوسين أو أدنى.

إن ذلك الرسول في الحقيقة عبد يسيح في معراج جزئي إلا أن لدى ذلكم العبد أمانةً تتعلق بجميع الكون والكائنات، ونورًا سيغير لون الكون والكائنات، ومفتاحًا سيفتح باب السعادة الأبدية؛ لذا فالحق تعالى يصف نفسه بأنه يسمع ويرى كل شيء حتى يعرض ويظهر حِكَمَ العالمية لتلك الأمانة وذلك النور وذلك المفتاح.

ومثلا: )الحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ([فاطر:1]إن الفاطر للسموات والأرض ذا الجلال يعرض ويري آثار كماله بتزيين السماوات والأرض بطريقة تجعل المتفرجين غير المحدودين عليهما يحمدون فاطرهما ويثنون عليه حمدًا وثناءً لا حد لهما، كذلك زيَّنهما بنعم لا تعد ولا تحصى بحيث إنهما يحمدان ويثنيان على فاطرهما الرحمن حمدا لا نهاية له بألسنة جميع النعم والمنعَم عليهم.

وبعدما قالت السورة ذلك تقول: "فلا شك أن الله ذا الجلال الذي منح الأجنحة للملائكة الذين هم سكان النجوم التي هي قصور سماوية والأبراج التي هي بلادهم العلوية ليتجولوا ويطيروا فيها كما منح للناس والحيوانات والطيور أجهزة وأجنحة لكي يسيروا ويسيحوا في مدن الأرض وبلادها؛ يجب أن يكون قديرًا على كل شيء.

إن الذي منح جناحين لذبابة حتى تطير من فاكهة إلى فاكهة، والذي منح جناحين لعصفور حتى يطير من شجرة إلى شجرة هو الذي أعطى الأجنحة للملائكة حتى يطيروا من الزُّهرة إلى المشتري ومن المشتري إلى زحل. 


169. صفحة

ثم إن الملائكة غيرُ منحصرين في الجزئية كما في سكان الأرض، ولا يستطيع أن يحدهم مكان معيّن، وإن القرآن الكريم يبين بكلمة "مثنى وثلاث ورباع" أنهم يكونون في وقت واحد في أربعة نجوم أو أكثر منها.

وإن القرآن الكريم بتعبير "تجهيز الملائكة بالأجنحة" والذي هو حادثة جزئية يشير إلى منوال ومعمل عظمة القدرة التي هي في غاية الكلية والشمول، ويثبِّت ويحقق ذلك بإجمال "إن الله على كل شيء قدير".

النكتة العاشرة للبلاغة: تذكر الآيات أحيانا أعمال الإنسان العاصية، وتزجره زجرا عنيفا، ثم تختم ببعض الأسماء التي تشير إلى الرحمة وتسلي الإنسان حتى لا يلقي به عنفُ التهديد إلى اليأس والقنوط.

مثلا: ) قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً _ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً _ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ([الإسراء:42-44]فهذه الآية تقول: "قل لو كان شريك في ملكه كما تقولون لَمَدَّ يده إلى عرش ربوبيته ولظهرت الفوضى وعدم الترتيب لحد يَظهر معه أثر التدخل، بينما كل مخلوق من المخلوقات، ابتداء من السماوات السبع وانتهاء إلى الحيوانات المجهرية، كليا كان أو جزئيا، صغيرًا كان أو كبيرًا، يسبح بألسنة تجليات ونقوش جميع الأسماء التي نالت بها، المسمَّى ذا الجلال لتلك الأسماء وينزهه عن الشريك والنظير.

أجل؛ وكما أن السماء تقدسه جل وعلا بكلماتها المتفجرة بالنور التي تسمى النجومُ، وبحِكَمها ونظامها، وتشهد على وحدته، وأن جو السماء أيضا يسبحه ويقدّسه بأصوات السحاب وبكلمات البرق والرعد والقطرات ويشهد على وحدانيته؛ كذلك فإن الأرض أيضًا تسبح وتوحّد خالقها ذا الجلال بكلماتها النابضة بالحياة والتي تسمى بالحيوانات والنباتات والموجودات، وكما أن كل شجرة من شجراتها تسبحه بكلمات أوراقها وأزهارها وثمارها وتشهد على أحديته، كذلك فإن أصغر مخلوق وأكثر مصنوع جزئيةً يُري بإشارة

170. صفحة

ما يحمله من نقوش وكيفياتٍ الكثيرَ جدا من الأسماء الكلية على الرغم من صغره وجزئيته، وبذلك يسبح المسمَّى ذا الجلال ويشهد على وحدانيته.

ويقول: "إنه كان حليمًا غفورًا"؛ لكيلا يوقع الإنسان -الذي هو خلاصة هذا الكون ونتيجته وخليفته المكرَّم وثمرته اللطيفة الرقيقة- في اليأس كليا بما أفاده من مدى قبح الكفر والشرك اللذين يرتكبهما على عكس جميع المخلوقات والمصنوعات التي تؤدي وظائف عبودياتها التي وُظِّفت فيها حسب فطرتها بكمال الإطاعة بتسبيحها معا وبلسان واحد ومتفقة خالقها ذا الجلال وبشهادتها على وحدانيته، وببيان مدى استحقاقه لأن يعاقب على الكفر والشرك، ولكي يظهر كيف أن القهار ذا الجلال يسامح على جناية لا حد لها مثلَهما ـ أي الكفر والشرك ـ وعلى عصيان قبيح لا نهاية لقبحه، ولا يخرب أو يهدم الكون على رءوسهم.

ويوضح حكمة الإمهال ويترك باب الرجاء مفتوحا بتلك الخاتمة.

وافهم من هذه الإشارات الإعجازية العشرة أن في الفذلكات الواردة في خواتيم الآيات لمعات إعجازية مع رشحات كثيرة للهداية؛ حيث إن أعظم عباقرة البلغاء فغروا أفواههم أمام هذه الأساليب البديعة بكمال الإعجاب والاستحسان وعضُّوا على شفاههم وقالوا: "ما هذا كلام بشر"، وآمنوا بـ) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ([النجم:4]بحق اليقين.

إذن إن بعض الآيات تتضمن مزايا كثيرة لم تدخل في بحثنا مع ما تتضمنه من جميع الإشارات المذكورة بحيث يَظهر في إجماع تلك المزايا نقش إعجاز يستطيع رؤيته حتى العميان.

النور الثالث

إنه لا يمكن مقارنة القرآن بأي كلام آخر؛ لأن لطبقات الكلام أربعة منابع من حيث السمو والقوة وحسن الجمال، فأحدها "المتكلم"، وثانيها "المخاطَب"، وثالثها "المقصد"، ورابعها "المقام"، وليس المقام فقط كما يذكره الأدباء خطأً، إذن فانظر في

171. صفحة

الكلام إلى "من قال؟" و"لمن قال؟" و"لم قال؟" و"في أي مقام قال؟"، ولا تحدق في الكلام وحده.

وبما أن الكلام يأخذ قوته وحسنه من هذه المنابع الأربع، فإذا أنعم النظر في منبع القرآن تُفهَم درجة بلاغته وعلوه وحسنه.

أجل؛ بما أن الكلام ينظر إلى المتكلم، فإن كان ذلك الكلام أمرا أو نهيا فهو يتضمن الإرادة والقدرة أيضا حسب درجة المتكلم، وحينها يكون الكلام قويا لا يقاوَم، ويؤثر تأثيرا ماديا كالكهرباء، ويزداد قوته وسموه بتلك النسبة.

مثلا: )وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي([هود:44]أي يا أرض انتهت مهمتك فابلعي ماءك، ويا سماء لم تبق حاجة فاقطعي المطر.

ومثلا: )فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ([فصلت:11]أي قال: يا أرض ويا سماء تعاليا شئتما أو أبيتما، فاخضعا لحكمتي وقدرتي، واخرجا من العدم وائتيا إلى مشهر صنعتي في الوجود، وهما قالا: "إنا نأتي بكمال الإطاعة، وسننهض بكل وظيفة تأمرنا بها بحولك وقوتك". فانظر إلى قوة وسمو هذه الأوامر الحقيقية النافذة التي تتضمن القوة والإرادة، ثم انظر إلى حوار الناس في هذيان مع الجمادات في صورة أمر كـ"اسكني يا أرض وانشقي يا سماء وقومي أيتها القيامة" هل يمكن أن يقارن هذا مع ذلكما الأمرين؟!

أجل؛ فأين الآمال الناشئة عن الرغبات، والأوامر الناشئة في فضول عن تلك الرغبات من حقيقة أمر آمر يتحلّى بآمرية حقيقية وهو على رأس عمله؟

أجل؛ فأين أمر "تقدَّم" لآمر عظيم نافذِ الأوامر لجيشه الكبير المطيع له، من أمرٍ يُسمَع من عسكر عادي؟ ألا يكون الفرق بينهما -مع أن الأمرين أمر واحد في الظاهر- كالفرق بين جندي عادي وبين قائد عظيم؟!

ومثلا: )إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ([يس:82]، و) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ([البقرة:34] فانظر إلى قوة وسمو الأمرين في هاتين الآيتين، ثم

172. صفحة

انظر إلى كلام البشر الصادر كأوامر، فيا ترى ألا تكون هذه المقارنة كمقارنة اليراعة بالشمس؟!

أجل؛ إنَّ وَصْفَ مالك حقيقي عملَه وهو يباشره، وبيانات فنان حقيقي حول فنه وصنعته في أثناء مزاولته عمله، وتوضيحات منعم حقيقي حول إحساناته وهو يوزعها، أي إنه إذا قال لكي يجمع بين القول والفعل ولكي يصف فعله للأبصار والآذان: انظروا إنني صنعت هذا، أنا أصنع هكذا، وفعلت هذا من أجل كذا وكذا، وهذا سيكون هكذا، وأصنع هذا هكذا من أجل هذا السبب، فمثلا: )أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ _ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ _ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ _ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ _ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ _رِزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ([سورة ق:6-11].

إنّ وصف القرآن الذي يتلألأ مثل النجوم في برج هذه السورة في سماء القرآن والذي هو مثل ثمار الجنة يذكر كثيرا من طبقات دلائل الحشر بانتظام البلاغة الكامن في هذه الأفعال، ثم يثبت الحشر الذي هو نتيجة تلك الدلائل بتعبير "كذلك الخروج"، فأين بحث الناس بفضول عن أفعالهم التي لا تتعلق بالحشر إلا قليلاً من إلزام منكري الحشر في بداية السورة؟

ألا يكون ذلك حتى كصور أزهار تقليدية بالنسبة للأزهار الأصلية الحقيقية ذات الحياة؟!

وإيضاح معاني هذه الآيات من "أفلم ينظروا" إلى "كذلك الخروج" إيضاحًا جميلا يكون طويلا علينا، إلا أننا نشير إشارة فحسب، وذلك كما يلي:

يبسط القرآن مقدمات في بداية السورة لإجبار الكفّار على قبول الحشر؛ إذ هم ينكرونه، ويقول: أفلم تنظروا إلى السماء التي هي فوقكم، بأية كيفية وبأي انتظام وبداعة

173. صفحة

وروعة بنيناها؟ ثم أفلا ترون كيف زيناها بالنجوم والشمس والقمر، ولم نترك أية فرجة ونقص؟ ثم أفلا ترون كيف بسطنا لكم الأرض، وبأية حكمة فرشناها، وكيف ثبَّتنا الجبال فيها فحافظنا على الأرض من استيلاء البحار عليها؟ ثم أفلا ترون كيف خلقنا على الأرض أزواجا جميلة من كل جنس ملون من النباتات والخضراوات، وجمَّلنا بتلك الأزواج الجميلة كل أطراف الأرض ؟ ثم أفلا ترون كيف أُنزِلُ ماءً مباركا من السماء، وأخلق من ذلك الماء الحدائق والبساتين والرياض والحبوب والأشجار الباسقة المثمرة كالنخيل فأنبت بواسطته الرزق وأوصله إلى عبادي؟

ثم أفلا ترون أنني أحيي بذلك الماء البلاد الميتة، وأُُوجِد آلافا من الحشر الدنيوي، وكيف أني أخرج هذه النباتات من هذه البلاد الميتة بقدرتي، فخروجكم أنتم أيضا في الحشر سيكون كذلك؛ إذ ستموت الأرض يوم القيامة وتخرجون أحياء.

إننا لم نستطع أن نشير إلا إلى واحد فقط من الألف مما تبديه وتظهره الآية من الجزالة البيانية في إثبات الحشر.

فأين من هذا ما يسرده الناس من كلمات في سبيل دعوى ما؟!

إننا منذ بداية هذه الرسالة حتى الآن قد انتهجنا منهجًا محايدًا وطريقة موضوعية في محاورتنا مع الخصم المعاند؛ لنجعله يقبل إعجاز القرآن؛ لذلك فإننا قد تركنا فيها حقوقا كثيرة مَخفية مستترة للقرآن، وكنا نضع ذلك الشمس مع الشموع على صعيد واحد ثم نوازن بينهما، والآن فقد أدى التحقيق وظيفته وأثبت إعجازه بصورة ساطعة باهرة. أما الآن فسنشير بكلمة أو ببضع كلمات إلى مقام القرآن الحقيقي الذي لا يمكن مقارنته بشيء آخر لا باسم التحقيق بل باسم الحقيقة.

أجل؛ إن مقارنة سائر الكلام بآيات القرآن كمقارنة عكس صور النجوم الصغيرة جدًّا على الزجاجات بالنجوم نفسها.

أجل؛ أين معاني البشر التي يصورونها بالكلمات على مرايا ضيقة لفكرهم ومشاعرهم من كلمات القرآن التي كل منها تصف حقيقة من الحقائق الثابتة وتدل عليها وتشير إليها. 


174. صفحة

أجل؛ أين كلمات البشر اللاذعة بنفثاتها السحّارة وبدقائقها المزيفة التي تساق من أجل إثارة أهوائهم من كلمات القرآن الحية كالملائكة، تلك الكلمات التي تُلهِم نور الهداية والتي هي كلام خالق الشمس والقمر ذي الجلال؟

أجل؛ إن المقارنة بين كلمات البشر وبين كلمات القرآن هي كالمقارنة بين الحشرات اللاسعة وبين الملائكة المباركين الأطهار والروحانيين النورانيين.

إن الكلمات الأربع والعشرين السابقة قد أثبتت مع "الكلمة الخامسة والعشرين" هذه الحقائق، وإن دعوانا هذه ليست مجرد ادعاء، وإنما نتيجة سبقت براهينها.

أجل؛ أين ألفاظ الإنسان المشبعة بالأهواء التافهة والمثيرة والمشجعة لها من الألفاظ القرآنية التي كل منها صدف لجواهر الهداية، ومنبع الحقائق الإيمانية، ومعدن الأساسات الإسلامية، والتي أتت من عرش الرحمن مباشرة، ونزلت من فوق الكون وخارجه ناظرة إلى الإنسان، والتي تتضمن العلم والقدرة والإرادة، والتي هي خطاب أزلي؟

أجل؛ أين كلام البشر المعروف لدينا من القرآن الذي صار كشجرة طوبى نشرت هذا العالَمَ الإسلامي بجميع معنوياته وشعائره وكمالاته ودساتيره وأحكامه كأوراق لها، وأظهرت الأصفياء والأولياء كأزهار نضرة ندية جميلة بفضل ماء الحياة لتلك الشجرة، وأثمرت جميع الكمالات والحقائق الكونية والإلهية، وغدا كثير من بذورها الكامنة في ثمارها دساتير وبرامج عملية، تُبرِز القرآن من جديد هي الأخرى حقائقَ متسلسلةً هي بمنزلة شجرة مثمرة؟ أين الثرى من الثريا؟

وعلى الرغم من أن القرآن كشف وعرض جميع حقائقه منذ ألف وثلاثمائة وخمسين سنة[1] في سوق العالم، وكل إنسان وكل قوم وكل بلد أخذ من جواهره وحقائقه وما زال يأخذ، فإن الألفة والمبذولية ومرور الزمان والتحولات العظيمة لم تُخِلّ بحقائقه القيمة الثمينة وبأساليبه الجميلة، ولم تشيِّبه ولم تجففه ولم تسقط قيمته ولم تطفئ أو تُخمِد حسنه، فإن هذه الحال وحدها إعجاز.


[1] في أثناء كتابة هذه الرسالة. 




175. صفحة

والآن إذا ظهر أحدهم ونظّم قسمًا من حقائق القرآن التي جاء بها برغبة طفولية صبيانية حسب هواه، ثم قارن بين ذلك وبين بعض آيات القرآن لمعارضتها، وقال إنني قلت قولا قريبا من القرآن، فهذا القول يكون من الحمق والسخافة بمكان بما يشبه هذا المثال:

إذا بنى بنّاء قصرًا فخمًا بديعًا رائعًا من جواهر مختلفة، وزيَّن كل حجر من أحجاره بنقوش موزونة تنظر إلى نقوش القصر السامية كلِّها، ودخل ذلك القصرَ رجل عادي قاصر عن فهم تلك النقوش السامية ولا حظّ له في فهم جواهر ذلك القصر وزيناته، وهو باني البيوت العادية، وغيَّر تلك النقوش السامية المنقوشة على تلك الأحجار الكريمة ونظّمها ومنحها صورة معينة حسب هواه الصبياني وكأنه ينظم بيتا عاديا، وعلق عليه خَرَزًا يعجب أنظار الأطفال، ثم قال: انظروا إن لي مهارة وثروة أكثر من مهارة وثروة باني ذلك القصر، ولي زينات قيمة ثمينة، ألا يكون وضعه بالنسبة إلى الرجل الأول كوضع دجّال يهذي هذيانات جنونية؟!


176. صفحة

الشعلة الثالثة

هذه الشعلة لها "ثلاثة أضواء"

الضياء الأول:

قد بُيِّن وجه إعجاز عظيم من وجوه إعجاز القرآن المعجز البيان في "الكلمة الثالثة عشرة"، ومع ذلك فقد أُدرِج في هذا المقام حتى يأخذ مكانه مع سائر إخوته من وجوه الإعجاز.

إذا أردت أن ترى وتتذوق كيف أن كل آية من آيات القرآن تبدد ظلمات الكفر والغفلة كالنجم الثاقب بنشرها نور الإعجاز والهداية، فافترض نفسَك في ذلك العصر الجاهلي وفي صحراء البداوة أي قبل نزول القرآن الكريم، فبينما كل شيء قد تلفع والتفّ بستار الطبيعة الجامدة تحت ظلمات الجهل والغفلة إذا بك تسمع من اللسان العلوي للقرآن آيات مثل)سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ([الحديد:1] و)يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ([الجمعة:1]، وترى كيف أن موجودات العالم الميتة أو النائمة تحيا وتستيقظ في أذهان السامعين بصدى )سَبَّحَ(، ) يُسَبِّحُ ( وتقوم وتذكر اللهَ، وكيف أن النجوم الجامدة التي كل منها كتلة نارية في السماء المظلمة، والمخلوقات المسكينة في الأرض تكشف عن وجهها في نظر السامع بصيحة )تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ (؛ إذ يصبح وجه السماء فَمًا، وكل نجم كلمة تتفجر بالحكم ويشع نور الحقيقة، والكرة الأرضية رأسا، وكل من البر والبحر لسانا، وكل حيوان ونبات كلمة تتفجر بالتسبيح.

وهكذا ترى أن كل المخلوقات تكشف عن وجهها على هذه الصورة أمام الأنظار إذا ما افترضت أنك في العصر الجاهلي، وإلا فلا تستطيع أن ترى دقائق الذوق المذكور بالنظر إلى ذلك الزمان البعيد من هذا الزمان الحاضر. 


177. صفحة

أجل؛ إنك إذا نظرت إلى القرآن بنظر أنه ينشر أنواره منذ ذلك الزمان وصار كعلوم متعارَفة بمرور الزمان ويشعّ مع سائر النيرات الإسلامية وبمنظار أوضاع وكأنها تلونت بلون النهار بفضل شمس القرآن أو إذا نظرت من خلال ستار ألفة سطحية وبسيطة فلن تستطيع أن ترى حقًّا رؤية أي نوع من الظلمات بدد كل آية من آيات القرآن في زمزمة إعجاز حلوة للغاية، ولا تستطيع أن تتذوق هذا النوع من الإعجاز بين أنواع إعجازه الكثيرة!

وإذا أردت أن تنظر إلى أعلى درجة لإعجاز القرآن المعجز البيان فانظر من خلال منظار هذا المثال كالآتي:

لنفترض شجرة ضخمة عجيبة وغريبة جدًّا انتشرت انتشارًا واسعًا بالعناية والرعاية وقد استترت تحت ستار الغيب الواسع تحت طبقة الخفاء، ومن المعلوم أنه يجب أن يكون هناك علاقة وتناسب وتوازن بين جميع أعضاء الشجرة من أغصان وثمار وأوراق وأزهار كما بين أعضاء الإنسان، فكل جزء من أجزائها يأخذ شكلا معينًا حسب ماهية تلك الشجرة أي يُعطَى لها صورة معينة، فإذا انبرى أحدهم لشأن هذه الشجرة وقام برسم صورة فوق الستار لكل عضو من أعضاء تلك الشجرة التي لم تُرَ قط وما زالت لا ترى، أو خطَّ حدودًا له، أو رسم صورة مراعية التناسب بين الأغصان والثمار وبين الثمار والأوراق، وملأ ما بين مبدئها ومنتهاها البعيدين بعدًا مطلقًا بعضهما عن بعض بصور مطابقة تبرز أشكال وصور أعضائها كاملة كما هي، فلا تبقى أية شبهة في أن هذا الرسام يرى تلك الشجرة الغيبية بنظره المطلع على الغيب ويحيط بها، ثم يصوّرها ويرسمها، فكما في هذا المثال فإن بيانات القرآن المعجز البيان فيما يتعلق بحقيقة الممكنات أي بحقيقة شجرة الخلقة الممتدة من بدء خلق العالم إلى نهاية الآخرة والمنتشرة بدءًا من العرش وانتهاء إلى الفرش ومن الذرة إلى الشمس قد حافظت على تناسبه، وأعطت لكل عضو ولكل ثمرة صورة تليق بهما إلى حد أن قال جميع المحققين بعد تحقيقاتهم أمام تصوير القرآن: "ما شاء الله، بارك الله، إن الذي يحل ويكشف طلسم الكون ومعمَّى الخلقة هو أنت وحدك أيها القرآن الكريم!".


178. صفحة

ولله المثل الأعلى -ولا مُشَاحَّة في التمثيل- فبتمثيل الأسماء والصفات الإلهية والشئون والأفعال الربانية كأنها شجرة طوبى نورانية، تمتد دائرة عظمة تلك الشجرة النورانية من الأزل إلى الأبد، وتمتد وتنتشر حدود كبريائها في الفضاء المطلق غير المتناهي وتحيط به، وتمتد حدود إجراءاتها من حدود )يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ( [الأنفال:24] و)فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى([الأنعام: 95] إلى حدود )خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ([الحديد:4] و    ) وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ([الزمر:67]، ويبين القرآن تلك الحقيقة النورانية بكل أغصانها وفروعها وغاياتها وثمراتها بيانًا بمنتهى التناسب والانسجام والتلاؤم بشكل لا يجرح بعضها بعضًا ولا يفسد حكمُ بعضها حكمَ الآخر ولا يستوحش بعضها من بعض، أي يبين حقائق تلك الأسماء والصفات والشئون والأفعال بشكل يجعل جميع أهل الكشف والحقيقة، وجميع أصحاب العرفان والحكمة الذين يتجولون في دائرة الملكوت يصدقونه قائلين أمام تلك البيانات القرآنية: "سبحان الله ما أصدقه وما أجمله وما أليقه وما أكثره تطابقًا وانسجامًا بعضه مع بعض"!

مثلا: يصور القرآن الكريم أركان الإيمان الستة التي تتوجه إلى دائرة الإمكان والوجوب برمتها والتي هي بمنزلة الغصن الوحيد لتلكما الشجرتين العظيمتين، مراعيًا الانسجام والتناسب العجيب بين الثمرات والأزهار الدقيقة لأغصان تلك الأركان وفروعها، ويعرِّفها تعريفًا في منتهى التوازن، ويظهره إظهارًا في أعلى مراتب التناسب، بحيث إن عقل البشر يعجز عن إدراكه ويبقى مشدوهًا ومعجبًا أمام حسنه. والدليل على أن القرآن حافظ على حسن التناسب وكمال المناسبة والموازنة التامة بين أركان الإسلام الذي هو فرع من غصن الإيمان، وحافظ على ذلك التناسب وتلك المناسبة والموازنة بين أركانه حتى بين أدق تفاصيلها وأصغر آدابها وأبعد غاياتها ومقاصدها وأعمق حِكَمها وأصغر ثمراتها، نعم الدليل على ذلك هو كمال انتظام الشريعة الإسلامية الكبرى التي نبعت من نصوص القرآن الجامع ووجوهه وإشاراته ورموزه، وكمال توازنها وحسن تناسبها ورصانتها، كل ذلك شاهد عدل لا يُجرَح وبرهان قاطع لا يقبل شبهة. بمعنى أن البيانات القرآنية لا يمكنها أن تستند إلى علم البشر الجزئي وبخاصة علم أمي، بل تستند إلى علم

179. صفحة

محيط، وهو كلام من يرى جميع الأشياء معًا ويشاهد جميع الحقائق معًا في آن واحد بين الأزل والأبد، آمَنَّا.

الضياء الثاني

إن فلسفة البشر التي انْبَرَتْ لمعارضة حكمة القرآن سقطت وهبطت أمام حكمة القرآن، ولأننا أوضحنا وبينا مدى ذلك السقوط في "الكلمة الثانية عشرة" وصوّرناه ووصفناه فيها بتمثيل وأثبتناه في سائر الكلمات نحيل إليه ونعقد مقارنة هنا من ناحية أخرى كما يلي:

إن فلسفة الإنسان وحكمته تنظر إلى الدنيا على أنها ثابتة، وتبحث في ماهياتِ الموجودات وخاصياتها بحثًا مفصلاً، وحتى لو بحثت في وظائفها تجاه صانعها فإنها تبحث فيها بحثًا مجملاً، وكأنها تبحث في نقش كتاب الكون وحروفه فحسب، ولا تهتم بمعانيه.

أما القرآن فينظر إلى الدنيا على أنها مؤقتة عابرة سيالة خادعة كاذبة ماكرة سيارة ومتقلبة لا قرار لها، ويبحث في ماهيات الموجودات وخاصياتها الصورية المادية بحثًا مجملاً، ولكنه يذكر وظائفها التي تؤديها في عبودية والتي وُظِّفوا فيها من قبل صانعها، وكيف وبأي وجه وناحية هي تدل على أسماء صانعها، وانقيادها لتلك الأوامر التكوينية ذكرًا مفصلاً.

سننظر الآن إلى الفرق بين حكمة القرآن وفلسفة البشر من حيث الإجمال والتفصيل في بحثهما في الموجودات، وسنرى أيهما الحق المحض وعين الحقيقة؛

فكما أن الساعة التي في أيدينا تبدو ثابتة غير متحركة صورةً، إلا أن فيها زلازل دائمة بحركات التروس التي فيها، واضطرابات آلاتها وتروسها؛ كذلك فإن هذه الدنيا التي هي ساعة كبرى للقدرة الإلهية مع أنها تبدو ثابتة في الظاهر فإنها تتقلب في زلزال وتغير دائمين وفناء وزوال مستمرين.

أجل؛ إن الليل والنهار -بسبب دخول الزمان في الدنيا- أصبحا بمنزلة عقرب ذي

180. صفحة

رأسين يعد ثواني تلك الساعة الكبرى، والسنة هي بمنزلة إبرة تعد دقائق تلك الساعة، والقرن هو إبرة تعد ساعات تلك الساعة.

وهكذا يُلقي الزمانُ الدنيا على أمواج الزوال، ويسلم الماضي والمستقبل للعدم، ويُبقي الزمان الحاضر وحده للوجود، والدنيا -مع هذه الصورة التي يضفيها الزمان عليها- هي من حيث المكان كساعة ذات زلازل وغير ثابتة؛ لأن مكان الهواء يتغير بسرعة كتغير العقرب الذي يعد الثواني وينتقل من حالة إلى حالة بسرعة ويمتلئ بالغيوم بضع مرات في اليوم الواحد ويخلو منها، وموضع الأرض التي هي أساس وقاعدة دار الدنيا، يتغير وجهها سريعًا جدًّا من حيث الموت والحياة والنبات والحيوان؛ لذا فهذه الجهة للدنيا -كإبرة تعد الدقائق- تبين أن الدنيا عابرة مؤقتة، فكما أن الأرض هكذا من حيث وجهها فإن ما في بطنها من انقلابات وزلازل، وما يَنتُج عنها من بروز الجبال ووقوع الخسف تبين -كالإبرة التي تعد الساعات- أن وجه الدنيا هذا يمضي ببطء، أما مكان السماء التي هي سقف دار الدنيا فإن التغيرات التي تحدث فيها مثل حركات الأجرام السماوية وظهور المذنَّبات وحدوث الكسوف والخسوف وسقوط النجوم تبين أن السماء أيضًا ليست ثابتة، بل تمضي إلى الشيخوخة والخراب والدمار، وتغيراتها تحدث في الحقيقة بطيئة ومتأخرة مثل العقرب الذي يعد الأيام في الساعة الأسبوعية، ولكنها تبين أنها عابرة مؤقتة وتمضي في كل الأحوال نحو الزوال والخراب.

فالدنيا من حيث إنها دنيا بُنِيَت على هذه الأركان السبعة، وهذه الأركان تهزها دائما، ولكن هذه الدنيا المهتزة المتحركة إذا ما نظرَت إلى صانعها فإن تلك الحركات والتغيرات هي حركات واهتزازات قلم القدرة؛ كي يكتب ذلك القلم تلك المكتوبات الصمدانية. أما تبدلات الأحوال تلك فإنها مرايا متجددة تعكس وتُظهر تجلي شئون الأسماء الإلهية بأوصاف مختلفة، فالدنيا من حيث إنها دنيا تمضي إلى الفناء، وتجري نحو الموت، وهي في تزلزل، فمع أنها في الحقيقة تسير وترحل كالنهر الجاري فإنها تجمدت صورةً بسبب الغفلة، واكتسبت كثافة وكدرًا بفكر الطبيعة فأصبحت ستارًا يحجب الآخرة.


181. صفحة

أجل؛ إن الفلسفة السقيمة بتدقيقاتها الفلسفية وبالحكمة الطبيعية وبلهوياتها المغرية للمدنية السفيهة وبشهواتها المسكرة زادت الدنيا جمودًا، وزادت من غلظة وكثافة الغفلة، وضاعفت من تكدرها وتعكرها، فأنست الصانع والآخرة.

