رسالة الحشر

1. صفحة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ذو الفقار

المعجزات القرآنية والأحمدية

تأليف

 بديع الزمان سعيد النورسي

1365 هـ

 

 هذه المجموعة عبارة عن "ثلاثة مقامات" و "خاتمة"؛

 المقام الأول: "الكلمة الخامسة والعشرون" رسالة "المعجزات القرآنية" وذيولها.

 المقام الثاني: "ال" رسالة "المعجزات الأحمدية" وذيولها.

 المقام الثالث: "الكلمة العاشرة" "رسالة الحشر" وذيولها.

 وفي الخاتمة: "الحزب النوري" وخطاب عن رسائل النور.

 كما أن أهل الإيمان في أشد الحاجة في هذا العصر العجيب إلى رسائل النور، وكما أن أهل العلم والمعلمين في أشد الحاجة إلى مجموعة "عصا موسى"، كذلك فإن الحفظة والشيوخ في أشد الحاجة إلى هذه المجموعة "ذو الفقار" أيضًا.

حقًّا؛ لقد أثبتت -مثلاً- لمعات الإعجاز ونكات القرآن الجميلة في المواضع التي صارت مدار شبهة حول أكثر الآيات في مبحث إعجاز القرآن.

 باسم جميع طلاب النور

                                                           سـعيد

 


2. صفحة

لقد قرَّرتْ بالاتفاق محكمةُ "أنقرة" ومحكمةُ "دنيزلي"، وقرر المدققون فيهما بعد التدقيق خلال سنتين على براءتنا وتسليم جميع أجزاء رسائل النور لي، وبناء على ذلك فلا مانع من نشرها، وإن أحد أجزاء رسائل النور المسلَّمة لي هو أجزاء هذه المجموعة.

سعيد النورسي

باسمه سبحانه

وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا

إخوتي الأعزاء الصديقين!

بما أن رسائل النور بدأت تنتشر بالماكينة، وبما أن المنتسبين إلى المدارس الحديثة، والمعلمين الذين درسوا الفلسفة والحكمة الجديدة يتمسكون برسائل النور في الغالب؛ فلا بد إذن من بيان حقيقة، وهي:

إن الفلسفة التي تصفعها رسائل النور بقوة، وتهجم عليها ليست مطلق الفلسفة، بل القسم المضرّ منها؛ لأن الفلسفة والحكمة الجديدة التي تخدم حياة البشر الاجتماعية، والأخلاقَ والكمالاتِ الإنسانية، وتقدُّمَ العلوم والفنون، هي قسم من الفلسفة والحكمة مسالم للقرآن، بل خادم لحكمة القرآن، ولا يمكن أن يعارِضه، فلا تمسُّ رسائل النور هذا القسم من الفلسفة.

أما القسم الثاني من الفلسفة، فكما أنه وسيلة إلى الضلالة والإلحاد، والسقوط في وَحل الطبيعة، فإنه يُنتِجُ الغفلةَ والضلالة بالسفاهة واللهويات، ويعارض بخوارقه الشبيهة بالسحر حقائق القرآن ذات المعجزات، ورسائل النور تتعرض في أغلب أجزائها لهذا القسم المنحرف الضال من الفلسفة بالموازين والمقارنات القوية المدعمة بالبراهين،

3. صفحة

وتصفعه، ولا تتعرض للفلسفة المستقيمة ذات المنافع، ولذلك فإن منتسبي المدارس الحديثة ينضمون إلى رسائل النور بلا اعتراض ولا تَحَفُّظٍ، ويجبُ أن ينضموا.

ولأنه من المحتمل استعمال المنافقين المستخفين بعض الفلاسفة ضد رسائل النور بإثارتهم أنانيتهم العلمية، كما استعملوا بعض الشيوخ بأسباب تافهة كليا، ولا معنى لها، وبتحامل ضد رسائل النور التي هي بضاعة أصلية لأهل المدارس الشرعية والشيوخ؛ نقول لأنه من المحتمل ذلك فإنه لو كتبت هذه الحقيقة في مُسْتَهَلِّ[1] مجموعة "عصا موسى" ومجموعة "ذو الفقار" لكانت مناسبة ولائقة.

 

باسمه وسبحانه

وإن من شيء إلا يسبح بحمده

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخواني الأعزاء الصديقين!

بما أن دائرة رسائل النور بدأت تتوسع بواسطة الآلة، وبفضل الصحوة العامة في الوقت الراهن، وبسبب تقديرات المتدققين الموجودين في العاصمة "أنقرة"، فلا شك أن كل طائفة من طوائف أهل العلم سيمعنون النظر فيها بدقة، وأن الذين يركنون إلى البدع، والأنانيين ومن لا يُرضِيهم شيء إلا بصعوبة بالغة والمنتقدين من أهل العلم سيحاولون الاعتراض.

أما أنتم فاجعلوا الأسس الثلاثة جوابًا لهم الآن:

الأساس الأول: مَن مِن الناس لا يخطئ الآن؟ وبما أن السيئات تُغفَر إذا ما رجحت عليها الحسناتُ، فلا شك أن إنقاذ مئات الآلاف من الناس المساكين من الشبهات بهذه الأعمال الدعوية وبهذه الخدمة الإيمانية الخارقة التي تقام أمام أعينكم تحت هذه الظروف الشديدة القاسية حسنةٌ تتسبب في جبر آلاف التقصيرات متجاوزةً عنها.


[1] مستهل: بداية.



4. صفحة

الأساس الثاني: قولوا لهم إن أخانا سعيد نصف أمي، وخطه غير متقن ولا يستطيع أن يكتب سريعًا، فلا شك أنه ستكون له أخطاء وتقصيرات؛ إذ إنه مرغم على العيش غريبًا منذ عشرين سنة، فهو في الانزواء والتجريد أغلب الأوقات، حتى إنه قال في ختام "الرسالة الأحمدية" -غير المُذَيَّلة- التي أُلِّفَت خلال اثنتي عشرة ساعة فقط في ثلاثة أو أربعة أيام: "إن كانت لي أخطاء في بيان الأحاديث والرواة فأرجو أن تُصحَّح".

ومع أنه أعلن هذا، فإنه لم يظهر عنده خطأ حتى الآن -باستثناء أخطاء المستنسخين- اللهم إلا ما أشار إليه المُنصِّر الأمريكي في أنه تغير الرقم (16) إلى (61) في إنجيل يوحنا، أي تغير موضع الرقم واحد، فصار ستة عشر بدلا من واحد وستين.

ثم إن بعض الرسائل كتبت بسرعة فائقة بناء على أسباب مهمة، فبعض الرسائل المهمة أُلِّفَت في عشر دقائق أو في ساعة واحدة أو في ست ساعات، حتى إن رسالة "المعجزات القرآنية" -بدون ذيولها- قد أُلِّفَت في ظرف أربع وعشرين ساعة خلال أربعة أو خمسة أيام بشهادة الكُتَّاب[1]، فبالطبع يمكن أن يكون هناك بعض الأخطاء، ولا يعد هذا تقصيرًا بأي وجه من الوجوه، وكذلك قد يكون للمستنسخين سهو؛ إذ أغلبهم لم يدرسوا اللغة العربية، فيُنسب هذا إلى المؤلف، لأنه لا يرى كل النسخ، ولا يمكن له بحال أن يصححها كلها، وبما أن أهل العلم والشيوخ يدخلون هذه الدائرة الآن-أي دائرة رسائل النور- فإن المساعدة في هذا التصحيح الكبير الخيِّر دَيْن عليهم.

الأساس الثالث: قد يقول المعترضون والمعجبون بأنفسهم بل يقولون بالفعل: "إن في رسائل النور فقرات كثيرة تتحدث عن كرامات رسائل النور وعن خوارقها، وعن مدى قيمتها الكبيرة، فلو أظهر شخص فضائل نفسه لكان رياءً، وهذا غير مقبول". فإن قالوا هذا فقولوا لهم:


[1] يقصد بالكتّاب هنا الذين كانوا يكتبون من إملائه.




5. صفحة

إن خلاصة ما رد به سعيد على الانتقادات الخفيفة للمدققين في أنقرة مع إقرارهم بتلك الفضائل، وما قبلوه هم أيضًا هو:

أن المؤلف العاجز الضعيف حينما كان يحتاج إلى آلاف المساعدين والمستنسخين وتشجيعات ومعاونات رسمية، لارتباط هذا البلد والعالم الإسلامي ارتباطًا وثيقًا بالحقيقة التي تسعى رسائل النور للحفاظ عليها واحتياجهما إليها احتياجًا شديدًا، تقام بدعايات ضده ظلما وجورا وتخطَّط تدابير ظالمة لكسر قوة معنويات إخوان المؤلف، لذا فلا شك أنه من الواجب والضروري بيان قيمة رسائل النور وكراماتها تجاه كل هذه التحديات.

ومن أجل ذلك فإن إظهار شخص واحد عاجز الإكرامات الإلهية والعنايات الربانية تجاه هجمات آلاف الظالمين المادية بنية إنقاذ أصدقائه الضعفاء من الهروب ليس نقيصةً، بل مصلحة عظيمة.

سـعيد النورسي

هذه المجموعة بستان كبير، لا يستطيع أن يدرك كلّ إنسان كلَّ مسائله ولا يستطيع أن يجني كل ثمراته، فحسبه ربحًا ما علم منها، ويمكن أن يستفيد أهل العلم من القسم الذي في البداية، ويستفيد الجميع من النصف الآخر، ولا تتخلَّ عن قراءتها قائلا: "لم أفهم كلها"، بل اقرأها مرارًا وتكرارًا.

سـعيد النورسي


6. صفحة

"المقام الأول من "ذو الفقار

من موازين رسائل النور

ومن براهين الإيمان والآخرة

الكلمة العاشرة

تأليف

سـعيد النورسي

إخطار

إن سبب ذِكري التشبيهَ والتمثيل في صورة حكايات في هذه الرسالة، هو التسهيل وإظهار مدى قرب الحقائق الإسلامية من العقل وتناسبها وقوتها ورسوخها وتساندها، ومعاني الحكايات هي الحقائق التي في نهايتها، وهي تدل عليها من قبيل الكناية فقط، إذن فهي ليست حكايات خيالية، وإنما حقائق صحيحة صادقة.


7. صفحة

الكلمة العاشرة

مبحث الحشر

بسم الله الرحمن الرحيم

)فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( [الروم:50]

أيها الأخ، إذا أردت بيان الحشر والآخرة بيانًا مبسَّطًا وبلسان العوام وبطريقة واضحة فانظر إلى هذه الحكاية التمثيلية مع نفسي واستمع:

ذهب ذات يوم رجلان إلى مملكة[1] كالجنة، فرأوا أن الجميع تركوا أبواب منازلهم ودكاكينهم ومحلاتهم مفتوحة لا يبالون بالحفاظ عليها وبحراستها، والأموال والنقود مكشوفة لا صاحب ولا حامي لها، فيمد أحد ذلكما الرجلين يده إلى أي شيء كما يحلو له، فيسرق :وينهب، ويرتكب كل أنواع الظلم والسفاهة متبعا هواه، ولا يتعرض له الأهالي كثيرًا، فقال له صديقه

ماذا تفعل؟ ستنال عقابًا، وستعرّضني للمشاكل، فهذه الأموال للدولة، فهؤلاء الأهالي قد أصبحوا جنودًا أو موظفين بأُسرهم وأولادهم يُستَخدمون في هذه الأمور كمدنيين، فلذلك لا يبالون بك كثيرًا ولا يمسونك بسوء، ولكن النظام هنا شديد، فالْمَلِك له هواتف وموظفون في كل مكان، فاذهب إليه مسرعا واعتذر، ولكن ذلك الأحمق عاند وقال:


[1] إشارة إلى هذه الدنيا. (المؤلف).



8. صفحة

لا، هذه الأموال ليست أموال الدولة، بل هي ملك للأوقاف ولا صاحب لها ولا مالك، ويستطيع كل واحد أن يتصرف فيها كما يشاء، ولا أرى سببًا يمنعني من الاستفادة من هذه الأشياء الجميلة، فلن أصدق ما تقول إن لم أره بعيني، وبدأ يتكلم بسفسطات كثيرة وكأنه فيلسوف، فبدأت بينهما مناظرة جادة، فقال ذلك الأحمق أولا:

من المَلِك؟ فأنا لا أعرفه ولا أعترف به!.

فرد عليه صديقه: إنك تعلم أن القرية لا تكون بلا عمدة، والإبرة لا تكون بلا صانع ولا مالك، والحرف لا يكون بلا كاتب، فكيف تكون هذه المملكة البديعة إلى منتهى الحد بلا حاكم ؟

وكيف تكون هذه الثروات الكثيرة إلى هذه الدرجة -وكأن قطارًا مشحونًا[1] بأموال بديعة قيِّمة يأتي كل ساعة من الغيب ويفرغها هنا ثم يرحل- بلا مالك وصاحب؟

وهذه الإعلانات واللافتات في كل مكان، وهذه الأختام والطوابع المشاهَدة على كل الأموال والبضائع، والأعلام المرفرفة الخفّاقة في كل الزوايا كيف تكون بلا مالك؟

يبدو أنك تعلمت شيئًا من لغة الإفرنج والفلسفة الغربية، ولا تستطيع أن تقرأ هذه الحروف والكتابات الإسلامية، ولا تسأل عنها من يَعلمها ويعرفها.

فتعال سأقرأ عليك أعظم فرمان وبيان، فعاد ذلك الأحمق وقال:

لنقل إن الملِك موجود، ولكن ماذا تضره استفادتي الجزئية البسيطة، وماذا ينقص من خزانته؟ ثم إنه لا يوجد سجن ولا حبس ولا يبدو عقاب هنا.

فرد عليه صديقه: يا هذا إن هذه المملكة التي تُرى وتُشاهد ما هي إلا ميدان مناورات وتدريبات، ومعرض الصناعات الغريبة للملِك، ودار ضيافة له مؤقتة لا قرار لها، ألا ترى أن كل يوم تأتي قافلة وتذهب أخرى وتختفي، وتُملأ وتُفرَغ دائمًا، فبعد مرور

[1] إشارة إلى السَّنة، أجل إن الربيع قطار يأتي من الغيب كمخزن الأغذية. (المؤلف).



9. صفحة

زمن ستُبدَّل هذه المملكة إلى مملكة أخرى، وهؤلاء السكان والأهالي سيُنقلون إلى مملكة أخرى دائمة خالدة، فسينال كل واحد عقابه ومكافأته هناك مقابل ما كان يعمل هنا.

فقال له ذلك الخائن متمردًا مرة أخرى: لا أصدق، هل يمكن أن تُدمَّر هذه المملكة، ويَرحل سكانها وأهلها إلى مملكة أخرى؟

فقال له صديقه الأمين: بما أنك تعاند وتتمرد إلى هذا الحد، إذن فسأبين لك بـ"اثنتي عشرة صورة" ضمن ما لا يعد ولا يحصى من الدلائل، أن هناك محكمة كبرى ودار مكافأة وإحسان، ودار عقاب وزنزانة، وأنه سيأتي يوم تُخلى فيه هذه المملكة كليًّا ونهائيًّا وتُدمَّر كما تخلى هنا كل يوم إلى حد ما.

الصورة الأولى

أمن الممكن لسلطنة ـ وبخاصة مثل هذه السلطنة العظيمة ـ ألا تكون فيها مكافأة للمطيعين الذين يخدمونها خدمة متقنة ويقومون فيها بأعمال صالحة، وعقاب للعاصين؟ والمكافأة والعقاب في حكم المعدوم هنا، إذن إن هناك محكمة كبرى في دار أخرى.

 

 

الصورة الثانية

انظر إلى سير الأمور والأحوال والأحداث هنا، كيف يوزع أفضل رزق وأحسنه للجميع حتى أفقرهم وأضعفهم، وكيف يُرعى المرضى الذين لا حامي ولا راعي لهم رعاية حسنة، وتوجد هنا أطعمة طيبة لذيذة وأواني فاخرة، وأوسمة مرصعة، وألبسة مزينة، ومآدب عظيمة فاخرة، انظر كيف أن الكل يؤدون وظائفهم أداء متقنًا إلا الحمقى السخفاء من أمثالك، ولا يتعدى أحد حده مقدار ذرة، فأعظم شخص يؤدي عمله بتواضع في منتهى الطاعة وتحت خوف ومهابة، إذن فمالك هذه السلطنة له كرم عظيم ورحمة واسعة جدًّا، وله عزة كبيرة وشرف عظيم وغيرة

10. صفحة

جليلة، فمع أن الكرم يتطلب الإنعام، والرحمة لا تكون بلا إحسان، والعزة تقتضي الغيرة، والشرف والغيرة يستوجبان تأديب مسيئي الأدب، فإنه لا يظهر في هذه المملكة واحد من ألف مما يناسب تلك الرحمة وتلك الغيرة، فيظل الظالم في عزته، والمظلوم في ذلّه، ويرحلان، إذن الأمر يؤجَّل إلى محكمة كبرى.

الصورة الثالثة

انظر كيف أن الأمور تسير بحكمة عالية وانتظام وتنسيق بديع رائع، وكيف أن التعاملات تقام بعدالة حقيقية وميزان حساس دقيق، بينما كانت حكمة الحكومة تستوجب اللطف والإحسان إلى اللائذين بجناح حماية السلطنة، والعدالة تتطلب الحفاظ على حقوق الرعية، حتى يُحفظ شرف الحكومة وكرامتها وتصان عظمة السلطنة، ولكن لا يُنفَّذ هنا إلا واحد من ألف مما يناسب ويليق بتلك الحكمة والعدالة، ويرحل أغلب الحمقى من أمثالك دون أن ينالوا عقابهم، إذن الأمر يؤجل إلى محكمة كبرى.

الصورة الرابعة

انظر، إن ما في هذه المعارض من جواهر يتيمة غير محدودة، وإن ما في هذه الموائد من أطعمة غير محدودة لا مثيل لها تدل على أن لمالك هذه المملكة كرمًا وسخاء غير محدودين، وله خزائن مليئة غير معدودة، بينما مثل هذا الكرم والسخاء والخزائن التي لا تنضب يستوجب وجود دار ضيافة دائمة فيها كل ما هو مطلوب ومرغوب، ويتطلب أيضا بقاء المتنعمين بتلك المآدب وخلودهم في تلك الدار حتى لا يتألموا من الفراق والزوال؛ لأن زوال اللذة ألم كما أن زوال الألم لذة.

وانظر إلى هذه المعارض، وأمعن النظر في هذه الإعلانات، واستمع إلى هؤلاء الدّلاّلين الذين ينظمون ويعرضون بدائع صنع الملك الذي يُظهِر المعجزات، ويظهرون كمالاته، ويبينون جماله المعنوي الذي لا مثيل له، ويذكرون لطائف حسنه المخفي، إذن إن له كمالات وجمالاً معنويًّا عظيمين عجيبين. 


11. صفحة

أما الكمال المخفي الذي لا نقص فيه فيرغب في إعلانه على رءوس المشاهدين المستحسنين المقدرين المعجبين به قائلين "ماشاء الله"، وأما الجمال المخفي الذي لا نظير له فيحب أن يَرى ويُرى ويشاهِد ويشاهَد، أي يحب أن يرى جماله بطريقتين، إحداهما أن يشاهِد هو نفسه جماله في مرايا مختلفة، والأخرى أن يشاهِد جماله بواسطة مشاهَدة المشاهِدين المشتاقين له والمستحسنين المعجبين به.

أي إنه يرغب في أن يشاهِد ويشاهَد، ويريد المشاهدة الدائمة والإشهاد الأبدي.

ثم إن ذلك الجمال الدائم يستلزم دوام وجود المشتاقين والمشاهِدين المستحسنين؛ لأن الجمال الدائم لا يرضى بالمشتاق الزائل، إذ المشاهِد المحكوم عليه بالزوال بلا عودة تنقلب محبته إلى عداوة بتصوره الزوالَ، وينقلب إعجابه واحترامه إلى التحقير؛ لأن الإنسان عدو لما جهل ولما لا تبلغه يدُه، ولكن الجميع يرحلون عن دُور الضيافة هذه بسرعة ويغيبون، ويرون في غمضة عين لمعة من ذلك الكمال وهذا الجمال، بل ظلاًّ ضعيفًا منهما، ويرحلون عنهما دون أن يشبعوا منهما، إذن إنهم راحلون إلى محل مشاهدة دائم.

الصورة الخامسة

 انظر، إنه يظهر ضمن هذه الأمور أن للسلطان الذي لا نظير له شفقة ورأفة عظيمة، لأنه يغيث كل من أصابته مصيبة، ويجيب كل سؤال وكل طلب، حتى إنه إذا ما رأى أدنى حاجة لأدنى شخص من رعيته فإنه يقضيها له بالشفقة والرأفة، وإذا ما أصيبت ساق غنم لراع إصابة طفيفة فإنه يرسل دواء أو بيطرًا.

تعال معي نذهب إلى هذه الجزيرة ففيها اجتماع كبير، فقد اجتمع فيها كل أشراف المملكة وكبارها، انظر، إن رسولا أكرم يحمل وساما عاليًا جدًّا يخطب ويسأل مَلِكه الرءوف الرحيم ويطلب منه بعض الأمور، فكل السكان والأهالي يقولون: نَعم؛ نعم؛ نحن كذلك نسألك ونطلب، ويصدقونه ويؤيدونه. 


12. صفحة

واستمع الآن، إن حبيب الملك يقول: يا ملِكنا الذي يُنبِتنا ويربينا بنعمه، أرنا أصول ومنابع النماذج والظلال التي أريتنا، وخذنا إلى مقر سلطنتك، ولا تهلكنا في هذه الصحارى والقفار، وانقلنا إلى ديوانك، وارحمنا، وأطعمنا هناك النعم اللذيذة التي أذقتنا إياها هنا، ولا تعذبنا بالزوال والإبعاد عنك، ولا تتركنا نحن رعيتَك المشتاقين إليك والشاكرين والمطيعين لك مشرَّدين ضائعين، ولا تعدمنا" ويتوسل ويتضرع إليه كثيرًا، فأنت تسمع ذلك، فيا ترى أمن الممكن لملك رءوف رحيم قدير إلى هذا الحد أن يقضي باهتمام أدنى حاجة لأدنى رجل، ثم لا يقضي أعظم مقصود لأحب رسول كريم عنده، مع أن طلب ذلك الحبيب هو طلب الجميع أيضًا، وموضع رضا الملك ومقتضى رأفته وعدالته، وهو هين على الملك، ولا يثقل عليه، كما لا يثقل عليه خلق المتنزهات المؤقتة في دار الضيافة هذه، بل هو أسهل عليه، وبما أنه أنشأ هذه المملكة وصرف وأنفق إلى هذا الحد من المصروفات على هذه المتنزهات التي تستمر لمدة خمسة أو ستة أيام كي يري ويظهر نماذج خزائنه وكمالاته وإبداعاته الحقيقية لبضعة أيام؛ فلا شك أنه سيفتح في مقر سلطنته متنزهات تبهر وتذهل العقول وسيعرض فيها خزائنه وكمالاته وإبداعاته الحقيقية، إذن إن هؤلاء الذين في دار الامتحان هذه ليسوا سائبين طليقين، بل تنتظرهم قصور السعادة، والزنزانات.

 

 

الصورة السادسة

تعال وانظر إن هذه القطارات والطائرات والتجهيزات والمخازن والمعارض والإجراءات العظيمة الكاملة تدل على أن وراء الستار سلطنةً عظيمةً[1] تحكم،فسلطنة كهذه تتطلب

[1] فكما أن جيشًا كبيرًا في ميدان المناورات يشبه برمته غابة ذات أشواك بعد امتثاله لأمر "خذوا السلاح وركبوا الحراب" حسب أصول الحرب، وأن المعسكر كله يشبه في يوم العيد في استعراض عسكري رسمي حديقةً مزينة قد تفتحت أزهارًا ملونة بعد امتثالها لأمر "البسوا أزياءكم وتقلدوا أوسمتكم"، فكذلك طائفة النباتات غير ذات الشعور والوعي التي هي نوع من أنواع جنود السلطان الأزلي غير المحدودة كالملائكة والجن والإنس والحيوان في ميدان وجه الأرض، إذا ما تلقَّت الأمر الإلهي "ركبوا أسلحتكم وأجهزتكم" للدفاع بأمر "كن فيكون" في جهاد حفظ الحياة، فإن الأرض تشبه برمتها معسكر جيش عظيم قد رَكَّب جنوده حرابهم عندما تركِّب جميع الأشجار والنباتات الشائكة فيها حرابها، ولأن كل يوم وكل أسبوع من الربيع هو كعيد لطائفة من طوائف النباتات، فكل طائفة منها تعرض الأوسمة المرصعة التي قلّدها إياها بما يشبه الاستعراض الرسمي أمام نظر شهود السلطان الأزلي وإشهاده الذي قلّدها إياه، وتتخذ هذه الحالة لعرض الهدايا الجميلة التي منحها سلطانها وملكها، فكأن جميع الأشجار والنباتات تسمع وتمتثل للأمر الرباني " تقلدوا مرصعات الصنعة الربانية، وأوسمة الفطرة الإلهية التي هي الأزهار والثمار، وافتحوا الأزهار" حيث يشبه سطح الأرض أيضا في يوم عيد عظيم معسكرًا يلمع ويتلألأ بالأزياء المزينة والأوسمة المرصعة في استعراض رسمي بديع رائع.

فلا شك أن هذه التزيينات والتجهيزات ذات الحكمة والتنسيق والانتظام إلى هذا الحد تبين وتظهر لمن ليسوا بعميان أنها تتم بأمر سلطان قدير لا نهاية لقدرته، وحاكم حكيم لا نهاية لحكمته. (المؤلف).

 



13. صفحة

تتطلب رعايا يليقون به، والحال أنك ترى أن جميع الرعايا قد اجتمعوا في دار الضيافة هذه، ودار الضيافة تملأ وتفرغ كل يوم، وأن جميع الرعايا قد اجتمعوا جميعًا في ميدان الامتحان هذا من أجل المناورات، والميدان يبدَّل كل ساعة، وأن جميع الرعايا يبقون لبضع دقائق في هذا المعرض ويشاهدون فيه نماذج إحسانات الملك القيمة، وتحف وعجائب مصنوعاته البديعة، وأما المدينة فتتحول كل دقيقة، والراحل فيها لا يعود، والقادم يغادرها.

فهذه الحالة وهذا الوضع يدلان على أن وراء دار الضيافة هذه وهذا الميدان وهذه المعارض قصورًا دائمة، ومساكن مستمرة خالدة، وحدائق وخزائن مليئة بالأصول الخالصة العالية لهذه النماذج والصور، إذن فهذا السعي والجهد هنا من أجل نيل ذلك، فهو يستخدمهم هنا ويعطيهم الأجر هناك، فلكلٍّ سعادةٌ هناك حسب استعداده.

  الصورة السابعة

تعال لنتجول قليلاً، ونرى ما يحدث بين هؤلاء السكان المدنيين.

فانظر، قد وضعت في كل مكان وزاوية آلات تصوير كثيرة تلتقط الصور، وانظر، في كل مكان كتّاب كثيرون يكتبون بعض الأشياء، ويسجلون كل شيء، ويضبطون أتفه الأعمال وأبسط الوقائع.

انظر، فقد نصبت على ذلك الجبل العالي آلة تصوير[1] كبيرة خاصة بالملك تلتقط

[1] قد بُيّن قسم من المعاني التي أشارت إليها هذه الصورة في "الحقيقة السابعة"، إلا أننا نقول هنا أن إشارة آلة التصوير الكبيرة الخاصة بالملك وحقيقتها هي اللوح المحفوظ، وقد أُثبِت تحقُّق وجود اللوح المحفوظ في "الكلمة السادسة والعشرين" كالآتي: فكما أن البطاقات الشخصية الصغيرة تشعر بوجود سجل كبير للبطاقات الشخصية، والمستنَدات الصغيرة تُشعِر بوجود دفتر كبير، والرشحات الصغيرة الكثيرة تشعر بوجود منبع كبير للماء؛ فكذلك قوى ذاكرة بني البشر، وثمار الأشجار ونوى الثمار وبذورها التي هي بمنزلة بطاقات شخصية صغيرة، وبمعنى لوح محفوظ صغير، والتي هي كنقاط صغيرة سائلة من القلم الذي كتب اللوح المحفوظ الكبير، لابد أنها تُشعِر بوجود الذاكرة الكبرى والسجل الأكبر واللوح المحفوظ الأعظم، وتثبتها، بل تريها وتظهرها للعقول الحادة.(المؤلف).