أما القرآن الكريم فإنه ينفش الدنيا - التي بهذا المعنى - كالقطن ويهزها وينفضها من حيث إنها دنيا بآياته )القَارِعَةُ _ مَا القَارِعَةُ(و)إِذَا وَقَعَتِ الوَاقِعَةُ (و)وَالطُّورِ _ وَكِتَابٍ مسْطُورٍ( ويضفي على الدنيا شفافية ويزيل تعكرها بمثل بياناته هذه )أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ([الأعراف:185] و) أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا( سورة ق:6] و )أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً( [الأنبياء:30]، ويذيب الدنيا الجامدة بآياته النيرة المتفجرة بالنور بمثل )اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ( [النور:35] و)وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ([الأنعام:32]، وبعباراته التي تفوح بالموت يمزق ويحطم الأبدية الموهومة للدنيا:) إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ( و)إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ( و)إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ( و)وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ( [الزمر:68]، ويبدد الغفلة التي تولّد فكر الطبيعة بصيحاته المدوية كالرعد: )يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ([الحديد:4] و)وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ([النمل:93].

فإن آيات القرآن المتوجهة إلى الكون من أقصاه إلى أقصاه تمضي وفق هذا الأساس، فتكشف حقيقة الدنيا وتريها كما هي، وبإظهارها مدى قبح الدنيا القبيحة تصرف وجه البشر عنها، وبكشفها الوجهَ الجميل للدنيا الجميلة المتوجه إلى الصانع توجِّه أنظار البشر إليه، وتلقِّن الحكمة الحقيقية، وتعلّم وتدرّس معاني كتاب الكون، ولا تنظر إلى حروفه ونقوشه إلا قليلا، ولا تعشق الدميم القبيح مثل الفلسفة السكرة الثملة، ولا تُنسي المعنى، ولا تشغل الإنسان بنقوش الحروف ولا تسوقه إلى صرف وقته فيما لا يعنيه، وما لا يعود عليه بنفع مثل الفلسفة. 


182. صفحة

الضوء الثالث:

لقد أشرنا في "الضوء الثاني" إلى سقوط حكمة البشر أمام حكمة القرآن، وإلى إعجاز الحكمة القرآنية، أما في هذا "الضوء" فسنبين درجة حكمة الأصفياء والأولياء -الذين هم تلاميذ القرآن- ودرجة حكمة الحكماء الإشراقيين -الذين هم القسم المنور من الحكماء- أمام حكمة القرآن، وسنشير إلى إعجاز القرآن من هذه الناحية إشارة مختصرة.

إن أصدق دليل على علو القرآن الحكيم، وأظهر برهان على حقانيته، وأقوى علامة على إعجازه هو: أن القرآن قد بين جميع مراتب جميع أقسام التوحيد محافظًا عليها بجميع لوازمها، ولم يُخِلَّ بتوازنها بل حافظ عليها، وحافظ أيضًا على توازن جميع الحقائق الإلهية العالية، وجمع الأحكام التي تقتضيها جميع الأسماء الحسنى، وحافظ على تناسب وانسجام تلك الأحكام، وجمع شئونَ الربوبية والألوهية بكمال التوازن، فهذا الحفاظ والتوازن والجمع خاصية وميزة لا توجد في أي أثر من آثار البشر أبدًا وقطعًا، ولا توجد في نتاج أفكار عظماء البشر، ولا توجد أبدًا لا في آثار الأولياء الذين نفذوا إلى عالم الملكوت، ولا في كتب الإشراقيين الذين نفذوا إلى بواطن الأمور، ولا حتى في معارف الروحانيين الذين نفذوا إلى عالم الغيب، وكأن كل قسم منهم يتشبث بغصن أو غصنين من الشجرة العظمى للحقيقة مما يشبه تقسيم الأعمال، ولا ينشغل إلا بثماره وأوراقه، وليس له علم واطلاع بالآخَر أو لا ينظر إليه أصلاً.

أجل؛ إن الحقيقة المطلقة لا يمكن الإحاطة بها بالأنظار المقيدة، فيجب وجود نظر كلي مثل القرآن حتى يحيط بها.

إن كل قسم من هؤلاء في الحقيقة يتلقى الدرس من القرآن أيضا إلا أنه لا يستطيع أن يرى بذهنه الجزئي إلا طرفًا أو طرفين من الحقيقة الكلية رؤية كاملة، فيشتغل به، ويحبس نفسه فيه، فيُخِلُّ بتوازن الحقائق ويزيل تناسبها بالإفراط أو التفريط، وقد وُضِّحت هذه الحقيقة بمثال عجيب في الغصن الثاني من "الكلمة الرابعة والعشرين"، أما هنا فنشير إلى

183. صفحة

هذه المسألة بمثال آخر؛ نفترض -مثلا- وجود كنز مليء بما لا حد له من أقسام الجواهر في بحر من البحار، فيغوص الغواصون في هذا البحر للبحث عن جواهر ذلك الكنز، ولا يعرفونها إلا بلمس اليد؛ لأن عيونهم مغلقة، ويجد بعضهم ألماسًا طويلا، فيقضي ذلك الغواص بأن الكنز عبارة عن ألماس شبيه بعمود طويل، فعندما يسمع من أصدقائه عن وجود جواهر أخرى يتخيل أنها توابع للجواهر التي وجدها، وأنها فصوصها ونقوشها، وبعضهم يجد ياقوتا كرويًّا وآخر يجد كهربًا[1] مربعًا، وهكذا فكل واحد يعتقد أن الجوهر الذي وجده بيده هو أصل الكنز ومعظمه، ويظن أن الذي يسمعه إنما هو زوائد ذلك الكنز وفروعه، وعندها يختل توازن الحقيقة ويزول التناسب والانسجام، ويتغير لون كثير من الحقائق، فيضطر إلى التأويلات والتكلفات كي يرى اللون الحقيقي للحقيقة، بل قد يصل بهم الأمر أحيانًا إلى الإنكار والتعطيل، فمن يتأمل في كتب حكماء الإشراقيين، وكتب المتصوفة الذين يعتمدون على كشفياتهم ومشهوداتهم دون أن يزنوها بموازين السنة السَّنِيَّة يُصدِّق حكمَنا هذا بلا شبهة. إذن إنها تكون ناقصة لأنها ليست قرآنا مع أنهم اقتبسوا من جنس الحقائق القرآنية ومن دروس القرآن. إن آيات القرآن الذي هو بحر الحقائق هي كذلك غواصة تكشف الكنز الذي في ذلك البحر، ولكن عيون الآيات مفتوحة تحيط بالكنز، وترى كل شيء وكل صغير وكبير فيه، وتصف وتبين ذلك الكنز وصفًا وبيانًا متناسبًا ومنتظمًا ومنسجمًا؛ وتظهر الحسن والجمال الحقيقيين.

فمثلا: كما تري الآية )وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ([الزمر:67] و)يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ([الأنبياء:104] عظمة الربوبية التي تفيدها وتعبر عنها، ترى وتُري كذلك شمول الرحمة التي تفيدها الآية )إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء _ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ([آل عمران:5-6] و)مَا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا([هود:56] و)وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ([العنكبوت:60]، وكما أنها ترى وتُرِي

[1] الكهرب: مادة راتينجية صفراء اللون شبه شفافة قوية العزل للكهربائية وهي أولى المواد التي عرف تكهربها بالدلك ومنها اشتقت كلمة الكهربائية.




184. صفحة

سعة الخلاّقية التي تعبر عنها الآية )خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ([الأنعام:1]، ترى وتري كذلك شمول التصرف وإحاطة الربوبية التي تفيدها الآية)خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ([الصافات:96]، وترى وتري أيضًا الحقيقة العظيمة التي تفيدها الآية)يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا([الروم19]، والحقيقة الكريمة التي تفيدها الآية)وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ([النحل:68]، والحقيقة العظيمة الحاكمة الآمرة التي تفيدها الآية) وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ([الأعراف:54]، وترى وتري حقيقة الرحمة والتدبير التي تفيدها الآية )أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ([الملك:19]، والحقيقة العظيمة التي تفيدها الآية )وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا([البقرة:255]، وحقيقة الرقابة التي تفيدها الآية )وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ([الحديد:4]، وكما ترى وتري الحقيقة المحيطة التي تفيدها الآية )هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ([الحديد:3] ترى وتري كذلك الأقربية التي تفيدها الآية )وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيد([سورة ق:16]، والحقيقة العلوية التي تشير إليها الآية )تَعْرُجُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ([المعارج:4]، ومثلما ترى وتري الحقيقة الجامعة التي تفيدها الآية )إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاء وَالمُنكَرِ وَالبَغْيِ([النحل:90] ترى وتري كذلك كل ركن من أركان الإيمان الستة الدنيوية والعلمية والعملية بتفصيل، وكل ركن من أركان الإسلام الخمسة قصدًا وجدًّا، وجميع الدساتير التي تحقِّق سعادة الدارين، وتحافظ -الآيات- على توازنها وتديم تناسبها، فينشأ إعجاز معنوي للقرآن عن منبع الحسن والجمال الحاصلين من تناسب وانسجام مجموع تلك الحقائق.

ومن هذا السرّ فإن علماء علم الكلام على الرغم من أنهم تلاميذ للقرآن وعلى الرغم من أنهم ألّفوا آلاف الكتب حول الأركان الإيمانية حتى إن بعضها يصل إلى عشرات المجلدات، بسبب ترجيحهم العقل على النقل مثل المعتزلة فإنهم لم يستطيعوا أن يبينوا الحقائق الإيمانية بوضوح ويثبتوها إثباتًا قاطعًا ويقنعوا بها إقناعًا كاملاً مثلما تفعله عشر آيات من القرآن الحكيم، فكأنهم يفتحون مجرى للمياه أسفل الجبال البعيدة ثم يذهبون

185. صفحة

إلى نهاية العالم بالأنابيب وبسلسلة الأسباب ويقطعون السلسلة هناك، ثم يثبتون وجود واجب الوجود والمعرفة الإلهية التي هي كالماء الباعث على الحياة. أما الآيات الكريمة فإن كل واحدة منها تستطيع أن تستخرج الماء من كل مكان مثل عصا موسىu، وتفتح نافذة مطلة من كل شيء إلى وجود واجب الوجود، وتعرِّف الصانع ذا الجلال. وقد أُثبِتت هذه الحقيقة وبيناها نحن في رسالة "قطرة" العربية التي ترشحت من بحر القرآن الكريم، وفي سائر "الكلمات" إثباتًا قاطعًا بالفعل.

ومن هذا السر أيضًا فإن جميع أئمة الفرق الضالة الذين توغلوا في بواطن الأمور، واعتمدوا على مشهوداتهم ولم يتبعوا السُّنة السَّنِيَّة، ورجعوا من منتصف الطريق، وترأسوا جماعة وأسسوا فرقة، ولأنهم لم يستطيعوا أن يحافظوا على تناسب الحقائق وتوازنها، وقعوا في البدع والضلالة هكذا، وساقوا جماعة من البشر إلى طريق الضلال، فعجْزُ هؤلاء جميعًا يدل على إعجاز الآيات القرآنية.

الخاتمة

لقد ذُكِرَت لمعتان إعجازيتان من لمعات إعجاز القرآن في "الرشحة الرابعة عشرة" من "الكلمة التاسعة عشرة"، وهما تكرارات القرآن وإجماله في العلوم الكونية اللذان يُظَنّ أنهما سبب للقصور والنقص، ولكن في الحقيقة كل واحد منهما منبع للمعة إعجاز. ثم إن لمعة من لمعات إعجاز القرآن التي تلمع على وجه معجزات الأنبياء عليهم السلام في القرآن قد بُيِّنت في "المقام الثاني" من "الكلمة العشرين" بيانًا واضحًا، وذكرت كذلك في سائر "الكلمات" وفي رسائل عربية لي كثير من لمعات الإعجاز، نكتفي هنا بذكرها، إلا أننا نقول:

إن معجزة أخرى للقرآن هي: كما أن جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام بينت وأظهرت نقشًا من نقوش إعجاز القرآن، فإن القرآن بجميع معجزاته معجزة من المعجزات الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، وجميع المعجزات الأحمدية على صاحبها الصلاة

186. صفحة

والسلام كذلك معجزة من معجزات القرآن؛ إذ تبين نسبة القرآن إلى الله تعالى، فبظهور تلك النسبة تصبح كل كلمة من كلماته معجزة؛ لأن الكلمة الواحدة عندئذ يمكن أن تتضمن شجرة للحقائق معنىً كما تتضمن النواة الشجرة، ويمكنها أن تكون ذات علاقة مع جميع أعضاء الحقيقة العظمى مثل مركز القلب، ثم إنها تستطيع أن تنظر إلى جميع الأشياء بجميع حروفها وهيئاتها وأوضاعها وموضعها؛ لأنها تستند إلى علم محيط وإرادة لا نهاية لها، فمن هذا السرّ يدعي علماء علم الحروف أنهم وجدوا في حرف واحد للقرآن أسرارًا بمقدار صفحة كاملة، ويثبتون دعواهم لأهل هذا العلم.

فاجمع أيها القارئ من بداية هذه الرسالة إلى هنا جميع الشُّعَل والشعاعات واللمعات والأنوار والأضواء أمام نظرك، وانظر إلى جميعها معًا، فسترى أنها تقرأ الآن بصدى عال وتعلن الدعوى المذكورة في أول الرسالة أي) قُل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلَى أَن

يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً( هي نتيجة حتمية ثابتة.


سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ

رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا

رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي

 

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ أَفْضَلَ وَأَجْمَلَ وَأَنْبَلَ وَأَظْهَرَ وَأَطْهَرَ وَأَحْسَنَ وَأَبَرَّ وَأَكْرَمَ وَأَعَزَّ وَأَعْظَمَ وَأَشْرَفَ وَأَعْلَى وَأَزْكَى وَأَبْرَكَ وَأَلْطَفَ صَلاَتِكَ، وَأَوْفَى وَأَكْثَرَ وَأَزْيَدَ وَأَرْقَى وَأَرْفَعَ وَأَدْوَمَ سَلاَمِكَ، صَلاَةً وسَلاَمًا وَرَحْمَةً وَرِضْوَانًا وَغُفْرَانًا تَمْتَدُّ وَتَزِيدُ بِوَابِلِ سَحَائِبِ مَوَاهِبِ جُودِكَ وَكَرَمِكَ وَتَنْمُو وَتَزْكُو بِنَفَائِسِ شَرَائِفِ لَطَائِفِ جُودِكَ وَمِنَنِكَ، أَزَلِيَّةً بِأَزَلِيَّتِكَ لاَ تَزُولُ، أَبَدِيَّةً بِأَبَدِيَّتِكَ لاَ تَحُولُ، عَلَى عَبْدِكَ وَحَبِيبِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ خَيْرِ خَلْقِكَ، وَإِمَامِ حَضْرَتِكَ، وَلِسَانِ حُجَّتِكَ، النُّورِ البَاهِرِ اللاَّمِعِ، وَالبُرْهَانِ الظَّاهِرِ القَاطِعِ، وَالبَحْرِ الزَّاخِرِ، وَالنُّورِ

187. صفحة

الغَامِرِ، وَالجَمَالِ الزَّاهِرِ، وَالجَلاَلِ القَاهِرِ، وَالكَمَالِ الفَاخِرِ صَلاَتَكَ الَّتِي صَلَّيْتَ بِعَظَمَةِ ذَاتِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ كَذلِكَ صَلاَةً تَغْفِرُ بِهَا ذُنُوبَنَا وَذُنَوبَ كَاتِبِهِ وَرُفَقَائِهِ، وَتَشْرَحُ بِهَا صُدُورَنَا وَصَدْرَهُ، وَتُطَهِّرُ بِهَا قُلُوبَنَا وَقَلْبِهِ، وَتُنَزِّهُ بِهَا خَوَاطِرَنَا وَأَفْكَارَنَا، وَتُصَفِّي بِهَا كُدُورَاتِ مَا فِي أَسْرَارِنَا، وَتَشْفِي بِهَا أَمْرَاضَنَا، وَتَفْتَحُ بِهَا أَقْفَالَ قُلُوبِنَا وَقَلْبِهِ بِنُورِ الفَتْحِ المُبِينِ، يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

 

رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ

وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ آمين

سعيد النورسي


188. صفحة

الذيل الأول

إنه ذيل من ذيول التي أدرجت بمناسبة المقام في "الكلمة الخامسة والعشرين"، وهو أصلاً "المرتبة السابعة عشرة" من "المقام الأول" من "الشعاع السابع".

ثم إن هذا الضيف الذي لا يتعب ولا يشبع، والذي علم أن غاية الحياة وحياة الحياة في هذه الدنيا هو الإيمان، خاطب قلبه قائلا: "لنرجع إلى الكتاب الموسوم بالقرآن المعجز البيان الذي هو كلام وقول من نبحث عنه، وهو أشهر كتاب وأنوره وأحكمه في هذه الدنيا، والذي يتحدى كل من لا يستسلم له في كل عصر، لنراجع هذا الكتاب ولنعلم ماذا يقول، ولكن يجب أولا أن نثبت أن هذا الكتاب هو كلام خالقنا"، فبدأ التحري.

وهذا السّائح ولأنه يعيش في هذا الزمان نظر أولاً إلى رسائل النور التي هي لمعات الإعجاز المعنوي للقرآن، ورأى أن رسائل النور -وهي مائة وثلاثون رسالة- نكاتٌ للآيات الفرقانية، وأضواء وتفاسير قوية متينة لها وأنه لم يستطع أن يعارضها أحد مع أنها نشرت الحقائق القرآنية في كل مكان بروح الجهاد والفروسية في هذا العصر العنيد الملحد إلى هذا الحد، وهذا يثبت أن القرآن الذي هو أستاذها ومنبعها ومرجعها وشمسها سماوي وليس كلام بشر، حتى إن "الكلمة الخامسة والعشرين" وختام "المكتوب التاسع عشر" -اللذين هما حجة قرآنية واحدة من بين مئات حجج رسائل النور- قد أثبتا أن القرآن معجز بأربعين وجهًا، بحيث إن كل من رآها لم يستطيع أن ينتقدها، ولا أن يعارضها، بل انبهر بإثباتاتها فاستحسنها، وأثنى عليها ثناء جميلاً.

وقد أحال السائح إثبات وجه إعجاز القرآن، وأنه كلام الله حقًّا إلى رسائل النور، ولكنه أنعم النظر في "بضع نقاط" تدل على عظمته بإشارة قصيرة فحسب.

النقطة الأولى: فكما أن القرآن بجميع معجزاته وبكل حقائقه الدالة على أنه حقٌّ

189. صفحة

معجزة لمحمد r؛ كذلك فإن محمدًا r بجميع معجزاته ودلائل نبوته وكمالاته العلمية معجزة للقرآن، وحجة قاطعة على أنه كلام الله.

النقطة الثانية: إن القرآن قد أحدث انقلابا في هذه الدنيا في نفوس الناس وقلوبهم وأرواحهم وعقولهم، وفي حياتهم الشخصية، وفي حياتهم الاجتماعية، وفي حياتهم السياسية، وأدامه وأداره مع تبديله الحياة الاجتماعية تبديلا نورانيا حقيقيا ملؤه السعادة؛ حيث تُتلى آياته البالغة ستة آلاف وستمائة وستًّا وستين آية في كل دقيقة منذ أربعة عشر قرنًا بكمال الاحترام بألسنة أكثر من مائة مليون شخص على الأقل، ويربي الناس ويزكي نفوسهم ويصفّي قلوبهم، ويمنح الأرواحَ انكشافا وترقيا، والعقولَ استقامة ونورا، والحياةَ حياة وسعادة.

فلا شك أن كتابا كهذا ليس له مثيل، فهو خارق، ومعجزة، ولا نظير له.

 النقطة الثالثة: إن القرآن قد أظهر بلاغةً منذ ذلك العصر إلى يومنا هذا، حتى إنه حطّ من قيمة القصائد الشهيرة المسماة بـ"المعلقات السبع" للأدباء المشهورين المكتوبة بالذهب والمعلقة على جدار الكعبة، حتى إن ابنة لبيد قالت حينما كانت تُنزِل قصيدة أبيها عن جدار الكعبة: "أما وقد جاءت الآيات فليس لمثلك هنا مقام".

ثم إن أديبا بدويًّا وأعرابيًا لما سمع الآية ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ [الحجر: 94] تُتلى؛ خرّ ساجدًا، فقالوا له: "أأسلمت؟"، قال: "لا، بل سجدت لبلاغة هذه الآية".

ثم إن آلافًا من الأئمة العباقرة، والأدباء المتفنِّنين كعبد القاهر الجرجاني والسكاكي والزمخشري من دهاة علم البلاغة، قد قرروا بالإجماع والاتفاق أن بلاغة القرآن فوق طاقة البشر، ولا يمكن أن تُدرك.

ثم إنه منذ ذلك الوقت يتحدَّى دائمًا وباستمرار، ويضرب على الوتر الحساس للأدباء والبلغاء المغرورين الأنانيين، ويكسّر غرورهم، ويدعوهم إلى المعارضة قائلا لهم: فلتأتوا بسورة من مثله أو ارضوا بالهلاك والذل في الدنيا والآخرة. 


190. صفحة

إن اختيار البلغاء المعاندين في ذلك العصر طريقَ المحاربة الطويل الذي يعرِّض أموالهم وأرواحهم للخطر بعدم إتيانهم بسورة واحدة من مثله، وبتركهم المعارضة[1] التي هي طريق قصير، على الرغم من إعلان القرآن ذلك التحدي؛ ليُثبت أن السير في ذلك الطريق القصير غير ممكن.

ثم إن هناك ملايين من الكتب العربية في متناول الأيدي والتي كُتبت منذ ذلك الوقت -وما زالت تكتب- بشوق من أحباء القرآن للتشبه به والتقليد له، وبسوق من أعدائه للرد عليه ولنقده، والتي تتطور بتلاحق الأفكار وهي في متناول الأيدي، لا يستطيع أن يبلغ واحد منها القرآن أبدا.

وحتى لو استمع إليه رجل عادي لأقصى درجة لقال بلا شك: " إن هذا القرآن لا يشبه أيًّا من تلك الكتب، وليس في مرتبتها"، إذن فهو إما تحت الكل وإما فوق الكل، ولا يستطيع أن يقول أحد في الدنيا ولا أي كافر ولا حتى أي شخص أحمق إن القرآن تحت الجميع، إذن إن مرتبته البلاغية فوق الجميع، وحتى قد تلا رجل الآيةَ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد: 1] فقال: "إني لا أستطيع أن أرى بلاغة هذه الآية التي يزعم أنها خارقة للعادة"، فقيل له: "ارجع إلى ذلك العصر كهذا السائح واستمع إليها هناك"، فتخيل نفسه هناك قبل نزول القرآن، فرأى أن موجودات العالم في حالة تعسة مظلمة جامدة بلا شعور ولا وظيفة، في فضاء خال لا حدَّ ولا حدود له، وفي دنيا فانية لا قرار لها، وحينما كان يستمع إلى هذه الآية من لسان القرآن؛ رأى فجأة أن هذه الآية الكريمة أزاحت الستار عن الكون، وعن وجه الدنيا وأنارتها، حيث شاهد أن هذا النطق الأزلي وذاك الفرمان السرمدي يُلقي درسًا على ذوي الشعور المصطفّين في صفوف العصور، ويبيِّن أن هذا الكون مثل جامع كبير يحتوي على جميع المخلوقات -وفي مقدمتهم السماوات والأرض- في ذكر وتسبيح وعمل حيوي بشوق وهمة ونشاط سعيدةً راضيةً. وتذوّق درجة بلاغة هذه الآية، وقاس سائر الآيات على هذا، وفهم حكمةً من بين آلاف الحِكم لإدامة زمزمة بلاغة القرآن عظمةَ سلطنتها بكمال الاحترام أربعة عشرة قرنًا -بلا فاصلة- مهيمنةً على نصف الكرة الأرضية وخمس البشرية.


[1] أي التقليد.



191. صفحة

النقطة الرابعة: إن القرآن أظهر حلاوةً ذات حقيقة؛ إذ إن التكرار الكثير الذي يورث الملل حتى من أحلى شيء، لا يورث الملل لتالي القرآن، بل يزيد تكرارُ تلاوته من حلاوته عند من لم يتفسَّخْ[1] قلبُه ومن لم يفسد ذوقُه، وهذا أمر مسلّم به عند الجميع منذ القديم، حتى أصبح في حكم المثل المضروب.

وكذلك أظهر القرآن الكريم طراوة وفتوة وشبابًا وغرابة حيث إنه يحافظ على طراوته وكأنه ينزل الآن، على الرغم من أنه عاش أربعة عشر قرنًا، ويدخل في متناول الجميع بسهولة، ويراه كلُ عصر في شباب وكأنه يخاطبه بالذات، وعلى الرغم من أن كل طائفة من الطوائف العلمية حملت معها منه بكثرة ومبذولية للاستفادة منه كل حين، واتبعت واقتدت بأسلوب بيانه؛ فهو يحافظ على الغرابة بعينها في أسلوبه وطرز بيانه.

النقطة الخامسة: كما أن أحد جناحي القرآن في الماضي والآخر في المستقبل، وكما أن جذره وأحد جناحيه هما الحقائق المتفق عليها الأنبياء السابقون، وكما أن هذا يصدّقهم ويؤيدهم، وهم أيضا يصدّقون به بلسان حال التوافق؛ فكذلك تشهد جميع الطرق الصوفية الحقة للولاية التي تَربَّت وعاشت تحت حماية الجناح الثاني للقرآن الذي يدل على أن شجرته المباركة منعشة وفياضة ومدار للحقيقة بالثمار التي تستمد حياتها منه كالأولياء والأصفياء وبتكمّلهم المنعش، وجميع العلوم الحقيقية للإسلام؛ أن القرآن عين الحق، ومجمع الحقائق، وأنه فذٌّ لا مثيل له في جامعيته. 

النقطة السادسة: إن الجهات الست للقرآن نورانية تدل على صدقه وحقانيته.     

أجل؛ وكما أن أعمدة الحجج والبراهين التي تحته، ولمعات ختم الإعجاز التي فوقه، وهدايا سعادة الدارين في هدفه التي أمامه، وحقائقُ الوحي السماوي التي هي نقطةُ استناده والتي هي وراءه، وتصديقاتُ العقول المستقيمة غير المحدودة بدلائلها التي في يمينه، والاطمئنان الجاد للقلوب السليمة والضمائر النظيفة وانجذابها الخالص واستسلامها

[1] يتفسخ : يفسد



192. صفحة

التي في شماله، تثبت كلها أن القرآن حصن سماوي حصين في الأرض وخارق للعادة ولا يمكن المساس به؛ فكذلك هناك ستة مقامات تُوقّع على[1] أن القرآن عين الحق، وأنه صادق وليس بكلام البشر، وأنه ليس فيه خطأ، وذلك أن مصرف هذا الكون -أولا- الذي اتخذ إظهار الحسن والجمال دائمًا في هذا الكون، وحماية الصلاح والصدق، ومَحْق وإزالة الخادعين والمفترين سُنَّةً من سننه، ودستورًا للنشاط؛ يوقّع عليه ويصدق به بمنحه لهذا القرآن في العالم أرجى وأعلى مقام احترام ومرتبة توفيق.

وكذلك اعتقاد الرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- الذي هو منبع الإسلام وترجمان القرآن واحترامه له أكثر من أي شخص آخر، ودخوله في حالة شبيهة بالنوم حين نزوله، وعدم بلوغ سائر كلامه شأوه، وعدم مشابهته إياه إلى حد ما، وبيانه بالغيب -على الرغم من أميته- الحادثات الكونية الحقيقية الماضية والمستقبلية بالقرآن بلا تردد وباطمئنان، وإيمان وتصديق هذا الترجمان -الذي لم يظهر منه أي خداع وأية حالة خطأ تحت مراقبة عيون حادة جدًا- بكل حكم من أحكام القرآن بكل قوته، وعدم زعزعة أي شيء له، كل هذا يوقّع على أن القرآن سماوي وحقٌ وكلام مبارك لخالقه الرحيم.    

وكذلك إن ارتباط خمس النوع البشري، بل القسم الأعظم منهم بهذا القرآن الماثل أمامهم منجذبين ومتدينين، وإنصاتهم إليه متبعين ومحبين حقائقه ومشتاقين إليه، واجتماع واحتشاد الجن والملائكة والروحانيين حوله عند تلاوته كالفراشة ناشدين الحقيقة بشهادة الأمارات الكثيرة والوقائع والكشفيات؛ لهو توقيع على أن القرآن مقبول لدى الكائنات، وأنه في أعلى وأسمى مقام.

وكذلك إن أخْذَ كل طبقة من طبقات البشرية -من أغباهم إلى أذكاهم، ومن أجهلهم إلى أعلمهم- نصيبهم كاملاً من درس القرآن، وفهْمَهم أعمق الحقائق، واستخراج كل طائفة -كمئات من المجتهدين الكبار للمعارف الإسلامية وعلومها وبالأخص للشريعة الكبرى وكالمحققين الدهاة لأصول الدين وعلم الكلام- جميعَ حاجاتهم وأجوبتهم

[1] توقع على: تشهد ، وتصدق ، وتعترف بـ. 



193. صفحة

المتعلقة بعلومهم؛ لتوقيع على أن القرآن منبع الحق ومعدن الحقيقة.

وكذلك إن عجز أدباء العرب المتقدمين في الأدب عن أن يأتوا حتى الآن بسورة من مثله من حيث البلاغة، وهو وجه واحد من بين وجوه إعجاز القرآن مع أن هناك سبعة أوجه كبرى لإعجاز القرآن، على الرغم من أنهم في أمس الحاجة إلى المعارضة، وإن عجْزَ البلغاء المشهورين والعلماء الدهاة منذ نزوله حتى يومنا هذا، والذين أرادوا أن يكتسبوا الشهرة بالمعارضة عن مضاهاة أي وجه من وجوه إعجازه، وسكوتَهم عاجزين؛ لتوقيعٌ على أن القرآن معجزة وفوق طاقة البشر.

أجل؛ إنه لا يمكن أن يكون للقرآن نظير من حيث إن الكلام يكتسب قيمة وعلوًا وبلاغة باعتبار "من قاله" و"لمن قاله" و"لماذا قاله"، ولا يمكن بلوغ منزلته؛ لأن القرآن خطاب رب وخالق العالمين جميعًا، وكلامه، ومكالمته التي ليست فيها أية أمارة تُشعر بالتقليد والتصنع بأية حال من الأحوال، ولا شك أنه لا يمكن الإتيان بمثل هذا القرآن المعجز البيان الذي له مبعوث باسم جميع الناس، بل باسم جميع المخلوقات، ومخاطب هو أكثر البشر صيتا وشهرة، وترشَّح دينُ الإسلام العظيم من قوة وسعة إيمانه، والذي عَرج بذلك المخاطب إلى مقام "قاب قوسين"، ونزل به فائزًا بالمخاطبات الصمدانية، والذي يبيِّن ويوضِّح المسائلَ المتعلقة بسعادة الدارين، وبنتائج خلق الكون، وبالمقاصد الربانية فيه، والإيمانَ الأعلى والأوسع -الذي يحمل جميع الحقائق الإسلامية- لهذا المخاطب، والذي يُري ويُقلِّب كل أنحاء الكون الضخم كخريطة أو ساعة أو منزل، ويوضح ويعلّم أطوارَ صانعه، ولا شك كذلك أنه لا يمكن البلوغ إلى درجة إعجازه.

وكذلك إن إظهار وإثبات آلاف من العلماء العباقرة المدققين الماهرين -الذين فسّروا القرآن، وبعضهم ألّف تفسيرًا يتكون من ثلاثين أو أربعين مجلدًا بل حتى سبعين مجلدًا- المزايا والنكات والخاصيات والأسرار، والمعاني العالية غير المحدودة، والأخبار الغيبية الكثيرة في القرآن من كل نوع من أنواع الأمور الغيبية، وبيانها بسندها وأدلتها، وبالأخص إثبات كل كتاب من مائة وثلاثين كتابًا لرسائل النور مزيةً ونكتةً

194. صفحة

للقرآن ببراهين قطعية، ولاسيما رسالة "المعجزات القرآنية" والمقام الثاني من "الكلمة العشرين" الذي استخرج من القرآن أشياء كثيرة من خوارق المدنية مثل القطار والطائرة، و"الشعاع الأول" المسمى بـ"الإشارات القرآنية" الذي يبيِّن إشارات الآيات المشيرة إلى الكهرباء، والرسائل الثمانية الصغيرة المسماة بـلرموزات الثمانية" التي تبيِّن كيف أن الحروف القرآنية منسقة تنسيقا بديعا وذات أسرار ومعان ومغزى، ورسالة صغيرة تثبت إعجاز آخر آية من سورة الفتح بخمسة وجوه من حيث الإخبار الغيبي، وإظهارَ كل جزء من أجزاء رسائل النور حقيقةً من حقائق القرآن ونورًا من أنواره؛ كل ذلك توقيع على أنه ليس للقرآن مثيل، وأنه معجزة وخارقة للعادة، وأنه لسان عالم الغيب في عالم الشهادة هذا، وكلام علاّم الغيوب.

فلأجل تلك المزايا والخصائص المذكورة للقرآن والمشار إليها في النقاط الست والجهات الست والمقامات الست؛ تُضيء حاكميتُه النورانية الجليلة وسلطنتُه القدسية العظيمة وجه العصور، وتُنير وجه الأرض أيضًا باستمرار وبكمال الاحترام لمدة ألف وثلاثمائة سنة.

ولأجل خصائصه تلك فإن القرآن الكريم قد اكتسب ميزات قدسية كوجود عشرة ثوابات وعشر حسنات على الأقل لكل حرف من حروفه، وإثماره عشر ثمار باقية، وحتى إثمار كل حرف من حروف بعض الآيات والسور مائة أو ألفًا من الثمار أو أكثر من ذلك، وازدياد نور كل حرف وثوابه وقيمته في بعض الأوقات المباركة من العشرة إلى المئات.

وهكذا فهم هذا السائح في الدنيا، وخاطب قلبه قائلاً: "إن هذا القرآن المعجز بكل وجه من الوجوه قد شهد مُثبِتا بالدلائل على وجود واجب الوجود الواحد الأحد ووحدته وصفاته وأسمائه، بإجماع سوره، وباتفاق آياته، وتوافق أسراره وأنواره، وتطابق ثماره وآثاره، حتى إن الشهادات غير المحدودة لأهل الإيمان جميعًا ترشَّحتْ من شهادته هو".

وقد ذُكر في "المرتبة السابعة عشرة" من "المقام الأول" كإشارة قصيرة إلى ما أخذه هذا السائح من درس التوحيد والإيمان من القرآن؛ ما يلي: 


195. صفحة

"لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأَحَدُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ القُرْآنُ الْمُعْجِزُ البَيَانِ الْمَقْبُولُ الْمَرْغُوبُ لأَجْنَاسِ المَلَكِ وَالإِنْسِ وَالجَانِّ الْمَقْرُوءَةُ كُلُّ آيَاتِهِ فِي كُلِّ دَقِيقَةٍ بِكَمَالِ الاحْتِرَامِ بِأَلْسِنَةِ مِئَاتِ الْمَلاَيِينِ مِنْ نَوْعِ الإِنْسَانِ، الدَّائِمةُ سَلْطَنَتُهُ الْقُدْسِيَّةُ عَلَى أَقْطَارِ الأَرْضِ وَالأَكْوَانِ، وَعَلَى وُجُوهِ الأَعْصَارِ وَالزَّمَانِ، وَالْجَارِيَةُ حَاكِمِيَّتُهُ الْمَعْنَوِيَّةُ النُّورَانِيَّةُ عَلَى نِصْفِ الأَرْضِ وَخُمْسِ الْبَشَرِ فِي أَرْبَعَة عَشْرَ عَصْرًا بِكَمَالِ الاِحْتِشَامِ[1]، وَكَذَا شَهِدَ وَبَرْهَنَ بِإِجْمَاعِ سُوَرِهِ الْقُدْسِيَّةِ السَّمَاوِيَّةِ، وَبِاتِّفَاقِ آيَاتِهِ النُّورَانِيَّةِ الإِلَهِيَّةِ، وَبِتَوَافُقِ أَسْرَارِهِ وَأَنْوَارِهِ، وَبِتَطَابُقِ حَقَائِقِهِ وَثَمَرَاتِهِ وَآثَارِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعَيَانِ".


[1] كلمة تركية تعني العظمة.



196. صفحة

الذيل الثاني

الكلمة العشرون

وهي مقامان؛

المقام الأول:

بسم الله الرحمن الرحيم

)وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ( [البقرة: 34]،

)إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً( [البقرة: 67]،

)ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً( [البقرة: 74]،

 حينما كنت أقرأ ذات يوم هذه الآيات، أُلْهمتُ "ثلاث نكات" من فيض القرآن الحكيم تجاه إلقاءات إبليس، حيث قال موسوسًا قال:    

"إنكم تقولون إن القرآن معجز، وفي قمة البلاغة إذ لا تدانيه بلاغة، وهُدًى للجميع كل وقت وحين، فما المراد من تكرار بعض الحادثات الجزئية بإلحاح وإصرار وكأنها حادثة تاريخية؟ وما المناسبة في ذكر حادثة جزئية كذبح بقرة بهذا القدر من التوصيفات المهمة، حتى سُمِّيت هذه السورة العظيمة بـ"البقرة"؟ ثم إن حادثة السجود لآدم أمر غيبي بحت، فالعقل لا يستطيع أن يجد طريقا إليه، لذا يمكن التسليم والإذعان لها بعد إيمان قوي مع أن القرآن يُلقي دروسًا على أرباب العقول أجمع، ويقول في كثير من الأماكن )أفلا يعقلون( ويُحيل إلى العقل؟ وأين وجه الهداية في ذكر بعض الحالات الطبيعية التي تحدث صدفة للأحجار باهتمام بالغ؟"

 وصورة النكات الملهَمة هي؛


197. صفحة

النكتة الأولى:

إن في القرآن الحكيم حادثات جزئية كثيرة يكمن وراء كل واحدة منها دستور كلي وتُبيَّن على أنها طرف لقانون عامٍّ.

وكما أن تعليم الأسماء )وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا( [سورة البقرة: 31] الذي هو معجزة لآدم عليه السلام إزاء الملائكة إظهارًا لاستعداده للخلافة حادثةٌ جزئية، وطرف لدستور كلي وهو: تعليم البشر العلوم غير المحدودة من حيث جامعية استعدادهم، والعلوم الكثيرة المحيطة بأنواع الكائنات، والمعارف الكثيرة الشاملة بشئون الخالق وأوصافه بحيث إن هذا التعليم قد وهب للبشر أفضلية في قضية حمل الأمانة الكبرى ليس أمام الملائكة وحدهم بل على السماوات والأرض والجبال. وكما أن القرآن يُبيِّن أن الإنسان خليفة معنوي للأرض كافة، وكما أن الحادثة الجزئية الغيبية -وهي سجود الملائكة لآدم عليه السلام وعدم سجود الشيطان له- طرف لدستور واسع للغاية وكليٍّ ومشهود، كذلك فإنه -القرآن- يُشعر بحقيقة عظيمة جدًّا، وهي كالآتي؛

إن القرآن المعجز البيان بذكره إطاعة وانقياد الملائكة لشخص سيدنا آدم عليه السلام وتَكبّر الشيطان وامتناعه عن السجود يفهم أن أكثرية الأنواع المادية للكائنات والممثلين والموكلين المعنويين لهذه الأنواع مسخَّرة لنوع البشر، ومهيَّأة ومنقادة لجميع استفادات جميع حواس نوع البشر، ويذكِّر -أيضا- أن المواد الشريرة ـ التي تفسد استعدادات نوع البشر وتضلهم ـ وممثليها وسكانها الخبيثين، كيف أنها عوائق كبيرة في طريقهم إلى الكمالات، وكيف أنها أعداء رهيبة.

وبذلك يتكلم القرآن المعجز البيان مع جميع الكائنات ونوع البشر أجمع بمكالمة عالية عبر مكالمته مع سيدنا آدم عليه السلام وحده عن الحادثة الجزئية.

النكتة الثانية: إن أراضي مصر جزء من الصحراء الكبيرة وهي صحراوية وكمزرعة خصبة بفضل النيل المبارك، فوجود موقع مبارك كهذا شبيه بالجنة بجوار هذه الصحراء الشبيهة بجهنم جعلت الفلاحة والزراعة مرغوبة لدى أهاليها، وثبّتتها ورسَّختها في سجايا

198. صفحة

سكانها إلى حد أنهم قد اعتبروا الزراعة قدسية، والبقرَة والثور اللذين هما واسطة الزراعة مقدسين بل رفعوهما إلى درجة المعبود، حتى إن قوم مصر آنذاك قد أوْلوْا الثور والبقرة قدسية لحد العبادة، فبنو إسرائيل أيضا كانوا يعيشون في هذه الأراضي آنذاك، ويُفهم من حادثة "العجل" أنهم كانوا يأخذون حصة من تلك التربية، فالقرآن الحكيم يُبيِّن بذبح البقرة أن موسى عليه السلام قد ذبح وقتل برسالته فكرة عبادة البقر التي توغلت في سجايا هؤلاء القوم ونفذت وترسَّخت في استعداداتهم، إذن إنه يبيِّن بيانًا معجزًا بهذه الحادثة الجزئية دستورًا كليًّا وأنه درس حكمة ضروري لكل الناس وكل حين. وقياسًا على هذا فاعلم أن الأحداث الجزئية المذكورة في القرآن الحكيم بصورة أحداث تاريخية هي أطراف لدساتير كلية.

وحتى إننا قد بيَّنا في رسالة "إعجاز القرآن" من كتاب "اللمعات" مدى تضمّن كل جزء من تلك الجمل الجزئية دستورًا كليًّا مهمًّا كمثال على الجمل السبعة من قصة موسى عليه السلام التي يرد ذكرها مرارًا وتكرارًا في كثير من سور القرآن. فراجع تلك الرسالة إن شئتَ.

النكتة الثالثة: حينما كنت أقرأ هذه الآية )ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ( [سورة البقرة: 74] قال لي الموسوس: "ما المراد من بحث وبيان بعض الحالات الطبيعية الفطرية العادية المعروفة لدى الجميع للأحجار وكأنها من أهم المسائل وأعظمها؟ ولأية مناسبة تُذكَر؟ وما الحاجة إليها؟ وأُلهمتُ أمام تلك الوسوسة نكتة من فيض القرآن، كالآتي:

نعم، إن هناك علاقة ومناسبة وحاجة، بل علاقة ومناسبة عظيمة ومعنى مهمًّا وحقيقة عظيمة وضرورية بحيث سُهِّلت واختُصِرت إلى حد ما بالإيجاز المعجز للقرآن وحده وبفضل إرشاده. 


199. صفحة

نعم؛ إن الإيجازَ الذي هو أساس من أسس إعجاز القرآن، ولُطفَ الإرشاد وحُسنَ الإفهام اللذين هما نور من أنوار هداية القرآن، يقتضيان إظهار الحقائق الكلية والدساتير العميقة العامة لعوام الناس الذين هم الأكثرية بين طبقات مخاطبي القرآن بصورهما المألوفة والجزئية، وإظهارَ الأطراف والصور البسيطة فحسب للحقائق العظيمة لجميع عوام الناس الذين أفكارهم بسيطة، وإظهار التصرفات الإلهية الخارقة الحاصلة تحت ستار العادات وتحت الأرض إظهارًا مجملاً.

فبناء على هذا السر يقول القرآن الحكيم بآيته هذه: "يا بني إسرائيل!، ويا بني آدم! ما الذي جرى لكم ما بالكم حتى قست قلوبكم فأضحت أشد من الحجارة قسوة وجمودًا؟ ألا ترون الأحجار الضخمة الصلبة الصماء التي تشكل طبقة عظيمة تحت التراب كيف أنها مطيعةٌ ومسخَّرة للأوامر الإلهية، وليِّنة ومطيعة في الإجراءات الربانية بحيث تجري التصرفات الإلهية في باطن الأرض وفي تلك الأحجار الصلبة الصماء بسهولة وانتظام جريان التصرفات في تشكيل الأشجار في الهواء، وحتى إن جداول المياه المنتظمة[1] وعروقها؛ تجري بكمال الحكمة في تلك الأحجار كجريان الدم في العروق دون أن تجد عائقًا أو مقاومة. وكما أن أغصان النباتات والأشجار تنتشر في الهواء بالسهولة، كذلك العروق الدقيقة الرقيقة للجذور تنتشر بالأوامر الإلهية منتَظمةً في الأحجار التي تحت الأرض بالسهولة نفسها ودون أن تجد مانعًا". فالقرآن يشير إلى ذلك ويدرّس بهذه الآية حقيقة عظيمة.

[1] نعم، إن بيان الوظائف الثلاثة المهمة التي أُوكِل من قبل الفاطر ذي الجلال إلى الطبقة الحجرية التي هي حجر الأساس لقصر سيار فخم مهيب يطلَق عليه "الأرض"، إنما يليق بالقرآن.

فوظيفتها الأولى: كما أن التراب يقوم بوظيفة الأمومة للنباتات ويربّيها ويُنشِئها بالقدرة الربانية، كذلك الحجر يقوم بوظيفة المربّية والمرضعة ويربّيه –أي الترابَ- ويُنشِئه بالقدرة الإلهية، وظيفتها الثانية: هي خدمتها لجريان المياه -التي هي كدوران الدم- في جسم الأرض جريانا منتظما.

وظيفتها الفطرية الثالثة: هي قيامها بوظيفة الخزّان لظهور العيون والأنهار والينابيع والغدران واستمرارها بميزان منتظم. نعم، إن الأحجار تكتب على وجه الأرض دلائل الوحدانية وتنثرها بماء الحياة التي تصبها بملء فمها بكل قوتها. (المؤلف)




200. صفحة

وبهذا الدرس يعلّم تلك القلوب القاسية هذا المعنى، ويقول رمزًا: "يا بني إسرائيل!، ويا بني آدم! ما هذا القلب الذي تحملونه وأنتم في ضعف وعجز حيث يقاوم هذا القلب بقسوةٍ أوامرَ مَن تؤدي الطبقةُ العظيمة للأحجار الضخمة الصلدة وظائفها الدقيقة الحساسة كاملاً تحت الظلام بكمال الانقياد أمام أوامره، ولا تُبدي أي أثر تدل على عدم الطاعة، بل تقوم تلك الأحجار بوظيفة الخزان للماء الباعث للحياة لجميع ذوي الحياة الذين هم على وجه التراب فضلاً عن سائر أسباب حياتهم، وتكون وسيلة للتقسيم بالعدل وواسطةً للتوزيع بالحكمة بحيث إنها ليّنة وغير مقاوِمة في يد قدرة الحكيم ذي الجلال كشمع العسل بل كالهواء. وهي ساجدة لعظمة قدرته سبحانه؛ إذ المصنوعات المنتظمة والتصرفات الحكيمة ذات العناية الإلهية التي نشاهدها على وجه الأرض، هي كذلك تجري في باطن الأرض بعينها. بل تتجلى الحكمة والعناية الإلهية بشكل أعجب منها حكمةً وأغرب منها انتظامًا.

فانظروا! كيف أن تلك الأحجار الضخمة الصلدة الجامدة التي لا شعور ولا حسّ لها تُبدي لِينًا كشمع العسل أمام الأوامر التكوينية! وهي عديم المقاومة والقساوة تجاه تلك المياه اللطيفة وهذه الجذور الرقيقة وتلك العروق الحريرية التي كل منها موظفة إلهية وكأنها تحطّم قلبها بلمس تلك اللطيفات الجميلات كالعاشق وتكون ترابًا على طريقهن".

ثم إنه يُظهر بالآية )وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ([البقرة:74]  طرفًا لحقيقة عظيمة وهي:

إن أغلبية الجبال -التي على سطح الأرض والتي كان أصلها ماءً فتجمّدت وكأنها عبارة عن قطعة واحدة من الصخور- تتعرض للتجليات الجلالية على صورة الزلازل والحادثات الأرضية، وبسبب ظهور تلك التجليات الجلالية المهيبة تتحطم الأحجار من قممها العالية وتتفتّت بعض منها، وتتحول إلى التراب وتكون منشأ للنباتات كتحطّم الجبل المشهور بالتجلي الإلهي في حادثة طلب الرؤية وتناثر أحجاره، والبعض الآخر منها تبقى حجرًا كما هي، وتتدحرج إلى السهول والوديان، وتتناثر فيها، وتخدم سكان الأرض في كثير من أمورهم كأمورهم السكنية، وتسجد سجدة الطاعة للقدرة والحكمة الإلهية من

201. صفحة

أجل بعض الحِكم والمنافع المخفية، وبذلك تتخذ طور المطيع لدساتير الحكمة السبحانية.

أما الدليل على أن اختيار الأحجار الأماكنَ المنحدرة في تواضع تاركة أماكنها العالية من تلك الخشية، وكونها سببًا لهذه المنافع المهمة، أمر لا يحدث عبثًا ولا سدىً ولا صدفة وإنما يحدث بالتصرفات الحكيمة للحكيم القدير، وأن هناك انتظامًا حكيمًا لا يظهر للنظر الظاهري السطحي ومن أول وهلة في عدم الانتظام هذا، وإنما هو-بلا شك ولا شبهة- الفوائد والمنافع المتعلقة بتلك الأحجار وشهادة كمال انتظام وحسن صنعة القمصان المنقَّشة والمزينة بمرصعات الزهور والثمار التي اكتُسِيَ بها جسدُ الجبل الذي تتدحرج منه الأحجار.

فها أنتم رأيتم مدى قيمة هذه الآيات الثلاث في نظر الحكمة، فالآن انظروا إلى لطافة بيان القرآن وإعجاز بلاغته؛ كيف أنه يبيِّن أطراف تلك الحقائق العظيمة المهمة الواسعة المذكورة في ثلاث فقرات بثلاث وقائع مشهورة ومشهودة، ويرشد إرشادًا لطيفًا بتذكيره الحادثات الثلاث الأخرى التي هي مدار للعبرة، ويزجر زجرًا لا يقاوَم. فمثلاً:

يقول في الفقرة الثانية: )وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء([البقرة:74] ويشير إلى الحجارة التي انشقت بكمال الشوق أمام عصا موسى عليه السلام وأخرجت اثنتي عشرة عينًا من عيونها، ويُبيِّن المعنى الآتي ويقول معنىً: "يا بني إسرائيل، إن الأحجار الضخمة تلين وتتحطم إزاء معجزة واحدة من موسى عليه السلام، وتبكي وتسكب دموعًا كالسيل من خشيتها أو من سرورها، فبأي وجه من الإنصاف تتمردون على جميع المعجزات الموسوية على صاحبها السلام، ولا تبكون، وتتجمد عيونكم، وتقسو قلوبكم؟

ويقول في الفقرة الثالثة: )وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ( وبهذه الفقرة يُذكِّر الواقعة المشهورة التي هي تحطم الجبل الضخم وتناثر أجزائه من مهابة التجلي الجلالية في طور سيناء في أثناء مناجاة موسى عليه السلام وتدحرج الأحجار إلى الأرجاء بسبب

202. صفحة

تلك الخشية، ويدرّس معنى كالآتي: يا قوم موسى -عليه السلام- كيف لا تخشون الله؟ مع أن الجبال التي هي عبارة عن الأحجار تنسحق وتتناثر من خشيته سبحانه، وأنه سبحانه يمسك جبل الطور فوقكم لأخذ الميثاق منكم، ومع أنكم علمتم ورأيتم تحطم الجبل في أثناء حادثة طلب الرؤية، وبأية جرأة لا ترتعدون من خشيته سبحانه وتدعون قلوبكم تغلظ وتقسو؟

ويقول في الفقرة الأولى: )وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ([البقرة:74]، وبهذه الفقرة يُذكّر الأنهار النابعة من الجبال كالنيل المبارك ودجلة والفرات، ويبيِّن مدى مسخَّرية الأحجار أمام الأوامر التكوينية ومظهريتها لها بصورة خارقة ومعجزة، وبهذا يعلّم القلوب المتيقظة معنى كالآتي: "إنه لا يمكن أن تكون تلك الجبال منبعًا حقيقيًّا لهذه الأنهار العظيمة البتة؛ لأنه لو صارت تلك الجبال ماء بكاملها كفرض محال وكانت أحواضًا مخروطيّةً لما استطاعت لجريان تلك الأنهار الكبيرة منها بهذه السرعة وبهذه الوفرة والكثرة دون أن تخل بميزانها إلاَّ بضعة أشهر، ولما استطاعت الأمطار التي تنفذ في التراب مترًا واحدًا في الغالب أن تكون واردات كافية تجاه تلك الصرفيات الهائلة"؛ إذن فنبعان تلك الأنهار ليس أمرًا عاديًّا وطبيعيًّا وتصادفيًّا بل إن الفاطر ذا الجلال هو الذي يُجريها من الخزانة الغيبية الصرفة بصورة خارقة للعادة؛ فإشارة إلى هذا السر وللتعبير عن هذا المعنى ورد في روايات الحديث؛ أن قطرة واحدة من الجنة تتقطر كل حين على كل واحد من تلك الأنهار الثلاثة، وهذا هو سبب بركتهن.

وورد في رواية أخرى أن منابع تلك الأنهار الثلاثة هي في الجنة[1]، فحقيقة هذه الرواية هي أنه: بما أن الأسباب المادية لا يمكنها أن تكون سببًا لنبعان تلك الأنهار بهذه الغزارة، فلا شك أن منابعها في عالم الغيب، وأن التوازن يستمر بين الصرفيات والواردات؛ لأنها ترد من خزانة رحمة غيبية.

فالقرآن الحكيم بتذكيره هذا المعنى، يلقّن درسًا، حيث يقول: "يا بني إسرائيل، ويا بني آدم، إنكم بغلظة قلوبكم وبقسوتكم تعصون أوامر الحق ذي الجلال، وتغمضون

 [1]انظر صحيح مسلم 1/389، وسنن النسائي 2/225، ومسند أحمد 15/270.



203. صفحة

عيونكم بالغفلة أمام ضياء معرفة الشمس السرمدي الذي يُجري الأنهار الضخمة الكبيرة من أفواه الصخور العادية الجامدة كالنيل المبارك الذي حوّل مصركم إلى الجنة، ويمنح قلب الكون ودماغ الأرض معجزات قدرته وشواهد وحدانيته حسب درجة قوة تلك الأنهار العظيمة وظهورها وإفاضتها، وبذلك يُسيلها إلى قلوب وعقول الجن والإنس.

ثم إن جعْله بعض الأحجار الجامدة التي لا شعور لها تنال معجزات قدرته بصورة عجيبة كهذه[1]، يدل ذلك على هذا الفاطر ذي الجلال كدلالة ضياء الشمس على الشمس، ومع هذا كيف تعمى أبصاركم تجاه نور معرفته، ولا ترونه؟ فانظر حتى ترى أي نوع من أنواع البلاغة قد أُلبِسَتْ تلك الحقائق الثلاث، ودقق النظر في البلاغة الإرشادية، فيا ترى أية قسوة وغلظة تستطيع أن تقف أمام تلك البلاغة الإرشادية الدافئة الساخنة دون أن تنسحق؟

 وإن كنت قد فهمت من البداية إلى هنا، فأبصر لمعة إعجاز إرشادية للقرآن الحكيم، واشكر الله سبحانه وتعالى.


سبحانك لا علم لنا إلاَّ ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم

 

اَللَّهُمَّ فَهِّمْنَا أَسْرَارَ الْقُرْآنِ كَمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى وَوَفِّقْنَا لِخِدْمَتِهِ، آمِينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الْحَكِيمُ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.


[1] كما أن النيل المبارك ينبع من جبل القمر، كذلك أهم الروافد لنهر دجلة ينبع من كهف تحت صخرة في ناحية "مُكُسْ" التابعة لولاية "وان"، وكذلك ينبع رافد مهم لنهر الفرات من سفح جبل في ناحية من نواحي "ديادين".

 إنه ثابت علمًا أن أصل الجبال خلقًا هو الأحجار المتجمدة بعد أن كانت مادة مائعة، فجملة "سُبْحَانَ مَنْ بَسَطَ الأَرْضَ عَلَى مَاءٍ جَمَدٍ" التي هي من الأذكار النبوية تدل دلالة قاطعة على أن أصل خلق الأرض كالآتي: إن مادة كالماء تتجمد بالأمر الإلهي وتكون حجرًا، والحجر يتحول إلى التراب بالإذن الإلهي، فلفظة "الأرض" في هذه الجملة الذكرية تعني التراب، إذن إن هذا الماء لين جدًّا بحيث لا يمكن الوقوف عليه، أما الحجر صلب جدًّا فلا يمكن الاستفادة منه؛ لذا فإن الحكيم الرحيم يفرش التراب على الحجر، ويجعله مقرًّا لذوي الحياة. (المؤلف). 




204. صفحة

المقام الثاني

من

"الكلمة العشرين"

لمعة إعجاز قرآني تلمع في وجه معجزات الأنبياء عليهم السلام.

 أنعم النظر في السؤالين والجوابين المذكورين في ختام هذا المقام.

بسم الله الرحمن الرحيم

)وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ([الأنعام:79]، لقد كتبتُ قبل أربع عشرة سنة -والآن مضت ثلاثون سنة- بحثًا باللغة العربية حول سر من أسرار هذه الآية في تفسيري المسمى بـ "إشارات الإعجاز"، وقد طلب أخَوان من إخواني اللذان أرى أن طلبهما مهم عندي، شيئا من الإيضاح باللغة التركية حول ذلك البحث، أما أنا فأقول معتمدًا على توفيق الحق تعالى ومستندًا إلى فيض القرآن الكريم:

إن "كتابٌ مبينٌ" على قولٍ هو القرآن الكريم، فهذه الآية الكريمة تبين أنه ما من رطب ويابس إلاَّ في كتاب مبين، أهو كذلك؟

نعم؛ إن في القرآن كل شيء، ولكن لا يستطيع أن يرى كل واحد كل شيء فيه، إذ يوجَد فيه في درجات مختلفة. يوجَد أحيانًا بذوره، وأحيانًا نواه، وأحيانًا إجماله، وأحيانًا دساتيره، وأحيانًا علاماته إما صراحةً أو إشارة أو رمزًا أو إبهامًا أو تنبيهًا وتذكيرًا، إلا أنه يُعبَّر عنه بإحدى هذه الأساليب حسب الحاجة، ومناسبًا لمقاصد القرآن، وبمقتضى مناسبة المقام. فمثلا؛ إن الطائرة والكهرباء والقطار والبرق وما شابهها من

205. صفحة

الأشياء المخترعة التي هي نتيجة لتقدم البشر من الناحية العلمية والصناعية قد أخذت أهم موقع في حياة البشر المادية على أنها من خوارق العلم وغرائب الصناعة، فلا شك أن القرآن الحكيم الذي يخاطب جميع البشر لا يُهمِل هذه الأشياء.

أجل إنه لم يُهمِل، بل أشار إلى تلك الأشياء بجهتين:

الجهة الأولى:أشار إليها على أنها من معجزات الأنبياء عليهم السلام.

الجهة الثانية: أشار إليها على أنها بعض من الحوادث التاريخية.

فمثلا: كما يشير القرآن بمثل هذه الآيات )قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ _ النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ_ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ _ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ _ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ([البروج:4-8] إلى القطار[1]، فإن الآية )اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ[2] عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ([النور:35] ترمز إلى الكهرباء فضلا عن أنها تشير إلى كثير من الأنوار والأسرار.

فهذا القسم الثاني اشتغل به كثيرون، وهو يحتاج إلى اهتمام بالغ وشرح طويل، وهو كثير أصلا، لذا أكتفي حاليا بهذه الآيات التي تشير إلى القطار والكهرباء، ولا أفتح ذلك الباب.

أما القسم الأول فيشير إليه القرآن على أنه معجزات الأنبياء عليهم السلام، فنحن بدورنا سنذكر بعض النماذج من هذا القسم كأمثلة.


[1] هذه الجملة تشير إلى أن القطار أسَرَ العالم الإسلامي، وبه تغلب الكفار على المسلمين.

[2] إن جملة " يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ" تنور ذلك الرمز. 




206. صفحة

المقدمة:

إن القرآن الحكيم كما أنه قد أرسل الأنبياء عليهم السلام إلى المجتمعات الإنسانية رائدًا وإمامًا لهم في الرقي المعنوي، وكذلك قد أعطى بيد كل واحد من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام بعضًا من الخوارق من حيث ترقيّات البشر المادية وجعلهم روادًا وأساتذة لهم، بحيث يأمرهم باتباعهم اتباعًا تامًّا.

فكما أن القرآن يتحدث عن الكمالات المعنوية للأنبياء عليهم السلام فيحثّ البشر على الاستفادة منهم، فإن حديثه عن معجزاتهم كذلك يُشعر بالحث على بلوغ نظائرها والحض على القيام بتقليدها.

حتى إنه يمكن القول: إن يد المعجزات هي التي أهدت أول مرة للبشرية الكمال المادي والخوارق، كما أهدت الكمال المعنوي، فيد المعجزة هي التي أهدت للبشرية أول مرة السفينة التي هي معجزة من معجزات نوح u، والساعة التي هي معجزة من معجزات يوسفu.

واتخاذ أكثر ذوي الحرفة والصنعة في كل حرفة وصنعة نبيًّا من الأنبياء عليهم السلام رائدًا لهم إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة.

فمثلا:

قد اتخذ الملاحون سيدنا نوحu رائدا لهم، والساعاتيون قد اتخذوا يوسف u رائدا لهم، والخياطون قد اتخذوا سيدنا إدريس u رائدًا لهم.

أجل؛ بما أن أهل التحقيق وأهل علم البلاغة قد اتفقوا على أن كل آية من آيات القرآن لها وجوه إرشاد كثيرة ووجوه هداية متعددة، فإن آيات معجزات الأنبياء عليهم السلام التي هي أسطع آيات القرآن المعجز البيان ليست حكايات تاريخية، بل إنها تتضمن كثيرًا من معاني الإرشاد.

أجل إن القرآن بذكره معجزات الأنبياء يرسم الحدود النهائية لعلم البشر وصناعته وفنونه، ويشير إلى أبعد حدودها وغاياتها، ويعيِّن أبعد أهدافها، ويضرب على ظهر

207. صفحة

البشر بيد الحث والتشويق ويسوقهم ويدفعهم إلى تلك الغاية. وكما أن الماضي مخزن نوى المستقبل ومرآة شئونه، فالمستقبل كذلك مزرعة الماضي ومرآة أحواله. فالآن سنبين بضعة نماذج فقط من ذلك المنبع الثر الغزير كمثال:

مثلا: فآية )وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ([سبأ:12] التي تبين تسخير الجو لسيدنا سليمان عليه السلام كمعجزة له، تقول إن سليمان عليه السلام قطع في يوم واحد مسافة شهرين كاملين بالطيران في الجو، فتشير بذلك إلى أن الطريق مفتوح للبشر ليقطع هو أيضًا مثل هذه المسافة في الجو، إذن فيا أيها البشر بما أن الطريق مفتوح أمامك، فهيا ابلغ هذه المرتبة واقترب منها.