14. صفحة

كل ما يجري في جميع هذه الأماكن، إذن إنه أمر بتسجيل وضبط كل المعاملات والأمور التي تجري في ملكه، وهذا يعني أن ذلك الملك العظيم أمر بتسجيل جميع الحوادث التي تقع والتقاط صورها، فلابد أن هذا الحفظ الدقيق إنما هو من أجل المحاسبة.

فهل من الممكن لحاكم حفيظ لا يهمل أبسط معاملة لأدنى فرد من رعيته؛ ألاّ يحفظ ولا يسجل أعظم الأعمال لأعظم رعاياه، وألا يحاسبهم، وألا يعطيهم المكافأة ولا يعاقبهم، ولأنه تقع من هؤلاء الكبار أمور تمس عزة ذلك الملك وغيرته، وترفضها رحمته رفضًا تامًا، وهو لا يعاقبهم هنا، إذن يؤجَّل الأمر إلى محكمة كبرى.

 

الصورة الثامنة

تعال، سأقرأ عليك هذه البيانات والأوامر الصادرة عن ذلك الملك، فانظر إنه يكرر وعده، ويتوعد بشدة، حيث يقول: سآخذكم إلى مقر سلطنتي، وسأجعل المطيعين سعداء، وسألقي بالعصاة في السجن، وعندئذ سأدمر الأرض، وسأنشئ مملكة ودارًا أخرى تضم القصور الدائمة والسجون الخالدة".

ثم إن الأمور التي وعد بها هينة وسهلة عليه، وهي في منتهى الأهمية لرعاياه، أما خلف الوعد فهو مناف كليًّا لعزة قدرته.

فانظر أيها الأبله، إنك تصدّق وهمك الكاذب، وعقلك الهاذي، ونفسك الخدّاعة، وتكذّب من لا يضطر ولا يحتاج إلى الخُلف والخلاف بأي وجه من الوجوه، ومن لا يليق الخلاف بعزته وكرامته أبدًا، ومن تشهد كل الأمور الظاهرة على صدقه، ولابد أنك تستحق عقابًا شديدًا، فمَثَلك كمَثَل مسافر يغمض عينيه عن ضياء الشمس، وينظر إلى

15. صفحة

خياله، ويريد أن ينير طريقه المخيف المرعب بنور مصباح عقله الوهمي مثلما تفعل اليراعة.

وبما أنه وعد فلا شك أنه سيفي بوعده، ووفاؤُه سهل وهين عليه، وضروري جدًّا لنا ولكل شيء وهو من لوازمه المهمة ولوازم سلطنته.

إذن إن هناك محكمة كبرى وسعادة عظمى.

الصورة التاسعة

تعال ننظر إلى بعض رؤساء[1] هذه الدوائر والجماعات، فلكل واحد منهم هاتف خاص به يُمكّنه من الاتصال بالمَلِك مباشرة، بل مَثُل بعضهم في حضرته.

فانظر ماذا يقولون، إنهم يخبرون باتفاق أن ذلك الملك قد أعدّ دارًا رائعة ورهيبة للمكافأة والعقاب، فهو يعد وعدًا قويًّا ويتوعد بشدة، ويترفع بعزته وجلاله عن خلف الوعد فلا يقبل التذلل بأي وجه من الوجوه، والحال أن هؤلاء المخبرين يخبرون إخبارات كثيرة بدرجة التواتر وباتفاق في قوة الإجماع أن مقر هذه السلطنة العظيمة التي يُرى ويشاهد بعض آثارها هو في مملكة أخرى بعيدة، فالمباني في ميدان الامتحان هذا مؤقتة، ثم ستُحوَّل إلى قصور دائمة، فهذه الأماكن ستُبدَّل؛ لأن هذه السلطنة العظيمة الدائمة التي لا زوال لها والتي تتبين وتظهر عظمتها من آثارها لا تقام ولا تبقى على مثل هذه الأمور الزائلة غير الدائمة وغير المستقرة وغير المهمة، والمتغيرة الناقصة غير المتكاملة التي لا بقاء لها، إذن هي مُقامة على أمور لائقة بها ودائمة ومستقرة ومستمرة مكتملة بديعة لا زوال لها، إذن إن هناك ديارًا أخرى، فلابد من الذهاب إلى ذلك المقر.

[1] إن المعاني التي تُثبتها هذه الصورة ستَظهر في "الحقيقة الثامنة"، فمثلا: رؤساء الدوائر في هذا المثال تشير إلى الأنبياء والأولياء، وأما الهاتف فهو نسبة ربانية تمتد من القلب الذي هو مَعكس الوحي ومَظهَر الإلهام، فالقلب بمنزلة رأس ذلك الهاتف وسماعته. (المؤلف).  




16. صفحة

الصورة العاشرة

تعال، فاليوم يوم عيد الربيع للملك[1]، ستحدث تبدلات وتغيرات، وستظهر أمور عجيبة، فلنذهب في هذا اليوم الجميل من أيام الربيع إلى هذه الوديان الخضراء المزينة بالأزهار الجميلة ونقوم بنزهة، فهؤلاء الأهالي هم أيضا يأتون إلى هنا، وهناك أمر كالسحر، فالمباني قد دُمِّرت وانهارت فجأة وتحولت إلى صورة أخرى، وانظر هذه معجزة؛ فالمباني المدمَّرة المنهارة قد شُيِّدت فجأة هنا، فكأن هذه القفار الخالية تحولت إلى مدينة متحضرة، فانظر إنها تَعرض كل ساعة عالَما مختلفًا كشاشات السينما، وتتخذ شكلا مختلفًا.

أمعن النظر في هذا؛ إن في هذه الشاشات الحقيقية المختلطة السريعة الكثيرة انتظامًا بديعًا متقنًا، بحيث يوضع كل شيء في مكانه المناسب بدقة، وحتى شاشات السينما الخيالية لا يمكن أن تكون رائعةً بديعة مثل هذا، ولا يستطيع ملايين السحرة المهرة البارعين أن يقوموا بمثل هذه الفنون والإبداعات، إذن فذلك الملك المخفي عنا له معجزات عظيمة كثيرة.

أيها الأبله، إنك تقول: "كيف ستدمر هذه المملكة الكبيرة وستقام في مكان آخر؟" فها أنت ذا ترى أنه تحدث كل ساعة انقلابات وتبدلات وتحولات كثيرة كتبدل تلك الديار الذي لا يقبله عقلك، ويتبين من هذه الاجتماعات والافتراقات ومن هذه الأحوال أن كل هذه الاجتماعات والافتراقات والبناءات والتدميرات السريعة التي تُشاهَد فيها مقاصد أخرى- إذ يُنفَق لمدة ساعة من الاجتماع ما ينفق لمدة سنة- ليست مقصودة بالذات، بل هي نماذج وتقاليد، فذلك الملك يفعل ذلك بالمعجزة، حتى تُؤخَذ صورُها وتُجمَع، وتُحفَظ نتائجُها وتُسجَّل، فكما أن كل شيء كان يُحفظ ويسجل في ميدان

[1] سترى رمز هذه الصورة في "الحقيقة التاسعة"، فيوم العيد مثلا إشارة إلى فصل الربيع، وأما الوديان الخضراء المزهرة فهي سطح الأرض في فصل الربيع، وأما الشاشات والستائر والمناظر المتغيِّرة فهي إشارة إلى طبقات الموجودات في فصل الربيع وطوائف المصنوعات في فصل الصيف والمطعومات التي هي مدار رزق الحيوان والإنسان والتي يبدلها الصانع القدير ذو الجلال والفاطر الحكيم ذو الكمال من بداية فصل الربيع إلى نهاية فصل الصيف ويجددها بكمال الرحمة، ويرسلها متعاقبة بعضها خلف بعض.(المؤلف).




17. صفحة

المناورات والاختبار، إذن كذلك ستستمر الإجراءات على هذا المنوال في المجمع الأكبر وستدور عليها، وستُعرض عرضًا دائمًا في معرض كبير، بمعنى أن هذه الأحوال الزائلة المؤقتة غير المستقرة تثمر صورًا ثابتة وثمارًا باقية، إذن فهذه الاحتفالات من أجل سعادة عظمى ومحكمة كبرى، وغايات لا نعلمها.

الصورة الحادية عشرة

تعال أيها الصديق المعاند نركب طائرة أو قطارًا متجهًا إلى الشرق أو الغرب أي إلى الماضي والمستقبل، لنرى ونشاهد أي نوع من المعجزات يُظهر ذلك الملك ذو المعجزات في الأماكن الأخرى.

فها انظر إن العجائب التي رأيناها من قبل كالمنزل والميدان والمعرض تشاهَد في كل مكان، ولكن كل واحد منها يختلف عن الآخر صنعةً وصورة، وأمعن النظر في هذا؛ كم من انتظام حكمة باهرة، وإشارات عناية ظاهرة، وأمارات عدالة عالية، وثمرات رحمة واسعة تظهر في تلك المنازل غير الثابتة والميادين غير الدائمة والمعارض غير الباقية، وكل من لم يفقد بصيرته يدرك يقينًا أنه لا يمكن أن يكون هناك حكمة أكمل من حكمته، وعناية أجمل من عنايته، ورحمة أشمل من رحمته، وعدالة أجلَّ من عدالته بل لا يمكن تصور ذلك، ومن المعلوم أن هذه المملكة التي لا بقاء لها لم تستطع أن تكون مَظهَرا لحقائق الحكمة والعناية والرحمة والعدالة، فإن لم تكن في دائرة ملكه - فرضًا وكما تتوهم أنت- منازل دائمة، وأماكن عالية، ومقامات ثابتة، ومساكن باقية، وأهال وسكان مقيمون ورعايا سعداء تتجلى عليهم هذه الحقائق، وإن لم تكن توجد في مكان آخر أيضا، فعندئذ يجب أن ننكر هذه الحكمة التي نراها أمام أعيننا، وهذه العناية التي نشاهدها، وهذه الرحمة التي نلمسها، وهذه العدالة التي تظهر أماراتها وإشاراتها القوية جدًّا، يجب إنكار كل هذا بحماقة إنكار الشمس التي نرى ضوءها في رابعة النهار، ويجب أن نقبل أن من يقوم بهذه الإجراءات الحكيمة والأفعال الكريمة

18. صفحة

والإحسانات الرحيمة التي نراها -حاشاه ثم حاشاه- عابث سفيه، وظالم غدّار، وهذا يعني انقلاب الحقائق إلى ضدها، بينما انقلاب الحقائق إلى ضدها محال وغير ممكن باتفاق جميع أهل العقل، غير السوفسطائيين البلهاء الذين ينكرون وجود كل شيء.

إذن إن هناك ديارًا أخرى غير هذه الديار، وفيها محكمة كبرى ودار عدالة عليا، ودار كرم عظمى حتى تظهر وتتجلى فيها بكمال هذه الرحمة والحكمة والعناية والعدالة.

الصورة الثانية عشرة

تعال نرجع الآن لنقابل رؤساء هذه الجماعات وضباطها، وننظر إلى أجهزتهم وآلاتهم لنرى أوُهِبت تلك الأجهزة والآلات من أجل معيشة في مدة قصيرة في ذلك الميدان فقط ، أم مُنحت من أجل الفوز بسعادة حياة طويلة في مكان آخر، فنحن لا نستطيع أن ننظر إلى الكل وإلى كل الأجهزة والآلات، إلا أننا سننظر إلى البطاقة الشخصية لهذا الضابط وسجله كنموذج، ففي هذه البطاقة رتبة هذا الضابط، وراتبه ووظيفته وما يُطلَب منه ودستور حركاته.

انظر، فهذه الرتبة لم تمنح من أجل بضعة أيام، بل من أجل مدة طويلة جدًّا، ومسجَّل ومكتوب في هذه البطاقة تاريخ تقاضي راتبه من الخزانة الخاصة، علما بأن ذلك التاريخ يأتي بعد زمان طويل وبعد أن يغلق هذا الميدان، أما هذه الوظيفة فليست من أجل هذا الميدان المؤقت، بل أعطيت من أجل كسب سعادة دائمة بقرب الملك، أما هذه الأشياء المطلوبة الضرورية فلا يمكنها أن تكون من أجل حياة ومعيشة تستغرق بضعة أيام في دار الضيافة هذه، بل يمكن أن تكون من أجل حياة سعيدة طويلة، وأما هذا الدستور فيظهر إظهارًا واضحًا كليًّا أن صاحب البطاقة الشخصية مرشح للذهاب إلى مكان آخر، ويسعى ويعمل من أجل عالم آخر.

انظر إلى هذه السجلات، فيها المسئوليات وكيفية استعمال الآلات والأجهزة، فإن لم يكن هناك مكان عال دائم غير هذا الميدان وحده، فسيصبح هذا السجل المحكم

19. صفحة

والبطاقة المتقنة بلا معنى كليًّا، ويسقط هذا الضابط الموقَّر والقائد المكرَّم والرئيس المبجَّل إلى دركة أدنى من جميع الأهالي، ويكون أكثر الناس شقاء وعجزًا وذلاًّ وبلاء ومصيبة وفقرًا وضعفًا، فقس على هذا، وإذا أنعمت النظر في أي شيء ترى أنه يشهد أن وراء هذه الدنيا الفانية عالمًا باقيًا.

إذن أيها الصديق، إن هذه المملكة المؤقتة هي بمنزلة مزرعة، وهي ساحة تعليم وتدريب، وسوق، فلا شك أنه سيأتي وراءها محكمة كبرى وسعادة عظمى، فإن أنكرت هذا فستضطر إلى إنكار جميع البطاقات الشخصية والسجلات والآلات والأجهزة والدساتير الموجودة عند كل الضباط، بل جميع النظام في هذه المملكة بل حتى الحكومة نفسها، ويجب أن تكذب وجود جميع الإجراءات المنفَّذة، فلن يقال لك عندئذ إنك إنسان وذو شعور ووعي، وستصبح أشد حماقة وبلاهة من السوفسطائيين.

وإياك أن تظن أن دلائل تَبدُّل هذه المملكة تقتصر على هذه الصور الاثنتي عشرة وتنحصر فيها، بل إن هناك ما لا عد له ولا حد من الأمارات والدلائل التي تدل على أن هذه المملكة المتغيرة غير المستقرة ستُحوَّل إلى مملكة مستقرة لا تزول، وهناك ما لا يعد ولا يحصى من الإشارات والعلامات تشير إلى أن هؤلاء الأهالي والسكان سيؤخذون من دور الضيافة الفانية هذه وينقلون إلى المقر الدائم للسلطنة.

تعال لأريك برهانًا آخر أقوى من قوة الصور الاثنتي عشرة، انظر، إن الرسول الأكرم صاحب الوسام العظيم الذي رأيناه في الجزيرة من قبل يقوم بالتبليغ بين الجماعة العظيمة التي تلوح لنا من بعيد، فهيا نذهب ونسمعه، فانظر، إن هذا الرسول الأكرم النوراني يبلغ الأهالي الفرمان الأعظم المعلَّق في الأعلى، ويقول: استعدوا وتهيئوا، سترحلون إلى مملكة أخرى دائمة، فهي مملكة ليست مملكتنا هذه إلا كزنزانة بالنسبة لها، فإن استمعتم إلى هذا الفرمان بدقة واهتمام وأطعتم وامتثلتم له فستنتقلون إلى مقر سلطنة مَلِكنا، وستنالون رحمته وإحساناته، وإن عصيتم ولم تسمعوا له فستُلقَون في زنزانات رهيبة.


20. صفحة

إنه يشرح ويبلغ الحاضرين مثل هذه الأمور، فأنت ترى أن في هذا الفرمان الأعظم ختمًا معجزًا لا يمكن تقليده بأي وجه من الوجوه، ويعلم الجميع يقينا ما عدا البلهاء من أمثالك أن ذلك الفرمان هو فرمان الملك وبيانه، وأن لدى ذلك الرسول الأكرم المنوَّر أوسمة بحيث يدرك الجميع يقينًا ما عدا العميان من أمثالك أن ذلك الشخص هو مبلغ صدوق لأوامر الملك.

فيا ترى أمن الممكن لهذه المسألة؛ مسألة تبديل المملكة هذه التي يدعيها هذا الرسول الأكرم ويبلغها مع هذا البيان والبلاغ الأعظم بكل قوتهما أن تقبل اعتراضًا؟!

كلا؛ إنها لا تقبل اعتراضا، إلا إذا أنكرت جميع ما نرى ونشاهد.

فيا أيها الصديق، الدور عندك الآن، فقل ما تشاء.

- وأنا ماذا يمكن أن أقول، فهل يمكن قول شيء بعد هذا، وهل يمكن الشك في وجود الشمس في رابعة النهار، وليس عندي ما أقول إلا: الحمد لله، وألف ألف شكر له، فلقد تخلصت من تحكم الوهم والهوى، ومن أسر النفس والهوى، ونجوت من السجون والزنزانات الدائمة، وصدقت وآمنت بأن هناك ديار سعادة أخرى عند الملك المليك، غير هذه الدار للضيافة المضطربة غير المستقرة، ونحن مرشَّحون لها.

فقد تمت هنا الحكاية التمثيلية التي هي كناية عن الحشر والآخرة وعبارة عنهما، والآن ننتقل إلى الحقيقة العليا بالتوفيق الإلهي، ونبين مع المقدمة "اثنتي عشرة حقيقة" متساندة مقابل "اثنتي عشرة صورة" سبق ذكرها.


21. صفحة

المقدمة

نشير ببعض الإشارات إلى بعض المسائل الموضَّحة في مواضع أخرى، أي في الكلمات "التاسعة عشرة" و"الثانية والعشرين" و"السادسة والعشرين".

الإشارة الأولى:

هناك "ثلاث حقائق" للرجل الأبله وصديقه الأمين في الحكاية:

الأولى: نفسي الأمّارة وقلبي.

الثانية: تلاميذ الفلسفة وتلاميذ القرآن الحكيم.

الثالثة: أمة الإسلام وملة الكفر.

إن أشد ضلال تلاميذ الفلسفة وملة الكفر والنفس الأمارة هو في عدم معرفة الله الحق تعالى، وكما قال الصديق الأمين في الحكاية أنه لا يمكن حرف بلا كاتب، ولا قانون بلا حاكم، فنحن نقول: إنه من أبعد المحالات أن يكون كتاب بلا كاتب وبخاصة كتاب قد كتب في كل كلمة منه كتاب بقلم صغير، وكتبت في كل حرف منه قصيدة رائعة بديعة، فكذلك محال في محال إلى أبعد الحدود أن يكون هذا الكون وهذه الكائنات بلا نقّاش، لأن هذا الكون كتاب تتضمن كل صفحة من صفحاته كتبًا كثيرة، بل في كل كلمة منه كتاب، وفي كل حرف منه قصيدة، فسطح الأرض صفحة وما أكثر ما فيها من كتب، وكل شجرة كلمة وما أكثر ما فيها من صفحات، وكل ثمرة حرف، وكل نواة نقطة، ففي تلك النقطة برنامج شجرة ضخمة وفهرسها، فكتاب كهذا إنما يمكنه أن يكون نقش قلم قدرة القدير ذي الجلال المالك لصفات الجلال والجمال والقدرة والحكمة غير المحدودة، بمعنى أن مشاهدة العالم توجب هذا الإيمان، إلا مَن سكر بسبب الضلالة.

فكما أنه لا يمكن أن يكون منزل بلا بنّاء، ولا سيما منزل زُيِّن بخوارق الفنون، وعجائب النقوش، وغرائب الزينات، حتى إنه قد أدرج في كل حجر من أحجاره فن بقدر ما في القصر كله، ولا يقبل أي عقل أن يكون مثل هذا المنزل بلا بنّاء، بل

22. صفحة

يستلزم وجود معمار فنان مبدع ماهر، وبخاصة أنه يبني كل ساعة منازل حقيقية في ذلك القصر وكأنها شاشات السينما، ويغيرها بكمال الانتظام كما يغير الملابس، حتى إنه توجد منازل صغيرة كثيرة في كل شاشة حقيقية؛ فكذلك هذا الكون يستوجب وجود صانع حكيم عليم قدير لا نهاية لحكمته وعلمه وقدرته؛ لأن هذا الكون العظيم البديع قصر، والقمر والشمس مصابيحه، والنجوم شموعه، والزمان خيط وشريط يعلق عليه الصانع ذو الجلال كل سنة عالمًا آخر ويعرضه، ويجدد صور تلك العوالم البديعة المنتظمة بثلاثمائة وستين طرزا في ذلك العالم الذي علق عليه، ويغيرها بكمال الانتظام والحكمة، وقد جعل سطح الأرض مائدة نعمة يزينها في كل فصل ربيع بثلاثمائة ألف نوع من مصنوعاته، ويملأها بما لا يعد ولا يحصى من أنواع إحساناته بطريقة تتم في منتهى الاختلاط والتداخل، فإنه يتميز ويختلف بعضها عن بعض بمنتهى التميز والاختلاف، فقس بقية الأوجه على هذا، فكيف يمكن الغفْلةُ عن صانع مثل هذا القصر؟

وكما أن إنكار الشمس هذيان مجنون عجيب في الوقت الذي تُرى وتشاهَد صورتها في جو صحو في رابعة النهار على كل فقاعة وزبد على سطح البحر، وعلى كل شيء لامع في الأرض، وعلى كل جزء من أجزاء الثلج؛ لأنه يجب عندئذ بإنكار الشمس الواحدة وبعدم قبول وجودها، قبولُ وجود شميسات حقيقية هائلة الضخامة وأصيلة، بعدد القطرات وبعدد الفقاعات وبعدد الأجزاء، ويجب وجود شمس حقيقية في كل ذرة مع أنها لا تتسع إلا لذرة واحدة؛ فكذلك فإن مشاهدة هذه الكائنات التي تتغير دومًا بحكمة وترتيب، وتتجدد كل وقت بانتظام وتناسق، ثم عدم التصديق بالخالق ذي الجلال مع أوصافه الكمالية جنونُ ضلالةٍ، وهذيانُ جنونٍ أدهى وأشد من ذلك؛ إذ يجب عندئذ قبول ألوهية مطلقة في كل شيء حتى في كل ذرة، لأنه تستطيع -مثلا- كل ذرة من ذرات الهواء أن تدخل في كل زهرة وثمرة وورقة وتعمل فيها، فإن لم تكن هذه الذرة مأمورة، فيجب عندئذ أن تعلم كيفية تكوّن المصنوعات التي تدخل وتعمل فيها، وصورها وهيئاتها حتى تستطيع أن تعمل فيها، بمعنى أنها يجب أن تملك علمًا محيطًا وقدرة شاملة حتى تقدر على كل ذلك.


23. صفحة

فمثلا: ذرات التراب تستطيع أن تكون منشأً لجميع النوى والبذور المختلفة المتنوعة، فإن لم تكن مأمورة للزم أن تحتوي على أجهزة وآلات معنوية بعدد الأعشاب والأشجار، أو يجب أن تُسنَد إليها مهارة وقدرة تعلم كل نظام تكونها وتصنعها، وتعرف جميع الصور التي تخلع عليها وتنسجها، فقس على هذا سائر الموجودات، حتى تدرك أن في كل شيء دلائل كثيرة ظاهرة باهرة للوحدانية.

أجل؛ إن خَلْق كل شيء من شيء واحد، وجَعْلَ كل شيء شيئًا واحدًا خاص بخالق كل شيء، فتأمل في البلاغ العظيم ذي الشأن )وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ بمعنى أن عدم قبول وجود الواحد الأحد يستلزم قبول وجود آلهة بعدد الموجودات.

الإشارة الثانية:

لقد ورد في الحكاية ذكر رسول كريم، وقيل إن كل من يبصر يدرك برؤية أوسمته أنه إنما يتحرك بأمر السلطان، وأنه خادمه الخاص، فذلك الرسول هو الرسول الأكرم r.

أجل؛ يلزم للصانع المقدس لمثل هذا الكون المزين مثل ذلك الرسول الأكرم، كلزوم الضياء للشمس، لأنه لا يمكن للشمس أن تكون شمسًا إلا إذا نشرت الضياء، فكذلك الألوهية لا تكون ألوهية إلا بإظهار نفسها بإرسال الرسل.

ثم أمن الممكن لجمال في منتهى الكمال ألا يرغب في إظهار نفسه بواسطة دال يدل عليه ومعرّف يعرّف به؟

وهل من الممكن لصنعة كاملة في منتهى الجمال ألا ترغب في عرض نفسها بواسطة دلاّل يجذب الأنظار إليها؟

وهل من الممكن لسلطنة كلية لربوبية عامة ألا تطلب إعلان وحدانيتها وصمدانيتها في طبقات الكثرة والجزئيات بواسطة مبعوث ذي جناحين؟ أي إن ذلك المبعوث رسولُ طبقاتِ الكثرة عند الحضرة الإلهية من حيث العبودية الكلية، كما أنه موظف مرسل من

24. صفحة

قبل الحضرة الإلهية إلى طبقات الكثرة من حيث قربه من الحق تعالى ورسالته.

وهل من الممكن لصاحب حسن ذاتي في منتهى الحسن ألا يرغب في رؤية وإراءة محاسن جماله ولطائف حسنه في المرايا؟ أي ألا يتطلب ذلك بوساطة رسول حبيب، فهو حبيب يحبب نفسه إليه بعبوديته، ويؤدي وظيفة المرآة، ورسول يحببه إلى مخلوقاته ويظهر جمال أسمائه.

وهل من الممكن لصرَّاف صاحب خزائن مليئة بعجائب المعجزات وبأشياء غريبة قيمة ألا يريد أن يبين كمالاته المخفية بعرضها على أنظار الخلق وإظهارها فوق رءوسهم بواسطة وصّاف معرِّف صائغ وعارض معلن؟

وهل من الممكن أن يزين هذا الكون بمصنوعاته التي تعبر عن كمالات جميع أسمائه، وأن يجعله من أجل المشاهدة شبيهًا بقصر مزين بفنون بديعة وغريبة ودقيقة ثم لا يعيِّن له معلمًا مرشدًا؟

وهل من الممكن لمالك هذا الكون ألا يكشف بواسطة رسول عن الطلسم المغلق الذي يُشعر بالغاية والمقصد من تحولات هذا الكون، وألا يَحُلّ معمى الأسئلة الثلاثة المعضلة للموجودات، وهي: من أين؟ وإلى أين؟ ومن تكون؟

وهل من الممكن للصانع ذي الجلال الذي عرَّف نفسَه لذوي الشعور بمصنوعاته الجميلة هذه وحبَّب نفسَه إليهم بنعمه القيمة ألا يبلغ مقابل ذلك بواسطة رسولٍ ما يرضيه في ذوي الشعور وما يريد منهم؟

وهل من الممكن أن يخلق البشر مفتونين بالكثرة من حيث المشاعر والوعي ومهيَّئين للعبودية الكلية من حيث الاستعداد، وألا يريد أن يصرف أنظارهم من الكثرة إلى الوحدة بواسطة معلم مرشد؟

وهنالك وظائف كثيرة للنبوة أمثال هذه؛ كل منها برهان قاطع يدل على أن الألوهية لا تكون بدون الرسالة.


25. صفحة

والآن يا ترى هل ظهر في العالم من هو أكثر أهلية وأجمع للصفات والوظائف المذكورة من محمد العربي r ؟!

فهل جاد الزمان بمن هو أليق منه برتبة الرسالة ووظيفة التبليغ، وبمن هو أكثر توفيقًا منه فيها؟ كلا أبدًا وقطعًا! بل هو سيد جميع الرسل، وإمام جميع الأنبياء، ورئيس جميع الأصفياء، وأقرب المقربين من الله، وأكمل جميع المخلوقات، وسلطان جميع المرشدين.

أجل؛ إن معجزة كبرى كالقرآن العظيم الشأن الذي هو بحر الحقائق بأربعين وجهًا، لهي كافية لإظهار رسالته كالشمس، فضلا عن دلائل نبوته التي لا تعد ولا تحصى من معجزاته البالغة ألف معجزة الثابتة باتفاق أهل التحقيق كشقّ القمر ونبع الماء من أصابعه.

نختصر الموضوع هنا لأننا ذكرنا في "الكلمة الخامسة والعشرين" وجوه إعجاز القرآن القريبة من أربعين وجهًا.