ويقول الحق تعالى معنىً بلسان هذه الآية: "أيها الإنسان ولأن عبدًا من عبادي ترك هوى نفسه فإنني أركبته على الهواء، فإذا تركتم أنتم كسل النفس، واستفدتم من بعض قوانين عادتي استفادة كاملة يمكنكم كذلك أن تركبوا عليه".

والآية )فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا([البقرة:60] التي تبين معجزة من معجزات سيدنا موسى u تشير إلى أنه يمكن الاستفادة من خزائن الرحمة المخفية تحت الأرض بآلات بسيطة، حتى يمكن استخراج الماء الباعث للحياة بالعصا من أرض صلبة صلابة الحجر، فهذه الآية تقول للبشر بهذا المعنى: "يمكنكم أن تجدوا بالعصا الماءَ الباعث على الحياة الذي هو ألطف فيض للرحمة الإلهية، إذن فهيا اعملوا وابحثوا حتى تجدوه".

ويقول الحق تعالى معنىً بلسان رمز هذه الآية: "أيها الإنسان بما أني أعطي عصا بيد عبد يعتمد عليّ فيستطيع أن يستخرج بها الماء أينما شاء، فأنت كذلك لو استندت إلى قوانين رحمتي لحصلت على آلة مثل تلك العصا أو شبيهة بها إلى حد ما، فهيا اعمل واجتهد حتى تجد تلك الآلة". وإن إحدى الوسائل المهمة لتقدم البشر هي اختراع آلة تفجر الماء في أغلب الأماكن إذا ما ضربت الأرض بها، فهذه الآية قد خطّت ورسمت أبعد حد وغاية لتلك الآلة، مثلما عيَّنت الآية الأولى أبعد وأقصى نقاط حدود الطائرة المستخدمة في الوقت الحالي.


208. صفحة

ومثلا: الآية المتعلقة بإحدى معجزات عيسىu )وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ([آل عمران:49]. فكما أن القرآن يحث ويحض البشر صراحة على اتباع الأخلاق السامية لسيدنا عيسىu، فإنه يحض كذلك رمزًا على المهنة السامية والطب الرباني الذي يزاوله، فهذه الآية تشير إلى: أنه يمكن أن يوجد دواء حتى لأشد الأمراض المزمنة، إذن أيها الإنسان ويا بني آدم المصابين ببلية ومصيبة لا تيأسوا، فعلى أية حال يمكن شفاء كل مرض ودواءُ كل داء، ابحث وفتش عنه كي تجده، بل حتى يمكن إضفاء لونِ حياةٍ مؤقتة على الموت.

والله سبحانه وتعالى يقول معنى بلسان إشارة هذه الآية: أيها الإنسان قد أعطيت ووهبت هديتين لعبد من عبادي ترك الدنيا من أجلي؛ إحداهما؛ دواء الأمراض المعنوية، والأخرى؛ علاج الأمراض المادية، فالقلوب الميتة تُبعث وتُحيا بنور الهداية، والمرضى الذين هم في عداد الموتى يُشفون بنفسه وعلاجه، فأنت كذلك يمكن أن تجد في صيدلية حكمتي دواء لكل أدوائك وأمراضك، واجتهد وابحث عنه حتى تجده، فلا شك أنك واجده إذا بحثت عنه. فهذه الآية تخط أبعد نقطة لحدود الطب أبعد مما توصلت إليه البشرية في الوقت الحالي، وتشير إليها وتحث البشر على وصولها.

ومثلا: إن الآيتين )وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ([سبأ:10] و)وَآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ([ص:20] اللتين في حقّ داودu، والآية )وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ([سبأ:12] التي في حقّ سليمانu تشير إلى أن تليين الحديد هو من أعظم النعم الإلهية حيث تبين بها فضل نبي من أعظم الأنبياء عليهم السلام.

أجل؛ إن تليين الحديد مثل العجين وإذابة النحاس واكتشاف المعادن واستخراجها هو أصل جميع الصناعات البشرية المادية وأمها وأساسها ومعدنها، فهذه الآية تشير إلى أن نعمة عظيمة كمعجزة كبرى لرسول عظيم وخليفة عظيم للأرض هو تليين الحديد مثل العجين وجعْله رقيقًا كالأسلاك وإذابة النحاس وجعْلهما محورًا لأكثر الصناعات العامة.


209. صفحة

وبما أن الله تعالى قد وهب للسان رسول وخليفة، أي للسان حاكم مادي ومعنوي، حكمةً، ووضع في يده صنعة ومهنة، فإنه يحث صراحة على الحكمة التي في لسانه، فلا شك أن في الآية إشارة الترغيب إلى الحث على المهنة التي يزاولها؛ إذ يقول الله تعالى معنى بلسان إشارة هذه الآية: يا بني آدم لقد ألقيت للسان وقلب عبد من عبادي أطاع أوامري التكليفية حكمةً يفصل بها كل شيء بكمال الوضوح ويبين حقيقته، وسلمت ليده مهنة وصنعة يحول بها الحديد في يده إلى كل الأشكال مثل شمع العسل، ويكتسب قوة عظيمة لخلافته وسلطنته. وبما أن هذا الأمر ممكن، ويوهب، وله أهمية، وبما أنكم تحتاجون إليه بشدة في حياتكم الاجتماعية، فإن أطعتم أنتم كذلك أوامري التكوينية، يمكن أن توهب لكم تلك الحكمة والصنعة والمهنة، وبمرور الزمان تستطيعون أن تبلغوهما وتقتربوا منهما.

فتقدم البشر في مجال الصناعة تقدمًا كبيرا، وحصولهم على أعظم قدرة من ناحية القوة المادية هو إنما بتليين الحديد وإذابة النحاس، وقد عُبِّر عن النحاس في الآية بـ"القِطْر فهذه الآيات تصرف أنظار جميع البشر إلى هذه الحقيقة، وتنبه تنبيهًا شديدًا القدامى الماضين والكسالى المعاصرين الذين لا يقدّرون مدى أهمية هذه الحقيقة.

ومثلا: هذه الآية) قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ( [النمل:41] التي تدل على حادثة عجيبة خارقة وهي جلب عرش بلقيس من قبل عالم في علم التحضير وهو من وزراء سليمانu حيث قال: أنا آتيك به في غمضة عين، تشير إلى أنه يمكن إحضار الأشياء من مسافات بعيدة عينًا أو صورة، بل واقعا حيث أنعم الله الحق تعالى على سليمانu المشرَّف بالرسالة والسلطنة والملك بمعجزة الاطلاع بنفسه مباشرة بلا مشقة ولا صعوبة على أقطار مملكته الواسعة جدًّا، وعلى أحوال رعيته والسماع لشكاواهم، حتى تكون مدارًا لعصمته وعدالته، بمعنى أن من يعتمد على الحق تعالى ويسأله بلسان استعداده كما سأل سليمان u بلسان عصمته، وتحرك وفق قوانين سننه وعنايته يمكن أن تصبح الدنيا بمنزلة مدينة له. إذن قد استقر وشوهد عرش بلقيس في الشام بعينه أو بصورته بعد أن كانت في اليمن، فلا شك

210. صفحة

أنه قد سُمعت أصوات الرجال الموجودين حول العرش كما شوهدت صورهم، فالآية الكريمة تشير إلى نقل الصورة والصوت من مسافة بعيدة إشارة عظيمة، وتقول معنى:

"يا أهل السلطنة والملك، إذا أردتم أن تقيموا العدالة التامّة فاسعوا مثل سليمان u إلى رؤية وجه الأرض بكل جوانبها ومعرفة ما يدور عليها؛ لأن الحاكم العادل والسلطان المحب لرعيته إنما ينجو من المسئولية المعنوية ويقيم العدالة التامة بصعوده إلى مرتبة الاطلاع على أقطار مملكته وقتما يشاء".

يقول الحق تعالى معنىً بلسان رمز هذه الآية: يا بني آدم! إنني قد وهبت ملكًا واسعا لعبد من عبادي، ومكنته من الاطلاع بنفسه على ما يحدث في ملكه الواسع من الأحوال والحوادث الأرضية كي يقيم العدالة التامة فيها، وبما أني أودعت في فطرة كل إنسان قابلية خلافة الأرض، ولأن حكمتي تقتضي إعطاءه استعدادًا حسب تلك القابلية حتى يرى سطح الأرض فينظر إليه ويشاهده ويعرف ما فيه فقد أعطيت له ذلك الاستعداد، وإن لم يستطع أن يبلغ تلك النقطة والمرتبة بشخصه؛ فإنه يمكن أن يبلغها بنوعه وجنسه، وإن لم يبلغها مادة فإنه يمكن أن يبلغها معنويًّا مثل الأولياء، إذن فيمكنكم أن تستفيدوا من هذه النعمة العظيمة، فهيا اعملوا واجتهدوا واسعوا -بشرط أن لا تنسوا وظيفة عبوديتكم- اجتهادًا وسعيًا حتى تحوِّلوا وجه الأرض حديقة تتمكنون فيها من رؤية كل أطرافها وجوانبها وسماع كل الأصوات في جميع جنباتها ونواحيها، فاسمعوا إلى الفرمان الرحماني في )هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ([الملك:15]، حيث تشير هذه الآية رمزاً إلى أبعد نهاية حدود ما توصّل إليه البشر من نقل الصورة والأصوات التي هي من صناعاتهم الدقيقة، وتُشعِر بالحث على الوصول إلى تلك الحدود.

ومثلا: )وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ([إبراهيم:49] إلخ، )وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ([الأنبياء:82] إلخ. إن هذه الآيات التي تفيد أن سليمان u كان يسخِّر الجن والشياطين والأرواح الخبيثة، ويمنع شرورهم ويستخدمهم

211. صفحة

في الأمور النافعة، تقول: إن الجن الذين هم أهم سكان الأرض من ذوي الشعور بعد الإنسان يمكنهم أن يكونوا خدامًا للإنسان، وأن يتصلوا بهم، وإن الشياطين أيضا يمكنهم أن يضطَرُّوا إلى التخلي عن عداوة الإنسان وأن يخدموه مرغَمين، إذ سخَّرهم الحق تعالى لعبد من عباده المسخَّرين المطيعين لأوامره.

ويقول الحق تعالى بلسان رمز هذه الآية: أيها الإنسان إنني جعلت الجن والشياطين وأشرارهم مطيعين لعبد مطيع لي، فأنت كذلك إذا أطعت أوامري وخضعت لها، فإن كثيرًا من الموجودات بل حتى الجن والشياطين يمكن أن تكون مسخَّرة لك.

هذه الآية ترسم وتخطّ أبعد حدود تحضير الأرواح ومحادثة الجن ومحاورتهم التي تترشح من امتزاج علم البشر وصناعته وتنشأ عن حساسيتهم المادية والمعنوية الفائقة الشديدة، وتعيّن أحسن طريق للاستفادة من تحضير الأرواح ومحاورة الجنّ، وتفتح الطريق إلى ذلك، ولكن ليس الأمر أن يكون المرء مسخَّرًا وسخرية وألعوبة للجن والشياطين والأرواح الخبيثة -كما هو الأمر في الوقت الحالي- الذين يسمون أنفسهم بالأموات أحيانا، بل تسخيرهم بالطلاسم القرآنية، والتخلص من شرورهم.

ثم إن الآيات التي تشير إلى تمثل الأرواح، وإلى تحضير سيدنا سليمان u العفاريت وتسخيرهم له، وبعض الآيات أمثال)فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيًّا( [مريم:17]تشير إلى تحضير الأرواح فضلا عن أنها تشير إلى تمثّل الروحانيين، ولكن تحضير الأرواح الطيبة الذي أشير إليه ليس جلب الأرواح التي هي جادّة للغاية وتعيش في عالم جادّ وتحضيرها إلى موضع الإنسان ومكانه وإلى ألاعيبه هاذلين ومسيئين إليها كما يفعل المعاصرون بل الانجذاب إليهم من أجل مقاصد جادة مهمة -مثل بعض الأولياء الذين كانوا يقابلون الأرواح مقابلة جادة وقتما يشاءون كمحيي الدين ابن عربي- واكتساب علاقات وارتباطات معها، والاستفادة من روحانياتها استفادة معنوية بالذهاب إلى مواقعها وأماكنها وبالتقرب إليها إلى حد ما، إذ الآيات تشير إلى ذلك، وتُشعِر بالحثّ عليه والترغيب فيه ضمن تلك الإشارة، وتخط وترسم أبعد حدود لمثل هذه العلوم والفنون الخفية، وتبين أفضل طريق لذلك.


212. صفحة

ومثلا: )إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ([ص:18] )يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ([سبأ:10] )عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ([النمل:16] إن هذه الآيات التي تخص معجزات سيدنا داود u تدل على أن الحق تعالى قد وهب له صوتًا جميلا عالياً وحسن أداء ولتسبيحاته قوة، حيث جعل الجبال في نشوة وجذبة وقد تحلقت حول رئيس الحلقة تحلقًا أفقيًّا وكأنها حاكٍ عظيمٌ أو إنسان، فتسبِّح وهي على صورة دائرة، فيا ترى أيمكن أن يحدث هذا؟ وهل هو حقيقة؟

أجل إنه حقيقة، إذ يستطيع كل جبل ذي كهف ومغارة أن يتكلم مع كل إنسان وبلغة الإنسان مثل الببغاء، فإذا قلت أمام الجبل "الحمد لله"، فسيقول لك الجبل "الحمد لله" مثلك بواسطة رجع الصدى، وبما أن الحق تعالى منح هذه القابلية للجبال، فلاشك أنه يمكن تنمية هذه القابلية وتطويرها وتَسَنبلُ تلك النواة.

وقد وهب الله تعالى لداود u خلافة الأرض بصورة مميَّزة فضلا عن رسالته، لذا فقد نَمَّى نواة القابلية تلك كمعجزة تليق برسالته الواسعة وسلطنته العظيمة وملكه العظيم، حيث كانت الجبال العالية الضخمة تسبح الخالق ذا الجلال بأمر داود u ولسانه مقتدية به في تسبيحه وكأنها جندي أو تلميذ أو مريد له، وتردد كل ما يقوله داودu، وكما أن قائدا عظيما يجعل جنوده المنتشرين في الجبال يقولون معًا "الله أكبر" في لحظة واحدة بفضل كثرة وتطور وسائط المخابرة ووسائل الاتصال والتواصل -كما تطورت في زماننا- ويجعل تلك الجبال الضخمة تتكلم وتضج بالأصوات، وبما أن قائدا من قواد البشر يجعل الجبال تتكلم مجازيًّا بلسان سكانها، فلا شك أن قائدًا عظيمًا لله تعالى يستطيع أن يجعلها تتكلم حقيقةً ويجعلها تسبِّح، ومع ذلك فإننا قد بينا في "الكلمات" السابقة أن لكل جبل شخصية معنوية وتسبيحًا وعبادة خاصة تليق بها، إذن فكما أن كل جبل يسبِّح بلسان البشر بسر رجع الصدى، فإن له تسبيحًا للخالق ذي الجلال بألسنته المخصوصة.

) والطَّيْرَ مَحْشُورَةً([ص:19] و)عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ( تبين هاتان الجملتان أن الحق تعالى وهب لداود وسليمان عليهما السلام معرفةَ وفهمَ لغة أنواع الطيور ولغة استعداداتها،

213. صفحة

أي معرفة لأي شيء تنفع تلك الاستعدادات. أجل؛ بما أن هذا الأمر حقيقة، وبما أن وجه الأرض مائدة الرحمن أقيمت من أجل الإنسان، فيمكن إذن أن تكون معظم الحيوانات والطيور التي تستفيد من تلك المائدة مسخرةً وخادمة للإنسان، وكما أن الإنسان استخدم النحل ودودة القزّ وهما من أصغر تلك الحيوانات والطيور، وفتح سبل الاستفادة العظيمة منها بإلهام إلهي، واستخدم الحمام الزاجل في بعض الأمور، وأنطق بعض الطيور كالببغاء، فأضاف بذلك إلى حضارة البشر محاسن جميلة، فكذلك إذا عُرِفت لغة استعداد بعض الطيور والحيوانات الأخرى حيث هنالك أنواع كثيرة منها يمكن الاستفادة منها في أمور مهمة مثل أخواتها من الحيوانات الأليفة، فمثلا يمكن استخدام طيور الزُّرْزُور التي تقتل الجراد دون أن يأكلها استخدامًا مجانيًّا في أمر مهم كمكافحة آفة الجراد إذا ما عرفت لغتها ونسقت وضبطت حركاتها، فهذه الآية تخط أبعد وأقصى حدود في مثل هذا النوع من الاستفادة من الطيور وتسخيرها، وإنطاق الجمادات كالهاتف والحاكي، والاستفادة من الطيور، وتعيِّن أبعد غاياتها وتشير بأصبعها إلى أعظم وأبهر صورة لها، وتحث نوعا ما على الاستفادة منها، فالحق تعالى يقول معنى بلسان رمز هذه الآيات: أيها الناس، لقد سخرت المخلوقات العظيمة في ملكي لعبد مخلص من بني جنسكم كي تحقق عظمة نبوته والعدالة التامة لملكه وسلطنته، وأنطقتها له، وسخرت له معظم جنودي وحيواناتي، إذن فبما أنني أودعت على عاتق كل واحد منكم أمانة كبرى أشفقت السماوات والأرض والجبال من حملها، ووهبت لكل واحد منكم استعدادًا ليكون خليفة الأرض، فمن كانت زمام هذه المخلوقات بيده فيجب أن تكونوا مطيعين له منقادين لأوامره، حتى يتسنى أن يكون ما في ملكه من مخلوقات مطيعةً ومنقادةً ومسخرة لكم، وتستطيعوا أن تملكوا زمامها باسم من بيده زمامها، وترتقوا إلى مقام يليق باستعداداتكم.

بما أن الحقيقة هكذا، فانشغلوا إذن بألطف المتع البريئة المشروعة وأرفعها وأسماها بدلا من اللهو والمتع التافهة مثل تشغيل الحاكي واللعب بالحَمَام، وجعله حمامًا زاجلا، وإنطاق الببغاء، حتى تكون لكم الجبال حاكيًا عظيمًا كما كانت لسيدنا داودu، وتصل إلى

214. صفحة

سمعكم نغمات ذكرية من الأشجار والنباتات بمس الهواء لها وكأنها وتر آلة موسيقية، وتظهَر الجبال وكأنها من المخلوقات العجيبة التي تسبِّح بآلاف ألسنتها، وتتقمص أكثر الطيور صورة الصَّديق الأنيس أو الخادم المطيع مثل هدهد سليمان u، فتمتعك وتبهجك، وتسوقك بشوق ورغبة نحو الكمالات التي تحمل أنت استعدادا مناسبا لها، ولا تسقط بك -مثل المُلهِيات الأخرى- إلى الأسفل من المقام الذي تقتضيه الإنسانية.

ومثلا: )قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ([الأنبياء:69]، في هذه الآية التي تخص معجزة من معجزات سيدنا إبراهيم u ثلاث إشارات لطيفة؛

أولاها: إن النار مثل الأسباب الطبيعية الأخرى لا تتحرك كما تشاء وحسب طبيعتها تحركًا أعمى، بل تؤدي وظيفة تحت أمر، فهي لم تحرق إبراهيم u، إذ قد أُمرت بأمر: "لا تحرق!"

ثانيتها: إن للنار درجة معينة، وهي أنها تحرق ببرودتها، أي لها تأثير كتأثير الإحراق، فالحق تعالى يقول للبرودة بلفظ "سَلاَمًا" لا تحرقي أنتِ أيضا ببرودتك كما تحرق الحرارة، بمعنى أن النار في تلك الدرجة تؤثر وكأنها تحرق ببرودتها، فهي نار وبرد في نفس الوقت.

أجل إن للنار -حسب علم الفيزياء - درجة هي النار البيضاء، لا تنشر الحرارة حولها، بل تجلب إليها الحرارة التي حولها، فتجمِّد بهذه البرودة ما حولها من الموائع كالماء، وتحرق ببرودتها معنى، فالزمهرير نوع من النار يحرق ببرودتها، إذن فلا بد أن وجود الزمهرير في جهنم التي تضم جميع درجات النار وجميع أنواعها ضروري.

ثالثتها: كما أن هناك معنوياتٍ كالإيمان ودِرعًا كالإسلام يمنع تأثير نار جهنم ويقي منها، فكذلك هناك موادُّ تمنع تأثير النار الدنيوية؛ لأن الحق تعالى يتصرف ويجري إجراءاته تحت ستار الأسباب في هذه الدنيا التي هي دار حكمة بمقتضى اسمه "الحكيم"، لذا لم تحرق النار قميص إبراهيم u كما لم تحرق جسمه، أي منحه حالة مقاومة للنار؛ لذا لم تحرق قميصه كما لم تحرق إبراهيم u. فهذه الآية تقول معنى برمز هذه الإشارة: يا أمة إبراهيم كونوا كإبراهيم u، حتى تكون قمصانكم درعًا لكم هنا وهناك ضد

215. صفحة

النار التي هي عدوكم الأكبر. كما أن الإيمان الذي ألبستموه أرواحكم درع لكم ضد نار جهنم، فكذلك فإن في الأرض بعض المواد التي خبأها وأعدها الحق تعالى لكم، تحفظكم وتقيكم من شر النار، فابحثوا عنها واستخرجوها، ثم البسوها.

إن من رقي البشر ومخترعاته المهمة أنه قد اكتشف مادة لا تحرقها النار، ولبس قميصا مقاومًا للنار، فانظر إن هذه الآية تعرض مقابل ذلك حُلّةً لطيفة جميلة تُنسَج في على منوال )حَنِيفًا مُسْلِمًا([آل عمران:67] لا تتمزق أبدًا.

ومثلا: )وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا([البقرة:31]، هذه الآية تقول إن المعجزة الكبرى لآدم عليه السلام هي تعليم الأسماء في دعوى خلافته الكبرى. وكما أن معجزات سائر الأنبياء ترمز إلى خارقة بشرية خاصة، فإن معجزة سيدنا آدم u الذي هو أبو جميع الأنبياء وفاتح ديوان النبوة تشير إشارة قريبة من الصراحة إلى قمة جميع الكمالات البشرية ورقيها، وإلى أقصى أهدافها وغاياتها، فالحق جل جلاله يقول معنىً بلسان إشارة هذه الآية: يا بني آدم إني علَّمت أباكم جميع الأسماء حجةً لتفوقه في دعوى الخلافة على الملائكة، فعليكم أنتم أن تتعلموا جميع الأسماء وأن تظهروا وتثبتوا أنكم أهل للتفوق على جميع المخلوقات؛ لأنكم بنوه ووارثُو استعداداتِه؛ إذ الطريق ممهد ومفتوح أمامكم كي تبلغوا أعلى المقامات فوق جميع المخلوقات في الكون، وتسموا إلى مرتبة عالية مثل أن تكون المخلوقات العظيمة الضخمة كالأرض مسخرة لكم، فهيا انطلقوا، وتمسكوا وتشبثوا باسم من أسمائي وارتفعوا وارتقوا، ولكن الشيطان خدع أباكم مرة واحدة، فسقط على وجه الأرض من مقام كالجنة مؤقتًا، فحذار أن تتبعوا الشيطان في رقيكم وتقدمكم، وتجعلوه سببًا لسقوطكم من سموات الحكمة الإلهية إلى ضلالة الطبيعة، فارفعوا رءوسكم حينًا بعد حين إلى أسمائي الحسنى وتفكروا فيها، واجعلوا علومكم ورقيكم سُلَّمًا للعروج والارتقاء إلى تلك السماوات، حتى ترتقوا إلى أسمائي الربانية التي هي حقائق ومنابع علومكم وكمالاتكم، وتنظروا إلى ربكم بقلوبكم بمنظار تلك الأسماء.


216. صفحة

نكتة مهمة وسر عظيم:

 إن في إفادة وتعبير هذه الآية العجيبة ) وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا( ما ناله الإنسان وتوصل إليه من حيث شمول استعداداته من جميع الكمالات العلمية والتقدم الفني والعلمي وخوارق وإبداع الصناعة بعنوان "تعليم الأسماء" رمزٌ عالٍ لطيفٌ، كالآتي: إن لكل كمال وعلم وتقدم ورقي وفنّ وعلوم حقيقةً عالية، وإن تلك الحقيقة تستند إلى اسم من الأسماء الإلهية، فذلك العلم والفن والعلوم وتلك الكمالات والصناعة تجد كمالها وتكون حقيقة باستنادها إلى ذلك الاسم الذي له حجب كثيرة وتجليات متنوعة ودوائر مختلفة، وإلا فهي ظل ناقص مبتور غير مكتمل.

مثلا: الهندسة علم، فحقيقتها ونقطتها النهائية وذروتها هي أن تبلغ إلى اسم الله الحق تعالى "العدل" و"المُقدِّر"، ومشاهدة التجليات الحكيمة لذلك الاسم بعظمتها في مرآة الهندسة.

والطب مثلا علم وفن ومهارة، فمنتهاه وحقيقته تستند إلى اسم الحكيم المطلق "الشافي"، فيكتمل الطب ويبلغ الكمال ويصبح حقيقة بمشاهدة التجليات الرحيمة للحكيم الشافي في الأدوية المنتشرة في الأرض التي هي صيدلية كبرى له.

وعلم حكمة الأشياء الذي يتناول حقيقة الموجودات ويبحث فيها، هذه الحكمة إنما تكون حكمة حقيقية لدى الإنسان بمشاهدتها التجليات الكبرى المدبِّرة والمربِّية لاسم الله تعالى جل جلاله "الحكيم" في الأشياء وفي منافعها ومصالحها، وببلوغها ذلك الاسمَ والاستناد إليه، وإلا انقلبت إلى خرافات وأصبحت هراءً وسفسطة لا معنى لها، أو أدّت إلى الضلال مثل الفلسفة الطبيعية، فدونك هذه الأمثلة الثلاث، فقس عليها سائر الكمالات والعلوم.

وهكذا يشير القرآن الحكيم بهذه الآية بأصبعه إلى أعلى النقاط وأبعد الحدود وأقصى المراتب التي تخلف وتأخر عنها البشر كثيرا في تقدمه الحاضر ويضرب يد الحث والتشويق على ظهره ويَحفِزه إلى تلك المراتب ويقول له هيا تقدم إلى الأمام، ونكتفي الآن بهذه الجوهرة من الكنز الأعظم لهذه الآية، ونغلق ذلك الباب.


217. صفحة

ومثلا: إن القرآن الحكيم وهو المعجزة الكبرى لسيدنا محمدr خاتم ديوان النبوة وسيد جميع الأنبياء الذي جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام بمنزلة معجزة واحدة لدعوى رسالته، والذي هو مدار فخر للكون، والذي تجلت عليه بالتفصيل جميعُ مراتب جميع الأسماء التي علمها الله سيدنا آدم u مجملاً، والذي شق القمرَ عندما رفع إصبعه عاليًا بجلال، وأجرى ماء كالكوثر من ذلك الإصبع عندما خفَّضه بجمال، والذي هو مصدق ومؤيد بألف من المعجزات، يلفت هذا القرآن الحكيم أنظار الإنس والجن إلى أظهر وأسطع وجه من وجوه إعجاز هذه المعجزة الأبدية بكثير من آياته البينات مثل هذه الآية )قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الجِنُّ وَالإِنْسُ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا([الإسراء:88] التي تعبر وتفيد الجزالة في بياناته حول الحق والحقيقة اللذين هما من أسطع وجوه إعجازه، والبلاغة في عباراته وتعابيره، والجامعية في معانيه، والعلو والرفعة والحلاوة والعذوبة في أساليبه، ويضرب على أوتار جميعِ الإنس والجن الحساسة، ويثير شوق أوليائه وعناد أعدائه، ويسوقهم جميعًا بتشويق وحث عظيم وترغيب شديد إلى الإتيان بنظيره ومثله وتقليده ومحاكاة كلامه، ويضع تلك المعجزة أمام أنظار الأنام، فكأن الغاية الوحيدة من مجيء الإنسان إلى هذه الدنيا هو اتخاذ هذه المعجزة هدفًا ودستورا له، وأن ينظر إليها فيسير عن علم وبينة إلى نتيجة خلق الإنسان.

الحاصل: إن معجزات جميع الأنبياء عليهم السلام تشير إلى خارقة من خوارق الصناعة، فأما معجزة سيدنا آدم u فتشير إلى فهرس خوارق وكمالات العلوم والفنون إشارة مجملةً فضلا عن إشارتها إلى أسس الصناعة، وتشوق إليها وتحث عليها، وأما القرآن المعجز البيان الذي هو المعجزة الكبرى للرسول الأكرم r فيُظهِر أنه تتجلى فيه بالتفصيل حقيقة تعليم الأسماء، ويبين الأهدافَ الصحيحة للعلوم والفنون التي هي حق وحقيقة، والكمالاتِ الدنيوية والأخروية وسعادتَهما بيانًا واضحًا، ويسوق البشر إليها ويحثهم عليها بكثير من الترغيبات والتشويقات العظيمة، فهو يسوق يفهِّم بطريقة كالآتي:


218. صفحة

أيها الإنسان إن المقصد الأعلى من وجود هذا الكون هو عبودية الإنسان الكلية تجاه تجلي الربوبية، وإن غاية الإنسان القصوى هي البلوغ إلى تلك العبودية بتلك العلوم والكمالات.

ويبين بيانًا يشير به إلى أن الإنسان سينصبّ حتما على العلوم والفنون في آخر أيامه، وسيستمد كل قوته من العلم، أما الحكم والقوة فسيكون زمامهما بيد العلم.

ثم إن القرآن المعجز البيان إذ يقدِّم ويعرض مرارًا جزالته وبلاغته يرمز إلى أن البلاغة والجزالة اللتين هما أسطع العلوم والفنون ستكونان بكل أنواعهما أروج شيء في آخر الزمان، حتى إن الناس سيأخذون أمضى سلاحهم من جزالة البيان وأشدّ قوتهم المنيعة من بلاغة الأداء كي يقنعوا الآخرين بأفكارهم ويجعلوهم يقبلون بها، وينفذون قراراتهم.

والحاصل إن أكثر آيات القرآن كل منها مفتاح لكنوز الكمالات ودفائن العلم، فإن شئت أن ترقى وتبلغ سماوات القرآن ونجوم آياته فاجعل "الكلمات" العشرين السابقة سلَّمًا ذا عشرين درجة[1] فارتق إليها وابلغها، وأبصر بها كيف أن القرآن شمس ساطعة، وانظر كيف أنه ينثر نورًا صافيًا محضًا وينشر ضياء ساطعًا على الحقائق الإلهية وعلى حقائق الممكنات.

النتيجة:

بما أن الآيات التي تتحدث عن الأنبياء لها طريقة أسلوب يوحي وكأنها تخط وترسم الحدود الأبعد مما أحرزه البشر من التقدم في الوقت الراهن مع الإشارة إليها نوعًا ما.

وبما أن دلالة كل آية على معان متعددة ثابتة ومتحققة، بل متفق عليها، وبما أن هناك أوامر مطلقة باتباع الأنبياء عليهم السلام والاقتداء بهم، إذن يمكن القول إنها تدل دلالة إشارية إلى أهم الصناعات البشرية وعلومها وتحثّ عليها إضافة إلى دلالتها على صريح معاني هذه الآيات السابقة.


[1]بل إن "الكلمات" الثلاث والثلاثين، و"المكتوبات" الثلاث والثلاثين، و"اللمعات" الإحدى والثلاثين، و"الشعاعات" الثلاث عشرة لـ"رسائل النور" سُلّم ذو مائة وعشرين درجة.(المؤلف) 




219. صفحة

جوابان مهمان عن سؤالين مهمين:

أولهما:

إن قلت: بما أن القرآن نزل للبشر، فلماذا لا يصرح بخوارق المدنية التي هي أهم شيء في نظر الإنسان، بل يكتفي فقط برمز مستتر، وإيماء خفي، وإشارة خفيفة، وتذكير ضعيف؟

الجواب: لأن خوارق الحضارة البشرية لا تستحق الحديث عنها والبحث فيها في القرآن أكثر من هذا القدر، إذ إن وظيفة القرآن الأصلية هي تعليم كمالات دائرة الربوبية وشئونها، ووظائف دائرة العبودية وأحوالها، إذن إن حقّ وحصّة هذه الخوارق البشرية في تلكما الدائرتين إنما رمز ضعيف وإشارة خفيفة لا غير، لأنها لو طلبت حقها وحصتها في دائرة الربوبية فلا تحصل عندئذ إلا على قليل جدًّا.

مثلا: لو قالت الطائرة[1] البشرية للقرآن: أعطني حقًّا للكلام، وموقعًا في آياتك، فلا شك أن طائرات دائرة الربوبية من الكواكب والأرض والقمر ستقول لها باسم القرآن: لا يمكن أن تأخذ مكانًا وموقعًا هنا إلا بمقدار جِرمك، ولو طلبت الغواصات البشرية موقعًا لنفسها بين الآيات القرآنية، فإن غواصات تلك الدائرة، أي الأرض والنجوم التي تسبح في محيط الهواء وبحر الأثير، سترد عليها قائلة: إن مكانك عندنا صغير يكاد لا يرى، ولو طلبت مصابيح الكهرباء الشبيهة بالنجوم الساطعة حقّ كلام في القرآن وأن تدخل بين الآيات، فإن المصابيح الكهربائية في تلك الدائرة من الشموس والشهب والنجوم والمصابيح التي تزين وجه السماء ستقول لها: لا تستحق البحث والبيان إلا بمقدار ضيائك، ولو طلبت خوارق الحضارة حقوقها من حيث إنها صناعة دقيقة، ومقامًا بين الآيات، فعندئذ ستقول لها ذبابة واحدة اسكتوا، فليس لكم حق ولو بمقدار جناح لي؛ إذ لو جُمِع كل ما فيكم من الصناعات الدقيقة وجميع الأجهزة الحساسة الدقيقة التي اكتُشِفت بإرادة الإنسان الجزئية لا يمكن أن تكون عجيبًا كالصنعة الدقيقة والأجهزة الحساسة في جسمي الصغير، فالآية )إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا

[1] عندما كنت أكتب هذه المسألة الجادة حوّل قلمي أسلوبه إلى هذه النكتة اللطيفة دون إرادتي، فأطلقت العنان لقلمي، وآمل أن لا تخل لطافة الأسلوب بجدية المسألة.( المؤلف) 




220. صفحة

وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ([الحج:73] تسكتكم.

ثم إن تلك الخوارق لو ذهبت إلى دائرة العبودية وطلبت حقها منها فستتلقى منها جوابًا كالآتي: إن علاقتكم معنا قليلة جدا، ولا يمكنكم أن تدخلوا دائرتنا بسهولة، لأن برنامجنا هو: أن الدنيا دار ضيافة، والإنسان سيبقى فيها قليلاً، فهو ضيف كثير الوظائف، ومكلَّف في عمر قصير بتوفير اللوازم الضرورية للحياة الأبدية، حيث يقدَّم فيها أهم الأعمال وأوجبها وألزمها، ولكنه يبدو عليكم -أي على تلك الخوارق- أنكم صُنعتم في الغالب بدافع حب الدنيا تحت ستار الغفلة من قبل من يرون هذه الدنيا الفانية مقرا أبديا، إذن فحصَّتكم من العبودية المؤسَّسة على أساس نشدان الحق ومراعاته وعلى مبدأ التفكر في الآخرة قليلة جدًّا، ولئن كان فيكم أو من ورائكم فنانون مبجلون أو مخترعون ملهمون أولئك الذين يشكلون الأقلية دون شك، والذين يقومون بأعمالهم وخدماتهم من أجل مصلحة عباد الله فقط -وهي عبادة مهمة ثمينة-، ويخدمون المصلحة العامة وراحتها وكمال الحياة الاجتماعية، فإن هذه الرموز والإشارات القرآنية كافية ووافية حقًّا لحث هؤلاء الأشخاص المرهفي الحس والشعور وتشويقهم إلى السعي والعمل وتقدير مهارتهم.

السؤال الثاني:

وإن قلت: لم تبق لدي أية شبهة بعد هذه البيانات والتحقيقات، وقد صدَّقت أن في القرآن إشاراتٍ ورموزا إلى خوارق المدنية الحاضرة بل إلى أبعد منها فضلا عن حقائقه الأخرى، وفيه كل ما يحتاج إليه البشر لسعادته الدنيوية والأخروية حسب قيمته، ولكن لم لا يذكرها القرآن صراحة حتى يضْطَرَّ الكفرةُ المعاندون أيضا إلى التصديق، وتطمئن قلوبنا؟

الجواب: الدين امتحان، والتكليف الإلهي اختبار، حتى تتميز الأرواح العالية والأرواح السافلة بعضها عن بعض في ميدان السباق. وكما أن النار تُلقَى على المعدن حتى يتميز الماس من الفحم والذهبُ من التراب، كذلك فالتكاليف الإلهية في دار الامتحان هذه

221. صفحة

هي ابتلاء وسوق إلى سباق حتى تتميز الجواهر العالية التي في معدن استعداد البشر من المواد السافلة، وبما أن القرآن قد نزل في دار الامتحان هذه على صورة اختبار لتكمُّل البشر في ميدان السباق، فلا شك أنه سيشير إشارة فحسب إلى هذه الأمور الدنيوية الغيبية التي ستتبين للجميع في المستقبل، وسيفتح بابًا أمام العقل إلى حد سيُثبِت معه حجتَه، فلو ذكرها صراحة لاختل سر التكليف، ولأصبحت من الأمور البديهية ككتابة "لاَ إله إلاَّ الله" واضحًا بالنجوم في وجه السماء، ولصدَّق وآمن كل الناس عندئذ شاءوا أم أبوا، ولما بقي سباق، ولضاع الامتحان، وتساوت روحٌ كالفحم مع روحٍ[1] كالماس.

الحاصل: إن القرآن الحكيم حكيم، يمنح لكل شيء مقامًا حسب قيمته،

فهو يرى ثمرات تقدم الإنسان العلمي الصناعي المستتر المخفي في ظلمات المستقبل قبل ألف وثلاثمائة سنة من حدوثه، ويريها أفضل مما رأيناه وما سنراه، إذن فالقرآن كلام من يرى جميع الأزمنة وما فيها من الأشياء في آن واحد. وها هي ذي لمعةُ إعجاز القرآن تلمع وتتلألأ على وجه معجزات الأنبياء عليهم السلام.

اللَّهُمَّ فَهِّمْنَا أَسْرَارَ القُرْآنِ، وَوَفِّقْنَا لِخِدْمَتِهِ فِي كُلِّ آنٍ وَزَمَانٍ

سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ

رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على سيِّدِنا ومولانا محمدٍ عبدِك ونبيِّك ورسولِك النبي الأُمِّي، وعلى آلِه وأصحابِه وأزواجِه وذريَّاتِه، وعلى النَّبِيِّين والمُرسَلِين، والملائكة المُقرَّبِين، والأولياءِ والصالحين أفضلَ صلاةٍ وأزكى سلامٍ وأَنْمَى بركاتٍ بِعَدَدِ سُوَرِ القرآن وآياتِه وحروفِه وكلماتِه ومعانِيهِ وإشاراتِه ورموزِه ودلالاتِه، وَاغْفِرْ لََنَا وَارْحَمْنَا وَالْطُفْ بِنَا يا إلهنا يا خالقَنا بكُلِّ صلاةٍ منها برحمتك يا أرحم الراحمين.

والحمد لله ربِّ العالمين، آمين.






[1] ولَتَسَاوى أبو جهل اللعين مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولضاع سر التكليف.(المؤلف)




222. صفحة

الذيل الثالث

"الكلمة الثانية عشرة"

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (سورة البقرة: 2/269)

موازنة مجملة بين الحكمة القدسية للقرآن الحكيم وبين حكمة الفلسفة، وفذلكة قصيرة جدًّا لدرس التربية التي تُلقيها الحكمة القرآنية على حياة الإنسان الشخصية والاجتماعية، وإشارة إلى أفضلية القرآن على سائر الكلمات الإلهية وعلى جميع الأقوال الأخرى.

 

في هذه الكلمة "أربعة أسس".

الأساس الأول: انظر إلى الفروق بين حكمة القرآن وبين حكمة العلوم بمنظار هذه الحكاية التمثيلية الآتية:

ذات يوم أراد حاكم مشهور ومتديِّن وذو مهارة وإبداع أن يكتب القرآن بخط يليق بالقدسية التي في معانيه وبالإعجاز التي في كلماته ويكسو تلك القامة المعجزة لباسًا خارقًا بديعًا.

فهذا الحاكم النَقَّاش قد كتب القرآن بصورة عجيبة للغاية، واستعمل جميع الجواهر الكريمة القيمة في كتابته، وللإشارة إلى تنوّع حقائقه كتب بعض حروفه المجسَّمة بالألماس والزمرد، وقسمًا منها باللؤلؤ والعقيق، وقسمًا آخر منها بالبرلنتي والمرجان، ونوعًا منها بالذهب والفضة. وزيَّنه ونقَّشه بصورة يجعل الكل في حيرة وإعجاب واستحسان في أثناء

223. صفحة

مشاهدته سواء أكانوا يعرفون القراءة أم يجهلونها، وصار ذلك الجمال الصوري خاصة في نظر أهل الحقيقة تحفة ثمينة جدًّا لكونه إشارةً إلى ما في معناه من جمال باهر وتزيين حلو لطيف للغاية.

ثم عرض هذا الحاكم ذلك القرآن المصنَّع والمرصَّع على فيلسوف إفرنجي وعلى عالم مسلم، وأمرهما من أجل الاختبار والمكافأة: "ليكتب كل واحد منكما كتابًا حول حكمة هذا"، وألَّف أولاً الفيلسوف كتابًا حول هذا الموضوع وبعده العالم المسلم، إلاَّ أن كتاب الفيلسوف كان يتحدث عن نقوش الحروف وعن علاقات بعضها ببعض وعن أوضاعها وعن خصائص جواهرها والتعريف بها فقط، ولم يتعرض لمعانيها؛ لأن هذا الرجل الإفرنجي لا يعرف أبدًا قراءة الخط العربي، حتى إنه لا يعرف أن هذا القرآن المزيَّن كتابٌ، وأنه كتابة تفيد المعاني، بل ينظر إليه على أنه تحفة فنية منقَّشة. ومع أنه لا يعرف اللغة العربية إلاّ أنه مهندس بارع، ومصوّر حاذق، وكيميائي ماهر، وجوهري صائغ، فهذا الرجل ألّف كتابه حسب هذه الحِرَف والمهن والفنون.

وأما العالم المسلم فما إن نظر إلى هذه الكتابة، حتى علم أنه كتاب مبين، وقرآن حكيم، وهذا العالم المحب للحق لم يهتمّ بالتزيين الظاهري ولم يشتغل بنقوش الحروف وإنما اشتغل بشيء أسمى وأغلى وأثمن وألطف وأشرف وأنفع وأجمع بمليون درجة من المسائل التي اشتغل بها الرجل الآخر، فألّف تفسيرًا شريفًا قيِّمًا يتحدث عما هو كامن تحت ستار النقوش من الحقائق القدسية وأنوار أسرارها، ثم بعد ذلك قدّم كل منهما كتابه إلى ذلك الحاكم ذي الشأن، فأخذ الحاكم أولاً كتاب الفيلسوف، ونظر فوجد أن هذا الرجل المعجب بنفسه والعابد للطبيعة قد اجتهد كثيرًا إلاَّ أنه لم يكتب شيئًا من حكم الكتاب الحقيقية، ولم يفهم شيئا من معانيه، بل شوش وخلط، وأساء الاحترام له، بل عامله بسوء الأدب؛ لأنه ظنَّ أن القرآن الذي هو منبع الحقائق مجرَّد نقوش بلا معنى فاحتقره بتهمة التفاهة من حيث المعنى، لذا فإن الحاكم الحكيم قد ضرب بكتابه على رأسه، وطرده من ديوانه. 


224. صفحة

ثم بعد ذلك نظر إلى كتاب العالم المدقق المحب للحق، فوجد أنه تفسير قيِّم ونافع جدًّا، وتأليفٌ حكيمٌ مرشدٌ، وهنّأه قائلاً: "أحسنتَ، بارك الله فيك، فهذه هي الحكمة، إن صاحب هذا الكتاب عالم وحكيم حقًّا، وأما الرجل الثاني فنّان مبدع تجاوز حده". ثم أمر بأن يُعطَى له -مكافأة على كتابه- عشرة من الليرات الذهبية من خزينته التي لا تنفد، مقابل كل حرف من حروف كتابه.

وإن كنتَ قد فهمت الحكاية التمثيلية، فانظر حتى ترى وجه الحقيقة أيضا؛

أما ذلك القرآن المزين فهو هذا الكون البديع، وأما ذلك الحاكم فهو الحكيم الأزلي، وأما ذلكما الرجلان فأحدهما أي الإفرنجي علم الفلسفة وفلاسفته، والآخر هو القرآن وتلامذته؛ أجل، إن هذا القرآن الحكيم هو أسمى مفسِّر للقرآن العظيم - أي الكون- وأبلغ ترجمان له.

نعم؛ إن ذلك الفرقان هو الذي يعلّم الجنّ والإنس الآيات التكوينية المكتوبة بقلم القدرة على صفحات هذا الكون، وعلى أوراق الأزمنة، وإنه ينظر إلى الموجودات -التي كل واحد منها حرف ذو معانٍ- بـ"المعنى الحرفي" أي ينظر إليها لحساب الصانع، ويقول: "ما أجمل صنعه! وما أحسن دلالته على جمال صانعه!"، فيُظهر بذلك الجمال الحقيقي للكون.

وأما الفلسفة التي هي علم الحكمة - على حد قولهم- فقد غرقت في زِيَن الحروف والموجودات وفي علاقات بعضها ببعض، وفقدت صوابها، وضلت طريق الحقيقة، بينما كان ينبغي النظر إلى حروف هذا الكتاب الكبير بـ"المعنى الحرفي" أي لحساب الله هي لا تفعل ذلك بل تنظر إليها بـ"المعنى الاسمي" أي تنظر إلى الموجودات لحساب الموجودات، وتتحدث عنها بهذه الصورة، وتقول: "ما أجمله!" بدلاً من "ما أجمل صنعه!"، وبهذا تجعله قبيحًا، وتكون قد احتقرت الكائنات، وتجعلها تشتكي منها.

أجل؛ إن الفلسفة الملحدة سفسطة لا حقيقة لها، وتحقير للكائنات.


225. صفحة

الأساس الثاني: موازنة بين التربية الأخلاقية التي تمنحها حكمة القرآن الحكيم للحياة الشخصية وبين الدرس الذي تُلقيه حكمة الفلسفة فيها:

إن التلميذ المخلص للفلسفة فرعون، ولكنه فرعون ذليل يعبد أخس الأشياء من أجل منفعته، ويتخذ كل شيء ذا منفعة ربًّا له.

وهذا التلميذ الملحد متمرد وعنيد، ولكنه متمرد مسكين يقبل الذل غير المحدود من أجل لذة واحدة، وعنيد دنيء يتذلل ويقبِّل أقدام الأشخاص كالشياطين من أجل منفعة واحدة خسيسة.

وهذا التلميذ الملحد مغرور جبار، إلاَّ أنه في ذاته جبار متكبر مغرور عاجز للغاية؛ إذ لا يجد في قلبه نقطة استناد.

ثم إن هذا التلميذ عابد للمنفعة والمصلحة، ولا هم له إلاَّ نفسه؛ بحيث إنه أناني دساس يبحث عن مصالحه الشخصية في بعض مصالح أمته، وليس له هم إلا إشباع رغبات النفس والبطن والفرج.

وأما التلميذ المخلص لحكمة القرآن فهو عبد، ولكنه يترفع حتى عن عبادة أعظم المخلوقات، فهو عبد عزيز لا يقبل اتخاذ أعظم منفعة كالجنة غاية العبادة.

ثم إنه تلميذ متواضع، ليِّن هيِّن، ولا يتذلل بإرادته لغير فاطره خارجا عن دائرة إذنه.

ثم إنه فقير وضعيف، وعالم بفقره وضعفه، ولكنه مستغن عن كل شيء بما ادخر له مالكه الكريم من ثروة أخروية، وهو قوي لاستناده إلى القدرة اللانهائية لسيده.

ثم إنه يعمل ويجتهد لوجه الله ولرضاه سبحانه وللبلوغ إلى الفضائل فحسب.

هكذا يُفهَم التربية التي تمنحها الحكمتان بالموازنة بين التلميذين.


226. صفحة

الأساس الثالث: التربية التي تمنحها حكمة الفلسفة وحكمة القرآن للحياة الاجتماعية البشرية:

أما حكمة الفلسفة فترى القوة نقطة استناد لها في الحياة الاجتماعية، وتهدف إلى المنفعة، وتتخذ الصراع دستورًا للحياة، وتعتقد أن رابطة الجماعات هي العنصرية والقومية السلبية. وأما ثمراتها فهي إشباع رغبات النفس وهواها، وزيادة حاجات البشر.

ومن المعلوم أن شأن القوة الاعتداءُ والتجاوزُ، وشأن المنفعة التزاحم والصراع عليها؛ إذ إنها لا تكفي لجميع الرغبات، وشأنُ دستور الصراع النزالُ والمجابهةُ، وشأنُ العنصريةِ الاعتداءُ والتجاوزُ حيث إنها تتغذى وتتقوى بابتلاع الآخرين. وبناء على هذه الحكم فقد سُلبت سعادة البشر.

وأما حكمة القرآن فترى الحقّ نقطة استناد لها بدل القوة، وتهدف إلى الرضا الإلهي والفضيلة بدل المنفعة، وتتخذ دستور التعاون أساسًا لها في الحياة بدلاً من دستور الصراع، وتعتقد أن رابطة الجماعات هي رابطة الدين والصنف والوطن بدل العنصرية والقومية السلبية، وغايتها وضع حد وسد أمام تجاوزات الهوى النفسانية، وحث الروح إلى الارتقاء، وإشباع مشاعرها السامية، ودفع الإنسان إلى الكمالات الإنسانية، وجعله إنسانًا حقًّا.

إن شأن الحقِّ الاتفاقُ، وشأن الفضيلة التساندُ، وشأن دستور التعاون إمداد كل للآخر، وشأن الدين الأخوةُ والتجاذبُ، وشأن ربط النفس وضبطها بإلجامها وإطلاق الروح بحثها نحو الكمال هو سعادة الدارين.

الأساس الرابع: إن أردت أن تفهم سموّ القرآن بين جميع الكلمات الإلهية وتفوقه على سائر الأقوال الأخرى، فانظر إلى هذين المثالين:

أولاهما: إن للسلطان نوعين من المكالمة وطريقتين من الخطاب؛ أحدهما مكالمته بهاتف خاصٍّ مع رجل عادي من رعاياه حول أمر جزئيٍّ وحاجة خاصة، والآخر مكالمته مع أحد رسله أو أحد كبار موظَّفيه بعنوان السلطنة العظمى وباسم الخلافة الكبرى وبحيثية الحاكمية العامة، من أجل إعلان ونشر أوامره في كل الأطراف والجهات، ومكالمته بفرمان سامٍ يُظهر عظمته وأبّهته.


227. صفحة

المثال الثاني: يمسك رجل مرآة في يده تجاه الشمس، تلك المرآة تقتبس نورًا وضياء جامعًا للألوان السبعة حسب سعتها، ويكون ذا علاقة مع الشمس بهذه النسبة، ويحادثها. أما إذا وجه تلك المرآة المنوَّرة إلى بيته المظلم أو إلى بستانه المسقَّف، فيمكنه أن يستفيد منها ليس بحسب قيمة الشمس بل بحسب قابلية تلك المرآة.

ورجل آخر يفتح نوافذ واسعة من بيته أو من سقف بستانه، ويشقّ طرقًا تجاه الشمس التي في السماء، ويحادث الضياء الدائمي للشمس الحقيقية، ويتكلم معها، ويناجي الشمس بلسان الحال مناجاة ملؤها الامتنان، قائلاً: "أيتها الشمس الرقيقة ويا ملكة جمال الدنيا، ويا لطيفة السماء، يا من جعلتِ وجه الأرض يتلألأ بنوركِ، ومنحتِ وجوه الأزهار ابتسامة وسرورا، إنك منحتِ الدفء لبيتي وبستاني الصغيرين وأضأتهما كما أضأت وجه الأرض والأزهار؛ بينما الرجل الأول، صاحب المرآة لا يستطيع مثل هذا القول؛ إذ إن آثار عكس الشمس المقيَّدة محدودةٌ، وتكون مقيدة بذلك القيد.

فانظر إلى القرآن بمنظار هذين المثالين حتى ترى إعجازه، وتُدرك قدسيته.

نعم، إن القرآن يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [سورة لقمان: 27]، فسبب منح القرآن أعلى مقام من بين هذه الكلمات اللانهائية هو؛ أن القرآن جاء من الاسم الأعظم ومن مرتبة الاسم الأعظم لكل اسم من الأسماء الحسنى، وهو كلام الله بوصفه رب العالمين، وفرمان الله بعنوانه إله جميع الموجودات، وخطابه بحيثيته خالق السماوات والأرض، ومكالمة من حيث الربوبية المطلقة، وخطبة أزلية لحساب السلطنة العامة السبحانية، ودفتر الالتفاتات الرحمانية من حيث الرحمة الواسعة المحيطة، ومجموعة مراسلات تحمل في بداياتها رموزا وشفرات أحيانا، وكتابٌ مقدسٌ يتفجر بالحكم نزل من محيط الاسم الأعظم ينظر إلى جميع ما يحيط به العرش الأعظم ويفتِّشه فيه ويراقبه ولهذا السر فقد مُنح القرآن عنوان كلام الله بكمال اللياقة. 


228. صفحة

أما سائر الكلمات الإلهية فقسم منها كلام يظهر باعتبار خاص، وبعنوان جزئي، وبتجلٍّ جزئيٍّ لاسم خصوصي من الأسماء الحسنى، وبربوبية خاصة، وبسلطنة خصوصية، وبرحمة خاصة، ودرجاتها مختلفة من حيث الخصوصية والكلية، فأكثر الإلهامات من هذا القسم إلاَّ أن درجاتها متفاوتة جدا. فمثلاً: أكثر الإلهامات جزئيّةً وبساطةً هي إلهامات الحيوانات، ثم إلهامات عوام الناس، ثم إلهامات عوام الملائكة، ثم إلهامات الأولياء، ثم إلهامات أعاظم الملائكة؛ ولهذا السرّ، يقول وليّ من أولياء الله الذي يناجي ربه بدون واسطة بهاتف القلب: "حدَّثني قلبي عن ربِّي"، ولا يقول "حدَّثني قلبي عن رب العالمين"، ويقول: "إن قلبي مرآة ربِّي وعرشه" ولا يقول "عرش رب العالمين"؛ لأنه يمكن أن يكون مظهرًا للخطاب حسب مقدار قابليته وحسب رفعه ما يقارب سبعين ألف حجاب.

وكما أن فرمان السلطان الصادر من حيث سلطنته العظمى أعلى وأسمى من مكالمته الجزئية مع رجل عادي، وكما أن الاستفادة من فيض الشمس التي في السماء أكبر وأعظم من الاستفادة من تجلي عكسها في المرآة، فإن القرآن العظيم الشأن أيضًا يفوق جميع الكلمات والكتب بهذه النسبة.

إن للكتب المقدسة والصحف السماوية تفوّقًا على جميع الكلمات - بدرجة ثانية بعد القرآن -حسب درجاتها، ولها حصة من سر التفوق المشار إليه. إنه لو جُمِعت جميع كلمات الجنِّ والإنس الجميلة التي لم تترشح من القرآن، لا تستطيع أن تبلغ المرتبة القدسية للقرآن ولا أن تكون نظيرًا له.

إذا أردت أن تفهم -شيئًا ما- أن القرآن جاء من الاسم الأعظم ومن مرتبة الاسم الأعظم لكل اسم من الأسماء الحسنى، فانظر إلى التعبيرات الكلية العامة السامية للآيات التالية كـ"آية الكرسي" و﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾[سورة آل عمران:26] و﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ [سورة الأنعام:59] و﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ [سورة الأعراف:54] و﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ [سورة الإسراء:44] و﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي [سورة هود:44] و﴿مَّا خَلْقُكُمْ

229. صفحة

وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [سورة لقمان:28] و﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ [سورة الأحزاب:72] و﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [سورة الأنبياء:104] و﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [سورة الزمر:67] و﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ [سورة الحشر:21]ودقق النظر في بدايات السور المبتدئة بـ"الْحَمْدُ لِلّهِ" أو بـ"يُسبِّحُ" حتى ترى شعاع هذا السرِّ العظيم.

 ثم انظر إلى فواتح السور المبتدئة بـ"الم" وبـ"الر" وبـ"حم" حتى تفهم مدى أهمية القرآن عند الله سبحانه.

وإن كنت قد فهمتَ السرَّ القيِّم لهذا "الأساس الرابع"، فهمتَ أن أكثر الوحي النازل إلى الأنبياء هو بواسطة الملك، وأن أكثر الإلهام هو بلا واسطة، وفهمتَ سرَّ عدم بلوغ أعظم الأولياء درجة أيِّ نبيٍّ من الأنبياء عليهم السلام، وفهمتَ عظمة القرآن، وعزة قدسيته، وسرَّ علوّ إعجازه، وفهمتَ سرَّ لزوم المعراج أي سرَّ عروجه عليه الصلاة والسلام إلى السماوات وإلى سدرة المنتهى وإلى قاب قوسين، ومناجاته مع من هو ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ [سورة ق:16]، وعودته إلى مكانه في طرفة عين.

أجل، كما أن شق القمر معجزة من معجزات رسالته عليه الصلاة والسلام؛ إذ أظهرت نبوَّته للجن والإنس، فكذلك المعراج أيضًا معجزة عبوديته عليه الصلاة والسلام؛ إذ إنها أظهرت حبيبيته للأرواح والملائكة.

اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، كَمَا يَلِيقُ بِرَحْمَتِكَ وَبِحُرْمَتِهِ

آمين

ســعيد النورسي

 


230. صفحة

باسمه سبحانه

﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

اقتُبِسَ هذا القسم من "اللمعة السادسة عشرة"

 

إخوتي الأعزاء الصدِّيقين السَنِرْكَنْدِيِّين[1] السادة: ابراهيم، الحافظ حسين، الحافظ رجب.    إن الملاحدة يتعرضون منذ القديم للمسائل الثلاثة التي أرسلتموها مع الحافظ توفيق.

أولاها: المعنى الظاهري لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [سورة الكهف:86].

ثانيتها: أين سد ذي القرنين؟

ثالثتها: حول نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان وقَتْلِهِ الدجَّالَ.

إن أجوبة هذه الأسئلة طويلة، إلاَّ أننا نقول بإشارة مختصرة: إن الآيات القرآنية ولأنها نزل حسب أساليب اللغة العربية وأنها تفيد المعاني حسب ظاهر النظر وبصورة يفهمها الجميع فهي تُبين الحقائق في كثير من الأحيان بصورة تشبيه وتمثيل.

فقوله تعالى ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ أي: إن ذا القرنين شاهد غروب الشمس في ساحل المحيط الغربي الذي يبدو كعين حمئة وَحِلَةٍ، أو في عين جبل بركاني ذي لهب ودخان؛


[1] سنركند: منطقة في مدينة إسبارطة.




231. صفحة

أي شاهد ذو القرنين بعين مجرَّدة في سواحل المحيط الغربي في وقت زادت حرارة المستنقع الذي حوله وتبخّر بسبب الحرّ الشديد للصيف غروبَ الشمس الظاهري في جزء من المحيط الذي تراءى له من بعيد من وراء ذلك البخار كحوض عين واسعة.

أو أنه رأى اختفاء الشمس التي هي عين السماء في عين ملتهبة انفلقت حديثًا على قمة جبل بركاني يتدفق ويتفجر خالطا الصخور والتراب والمياه المعدنية بعضها ببعض.

أجل، إن البيان المعجز البليغ للقرآن الحكيم يلقّن بهذه الجملة مسائل كثيرةً، أولاً: يبين أن سياحة ذي القرنين إلى جهة المغرب قد صادفت زمان شدة الحرارة ومناطق المستنقعات وأوان غروب الشمس ووقت انفجار وتدفُّق جبل بركاني، وبذلك يشير إلى مسائل ذات عِبَر كسيطرته على إفريقيا بكاملها.

ومن المعلوم أن حركة الشمس المشاهَدة ظاهرية، وهي دليل على الحركة الخفية للكرة الأرضية، وتخبر عنها، وليس المراد هو حقيقة الغروب.

ثم إن العين تشبيه، ويتراءى بحر كبير من بعيد كحوض صغير، وتشبيهه البحر المشاهَد من وراء المستنقعات والضباب والأبخرة الصادرة عن الحرارة بالعين في وسط الوحل، واستعماله في هذا التشبيه كلمة "العين" التي تعني باللغة العربية "الينبوع" و"الشمس" و"البصر"، مناسب وذو دلالات ومعان من حيث أسرار البلاغة[1].

كما أنها تراءت لنظر ذي القرنين هكذا من حيث بعد المسافة، كذلك قول القرآن الذي هو خطاب سماوي ونازل من العرش الأعظم وقائد للأجرام السماوية: إن الشمس المسخَّرة التي تقوم بوظيفة السراج في دار ضيافة رحمانية تختفي في عين ربانية كالمحيط

[1] وحتى تعبير "عين" في ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ يذكِّر رمزا بمعنى لطيف من حيث أسرار البلاغة، وهو: أن وجه السماء بعد مشاهدته بعين الشمس جمال الرحمة على وجه الأرض، والأرض أيضا عقب مشاهدتها بعين البحر العظمةَ الإلهية في الأعالي، تنطبق تلكما العينان على بعضهما فتغمِّض العيون التي على وجه الأرض، وهكذا يذكِّر بكلمة معجزة، ويُشير إلى إنهاء العيون وظيفتها. (المؤلف) 




232. صفحة

الغربي، لهو لائق بعظمته وعلوِّه، ويُري البحر بأسلوبه المعجز ينبوعًا حارًّا وعينًا مفعمة بالدخان، وهكذا يتراءى للعيون السماوية.