الإشارة الثالثة:

لا يخطرن على بال أحد تساؤل: ما أهمية هذا الإنسان الصغير حتى تُغلق هذه الدنيا العظيمة وتفتح دار أخرى من أجل حسابه على أعماله؟

لأن هذا الإنسان الصغير جدًّا له أهمية عظيمة لكونه سيد الموجودات والداعي إلى السلطنة الإلهية ومَظهَر العبودية الكلية من حيث جامعية فطرته.

ولا يخطرن على البال أيضا: كيف يكون الإنسان مستحقًًا لعذاب أبدي في عمر قصير جدًّا؟ إذ الكفر يسقط هذه الكائنات التي هي في منزلة المكتوبات الصمدانية وقيمتها إلى دركة تافهة لا معنى ولا غاية لها؛ لذا فهو تحقير لجميع الكائنات واستهانة بها، كما أنه ردٌّ وإنكارٌ لجميع الأسماء القدسية التي تشاهَد وتُرَى نقوشها وتجلياتها على هذه الموجودات، وتكذيب لجميع الدلائل غير المتناهية التي تدل على حقّانية الحق تعالى وصدقه؛ لذا فالكفر جريمة لا حدود لها، والجريمة التي لا حدود لها توجب عذابًا لا نهاية له.


26. صفحة

الإشارة الرابعة:

كما رأينا في الحكاية بـ"اثنتي عشرة صورة" أنه:

من غير الممكن أبدًا أن تكون لمثل ذلك السلطان مملكة شبيهة بدار ضيافة مؤقتة، ولا تكون له مملكة أخرى دائمة مستقِرّة هي موضع ظهور عظمته ومدار سلطنته العظمى.

وكذلك من غير الممكن بأي وجه من الوجوه أن يُوجِد الباقي الخالق لهذا العالم الفاني هذا العالَم ولا يوجِد عالمًا باقيًا.

ولا يمكن أيضًا للصانع السرمدي لهذا الكون البديع الزائل أن يخلق هذا الكون ولا يوجِد ولا يخلق كونًا آخر مستقرًّا دائمًا.

ومن غير الممكن كذلك للفاطر الحكيم القدير الرحيم لهذه الدنيا التي هي معرض وميدان امتحان ومزرعة أن يخلقها، ولا يخلق دار الآخرة التي هي موضع ظهور جميع غاياته.

يمكن الدخول في هذه الحقيقة بـ"اثني عشر بابًا"، وهذه الأبواب تفتح بـ"اثنتي عشرة حقيقة".

نبدأ بأقصرها وأبسطها.


27. صفحة

الحقيقة الأولى

،باب الربوبية والسلطنة

"وهو تجلي اسم "الربّ

أمن الممكن لشأن الربوبية وسلطنة الألوهية أن توجِد مثل هذا الكون مراعية غايات عالية جدا ومقاصد سامية من أجل إظهار كمالاتها، وألا يكون عندها مكافأة للمؤمنين الذين قابلوا تلك الغايات والمقاصد بالعبودية، وعقابا لأهل الضلالة الذين قابلوا تلك الغايات والمقاصد بالإنكار والتحقير والاستخفاف؟

الحقيقة الثانية

،باب الكرم والرحمة

"وهو تجلي اسم "الكريم" و"الرحيم

أمن الممكن لرب هذا العالم -الذي هو صاحب كرم لا نهاية له، ورحمة لا نهاية لها، وعزة لا نهاية لها، وغيرة لا نهاية لها بدلالة آثاره التي أظهرها- ألا يكافئ مكافأة تليق بكرمه ورحمته، ويعاقب عقابًا يليق بعزته وغيرته؟

أجل؛ إذا ما أنعم الإنسان النظر في سير الأمور في الدنيا لرأى أن الأحياء جميعًا ابتداء من أعجزهم وأضعفهم وانتهاء إلى أقواهم يُعطَوْن الرزق المناسب لهم[1]، وأنه يُعطَى أضعفهم وأعجزهم الرزقَ الأفضل، وأن كل منكوب يأتيه الدواء والشفاء من حيث لا

[1] إن الدليل القاطع على أن الرزق الحلال لا يُحصَّل بالاقتدار، بل يعطى بناء على الافتقار، هو رغد عيش الأطفال والصغار الذين ليست لهم قوة وقدرة، وضيق معيشة الوحوش الضارية القوية القديرة، وسمانة الأسماك البليدة، ونحافة ونحول الثعالب والقردة ذات الذكاء والحيلة بسبب هموم المعيشة، إذن فالرزق متناسب تناسبًا عكسيًا مع الاقتدار والاختيار، أي كلما اعتمد على اقتداره واختياره ابتلي بهموم المعيشة وضيقها أكثر. (المؤلف)    




28. صفحة

يحتسب، وأنه تقام المآدب وتعطى الهدايا بكرم عال سام مما يدل بالبداهة على أن يد كرم لا نهاية له تعمل فيها وتسيِّر الأمور, :فمثلا

لو أنعم النظر في إلباس جميع الأشجار ملابس شبيهة بالسندس كالحور العين، وتزيينها بمرصعات الأزهار والأثمار وتسخيرها لخدمتنا، وتقديم أبدع الثمار المتنوعة وأحلاها وأبدعِها لنا بواسطة أغصانها التي هي أياديها اللطيفة في فصل الربيع، وإطعامنا بيد ذبابة سامّة أحلى العسل الذي فيه شفاء، وإلباسنا أجمل الثياب وألينها وألطفها بواسطة حشرة لا يد لها، وادّخار خزانة رحمة عظيمة لنا في نواة صغيرة؛ لو أنعم النظر في كل هذه الأمور لتبين بالبداهة أنها أثر كرم في غاية الجمال ورحمة في غاية اللطافة.

وسعي كل شيء - ما عدا الإنسان وبعض الوحوش الكاسرة - لأداء وظيفته بكمال الاهتمام والإتقان بدءًا من الشمس والقمر والأرض وانتهاء إلى أصغر مخلوق، وعدم تجاوزه عن حده قيد أنملة، ووجود طاعة عامة تحت هيبة عظيمة؛ كل ذلك يدل على أن كل شيء إنما يتحرك بأمر مَن له جلال وعزة عظيمة.

وإن تربية جميع الوالدات[1] -سواء كانت في النبات أو الحيوان أو الإنسان- أولادهن الضعاف العاجزين بشفقة رحيمة وبألطف غذاء كاللبن؛ يُبيّن بالبداهة أن تجليات رحمة واسعة تعمل في هذا الأمر وتدبره. وبما أن المتصرف في هذا العالم له مثل هذا الكرم الذي لا نهاية له، ومثل هذه الرحمة التي لا نهاية لها، ومثل هذا الجلال والعزة اللذين لا نهاية لهما؛ فإن الجلال والعزة اللذين لا نهاية لهما يستلزمان تأديب مسيئي الأدب، والكرم الذي لا نهاية له يقتضي إكرامًا لا نهاية له، والرحمة التي لا نهاية لها تستوجب

[1] أجل؛ إن إيثار الأسد الجائع شبله الضعيف على نفسه وعدم أكله قطعة اللحم التي حصل عليها وإعطاءها له، وهجوم الدجاج الجبان على الكلب والأسد لحماية صغارها، وتغذي شجرة التين بالطين وإطعامها اللبن الخالص لثمارها التي هي أولادها؛ لَيبين بالبداهة لمن ليس بأعمى أنهم إنما يتحركون بأمر رحيم كريم شفوق لا نهاية لرحمته وكرمه وشفقته. (المؤلف).

    أجل؛ إن قيام من لا شعور ولا وعي له من المخلوقات كالنباتات والبهائم بأعمال في منتهى الشعور والوعي والحكمة يدل بالضرورة على أن هناك عليمًا حكيمًا لا نهاية لعلمه وحكمته يستخدمهم ويسخرهم، وأنهم إنما يعملون باسمه وأمره هو. (المؤلف).




29. صفحة

إحسانًا يليق بها، ولكن لا يتحقق ولا يتجلى من هذه الأمور في هذه الدنيا الفانية وهذا العمر القصير إلا جزء واحد من ملايين الأجزاء كقطرة من بحر، إذن لابد أن تكون هناك دار سعادة تليق بذلك الكرم وتلك الرحمة، وإلا لوجب إنكار وجود هذه الرحمة المشاهدة كإنكار وجود الشمس التي تملأ النهار بضيائها؛ لأن الزوال بلا عودة يوجب انتفاء حقيقة الرحمة، بتحويله الشفقةَ إلى مصيبة، وقلبِهِ المحبةَ إلى حرقة، والنعمة إلى نقمة، والعقل إلى آلة مشئومة، واللذة إلى ألم.

ولا بد أن تكون هناك دار عقاب تليق بذلك الجلال وتلك العزة أيضا، لأن كثيرًا ما يظل الظالم في عزته، والمظلوم في ذله، ويرحلان عن الدنيا على هذه الحالة، إذن الأمر يؤجَّل إلى محكمة كبرى ويمهل، ولكنه لا يُهمل، بل أحيانًا يعاقب حتى في الدنيا، فأنواع العذاب التي أصابت الأقوام العصاة المتمردين في القرون السالفة تبين أن الإنسان ليس طليقًا سائبًا كيفما يشاء، بل معرَّض كل وقت لصفعة الجلال والغيرة.

أجل؛ إن هذا الإنسان الذي له وظائف مهمة واستعدادات مهمة من بين عامة الموجودات، إن لم يعرف ربه بالإيمان بعد أن عرّف ربُّه نفسَه إليه بمثل هذه المصنوعات البديعة المنتظمة إلى هذا الحد، وإن لم يحبب نفسَه إلى ربه بالعبادة بعد أن حبّب ربُّه نفسه إليه بثمار رحمته المزينة اللطيفة إلى هذا الحد، وإن لم يحترمه ولم يعظّمه بعد أن أظهر ربه محبته له ورحمته عليه بنعمه المتنوعة بالشكر والحمد؛ نقول هل من الممكن ألا يعاقَب هذا الإنسان، وأن يُترَك سدى وسائبًا وطليقًا؟ وهل يمكن للحق تعالى ذي الجلال والعزة والغيرة ألا يُعِدَّ دارًا للعقاب؟

وهل من الممكن للرحمن الرحيم أن لا يُعِدّ دارًا للمكافأة ويمنح سعادة أبدية للمؤمنين الذين يقابلون تعريفَ نفسه لهم بمعرفتهم إياه بواسطة الإيمان به، ويقابلون تحبيب نفسه إليهم بمحبتهم له بالعبادة وتحبيبهم الآخرين فيه، ويقابلون رحمته لهم بالتعظيم بالشكر؟


30. صفحة

الحقيقة الثالثة

باب الحكمة والعدالة،

وهو تجلي اسم "الحكيم" و"العادل"

أمن الممكن[1] للحق تعالى ذي الجلال الذي أظهر سلطنة الربوبية بالحكمة وانتظام العدالة والميزان الجاري في كل شيء بدءًا من الذرات وانتهاء إلى الشموس ألا يكافئ ويجازي المؤمنين الذين يلتجئون إلى جناح حماية ربوبيته، ويتحركون بالإيمان والعبودية وفق تلك الحكمة والعدالة، وألا يؤدب مسيئي الأدب الذين يتمردون على تلك الحكمة والعدالة بالكفر والطغيان، إنه لا يطبق على الإنسان في هذه الدنيا المؤقتة ما يليق بتلك الحكمة والعدالة إلا واحد من ألف، بل يؤخر ويؤجل، فيرحل أكثر أهل الضلالة عن هذه الدنيا دون أن ينالوا عقابهم، ويرحل أغلب أهل الهداية دون أن يجدوا مكافأتهم، إذن الأمر يؤجَّل إلى محكمة كبرى وسعادة عظمى.

أجل؛ إنه يبدو عيانا أن المتصرف في هذا العالم يفعل ما يفعل بحكمة غير متناهية، أتريد برهانًا على ذلك؟ البرهان على ذلك هو رعايته المصالح والفوائد في كل شيء، ألا ترى أن مراعاة الفوائد والحكم في جميع أعضاء الإنسان وعظامه، وعروقه، بل حتى في خلايا جسمه، وفي كل مكان فيه، وفي كل جزء منه، حتى إن تقليده الحِكَم والفوائد لبعض أعضائه بعدد ثمار شجرة؛ يدل على أن هذه الأمور إنما تجري بيَدِ حكمة غير متناهية.

ثم إن وجود انتظام في غاية الدقة والبداعة في صنعة كل شيء يدل على أن الأمور تجري بحكمة غير متناهية.


[1]  أجل؛ إن عبارة "أمن الممكن" تتكرر كثيرًا، لأنها تفيد سرًّا عظيمًا مهمًّا، وهو: أن أكثر الكفر والضلالة ينشآن عن الاستبعاد، أي إن أهل الكفر والضلالة يرون الشيء محالاً وبعيدًا عن العقل فينكرونه؛ لذا لقد بيّن في "رسالة الحشر" هذه بيانًا واضحًا قاطعًا أن الاستبعاد الحقيقي، والمحالية الحقيقية، والبعد عن العقل، والصعوبة الحقيقية، بل حتى المشكلات بدرجة الامتناع، كل ذلك في طريق الكفر وفي مسلك الضلالة، وأن الإمكان الحقيقي، والمعقولية الحقيقية، بل حتى السهولة بدرجة الوجوب، كل هذا في طريق الإيمان وجادة الإسلام.

     الحاصل: إن أهل الفلسفة ينساقون إلى الإنكار بدافع الاستبعاد، و"الكلمة العاشرة" تبين بتلك العبارة مكمن الاستبعاد، وتصفعهم على وجوههم. (المؤلف).

 



31. صفحة

 أجل؛ إن إدراج البرنامج الدقيق لزهرة جميلة في بُذَيرة صغيرة لها، وكتابة صحيفة أعمال شجرة ضخمة وسيرتها الذاتية وتاريخ حياتها وفهرس أجهزتها في نواة صغيرة جدًّا بقلم القَدَر المعنوي؛ يبين أن قلم حكمة لا نهاية له يعمل في هذه الأمور ويتصرف فيها.

ثم إن وجود حسن صنعة وإبداع في منتهى الدرجة في خلق كل شيء يدل على أنه نقش صانع حكيم لا نهاية لحكمته.

أجل؛ إن إدراج فهرس جميع الكون ومفاتيح جميع خزائن الرحمة ومرايا جميع أسمائه في جسم هذا الإنسان الصغير جدًّا لَيُظهر ويبين حكمةً في حسن صنعة وإبداع لا نهاية له.

والآن هل من الممكن ألا ترغب حكمة حاكمة مسيطرة تقوم بمثل هذه الإجراءات للربوبية في تكريم من يلتجئون إلى جناح تلك الربوبية ويطيعونها بالإيمان، وألا تكرّمهم تكريما خالدا؟!

وهل تريد برهانًا على أن الأمور تُسيَّر بالعدل والميزان؟

البرهان على ذلك هو أن منح الوجود لكل شيء وإلباسه الصورة ووضعه في مكانه المناسب بموازين حساسة دقيقة ومقاييس خاصة، يدل على أن الأمور إنما تنجز وتتم بعدل وميزان لا نهاية لهما.

وكذا إعطاء كل ذي حق حقه حسب استعداده، أي منحه كل ضروريات وجوده وجميع الأجهزة الضرورية لبقائه بأفضل صورة يدل على يد عدل مطلق.

وكذا استجابة كل حاجة تُطلَب وتُسأَل بلسان الاستعداد ولسان الاحتياج الفطري، ولسان الاضطرار استجابةً دائمة تدل على عدل وحكمة لا نهاية لهما.

فالآن هل من الممكن لعدالة وحكمة تسعيان إلى إمداد وإسعاف أبسط حاجة لأصغر مخلوق أن تهملا وتَترُكا أكبر حاجة كحاجة البقاء لأكبر مخلوق مثل الإنسان، وألا تستجيبا لأعظم ما يستمده وأعظم ما يرجوه ويطلبه؟ وألا تحفظا وتصونا عظمة الربوبية بالحفاظ على حقوق العباد؟


32. صفحة

بيد أن الإنسان الذي يقضي حياة قصيرة في هذه الدنيا الفانية لا يستطيع أن يحظى فيها بحقيقة مثل هذه العدالة ولن يستطيع أن يحظى بها، بل تؤخَّر وتؤجَّل إلى محكمة كبرى، إذ العدالة الحقيقية تقتضي أن ينال هذا الإنسان الصغير جدا مكافأة ويلقى عقابا ليس حسب صغر حجمه، وإنما حسب عظم جريمته وكبرها، وأهمية ماهيته، وعظمة وظيفته.

وبما أن هذه الدنيا الفانية المؤقتة بعيدة جدًّا لتكون موضع ظهور مثل هذا العدل وهذه الحكمة في حق هذا الإنسان الذي خلق للأبد؛ إذن فلا بد أنه سيكون لذلكم الجليل ذي الجمال العادل والجميل ذي الجلال الحكيم جهنم دائمة وجنة أبدية خالدة.

الحقيقة الرابعة

باب الجود والجمال

وهو تجلي اسم "الجوّاد" و"الجميل"

أمن الممكن لجود وسخاء غير متناهيين، ولثروة لا تنضب، وخزائن لا تنفد، وجمال سرمدي لا مثيل له، وكمال أبدي لا نقص فيه ألا يستلزم وجود شاكرين محتاجين إليه، ووجود مشتاقين له يؤدون وظيفة المرآة، ومشاهدين معجبين به يخلدون في دار سعادة ومحل ضيافة؟

أجل؛ إن تزيين سطح الأرض بمصنوعات مزينة إلى هذا الحد، وجَعْل القمر والشمس مصباحين، وجعل وجه الأرض مائدة نعمة، وملأها بأطيب أنواع المطعومات، وجعل الأشجار المثمرة أواني، وتجديدها مرات عديدة في كل فصل يدل على جود وسخاء مطلقين، فمثل هذا الجود والسخاء اللذين لا نهاية لهما، ومثل هذه الخزائن والرحمة اللتين لا تنفدان يقتضي وجود دار ضيافة ومحل سعادة دائمة وفيه كل ما يُشتهى، ويقتضي قطعًا أن يحيا المتنعمون المتلذذون في تلك الضيافة حياة دائمة في ذلك المحل للسعادة، ويخلدوا

33. صفحة

فيه، حتى لا يتألموا من الزوال والفراق؛ لأن زوال اللذة ألم كما أن زوال الألم لذة، فمثل هذا السخاء يأبى الإيذاء والإيلام، إذن إنه يستوجب وجود جنة أبدية خالدة ووجود محتاجين خالدين فيها؛ لأن الجود والسخاء غير المتناهيين يستلزمان أن يُحسِنا ويُنعِما بلا انتهاء، والإحسان والإنعام غير المتناهيين يستوجبان امتنانًا وتنعمًا لا نهاية لهما، وهذا يقتضي دوام وجود الشخص الذي ينال الإحسان حتى يبدي بتنعم دائم شكره وامتنانه مقابل ذلك الإنعام الدائم، وإلا فإن تلذذًا جزئيًّا يتنغص بالزوال في مدة قصيرة جدًّا لا يتفق ومقتضى مثل هذا الجود والسخاء.

ثم انظر إلى معارض أقطار العالم التي هي معرض بدائع المصنوعات الإلهية، وأمعن النظر في الإعلانات[1] الربانية التي في يد النباتات والحيوانات على وجه الأرض، وأصغ إلى الأنبياء والأولياء الذين هم الدعاة إلى محاسن الربوبية والمعلنون عنها، كيف أنهم يظهرون ويبينون متفقين كمالات الصانع ذي الجلال التي لا نقص فيها بعرض بدائع مصنوعاته، ويجذبون أنظار المتأملين إلى تلك الكمالات، إذن إن لصانع هذا العالم كمالات مهمة جدا ومثيرة للإعجاب، يريد أن يظهرها بهذه الإبداعات الخارقة؛ لأن الكمالات المخفية التي لا نقص فيها تتطلب العرض والإعلان فوق رءوس المقدِّرين المستحسنين المعجبين المشاهدين القائلين "ماشاء الله"، وأما الكمالات الدائمة فتقتضي تجليًا دائمًا، وهذا يستوجب خلود المقدِّرين المستحسنين؛ لأن المستحسنين الفانين تسقط قيمةُ الكمالات في نظرهم[2].

ثم إن هذه الموجودات المنشورة الجميلة الرائعة والبديعة والمزينة في وجه الكون تخبر عن محاسن جمال معنوي لا مثيل له كما يخبر الضياء عن الشمس، وتُشعر بوجود

[1] أجل؛ إن زهرة في غاية الزينة والجمال وثمرة في غاية البداعة والاتزان والتنسيق معلقتين في نهاية فرع دقيق دقة خيط رقيق لشجرة يابسة مثل العظم، لا شك أنهما لوحة إعلان تسوق ذوي الشعور إلى قراءة محاسن إبداع صانع معجز حكيم يحب الإبداع، فقس الحيوانات على النباتات. (المؤلف).

[2] أجل؛ إنه قد صار مثلا مضروبًا، أن حسناء غانية طردت ذات مرة من مجلسها رجلا عاديًّا كان قد عشقها، فقال الرجل كي يسلي نفسه: تبًّا لها ما أقبحها، وأنكر جمال تلك الحسناء، وذات مرة وقف دب تحت شجرة عنب حلو لذيذ جدًّا، فأراد أن يأكل من العنب، فلم تصل يده إلى قطفها، ولم يستطع أن يتسلقها، فقال -بلسانه المخصوص- مسليًا نفسه: إنه حامض، ثم انصرف ومضى يفخفخ غاضبًا.(المؤلف).




34. صفحة

لطائفِ حسنٍ خفي لا نظير له[1]، وتشير -هذه الموجودات- إلى وجود كنوز مخفية من ذلك الحسن المنزَّه، ومن ذلك الجمال المقدس في الأسماء الحسنى بل في كل اسم منها، وإن جمالا مخفيًّا لا نظير له وعاليًا ساميًا إلى هذا الحد كما أنه يريد أن يرى محاسنه في مرآة، ويريد أن يشاهِد درجات حسنه ومقاييس جماله في مرآة ذات شعور مشتاقة إليه يريد أيضًا أن يُرى ويشاهَد كي يَرى جماله المحبوب بواسطة أنظار الآخرين.

إذن إنه يريد أن ينظر إلى جماله بوجهين اثنين:

أحدهما: أن يشاهِد جماله بذاته في مرايا مختلفة الألوان.

والآخر: أن يشاهد بواسطة المشاهدين المشتاقين والمستحسنين المعجبين به.

إذن إن الحسن والجمال يريدان أن يشاهِدَا نفسيهما ويُشاهَدَا، والظهورُ والإظهار يقتضيان وجود مشاهدين مشتاقين ومستحسنين معجبين، وحيث إن الحسن والجمال أبديان وسرمديان؛ فإنهما يتطلبان دوام وجود المشتاقين وخلودهم؛ لأن الجمال الدائم لا يرضى بالمشتاق الزائل؛ إذ المشاهد المحكوم عليه بالزوال بلا عودة تتحول محبته إلى عداوة بتصور الزوال، ويميل إعجابه إلى الاستخفاف واحترامه إلى الاحتقار؛ لأن الإنسان المغرور الأناني يخالف ما لا يستطيع البلوغ إليه كما أنه يعادي ما يجهله، فيقابل ضِمنًا الجمال الذي يستحقّ محبة غير محدودة وشوقًا واستحسانًا لا حد لهما بعداوة وحقد وإنكار، فيتبين من هذا سر كون الكافر عدوًّا لله تعالى.

وبما أن ذلك الجود والسخاء المطلقين، وذلك الجمال والحسن اللذين لا مثيل لهما، وذلك الكمال الذي لا نقص فيه يقتضي وجود الشاكرين والمشتاقين والمستحسنين الخالدين، وبينما نرى في دار ضيافة الدنيا هذه أن كل شخص يرحل ويغيب سريعًا، ويذوق شيئا من إحسان هذا السخاء فتنفتح شهيته ولكنه يرحل دون أن يأكل، وينظر

[1] إن الموجودات الشبيهة بالمرآة مع أنها تفنى وتزول بالتعاقب، فإن وجود تجلي الحسن عينه والجمال نفسه على ما يأتي من بعدها من مخلوقات وفي وجوهها يدل على أن الجمال ليس ملكًا لها، بل هو آيات لحسن منزه وجمال مقدس وأمارات لهما. (المؤلف).




35. صفحة

إلى لميعة من نور ذلك الجمال والكمال بل إلى ظلٍّ ضعيف منه في لحظة خاطفة، ويرحل دون أن يشبع؛ إذن فإن السفر والرحلة تكون إلى متنزهات أبدية خالدة.

الحاصل: وكما أن هذا العالم يدل بجميع بموجوداته دلالة قاطعة على صانعه ذي الجلال؛ كذلك فإن أسماء وصفات الصانع ذي الجلال المقدسة تدل على الآخرة، وتشير إليها وتقتضيها.

الحقيقة الخامسة

باب الشفقةِ وعبودية محمد r،

وهو تجلي اسم "المجيب" و"الرحيم"

أمن الممكن لرب شفوق رحيم لا نهاية لشفقته ورحمته الذي يرى أدنى حاجة لأدنى مخلوق له، فيسعفه بكمال الشفقة ومن حيث لا يحتسب، ويسمع أخفت صوت لأخفى مخلوق فيغيثه، ويستجيب لكل سائل بلسان الحال والقال، أن يرى أعظم حاجة لأعظم عبد[1] وأحب مخلوق له ولا يقضيها له ولا يسعفه؟ وأن يسمع أعظم وأسمى دعاء ولا يستجيب له؟!

أجل؛ إن اللطف والسهولة الظاهرين فيما يخص رزق الحيوانات الضعيفة وصغارها-مثلا- وتربيتها يدلان على أن مالك هذا الكون يتصرف فيه بربوبية في منتهى الرحمة، فهل من الممكن لشفقة رحيمة في ربوبيته إلى هذا الحد ألا تستجيب لأفضل دعاء لأفضل مخلوق؟!


[1] أجل؛ إن الذي حكم ثلاثمائة وخمسين سنة وما زال مُلكه وحكمه دائمًا، والذي تبلغ أمته أكثر من ثلاثمائة وخمسين مليونًا في أكثر الأزمان والذي يجدد جميع رعيته البيعة معه كل يوم ويشهدون على كمالاته، وينقادون لأوامره بكمال الطاعة، والذي اصطبغ نصف الأرض وخمس البشرية بصبغته؛ أي تلونوا بلونه المعنوي، وهو محبوبُ قلوبِهم، ومربيّ أرواحهم؛ لا شك أنه أعظم عبد للرب الذي يتصرف في هذا الكون، وقد باركت أكثر أنواع الكائنات وظيفته ورسالته ومأموريته بحملها ثمرة من ثمرات معجزاته، فلا شك أنه أحب مخلوق لخالق هذا الكون، وإن لجميع البشر حاجةً يسألونها ويطلبونها بجميع استعداداتهم فهي ترفعهم من أسفل سافلين إلى أعلى عليين، إنها البقاء والخلود ، فلا شك أن تلك الحاجة أكبر حاجة وأعظمها، ولا شك أن أعظم عبد سيطلب تلك الحاجة من قاضي الحاجات باسم الجميع. (المؤلف).  




36. صفحة

نبين هذه الحقيقة هنا مرة أخرى كما بيناها في "الكلمة التاسعة عشرة":

فيا أيها الصديق الذي يسمعني مع نفسي، لقد قلنا في الحكاية التمثيلية إن هناك اجتماعًا في جزيرة ما، وإن رسولاً كريمًا يلقي خطبة، فالحقيقة التي يشير إليها هي:

تعال، لنتجردْ من الزمان الحاضر ونذهب بفكرنا إلى عصر السعادة، وبخيالنا إلى جزيرة العرب، حتى نَزُور الرسول الأكرم r ونشاهده وهو يقوم بأداء وظيفته في عبودية تامّة.

انظر، كما أن هذا الشخص هو سبب حصول السعادة الأبدية ووسيلة الوصول إليها برسالته وهدايته؛ فهو سبب كذلك لوجود تلك السعادة، ووسيلة لإيجاد الجنة بعبوديته ودعائه.