الحاصل: إن التعبير عن المحيط الغربي بعين حمئة إنما هو بالنسبة لذي القرنين حيث رأى هذا البحر الكبير من بعيد عينًا صغيرة بخداع البصر، وأما نظر القرآن ولأنه قريب من كل شيء فلا يمكنه أن ينظر حسب ذلك النظر لذي القرنين، وإنما تعبيره عن المحيط الأطلسي الغربي الكبير المفعم بالضباب والبخار، بالعين، يُظهر عظمته وعلوّه؛ إذ إنه نزل مشاهِدًا السماوات، وإنه يرى الكرة الأرضية كميدان حينا، وكقصر أحيانًا، وكمهد في بعض الأحايين، وكصحيفة في أوقات أخرى.

 

الذيل الرابع

"اللمعة السابعة"

حول سبعة أنواع من الإخبار بالغيب التي في الآيات الأخيرة من سورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً _ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً _ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الفتح:27-29]

إن لهذه الآيات الثلاثة من سورة الفتح وجوه إعجاز كثيرة، ووجه الإخبار بالغيب

233. صفحة

من الوجوه الإعجازية العشرة الكلية للقرآن المعجز البيان يَظهر في تلك الآيات الثلاثة بسبعة أو ثمانية أوجه؛

أولها: قوله تعالى ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا...﴾ الخ، تُخبر إخبارًا قطعيًّا بفتح مكة قبل وقوعه، ووقع هذا الفتح بعد سنتين كما أخبرت.

ثانيها: تفيد الآية ﴿..فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيبًا﴾ وتُخبر بأن صلح الحديبية وإن بدا في الظاهر أنه ليس لصالح الإسلام، وبدا أن القرشيين قد انتصروا إلى حد ما، إلاَّ أنه سيكون بمنزلة فتح معنوي عظيم، وسيكون مفتاحًا لفتوحات أخرى. ففي الحقيقة إن السيف المادي وإن وُضِع في غمده مؤقتًا بصلح الحديبية فإنه قد ظهر السيف الألماسي البارق للقرآن الحكيم، وفتح القلوب والعقول، وبسبب المصالحة قد خالط الناسُ بعضهم بعضًا، وأجرت المحاسنُ الإسلاميةُ والأنوارُ القرآنيةُ حكمها مُمَزِّقَةً حجبَ العنادِ والتعصُّبِ القوميِّ.

 فمثلاً: إن الأشخاص الذين يرفضون الانهزام كخالد بن الوليد الذي هو داهية الحرب وكعمرو بن العاص الذي هو داهية السياسة، قد غلبهم سيفُ القرآن الذي أظهر تجلياته في صلح الحديبية، حتى جاءوا إلى المدينة المنورة بكمال الانقياد، وسلموا أنفسهم إلى الإسلام خاضعين، فانقلب سيدنا خالد بن الوليد -رضي الله عنه- إلى سيف الله المسلول، وصار سيفًا من سيوف الفتوحات الإسلامية.

سؤال مهم: ما حكمة انهزام صحابة فخر العالمين وحبيب رب العالمين الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام أمام المشركين في نهاية أُحُد وبداية حُنَين؟

الجواب:

إن الحكمة الإلهية وهبت مسبَقا لأشخاص كثيرين ممن كانوا بين المشركين آنذاك وسيكونون من كبار الصحابة في المستقبل من أمثال سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه مكافأةً معجَّلة لحسناتهم المستقبلية، من أجل ألا تنكسر عزتهم كليًّا لما سيكون لهم من مستقبل شهير عزيز ولم تكسر عزتهم كليًّا، بمعنى أن صحابة الحاضر انهزموا أمام صحابة المستقبل؛ حتى

234. صفحة

لا يدخل الإسلامَ صحابة المستقبل هؤلاء بخوف من بريق السيوف بل بشوق إلى بوارق الحقيقة، ولا تذوقَ شهامتُهم الفطريةُ الكثيرَ من الهوان.

ثالثها: تخبر الآية بقيد ﴿لا تَخَافُونَ بـ"أنكم ستطوفون حول الكعبة بأمان تامٍّ"، إن الآية بإخبارها أنهم سيطوفون حول الكعبة عما قريب بلا خوف على الرغم من أن أغلب الأقوام البدويين في جزيرة العرب ومن هم في أطراف مكة المكرمة والقسم الأعظم من قبيلة قريش أعداء للمسلمين، تخبر وتدل على أن جزيرة العرب ستخضع للإسلام وأن قريشا ستدخل الإسلام بكاملها، ويعمُّ الأمن التام. وحدث كما أخبرت الآية تمامًا.

رابعتها: تخبر الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ إخبارًا قاطعًا أن الدين الذي جاء به الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام سيغلب جميع الأديان الأخرى.

حيث إن الآية تخبر إخبارًا واضحًا قاطعًا بأن الدين الذي جاء به محمد العربي عليه الصلاة والسلام الذي لم يستطع أن ينتصر بعد على قبيلته الصغيرة انتصارًا تامًّا، سيغلب الأديان الأخرى برمتها، وسينتصر على الدول الأخرى قاطبةً في حين أن النصرانية واليهودية والمجوسية التي لها مائة مليون من الأتباع آنذاك كانت أديانا رسمية للدول الكبرى التي لها مئات الملايين من الأتباع كرومَا والصين وإيران.

والمستقبل صدّق هذا الخبر الغيبي بامتداد سيف الإسلام من المحيط الشرقي إلى المحيط الغربي.

خامسها: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً الخ. إن بداية هذه الآية تخبر بالسجايا العالية والمزايا الغالية التي هي سبب لكون الصحابة رضوان الله عليهم خِيرَة نوع البشر بعد الأنبياء عليهم السلام، وتبيِّن بمعناها الصريح ما ستتصف به طبقات الصحابة في المستقبل من الصفات المتميزة المختلفة المتنوعة الخاصة بهم، وتشير بمعناها الإشاري -لدى أهل التحقيق- إلى الخلفاء الراشدين الذين سيخلفون مقام النبي عليه الصلاة والسلام بعد وفاته بترتيب خلافتهم،

235. صفحة

وتخبر بأشهر الصفات الخاصة بكل واحد منهم والتي هي سبب تميُّزهم؛ وكما أنها تشير بـ ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ إلى سيدنا الصديق رضي الله عنه الشهير والممتاز بالمعية المخصوصة والصحبة الخاصة، وبكونه أول من التحق بمعيته صلى الله عليه وسلم كذلك بعد وفاته؛ إذ إنه أول من توفي من الخلفاء، كذلك تشير بـ ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى سيدنا عمر رضي الله عنه الذي سيهزّ في المستقبل دول العالم بفتوحاته، وسيشتدّ كالصاعقة على الظالمين بعدالته، وكما أنها تخبر بـ ﴿رُحَمَاء بَيْنَهُمْ عن سيدنا عثمان رضي الله عنه الذي ضحى بروحه وجاد بنفسه لكيلا تراق دماء المسلمين من كمال رحمته وشفقته في الوقت الذي كان يمهد الطريق فيه لأعظم وأخطر فتنة في المستقبل، وفضّل أن يموت شهيدًا مظلومًا وهو يقرأ القرآن، كذلك تخبر بـ ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً عن الأحوال المستقبلية لسيدنا علي رضي الله عنه الذي اختار الزهد الكامل والعبادة والفقر والاقتصاد مع أنه دخل في عالم الحكم والخلافة بلياقة تامة وبشهامة، والذي مصدَّقةٌ مواظبتُه على الركوع والسجود وإكثارُه إياهما من قبل الجميع، وعن أنه ليس مسئولاً عن الحروب التي دخلها في تلك الفتن، وأن نيته ومطلبه هو الفضل الإلهي.

سادسها: إن فقرة ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ إخبار غيبي من جهتين؛

الجهة الأولى: إنها تخبر عن أوصاف الصحابة الواردة في التوراة التي هي في حكم الغيب بالنسبة لشخص أمي مثل الرسول عليه الصلاة والسلام.

نعم، إنه كما بُيِّن في "المكتوب التاسع عشر" هناك فقرة في التوراة تتعلق بصحابة نبيِّ آخر الزمان، وهي؛ "إن أعلام القدسيين معه"؛ أي إن صحابته عليه الصلاة والسلام هم أهل الطاعة والعبادة وأهل الصلاح والولاية؛ إذ إنها وصفتهم بالقدسيين أي المقدَّسين. ثم إن التوراة مع أنها حُرِّفت بسبب ترجمتها إلى لغات متعددة كثيرة، لم تزل تصدِّق بآياتها المتعددة حكم سورة الفتح ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾.

الجهة الثانية: إنها تخبر بفقرة ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ بأن الصحابة والتابعين سيبلغون مرتبة من العبادة بحيث إن ما في أرواحهم من نور سيلمع على وجوههم، وسيَظهر على

236. صفحة

جبينهم كخاتم الولاية أختام نورانية حاصلة من كثرة السجود. أجل، إن المستقبل قد أثبت هذا إثباتًا قاطعًا باهرًا وبصورة واضحة.

نعم؛ إن أشخاصًا كثيرين، بل كثيرين جدًّا، مثل زين العابدين رضي الله عنه الذي كان يصلّي ألف ركعة ليلاً ونهارًا بين الفتن العجيبة والسياسة المضطربة، وطاووس اليماني الذي أدَّى صلاة الفجر خلال أربعين سنة بوضوء العشاء، قد أظهروا سرَّ ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾.

سابعها: إن فقرة ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ إخبار غيبي من جهتين؛

الجهة الأولى: إنها تخبر عن إخبار الإنجيل عن الصحابة الذي هو في حكم الغيب بالنسبة لنبيٍّ أميٍّ عليه الصلاة والسلام. نعم، إن في الإنجيل آيات في وصف نبيّ آخر الزمان مثل آية : "معه قضيب من حديد وأمته كذلك" بمعنى أنه سيأتي نبي يحمل سيفًا، ليس كسيدنا عيسى عليه السلام بدون سيف، وسيكون مأمورًا بالجهاد، وأصحابه أيضًا سيكونون أصحاب السيوف ومأمورين مثله بالجهاد، وسيكون صاحبُ القضيب الحديدي هذا سيِّدَ العالم؛ إذ إنه يقول في مكان ما من الإنجيل: "إني ذاهب حتى يأتي سيِّدُ العالم".

وهذا يعني أنه يُفهم من هاتين الفقرتين من الإنجيل أن الصحابة رضي الله عنهم وإن كانوا في بداية أمرهم قلّة وضعفاء إلاَّ أنهم سينمون نمو البذرة، وسيرتفعون، وسيستغلظون، وسيشتد ساعدهم، وسيجعلون غيظ الكفار غصة في حلقهم حين كانوا يشدون الخناق عليهم، فسيُسخِّرون نوع البشر لأنفسهم بسيوفهم وسيُثبتون أن الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام الذي هو سيدهم، سيِّد العالم، فهذه الفقرة تفيد تماما معنى هذه الآية من سورة الفتح.

الجهة الثانية: إن هذه الفقرة -من الآية- تخبر بأن الصحابة رضي الله عنهم وإن كانوا قد قبلوا صلح الحديبية بسبب قلتهم وضعفهم إلاَّ أن هؤلاء الصحابة الكرام سيكتسبون

237. صفحة

ازدهارا وانفتاحا وهيبة وقوة في فترة زمنية قصيرة وبسرعة هائلة بحيث سيزداد عددهم وسيجدون قوة بصورة عالية وقوية ومثمرة ومباركة للغاية بالنسبة لسنابل نوع البشر القصيرة الضعيفة الناقصة المنحوسة -التي زُرعت في مزرعة الأرض بيد القدرة- من حيث غفلتهم آنذاك, وسيتركون الدول الكبرى العظيمة في غيظ ناشئ من الغبطة والحسد والمنافسة.

نعم، إن المستقبل قد أظهر هذا الإخبارَ الغيبيَّ إظهارًا ساطعًا.

وإن في هذا الإخبار إيماء خفيًّا آخر وهو:

مع أنه كان يجب الوعد بالمكافأة العظمى من حيث المقام حين كان يُثني على الصحابة بالتوصيفات المهمة فإنه يشير بكلمة " مَغْفِرَةً " إلى وقوع أخطاء فيما بينهم في المستقبل بسبب الفتن؛ إذ إن " مَغْفِرَةً " تدل على وقوع الخطأ، وسيكون أهمّ مطلب وأسمى إحسان لدى الصحابة آنذاك هو المغفرة، وأما أعظم مكافأة فهو العفو وعدم المجازاة.

كما أن كلمة " مَغْفِرَةً " تشير إلى إيماء لطيف، كذلك كلمة " مَغْفِرَةً " هذه، لها علاقة بجملة ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ التي هي في بداية السورة. إن كلمة المغفرة الواردة في بداية السورة لا تعني المغفرة للذنوب الحقيقية؛ إذ العصمة موجودة ولا يوجد إثم، وإنما هي مغفرة تليق بمقام النبوة، ويزيد هذا الإيماءَ لطافةً أخرى ببشارته الصحابة بالمغفرة في آخر السورة.

وهكذا فإن للآيات الثلاثة المذكورة الأخيرة من سورة الفتح عشرة وجوه إعجازية، فقد ذكرنا سبعة أوجه فقط من بين الوجوه الكثيرة للإخبار الغيبي فحسب الذي هو وجه من تلك الوجوه الإعجازية العشرة الكلية.

ولقد أشير في آخر "الكلمة السادسة والعشرين" المتعلقة بالاختيار الجزئي والقَدَر إلى لمعة إعجاز مهمة في أوضاع الحروف الموجودة في هذه الآية الأخيرة، وكما أن هذه الآية

238. صفحة

الأخيرة تشير بجملها إلى الصحابة رضوان الله عليهم، فتشير بقيودها أيضًا إلى أحوال الصحابة، وكما أنها تُبيِّن بألفاظها أوصاف الصحابة، تشير بحروفها وعدد تكرار حروف تلك الآيات أيضا إلى طبقات الصحابة المشهورة كأصحاب بدر وأحد وحنين وأصحاب الصفة وبيعة الرضوان، وتبيِّن أسرارًا أخرى كثيرة بالحساب الأبجدي ومن حيث التوافق الذي هو نوع من علم الجفر ومفتاحه.

سبحانك لا علم لنا إلاَّ ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم

تتمة:

﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً _ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً [سورة النساء:68-69]

سنشير في بيان هذه الآية إلى نكتتين اثنتين من بين آلاف نكاتها.

 النكتة الأولى: كما أن القرآن المعجز البيان يُبيِّن الحقائق بمفاهيمه وبمعانيه الصريحة، فكذلك يبيِّن بأساليبه وبهيئاته معاني إشارية كثيرة. إن لكل آية طبقات معان كثيرة، ولأن القرآن جاء من العلم المحيط فيمكن أن تكون جميعُ معانيه مقصودة، ولا تنحصر معانيه في واحد أو اثنين من المعاني كما في كلام البشر الذي هو نتيجة بفكره الجزئي وبإرادته الشخصية. وبناءً على هذا السر فقد بُيِّنَ ما لا حد له من الحقائق للآيات القرآنية من قبل أهل التفسير، وهنالك حقائق أخرى كثيرة جدا لم يُبيِّنها المفسرون بعدُ، وهنالك علوم مهمة كثيرة خاصةً في إشارات الحروف علاوة على ما تحملها من معاني صريحة.

النكتة الثانية: إن هذه الآية الكريمة كما أنها تفيد بتعبير ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً﴾.

أن من بين الجنس البشري أهل الصراط المستقيم الذين نالوا النعم الإلهية الحقيقية وهم طائفة الأنبياء، وقافلة الصديقين، وجماعة الشهداء، وأصناف الصالحين، وأنواع

239. صفحة

التابعين، فكذلك تشير إشارة صريحة إلى أكمل قسم من هذه الأقسام الخمسة في العالم الإسلامي، وكما أنها تدل على أئمة هذه الأقسام الخمسة ورؤسائها بذكرها صفاتهم الشهيرة، فكذلك تعيِّن -بوجه من الوجوه- أحوال رؤساء تلك الطوائف في المستقبل بلمعة الإعجاز التي هي نوع من الإخبار الغيبي.

نعم، كما أنها تشير بـ ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ إشارة صريحة إلى الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وتشير بفقرة ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ إلى أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، وتشير إلى أنه الشخص الثاني بعد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأول من سيخلفه، وبكلمة ﴿وَالشُّهَدَاء﴾ تذكر سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي -معًا- رضوان الله عليهم أجمعين، وتشير وتبيِّن بصورة غيبية أن ثلاثتهم سينالون خلافة النبوة بعد الصِّدِّيق، وأن ثلاثتهم سيستشهدون، وأن فضل شهادتهم سيُضاف إلى فضائلهم الأخرى، وبكلمة ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ تشير إلى الأشخاص الممتازين كأصحاب الصفة وبدر وبيعة الرضوان، وبالمعنى الصريح لجملة ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ تحثّ المسلمين على الاقتداء بهم، وبإظهارها حسن وجمال اتباع التابعين لهم تُبيِّن بمعناها الإشاري أن سيدنا الحسن رضي الله عنه هو خامس الخلفاء الراشدين؛ لتُظهر قيمته العالية رغم قصر مدة خلافته التي تصدِّق حكم الحديث الشريف "إن الخلافة بعدي ثلاثون سنة[1]".

الحاصل: كما أن الآية الأخيرة من سورة الفتح تُشير إلى الخلفاء الأربعة،كذلك فإن هذه الآية أيضًا تتوجه إلى حد ما بصورة إشارية إلى أحوالهم المستقبلية بنوع من الإخبار الغيبي مؤيِّدةً تلك الآية.

واللمعات الإعجازية لنوع الإخبار الغيبي -الذي هو نوع من أنواع إعجاز القرآن- كثيرة في الآيات القرآنية إلى حد لا يقبل الحصر، وحصر أهلِ الظاهر في أربعين أو خمسين آية هو بسبب نظرهم الظاهري، وهي في الحقيقة أكثر من الألف، وأحيانًا يكون في آية واحدة خمسة وجوه من الإخبار الغيبي.

إيضاح ثانٍ آخر لهذه التتمة[2]: إن هذه الآية ﴿فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم

[1]انظر روايات ذلك في البيهقي8/159، ومسند أحمد 4/273، والمعجم الأوسط6/345.

[2] إن هذين الإيضاحين تكرارٌ من ناحية، ولكن المستنسخين أعجبوا بهما فسجّلوا كليهما. (المؤلف).



240. صفحة

مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً [سورة النساء:68-69] التي تؤيِّد الإشارة الغيبية الواردة في ختام سورة الفتح، والتي تبيِّن من هم أهل الصراط المستقيم المشار إليهم في الآية ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ من سورة الفاتحة، والتي تُظهر قافلة الرفقاء النورانية الأنيسة الكثير عدد أفرادها والجاذبة في طريق أبد الآباد الطويلة جدًّا، والتي تدفع أهل الإيمان وأصحاب الوعي بشدة وفي إعجاز إلى الالتحاق بتلك القافلة ومرافقتها من حيث التبعيّة، تشير بالمعاني الإشارية والرمزية إلى الخلفاء الأربعة وإلى الحسن رضي الله عنه الذي هو خامس الخلفاء، علاوة على ما في آخر الآية من سورة الفتح من المعنى المقصود المعبَّر عنه في علم البلاغة بـ"معاريض الكلام ومستتبعات التراكيب"، وتخبر عن الأمور الغيبية من عدة جهات، كالآتي؛

كما أن هذه الآية تُفيد بمعناها الصريح أن بين البشر قافلة الأنبياء، وطائفة الصديقين، وجماعة الشهداء، وأنواع الصالحين، وأصناف التابعين والمحسنين، الذين نالوا النعم الإلهية والذين هم أهل الصراط المستقيم، وأن في عالم الإسلام أيضًا أكمل تلك الطوائف وأفضلها، وكما أنها تشير بنوع من الإخبار الغيبي إلى طائفة ورثة الأنبياء التي تتسلسل من سرّ وراثة النبوَّة لنبيِّ آخر الزمان، وإلى قافلة الصِّدِّيقين التي تتسلسل من معدن صدِّيقيَّة الصدِّيق الأكبر رضي الله عنه، وإلى قافلة الشهداء المرتبطة بمرتبة شهادة الخلفاء الثلاثة، وإلى جماعة الصالحين المرتبطة بسرّ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾، وإلى أصناف التابعين الذين يمتثلون سرَّ ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ والذين يرافقون الصحابة والخلفاء الراشدين، كذلك تُخبر بكلمة ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ من حيث المعنى الإشاريِّ عن سيدنا أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه الذي سيجلس في مقام الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وسيكون خليفته، وسيشتهر في الأمة بلقب الصدِّيق، وسيُصبح رئيسًا لقافلة الصدِّيقين، وتخبر بكلمة ﴿وَالشُّهَدَاء عن شهادة الثلاثة من الخلفاء الراشدين، أي إنه سيأتي ثلاثة خلفاء شهداء؛ لأن كلمة ﴿شُهَدَاء جمع، وأقل الجمع ثلاثة، بمعنى أن سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي رضي الله عنهم سيتولون رئاسة المسلمين بعد سيدنا الصدِّيق، وسيستشهدون، ووقع فعلاً هذا الخبر الغيبيُّ بعينه. ثم إنها تخبر بقيد

241. صفحة

﴿وَالصَّالِحِينَ عن وجود أهل الصلاح والتقوى والعبادة بكثرة في المستقبل، مثل أهل الصفة الذين نالوا ثناء التوراة في الطاعة والعبادة، وتستحسن بجملة ﴿وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً﴾ تبعيّة التابعين الذين رافقوا واتبعوا الصحابة في العلم والعمل، وتُظهر أن مرافقة تلك القوافل الأربعة في طريق الأبد حسنٌ وجميلٌ، وتشير إلى خلافة سيدنا حسن رضي الله عنه وإلى أهميتها، تلك الخلافة التي كانت مدتها وجيزة كعدة شهور إلا أنها صدّقت الإخبارَ الغيبيَّ المعجز النبوي في الحديث "إن ابني حسن هذا سيِّد سيصلح الله به بين فئتين عظيمتين[1]" والتي أصلحت بين جيشين عظيمين وجماعتين إسلاميتين وأزالت النزاع بينهما، وتشير في الجملة ﴿وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا﴾ بالمعنى الإشاري الذي هو نوع من الإخبار الغيبي وبالسرّ المعبَّر عنه في علم البلاغة بـ"مستتبعات التراكيب" إلى اسم الخليفة الخامس ليظهر خليفة خامسًا للخلفاء الأربعة، فلها أسرار أخرى كثيرة كالإخبارات الإشارية المذكورة ولم يُفتَح ذلك الباب حاليًا، لأننا لسنا بصدده، وللقرآن الحكيم آيات كثيرة بحيث إن كل آية من تلك الآيات نوع من الإخبار الغيبي بوجوه كثيرة، وهذا النوع من الإخبار الغيبي القرآني آلاف.

الخاتمة: إن نكتة من النكات الإعجازية التي تَظهر من جهة التوافق الخطي للقرآن الحكيم هي: أن مجموع عدد "هو" الذي ورد في القرآن الحكيم والذي جاء بديلا عن ألفاظ "الله" و"الرحمن" و"الرحيم" و"الرب" هو نيف وأربعة آلاف، ومجموع "بسم الله الرحمن الرحيم" بحساب النوع الثاني من الحساب الأبجدي أي بترتيب حروف الهجاء، هو كذلك نيف وأربعة آلاف، ولأن الكسور القليلة في الأعداد الكبيرة لا تخل بالتوافق فإننا صرفنا النظر عن هذه الكسور.

ومجموع "الم" مع ما يضمه من اثنين من واو عطف نيف ومائتان وثمانون وتتوافق مع نيف ومائتين وثمانين من اسم الجلال الموجود في سورة البقرة ومع نيف ومائتين وثمانين من آياتها بعينها، وبالحساب الثاني أي الطرز الهجائي من الحساب الأبجدي يكون مجموع "الم" نيف وأربعة آلاف، وهذا يتوافق مع عدد مجموع الأسماء الخمسة المشهورة المذكورة أعلاه، ويتوافق مع عدد مجموع "بسم الله الرحمن الرحيم" بغضّ النظر عن الكسور.


[1] انظر البخاري 2/962، وسنن النسائي 1/531, ودلائل النبوة للبيهقي 6/442.



242. صفحة

بمعنى أن "الم" اسم يضم مسماه بناءً على سرِّ هذا التوافق، وهو في الوقت ذاته اسم للبقرة، واسم للقرآن، وفهرس مختصر لكليهما، ونموذجهما، وخلاصتهما، وبذرتهما، ومجمل "بسم الله الرحمن الرحيم".

إن "بسم الله الرحمن الرحيم" بحساب مشهور من الحساب الأبجدي يساوي عدد مجموع اسم "الرب"، و"الراء" المشدّد في "الرحمن الرحيم" لو عُدّ اثنين، يكون مجموعه تسعمائة وتسعة وتسعين ويكون مدارا للأسرار المهمة الكثيرة جدا، فضلاً عن أنه مفتاح بحروفه التسعة عشرة لتسعة عشر ألف عالم.

ومن التوافقات اللطيفة للفظ الجلالة في القرآن المعجز البيان أنه: كما أن ثمانين من لفظ الجلالة يتوافق بعضها مع بعض في بداية السطور الأخيرة في الصفحات، كذلك في نهاية السطور ثمانين من لفظ الجلالة يتوافق بعضها مع بعض.

وخمسة وخمسون من لفظ الجلالة تقع على بعضها بعضًا وتتحد في أوساط السطور الأخيرة وكأنها لفظ جلالة واحد يتركب من خمسة وخمسين من لفظ الجلالة.

ولو ضُمَّ التوافق التام لبعض الكلمات القصيرة المكوَّنة من ثلاثة حروف مع الفاصلة وعددها خمسة وعشرون في بداية السطر الأخير إلى توافق العدد خمسة وخمسين التي في الوسط، يكون توافق العدد ثمانين، ويكون قد توافق مع عدد التوافق الثمانين الذي في بداية السطور ومع الثمانين التي في نهاية السطور.

ويا ترى هل من الممكن أن تكون هذه التوافقات اللطيفة الظريفة المنتظمة الموزونة ذات الإعجاز بلا نكتة وحكمة؟ حاشاه أن يكون كذلك، بل يمكن أن يُكشَف كنز مهم بطرف هذا التوافق.

﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا

سبحانك لا علم لنا إلاَّ ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم

جزء من "الذيل الرابع"

بيان موجز لإعجاز القرآن


243. صفحة

رأيت ذات يوم فيما يرى النائم أنني تحت جبل آرارات([1]) فانفلق ذلك الجبل فجأة، وقذف صخورًا كالجبال إلى أنحاء العالم وهزّ العالم.

وفجأة ظهر رجل بجانبي فقال لي:

بَيِّنْ بإيجاز وأوجز بإجمال ما تعرف من أنواع إعجاز القرآن.

فكرتُ في تعبير الرؤيا وأنا ما زلت فيها وقلت:

إن هذا الانفلاق هنا مثالٌ لما يحدث في البشرية من انقلاب، وسيعلو وسيهيمن هَدْيُ القرآن على كل مكان بلا ريب في هذا الانقلاب. وسيأتي زمان بيان إعجازه.

قلت لذلك السائل مُجيبًا:

إن إعجاز القرآن يتجلى في سبعة منابع كلية ويتكون من سبعة عناصر.

المنبع والعنصر الأول: فهو بارقة بيانية تتولد من امتزاج فصاحة اللفظ وسلاسته، وجزالة النظم، وبلاغة المعنى، وبداعة المفاهيم، وبراعة المضامين، وغرابة الأساليب، فهو قد امتزج بهذه الأوصاف، وظهر في خاصية إعجازه نقشٌ بيانيٌ عجيبٌ وفي لسانه صنعةٌ بديعةٌ، فتكرارُه يجعل الإنسانَ لا يَمَلُّ أبدًا.  

أما المنبع والعنصر الثاني: فهو خزينة علم الغيوب السماوي ولسان عالَمِ الغيب السماوي الذي يتضمن -جملة- الأساسات الغيبية السماوية في الأمور الكونية، والأسرار الغيبية السماوية في الحقائق الإلهية، والأمور الغيبية السماوية المنطوية في الماضي، والأحوال المستترة الغيبية السماوية في المستقبل.

يتكلم مع عالَم الشهادة ويبين الأركان بالرموز، والمستهدف هو نوع الإنسان. وهذا لمعة نورانية من الإعجاز.

أما المنبع والعنصر الثالث فهو: إن للقرآن جامعية خارقة من خمس نواحٍ: في لفظه، وفي معناه، وفي أحكامه، وفي علمه، وفي ميزان مقاصده.

فلفظه: يتضمن احتمالاتٍ واسعة ووجوهًا كثيرة، بحيث إن كل وجهٍ منها مُسْتَحْسَنٌ

[1]   جبل آرارات: جبل في شرق تركيا.

 



244. صفحة

في نظر البلاغة، وصحيح حسب علم اللغة العربية، ومن ثم فسرُّ التشريع يستسيغ تلك الظاهرة.

وأما معناه: فلقد أحاط ذلك البيانُ المعجزُ بمشارب الأولياء، وأذواقِ العارفين ومذاهبِ السالكين، وطرقِ المتكلمين، ومناهج الحكماء، وتضمنها جميعها. ففي دلالاته شمولٌ، وفي معناه سعة.

فلو نظرت من خلال هذه النافذة لرأيت مدى سَعَةِ ميدانه.

الاستيعاب في الأحكام: هذه الشريعة الغراء الرائعة قد استُنبطتْ منه؛ إذ قد تضمَّنَ أسلوبُ بيانه جميعَ دساتير سعادة الدارين وأسبابَ الأمن والاطمئنان فيهما، وكلَّ روابط الحياة الاجتماعية، ووسائل التربية وحقائق الأحوال.

استغراق علمه: لقد أحاط سُورُ سُوَرِه بالْجِنانَ، ففيه دلالات ورموز وإشارات العلوم الكونية والعلوم الإلهية كل حسب مرتبته.

لقد راعى مراعاة تامة الموازنةَ والاطرادَ والاتحاد والمطابقة مع دساتير الفطرة في المقاصد والغايات فحافظ على الميزان.

فهذه هي الجامعية ذات الشأن العظيم تتجلى في إحاطة اللفظ، وسَعَة المعنى، واستيعاب الأحكام، واستغراق العلم، وموازنة الغايات.

أما المنبع والعنصر الرابع: فإنه يُفيض إفاضة نورانية على كل عصر حسب درجة فهمه، ومستوى أدبه، وعلى كل طبقة من طبقاته بدرجة استعدادها، ورتب قابليتها.

فبابُه مفتوح لكل عصر ولكل طبقة من طبقاته، فكأن ذلك الكلام الرحماني ينـزل طَرِيًّا نَدِيًّا في كل زمان وفي كل مكان.

فكلَّما شابَ الزمانُ وشاخَ، شبَّ القرآنُ واتضحتْ رموزُه. فذلك الخطاب الإلهي يمزق ستار الطبيعة والأسباب، ويتفجّر نورُ التوحيد من كل آية في كل وقت، ويزيح حجاب الشهادة عن الغيب.

فإن علو خطابه يَلْفِتُ نَظَر الإنسان إلى التفكر والتأمل؛ إذ هو لسان الغيب يتكلم

245. صفحة

بالذات مع عالم الشهادة.

 

نخلُص من هذا العنصر: بأن نداوته الخارقة محيطة كالبحر المحيط، إذ فيه تنزلات إلهية إلى عقول البشر لتألفه الأذهان، وهذا التنوع في أسلوبها هو ما جعل التنزيل مأنوسا فأصبح محبوب الإنس والجان.

 

أما المنبع والعنصر الخامس: فهو ينبّه ويوقظ البشر مسْتخدما أسلوبًا بديعًا غزيرَ المعاني في ذكره النقاط الأساسية لأخباره الصادقة ضمن نُقولِه وقصصه كالشاهد الحاضر.

ومنقولاته هي: سرده وحكايته أخبار الأولين، وأحوال الآخرين، وأسرار الجِنان وجهنم، والحقائق الغيبية، وأسرار عالم الشهادة، والأسرار الإلهية والروابط الكونية. فتلك الأخبار المشاهَدة عيانًا لم يردّها الواقع ولم يكذّبها المنطق، بل لا يستطيع ردّها أبدًا، ولو لم يقبلها.

 أما عن حديثه عن هذه المنقولات فإنه ينقلها مصدِّقًا الكتب السماوية - التي هي مطمح العالم - في مظان الاتفاق، ويبحث فيها مصحِّحًا لها في مواضع الاختلاف.

أليس صدورُ مثل هذه الأمور النقلية عن “أُمِّيٍّ” خارقةَ الزمان!

أما المنبع العنصر السادس: فإنه مؤسس دين الإسلام ومتضمن له. فلو تحريت الزمان والمكان لرأيت أنه لا يستطيع أن يأتي الماضي ولا المستقبلُ بدين مثل الإسلام. إنه خيط سماوي يمسك كرتنا الأرضية، ويديرها في مدارها السنوي واليومي، ويسيطر على الأرض ويركبها ويَحُولُ بينها وبين العصيان.

أما المنبع والعنصر السابع: فإن كل الأنوار الستة المنتشرة من هذه المنابع الستة يمتزج بعضها ببعض، فيصدُر عن هذا حُسنٌ، ويتولد من ذاك حَدْسٌ، وهو الوسيلة النورانية.

ويصدر عن هذا ذوق، وهو ذوق الإعجاز، الذي يُحَسُّ ولكن يعجز لساننا عن التعبير عنه، ويقصر فكرنا دونه.


246. صفحة

فتلك النجوم السماوية تُشاهَد ولا تُمسَك.

فطوال ثلاثة عشر قرنًا([1]) من الزمان كان أعداءُ القرآن يحملون رغبة للتحدي، بينما استيقظ شوق التقليد في نفوس أوليائه. 

وهذا برهان من براهين الإعجاز؛ إذ ظهرت من جراء هاتين الرغبتين الشديدتين ملايين الكتب بالعربية في مكتبة الوجود.

فإن قورنت تلك الملايين من الكتب بالقرآن الكريم وُوزِنَتْ بميزان، فسيقول العالم الفذ الفريد، بل حتى الرجل العامي بعينه وسمعه: إن هذه الكتب بشريةٌ، وهذا سماوي.

وسيحكم حتمًا: بأن هذه الكتب لا تشبه هذا القرآن، ولا يمكن أن تكون في مستواه البتَّةَ.

فإما أنه أدنى من الكل وهذا معلوم البطلان بالبداهة؛ وإما عكس ذلك.

إذن فهو فوق الكل.

ولقد فَتح أبوابَ مضامينه على مصاريعها للبشر ووقفها لهم طوال هذه المدة الطويلة ودعا الأرواحَ والأذهان إلى نفسه، فتصرف البشر في تلك المضامين وتملكوا ما تصرفوا فيه، ومع هذا لم يستطيعوا معارضته([2])، ولا يمكنهم ذلك أبدًا، فلقد انتهى زمن اختباره.

إن القرآن لا يشبه سائر الكتب ولا يقاس بها؛ إذ نزل خلال ثلاث وعشرين سنة نزولاً مُنَجَّمًا([3]) لحكمة ربانية، متفرقًا متقطعًا حسب الاحتياج.

وأسباب نزوله مختلفة متباينة، والأسئلة مكررة والحادثات متفاوتة في موضوع واحد، وأحكامه متعددة متغايرة، وأزمنة نزوله مختلفة متفرقة.

 وحالات تَلَقّيه متنوعة مختلفة، وأقسام مخاطبيه متعددة متباعدة، وفي غايات

[1]   هذا بالنسبة لزمن تأليف هذه الرسالة. المترجم.

 

[2]   معارضته: أي تقليده.

 

[3]   مُنَجَّمًا: أي متفرقًا وليس جملة واحدة.

 



247. صفحة

إرشاداته تدرُّج وتفاوُت. بناؤُه وبيانه وجوابه وخطابه مستند إلى هذه الأسس المذكورة آنفًا.

وإلى ذلك فقد أظهر كمال السلاسة والسلامة والتناسب والتساند.

والدليل على ذلك والشاهد هو علم البيان وعلم المعاني.

وفي القرآن خاصية لا توجد في أي كلام آخر: وهي أنك إذا سمعت كلامًا من أحدٍ فإنك ترى صاحبَ الكلامِ الحقيقيَّ خلفه أو تجده فيه، إذ الأسلوبُ مرآة الإنسان، وأما القرآن الكريم فليس هكذا.

أيها السائل المثالي، لقد طلبتَ الإيجاز، وأنا بدوري قد أشرتُ إليه. 

وإن طلبتَ التفصيلَ فذلك فوق حدّي وطوقي، فالذبابة لا تستطيع أن تشاهد السماوات.

وقد بيّن كتاب (إشارات الإعجاز) واحدًا فقط من أربعين نوعًا من إعجاز القرآن، وهو جزالة النظم، فلم يَسَعْهُ الكتاب ولم تَفِ مائة صفحة من تفسيري ببيانه.

وأنا بدوري أريد ممن هو روحاني وله إلهامات كثيرة مثلك تفصيلَه وبيانه.

 

لن تستطيع أن تبلغ يدُ الأدب الغربي ذي الأهواء

 والنـزوات والدهاء

شأنَ أدب القرآن الخالد ذي النور والهدى والشفاء.

الحالة التي ترضي الأذواق الرفيعة للكاملين من الناس لا تَسُرُّ ولا تروق أصحاب الأهواء الصبيانية وذوي الطبائع السفيهة، ولا تمتعهم.

وبناءً على هذه الحكمة، فإن ذوقًا سفيهًا سافلاً غُذِّىَ بالأهواء النفسانية والشهوانية وترعرع في أجوائها، لا يعرف الذوق الروحي.

فالأدب الحاضر المترشح من أدب أوروبا لا يستطيع أن يرى من خلال نظرته الروائية اللطائفَ العاليةَ والمزايا الرائعةَ في القرآن الكريم، ولا يستطيع أن يتذوقها؛ لذا لا يستطيع أن يجعل مِحَكَّهُ معيارًا له.


248. صفحة

وللأدب ثلاثة ميادين يجول فيها ولا يستطيع أن يخرج عنها:

إما ميدان العشق والحسن.

وإما ميدان الحماسة والشهامة.

وإما ميدان تصوير الحقيقة.

 

فالأدب الأجنبي

 في ميدان الحماسة:

لا ينشد الحق، بل يلقّن ويشجع شعور الافتتان بالقوة مصفقًا لبطش البشر الظالمين وَجَوْرِهم([1]).

 وفي ميدان الحسن والعشق:

لا يعرف العشقَ الحقيقِيَّ، بل يلقي ويبعث ذوقًا شهوانيًّا عارمًا في النفوس.

وفي ميدان تصوير الحقيقة:

لا ينظر إلى الكون على أنه صنعة إلهية، ولا يستطيع أن يرى أنه صبغة رحمانية، بل يصفه ويصوره من زاوية الطبيعة، ولا يَقْدِرُ على التجرد والفِكاك منه؛ لذا يلقن عشقَ الطبيعة ويغرز حب المادة وعبادتها في قرارة القلب، فلا ينجو المرء منه بسهولة.

ثم إن ذلك الأدب غير المتأدب المهدئ المنوِّم لا يغني شيئًا في حقيقته عن اضطرابات الروح وقلقها الناشئة عن الضلالة الناجمة عن عشق الطبيعة وعبادة المادة.

فلم يجد إلا علاجًا واحدًا وهو رواياته وهي حي ميت كالكتاب، وأموات متحركة كالسينما، والميت لا يقدر أن يهب الحياة، وأشباح شبه متناسخة للمقبرة الواسعة المسماة بالماضي كالمسرح، فلا يخجل من هذه الأنواع الثلاثة من رواياته.


[1]   الجور: الاعتداء والظلم.

 



249. صفحة

ولقد وضع لسانًا كاذبًا في فم البشر، وركّب عينًا فاسقة في وجه الإنسان، وألبس الدنيا فستان راقصة ساقطة، فلا يعرف الحسنَ المجرد.

حتى لو أراد أن يُري الشمسَ فإنه يذكِّر القارئ بممثلة شقراء حسناء.

وهو في الظاهر يقول: إن السفاهة قبيحة سيئة لا تليق بالإنسان، ثم يشير إلى نتائجها المضرة، إلاّ أنه يصورها تصويرًا مثيرًا يسيل بسببه اللعاب، فالعقل يَفقِد سيطرتَه وزمامَه؛ إذ يثير الشهواتِ ويهيِّج الأهواءَ، إلى حد تُفقَد معه السيطرة على الأحاسيس.

أما أدب القرآن الكريم

فإنه لا يفسح المجال للهوى، بل يمنح الإنسانَ الشعورَ بنشدان الحق وحبه، وعشق الحسن المجرد، وتذوّقَ عشق الجمال، والشوقَ إلى محبة الحقيقة، ولا يخدع أبدًا.

ولا ينظر إلى الكون من زاوية الطبيعة، بل يذكره بأنه صنعة إلهية وصبغة رحمانية، فلا يُحيِّر العقولَ، فيلقّن نور معرفة الصانع، ويُري آياتِه في كل شيء.

والأدبان كلاهما يورثان حزنًا رقيقًا، إلاّ أن حزنيهما لا يتشابهان؛

أما الأدب الغربي وليد أوروبا فيورث حزنًا مهمومًا ناشئًا عن الوحشة وعن فقد الأحباب، وفقدان الأصدقاء. ولا يَقدر على أن يورث حزنًا طاهرًا ساميًا.

إذ يرى الأدب الغربي - بشعور الحزن المهموم الذي يستلهمه من طبيعة صماء وقوة عمياء - أن العالم مكان موحش ولا يُظهر العالَم إلا بهذه الصورة.

ويلقي بهذا الإنسان المحزون وسط أجانب وغرباء وحيدًا بلا حامٍ أو مالك، ولا يمنحه أملاً.

فيمضي بدافع هذه العواطف العارمة - التي أثارها في كيانه - إلى أن يصل إلى الإلحاد وإلى التعطيل شيئًا فشيئًا، حتى تصعب عليه العودة، بل ربما لا يستطيعها أصلاً.


250. صفحة

أما أدب القرآن الكريم

فيورث حزنًا ساميًا وهو حزن العشاق، لا حزن الأيتام، ينبعث من فراق الأحباب لا من فقدانهم.

ينظر إلى الكون ويبحث فيه على أنه صنعة إلهية ذات شعور ورحمة، بَدَلَ النظر إليه على أنه طبيعة عمياء، ولا يَذكُر الطبيعة ولا يشتغل بها أصلاً.

ويُظهر القدرةَ الإلهية الحكيمة ذات العناية الشاملة بدلاً من القوة العمياء، لذا لا يلبسُ الكونُ لباسَ الوحشة في نظره، بل يتحول في نظرِ المخاطب المحزونِ - للقرآن - إلى جماعة من الأحباب؛ في كل زاوية من زواياها تجاوب، وفي كل جانب من جوانبها تحابٌّ فلا يورثه ضِيقًا، وفي كل زاوية استئناسٌ بحيث يضع المحزونَ وسط هذه الجماعة.

ويورث حزنًا مشوقًا وشعورًا ساميًا عاليًا لا حزنًا مريرًا مليئًا بالهموم.

والأدبان كلاهما يعطيان بهجةً وفرحًا أيضًا.

فتقع النفس في الشوق الطَّرِب وتهيج بما يورثه ذلك الأدب الوحشي من شوق وينبسط الهوى، ولكنه لا يقدر على أن يمنح الروح الفرح والسرور والبهجة.

بينما الشوق الذي يهبه القرآن الكريم شوق يهزّ الروح، فيمنحها شوقًا إلى المعالي.

وبناءً على هذا السر لا ترضى الشريعة الأحمديةُ باللهوِ، فتحرّم بعض آلات اللهو وتبيح أخرى وتسمح بها.

بمعنى أن الآلة التي تورث حزنًا قرآنيًّا وشوقًا تنزيليًّا لا تضرّ.

ولكنها إذا كانت تورث في الإنسان حزنًا يتيميًّا وشوقًا نفسانيًّا؛ فإنها تُحَرَّمُ.

إلا أن هذه الحالة تتبدل حسب الأشخاص، فالناس ليسوا سواء.

 


251. صفحة

فقرة من ذيل "حبة"

اعلم؛ إن من لطائف إعجاز القرآن ومن دلائل أنه رحمة عامة للكافة:

أنه كما أن لكلِ أحد من العالم عالماً يخُصُّه، كذلك لكلٍ باعتبار مَشْرَبه من القرآن قرآن يخُصُّه ويربّيه ويُداويه.

ومن مزايا لطف إرشاده:

أن آياته مع كمال الانسجام وغاية الارتباط وتمام الاتصال بينها، يتيسرُ لكل أحدٍ أن يأخذَ من السّوَر المتعددة آياتٍ متفرقة لهدايته وشفائه، كما أخذَها عمومُ أهل المشارب وأهل العلوم؛ فبينما تراها أشتاتاً باعتبار المنازل والنزول؛ تراها قد صارت كقلادةٍ منظمةٍ ائتلفت واتصلت مع أخواتها الجديدة، فلا بالفصل من الأصلِ تنتقص، ولا بالوَصْل بالآيات الأخر تَستوحش، فهذا السر يشير إلى أن لأكثر الآيات الفرقانية مع سائر الآيات مناسباتٍ دقيقةً يجوز ذكرها معها واتصالها بها.

فكما أن سورة "الإخلاص" اشتملت على ثلاثين سورة بضمّ جُملها بعضها إلى بعض دليلاً ونتيجةً، كما ذكر في "اللوامع" كذلك القرآن الكلّي الجزئي والنوع المنحصر في الشخص يشتمل بجامعية الآيات للمعاني المتعددة ومناسبة الكل للكل يحتوي على ألف ألف قرآنٍ في نفس القرآن فلكل ذي حقيقة فيه كتابٌ يخصُّه ومن اتبعه..

اللهم يا منزلَ القرآن بحقّ القرآن اجعلْ القرآنَ مؤنِسًا لي في حياتي وبعد مماتي ونوراً في قلبي وقبري..

لا إله إلاّ الله مُحمّدٌ رسُولُ الله عليه الصلاة والسلام..


252. صفحة

برهانان عظيمان للتوحيد

ونكتة إعجازية لسورة الإخلاص

إن هذا الكون كلَّه برهانٌ عظيم، ومسبِّح وموحد بلسانَي الغيب والشهادة.

أجل؛ إنه ذاكرٌ يوحد الرحمن بصوت هائل فيقول: (لا إله إلاّ هو).

فكل ذراته وخلاياه، وكل أركانه وأعضائه لسان ذاكر، يقول بذلك الصوت المدوي([1]): (لا إله إلاّ هو).

في تلك الألسنة تنوّعٌ، وفي تلك الأصوات مراتب، إلاّ أنها تجتمع في نقطة فذِكْرها وصداها ينطق بـ: (لا إله إلاّ هو).

هذا الكون “إنسانٌ أكبر” يذكر بصوت عالٍ، وكل أجزائه وذراته بأصواتها الرقيقة تقول معه: (لا إله إلاّ هو).

هذا العالمُ يتلو آياتِ القرآن في حلقة ذكره العظيمة، يتلو هذا القرآنَ المُشْرِقَ نورُه، ويتفكر كل ذي روح فيقول معه: (لا إله إلاّ هو).

هذا الفرقان الجليلُ الشأنِ برهانٌ ناطق لذلك التوحيد،كلُّ آياتِه صادقة اللسان، وشعاعاتها بارقة الإيمان،كلها تقول معًا: (لا إله إلاّ هو).

فإذا ما ألصقتَ الأذن بصدر هذا الفرقان؛ تسمع من أعمق الأعماق صدىً سماويًّا صريحًا يقول: (لا إله إلاّ هو).

فذلك الصوت في منتهى الرفعة والعلو، وفي منتهى الْجِدِّيَّة ونهاية الصدق والإخلاص، وفي غاية الإيناس، ومقنعٌ ومُدَعَّم بالبرهان، يقول مكررًا: (لا إله إلاّ هو).

هذا البرهان المنور، جهاتُه الست شفافة بحيث فوقه سكة الإعجاز المنقّشة المزهرة، ويقول نور الهداية اللامعُ فيه: (لا إله إلاّ هو).


[1]   المدوي: العالي المرتفع.

 



253. صفحة

وتحته منسوجٌ المنطقُ الهَفَّافُ([1]) والبرهانُ، وعلى يمينه استنطاق العقل، مُرَفرِفَةٌ كلُّ جهاته، وتصدّقه الأذهان، وتقول: (لا إله إلاّ هو).

وعلى شِماله - الذي هو يمين - استشهاد الوجدان، وأمامَه الحسن والخير. وهدفه السعادة، مفتاحه دائمًا: (لا إله إلاّ هو).

ومَسنَدُه من ورائه - الذي هو أمامٌ - سماوي؛ أي “الوحي الرباني المحض” فهذه الجهات الست منوِّرة مضيئة تتجلى في أبراجها: (لا إله إلاّ هو).

فأنّى للوسوسة السارقة، وأنّى للشبهة الطارقة الواهمة، وأنّى لذلك المارق([2]) أن يدخل ذلك القصر البارق الشارق([3])!

فأسوار سُوَرِهِ شاهقة، وكل كلمة منه مَلَك ناطق بـ: (لا إله إلاّ هو).

فذلك القرآن العظيم الشأن بحر للتوحيد. فها هي ذي سورة واحدة كقطرة من بحره مثلاً: رمز قصير مما لا حد له من رموزها يَرُدُّ الشركَ بجميع أنواعه، ويثبت سبعةَ أنواع من التوحيد في جملها الست: ثلاث منها مثبَتة وثلاث منفية.

الجملة الأولى: ﴿قُلْ هُوَ﴾ إشارة بلا قرينة، أي فيها تعيين بالإطلاق، وفي ذلك التعيين تعيُّن أي: (لا هو إلاّ هو).

وهذا إشارة إلى التوحيد الشهودي، فلو كان النظر النافذ إلى الحقائق استغرق في التوحيد لقال: “لا مشهود إلاّ هو”.

الجملة الثانية: ﴿الله أَحَدٌ﴾ تصريح بتوحيد الألوهية، إذ الحقيقة تقول بلسان الحق: “لا معبود إلاّ هو”.

الجملة الثالثة: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ صَدَفٌ لدُرَّتين من درر التوحيد.


[1]   الهَفَّافُ: المرفرف المتحرك.

 

[2]   المارق: الخارج عن الطاعة.

 

[3]   البارق الشارق: اللامع المشرق.

 



254. صفحة

دُرَّته الأولى: توحيد الربوبية، أجل؛ فلسان نظام الكون يقول: “لا خالق إلاّ هو”.

دُرته الثانية: توحيد القيومية؛ أي إن لسان الحاجة إلى مؤثر في الوجود والبقاء وفي الكون كله يقول: “لا قيوم إلاّ هو”.

الجملة الرابعة: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ يستتر فيها توحيد جلالي ويردّ أنواع الشرك، ويقطع الكفر بلا شك ولا شبهة؛ أي إن الذي يتغير ويتناسل ويتجزأ لاشك أنه ليس بخالق ولا قيوم ولا إله. و ﴿لَمْ﴾: يردّ مفهوم البنوة وكفر التولد، ويقطعه دفعة واحدة، فَمِنْ هذا الشركِ ضَلَّ كثيرٌ من الناسِ، بحيث يسيطر أحيانًا شرك بُنُوَّة عيسى وعزير - عليهم السلام - والملائكة أو العقول على نوع البشر.

الجملة الخامسة: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ إشارة التوحيد السرمدي، وفيها الآتي:

لا يكون الإله إلهًا إن لم يكن واجبًا قديمًا أزليًّا.

أي: إن كان حادثًا زمانيًّا، أو متولدًا من مادة، أو منفصلاً عن أصل، فلا يمكنه أن يكون ملجأً وملاذًًا لهذا الكون.

 وكلٌّ مِن عبادة الأسباب وعبادة النجوم وعبادة الأصنام وعبادة الطبيعة نوع من الشرك، وكلها بئر معطَّلَةٌ([1]) في الضلالة.

الجملة السادسة: ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾ توحيد جامع؛ أي: لا نظير له في ذاته، ولا شريك له في أفعاله، ولا شبيه له في صفاته. كل ذلك مندرج تحت لفظ: ﴿لَمْ﴾.

فهذه الجمل الست كل منها نتيجة للأخرى ضِمنًا، وكل واحدة منها برهان للأخرى، فالبراهين مسلسلة فيها، والنتائج مرتبة، استقرت كلها في هذه السورة، إذن في “سورة الإخلاص” هذه؛ فى طولها وقامتها مندرج ثلاثون سورة متسلسلة مرتبة، أصبحت هذه مَبزغًا لها كلها.

 

لا يعلم الغيب إلا الله.

 


[1]   بئر معطَّلَةٌ: لا ينتفع بمائها ولا يستقى منها.

 



255. صفحة

الذيل الخامس:

"المسألة العاشرة من رسالة الثمرة التي هي الشعاع الحادي عشر"

زهرة أميرطاغ[1]

جواب قوي على الاعتراضات الواردة حول تكرارات القرآن

إخواني الأعزاء الصديقين،

على الرغم من أن هذه المسألة قد أصبحت مشوشة وغامضة بسبب أوضاعي التعسة، فإنني علمت يقينًا أن تحت تلك العبارات المشوشة نوعًا من أنواع الإعجاز القيمة جدًّا، وللأسف لم أقدر على التعبير عنه، ومهما كانت عباراته خافتة فإنها عبادة تفكرية وصدف جوهر قدسي سام لامع من حيث إنها ملك للقرآن، فليُنظَر إلى الألماس الذي بيدها، لا إلى لباسها الخَلِق[2]، فإن كان مناسبًا فلتجعلوها "المسألةَ العاشرة"، وإلا فاعتبروها رسالة مقابل رسائل تهنئاتكم.

ولقد اضطُرِرت لكتابتها في غاية الإجمال والاختصار خلال يوم أو يومين في رمضان وأنا مريض وفي حالة متدهورة، وفي وقت لا أستطيع فيه التغذية الجيدة، مُدرِجًا الحقائق الكثيرة والحجج المتعددة في جملة واحدة، فأرجو قبول العذر وجبر الكسر و التغاضى عن التقصير[3]. وهي زهرة صغيرة منورة لـ"أميرطاغ" ولهذا الشهر الشريف رمضان إنها "المسألة العاشرة" من "ثمرة" سجن دنيزلي؛ تزيل أوهام أهل الضلالة المتعفنةَ السامَّةَ ببيانها حكمة من حِكَم التكرارات القرآنية.

إخواني الأعزاء الصدِّيقين!

حينما كنت أقرأ القرآن المعجز البيان في رمضان الشريف كلما مرَّتْ عليَّ آية من

[1] محافظة تابعة لمدينة "آفيون" في تركيا.

[2] الخلق: البالي الرث المهلهل.

[3] بإمكانكم إصلاحها، حوّلوا الجمل الطويلة إلى عدة جمل ليسهل فهمها. (المؤلف)



256. صفحة

الآيات الثلاث والثلاثين التي بُيِّنَت إشاراتُها إلى رسائل النور في الشعاع الأول، أدقق وأرى أن صفحة تلك الآية أو ورقتها وقصتها كذلك تنظر -من حيث أخذ العبر من القصص- إلى رسائل النور وإلى تلاميذها إلى حد ما، وخاصة أن آية النور من سورة النور تشير إلى رسائل النور بعشرة أصابع، وتشير آيات الظلمات التي بعدها إلى مُعَارِضِيهَا[1] تمامًا، وتعطيهم نصيبًا أكثر؛ وكأن ذلك المقام يخرج من الجزئية ويكتسب الكلية، وقد شعرت أن فردًا كاملاً من أفراد تلك الكلية في هذا العصر هو رسائل النور وتلاميذها.

أجل؛ إن خطاب القرآن يظهر إعجازًا وشمولا عاليًا من حيث السعة والعلو والإحاطة التي اكتسبها من مقام الربوبية العامة الواسع للمتكلم الأزلي أولاً، ومن المقام الواسع لمن هو مخاطَب باسم البشر بل باسم الكون، ومن المقام الواسع جِدًّا لإرشادات جميع البشر وبني آدم في جميع العصور، ومن مقام التصريحات المحيطة العالية السامية جدا للقوانين الإلهية المتعلقة بتدبير الدنيا والآخرة، والأرض والسماوات، والأزل والأبد، وربوبية خالق الكون، وجميع المخلوقات، بحيث إن مرتبة ظاهرية وبسيطة حتى من مراتب ذلك الخطاب الذي يلاطف الأفهام البسيطة لطبقة العوام التي هي أكثر الطوائف كثرة بين مخاطَبي درس القرآن، تُعْطِي حظَّ أرقى الطبقات كذلك كاملا، ولا يُلَقِّنُ مجردَ حظٍّ من قصة، وعبرة من حكاية تاريخية، بل كأنه ينزل طريًّا نديًّا مخاطِبًا كل طبقة في كل عصر كأفراد دستورٍ كلي، ولا سيما تهديداته قائلا "الظالمين" "الظالمين" بتكرارات كثيرة، وتصريحه بشدة المصائب السماوية والأرضية التي هي عقاب لظلمهم، ويلفت الأنظار إلى مظالمَ لا نظير لها في هذا العصر بذكره أنواعَ العذابِ النازل بقوم عاد وثمود وفرعون، ويبعث السلوان لأهل الإيمان المظلومين بذكره نجاةَ الأنبياء كإبراهيم وموسى عليهما السلام.

أجل؛ إن القرآن المعجز البيان الذي يعرض كعرض شاشات السنيما الزمنَ الماضي بأكمله، والقرونَ والعصور الميتة التي هي في نظر الغفلة والضلال كعالم عدم موحش مفزع ومقبرة أليمة بائدة، يعرضها لكل عصر وكل طبقة كصفحة حية للعبرة، وعالم

[1] أي معارض رسائل النور.



257. صفحة

عجيب ذي روح وحياة من أقصاه إلى أقصاه، ومملكة ربانية موجودة وكائنة وذات علاقة معنا، وبذا يُلَقِّنُنَا درسه بإعجاز عالٍ آخذًا إيانا إلى تلك الأزمنة تارة وآتيًا بتلك الأزمنة عندنا تارة أخرى، وهذا القرآن العظيم الشأن الذي يعرض بالإعجازِ نفسِه هذا الكونَ الذي هو في نظر الضلالة جامد وتعس وميت ومكان موحش بلا حدود، ويتدحرج في الفراق والزوال، يعرضه القرآن العظيم الشأن كتابًا صمدانيًّا ومدينة رحمانيةً ومعرضًا للمصنوعات الربانية، ويبعث الحياة في تلك الجمادات ويجعلها كموظفات يحادث بعضها بعضًا، ويسعى لإغاثته، وبذا يُعلِّمُ البشر والجن والمَلَكَ دروسَ الحكمة الحقيقيةَ المنورة الممتعة؛ لا شك أنه -أي هذا القرآن العظيم الشأن- ذو خواص قدسية؛ كأن يكون لكل حرف من حروفه عشر حسنات وأحيانًا ألف بل آلاف من الحسنات، وكعدم استطاعة الجن والإنس جميعهم الإتيان بمثله ولو اجتمعوا لذلك، ومخاطبته جميع بني آدم والكون مخاطبة ملائمة في مقامها، ونقشه بحلاوة في قلوب ملايين الحفاظ في كل وقت وحين، وعدم إيراثه الملل والسأم مع كثرة تكراراته وكثرة قراءته، ورسوخه في الأذهان الغضة البسيطة للأولاد مع أن فيه مواضع وجملا كثيرة قابلة للالتباس، وملاطفته آذان المرضى ومَن يتألمون حتى من كلام قليل والمحتضرين وكأنه ماء زمزم، له هذه الخواص القدسية ويُكسِب سعادة الدارين لتلامذته، ويظهر -بسر رعاية مرتبة أمية ناقله رعاية تامةً- سلاستَه الفطرية، وأنه جاء من السماء مباشرة من دون أن يفتح مجالا لأي تكلف أو تصنع أو رياء، ويُظْهِرُ إعجازًا لطيفا للغاية في اللطف والإرشاد فاتحًا -في الغالب- أظهر صفحاته وأكثرها بداهة كالسماء والأرض -بسر حكمة الملاطفة بالتنزلات الكلامية الأفهامَ البسيطة لطبقة العوام التي هي الأغلبية- ومعلمًا معجزات قدرته البديعة وسطور حكمته ذات المعاني التي تحت تلك الأمور العادية.

ويُظهِر -أيضا- نوعًا من أنواع الإعجاز في تفهيمه المعاني الكثيرة المتعددة في جملة واحدة وفي قصة واحدة طبقات المخاطبين المتباينة بتكراراته الجميلة الحلوة بسرّ الإخبار بأنه كتاب دعاء ودعوةٍ وذكر وتوحيد؛ بما يجعل التكرار أمراً مقتضىً، وفي أخذه في

258. صفحة

الاعتبار حتى أبسط حوادث الصحابة في تأسيس الإسلام وتدوين الشريعة بسرّ الإخبار بأن كل شيء -حتى أبسط الأشياء وأقلها أهمية في حادثة جزئية وعادية- هي تحت نظر رحمته، وفي دائرة تدبيره وإرادته، يُظهر هذا الإعجاز من حيث وجود دساتير كلية فيه، وإثمار تلك الحوادث الجزئية ثمرات مهمة جدًّا -وكأنها نوى- في تأسيس الإسلام والشريعة العامة الشاملة.