فها انظر؛ إن ذلكم الشخصَ يدعو في صلاة كبرى، وعبادة عليا من أجل السعادة الأبدية؛ وكأن هذه الجزيرة بل الأرض برمتها تصلي بصلاته العظمى وتتضرع؛ لأن عبوديته مثلما تتضمن عبودية أمته التي تتبعه، تتضمن كذلك بسرِّ الموافقة سرَّ عبودية جميع الأنبياء.

ثم إنه يصلي تلك الصلاة الكبرى في جماعة عظيمة ويتضرع، وكأن الأشخاص الكاملين النورانيين من بني آدم منذ زمن آدم عليه السلام إلى عصرنا وإلى يوم القيامة يقتدون به باتباعه، ويؤمّنون على دعائه[1].

وانظر، إنه يدعو لتحقيق حاجة عامة كالبقاء؛ وكأنما يشترك في تضرعه وابتهاله ليس أهل الأرض فقط وإنما أهل السماوات كذلك، بل الموجودات كلها، قائلين: نعم؛ آمين يا ربّنا، أعطه ما يطلبه، واستجب دعاءه، نحن كذلك نطلب ونسأل مثله.


[1] أجل؛ إن جميع الصلوات التي تقيمها الأمة وجميع الصلوات التي يصلَّى بها على الرسول الأكرم منذ مناجاته r هي تأمين دائم لدعائه ومشاركة عامة له، حتى إن كل صلاة عليه تأمين لذلك الدعاء. وإن صلاة كل فرد من أمته وسلامه عليه في كل صلاة يصليها ودعاء الشافعية له عقب الإقامة؛ كل ذلك تأمين عام قويّ جدًّا لدعائه الذي يخص السعادة الأبدية، وهكذا يسأل الرسول الأكرم r ويطلب باسم البشرية البقاء والسعادة الأبدية التي ترجوها وتسألها البشرية جميعها بكل قوتها بلسان حال الفطرة الإنسانية، فيؤمِّن النورانيون من البشر خلفه، أفمن الممكن ألا يقرن هذا الدعاء بالقبول والاستجابة؟!(المؤلف).




37. صفحة

ثم انظر، إنه يسأل السعادة الأبدية سؤالاً مِلؤُه افتقار وحزن ومحبوبية واشتياق وتضرع؛ بحيث يُبكي الكون كلَّه ويشركه في دعائه.

وانظر، إنه يسأل السعادة لمقصد ولغاية، ويدعو دعاءً يرفع الإنسانَ وجميع المخلوقات من السقوط في الفناء المطلق ومن التفاهة ومن عدم الجدوى ومن العبثية التي هي أسفل سافلين إلى أعلى عليين؛ أي إلى القيمة وإلى البقاء، وإلى الوظائف السامية، وإلى مرتبة مكتوبات صمدانية.

وانظر؛ إنه يسأل ويتضرع ببكاء يَتَّسِم بالاستمداد والاستغاثة، وبدعاء وابتهال حلو ملؤه استرحام ورجاء؛ وكأنما يُسمع به كل الموجودات والسماوات والعرش ويهيِّج به وَجْدَها[1]، ويجعلها تقول لدعائه: "آمين اللهم آمين"[2].

وانظر، إنه يسأل ويطلب السعادة والبقاء من قدير سميع كريم، وعليم بصير رحيم يرى أخفى رغبة وأخفى تضرع لأخفى ذي حياة بالمشاهدة ويَسمعه ويستجيبه ويرحمه؛ ويعطي ما يسأله ولو كان يسأل بلسان الحال، يعطيه إعطاءً ملؤه الحكمة والبصيرة والرحمة ويستجيب؛ بحيث لا يترك مجالا للشبهة بأن هذه التربية وهذا التدبير خاصَّان بمن هو سميع وبصير، وبمن هو كريم ورحيم.


[1] وَجْدها: عشقها ووَلَهها.

[2] أجل؛ إن جميع تصرفات متصرف هذا العالم تتسم بالشعور والوعي والعلم والحكمة بالمشاهدة، فلا يمكن بأي وجه من الوجوه ألا يكون لذلك المتصرف علم بحركات أفضل فرد من بين مصنوعاته واطلاع عليها، ولا يمكن بأي وجه من الوجوه أن يكون ذلكم المتصرف العليم غير مبال وغير مهتم بذلك الفرد الأفضل مع أنه مطلع على حركاته ودعواته، ولا يمكن بأي وجه من الوجوه ألا يستجيب ذلكم المتصرف القدير الرحيم لتلك الدعوات مع اطلاعه عليها واهتمامه بها.

 أجل؛ لقد تغير وضع العالم بنور الرسول الأكرم r، واتضحت وانكشفت الماهية الحقيقية للإنسان وجميع الكون بذلك النور والضياء، وتبين أن موجودات هذا الكون مكتوبات صمدانية تستقرئ الأسماء الإلهية وموظفات مأمورات، وأنها موجودات ذات قيمة وذات معانٍ مرشحة للخلود، فلو لم يكن ذلك النور لظلت الموجودات في ظلمات الأوهام محكومًا عليها بالفناء المطلق، وبدون قيمة ومعنى وفائدة، ولَكان عبثًا، وعشوائية مشوشة ولعبة مصادفة.

 ومن هذا السرّ فإن جميع الموجودات بدءًا من العرش إلى الفرش ومن الثرى إلى الثريا تفتخر بنوره وتبدي علاقة معه مثلما يؤمِّن الناس لدعائه r، والحقيقة أن روح عبودية الرسول الأكرم r هي الدعاء، بل إن حركات الكائنات وسعيها نوع من الدعاء، فمثلا إن حركة النواة هي نوع من دعاء لخالقها لتصبح شجرة. (المؤلف).




38. صفحة

يا ترى ماذا ينشد ويطلب ويسأل فخر الكائنات r الذي هو أشرف نوع الإنسان، وفريد الكون والزمان، واقفًا على الأرض جامعًا خلفه جميع بني آدم رافعًا يديه متوجهًا إلى العرش الأعظم وداعيًا ضمن حقيقة عبودية الأحمدية الجامعة لخلاصة عبودية البشر؟ فلنستمع ونُصغِ إليه، انظر، إنه يسأل السعادة الأبدية لنفسه ولأمته، ويطلب البقاء، ويطلب الجنة، إنه يطلب كل ذلك بجميع الأسماء الإلهية المقدسة التي تُظهِر جمالها في مرايا الموجودات، ويطلب الشفاعة من تلك الأسماء، فأنت ترى ذلك.

إنه حتى لو لم توجد الأسباب الموجبة غير المحدودة للآخرة ودلائل وجودها لتَسبَّب دعاءٌ واحدٌ لذلكم الشخص في بناءِ تلك الجنة التي إيجادها سهل على قدرة خالقنا كسهولة إيجاد ربيعنا[1].

أجل؛كيف يصعب إيجاد الجنة على القدير المطلق الذي يجعل سطح الأرض في الربيع محشرًا ويوجد مئات الآلاف من نماذج الحشر؟!

إذن فمثلما أصبحت رسالته r سببًا لفتح دار الامتحان هذه، ونالت سرّ "لَوْلاَكَ لَمَا خَلَقْتُ الأَفْلاَكَ"[2]، فكذلك عبوديته قد صارت سببًا لفتح دار السعادة الأخرى.


[1] أجل؛ إن إظهار ما لا يعد ولا يحصى من نماذج خوارق البدائع وأمثلة الحشر والقيامة على وجه الأرض الذي هو كصحيفة صغيرة جدًّا بالنسبة للآخرة، وكتابة أنواع المصنوعات المنتظمة البديعة التي هي كثلاثمائة ألف كتاب في تلك الصحيفة الواحدة وإدراجها فيها بكمال الإتقان والانتظام، لا شك أنه أصعب من بناء الجنة اللطيفة المنتظمة وإيجادها في عالم الآخرة الواسعة، أجل يمكن القول؛ إن خلق حدائق الربيع أصعب من تلك الجنة بنسبة علو الجنة من الربيع وأكثر إثارة للحيرة والإعجاب.(المؤلف).

[2] في الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة للملا علي القاري 295:" قال الصغاني إنه موضوع كذا في الخلاصة لكن معناه صحيح فقد روى الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: أتاني جبريل فقال يا محمد لولاك ما خلقت الجنة ولولاك ما خلقت النار وفي رواية ابن عساكر لولاك ما خلقت الدنيا".

      وفي كشف الخفاء للعجلوني 2/214:" قال الصغاني موضوع وأقول لكن معناه صحيح وإن لم يكن حديثا". وجاء في الآثار المرفوعة للكنوي : مما لم يثبت لفظا ولكن ورد معنى " ما اشتهر على لسان القصاص والعوام والخواص من حديث ( لولاك لما خلقت الأفلاك) قال علي القاري في تذكرة الموضوعات حديث لولاك لما خلقت الأفلاك قال العسقلاني موضوع، كذا في الخلاصة لكن معناه صحيح فقد روى الديلمي عن ابن عباس مرفوعا: أتاني جبريل فقال قال الله يا محمد لولاك ما خلقت الجنة ولولاك ما خلقت النار انتهى. ذكر القسطلاني في المواهب اللدنية والزرقاني في شرح أن الحاكم أخرج في مستدركه عن عمر مرفوعا أن آدم رأى اسم محمد مكتوبا على العرش وأن الله قال لآدم لولا محمد ما خلقتك. وروى أبو الشيخ في طبقات الأصفهانيين والحاكم عن ابن عباس أوحى الله إلى عيسى آمن بمحمد ومر أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلا الله محمدا رسول الله وفي سنده عمر وابن أوس لا يدري من هو، قال الذهبي وعند الديلمي عن ابن عباس رفعه أتاني جبريل فقال إن الله يقول لولاك ما خلقت الجنة ولولاك ما خلقت النار". انظر الآثار المرفوعة 44ـ45.




39. صفحة

هل من الممكن يا ترى أن يقبل الحسن البديع - الذي لا نقص فيه - وجمال الربوبية -الذي لا مثيل له- اللذان يذهلان جميع العقول، واللذان يظهران ويتجليان في انتظام هذا العالم وفي الرحمة الواسعة مثلَ هذا القبح وهذه القسوة وهذه العشوائية والفوضى بعدم استجابة ذلك الدعاء؟ أي أن يسمع باهتمام وأدنى الرغبات وأخفت الأصوات ويقضيها ويحققها، ولا يهتم ولا يبالي بأهم الرغبات وأكثرها ضرورة ولا يسمعها ولا يعلمها ولا يقضيها؟!

كلا وحاشاه مائة ألف مرة، فمثل هذا الجمال لا يكون قبيحًا بقبول مثل هذا القبح[1].

إذن فالرسول الأكرم r مثلما فتح برسالته باب الدنيا يفتح بعبوديته باب الآخرة.

عَلَيْهِ صَلَواتُ الرَّحْمنِ مِلْءَ الدُّنْيَا وَدَار الجِنَانِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ ذَلِكَ الحَبِيبِ الذِّي هُوَ سَيِّدُ الكَوْنَيْنِ وَفَخْرُ العَالَمِينَ وَحَيَاةُ الدَّارَيْنِ وَوَسِيلَةُ السَّعَادَتَيْنِ وَذُو الجَنَاحَيْنِ وَرسُولِ الثَّقَلَيْنِ، وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وعَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ، آمِينَ.

 


[1] أجل؛ إن انقلاب الحقائق محال بالاتفاق، وأشد المحالات في انقلاب الحقائق هو انقلاب الضِّدّ إلى الضِّدّ، وأشد المحالات بألف درجة بالبداهة في انقلاب الأضداد هو أن يكون الضدّ عين ضدّه مع بقائه على ماهيته، كأن يكون الجمال المطلق -مثلا- قبحًا مطلقًا مع كونه جمالاً حقيقيًّا، فكون جمال الربوبية المشهود والثابت الوجود في مثالنا هذا عين القبح مع أنه دائم في ماهية جمال الربوبية يكون أعجب مثال من أمثلة المحالات والباطل في الدنيا.(المؤلف).



40. صفحة

الحقيقة السادسة

باب العظمة والسرمدية،

وهو تجلي اسم "الجليل" و"الباقي"

أمن الممكن لعظمة الربوبية التي تسخّر وتدير جميع الموجودات بدءًا من الشموس والأشجار وانتهاء إلى الذرات كجنود مجنَّدين أن تستقر على الفانين المساكين الذين يقضون حياة مؤقتة في دار ضيافة الدنيا هذه، وألا توجِد دارَ عظمة سرمدية أبدية باقية، ومدار ربوبية أبدية عالية سامية؟!

أجل؛ إن الإجراءات العظيمة التي تشاهَد في هذا الكون مثل تبدل الفصول، والحركات العظيمة كحركات الكواكب الشبيهة بحركات الطائرات، والتسخيرات الجليلة كجَعْل الأرض مهدًا للإنسان وجعل الشمس مصباحًا للخلق، والتحويلات الواسعة كإحياء الكرة الأرضية الميتة اليابسة وتزيينها؛ كل ذلك يدل على أن وراء الحجب ربوبية عظيمة تسيطر وتهيمن بسلطنة عظيمة، فسلطنةُ ربوبيةٍ كهذه تتطلب رعايا يليقون بها، ومَظاهر تناسبها.

ولكنك ترى أن أهم وأجمع رعاياه وعباده ماهيةً قد اجتمعوا مؤقتًا مساكين وبؤساء في دار ضيافة الدنيا هذه، وأما المضيف فيُمْلأ ويُخلى كل يوم، وجميع الرعايا يمكثون مؤقتًا في ميدان الامتحان هذا من أجل اختبار خدماتهم وأعمالهم.

وأما الميدان فيتبدل كل ساعة، وجميع هؤلاء الرعايا يلبثون بضع دقائق في هذا المعرض من أجل مشاهدة نماذج إحسانات الصانع ذي الجلال القيمة، وبدائعه الخارقة في معارض سوق العالم من وجهة نظر التجارة، ثم يختفون، وهذا المعرض يتبدل كل دقيقة، فالراحل لا يعود والقادم راحل، فهذه الحال وذلك الوضع يدل دلالة قاطعة على أن وراء هذا المضيف وهذا الميدان وهذا المعرض قصورًا دائمة ومساكن مستمرة تليق بتلك السلطنة السرمدية، وحدائق وخزائن مليئة بأصفى وأعلى أصول للنماذج والصور التي نراها ونشاهدها، إذن فالسعي والكدّ هنا هو من أجل هذه الأمور، يجعلنا جل وعلا نسعى ونعمل هنا ويعطي الأجر هناك، فلكلٍّ سعادة هناك حسب استعداده إن لم يفقدها ويضيعها.


41. صفحة

أجل؛ من المحال لسلطنة سرمدية مثل هذه أن تستقر على هؤلاء الفانين والأذلاء الزائلين.

فانظر إلى هذه الحقيقة بمنظار هذا المثال:

إنك تسير في الطريق وترى فيه فندقًا قد بناه شخص عظيم من أجل ضيوفه الذين ينزلون عنده، وأنفق ملايين الليرات الذهبية في تزيينه من أجل تنزه الضيوف وتفكرهم فيما فيه من فنون وتزيينات لليلة واحدة، ولكن الضيوف ينظرون قليلا إلى قليل جدا من تلك التزيينات في مدة وجيزة، ويذوقون قليلا من تلك النعم في وقت قليل جدًّا، ويرحلون دون أن يشبعوا، إلا أن كل ضيف يلتقط صور الأشياء في ذلك الفندق بآلة التصوير الخاصة به، ثم إن موظفي ذلك الشخص العظيم المالك للفندق يهتمون بطريقة تصرفات الضيوف وحركاتهم اهتمامًا بالغًا ويسجلونها بدقة، فأنت ترى أن ذلك المالك للفندق يخرب ويدمر كل يوم أغلب تلك التزيينات القيمة، ويوجِد تزيينات جديدة للضيوف الجدد القادمين، فبعدما ترى هذه الأمور هل يبقى لديك شبهة في أن لدى ذلك المالك الذي شيّد هذا الفندق في هذا الطريق منازل دائمة عالية راقية جدًّا، وخزائن قيمة لا تنفد، وسخاء عظيمًا مستمرًًّا، فهو يفتح شهية ضيوفه إلى ما عنده من الأشياء والنعم بالإكرام الذي يظهره في هذا الفندق، ويثير رغبتهم إلى الهدايا التي أعدّها لهم.

وكما في هذا المثال فلو أنعمت النظر وتأملت بدون سُكْرٍ في أحوال دار ضيافة الدنيا هذه لفهمت "تسعة أسس":

الأساس الأول: ستفهم أن هذه الدنيا مثل ذلك الفندق ليست لذاتها، ومحال أن تأخذ هذا الوضع لنفسها بنفسها، بل هي دار ضيافة أُنشئت بحكمة، وتُملأ وتفرغ من أجل نزول قوافل المخلوقات فيها ورحلتهم منها.

الأساس الثاني: وستفهم أيضًا أن هؤلاء المقيمين في هذا الفندق هم ضيوف، وأن ربهم الرحيم يدعوهم إلى دار السلام.


42. صفحة

الأساس الثالث: وستفهم أن هذه التزيينات في هذه الدنيا ليست من أجل التلذذ والاستمتاع بها أو التنزه فيها فحسب، إذ إنها لو أذاقت لذةً مدةً طويلة فإنها تورث الألم بفراقها في أغلب الأوقات، فهي تذيقك وتثير شهيتك، ولكنها لا تُشبِعك، إذ إما عمرها قصير، وإما عمرك قصير، لذا فهي لا تكفي للشبع، إذن إن هذه التزيينات العالية القيمة القصيرة العمر والمدة إنما هي من أجل العبرة ومن أجل الشكر[1]، ومن أجل إثارة الرغبة إلى أصولها الدائمة، ومن أجل غايات أخرى سامية جدًّا.

الأساس الرابع: وستفهم أن هذه المزينات التي في هذه الدنيا[2] هي بمنزلة صور ونماذج

[1] أجل؛ بما أن مدة كل شيء قليلة وعمره قصير مع ما فيه من قيمة ودقة صنعة في منتهى العلو والجمال، إذن فهذه الأشياء نماذج، وبمنزلة صور لأشياء أخرى، وبما أنه يبدو أن هذه النماذج والصور تصرف أنظار الزبائن إلى أصولها ومنابعها، إذن فلا شك أنه يمكن القول إن هذا النوع من التزيينات في هذه الدنيا هو نماذج الجنة التي أعدها الرحمن الرحيم برحمته لعباده الذين يحبهم، بل هي كذلك بالفعل. (المؤلف).

[2] أجل؛ إن لوجود كل شيء غايات متعددة، ولحياته نتائج متعددة، ولا تقتصر كما يتوهم أهل الضلالة على الغايات المتوجهة إلى الدنيا وإلى ذواتها حتى يمكن أن تدخلها العبثية وعدم الحكمة، بل إن غايات وجود كل شيء ونتائج حياته هي "ثلاثة أقسام":

    أولها وأسماها: يتوجه إلى صانعه، وهو أن يعرض كل شيء المرصعات البديعة الخارقة التي علقها الصانع عليه أمام أنظار الشاهد الأزلي بما يشبه الاستعراض الرسمي، حيث يكفي لذلك النظر أن يعيش ذلك الشيء ولو للحظة عابرة، بل يكفي استعداده الكامن - فيه - قبل أن يأتي إلى الوجود- بالقوة- الذي هو بمنزلة النية، فالمصنوعات اللطيفة التي تزول سريعا، والنوى والبذور التي هي خوارق إبداع والتي لم تخرج إلى حيز الوجود أي لم تتسنبل، تفي بهذا الغرض كاملا، ولا يطرأ عليها العبث وعدم الفائدة، إذن إن الغاية الأولى لكل شيء هي أن يعرض معجزات قدرة صانعه وآثار إبداعه بحياته ووجوده أمام نظر السلطان ذي الجلال.

   القسم الثاني من غاية الوجود ونتيجة الحياة: يتوجه إلى ذوي الشعور، أي إن كل شيء بمنزلة رسالة للصانع ذي الجلال تتفجر بالحقائق، وقصيدة في غاية اللطافة وكلمة نابضة بالحِكم، يعرضها أمام أنظار الملائكة والجن والحيوان والإنس، ويدعوهم إلى المطالعة والتفكر، أي إن كل شيء محل مطالعة وتأمل يزخر بالعبر أمام كل ذي شعور ينظر إليه.

   القسم الثالث من غاية الوجود ونتيجة الحياة: يتوجه إلى الشيء نفسه، وهو النتائج الجزئية كالتلذذ والتنزه والبقاء والعيش عيشًا رغدًا هنيئًا، فمثلا غاية خادم يعمل موظفًا بإدارة دفة في سفينة عظيمة للسلطان؛ هي أنه يعود واحد بالمائة من تلك الغاية إليه وإلى أجره الجزئي في السفينة، وتسع وتسعون بالمائة من تلك الوظيفة يعود إلى السلطان، فكذلك فإن كانت الغاية المتوجهة إلى ذات كل شيء وإلى دنياه هي واحد بالمائة، فإن الغاية المتوجهة إلى صانعه هي تسع وتسعون بالمائة، وسرّ التوفيق بين الحكمة والاقتصاد وبين الجود والسخاء -ولاسيما السخاء المطلق- اللذين يبدوان متناقضين ومنافيين كل منهما الآخر بسبب تعدد الغايات؛ هو أن الجود والسخاء يهيمنان من وجهة نظر غاية من الغايات ويتجلى اسم "الجواد"، فالثمار والحبوب لا تعد ولا تحصى من حيث تلك الغاية الواحدة، وتدل على الجود المطلق وتظهره، ولكن المهيمن من وجهة نظر جميع الغايات هو الحكمة، ويتجلى اسم "الحكيم"، فهنالك غايات لثمرة واحدة بعدد ثمار الشجرة؛ حيث تنقسم إلى الأقسام الثلاث التي بيناها، وجميع هذه الغايات تدل على حكمة واقتصاد لا نهاية لهما، وتجتمع الحكمة المطلقة مع الجود المطلق اللذين يبدوان متناقضين، فمثلا إن إحدى غايات الجيش العسكري هي توفير الأمن والأمان، وحسب هذه الغاية هناك جنود بعدد المطلوب، بل الكثير الكثير، ولكن العدد المطلوب من أجل حفظ الحدود والجهاد ضد الأعداء وأمثالهما من الوظائف لا يكاد يكفي، وهو متوازن بكمال الحكمة، فحكمة الحكومة تجتمع مع عظمتها، إذن يمكن القول إن الجنود ليسوا فوق المطلوب وليس فيهم زيادة. (المؤلف).




43. صفحة

النعم المدخرة في الجنة برحمة الرحمن لأهل الإيمان.

الأساس الخامس: ستفهم أن هذه المصنوعات الفانية ليست للفناء، ولم تخلق لتظهر مدة قصيرة وتموت وتباد بعد ذلك، بل لِتجتمع في الوجود لمدة قصيرة وتَتَّخذ حالة مطلوبة حتى تُلتَقط صورُها، وتُسجَّل تمثلاتها، وتُعرف معانيها وتُحفَظ نتائجها، ومثلا لتنسج المناظر الدائمة لأهل الأبد والخلود، وتكون مدارًا لغايات أخرى في عالم البقاء.

ويُفهَم من الآتي أن الأشياء إنما خلقت للبقاء ولم تخلق للفناء، وحتى لو أنها تفنى صورة فإن فناءها إنهاء للوظيفة وتسريح منها؛ إن الشيء الفاني إنما يفنى من جهة واحدة ويبقى من جهات كثيرة، فانظر -مثلا- إلى هذه الزهرة التي هي كلمة من كلمات القدرة، إنها تبتسم وتنظر إلينا لمدة قصيرة، ثم تختفي بعد ذلك وراء ستار الفناء، وتذهب كما تذهب الكلمة التي تخرج من فمك، ولكنها تودع آلافًا من أمثالها في الآذان، وتبقي معانيها في العقول بعدد العقول التي سمعتها، لأنها ترحل بعدما تنتهي وظيفتها التي هي التعبير عن معنى، ولكنها ترحل بعدما تترك صورها الظاهرية في ذاكرة كل من رآها، وبعدما تترك ماهيَّتها المعنوية في كل بذرة، فكأن كل ذاكرة وكل بذرة هي بمنزلة صورة فوتوغرافية لحفظ زينتها ومنزل لدوام بقائها، فإذا كان المصنوع الذي هو في أبسط مرتبة الحياة هكذا فما بالك بعلاقة الإنسان بالبقاء، وهو الذي في أعلى طبقات الحياة وذو روح باقية؟!

ويتبين ويتضح من حفظ وإبقاء قانونِ التكوّن -الذي يشبه الروح إلى حد ما- والصورةِ لكل واحد من النباتات المزهرة والمثمرة في بذور كالذرات بكمال الانتظام ضمن انقلابات مضطربة، مدى ارتباط وعلاقة روح البشر -التي هي قانون أمري ذو شعور، ونوراني يملك ماهية جامعة وعالية، والذي ألبس وجودًا خارجيًّا- بالبقاء.


44. صفحة

الأساس السادس: وستفهم أن الإنسان لم يُترَك له حبله على غاربه، ولم يترك سدى طليقًا ليرعى أينما شاء، بل تلتقط صور جميع أعماله وتسجل وتكتب، وتحفظ نتائج جميع أفعاله للمحاسبة.

الأساس السابع: وستفهم أن موت المخلوقات الجميلة لعالم الصيف والربيع، وفناءها في الخريف ليس إعدامًا، بل تسريح من وظائفها تسريحًا تامًّا[1] بانتهائها، وإخلاء مكان وإفساح مجال للمخلوقات القادمة في الربيع الجديد حتى يأتي ويستقر الموظفون الجدد ويعملوا، وهو كذلك استعداد وتهيؤ وإعداد مكان لمجيء المخلوقات، وإيقاظات سبحانية لذوي الشعور من الغفلة التي تنسيهم وظائفهم، ومن السكر الذي ينسيهم شكرهم لله تعالى.

الأساس الثامن: وستفهم أن للصانع السرمدي لهذا العالم الفاني عالمًا آخر باقيًا، وهو يسوق عباده إلى هناك ويشوقهم إليه.

الأساس التاسع: وستفهم أن ذلكم الرحمن سيكرم عباده الخاصين هؤلاء في ذلك العالم وسينعم عليهم إكرامًا وإنعامًا لم تر العين مثله، ولم تسمع الأذن مثله ولم يخطر على قلب بشر, آمنّا.


[1] أجل؛ يجب أن ترحل الثمار والأزهار والأوراق التي في نهاية فروع وأغصان الشجرة التي هي من مخازن الأغذية والأرزاق للرحمة، بشيخوختها وانتهاء وظائفها، حتى لا تُغلَق الأبواب لما تأتي وتجري وراءها، وإلا لأصبحت مانعة لسعة الرحمة لخدمات إخوانها الأخرى، وصارت بزوال شبابها وطراوتها ذليلة مسكينة.

 وهكذا فالربيع شجرة مثمرة تشبه الحشر، وعالم الإنسان في كل عصر وقرن شجرة تزخر وتتفجر بالعبر، والأرض شجرة قدرة هي محشر العجائب، بل حتى الدنيا شجرة عجيبة ترسَل ثمارها إلى سوق الآخرة. (المؤلف).




45. صفحة

الحقيقة السابعة

باب الحفظ والحفيظية،

وهو تجلي اسم "الحفيظ" و"الرقيب"

أمن الممكن لحفيظ يحفظ بكمال الانتظام والميزان كل شيء رطب يابس صغير كبير عادي عال في السماء والأرض والبرّ والبحر، ويحصي نتائجه فيما يشبه الحساب، ألا يحفظ أعمال الإنسان -الذي له فطرة عظيمة سامية، والذي هو في رتبة الخلافة الكبرى، والذي له وظيفة جليلة كحمل الأمانة الكبرى- وأفعاله التي تمس الربوبية العامة؟! وألا يغربلها بغربال الحساب؟! وألا توزن أعماله وأفعاله بميزان العدالة؟! وألا ينال هذا الإنسان المكافأة وألا يلقى العقاب الموافق لأعماله؟! كلا أبدًا.