أجل؛ إن تكرر الاحتياج يستلزم التكرار؛ لذا فإن تكرار بعض الجمل التي هي بقوة آلاف النتائج، وبعض الآيات التي هي نتيجةُ أدلةٍ لا حد لها في تأسيس انقلاب عظيم وواسع وخطير لا حدود ولا نهاية له، والتي تعلم طبقاتٍ كثيرةً متباينة دروسًا جوابًا على الأسئلة المكررة الكثيرة جدًّا خلال عشرين سنة، والتي تثبت أن هناك من يحطم الكون الضخم وَيُبَدِّلُ شكله يوم القيامة، ويزيل الدنيا ويضع مكانها الآخرة العظيمة، وأن جميع الجزئيات والكليات بدءًا من الذرَّات وانتهاءً إلى النجوم بيد من هو واحد أحد وتحت تصرفه، والتي تبرز الغضبَ الإلهي والحِدَّةَ الربانيةَ لحساب نتيجة خلق الكون تجاه ظلم البشر الذي يغيظ الكون والسماوات والأرض والعناصر ويثير غضبها..أجل إن تكرار هذه الجمل والآيات ليس قصورًا، بل هو إعجاز في منتهى القوة، وبلاغة في غاية السموّ، وجزالة وفصاحة مطابقة جدًّا لمقتضى الحال.

فمثلا: إن جملة ﴿بسمِ الله الرَّحمن الرَّحيمِ المكررة مائة وأربع عشرة مرة مع أنها آية واحدة، فهي حقيقة تربط الفرْش بالعرش، وتضيء الكون، ويحتاج إليها كل الناس في كل دقيقة، كما بُيِّنَ في "اللمعة الرابعة عشرة" من "رسائل النور"، بحيث إنها لو كُرِّرت ملايين المرات لما انتهت الحاجةُ إليها، وليست الحاجة إليها كل يوم مثل الخبز فحسب، بل إن الحاجة إليها هي حاجة شوق في كل دقيقة كالهواء والضياء.

 مثلا: إن تكرار آية ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ والتي تكررت ثماني مرات في سورة "طسم"[1] المتضمنة نجاة الأنبياء وعذاب أقوامهم التي ترِد قصتهم فيها لحساب نتيجة

[1] يقصد سورة الشعراء.



259. صفحة

خلق الكون وباسم الربوبية العامة، ولو كُرِّرت هذه الآية -التي هي بقوة آلاف الحقائق- آلاف المرات من أجل تعليم أن العزة الربانية تقتضي عذاب تلك الأقوام الظالمة، وأن الرحمة الإلهية تقتضي نجاة الأنبياء، فلن تنتهي تلك الحاجة وذلك الاشتياق إلى تكرارها، بل تكرارها بلاغة عالية ذات إيجاز وإعجاز. 

ومثلا: إن آية ﴿فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في سورة الرحمن، وآية ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في سورة المُرسَلات، اللتين تعلنان للدهور والأرض والسماوات مهددتين أن كفر نوع البشر والجنّ، وكفرانهم النعم وظلمهم وتعديهم على جميع حقوق المخلوقات بما يغيظ الكون، ويثير غضب السماوات والأرض، ويُخِلُّ بنتائج خلق العالم، ويقابل عظمة السلطنة الإلهية بالإنكار والاستخفاف، إن هاتين الآيتين لو تكررتا آلاف المرات في درس عام في قوة آلاف المسائل، وذي علاقة بآلاف الحقائق كهذه؛ لما انتهت الحاجة إلى تكرارهما، وهو إيجاز ذو جلال، وإعجاز بلاغة ذو جمال.

ومثلا: إن تكرار جملة "سبحانك لا إله إلا أنت الأمانُ الأمانُ خلِّصنا وأجِرنا ونجِّنا من النار" مائة مرة في مناجاة نبوية باسم "الجَوْشَنِ الكَبِيرِ" الذي هو نوع من أنواع مُناجاة القرآن الحقيقية التامة، ونبَع منه، والذي هو نوع من المستخلصات القرآنية، لما فيها من أعظم حقيقة في الكون كالتوحيد، وأهم وظيفة من وظائف المخلوقات الثلاث العظيمة تجاه الربوبية كالتسبيح والتحميد والتقديس، ووجود أخطر قضية للبشر وهي النجاة من الشقاء الأبدي، ووجود ألزم نتيجة للعبودية والعجز البشري، أقول إن هذه الجملة حتى لو تكررت آلاف المرات فكأنها لم تُكرَّر.

فتكرارات القرآن الكريم إذن تعود إلى مثل هذه الأسس، بل حتى إنه يعبر أحيانًا عن حقيقة التوحيد صراحةً وضمنًا عشرين مرة في صفحة واحدة لما يقتضيه المقام ولاحتياج الأفهام ولبلاغة البيان، ولا يُورِثُ ذلك السأمَ بل يعطي قوةً، ويبعثُ شوقًا.

ولقد بين في "رسائل النور" بالحجج كيف أن تكرارات القرآن في محلها ومناسبة، ومقبولة من حيث البلاغة.


260. صفحة

أما سر وحكمة الاختلاف بين السور المكية والسور المدنية في القرآن المعجز البيان من حيث البلاغة ومن ناحية الإعجاز ومن جهة التفصيل والإجمال فهو:

إن الصف الأول من مخاطبي القرآن الكريم ومعارضيه في مكة كان مشركي قريش وأمييها، فاقتضى الأمر من حيث البلاغة أسلوبًا عاليًا قويًّا، وإجمالاً وجيزا مقنعًا يورث الاطمئنان، وتكرارًا من أجل التثبيت، ولذلك تُكرِّرُ أكثرُ السور المكية الأركانَ الإيمانية ومراتب التوحيد، وتُعَبِّرُ عنها مرارًا بإيجاز قوي جدًّا وعال ومعجز، وتُثبِت المبدأَ والمعادَ واللهَ والآخرة ليس في صفحة وآية وجملة وكلمة واحدة فحسب، بل أحيانًا في حرف واحد، وفي أوضاع كالتقديم والتأخير والتعريف والتنكير والحذف والذكر إثباتًا قويًّا حَيَّر أئمة البلاغة ودهاتها وعباقرتها.

ولقد أظهرت "رسائل النور" بالفعل وخاصة "الكلمة الخامسة والعشرين" مع ذيولها، التي أثبتت بإجمال أربعين وجهًا لإعجاز القرآن، وتفسير "إشارات الإعجاز" الذي أثبت وجوه الإعجاز في نظم القرآن إثباتًا رائعًا وهو رسالةٌ أُلِّفت بالعربية؛ أن في السور والآيات المكية أعلى أسلوب من أساليب البلاغة، وأسمى إعجاز إيجازي.

أما في السور والآيات المدنية فالصف الأول من مخاطبي القرآن ومعارضيه كان أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين يصدقون بالله، فاقتضى الأمر ليس بيانَ أصول الدين العالية وأركان الإيمان لأهل الكتاب؛ وإنما بيان فروع الشريعة والأحكام التي هي سبب الاختلاف، وبيان الجزئيات التي هي منشأ وعلل القوانين الكلية بأسلوب سلس واضح مفصل بمقتضى البلاغة والإرشاد ومطابقة المقام والحال؛ فلذلك يذكر القرآن فجأة في السور والآيات المدنية في ضمن تلك الحادثة الفرعية الجزئية بأسلوب بيان لا مثيل له خاص بالقرآن ضمن تفصيل وإيضاح وبيان بسيط في الغالب؛ فذلكةً وخاتمةً وحجةً قوية عالية، وجملةً توحيدية وإيمانية وأخروية تجعل تلك الحادثة الشرعية الجزئية كليةً، وتضمن الامتثال لها بالإيمان بالله، فينور ذلك المقام ويجعله عاليا ساميا.

إن رسائل النور بيَّنت مدى ما في الفذلكات والخواتيم التي تعبر عن التوحيد والآخرة والتي ترد في أواخر الآيات بكثرة مثل ﴿ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

261. صفحة

و ﴿ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ و ﴿ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ و ﴿ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ من بلاغة وجزالة ومزايا ونكات عالية، وأثبتت حتى للمعاندين أن في تلك الخلاصات معجزةً كبرى, مبينةً عشرةً من نكات ومزايا تلك الفذلكات والخواتيم في "النور الثاني" من "الشعلة الثانية" من "الكلمة الخامسة والعشرين".

أجل؛ إن القرآن يرفع فجأة نظر مخاطبه إلى نقاط عالية كلية ضمن بيان تلك التفرعات الشرعية والقوانين الاجتماعية، ويحول الأسلوب المجرد إلى أسلوب عال، ويحول نظر المخاطب من درس الشريعة إلى درس التوحيد، فيبين أنه كتاب شريعة وأحكام وحكمة، وكتاب عقيدة وإيمان وذكر وفكر ودعاء ودعوة، ويدرِّس في كل مقام كثيرًا من المقاصد الإرشادية القرآنية، وبذلك يظهر جزالة باهرة معجزة مختلفة عن أسلوب بلاغة الآيات المكية.

فمثلا: في كلمتين مثل ﴿ربّ العالمين﴾ و ﴿رَبُّكَ﴾: فإنه بتعبير ﴿رَبُّكَ﴾ يبين الأحدية، وبـ ﴿رَبّ العالمين﴾ يبين الواحدية، وضمن الأحدية كذلك يعبر عن الواحدية.

 بل حتى إنه يدرج في جملة واحدة الشمسَ في بؤبؤ السماء بالآية والمطرقة نفسها كما يرى الذرة الواحدة في بؤبؤ العين ويدرجها ويركبها فيها، ويصنع للسماء عينًا. ويقول مثلا ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ عقب آية ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ بعد آية ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾. فتلك المحاورة البسيطة الجزئية التي تأخذ في الاعتبار مرتبة الأمية المجردة وفهم العوام تنقلب إلى جاذبية عالية، وإرشاد ومحادثة عامة من حيث الأسلوب والبيان وكأنها تقول: "إنه يعلم حتى خواطر القلب في عظمة خلق السماوات والأرض ويديرها ويقلبها"

سؤال: يُتَوَهَّم قصورٌ في القرآن بسبب عدم ظهور حقيقةٍ مهمة أحيانًا للأنظار السطحية وبسبب جهل المناسبة في بيان فذلكة توحيدية عالية أو دستور كلي من حادثة جزئية عادية في بعض المقامات، فمثلا لا تبدو في نظر البلاغة مناسبة لذكر دستور غاية في العلو في ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف: 76] في أخذ سيدنا يوسف أخاه بحيلة، فما سر هذا وحكمته؟  


262. صفحة

الجواب: إن ماهية القرآن في أغلب السور الطويلة والمتوسطة التي كل منها قرآن صغير، وفي كثير من الصفحات والمقامات لا تتضمن مقصدين أو ثلاثة فقط، بل تتضمن كتبًا كثيرة ككتاب الذكر والإيمان والفكر, وكتاب الشريعة والحكمة والإرشاد, ودروسًا مختلفةً، فالقرآن الكريم الذي هو نوع من قراءة كتاب الكون الكبير من حيث إحاطة الربوبية الإلهية بكلِّ شيء, ومن حيث التعبير عن عظمة تجلياتها، ولأنه يدرّس معرفة الله ومراتب التوحيد وحقائق الإيمان مراعيا في كل مقام بل حتى أحيانا في صفحة واحدة مقاصد كثيرة؛ لا شك أنه يتناول في مقام واحد درسًا جديدًا آخر -مثلاً- بمناسبة ضعيفة ظاهرًا، فتلتحق بهذه المناسبة الضعيفة مناسبات أخرى قوية جدًّا، وتكون مناسبة لذلك المقام, وترتفع درجة بلاغته.

سؤال آخر: ما حكمة إثباتِ الآخرة والتوحيد، وإثبات مكافأة البشر ومجازاتهم صراحةً وضمنًا وإشارةً آلاف المرات في القرآن، ولفتِ الأنظار إليها، وتدريسها في كل سورة وفي كل صحيفة وفي كل مقام؟

الجواب: من حيث تدريس أعظم المسائل وإزالة الشبه غير المحدودة وتحطيم الإنكار والعناد الشديدين للغاية في دائرة الإمكان، وفي الانقلابات المتعلقة بما جرى في الكون، وفي أعظم المسائل وأهمها وأرهبها المتعلقة بوظيفة الإنسان الحامل على كتفه الأمانةَ الكبرى وخلافةَ الأرض، تلك الوظيفة التي هي مدار للشقاوة والسعادة الأبدية؛ لا شكَّ أنه ليس بإسراف أن يلفت القرآنُ الأنظار إليها -تلك الموضوعات- آلاف بل ملايين المرات، ليجعل البشر يصدقون بتلك الانقلابات المذهلة، ويسلمون بالمسائل العظيمة وبألزمها وأكثرها ضرورة للبشر في عظمة تلك الانقلابات؛ إذ تُتلى تلك الموضوعات في القرآن مرارًا وتكرارًا ملايين المرات، فلا تُملّ ولا تُسأم ولا تنعدم الحاجة إليها.

ومثلا: حقيقة بشارة السعادة الأبدية التي تظهرها آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (سورة البروج: 85/11) و ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ (سورة النساء: 4/57)؛ لو كررت هذه الآية القائلة: "إن حقيقةَ الموت التي تُري نفسها كل حين للبشر المساكين، تنقذ الإنسان وتنقذ دنياه وتنقذ جميع أحبائه من الإعدام الأبدي

263. صفحة

وتكسبه سلطنة أبدية" مليارات المرات وأعطيت لها أهمية كبرى كِبَرَ الكون لما كان ذلك إسرافًا، ولما كان انتقاصًا لقيمتها.

فالقرآن المعجز البيان الذي يدرّس المسائل القيمة إلى أقصى حد كالتي ذكرت، والذي يسعى للإقناع والإثبات والدفع إلى الإيمان في تأسيس الانقلابات المدهشة التي تُغير الكون وتبدّل وجهه كالمنزل؛ لا شك أن لفته الأنظار آلاف المرات إلى تلك المسائل صراحةً وضمنًا وإشارةً ليس بإسراف، بل هوتجديد لإحسانه الذي هو في حكم الحاجات الضرورية كالخبز والدواء والهواء والضياء.

ومثلاً: إن حكمة ذكر القرآن الكريم آيات الوعيد بشدة وحِدَّةٍ وقوة وتكرار بالغ مثل: ﴿إن الكافرين في نار جهنم﴾ ﴿والظالمين لهم عذاب أليم﴾ هي أن كفر البشر وإنكارهم تعدٍّ على حقوق الكون وأكثر المخلوقات -كما أثبت في رسائل النور إثباتًا قطعيًا- حيث إنه يثير غضب السماوات والأرض، ويغيظ العناصر فتصفع الظالمين بصفعات، وإن جهنم تَغيظ المنكرين الظالمين إلى حد تكاد تنفجر معه وتتقطع من شدة الغضب بصراحة الآية: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: 7-8].

فتجاه مثل هذه الجناية العامة والتجاوزات غير المحدودة لو كرّر سلطان الكون في فرمانه تلك الجناية وعقوبتها بحدَّة وشدة بالغة، ليس من حيث صغر البشر ولا من حيث عدم أهميتهم بل من حيث ضخامة جنايتهم الظالمة وهول تجاوزاتهم الكفرية، وبحكمة إظهار أهمية حقوق رعيته, وإظهار القبح غير المحدود الكامن في كفر المنكرين وظلمهم، لو كررها ليس ألف مرة فحسب بل ملايين ومليارات المرات، فلن يكون إسرافًا ولا تقصيرًا؛ إذ إن مئات الملايين من الناس يتلونه كل يوم منذ ألف سنة بكمال الاشتياق والاحتياج ودون ملل أو سأم. 

نعم؛ إن كل يوم وكل حين يمضي عالَمٌ لكل واحد، وينفتح باب عالم جديد له، فكما يجعل "لا إله إلاّ الله" مصباحًا لكل ستار من الستائر المتغيرة بتكرار جملة "لا إله إلاّ الله" ألف مرة باحتياج واشتياق، لينوِّر كلَّ عالم من عوالمه المؤقتة؛ كذلك فالقرآن يكرر

264. صفحة

تكراراتٍ ذات مغزى, لحكمة أنْ يجعلَ الإنسان يقدّر -بقراءة القرآن- عقوبات تلك الجنايات والوعيد الشديد من الحاكم الأزلي؛ ذلك الوعيدَ الذي يكسرُ العنادَ القويَّ، ولكي يحاول التخلص من طغيان النفس، ولكيلا يعتِّمَ هذه الستائرَ الكثيرة المؤقتة وتلك الكائنات السيارة المتجددة، ولكي لا يُشوِّه صورها المنعكسة على مرآة حياة الإنسان، ولكيلا يجعل تلك الأوضاع العابرة المؤقتة التي يمكنها أن تكون في صالحه ضده, وحتى الشيطان يهرب من أن يتوهم أن الوعيد القرآني المتكرر بهذه القوة والشدة لا حقيقة له، ويُظهر -القرآنُ- أن عذابَ جهنمَ عينُ العدالة للمنكرين الذين لا يُصغون إليها. 

ومثلاً: إن تكرار قصة موسى عليه السلام التي فيها حكم وفوائد كثيرة كعصا موسى عليه السلام، وتكرارَ قصص سائر الأنبياء كثيرًا، لِحِكمٍ مثل: إنه يقدم نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام حجة لحقَّانية الرسالة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، حيث إن من لا يستطيع أن ينكرهم جميعًا، لا يستطيع كذلك أن ينكر رسالة هذا الشخص -عليه الصلاة والسلام- من حيث الحقيقة؛ ولأن كل واحد لا يقدر أن يتلو القرآن كله كل وقت ولا يوفَّق إليه؛ كَرَّرَ تلك القصص كتكرار الأركان الإيمانية المهمة ليجعل كل السور الطويلة والمتوسطة كقرآن صغير..أقول إن تكرار القرآن هذه القصص لأجل هذه الحِكَم ليس بإسراف بل هوبلاغة في إعجاز، وتذكير بأن الحادثة المحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- هي أعظم حادثة لجميع بني البشر، وأعظم مسألة للكون.

أجل؛ إنه قد أُثبتت في رسائل النور حجج وأمارات كثيرة جدا بصورة قطعية حول حقيقة منح الذات الأحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- أعلى موقع في القرآن، وحقيقة (محمد رسول الله) التي تساوي ركن (لا إله إلاّ الله) باحتوائها أربعة من أركان الإيمان، وأن الرسالة المحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- هي أعظم حقيقة للكون، وأن الذات الأحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- هي أشرف المخلوقات قاطبة، وأن شخصيته المعنوية الكلية التي يُعبَّر عنها بالحقيقة المحمدية ومقامَه القدسيَّ هما شمسان ساطعتان للعالمين، وأنه أهل لهذا المقام الرائع.

فواحدة من الألف هي:


265. صفحة

إن علام الغيوب قد رأى وعلم أن الحقيقة المحمدية التي هي الشخصية المعنوية لهذه الذات -على صاحبها الصلاة والسلام- ستكون في المستقبل في حكم شجرة الطوبى للجنة من حيثُ انضمامُ جميع حسنات أمته في كل زمان إلى مثلها في دفتر حسناته -صلى الله عليه وسلم- حسب دستور (السبب كالفاعل وتنويرُه حقائق جميع الكون بالنور الذي جاء به، وجعلُه ليس الجن والإنس والملائكة وذوي الحياة فحسب وإنما الكون والسماوات والأرض كذلك يشكرونه، ودعاءُ ملايين بل مليارات من أدعية الرحمة الفطرية من قبل صلحاء أمته المقبولةِ أدعيتُهم -بشهادة قبول أدعية النباتات بلسان استعدادها، وأدعية الحيوانات بلسان الاحتياج الفطري فعلاً أمام أنظارنا- بالصلاة والسلام على هذه الذات -صلى الله على صاحبها وسلم- كل يوم، وإهداؤهم مكاسبهم المعنوية له أولاً، ودخول الأنوار غير المحدودة في دفتر حسناته من حيث قراءة القرآن وحده؛ حيث إن لكل حرف من الحروف البالغة ثلاثمائة ألف حرف للقرآن -الذي يُتلى من قبل الأمة- ثواب يبدأ من عشر أضعاف وأحيانًا مائة وأحيانًا آلاف من الحسنات والثمار.

وحسب ذلك المقام أعطى له علام الغيوب تلك الأهمية العظيمة في قرآنه، وبيّن في فرمانه أن تبعيته ونيل شفاعته باتباع سنته السنية هما أهم قضية للبشرية، وأخذ بعين الاعتبار من حين لحين شخصيتَه البشرية التي هي نواة لشجرة الطوبى العظيمة وطبيعته الإنسانية في بداية نشأته، فلأن الحقائق المكرَّرة للقرآن تحمل هذه الأهمية والقيمة؛ فإن الفطرة السليمة تشهد أن في تكرارها معجزة معنوية قوية واسعة، اللهم إلا الذين ابتلوا بمرض القلب والوجدان من جراء طاعون المادية، وهم يدخلون ضمن قاعدة:

قَدْ يُنْكِرُ الْمرءُ ضوءَ الشمسِ مِنْ رَمَدٍ      وينكرُ الفمُ طعمَ الماءِ مِن سَقَمِ

 


266. صفحة

هامشان كخاتمة لهذه المسألة العاشرة

الهامش الأول: كنت قد سمعت قبل اثنتي عشرة سنة أن أشد الزنادقة خطورة بدأ يُظهر سوء طويته[1] تجاه القرآن بترجمته، فخطط خطة محكمة حيث قال: "فليُترجَم القرآن حتى تُعلم قيمته ، أي ليرى الجميع تكراراته الزائدة، ولتُقرأ ترجمتُه بدلاً منه".

ولكن الحجج الدامغة التي لا تُفنَّد لـ"رسائل النور" أثبتت إثباتًا قاطعا أنه لا يمكن ترجمة القرآن ترجمة حقيقية، ولا يمكن لأية لغة من اللغات أن تحتفظ بمزايا القرآن ونكاته غير اللغة العربية التي هي لغة نحوية، ولا يمكن أن تعبِّر ترجماتُ البشر العادية والجزئية عن التعبيرات المعجزة الجامعة لكلمات القرآن التي لكل حرف منها ثواب من العشرة إلى الألف، ولا يمكن أن تُقرأ بدلاً منه في المساجد، وهكذا فقد أبطلت رسائلُ النور تلك الخطة الرهيبة بانتشارها في كل مكان، ولكني إخال أنني قد أُلهمتُ هذه "المسألة العاشرة" وأنا في حالةِ ضيق وضجر وقلق بسبب سعي المنافقين الذين تلقوا درسًا من هذا الزنديق سَعْيَ الحمقى والمجانين لإطفاء شمس القرآن بالنفخ بأفواههم -كالأطفال الحمقى- لحساب الشيطان، ولا أعرف حقيقة الحال؛ إذ لا أستطيع مقابلة أحدٍ. 

الهامش الثاني: كنت قد جلست في الطابق العلوي من فندق "شَهْرْ" الشهير بعد خروجنا من سجن "دنيزلي"، فرأيت أمامي في الحدائق الجميلة أشجار الحور الكثيرة كأنها في حلقة ذكر بصورة لطيفة وحلوة للغاية، فأثارت -بسبب فراق إخواني وبقائي وحيدًا- أشجانَ قلبي الحزينَ المغمومَ رقصاتُ تلك الأشجار ورقصات أغصانها وأوراقها بحركات منجذبة في نشوة جذابة بلمسات الهواء، فإذا بموسم الخريف والشتاء قد خطرا ببالي، وأخذتني الغفلةُ، فأشفقتُ على تلك الأشجار اللطيفة وذوي الحياة أولئك الذين يتدللون بكامل النشوة حتى اغرورقت عيناي بالدموع، وازدحمت في رأسي أحزان الفراق والزوال الواسعة سعة الكون بتذكر وإحساس عدمها وفراقها -تلك الأشجار وذوي الحياة- تحت الستار المزيَّن للكون؛ فإذا بالنور الذي أتت به الحقيقة المحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- أغاثني فحوَّل تلك الهموم والأتراح[2] غير المحدودة إلى سرور وأفراح.


[1] طويته: نيته

[2] الأتراح: الأحزان



267. صفحة

 وأصبحتُ في امتنان أبديٍّ تجاه الذات المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام لإغاثة هذا النور لي وتسليته إياي؛ إذ صَادَفَ هذه الحال في ذلك الزمان فقط - وهو فيض واحد من بين ملايين الفيوضات المتجلية لي كما هو فيض واحد لكل واحد من أهل الإيمان - على النحو الآتي:

أظهر نظر الغفلة منذ الوهلة الأولى أن تلك اللطيفات المباركات تظهر في موسم وكأنها بلا وظيفة ولا نتيجة، وأن حركاتها ليست من النشوة، بل كأنها تسقط في العدم مرتعشات من العدم والفراق، وهذا قد جرح مشاعري التي هي مدار لعشق البقاء وحب المحاسن والشفقة الجنسية[1] والحياتية، لدرجة أنه كاد يحول الدنيا إلى جهنم معنوية، والعقلَ إلى آلة تعذيب، وفي هذه الأثناء أزاح النورُ الذي جاء به محمد -عليه الصلاة والسلام- هديةً للبشرية الستار، وأظهر أن هناك حِكمًا ومعانيَ لتلك الأشجار بعدد أوراق كل واحدة منها بدلاً من الإعدام والعدم والتعطيل والعبث والفراق، وله ثلاثة أقسام من النتائج والوظائف كما أُثبت في "رسائل النور":

القسم الأوّل: يتعلق بأسماء الصانع ذي الجلال، فمثلاً: كما أنه إذا صنع صانعٌ ماكينة رائعة فالكل يصفِّق له قائلاً "ما شاء الله" و"بارك الله"، وحتى تلك الماكينة كذلك تُهنئ صانعها وتصفِّق له بلسان حالها بإظهارها النتائج المقصودة منها تمامًا، فكل ذي حياة وكل شيء ماكينة كهذه تهنئ صاحبها وتصفِّق له.

القسم الثاني: من الحِكم ما هو متوجهٌ إلى أنظار ذوي الحياة وذوي الشعور، فتصبح أداة مطالعة وكتاب معرفة لهم، وتترك معانيها في دائرة الوجود في أذهان ذوي الشعور، وصورَهَا في ذاكرتهم، وفي الألواح المثالية، وفي دفاتر عالم الغيب، فتغادر عالم الشهادة، وتعود إلى عالم الغيب، بمعنى أنها تترك وجودًا صوريًّا، وتكتسب أنواعًا كثيرة من  الوجود المعنوي الغيبي العلمي.


[1] الجنسية: شفقته على بني جنسه



268. صفحة

نعم؛ بما أن الله موجود، وعلمه محيط، فلا شك أنه لا مكان للعدم والإعدام والانعدام والمحو والفناء، في عالم أهل الإيمان من حيث الحقيقة، وأن عالم الكَفَرَةِ مكتظ[1] بالعدم والفراق والانعدام والفناء، فها هو ذا مثل يدور على ألسنة الجميع يدرِّس تلك الحقيقة قائلاً:

"من كان له الله كان له كل شيء، ومن لم يكن له الله لم يكن له شيء"

الحاصل: كما أن الإيمان يُنقذ الإنسان من الإعدام الأبدي عند الموت، فكذلك يُنقذ العالمَ الخاصَّ لكل واحدٍ من الإعدام ودياجير[2] العدم. وأما الكفر -وبالأخص الكفر المطلق منه- فيُعدم هذا الإنسان ويعدم عالَمَه الخاص بالموت، فيقذف به إلى ظلمات جهنمَ معنويةٍ، ويحوِّل لذائذ حياته إلى سُموم مرة.

فلترن آذان الذين يفضِّلون الحياة الدنيا على آخرتهم، وليأتوا ويجدوا حلاًّ لتلك الحالة، أو يدخلوا الإيمان وينجوا من تلكما الخسارتين الرهيبتين.                    

 

سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم

 

أخوكم المفتقر إلى دعواتكم والمشتاق إليكم

سعيد النورسي




 


 


[1] مكتظ: مليء

[2] دياجير: ظلمات



269. صفحة

المقام الثالث من "ذو الفقار"

"المكتوب التاسع عشر"

حول

 المعجزات الأحمدية

على صاحبها الصلاة والسلام

 

تبين هذه الرسالة أكثر من ثلاثمائة معجزة، فهي كما أنها تبين معجزات الرسالة الأحمدية، فإنها بحد ذاتها كرامة لتلك المعجزات، وقد أصبحت رائعة خارقة بثلاثة أو أربعة وجوه:

أولها:

إن تأليف هذه الرسالة في غضون اثنتي عشرة ساعة في ظرف ثلاثة أو أربعة أيام، في كل يوم ساعتان أو ثلاث ساعات من العمل في نواحي الجبال والبساتين من الذاكرة مع أنها تتكون من النقول والروايات، ومن دون الرجوع إلى الكتب مع أنها أكثر من مائة صفحة لهو واقعة خارقة.

ثانيها: لا يُمِلّ استنساخ هذه الرسالة على طولها، ولا تفقد كثرة قراءتها حلاوتها، فهي قد أثارت شوق المستنسخين الكسالى وزادت من حماستهم بحيث استُنسخت حوالينا في سنة واحدة في هذه الأوقات العصيبة الصعبة المضجرة ما يقرب من سبعين نسخة، فأورث قناعة لدى المطّلعين على تلك الحالات بأنها من كرامات معجزة الرسالة النبوية.


270. صفحة

ثالثها: لقد تبين من توافق كلمة "الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام" في جميع الرسائل، ولفظ "القرآن" في القطعة الخامسة في النسخة التي كتبها أحد المستنسخين الجدد وهو لا يعلم عن التوافق شيئا، وفي النسخ التي كتبها المستنسخون الثمانية الآخرون من دون أن يرى بعضهم بعضًا وقبل أن يظهر لنا التوافق.

أجل؛ لقد تبين أن هذا التوافق لا يمكن أن ينسبه إلى المصادفة من يملك مثقال ذرة من الإنصاف، فمن اطلع عليه جزم وحكم قاطعًا أن هذا سر من أسرار الغيب، وكرامة من كرامات المعجزات الأحمدية.

إن الأسس المذكورة في بداية هذه الرسالة مهمة جدًّا، والأحاديث التي وردت في هذه الرسالة فضلا عن أنها مقبولة وصحيحة عند أئمة الحديث عامة، فهي تبين أصح الحوادث لرسالته صلى الله عليه وسلم، ولو اقتضى الأمر ذكر مزايا هذه الرسالة للزم ذلك الأمر تأليف كتاب مثلها، لذا نحيل المتشوقين إليها إلى قراءتها مرة واحدة.

س. ع

تنبيه:

لقد نقلتُ في هذه الرسالة كثيرا من الأحاديث الشريفة، ولم تكن عندي كتب الأحاديث، فإن كان لي خطأ في ألفاظ الأحاديث التي أوردتها وكتبتها، فليصحَّح أو يعَدّ حديثًا بالمعنى، لأن القول الراجح هو: أنه يجوز نقل ورواية الحديث بالمعنى، أي أن يأخذ الراوي معنى الحديث فيرويه بلفظ من عنده، لذا إن كان لي خطأ في ألفاظ الأحاديث فليُنظر إليه على أنه حديث بالمعنى.