أجل؛ إن الذي يدير هذا الكون يحفظ كل شيء ضمن النظام والميزان، والنظام والميزان هما تجلي القدر بالعلم والحكمة والإدارة؛ لأننا نرى أن جسم كل مصنوعٍ يُخلق بانتظام وميزان مطلقين، وكما أن كل صورة يغيرها طوال حياته منتظمة بديعة، فهيئته كذلك في انتظام بديع؛ إذ إننا نرى ونشاهد أن الحفيظ ذا الجلال يحفظ كثيرًا من صور كل شيء انتهى عمره بانتهاء وظيفته ورحل عن هذا العالم عالم الشهادة، يحفظها في الذاكرات التي هي كالألواح المحفوظة[1]، وفيما يشبه المرايا المثالية، وينقش ويكتب أغلب سيرة حياته في نواته، ويجعله باقيًا في المرايا الظاهرة والباطنة.

فمثلا؛ تدل ذاكرة الإنسان، وثمرة الشجرة، ونواة الثمرة، وبذرة الزهرة على عظمة إحاطة قانون الحفظ، ألا ترى أن جميع الموجودات المزهرة المثمرة في الربيع العظيم الضخم، وصحائف أعمالها الخاصة بها، وقوانين تكونها وتشكلها وصورها، تُكتب وتحفظ في بذور محدودة العدد، وتنشر صحائف أعمالها ضمن حساب خاص بها في الربيع الثاني، ويشكِّل -الحفيظ ذو الجلال- عالَمَ ربيعٍ آخر عظيمًا ضخمًا بكمال الانتظام والحكمة، وبهذا يظهر مدى وقوع الحفيظية وحدوثها بإحاطة قوية، فيا ترى إذا كان الحفظ يحدث في الأشياء المؤقتة العادية الفانية التافهة كهذا، فهل من الممكن

[1] انظر إلى حاشية الصورة السابعة. (المؤلف).



46. صفحة

ألا تُكتب وتسجَّل أعمال البشر-التي تثمر ثمرات مهمة في عالم الغيب وفي عالم الآخرة وفي عالم الأرواح وفي الربوبية العامة- باهتمام ضمن الحفظ؟ كلا وألف كلا. 

أجل؛ يفهم من تجلي هذه الحفيظية بهذه الصورة؛ أن مالك هذه الموجودات له اهتمام كبير بضبط وحفظ كل ما يجري ويحدث في ملكه، وله منتهى الحساسية في حاكميته، وله منتهى الاهتمام في سلطنة ربوبيته إلى حد أنه يكتب ويسجل أبسط حادثة وأصغر عمل ويجعل موظفيها يسجلونها، ويحفظ صور كل شيء يحدث في ملكه في أشياء مختلفة، فهذه الحفيظية تشير إلى أنه ستفتح صحيفة أعمال محاسبة مهمة وخطيرة، ولا سيما الأعمال العظيمة والأفعال المهمة للإنسان -الذي هو أكبر وأكرم وأشرف مخلوق من حيث الماهية- ستدخل تحت حساب وميزان مهمين وخطيرين، وستُنشر صحائف أعماله، فيا ترى هل من الممكن أن يكرَّم الإنسان بالخلافة والأمانة، ويرقى إلى مرتبة ضابط ومُشاهد بتدخله في عبادات أكثر الموجودات وتسبيحاتها وبإعلانه الوحدانية الإلهية في طبقات الكثرة بمشاهدته الشئونَ الكلية للربوبية، ثم يدخل القبر ويرقد في راحة، ولا يوقَظ، ولا يُسأل عن جميع أعماله صغيرها وكبيرها، ولا يذهب إلى المحشر ولا يجد المحكمة الكبرى؟! كلا أبدًا.

وكيف يمكن أن يذهب هذا الإنسان إلى العدم ويهرب من القدير ذي الجلال الذي تشهد أفعاله -التي هي معجزات قدرته- في جميع الأزمنة الماضية على أنه قادر على خلق كل الممكنات التي ستحدث في المستقبل كله[1]، والذي يوجِد في كل وقت

[1] أجل؛ إن الزمن الماضي الذي يبدأ من الزمن الحاضر إلى بدء خلق العالم جميعه وقائع وأحداث، وكل يوم وكل سنة وكل عصر منه ظهر في حيز الوجود سطر وصحيفة وكتاب خُطَّ بقلم القدر، وكتبت فيه يدُ القدرة معجزات آياته بكمال الحكمة والانتظام، وأما زمن المستقبل الذي يبدأ من الزمن الحاضر ويمتد إلى القيامة وإلى الجنة وإلى الأبد فجميعه ممكنات، أي إن الماضي عبارة عن الوقائع، والمستقبل عبارة عن الممكنات، فإذا ما وضعت سلسلتا هذين الزمانين إحداهما مقابل الأخرى؛ ولاريب أبدًا في أن الذي خلق الأمس وأوجد موجوداته الخاصة به مقتدر على خلق الغد بمخلوقاته، فلا ريب كذلك في أن موجودات وخوارق هذا الزمن الماضي الذي هو ميدان الغرائب هي معجزات القدير ذي الجلال، وتشهد شهادة قاطعة على أن ذلكم القدير مقتدر على إيجاد المستقبل كله، وعلى إيجاد الممكنات كلها، وعلى إظهار جميع عجائبه.

أجل؛ كما أن الذي سيخلق تفاحة واحدة، لا بد أن يكون قادرًا على خلق جميع التفاح في العالم ومقتدرًا على إيجاد الربيع كله، وأن الذي لا يوجِد الربيع لا يستطيع أن يوجد تفاحة واحدة، إذ إن تلك التفاحة تُنسج في ذلك المنوال، فالذي يستطيع أن يوجد تفاحة يستطيع أن يوجد الربيع، إذ التفاحة الواحدة مثال مصغر للشجرة، بل للحديقة، بل للكون، وهي خارقة صنعة من حيث كون نواتها تحمل جميع تاريخ حياة الشجرة الضخمة، فالذي يخلقها على هذه الصورة لا يعجز عن خلق أي شيء، وكذلك فالذي يخلق هذا اليوم يستطيع أن يخلق يوم القيامة، والذي سيوجِد الربيع ينبغي أن يكون قادرا على إيجاد الحشر. والذي يعلّق جميع عوالم الماضي على شريط الزمان بكمال الحكمة والانتظام ويظهرها، لا شك أنه يستطيع أن يعلق أكوانًا أخرى على شريط المستقبل ويظهرها، بل سيظهرها فعلاً.

وقد أثبتنا في كثير من "الكلمات" ولا سيما "الكلمة الثانية والعشرون" إثباتًا قاطعًا؛ أن الذي لا يقدر على خلق كل شيء لا يقدر على خلق أي شيء، وأن الذي يقدر على خلق شيء واحد يقدر على خلق جميع الأشياء. ثم إنه إذا أسند إيجاد الأشياء إلى واحد يكون خلق جميع الأشياء يسيرًا كيسر خلق الشيء الواحد، ويكون سهلا، أما إذا أسند إلى أسباب متعددة وإلى الكثرة فإيجاد شيء واحد يكون صعبًا ومشكلا كصعوبة إيجاد جميع الأشياء، ويكون صعبا بدرجة الامتناع. (المؤلف).




47. صفحة

بالمشاهدة الشتاءَ والربيع اللذين يشبهان القيامة والحشر إلى حد بعيد، كيف يمكنه أن يهرب منه ويدخل التراب ويختفي؟

وبما أنه لا يحاسَب في هذه الدنيا حسابًا يليق به، إذن فلا بد أنه ذاهب إلى محكمة كبرى وسعادة عظمى.

الحقيقة الثامنة

باب الوعد والوعيد،

وهو تجلي اسم "الجميل" و"الجليل"

أمن الممكن لصانع هذه المصنوعات ومبدعها الذي هو العليم المطلق والقدير المطلق ألا يفي بوعده ووعيده اللذين يذكرهما مكررًا واللذين أخبر بهما جميع الأنبياء بالتواتر، وشهد بهما جميع الصديقين والأولياء بالإجماع، فيظهر عجزا وجهلا حاشاه؟! مع أن الأمور التي وعد وأوعد بها لا تثقل على قدرته أصلا، بل هي سهلة جدا وهينة جدا، كسهولة ويسر إعادة ما لا يعد ولا يحصى من موجودات الربيع الماضي في الربيع القادم، بعضها بعينها[1]وبعضها بمثلها[2].

أما الوفاء بالوعد فهو ضروري جدًّا لنا ولكل شيء وله ولسلطنة ربوبيته، وأما خُلف الوعد فهو مناف لعزة سلطنته واقتداره، ولإحاطة علمه؛ إذ إن خلف الوعد إما ينشأ عن الجهل وإما عن العجز.


[1] كجذور الأشجار والأعشاب. (المؤلف).

[2] كالأوراق والثمار. (المؤلف).



48. صفحة

فيا أيها المنكر، هل تعلم كم من جناية ترتكب في حماقة بإنكارك وكفرك، إنك تصدق وهمك الكاذب وعقلك الهاذي ونفسك الغَرور، وتكذب من لا يضطر إلى الخلف والخلاف بأي وجه من الوجوه، ومن لا يليق الخلاف بعزته وجلاله بأي وجه من الوجوه، ومن يشهد على صدقه وحقانيته جميع الأشياء والأمور المشاهَدة! إنك على الرغم من صغرك المتناهي ترتكب جناية عظيمة غير متناهية العظم، فلابد أنك تستحق عقابًا أبديًّا عظيمًا، وقد روي أن ضرس بعض أهل النار يكون كالجبل[1] موافقة لعِظَم جريمته، فمثلك كمثل ذلك المسافر؛ يغمض عينيه عن ضياء الشمس، وينظر إلى خياله الذي في رأسه، ويريد وهمه أن ينور طريقه الرهيب بنور مصباح عقله كاليراعة، وبما أن الحق تعالى الذي هذه الموجوداتُ كلماتُه الصادقة الناطقة بالحق، وحوادث الكون آياتُه الناطقة الصادقة قد وعد؛ فلا شك أنه سينجز وعده، وسيفتح محكمة كبرى، وسيمنح سعادة عظمى.

 

الحقيقة التاسعة

باب الإحياء والإماتة، وهو تجلي اسم "الحي" و"القيوم" و"المحيي" و"المميت"

أمن الممكن لقدير رحيم وعليم حكيمٍ أحيا الأرضَ الضخمة الهائلة بعد موتها وجفافها، وأظهر قدرته ضمن هذا الإحياء بحشر ونشر أنواع المخلوقات التي تزيد على ثلاثمائة ألف نوع، وحَشْرُ كل واحد منها في حد ذاته عجيب كحشر البشر، وأظهر إحاطةَ علمه بالتمييز والتفريق غير المحدودين ضمن ذلك الحشر والنشر، وضمن الاختلاط والتشابك غير المحدودين، ووجّه أنظار جميع عباده إلى السعادة الأبدية بوعد حشر البشر بأوامره السماوية كلها، وأظهر عظمة ربوبيته بِجَعْلِه جميعَ الموجودات يدًا بيدٍ متسانِدةً متكاتِفةً، مدوِّرًا إياها ضمن دائرة أمره وإرادته، وبجعله كل واحدة منها معاونًا ومسخَّرًا بعضُها

[1] جاء في صحيح مسلم 4/2189: عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ضِرْسُ الْكَافِرِ أو نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلاثٍ".



49. صفحة

لبعض، وأظهر اهتمامه بالبشر بخلقه أجمع ثمرة لشجرة الكون وألطفها وأشدها رقة ودلالا وأكثرها تضرعًا، متخذًا إياه مخاطَبًا لنفسه ومسخِّرًا له كلَّ شيء..

أمن الممكن لمثل ذلكم القدير الرحيم والعليم الحكيم ألا يأتي بالقيامة، وألا يُحدثَ الحشر، أوْ لا يستطيع أن يُحدثه، وألا يحيي البشر، أوْ لا يستطيع أن يحييهم، وألا يستطيع أن يفتح المحكمة الكبرى، وألا يخلق الجنة والنار؟! حاشا وكلا!

نعم؛ إن مصرِّف هذا العالم ذا الشأن يوجِد كثيرا جدًّا من أمثالٍ ونماذج وإشارات للحشر الأكبر، وميدان القيامة في كل عصر وفي كل سنة وفي كل يوم على وجه هذه الأرض الضيق المؤقت.

فمثلا: إننا نرى في حشر الربيع أنه يَحشر وينشر أكثر من ثلاثمائة ألف نوع من الحيوانات والنباتات، الصغيرة منها والكبيرة، في خلال خمسة أو ستة أيام، ويحيي ويعيد جذور جميع الأشجار والأعشاب وبعضَ الحيوانات بعينها، ويوجد بعضها الآخر في صورة المثلية بدرجة العينية، ومع أن البذيرات - التي تختلف عن بعضها البعض اختلافات دقيقة جدا من حيث المادة - مختلطةٌ ومتداخلةٌ إلى حد كبير جدا؛ فإنها تُبعَث بكمال الامتياز والتشخيص وبسرعة هائلة، وباتساع وبسهولة تامة، وبكمال الانتظام والميزان في خلال ستة أيام أو ستة أسابيع. 

فهل من الممكن أن يصعب على من يقوم بهذه الأعمال شيءٌ؟! وأن يعجز عن خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟! وألا يستطيع أن يحشر الإنسان بصيحة واحدة؟! حاشا..

فيا ترى إن كان هناك كاتبٌ ذو خوارق يكتب ثلاثمائة ألف كتاب تشوهت حروفها أو مُسِحت، في صحيفة واحدة دون تشويش ولا غلط ولا سهو ولا نقص، ويكتب جميعها معا في غاية التناسق والإتقان خلال ساعة واحدة، وقال لك أحدهم: إن ذلك الكاتب سيكتب مجدَّدًا من ذاكرته في دقيقة واحدة كتابك الذي وقع في الماء وهو من تأليفه أصلا، فهل تستطيع أن تقول: لا، لن يستطيع، لا أصدّق؟!  


50. صفحة

أوْ إن كان هناك سلطانٌ ذو معجزات رأيت أنه يرفع الجبال، ويبدل البلاد، ويحول البحار إلى البرارى بإشارة منه لإظهار قدرته أو للعبرة والتنَزُّه، ثم رأيت أن صخرة ضخمة قد تدحرجت إلى الوادي، وسَدّت طريقَ ضيوفه الذين دعاهم إلى ضيافته الخاصة، ومنعتهم من العبور، وقال لك أحدهم: إن هذا السلطان سيرفع هذه الصخرة أو سيحطمها مهما كانت ضخمةً بإشارة منه، ولن يدع ضيوفه على الطريق، فهل لك أن تقول: لن يرفعها، أو لن يستطيع أن يرفعها؟!

ولو أن شخصًا يشكل جيشًا عظيمًا من جديد في يوم واحد، وإن قال لك واحدٌ: إن هذا الشخص يجمع بصوت بوقٍ الطوابيرَ التي انتشر أفرادها للاستراحة، فتدخل الطوابير تحت نظامه، فإن قلت: لا أصدّق؛ فإنك تدرك كيف أنك تصرفت بحماقة.

فإن كنت قد فهمت هذه الأمثلة الثلاثة فانظر: إن النقَّاش الأزلي يقلب أمام أعيننا صحيفة الشتاء البيضاء، ويفتح ورقة الربيع والصيف الخضراء، ويكتب على صحيفة وجه الأرض أكثر من ثلاثمائة ألف نوع بقلم القدرة والقدر في أحسن صورة، يكتب جميعَها معًا متداخلة بعضُها في بعض دون اختلاط ودون أن يمانع شيءٌ شيئًا، ولا يُخطئ أبدا، ولا يكتب خطأ، مع أنها مختلفة بعضها عن بعض صورة وشكلا.

أفيمكن أن يقال في حق الذات الحكيم الحفيظ الذي يحفظ برنامجَ روحِ أكبرِ شجرةٍ مُدرِجًا إياه في أصغر نواة كالنقطة: كيف يحفظ أرواح الأموات؟!

وهل من الممكن أن يقال في حق الذات القدير الذي يدوّر الأرض كحجر المقلاع: كيف سيرفع هذه الأرض من طريق الضيوف المسافرين إلى الآخرة، أو كيف سيحطمها؟!

أو هل من الممكن أن يقال في حق الذات ذي الجلال الذي أَوْجَدَ الجيوش، أي أَوْجَدَ من جديد ومن العدم جيوشَ جميعِ ذوي الحياة، وأدرج وسجَّل الذَّرَّاتِ في طوابير أجساد كلِّ ذوي الحياة بكمال الانتظام بأمر “كن فيكون”: كيف يستطيع أن يجمع الذرات الأساسية والأجزاء الأصلية للجسد، التي تعرَّف بعضها على بعض بانضوائها تحت نظام الجسد الشبيه بالطابور بصيحة واحدة؟!  


51. صفحة

ثم إنك ترى بعينيك أنه جل وعلا كم يصنع من النقوش نموذجًا ومثالا وأمارةً على الحشر، بما يشبه حشر هذا الربيع في كل دور من أدوار الأرض، وفي كل عصر من عصورها، وحتى في تبدّل الليل والنهار، وفي إيجاد السحب وإفنائها في جو السماء، حتى لو افترضتَ نفسَك – خيالا - قبل ألف سنة، وقارنتَ بين الماضي والمستقبل اللذين هما جناحا الزمن؛ لرأيت نماذج القيامة، وأمثلة الحشر بعدد العصور والأيام، ثم لو أنكرت الحشر الجسماني مستبعدًا إياه عن العقل على الرغم من مشاهدتك لهذا العدد من النماذج والأمثلة فستدرك أنت كذلك كم يكون ذلك حماقة! فانظر ماذا يقول الفرمان الأعظم حول هذه الحقيقة:

﴿فَانْظُر إلى آثَارِ رَحْمَتِ الله كَيْفَ يُحْيىِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذلِكَ لَمُحيي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ﴾ [الروم: ٥٠]

 

الحاصل: ليس هناك شيء يحول دون حدوث الحشر، وأما مقتضيه فكلُّ شيء.

نعم؛ إن الذي يميت ويحيي تلك الأرض الضخمة التي هي محشر العجائب كإماتة وإحياء حيوان عادي بسيط، والذي جعلها مهدًا مريحًا، وسفينةً متقَنَة بديعةً للبشر والحيوان، وجعل الشمس لهم في دار الضيافة هذه سراجًا منيرًا ومُدفئًا، وجعل الكواكبَ طائراتٍ لملائكته..

نعم؛ لا شك أن ربوبية عظيمة سرمدية إلى هذا الحدّ، وحاكمية عظيمة محيطة إلى هذه الدرجة لهذا الذات لا تُبْنَيَانِ ولا تَستقران على أمور الدنيا الزائلة الفانية المضطربة التافهة المتغيرة الناقصة، التي لا كمال ولا دوام ولا بقاء لها، فلا بد إذن من أن هناك دارًا ومملكةً أخرى تليق به دائمةًً باقيةًً مستقرة رائعةًً لا زوال لها.

فهو يستخدمنا لأجل تلك الدار، ويدعونا إليها، ويَشهد على انتقالنا إليها جميعُ أصحاب الأرواح النيرة، وجميع أقطاب ذوي القلوب المنورة، وجميع أرباب العقول النورانية التي نَفَذَتْ من الظاهر إلى الحقيقة، وتشرفت بقرب الحضور الإلهي، ويخبروننا متفقين أنه سبحانه قد أعدَّ ثوابًا وجزاء، وينقلون إلينا مكررًا أنه سبحانه يَعِدُ وَعدًا قاطعًا ويُوعِدُ وعيدًا شديدًا. 


52. صفحة

أما إخلاف الوعد فذلة وتذلُّلٌ فلا يستطيع أن يدنو من جلاله المقدس، وأما إخلاف الوعيد فإما ينشأ عن العفو وإما عن العجز، والحال أن الكفر جناية([1]) مطلقة لا تستحق العفو، وأما القدير المطلق فهو مقدَّس ومنزَّه عن العجز، وأما الشهود والمخبرون فهم متفقون بكمال الاتفاق على أساس تلك المسألة على الرغم من أنهم مختلفون في مسالكهم ومشاربهم ومذاهبهم.

فهم من حيث الكثرة في قوة درجة التواتر، ومن حيث الكيفية في قوة الإجماع، ومن حيث المنزلة فكل واحد منهم نجم لنوع البشر، وعين لطائفة، وعزيز لقوم، ومن حيث الأهمية فهم أهل اختصاص وإثبات في تلك المسألة، ومن المعلوم أن اثنين من أهل الاختصاص في علم أو صنعة مُرَجَّحان على الآلاف الآخرين، وأن اثنين مثبِتَين في الإخبار يرجَّحان على الآلاف النافين، فمثلا: إن الرجلين اللذين يخبران بثبوت هلال رمضان يُلقيان بإنكار آلاف المنكرين في عالم العدم.

 

الحاصل: إنه مستحيل أن يكون هناك خبر أصدق أو قضية أقوى وأمتن أو حقيقة أظهر وأوضح منها في الدنيا؛ إذن فلا شك أن الدنيا مزرعةٌ، وأما المحشر فبَيْدَر[2])، وأما الجنة والنار فمخزنان.


[1] نعم، إن الكفر ولأنه تحقير لجميع الكون والمخلوقات حيث يُسقط قيمة الموجودات ويتهمها بالعبثية، ولأنه تزييف تجاه جميع الأسماء الإلاهية حيث ينكر تجلي الأسماء الإلهية على مرايا الموجودات، ولأنه تكذيب لجميع المخلوقات حيث يرد شهادات الموجودات على الوحدانية لذا يُفسد الاستعدادَ الإنسانيَّ إفسادًا بحيث لا يبقى عنده قابليةٌ لقبول الصلاح والخير.

           وإنه لظلم عظيم حيث إنه تجاوزٌ على حقوق جميع المخلوقات، وعلى جميع الأسماء الإلهية.

           فيقتضي الحفاظُ على هذه الحقوق وعدمُ قابلية النفس الكافرة للخير عدَمَ العفوِ عن الكفر. و (إنَّ الشِرْكَ لظُلْمٌ عَظِيمٌ) (سورة لقمن: ٣١/١٣) تفيد هذا المعنى. (المؤلف)

[2] البيدر : المكان الذي يجمع فيه المحصول.

 



53. صفحة

الحقيقة العاشرة

باب الحكمة والعناية والرحمة والعدالة،

وهو تجلي اسم "الحكيم" و"الكريم" و"العادل" و"الرحيم"

أمن الممكن لمالك الملك ذي الجلال الذي أظهر آثار حكمة باهرة إلى هذا الحد، وآثار عناية ظاهرة إلى هذه الدرجة، وآثار عدالة قاهرة إلى هذا الحد، وآثار رحمة واسعة إلى هذه الدرجة في دار ضيافة الدنيا هذه التي لا بقاء لها، وفي ميدان الامتحان هذا الذي لا دوام له، وفي معرض الأرض هذا الذي لا ثبات له، ألا تكون في دائرة مملكته وفي عالم ملكه وملكوته مساكن دائمة، وسكان خالدون، ومقامات باقية، ومخلوقات مقيمة، فيَنْحَطَّ شأن حقائق هذه الحكمة والعناية والعدالة والرحمة المشاهدة إلى لا شيء.

ثم أمن الممكن للحكيم تعالى أن يجعل هذا الإنسان مخاطبًا كليًّا، ومرآة جامعة له من بين جميع المخلوقات ويذيقه كل ما تحتويه خزائن رحمته، ويجعله يقيسها ويزنها، ويعرّفها له، ويعرّفَ نفسه له بجميع أسمائه، ويحبه ويجعل الآخرين يحبونه، ثم لا يرسل هذا الإنسان المسكين إلى مملكته الدائمة، ولا يدعوه إلى دار السعادة الدائمة ولا يسعده؟!

ثم أمن المعقول أن يحمّل كل موجود -ولو كان بحجم نواة- حمل وظائف بقدر شجرة، ويركب عليه حكمًا بعدد ثمارها، ويقلده مصالح بعدد ثمراتها، ثم لا يجعل لتلك الوظائف والحكم والمصالح إلا غاية بقدر نواة فقط متوجهة إلى الدنيا، ويجعل بقاءها الدنيوي الذي لا أهمية له حتى ولو بمثقال خردلة هو غايتها، ولا يجعل تلك الموجودات نواة لعالم المعنى ومزرعة لعالم الآخرة، حتى تثمر غاياتها الحقيقية التي تليق بها، ويترك هذه الاحتفالات المهمة العظيمة إلى هذا الحد عبثًا وسدى بلا غاية، ولا يصرف وجوهها إلى عالم المعنى وعالم الآخرة حتى تظهر غاياتها الأصلية، وتثمر ثمراتها اللائقة بها؟!

أمن الممكن أن يفعل هذه الأشياء خلافًا للحقيقة هكذا، ويظهر نفسه متصفًا بأضداد الحكمة والكرم والعدل والرحمة التي هي صفاته الذاتية الحقيقية حاشاه ثم حاشاه، فيكذِّب جميع حقائق الكون التي تدل على حكمته وكرمه وعدله ورحمته، ويرد ما لجميع الموجودات من شهادات عليه جل وعلا، ويبطل دلائل جميع المصنوعات؟!


54. صفحة

وهل يقبل العقل أن يحمّل رأس الإنسان وما فيه من حواس وظائف بعدد شعرات رأسه ثم يعطيه أجرًا دنيويًّا هو بمنزلة شعرة فيتصرف تصرفًا عبثا مخالفًا لعدالته الحقيقية ومنافيا لحكمته الحقيقية؟!

وهل من الممكن أن يقلد إلى هذا الحد من الحكم والمصالح لكل ذي حياة بل لكل عضو من أعضائه كاللسان، بل لكل مصنوع بعدد النتائج والثمرات التي علقها لشجرة واحدة، فيثبت أنه الحكيم المطلق، ثم يترك ولا يمنح البقاء واللقاء والسعادة الأبدية التي هي أعظم الحكم طرا، وأهم المصالح كلها، وألزم النتائج جميعها، والتي تجعل الحكمة حكمة، والنعمة نعمة، والرحمة رحمة والتي هي منبع وغاية جميع الحكم والنعم والرحمة والمصالح، فيُسقِط جميع أفعاله إلى درجة العبثية المطلقة، فيشبّهَ نفسه بمن يبني قصرًا، ويجعل في كل حجر من أحجاره آلاف النقوش، وفي كل جانب من جوانبه آلاف الزينات، وفي كل غرفة من غرفه آلاف الآلات والأدوات المنزلية الثمينة، ثم لا يجعل لذلك القصر سقفًا، فيبلى ويخلَق كل شيء فيه، ويفسد ويخرب عبثا بلا معنى؟ حاشاه وكلا!

فمن الخير المطلق يأتي الخير، ومن الجميل المطلق يأتي الجمال، ومن الحكيم المطلق لا يأتي عبث.

أجل؛ إن كل من يركب التاريخ بفكره ويذهب نحو الماضي سيرى منازل وميادين ومعارض وعوالم ميتة بعدد السنين كدار الدنيا هذه وميدان الابتلاء ومعرض الأشياء التي نراها ونشاهدها في الوقت الحاضر، فمع أنها تختلف بعضها عن بعض صورةً وكيفيةً فإنها تتشابه من حيث الانتظام والإبداع وإظهار قدرة الصانع وحكمته، وسيرى كذلك في تلك المنازل التي لا ثبات لها وفي تلك الميادين التي لا دوام لها وفي تلك المعارض التي لا بقاء لها، إبداعًا وانتظامات حكمة باهرة، وإشارات عناية ظاهرة، وأمارات عدالة قاهرة، وثمرات رحمة واسعة إلى درجة سيعلم معها يقينًا -ما لم يكن عديم البصيرة- أنه لا يمكن أن تكون حكمة أكمل من تلك الحكمة، ولا يمكن أن تكون عناية أجمل من تلك العناية التي تشاهَد آثارها، وأنه ليست هناك عدالة أجلّ من تلك العدالة التي تُرى أماراتها، ولا يمكن أن تُتصوَّر رحمة أشمل من تلك الرحمة المشاهَدة ثمراتُها، فإن لم

55. صفحة

تكن -بفرض المحال- للسلطان السرمدي الذي يدير هذه الأمور ويدبرها، ويبدل هذه الضيوف وهذه الدور للضيافة، إن لم تكن له في دائرة ملكه منازل دائمة وأماكن سامية، ومقامات ثابتة، ومساكن باقية، وأهال مقيمون، وعباد سعداء، يجب نفي حقائق الحكمة والعدالة والعناية والرحمة التي هي عناصر أربعة معنوية قوية شاملة كقوة وشمول الضياء والهواء والماء والتراب، وإنكار وجودها المشاهَد الظاهر كتلك العناصر الظاهرة؛ إذ من المعلوم أن هذه الدنيا الفانية مع ما فيها لا تستطيع أن تكون موضع ظهور بحق لحقائق تلك الأمور، فإن لم يكن هناك مكان آخر يستطيع أن يكون بحق موضع ظهور لحقائق تلك الأمور في مكان آخر، فيجب عندئذ إنكار هذه الحكمة الكامنة الماثلة في كل شيء أمام أعيننا، وإنكار هذه العناية التي نشاهدها في نفسنا دومًا في أغلب الأشياء، وإنكار هذه العدالة[1] التي تتراءى وتشاهد أماراتُها القوية جدًّا، وإنكار هذه الرحمة التي نراها ونشاهدها في كل مكان، يجب إنكار كل هذا بدرجة جنون من ينكر وجود الشمس مع أنه يرى ضياءها الذي يغمر النهار، ويجب كذلك أن يُقبَل أن يكون صاحب هذه الإجراءات الحكيمة والأفعال الكريمة والإحسانات والإنعامات الرحيمة التي نراها ونشاهدها في الكون -حاشاه ثم حاشاه- عابثا سفيهًا وظالمًا غدّارًا، وكل هذا يعني انقلاب الحقائق إلى أضدادها وهذا محال لا محال بعده، حتى السفسطائيون الحمقى الذين ينكرون وجود كل شيء ووجود أنفسهم لا يستطيعون أن يقتربوا من تصور هذا بسهولة.

الحاصل: إنه ليست هناك أية علاقة بين ما يُشاهد في شئون الدنيا من اجتماعات واسعة للحياة، وافتراقات سريعة للموت، وتجمعات عظيمة، وتفرقات سريعة، واحتفالات

[1] أجل؛ إن العدالة قسمان؛ أحدهما إيجابي والآخر سلبي، أما الإيجابي فهو إعطاء كل ذي حق حقه، فلهذا القسم من العدالة إحاطة في هذه الدنيا بدرجة البداهة؛ لأنه كما أثبت في "الحقيقة الثالثة" (من هذه الرسالة) أن الفاطر ذا الجلال يعطي بالمشاهدة بموازين دقيقة ومقاييس ومقادير معينة كل ما يطلبه كل شيء منه بلسان الاستعداد أو بلسان الاحتياج الفطري أو بلسان الاضطرار، ويعطي جميع حقوقه الضرورية لوجوده وحياته، إذن إن وجود هذا القسم من العدالة ثابت قطعًا كثبوت الوجود والحياة. (المؤلف).




56. صفحة

كبيرة، وتجليات عظيمة، وبين ما هو معلوم لدينا من ثمراتها الجزئية وغاياتها التافهة المؤقتة التي تعود إلى هذا العالم وإلى هذه الدنيا الفانية، والعلاقة بينهما تشبه تقليد حجر صغير حِكمًا وغايات كبيرة كبر جبل عظيم، وتحميل جبل عظيم غاية جزئية مؤقتة كالحجر الصغير، فهذا لا ينسجم مع أي عقل وأية حكمة، إذن إعدام العلاقة بين هذه الموجودات والشئون وبين غاياتها الدنيوية إلى هذا الحد يشهد شهادة قاطعة أن وجوه هذه الموجودات متوجهة إلى عالم المعنى، وتثمر الثمرات اللائقة بها هناك، وعيونها تحدق في الأسماء القدسية وتتطلع إليها، وغاياتها تتوجه وتعود إلى ذلك العالم، وخلاصتها ولبها تحت التراب ولكن سنابلها تنفتح وتنكشف في عالم المثال، فالإنسان يزرع هنا ويُزرع حسب استعداده، ويَحصد في الآخرة.

أجل؛ إنك إذا نظرت إلى الوجوه المتوجهة إلى الأسماء الإلهية وعالم الآخرة لهذه الأشياء سترى أن لكل نواة -التي هي معجزة قدرة- غايات عظيمة كشجرة، وأن لكل زهرة[1] -التي هي كلمة حكمة- معانيَ كثيرةً بعدد زهور الشجرة، وأن لكل ثمرة -التي هي خارقة صنعة وقصيدة منظومة للرحمة- حِكما بقدر ثمار الشجرة، أما كونها رزقًا وغذاء لنا، فهو حكمة واحدة من بين آلاف تلك الحكم، حيث تنتهي وظيفتها وتعبر عن معناها، وتموت وتُدفن في معداتنا.

وبما أن هذه الأشياء الفانية تؤتي ثمرات باقية في مكان آخر، وتترك صورًا باقية، وتعبر عن معانٍ أبدية من وجه آخر، وتسبح تسبيحات سرمدية، ولا يكون الإنسان إنسانًا حقًّا إلا إذا نظر إلى وجوهها المتوجهة إلى هذا الوجه، ووجد طريقًا من الفاني إلى الباقي.

إذن إن في هذه الموجودات التي تتقلب بين الحياة والموت وتتجمع وتتفرق مقصدًا آخر.

فهذه الأحوال تشبه الأحوال التي تنظم وترتب وتكوَّن من أجل التقليد والتمثيل ولا مشاحة في المثال، فكما أن اجتماعات وتفرقات قصيرة تتم بمصروفات كبيرة، حتى تُلتقط الصور ثم تُجمع، وتُعرض في السينما عرضًا دائمًا، كذلك فغاية قضاء حياة شخصية

[1] سؤال: إن قيل: لمَ تورد أكثر الأمثلة من الزهرة والنواة والثمرة؟

الجواب: لأنها أبدع معجزة للقدرة وأعجبها وألطفها، وأهل الطبيعة وأهل الضلالة وأهل الفلسفة غرقوا فيها لعدم قراءتهم الكتابة الدقيقة التي خطها قلم القدر والقدرة عليها، ووقعوا في مستنقع الطبيعة. (المؤلف).




57. صفحة

واجتماعية في مدة قصيرة في هذه الدنيا هي التقاط الصور وجمعها وتركيبها، وأخذ نتائج أعمال الإنسان وحفظها، حتى يحاسب في مجمع أكبر، وتعرض في معرض أعظم، ويُظهر استعداده لسعادة عظمى، إذن فالقول المأثور "الدنيا مزرعة الآخرة" يبين هذه الحقيقة.

وبما أن الدنيا موجودة، وفيها الحكمة والعناية والرحمة والعدالة بآثارها، فلا بد أن الآخرة موجودة قطعًا كوجود الدنيا، وبما أن كل شيء في الدنيا يتوجه من جهة إلى ذلك العالم، إذن فالرحيل إلى هناك، وإنكار وجود الآخرة يعني إنكار الدنيا وما فيها، إذن كما أن الأجل والقبر ينتظران الإنسان؛ فإن الجنة والنار كذلك تنتظرانه وتترقبانه.

الحقيقة الحادية عشرة

باب الإنسانية

وهو تجلي اسم "الحقّ"

أمن الممكن للحق تعالى المعبود الحقّ أن يجعل الإنسان -من بين جميع العوالم- أعظم وأهم عبد لربوبيته المطلقة ولربوبيته العامة، ومخاطبًا أكثر تفكرًا في خطاباته السبحانية، وأجمع مرآة لتجلي أسمائه الحسنى، وأجمل معجزة للقدرة في مرتبة أحسن تقويم نال تجلي الاسم الأعظم وتجلي مرتبة الاسم الأعظم الموجودة في كل اسم، ومدققًا مالكًا لأكثر عدد من الموازين والآلات كي يزن ويَعرف ما تحتويه خزائن رحمته، ويجعله أكثر احتياجًا وافتقارًا إلى نعمه غير المحدودة، وأكثر تألمًا من الفناء والزوال، وأكثر اشتياقًا إلى البقاء، وأكثر لطافة ورقة، وأكثر فقرًا واحتياجا بين الحيوانات، وأكثر ألمًا وشقاءً في الحياة الدنيوية، وأن يخلقه أكثر علوًّا وسموًّا من حيث الاستعداد، وفي أفضل صورة وماهية، ثم لا يرسله إلى دار أبدية هو مستعد لها ومشتاق إليها ولائق بها، فيبطل الحقيقة الإنسانية، ويظلم ظلمًا منافيًا كليًّا لأحقيته ومشينًا في نظر الحقيقة؟

وهل من الممكن للحاكم بالحقّ والرحيم المطلق أن يمنح الإنسان استعدادًا يتمكن به من حمل الأمانة الكبرى التي أشفقت الأرض والسماوات والجبال من حملها

58. صفحة

أي يزن ويقيس ويعرف بموازينه الصغيرة الجزئية ومهاراته وإبداعاته البسيطة صفات خالقه المحيطة، وشئونه الكلية، وتجلياته غير المتناهية، وأن يجعله أكثر المخلوقات لطافة ورقة وعجزًا وفقرًا، مع أنه جعله نوعًا ما موظفَ تنظيم لجميع مخلوقات الأرض النباتية والحيوانية، وجعله يتدخل في طريقة تسبيحاتها وعباداتها، وجعله مثالا مصغّرا للإجراءات الإلهية في الكون، وجعله يعلن الربوبية السبحانية في الكون فعلاً وقولاً، وفضَّله على ملائكته ومنحه رتبة الخلافة، ثم لا يعطيه السعادة الأبدية التي هي غاية جميع هذه الوظائف ونتيجتها وثمرتها؟! ويلقيه في أذلّ دركات مخلوقاته قاطبة ويجعله أشقاها، وأضعفها، وأعجزها، وأكثرها بؤسًا وهمًّا وغمًّا، ويجعل عقله -الذي هو هدية مباركة ونورانية لحكمته ووسيلة السعادة- آلةَ تعذيب ظالمة ومشئومة لذلك المسكين، فيظلم بذلك ظلمًا مخالفًا كل المخالفة لحكمته المطلقة، ومنافيًا تمامًا لرحمته المطلقة؟! حاشاه وكلا!

الحاصل: فكما أننا نظرنا إلى هوية ضابط وسجله في الحكاية التمثيلية ورأينا أن رتبته ووظيفته وراتبه ودستور حركاته وأجهزته أظهرت وكشفت لنا أن ذلك الضابط لا يعمل لذلك الميدان المؤقت، بل سيذهب إلى مملكة مستقرة لذا يعمل لأجل تلك المملكة، فكذلك قد اتفق أهل الكشف والتحقيق على أن اللطائف التي في هوية قلب الإنسان، والحواس التي في سجل عقله، والأجهزة التي في استعداده، متوجهة توجهًا كاملا إلى السعادة الأبدية، وقد مُنحها وزود وجهز بها من أجل ذلك.

فمثلا: إن قيل للقوة الخيالية التي هي خادمة للعقل وآلة تصوير له، سيوهب لكِ مليون سنة من العمر مع سلطنة الدنيا وملكها، ولكنك ستكونين لا شيء حتما وستذهبين إلى العدم في الآخرة، فلابد أنها ستتأوه وتتحسر وتتألم بدلا من أن ترتاح إن لم يخدعها التوهم ولم تتدخل النفس والهوى، إذن إن أكبر فانٍ لا يستطيع إشباع أصغر أجهزة الإنسان، وبسبب هذا الاستعداد فإن آمال الإنسان الممتدة إلى الأبد، وأفكاره التي أحاطت بالكون، ورغباته التي انتشرت في أنواع سعادته الأبدية تدل على أن هذا الإنسان قد خُلق لأجل الأبد، وأنه سينتقل إلى الأبد، وأن هذه الدنيا دار ضيافة، وصالة انتظار للآخرة.


59. صفحة

الحقيقة الثانية عشرة

باب الرسالة والتنزيل

وهو تجلي "بسم الله الرحمن الرحيم"

أمن الممكن للأوهام الواهية التي ليست لها قوة -حتى بقدر قوة جناح الذبابة- أن تغلق طريق الآخرة وباب الجنة اللذين فتحهما الرسول الأكرمr  بكل قوته مستندًا إلى قوة معجزاته الألف المتحققة الثابتة - ذلك الرسول الذي أيد قوله وكلامه جميعُ الأنبياء مستندين إلى معجزاتهم، وصدق بدعوته جميعُ الأولياء مستندين إلى كشفياتهم وكراماتهم، وشهد بأحقيته جميعُ الأصفياء مستندين إلى تحقيقاتهم- واللذين فتحهما كذلك القرآن الحكيم الذي هو معجز بأربعين وجها بكل إثباتاته القاطعة مستندًا إلى آلاف من آياته الثابتة القاطعة؟

ولقد تبين من الحقائق السابقة وظهر أن مسألة الحشر حقيقة راسخة ثابتة لا تستطيع أن تزعزعها قوة قادرة على رفع الكرة الأرضية من مكانها وإزالتها؛ لأن تلك الحقيقة يثبتها ويرسخها الحق تعالى بمقتضى جميع أسمائه الحسنى وصفاته العليا، ويصدقها الرسول الأكرم r بجميع معجزاته وبراهينه، والقرآن الحكيم يثبتها بجميع حقائقه وآياته، ويشهد بها هذا الكون بجميع آياته التكوينية وشئونه الحكيمة، فهل من الممكن يا ترى بعدما اتفقت جميع الموجودات -ما عدا الكفار- مع واجب الوجود في مسألة الحشر، أن تزعزع الشبهات الضعيفة والوساوس الشيطانية التي ليست لها قوة -حتى مثل الشعرة- تلك الحقيقةَ الراسخة العالية السامية كرسوخ الجبل وعلوه، وترفعها من مكانها وتزيلها؟ حاشا وكلا!

لا تحسبن أن دلائل الحشر تقتصر على هذه الحقائق الاثنتي عشرة التي ذكرناها وتنحصر فيها، كلا، بل إن القرآن الحكيم كما أنه يعلمنا هذه الحقائق السابقة الاثنتي عشرة يشير كذلك إلى آلاف الوجوه، فكل وجه أمارة قوية تشير إلى أن خالقنا سينقلنا من هذه الدار الفانية إلى دار باقية.


60. صفحة

ولا تحسبن أيضًا أن الأسماء الإلهية التي تقتضي الحشر تنحصر في الأسماء التي ذكرناها فقط وهي " الحكيم" و"الكريم" و"الرحيم" و"العادل" و"الحفيظ"، كلا، بل جميع الأسماء الإلهية التي تتجلى في تدبير الكون تقتضي الآخرة، بل تستلزمها.

ولا تحسبن كذلك أن الآيات التكوينية للكون التي تدل على الحشر تنحصر فيما ذكرناها وتقتصر عليها، كلا، بل إن في أكثر الموجودات وجوه وكيفيات الستر التي تفتح يمينًا وشمالاً، حيث يشهد أحد وجهيه على الصانع والوجه الآخر يشير إلى الحشر.

فمثلا: كما أن حسن الصنع للإنسان الذي هو في أحسن تقويم يدل على الصانع، فإن زواله في وقت قصير مع قابليته الجامعة التي هي في أحسن تقويم يشير إلى الحشر، ولو نظر أحيانًا بوجه واحد وبنظرتين مختلفتين فسيرى أن الأشياء تدل على الصانع وعلى الحشر معًا.

فمثلا: كما أنه إذا أمعن النظر في ماهية ما يظهر في أكثر الأشياء من تنظيم الحكمة، وتزيين العناية، ووزن العدالة، ولطف الرحمة سيرى أنها تدل على أنها صدرت من يد قدرة الصانع الحكيم الكريم والعادل الرحيم، فكذلك إذا أمعن النظر في قوة هذه الأسماء والصفات وعدم محدوديتها، وفي تفاهة الموجودات الفانية وحياتها القصيرة التي هي تجليات تلك الأسماء والصفات فسيُرَى الآخرة، إذن إن كل شيء يقرأ ويقرئ بلسان حاله " آمنتُ بالله وباليوم الآخِر".

الخاتمة

إن الحقائق الاثنتي عشرة السابقة يؤيد بعضها بعضها الآخر، ويكمل ويقوي بعضها بعضها الآخر، وجميعها يظهر النتيجة باتحاد بعضها ببعضها الآخر، فأي وهم يستطيع أن يخرق هذه الأسوار الاثني عشر المُحكَمة كالحديد بل الألماس وينفذ منها حتى يزعزع الإيمان بالحشر الذي هو حصن حصين وقلعة منيعة، فالآية الكريمة )مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ([لقمان:28] تفيد أن خلق جميع البشر وحشرهم سهل وهين على القدرة الإلهية كسهولة خلق إنسان واحد وحشره.


61. صفحة

 أجل؛ إنه كذلك، وقد كتبتُ في مبحث الحشر في رسالة "النقطة" بتفصيل عن الحقيقة التي عبرت عنها هذه الآية، إلاّ أننا سنشير هنا إلى خلاصتها ببعض الأمثلة، فإن شئت فارجع إلى تلك "النقطة"، فمثلا: ولله المثل الأعلى ولا مُشَاحَّة في الأمثال، فكما أنه لو كان تجلي الشمس باختيارها وإرادتها فإنها مثلما تتجلى على الذرة الواحدة بسهولة تتجلى أيضًا على المواد الشفافة  التي لا حصر لها بالسهولة نفسها بسر النورانية.

وإن البؤبؤ الصغير لذرة شفافة متساو مع سطح البحر الواسع في تلقي عكس الشمس بسر "الشفافية"، وكما أن الطفل يستطيع أن يدوّر ويحرك بإصبعه الدمية التي في شكل سفينة، فإنه يستطيع كذلك أن يدور ويحرك السفينة الحربية العملاقة بسر "الانتظام"، فكما أن القائد يستطيع أن يحرك جنديًّا واحدًا بأمر" سِرْ إلى الأمام" فكذلك يستطيع أن يحرك جيشًا كبيرًا بالكلمة نفسها بسر "الامتثال"، ونفترض ميزانًا حقيقيًّا حساسًا وكبيرًا في جو السماء بحيث يشعر بالجوزتين إذا ما وضعتا في كفتيه، ويزن شمسين ويسعهما بسر "الموازنة"، فلو وجدت قوة ترفع إحدى الجوزتين اللتين في الكفتين إلى الأعلى وتخفض الأخرى إلى الأسفل ووجدت شمسان معهما؛ فإن تلك القوة ترفع إحداهما إلى العرش وتخفض الأخرى إلى الفرش.

وبما أن أصغر شيء يتساوى مع أكبر شيء في هذه الممكنات العادية الناقصة الفانية بسر "النورانية" و"الشفافية" و"الانتظام" و"الامتثال" و"التوازن"، وتَظهر الأشياء التي لا تعد ولا تحصى متساوية مع الشيء الواحد؛ فلا شك أن القليل والكثير والكبير والصغير كما أنه يتساوى أمام قدرة القدير المطلق بسر التجليات النورانية لقدرته الذاتية التي لا نهاية لها والتي هي في منتهى الكمال، وشفافية ملكوتية الأشياء، وانتظام الحكمة والقدر، وكمال امتثال الأشياء لأوامره التكوينية، وتوازن الإمكان الذي هو عبارة عن تساوي الممكنات بين الوجود والعدم، فكذلك يمكن أن يحشر بصيحة واحدة جميع الناس كحشر فرد واحد.

ثم إن مراتب الشيء من حيث قوته وضعفه تظهر بتداخل الأضداد فيه، فمثلا درجات الحرارة تظهر بتداخل البرودة، ومراتب الجمال تظهر بتداخل القبح، وطبقات

62. صفحة

الضياء تظهر بتداخل الظلام، ولكن إن كان الشيء ذاتيًا ولم يكن عرضيًّا فإن ضده لا يستطيع أن يتدخل فيه؛ لأن ذلك يقتضي جمع الضدين وهذا محال، إذن لا مراتب في الشيء الذاتي الأصيل، وبما أن قدرة القدير المطلق ذاتية، وليست عرضية كالممكنات، وهي في كمال المطلق، فإن العجز الذي هو ضد القدرة محال تدخله في ذاته، إذن إن خلق الربيع هين وسهل على الحق ذي الجلال كخلق زهرة واحدة.

أما إذا أسند إلى الأسباب فإن خلق زهرة واحدة يكون صعبًا كخلق الربيع، ثم إن إحياء جميع البشر وحشرهم سهل كإحياء نفس واحدة.

إن بياناتنا وتوضيحاتنا حول صور التمثيل وحقائقه منذ بداية مسألة الحشر حتى الآن هي من فيض القرآن الحكيم، وهي عبارة عن تهيئة النفس للاستسلام والقلب للقبول، أما القول الحقيقي فهو القرآن، إذ القرآن هو القول، وله وحده القول، فلنستمع إليه وننصت له: فللّه الحجة البالغة:

)فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ([الروم:50]

)قَالَ مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ_ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ([يس:78-79]

) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ _ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ( [الحج:1-2]

)اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً ([النساء:88]

) إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ _ وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ( [الانفطار:13-14]

 )إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا _ وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا _ وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا _ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا _بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا _ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ _ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ _ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ( [الزلزلة:1- 8]

63. صفحة

) القَارِعَةُ_  مَا القَارِعَةُ_  وَمَا أَدْرَاكَ مَا القَارِعَةُ _ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالفَرَاشِ المَبْثُوثِ _ وَتَكُونُ الجِبَالُ كَالعِهْنِ المَنفُوشِ _ فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ _ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ _ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ _ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ _ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ _ نَارٌ حَامِيَةٌ( [القارعة:1- 11]

) وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( [النحل:77]

لنستمع إلى آيات القرآن البينات أمثال هذه، ونقول آمنا وصدقنا.

آمَنْتُ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبِالْقَدْرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَالْبَعْث بَعْد الموت حق وأن الجنة حق والنار حق وأن الشفاعة حق وأن منكرا ونكيرا حق وأن الله يبعث من في القبور، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله

اللهم صل على ألطف وأشرف وأكمل ثمرات طوبى رحمتك الذي أرسلته رحمة للعالمين ووسيلة لوصولنا إلى أزين وأحسن وأجلى وأعلى ثمرات تلك الطوبى المتدلية على دار الآخرة أي الجنة.

اللهم أجرنا وأجر والدينا من النار وأدخلنا وأدخل والدينا الجنة مع الأبرار بجاه نبيك المختار, آمين.

أيها الأخ الذي قرأ هذه الرسالة بإنصاف وإمعان، لا تقل لم لا أفهم هذه "الكلمة العاشرة" فهمًا كاملاً، لا تتضايق لعدم فهمك لها فهمًا كاملا ولا تتضجر؛ لأن عبقريًّا من عباقرة الفلسفة كابن سينا قد قال:" الحشر ليس على مقاييس العقل، ولا يستطيع العقل أن يسلك في هذا"، وكذا قد قضى جميع علماء الإسلام -متفقين- "بأن الحشر قضية نقلية، وأدلتها أيضًا نقلية، ولا يمكن بلوغها بالعقل، على الرغم من كل هذا فإن طريقًا عميقًا وعاليًا جدًّا معنى لا يمكن أن يكون-فجأة- كجادّة عقلية للجميع، ويجب أن نشكر الخالق الرحيم ألف شكر على إحسانه ومنته أن مكَّنَنا من السير في هذا الطريق العميق العالي

64. صفحة

بهذه السهولة برحمته وبفيض القرآن الحكيم في هذا العصر الذي انكسر فيه التقليد وفسد التسليم؛ لأنه يكفي لإنقاذ إيماننا، ويجب أن نرضى بما فهمنا، وأن نعمل على زيادته بإعادة القراءة وتكرار المطالعة.

إن أحد أسرار عدم السير بالعقل في مسألة الحشر، هو أن الحشر الأعظم من تجلي الاسم الأعظم، لذا فإن الحشر الأعظم برؤية وإراءة الأفعال العظيمة الظاهرة بتجلي اسم الله الأعظم وبتجلي المرتبة العظمى لكل اسم يُثبَت إثباتًا سهلا ويكون الإذعان له قاطعًا والإيمان به تحقيقيًّا كالربيع، وهكذا يُرى ويُظهر بفيض القرآن في هذه "الكلمة العاشرة"، فلو استقل العقل وانفرد بدساتيره الضيقة البسيطة لظل عاجزًا واضطُرَّ إلى التقليد.

ذيل مهم من "الكلمة العاشرة" والجزء الأول من ملحقها

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا

65. صفحة

أَنتُمْ تَخْرُجُونَ * وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: 17-27]

 

ستُبيَّن في الشعاع التاسع هذا نكتةٌ كبرى وحجة عُظمَى لهذه الآيات الكبرى السماوية التي تشير إلى قطب من أقطاب الإيمان، ولهذه البراهين العظمى القدسية التي تثبت الحشرَ.

عنايةٌ ربانيةٌ لطيفةٌ: إنه قبل ثلاثين سنة من الآن قال سعيد القديم في المقصد الثاني من المقاصد القرآنية في آخر كتاب "المحاكمات"[1] الذي كتبَه مقدّمة للتفسير: "ستفسَّر وتبيَّن آيتان تشيران إلى الحشر"، وقال نحو: "بسم الله الرحمن الرحيم" ووقف، ولم يستطع أن يواصلَ الكتابة، فحمدا وشكرا لخالقي الرحيم بعدد دلائل وأمارات الحشر على أنه أحسن إلي ووفقني بعد ثلاثين سنة.

أجل إنه جل وعلا أنعم عليَّ قبل تسع أو عشر سنوات من الآن بـ"الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرين" اللتين تحتويان على الحجج الباهرة الساطعة والقوية جدًّا لواحدة من تلكما الآيتين للفرمان الإلهي وتفاسيرها وهي ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[الروم: 50] فأسكتَ المنكرين.

وأكرم عليَّ بعد تسع أو عشر سنوات من تلكما القلعتين المتينتين المنيعتين لعقيدة الحشر بهذه الرسالة تفسيرا للآيات الكبرى المذكورة أعلاه وهي الآية الثانية.

فالشعاع التاسع هذا عبارة عن تسعة مقامات عالية ومقدمة مهمة يشار إليها في الآيات المذكورة. 

مقدمة: نقطتان عبارة عن بيان فوائد روحية كثيرة جدًّا لعقيدة الحشر، ونتيجةٍ جامعة من نتائجها الحياتية باختصار، وإظهارِ مدى ضرورتها ولزومها للحياة الإنسانية وخاصة

 [1] أحد كتب مجموعة رسائل النور.



66. صفحة

حياتَه الاجتماعيةَ، وإبانة عن حُجَّة كلية من بين حُجَج عقيدة الإيمان بالحشر الكثيرة جدًّا بإجمال، وإفادة كيف أن تلك العقيدة الحشرية بديهية ولا شك فيها.

النقطة الأولى: نشير إلى أربعة أدلة -كمقاييس- من بين مئات من الأدلة التي تدل على أن عقيدة الآخرة هي أسُّ أساس الحياة الاجتماعية والحياة الشخصية للإنسان، وأنها أساسات سعادته وكمالاته.

الدليل الأول: الأطفال الذين هم نصف البشر تقريبا لا يستطيعون أن يصمدوا أمام الوفيات والموت الذي يبدو ويتراءى لهم مرعبًا ومُبكيًا إلا بفكر الجنة، ويستطيعون أن يجدوا بهذه الفكرة قوةً معنوية في كيانهم الضعيف الرقيق جدًّا، ويستطيعون أن يجدوا أملاً ورجاء بفكر الجنة في مزاج روحهم الضعيف جدًّا والباكي سريعًا من أي مؤثر، فيمكنهم أن يعيشوا في فرح وسرور.

فمثلا: يقول بفكر الجنة: مات أخي الصغير أو صديقي، فأصبح طيرًا من طيور الجنة، يتجول فيها ويعيش ويتمتع ويتلذذ أحسن منّا؛ وإلا فإن وفاة أمثالهم من الأطفال والكبار حولهم تصدم أنظارَ هؤلاء المساكين الضعفاء القلقة، وتحطِّم متانتَهم وقوتَهم المعنويةَ، وتُبكي مع أبصارهم جميعَ لطائفهم كالروح والقلب والعقل، فهم إما سيضيعون وإما سيكونون كحيوانات شقية بائسة سائبة.

الدليل الثاني: الشيوخ والعجائز الذين هم -من ناحية- نصف البشر إنما بفكر الحياة الأخروية فقط يستطيعون أن يصمدوا أمام القبر القريب منهم، ويستطيعون أن يجدوا سلوانا مقابل انطفاء حياتهم التي يرتبطون ويتعلقون بها بشدة عما قريب، ومقابل انغلاق دنياهم الجميلة، وبأمل الحياة الباقية فقط يستطيعون أن يصمدوا أمام اليأس المرير المفزع الناشئ عن الموت والزوال في روحهم ومزاجهم الحساس المرهف، الذي أصبح كالطفل يتأثر سريعًا.

وإلا لكان سيشعر هؤلاء الأعزاء الموقَّرون الذين يستحقون الشفقة، والآباء والأمهات القلقون المتلهفون الذين يحتاجون بشدة إلى الهدوء والراحة القلبية؛ بصرخات روحية وخلجات[1] قلبية، تجعل هذه الدنيا زنزانةً لهم، والحياةَ عذابًا قاسيًا.

[1] خلجات قلبية: أي هموم وشواغل تشغل القلب وتهمه وتحزنه.



67. صفحة

الدليل الثالث: الشباب والفتيان هم أقوى مرتكز في الحياة الاجتماعية البشرية، والذي يوقف مشاعرَهم الفوَّارَة، ونفوسَهم وهواهم المفرطَ عن التجاوزات والظلم والتخريبات، والذي يجعل الحياةَ الاجتماعية تسير في مجراها الطبيعي إنما هو تذكُّرُ جهنم، وإلا فلو لم يكن الخوف من جهنم لحوَّل هؤلاءِ الشبابُ السكارى المنجرون وراء أهوائهم ورغباتهم الدنيا إلى جهنم في حق الضعفاء المساكين والعاجزين حسب قاعدة: "الحكم للغالب" ولحوَّلوا الإنسانية السامية إلى حيوانية في غاية السفالة.

الدليل الرابع: إن المركز الأكثر جمعًا والمنطلَق الأقوى أساسًا، والجنةَ والملجأَ والملاذَ للسعادة الدنيوية في الحياة الدنيوية لنوع البشر؛ هو الحياة العائلية، وإن بيت كل واحد هو دنياه الصغيرة، وحياة ذلك البيت وتلك الحياة العائلية وسعادتهما إنما تحصلان بالاحترام الخالص الجاد في وفاء، وبالرحمة الحقيقية ذات الشفقة في تضحية، وهذا الاحترام الخالص والرحمة الصادقة إنما تحصل بالصداقة الأبدية والرفقة الدائمة والمعية السرمدية وبالعقيدة والفكر -ضمن زمن غير متناه، وحياة غير محدودة- في وجود مناسبات بينهم ملؤها الأبوة والبنوة والأخوة والصداقة.

يقول مثلا: إن زوجتي هذه هي رفيقة حياتي الدائمة في عالم أبدي وفي حياة أبدية، ولا بأس إن صارت عجوزًا ودميمة الآن؛ لأن لها جمالاً أبديًّا سيأتي.

ويمكنه أن يعامِل زوجه العجوز بالمحبة والشفقة والرحمة وكأنها حورية حسناء، قائلا: إنني أقوم بكل تضحية ورحمة من أجل صداقة دائمة كهذه، وإلا فإن تلك الصداقة التي تتعرض للمفارقة والفراق الأبديين بعد رفقة صورية قصيرة تدوم بضع ساعات يمكنها أن تنتج -بلا شك- رحمة مجازية واحترامًا مصطنعًا يحملان معنى الرقة الجنسية الصوريةِ للغاية، والمؤقتة، والتي لا أساس لها كما في الحيوان.

وتتغلب المنافع الأخرى وسائر الأحاسيس الغالبة -كما عند الحيوانات- على ذلك الاحترام وتلك الرحمة، وتحوِّل تلك الجنة الدنيوية إلى جهنم.

فنتيجة واحدة من مئات من نتائج الإيمان بالحشر تتعلق بحياة الإنسان الاجتماعية، فإذا قيست النتائج الأخرى من مئات من أوجه وفوائد هذه النتيجة الواحدة بهذه الدلائل

68. صفحة

الأربعة فسيُفهَم أنّ تحقق حقيقة الحشر ووقوعها قطعيٌّ بدرجة قطعية الحقيقة العلوية السامية للإنسانية وحاجتها الكلية، بل هي-أي حقيقة الحشر- أظهر من شهادة ودلالة وجود الاحتياج في معدة الإنسان على وجود الطعام، وتخبر عن تحققها إخبارًا أقوى وأشد.

وتُثبِت أن لو تجرّدت نتائجُ هذه الحقيقة الحشرية من الإنسانية لسقطت ماهية الإنسانية التي هي في غاية الأهمية والسمو والحيوية إلى منزلة جيفة متعفنة تكون مرتعًا ومزرعة للجراثيم.

فلترنَّ آذان الاجتماعيين والسياسيين والأخلاقيين الذين يُعنَوْنَ باهتمام شديد بإدارة البشر وأخلاقهم واجتماعياتهم! فليقولوا بماذا يستطيعون أن يملأوا هذا الفراغ، وبماذا يستطيعون أن يعالجوا هذه الجروح الغائرة؟!

النقطة الثانية: تُبيِّن برهانًا واحدًا من براهين حقيقة الحشر غير المحدودة يترشح من خلاصة الشهادات المنبعثة من الأركان الإيمانية الأخرى.

وذلك أن جميع معجزات سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام- التي تدل على رسالته، وجميع دلائل نبوته، وجميع البراهين الدالة على صدقه وحقانيته كلها -وبأجمعها- تشهد على تحقق حقيقة الحشر وتثبتها؛ لأن جميع قضايا هذا الرسول في كل حياته تتركز في الحشر وذلك بعد التوحيد، وإن جميع معجزاته وحججه التي تُصدِّق جميعَ الأنبياء وتجعل الناسَ يصدقونهم تشهد على الحقيقة نفسها.

وإن شهادته بـ [وكتبه] التي ترفع الشهادةَ التي تأتي بعد كلمة [ورسله] إلى درجة البداهة تشهد على الحقيقة نفسها، وذلك أن جميع معجزات القرآن المعجز البيان أولاً، وحقائقه وحججه التي تثبت حقانيته كلها وبأجمعها تشهد على تحقق حقيقة الحشر ووقوعها وتثبتها؛ إذ يكاد يتحدث ثلث القرآن عن الحشر، وإنه يرد في بدايات أكثر سوره القصيرة آيات الحشر القوية جدًّا، وإن القرآن بآلاف آياته يخبر صراحة وإشارة عن الحقيقة عينها ويثبتها ويظهرها.


69. صفحة

فمثلا: إنه يشير في بداية ثلاثين أو أربعين سورة إلى أن حقيقة الحشر هي -بكل قطعيتها- أهم حقيقة من بين حقائق الكون، وإنها حقيقة واجبة، وذلك مثل هذه السور ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾.

ويبين الدلائلَ المتنوعة لتلك الحقيقة في الآيات الأخرى ويقنع بها.

فيا ترى! هل هناك إمكان بأي وجه من الوجوه لأن يكون الإيمان بالحشر -الذي يَظهر كالشمس بآلاف الشهادات والدعاوى -كالسالف ذكره- في كتابٍ تُثمِر إشارةٌ واحدة من آية واحدة منه الحقائقَ العلمية والكونية المتعددة في العلوم الإسلامية أمام أعيننا- باطلا؟!

ألا يكون هذا كإنكار الشمس بل كالقول بعدم الكون؟! ألا يكون هذا محالا وباطلا بمائة درجة؟

ويا ترى! أمن الممكن بأي وجه من الوجوه تكذيب آلاف أقوال ووعود ووعيد سلطان في غاية الوقار والعزة، في حين أن جيشًا كاملا يتحرك ويحارب أحيانًا حتى لا تكون إشارة واحدة للسلطان كاذبة؟ فهل يمكن أن تكون آلاف أقواله ووعوده وتهديداته غير حقيقية؟

وإذا كانت إشارة واحدة لهذا السلطان المعنوي ذي الشأن الذي هيمن[1] على ما لا حد له من الأرواح والعقول والقلوب والنفوس في نطاق الحق والحقيقة، وربَّاها وأدارها طوال ثلاثة عشر قرنًا بلا انقطاع كافيةً لإثبات حقيقة كهذه؛ فيا ترى! أفلا يقتضي الأمر عذاب جهنم لأحمق جهول لا يعرف تلك الحقيقة بعدما بيّنها وأثبتها -ذلك السلطان- بآلاف التصريحات؟! أفلا يكون هذا عين العدالة؟

ثم إن بيان جميع الصحف السماوية والكتب المقدسة التي حكمت على زمان من الأزمنة، ودور من الأدوار حسب عصورها وأزمنتها مع قبول تلك الحقيقة قبولا قاطعًا؛

[1] هيمن : سيطر.



70. صفحة

حقيقةَ الحشر التي بينها وأثبتها بالتفاصيل والإيضاحات والتكرار القرآنُ الذي هيمن على كل المستقبل وجميع الأزمنة بأكملها، نقول إن ادَّعاءها وإثباتها هذه الحقائقَ بشكل قويٍّ ومع بيانها بدون تفصيل، وباختصار، وبحجاب؛ ليَُصَدِّق دعوى القرآن بآلاف التوقيعات.

وتُدرَج هنا بمناسبة هذا البحث شهادةُ الأركان الأخرى، ولا سيما شهادة ركن "الإيمان بالرسل والكتب" على ركن " الإيمان باليوم الآخر" المذكور في نهاية "رسالة المناجاة" والتي هي حجةٌ من حجج الحشر التي ذكرت في صورة مناجاة، وهي قوية جدًّا، وملخصة، وتزيل جميع الأوهام، تدرج هنا كما هي.

فقد قال في المناجاة ما يلي:

يا ربي الرحيم، لقد فهمت بتعليم الرسول الأكرم وبدرس القرآن الحكيم أن جميع الكتب المقدَّسة والأنبياء، وعلى رأسهم القرآن والرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام يشهدون ويدلون ويشيرون بالإجماع والاتفاق إلى أن تجليات الأسماء الجلالية والجمالية التي تُشاهَد نماذجها في كل الأرجاء في هذه الدنيا ستستمر في أبد الآباد بصورة أجلى وأسطع، وإلى أن إحساناتك التي تشاهَد في هذا العالم الفانية تجلياتُه ونماذجه المليئة بالرحمة ستكون باقيةً، وستستمر في دار السعادة في أبهى صورة، وإلى أن المشتاقين الذين يشاهِدون ذلك الإحسان بتمتع، ويرافقونه بمحبة في هذه الحياة الدنيوية القصيرة، سيرافقونه في العالم الأبدي أيضًا، وسيكونون معه.

ثم إن جميع الأنبياء الذين هم أصحاب الأرواح النورانية -وفي مقدمتهم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وقرآنك الحكيم- المستندين إلى مئات من معجزاتهم الباهرة وآياتهم القاطعة، وإن جميع الأولياء الذين هم أقطاب القلوب المنورة، وإن جميع الصدِّيقين الذين هم معدن العقول النافذة ذات البصيرة المتوقِّدة الثاقبة المنورة يبشرون الناسَ بالسعادة الأبدية مستندين إلى آلاف من وعدك ووعيدك الذي ذكرته مرارًا وتكرارًا في جميع الصحف السماوية والكتب المقدسة، ومعتمدين على صفاتك وشئونك القدسية التي

71. صفحة

تقتضي الآخرة، كالقدرة والرحمة والعناية والحكمة والجلال والجمال، ومعتمدين على عزة جلالك وسلطنة ربوبيتك، وبناء على ما لا حد له من كشفياتهم ومشاهداتهم التي تنمُّ عن آثار الآخرة وترشحاتها، وبناء على اعتقادهم وإيمانهم الذي وصل إلى مرتبة علم اليقين وعين اليقين، ويخبرون ويعلنون أن هناك جهنمَ لأهل الضلالة، وجنةً لأهل الهداية، ويؤمنون بهما إيمانًا راسخًا، ويشهدون على ذلك شهادة قوية.

يا قدير يا حكيم، يا رحمن يا رحيم، يا صادق الوعد يا كريم، ويا قهار ذا الجلال وذا العزة والعظمة، إنك مقدس بمئات الآلاف من الدرجات، ومنزه ومتعالٍ تَنزهًا وعلوا غير متناه عن تفنيدٍ[1] وتكذيبٍ إلى هذا الحدّ من أوليائك الصادقين، وإلى هذا الحد من وعودك، وإلى هذا الحد من صفاتك وشئونك، وعن تكذيب المقتضيات القاطعة لسلطنة ربوبيتك، وعدم القيام بهذه المقتضيات، وعن ردّ وعدم سماع ما لا حد له من الأدعية والدعاوى المتوجهة إلى الآخرة ممن لا حد لهم من عبادك المقبولين لديك، والذين تحبهم وهم بدورهم يحببون أنفسهم إليك بالتصديق بك وبإطاعتك، وعن تصديق أهل الضلالة وأهل الكفر الذين يمسون -بالكفر والعصيان وبتكذيبك في وعدك- عظمةَ كبريائك، ويسيئون إلى عزة جلالك، ويمسُّون عزة ألوهيتك، ويؤذون شفقة ربوبيتك، وعن إثبات هؤلاء في إنكار الحشر.

نقدس عدالتك المطلقة، وجمالك المطلق، ورحمتك المطلقة، تقديسًا مطلقًا عن ظلم مطلق كهذا، وقبح مطلق كهذا. ونؤمن بكل قوتنا أن شهادة مئات الآلاف من الرسل الصادقين والأنبياء والأصفياء والأولياء دعاة سلطنتك الصادقين الذين لا حد لهم بحق اليقين وعلمه وعينه على خزائن رحمتك الأخروية، وعلى كنوز إحساناتك في عالم البقاء، وعلى التجليات الجميلة البديعة لأسمائك الحسنى التي تتجلى في دار السعادة تجليا كاملا؛ حقٌّ وحقيقةٌ، وإشاراتهم صادقةٌ ومطابقةٌ، وبشاراتهم صادقة وواقعة.

وهم يؤمنون أن أكبر شعاع لاسم الحق -الذي هو مرجع جميع الحقائق وشمسها وحاميها- هو حقيقة الحشر الكبرى هذه، ويدَرِّسون لعبادك هذه الحقيقة بأمرك ضمن دائرة الحق، ويعلمونهم إياها كعين الحقيقة.


 [1] تفنيد : تكذيب.



72. صفحة

فيا رب، ارزقنا وارزق طلاب رسائل النور الإيمانَ الأكمل، وحسن الخاتمة بحق وحرمة دروس وتعاليم أولئك، وارزقنا شفاعتهم، آمين.

فكما أن جميع الأدلة والحجج التي تُثبِت حقَّانيةَ القرآن بل حقانيةَ جميع الكتب السماوية، وجميعَ المعجزات والبراهين التي تُثبِت نبوةَ حبيب الله بل نبوةَ جميع الأنبياء تدل في نفس الوقت على تحقق الآخرة التي هي قضيتهم الكبرى؛ كذلك فإن أكثر الأدلة والحجج التي تشهد على وجود واجب الوجود ووحدته، تشهد في نفس الوقت على وجود وانفتاح دار السعادة وعالم البقاء اللذين هما أكبر مدار ومظهر للربوبية والألوهية.

لأن موجودية الذات الواجب الوجود وجميع صفاته -كما سيبيَّن وسيثبَت في المقامات الآتية- وأكثر أسمائه وأوصافه وشئونه كالربوبية والألوهية والرحمة والعناية والحكمة والعدالة؛ تقتضي الآخرةَ بدرجة اللزوم، وتستلزم عالَمًا باقيًا بدرجة الوجوب، وتتطلب الحشر والنشر من أجل المكافأة والعقاب بدرجة الضرورة.

أجل؛ فبما أن الله الأزلي الأبدي موجود؛ فلا شك أن الآخرة التي هي المدار السرمدي لسلطنة ألوهيته موجودة.

وبما أن هناك ربوبيةً مطلقة في غاية العظمة والحكمة والشفقة تُشاهد في هذا الكون وفي ذوي الحياة؛ فلا شك أنه ستكون دار سعادة أبدية تنقذ عظمة تلك الربوبية من التَّرَدِّي[1]، وحكمتها من العبثية، وشفقتها من الغدر، وسيكون دخول فيها.

وبما أن ما لا حد له من أنواع الإنعام والإحسان واللطف والكرم والعناية والرحمة المشاهَدة بالعيون تُرِي وجود الرحمن الرحيم من وراء حجاب الغيب للعقول التي لم تنطفئ والقلوب التي لم تمت؛ فلا شك أنه ستكون حياة باقية في عالم باقٍ تخلص الإنعامَ من الاستهزاء، والإحسانَ من الخداع، والعنايةَ من العداوة، والرحمةَ من العذاب، واللطفَ والكرم من الإهانة، وتجعل الإحسانَ إحسانًا، والنعمةَ نعمة. 

وبما أن قلم قدرة كتب مائة ألف كتاب متداخلة بلا خطأ في فصل الربيع في الصحيفة الضيقة للأرض، يعمل أمام أعيننا بلا لغوب[2]؛ وبما أن صاحب ذلك القلم تعهد ووعد

[1] التردِّي : السقوط والتدني .

 [2] اللغوب : التعب والنصب والإعياء.



73. صفحة

مائة ألف مرة وقال إني سأكتب لكم كتابًا رائعًا خالدًا في مكان واسع بطريقة أسهل من كتاب الربيع المكتوب في اختلاط وتداخل في هذا المكان الضيق وسأقرئكموه، ويتحدث في كل فرماناته عن هذا الكتاب؛ فلا شك ولا ريب أن أصل ذلك الكتاب قد كُتب، وستكتب هوامشه وحواشيه بالحشر والنشر، وستسجَّل فيه صحيفة أعمال الجميع.

وبما أن هذه الأرض من جهة كثرة المخلوقات فيها ومن حيث هي مسكن مئات الآلاف من الأنواع المتعددة لذوي الحياة وذوي الأرواح المتجددة دومًا، ومنشأها ومصنعها ومشهرها ومحشرها، وهي قلبُ الكون ومركزه وخلاصته ونتيجته وسبب خلقه؛ لذا فإن لها أهمية كبرى، بحيث إنها مع صغرها وضعت قبالة هذه السماوات الضخمة؛ فيقال في الفرمانات السماوية دائمًا ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [ص: 66].

وبما أن هناك نوعَ بني آدم الذي يحكم جميع أطراف الأرض التي هي على هذه الماهية، ويتصرف في أكثر مخلوقاتها، ويسخر أكثر موجوداتها ذات الحياة، ويجعلها تلتف حوله، وينظم أغلب مصنوعاتها ويعرضها ويزينها؛ في غاية الروعة والجمال بهندسة أهوائه ورغباته ودساتير احتياجاته، ويجمع أنواعها التي هي تحفة أثرية نادرة جدًّا في بعض الأماكن وكأنه ينظمها في قائمة ويزينها، بحيث إنه يكتسب أهمية وقيمة كبيرة جدًّا، ليس بجذب أنظار الإنس والجن فحسب، بل بجذب انتباه وتقدير أهل السماوات وهذا الكون، وبجذب نظر استحسان صاحب الكون، وبهذه الحيثية يظهر بعلومه وفنونه أنه حكمة خلق هذا الكون، ونتيجته الكبرى، وثمرته القيِّمة، وأنه خليفة الأرض، ويُبقَى في الدنيا ويُؤَجَّل عذابُه على الرغم من عصيانه وكفره؛ لأنه ومن الوجهة الدنيوية يعرض وينظّم عرضًا وتنظيمًا رائعًا صنائع صانع العالم ذات المعجزات، ويُمهَل من أجل خدماته هذه، فيُوَفَّق.

وبما أن هناك مصرِّفًا ذا قدرة وحكمة وشفقة مطلقة جعل الكرة الأرضية الضخمة لنوع بني آدم فوق قوتهم واختيارهم كليًّا وهذه ماهيتهم، ومع أنه ضعيف وعاجز جدًّا من حيث فطرته وخلقته، وله احتياجات وتألمات لا حد لها مع غاية عجزه وفقره.. أقول إنه جعل الكرة الأرضية الضخمة كمخزن لكل نوع من أنواع المعادن الضرورية لنوع الإنسان، ومستودع لكل نوع من أنواع الأطعمة، ودكان يحتوي على كل نوع من أنواع البضائع التي تطيب لنوع الإنسان، فهو يرعى النوع الإنساني هكذا، ويطعمهم ويعطيهم ما يريدون. 


74. صفحة

وبما أن ربًّا بهذه الحقيقة يحب الإنسان، ويحبب نفسه إلى الإنسان، وأنه باق، وله عوالم باقية، ويفعل كل شيء بالعدل، وكل الأعمال بحكمة، وأن هذه الحياة الدنيوية القصيرة والعمر البشري القصير جدًّا وهذه الأرض المؤقتة الفانية لا تسع عظمة سلطنة ذلك الحاكم الأزلي وسرمدية حاكميته، وأن الظلم والمعاصي الكبيرة التي يرتكبها الجنس البشري، والتي تنافي وتخالف انتظام الكون وعدالته وموازنته وحسن جماله، وإهانة الإنسان وإنكاره وكفره لولي نعمته ولمن يرزقه بشفقة، كل ذلك يبقى بدون عقاب في هذه الدنيا، فيقضي الظالم الغاشم حياته في راحة، ويقضي المظلوم المسكين عمره في مشقات، ولكن ماهية العدالة المطلقة التي تُرَى آثارها في جميع الكون، منافيةٌ كليًّا لمساواة الظالمين الغاشمين مع المظلومين الآيسين ضمن الوفاة بلا بعث مرة أخرى، ولا تتحملها ولا تسمح لها.

وبما أن صاحب الكون كما أنه قد انتخب الأرض من الكون، ونوع الإنسان من الأرض، وأعطاه مقامًا عظيمًا، وأولاه أهمية كبيرة جدًّا، وكذلك قد انتخب الأنبياء والأولياء والأصفياء الذين هم أناس حقيقيون من بين نوع الإنسان، والذين يتوافقون مع مقاصد ربوبيته ويحببون أنفسهم إليه بالإيمان والاستسلام، فيجعلهم أولياء ومخاطبين له، ويكرمهم بالمعجزات والتوفيق، ويعذب أعداءهم بصفعات سماوية، وانتخب من بين أوليائه الأعزاء المحبوبين محمدًا عليه الصلاة والسلام الذي هو إمامهم وفخرهم، ونوَّر بنوره -عليه الصلاة والسلام- خلال القرون الطويلة نصف الكرة الأرضية ذات الأهمية، وخمس نوع الإنسان ذي الأهمية، إذ تَظهر جميع المقاصد به وبدينه وقرآنه وكأن الكون قد خلق من أجله هو، وقد أُعْطي عمرًا قصيرًا في مشقات ومجاهدات صعبة، وقَدَّرَه في ثلاث وستين سنة، مع أنه أهل ومستحِق لأخذ أجر خدماته الثمينة غير المحدودة بقدر ملايين السنين في زمن غير محدود.

فيا ترى! أهناك أي إمكان وأي احتمال وأية قابلية بأي وجه من الوجوه لئلاَّ يُبعَث هذا الرسول -عليه الصلاة والسلام- مع جميع أمثاله وأحبابه؟ وألا يكون الآن حيًّا روحًيا؟ وأن يُفْنَوْا بالإعدام الأبديِّ؟ حاشا مائة ألف مرة، حاشا وكلا.

أجل؛ إن كل الكون وحقيقة العالم تبغي بعثه، وتطلب من مالك الكون أن يحيا. 


75. صفحة

وبما أنه قد أثبت ثلاثةٌ وثلاثون إجماعًا عظيمًا ـ كل واحد منها بقوة الجبل ـ في رسالة "الآية الكبرى" وهي "الشعاع السابع"، أن هذا الكون قد صدر عن يدٍ واحدة، وأنه ملك لمَِن هو واحد، وأظهر بداهةً وحدةَ وأحدية الله اللتين هما مدار كمالاته، وكأن جميع الكون يصبح بالوحدة والأحدية قوةَ ذلكم الواحد وقدرتَه، وجميع المخلوقات جنودًا مؤتمرين بأوامره، وموظفين مأمورين مسخرين لذلكم الواحد سبحانه وتعالى، وأنه بمجيء الآخرة تتخلص كمالاته من السقوط، وعدالته المطلقة من الظلم المطلق في استهزاء، وحكمته العامة من العبثية في سفاهة، ورحمته الواسعة من التعذيب في لهوٍ، وعزة قدرته من العجز في ذلٍّ، وكلها تتقدَّس؛ فلا شك ولا ريب ولا بدّ أن القيامة ستقوم، بمقتضى الحقائق المذكورة في " بما أن" الثمانية من ضمن مئات النكت للإيمان بالله، وسيحدث الحشر والنشر، وستُفتَح دار للعقاب والمكافأة حتى تتحقق أهمية الأرض ومركزيتها المذكورة، وأهمية الإنسان وقيمته، وتتقررَ العدالة والحكمة والرحمة والسلطنة المذكورة للمتصرف الحكيم خالقِ الأرض والإنسان وربهما، ويتخلص أولياءُ ذلكم الرب الباقي ومشتاقوه المذكورون الحقيقيون من الإعدام الأبدي، ويجد أعظم أولئك الأولياء وأهمهم مكافأة لخدماته القدسية التي تُرضِي جميعَ الكون، وتجعله شاكرًا ممتنًّا، وتتنزه وتتقدس وتتبرأ كمالات السلطان السرمدي من النقص والقصور، وقدرته من العجز، وحكمته من السفاهة، وعدالته من الظلم.

الحاصل: بما أن الله موجود؛ فلا شك أن الآخرة موجودة.

وكما أن أركان الإيمان الثلاثة المذكورة تشهد بالحشر، وتدل عليه بجميع دلائلها التي تثبتها؛ كذلك ركنان اثنان للإيمان اللذان هما (وبملائكته وبالقدر خيره وشره من الله تعالى) يستلزمان الحشر ويشهدان ويدلان على عالم البقاء بقوة، كالآتي:   

إن جميع الأدلة والمشاهدات والمكالمات غير المحدودة التي تثبت وجود الملائكة ووظيفة عبوديتهم، تدل كذلك على وجود عالم الأرواح وعالم الغيب وعالم البقاء وعالم الآخرة ودار السعادة التي ستُعمَّر لاحقًا بالإنس والجان وعلى وجود الجنة والنار؛ لأن الملائكة يمكنهم أن يشاهدوا هذه العوالم بالإذن الإلهي ويدخلونها، وجميعُ الملائكة المقربين الذين

76. صفحة

يلتقون بالناس كجبرائيل عليه السلام يُخبِرون متفقين عن وجود العوالم المذكورة، وأنهم يتجولون في تلك العوالم. فكما أننا نعرف بالبداهة وجود قارة أمريكا التي لم نرها بإخبار من يأتون منها، كذلك يجب الإيمان -بتلك القطعية- بوجود عالم البقاء ودار الآخرة والجنة والنار بإخبارات الملائكة التي هي بقوة مائة تواتر، وهكذا نؤمن.

ثم إن جميع الأدلة التي تثبت ركن (الإيمان بالقدر) في "رسالة القدر" التي هي "الكلمة السادسة والعشرون" تدل كذلك على الحشر ونشر الصحف ووزن الأعمال في الميزان الأكبر؛ لأن تقييدَ وتسجيلَ مقدرات كل شيء أمام أنظارنا في لوح النظام والميزان، وكتابةَ ما جرى في حياة كل ذي حياة في ذاكرتهم ونواتهم، وفي سائر الألواح المثالية، وتسجيل دفتر أعمال كل ذي روح -ولا سيما الإنسان- وتثبيته في الألواح المحفوظة؛ لا شك أن قَدَرًا محيطاً كهذا، وتقديرًا حكيمًا وتقييدًا مدقِّقًا وكتابة حفيظة؛ كل ذلك لا يمكن أن يكون إلا للمكافئة والمجازاة الدائمة عقب محاكمة عامة في المحكمة الكبرى، وإلا لبقي ذلك التقييد المحيط الدقيق وتلك المحافظة بلا معنى ولا فائدة، ويكون منافيًا كليًّا للحكمة والحقيقة، وإن لم يحصل الحشر لفسدت كل معاني كتاب هذا الكون الذي كُتب بقلم القدر؛ إذ لا يمكن ذلك بأي وجه من الوجوه.

وهذا الاحتمال محال، بل هذيان كإنكار وجود هذا الكون.

الحاصل: إن أركان الإيمان الخمسة تدل بجميع أدلتها على وجود الحشر والنشر ووقوعهما ووجود دار الآخرة وانفتاحها، وتقتضيها، وتشهد بها وتطلبها.

ولأن لحقيقة الحشر هذه أعمدة وبراهين عظيمة لا تتزعزع، وموافقة تمامًا لعظمة الحشر، فإن ثلث القرآن المعجز البيان تقريبًا يحتوي على الحشر والآخرة، ويجعلهما الحجرَ الأساس لحقائقه وأسَّ الأساس له، ويبني كلَّ شيء عليهما.

(لقد وجدت المقدمةُ النهايةَ.)

 


77. صفحة

الجزء الثاني من الذيل

عبارة عن "تسعة مقامات" حول تسع طبقات من براهين الحشر التي أشارت إليها الآية الآتية إشارة معجزة.

المقام الأول:

)فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ _ وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ _ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ([الروم:17- 19].

سيُبيَّن ويوضح إن شاء الله ما أظهرته هذه الآية من البرهان الباهر والحجة القاطعة حول أمر الحشر[1].

لقد بُيِّنت في "الخاصة الرابعة والعشرين" من قضية "الحياة" أن الحياة تتوجه إلى أركان الإيمان الستة وتثبتها، وتشير إشارات إلى تحققها[2].

أجل؛ بما أن أهم نتيجة لهذا الكون وأصله وجوهره وحكمة خلقه هي الحياة؛ فلا شك أن تلك الحقيقة السامية لا تنحصر في هذه الحياة الدنيوية الفانية القصيرة الناقصة المؤلمة ولا تقتصر عليها، بل إن غاية ونتيجة شجرة الحياة التي تُفهم عظمة ماهيتها بخواصّ الحياة التسع والعشرين، والثمرة اللائقة بعظمة تلك الشجرة هي الحياة الأبدية الخالدة، والحياة الأخروية، والحياة التي في دار السعادة التي هي ذات حياة بأحجارها وشجرها وترابها، وإلا يلزم أن تبقى شجرة الحياة المجهزة المزودة بما لا حد له من أجهزة مهمة بلا ثمرة ولا فائدة ولا حقيقة في ذوي الشعور ولا سيما في الإنسان، وسيتردى الإنسان الذي هو أعظم مخلوق في الكون وبين ذوي الحياة وأسماهم وأهمهم عشرين درجة أدنى

[1] لم يكتب ذلك المقام بعد، فقد أُدرجت قضية الحياة هنا لعلاقتها بالحشر، ولكن إشارة الحياة في ختامها إلى ركن القدر دقيقة وعميقة جدا لا يفهمها كل واحد، وبما أن الإخوة كتبوها فلم أمسّها بشيء حتى تبقى.(المؤلف).

[2] يرد تفصيل ذلك في "النكتة الخامسة" الخاصة بشرح اسم الله "الحي" من "اللمعة الثلاثين" من كتاب "اللمعات".(المؤلف). 




78. صفحة

من العصفور من حيث سعادة الحياة مع أنه أرفع منه بعشرين درجة -مثلا- من حيث رأس المال والأجهزة، وسيصبح أشقى مخلوق وأذله وأعجزه، والعقل الذي هو أعظم نعمة وأغلاها سيصبح أعظم مصيبة وأشد بلاء على الإنسان معذبًا قلبه دومًا ومفسدًا لذته الواحدة بتسعة آلام بالتفكير في أحزان الزمن الماضي ومخاوف المستقبل، وهذا باطل بمائة مرتبة، إذن إن الحياة الدنيوية تثبت ركن الإيمان بالآخرة إثباتًا قاطعًا، وتُري أعينَنا في كل ربيع أكثر من ثلاثمائة ألف نموذج للحشر، فيا ترى أمن الممكن لمتصرف قدير يُعِدّ في جسمك وفي حديقتك وفي وطنك بحكمة ورحمة وعناية جميعَ الأشياء والأجهزة الضرورية والمناسبة لحياتك، ويوصلها في وقتها، حتى إنه يعلم ويسمع الدعاء الخاص والجزئي لمعدتك في الرزق رغبة للبقاء والعيش، ويظهر استجابته لدعائها بما لا حد لها من أطعمة لذيذة، ويُرضيها، أمن الممكن لهذا المتصرف القدير أن لا يعلمك، ولا يراك، ولا يعد الأسباب الضرورية للحياة الأبدية التي هي أعظم غاية لنوع البشر، ولا يستجيب لأعظم دعاء للبشر وأهمه وأجدره وأعمه وهو دعاء البقاء والأبد بإنشاء الحياة الأخروية وإيجاد الجنة، ولا يسمع الدعاء العام القوي الذي هز العرش والفرش للإنسان الذي هو أهم مخلوق في الكون بل سلطان الأرض ونتيجتها، ولا يوليه أهمية ولا يرضيه مثلما يفعله للمعدة الصغيرة، فيسبب لإنكار كمال حكمته ورحمته المطلقة؟ حاشاه مائة ألف مرة حاشاه.

ثم أمن الممكن أن يسمع أخفى صوت لأصغر شيء في الحياة ويسمع لشكواه فيشفيه، ويعامله برفق ويلبي كل رغباته وحاجاته، ويربيه بكمال العناية والاهتمام فيسخر لخدمته كل شيء بدقة واهتمام وعناية، ويسخر له مخلوقاته الكبيرة، ولا يسمع أرفع صوت كهزيم الرعد لأعظم حياة وأغلاها وأدومها وألطفها، ولا يهتم بدعائه المهم جدًّا للبقاء، ولا يبالي بتوسله ودعاءه وتضرعه؟ ويكون مثله كمثل من يقوم بتجهيز وإدارة جندي بكمال الاهتمام، ولا ينظر ولا يهتم بجيش عظيم مطيع، ويرى الذرة ولا يرى الشمس، ويسمع طنين الذباب ولا يسمع الرعد، حاشاه مائة ألف مرة حاشاه!


79. صفحة

فهل يقبل العقل بأي وجه من الوجوه أن يُفني القدير الحكيم ذا الرحمة المطلقة والمحبة غير المحدودة والرأفة غير المتناهية والذي يحب صنعته وإبداعه حبًّا جمًّا، ويحبب نفسه تحبيبًا كثيرًا، ويحب حبًّا كثيرًا مَن يحبونه؛ نقول أمن الممكن أن يفني الحياة المحبة المحبوبة التي تحب القدير الحكيم حبًّا شديدًا أكثر من أي مخلوق آخر والتي تعبد صانعها بفطرتها، وأن يفني الروح التي هي الحياة وجوهرها بالإعدام بالموت الأبدي، وأن يسيء إلى محبه وحبيبه إساءة أبدية، ويجعله مستاء منه، وأن يؤلمه إيلامًا شديدًا، فينكر سر رحمته ونور محبته ويسبب لإنكارهما؟! حاشاه مائة ألف مرة حاشاه، فلا شك ولا ريب أن الجمال المطلق الذي جمل هذا الكون بتجلياته، والرحمة المطلقة التي تبهج جميع المخلوقات منَزَّهان ومقدَّسان بلا نهاية عن مثل هذا الأمر المشين والقبح المطلق والظلم المطلق وعن القسوة.

النتيجة: بما أن في الدنيا حياة؛ فلا شك أن الذين يدركون سر الحياة من الناس ولا يسيئون استعمال حياتهم سينالون الحياة الباقية في دار البقاء والجنة الباقية، آمنّا.

ثم كما أن تلألؤ الأشياء اللامعة على سطح الأرض بانعكاس الشمس، وتلألؤ ما على سطح البحار من الفقاعات والزبد بلمعات الضياء وانطفاءها، وكونها تؤدي وظيفة المرآة لما تعقبها من الفقاعات والزبد والشميسات الخيالية، يدلّ بالبداهة على أن تلك التلمعات ما هي إلا انعكاس لتجليات شمس واحدة مرتفعة، وأنها تذكُر وجود الشمس بألسنتها المختلفة، وتشير إليها بأصابعها النورانية، فكذلك تلألؤ ما على سطح البر وما في البحر من ذوي الحياة بالتجلي الأعظم لاسم المحيي للحي القيوم وبالقدرة الإلهية، ثم اختفاؤها وراء ستار الغيب قائلا "يا حي" كي تفسح مجالا لما يعقبها يشهد شهادات على حياة الحي القيوم ذي الحياة السرمدية ووجوب وجوده ويشير إشارات إليها، وكذا جميع الدلائل التي تشهد على العلم الإلهي الذي تظهر آثاره في تنظيم جميع الموجودات، وجميع البراهين التي تثبت القدرة المتصرفة في الكون، وجميع الحجج التي تثبت الإرادة والمشيئة المسيطرة على تنظيم الكون وإدارته، والعلامات والمعجزات التي تثبت الرسالات التي هي مدار الكلام الرباني والوحي الإلهي، وهكذا جميع الدلائل التي تشهد على

80. صفحة

الصفات الإلهية السبع تدل دلالات على حياة الحي القيوم بالاتفاق وتشهد عليها وتشير إليها؛ لأنه إن كان في الشيء رؤية فإن له حياة أيضًا، وإن كان له السمع فهو علامة الحياة، وإن كان له كلام فهو يشير إلى وجود الحياة، وإن كان له اختيار وإرادة فهي تدل على الحياة، فكذلك ما هو بديهي وجوده ومحقق بآثاره في الكون من القدرة المطلقة والإرادة الشاملة والعلم المحيط وأمثالها من الصفات تشهد بجميع دلائلها على حياة الحي والقيوم ووجوب وجوده، وتشهد على حياته السرمدية التي تنير الكون كله بظل من ظلالها، وتبعث الحياة للدار الآخرة مع ذراتها جميعًا بتجل من تجلياته.

فهي -أي الحياة- تتوجه إلى ركن الإيمان بالملائكة أيضًا، وتثبته رمزًا؛ لأنه بما أن الحياة هي أهم نتيجة في الكون، وأن ذوي الحياة هم أكثر انتشارًا، وأكثر تكثيرًا من نسخهم لأهميتهم والذين يعمرون دار ضيافة الأرض بقوافل قادمة راحلة، وبما أن الكرة الأرضية قد امتلأت بأنواع ذوي الحياة إلى هذا الحد، وتمتلئ وتفرغ دومًا وكل وقت لحكمةِ تجديد وتكثير أنواع ذوي الحياة، وتصبح الأرض محشر حوينات بخلق ذوي الحياة بكثرة حتى في أخس موادها وأكثرها تعفنًا، وبما أنه يُخلق بكثرة كاثرة على هذه الكرة الأرضية الشعور والعقل اللذان هما أصفى خلاصة مصفّاة للحياة، وتُخلق الروح التي هي ألطف وأثبت جوهر لها، فكأن الكرة الأرضية تُبعث فيها الحياة وتعمر وتبتهج بالحياة والعقل والشعور والأرواح،  فلا شك أنه خارج عن الإمكان أن تكون الأجرام السماوية التي هي ألطف وأنور وأكبر من الأرض وأهم منها ميتةً جامدةً بلا حياة ولا شعور.

إذن فلا بد أن هناك سكانًا ذوي شعور وذوي حياة مناسبين للسماوات يعيشون فيها بسر الحياة ويعمرون السماوات والشموس والنجوم، ويبعثون الحياة فيها، ويظهرون نتيجة خلق السماوات، وينالون الخطابات السبحانية، إنهم الملائكة.

ثم إن سر ماهية الحياة تتوجه إلى ركن الإيمان بالأنبياء والرسل، وتثبته رمزًا.

أجل؛ بما أن الكون قد خلق من أجل الحياة، وأن الحياة هي أعظم تجل وأبدع نقش وأجمل إبداع للحي القيوم الأزلي، وبما أن الحياة السرمدية تظهر نفسها بإرسال الرسل

81. صفحة

وإنزال الكتب، فلو لم تكن هناك تلك الكتب ولم يكن أولئك الرسل لما عرفت تلك الحياة الأزلية، فكما أن حياة إنسان تفهم بكلامه، فكذلك فإن الذي يظهر كلمات وخطابات من يتكلم ويأمر وينهى ويخاطب مِن وراء عالم الغيب الذي هو تحت ستار هذا الكون هم الأنبياء والكتب المنزلة في أيديهم؛ فلا شك أن الحياة في الكون كما أنها تشهد شهادة قاطعة على وجوب وجود الحي الأزلي، فإنها تتوجه أيضًا إلى ركن "إرسال الرسل وإنزال الكتب" الذي هو شعاعات للحياة الأزلية وتجلياتها وعلاقاتها معه، وتثبته رمزًا ولا سيما الرسالة المحمدية والوحي القرآني، حيث إنهما بمنزلة روح الحياة وعقلها؛ لذا يمكن القول إن أحقيتهما ثابتة قطعًا كوجود هذه الحياة.

أجل؛ كما أن الحياة خلاصة مترشحة من الكون، والشعور والحس هما خلاصتا الحياة المترشحتان منها، والعقل خلاصة الشعور المترشحة منه ومن الحس، والروح جوهر خالص صاف للحياة وذاتها الثابتة المستقلة؛ كذلك فإن الحياة المحمدية المادية والمعنوية هي خلاصة الخلاصة المترشحة من حياة الكون وروحها، والرسالة المحمدية أصفى خلاصة مترشحة من حس الكون وشعوره وعقله، بل إن الحياة هي حياة الكون بشهادة آثار الحياة المحمدية المادية والمعنوية، والرسالة المحمدية شعور لشعور الكون ونوره، والوحي القرآني روح لحياة الكون وعقل لشعور الكون بشهادة حقائقه ذات الحياة. أجل، أجل، أجل.

فلو خرج نور الرسالة المحمدية من الكون وفارقه لتوفي الكون، ولو ذهب القرآن عن الكون لجن الكون، ولفقد رأس الكرة الأرضية عقله، بل لاصطدم رأسها الذي سيظل بلا شعور بأحد الكواكب، ولقامت القيامة.

ثم إن الحياة تتوجه أيضًا إلى ركن الإيمان بالقدر، وتثبته رمزًا؛ لأنه بما أن الحياة ضياء لعالم الشهادة ومستولية عليه وعامة له، وهي نتيجة الوجود وغايته، وأجمع مرآة لتجليات خالق الكون، وأبدع وأتقن نموذج وفهرس للشئون والإجراءات الربانية، فهي -ولا مشاحّة في التمثيل والتشبيه- بمنزلة برنامج وخطط لها نوعًا ما.

82. صفحة

فلا شك أن سرّ الحياة يقتضي أن تكون مخلوقات عالم الغيب -أي مخلوقات الماضي والمستقبل أي القادمة منها والراحلة- في انتظام ونظام هما بمنزلة الحياة المعنوية لها، ومعلومةً ومشهودةً ومتعيّنة ومهيأة لامتثال الأوامر التكوينية، فكما أن النواة الأصلية للشجرة وجذورها، ونواتها في منتهاها وفي ثمراتها تنال نوعًا من الحياة مثل الشجرة عينها، بل تحمل قوانين حياتية أدق من القوانين الحياتية للشجرة، وكما أن النوى والجذور التي خلفها الخريف الماضي قبل الربيع الحاضر والتي سيخلفها لكثير من الربيع القادم بعد هذا الربيع تحمل تجلي الحياة مثل هذا الربيع، وتخضع وتتبع قوانين الحياة، فكذلك كل غصن وفرع لشجرة الكون له ماضيه ومستقبله، وله سلسلة مكونة من أطواره وأحواله الماضية والقادمة، والوجود المتعدد لكل نوع ولكل جزء يشكل مع أطواره المختلفة في العلم الإلهي سلسلةَ وجود علمي، والوجود العلمي مثل الوجود الخارجي ينال تجليًّا معنويًّا للحياة العامة، حيث إن مقدرات الحياة تؤخذ من تلك الألواح ألواح القدر ذات الحياة والمعنى.

أجل؛ إن امتلاء عالم الأرواح الذي هو نوع من عالم الغيب بالأرواح التي هي عين الحياة ومادتها وجواهرها وذواتها؛ لا شك أنه يقتضي ويستلزم أن تتجلى الحياة في النوع الآخَر والقسم الثاني من عالم الغيب الذي يسمى بالماضي والمستقبل، وإن النظام الأبدع في الوجود العلمي لكل شيء، وأوضاعه ذات المعنى، وثماره وأطواره ذات الحياة تدل على أنه تتجلى على ذلك الشيء الحياة المعنوية نوعا ما.

أجل؛ إن تجليات الحياة أمثال هذه التي هي ضياء شمس الحياة الأزلية لا شك أنها ليست منحصرة في عالم الشهادة والزمان الحاضر والوجود الخارجي هذا ولا مقتصرة عليه، بل ينال كل عالم تجليًّا من تجليات ذلك الضياء حسب قابليته، والكون بجميع عوالمه لا يكون ذا حياة وضياء إلا بذلك التجلي، وإلا لكان كل عالم كما يراه نظر الضلالة جنازةً كبيرة هائلة مفزعة، وعالمًا مظلمًا مدمرا تحت حياة مؤقتة ظاهرية.

وهكذا يفهم بسر الحياة وجه واسع من وجوه ركن الإيمان بالقدر والقضاء ويثبت، أي كما أن عالم الشهادة والأشياء الموجودة الحاضرة تظهر حيويتهما بانتظامهما ونتيجتهما

83. صفحة

فكذلك فإن لمخلوقات الزمن الماضي والمستقبل الذي يعد من عالم الغيب وجودا معنويا ذا حياة معنى، وثبوتا علميا ذا روح، بحيث إنه يظهر ويتجلى أثر تلك الحياة المعنوية باسم المقدرات بواسطة لوح القضاء والقدر.

الجزء الثالث من الذيل

:سؤال بمناسبة مسألة الحشر

 إن بيانات القرآن )إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً([يس:29] و)وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ البَصَرِ ([النحل:77] التي تتكرر تبين أن الحشر الأعظم سيحدث في لحظة فجأة، إلا أن العقل الضيق يريد مثالا مشهودًا كي يذعن لهذه المسألة العجيبة الخارقة البديعة المعجزة التي لا مثيل لها ويقبلها؟

:الجواب: إن في الحشر "ثلاث مسائل"، وهي

 مجيء الروح إلى الأجساد`

وإحياء الأجساد،

وإنشاء الأجساد.

المسألة الأولى: مثال مجيء الروح إلى أجسادها، هو:

اجتماع أفراد جيش كبير منظم تفرقوا وانتشروا في كل النواحي للاستراحة بالصوت العالي للبوق.

أجل؛ إن صور إسرافيل u الذي هو بوقه كما أنه ليس أدنى شأنًا من بوق الجيش؛ فإن الأرواح التي سمعت خطاب )أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ( الذي أتى من جانب الأزل والتي أجابت بـ) قَالُوا بَلَى( بينما كانت في ناحية الأبد وفي عالم الذرة، لا شك أن هذه الأرواح

84. صفحة

أكثر تسخيرًا وانتظامًا وإطاعة من أفراد ذلك الجيش بآلاف المرات، ثم إن "الكلمة الثلاثين" قد أثبتت ببراهين قاطعة أنه ليست الأرواح وحدها جيشا سبحانيا وإنما جميع الذرات كذلك جيش سبحاني وجنود ممتثلون لأوامره.

المسألة الثانية: ومثال إحياء الأجساد هو:

كما أنه يمكن إحياء مئات الآلاف من المصابيح الكهربائية وإنارتها من مركز واحد في مدينة كبيرة جدًّا وفي ليلة احتفال فجأة كأنها من غير زمان، فكذلك يمكن إنارة مئات الملايين من المصابيح التي على سطح الأرض كله من مركز واحد.

وبما أن مخلوقًا من مخلوقات الحق تعالى وخادمًا له وموظفَ إضاءةٍ في دار ضيافته كالكهرباء يتصف بهذه الصفة بما تلقّى من خالقه من درس التربية والانتظام؛ فلا شك أنه يمكن أن يحدث الحشر الأعظم في طرفة عين ضمن القوانين البديعة المنتظمة للحكمة الإلهية التي يمثلها آلاف من خدمه النورانيين كالكهرباء.

المسألة الثالثة: ومثال إنشاء الأجساد دفعة هو:

إنشاء جميع أوراق جميع الأشجار -التي هي أكثر من جميع البشر بألف مرة- فجأة، إنشاء متقنًا في فصل الربيع كمثل الربيع الماضي خلال بضعة أيام، وإيجاد جميع أزهار جميع الأشجار وثمارها وأوراقها كمثل محصولات الربيع الماضي في سرعة البرق، وانتباه ما لا حد له من البذيرات والنوى والجذور التي هي مبدأ ذلك الربيع وانكشافها وإحياؤها فجأة معًا، وتجلي "البعث بعد الموت" على جنائز جميع الأشجار التي هي كجثث الأموات الواقفة التي هي عبارة عن العظام بأمر واحد دفعة ونشرها، وإحياء ما لا حد له من أفراد طوائف الحيوانات الصغيرة جدًّا إحياء في منتهى الإبداع، ولا سيما حشر قبائل الذباب، وبالأخص الأفراد التي تنشر في سنة واحدة لقبيلة الذباب التي أمام أعيننا والتي تمسح وجوهنا وتذكرنا بالوضوء والنظافة بتنظيفها دومًا وجوهها وعيونها وأجنحتها، فمع أن هذه الأفراد أكثر من جميع أفراد بني آدم الذين أتوا منذ آدم u إلى وقتنا الحاضر إلا أن إنشاءها وإحياءها وحشرها في كل ربيع مع قبائلها الأخرى خلال بضعة أيام لا شك أنه ليس مثالا واحدًا فحسب لإنشاء أجساد البشر يوم القيامة بل هو آلاف الأمثلة.


85. صفحة

أجل؛ إن الدنيا دار الحكمة، والآخرة دار القدرة؛ لذا فإن كون إيجاد الأشياء بالتدريج وبمرور الزمن في الدنيا إلى حد ما بمقتضى أسماء كثيرة كالحكيم والمرتب والمدبر والمربي أصبح من مقتضى الحكمة الربانية، أما في الآخرة فإن الأشياء تُنشأ هناك فجأة وفي لحظة دون الحاجة إلى المادة والمدة والزمان والانتظار لتجلي القدرة والرحمة أكثر من الحكمة، فالقرآن المعجز البيان يشير ببيان )وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ( إلى أن الأمور التي تنجز خلال يوم واحد وسنة واحدة في الدنيا تنشأ في الآخرة في آن واحد ولمحة واحدة، فإن شئت أن تدرك مجيء الحشر إدراكًا قاطعًا كمجيء الربيع القادم فأنعم النظر في "الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرين" اللتين تخصان الحشر وأبصر، فإن لم تصدق مجيء الحشر مثلما تصدق مجيء الربيع فتعال وأدخل إصبعك في عينيّ.

أما المسألة الرابعة التي هي موت الدنيا وقيام الساعة فمثالها:

هو أنه يمكن أن يدمر كوكب أو نجم مذنب مسكننا في لحظة إذا ما اصطدم بكرتنا الأرضية ودار ضيافتنا بأمر رباني، كتدمير قصر شُيّد في عشر سنوات في دقيقة واحدة.

الجزء الرابع من الذيل

)قَالَ مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ _ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( [يس:78-79]

فكما ورد في المثال الثالث للحقيقة التاسعة من الكلمة العاشرة، لو أن شخصًا يكوّن جيشًا عظيمًا من جديد في يوم واحد، وإذا قال لك واحدٌ: إن هذا الشخص يجمع بصوت بوقٍ الطوابيرَ التي انتشر أفرادها للاستراحة، فتدخل الطوابير تحت نظامه، فإن قلت: لا أصدّق؛ فإنك تدرك كيف أنك تصرفت بحماقة؛ فكذلك فإن القدير العليم الذي سجل وأدرج بأمر "كُنْ فيكون" اللطائف والذرات في الأجساد الشبيهة بالكتائب لجميع الحيوانات والأحياء الأخرى الشبيهة بالجيش، وأوجد في كل قرن بل في كل ربيع على سطح الأرض طوائف ذوي الحياة وأنواعها الشبيهة بمئات الآلاف من الجيوش هل

86. صفحة

يمكن أن يقال في حق ذلك القدير العليم كيف سيجمع بسور إسرافيل الذرات الأساسية والأجزاء الأصلية التي تعارفت بانتظامها تحت نظام الجسد الشبيه بالكتيبة وهل يمكن أن يُستبعد ذلك منه؛ فإن قيل هذا فهو جنون في بلاهة.

 يذكر القرآن الكريم أحيانًا عجائب أفعال الله الجارية في الدنيا كتمهيد من أجل أن يجعل القلب يقبل أفعاله الخارقة التي ستحدث في الآخرة، وكإعداد من أجل أن يهيِّء الذهن للتصديق، أو يذكر الأفعال العجيبة الإلهية المستقبلية والأخروية بطريقة نقتنع بها بنظائرها الكثيرة التي هي من مشهوداتنا.

مثلا:)أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ([يس:77] إلى آخر السورة، يثبت القرآن الحكيم الحشر في هذا الصدد في مسألة الحشر بسبع أو ثماني صور وبطرز مختلف؛ حيث يعرض النشأة الأولى أمام العيون أولاً ويقول: إنكم ترون نشأتكم من النطفة إلى العلقة، ومن العلقة إلى المضغة، ومن المضغة إلى خلقة الإنسان، فكيف تنكرون إذن النشأة الأخرى؟! هي مثلها بل أهون منها!

ثم بعدما أشار إلى الإحسانات العظيمة التي أحسنها الحق تعالى على الإنسان بكلمة ) الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً ([يس:80] يقول: الذي أنعم عليكم بمثل هذه النعم لن يترككم سدى حتى تدخلوا القبر وتناموا دون أن تقوموا.

ثم يقول رمزا: إنكم ترون إحياء الأشجار الميتة واخضرارها، وكيف لا تستطيعون قياس العظام الشبيهة بالحطب عليها فتستبعدون إحياءها؟!

ثم هل يعجز الذي خلق السماوات والأرض عن إحياء وإماتة الإنسان الذي هو ثمرة السماوات والأرض؟!

فالذي يهتم ويعتني بشجرة ضخمة هل يهمل ثمرتها ويتركها للآخرين؟! وهل تظنون أنه يجعل عبثا وسائبة "شجرة الخلقة" التي عُجِنت بجميع أجزائها بالحكمة بتركه جميع نتائج تلك الشجرة؟!

فإن الذي سيحييكم في الحشر هو من تخضع له جميع الكائنات كجنود مطيعين، وتحني رأسها أمام أمر "كن فيكون" بكمال الانقياد، وخلق ربيع أهون عليه كخلق زهرة،

87. صفحة

وخلق جميع الحيوانات سهل على قدرته كخلق ذبابة، ولا نتحدى قدرة من يتصف بهذه الأوصاف قائلين "من يحيي العظام" للتعجيز.

ثم إنه يقول بتعبير ) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ([يس:83] إنه جل وعلا القدير ذو الجلال الذي بيده زمام كل شيء، وعنده مفاتيح كل شيء، يقلب الليل والنهار والشتاء والصيف بسهولة كسهولة تقليب صفحات كتاب، والدنيا والآخرة أمام قدرته كمنزلين يغلق هذا ويفتح ذاك.

بما أن الأمور هكذا فنتيجة لجميع الدلائل "وإليه ترجعون" أي إنه سيحييكم بعد القبر ويأتي بكم إلى الحشر وسيحاسبكم في حضرته الجليلة.

فإن هذه الآيات هيأت الذهن لقبول الحشر، وجهَّزت القلب؛ إذ أظهرت نظائره في الأفعال الدنيوية.

ثم إن القرآن الكريم يذكر في بعض الأحايين أفعال الله الأخروية العجيبة بطريقة تُشعِر بنظائرها الدنيوية حتى لا يبقى مجال للاستبعاد والإنكار.     

مثلا: )إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ([التكوير:1] )إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ([الانفطار:1] )إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ([الانشقاق:1] ففي هذه السور يذكر الانقلابات العظيمة وتصرفات الربوبية التي ستحدث في القيامة والحشر بطريقة يقبل الإنسان بسهولة معها تلك الانقلابات التي تُذهِل القلب ولا يستوعبها العقل، وذلك لأنه رأى نظائرها في الدنيا في الخريف والربيع مثلا.

يطول بنا الحديث في هذا الموضوع بل يطول حتى الإشارة إلى المعاني المجملة لتلك السور إشارة خفيفة؛ لذا سنذكر كلمة واحدة فحسب كنموذج، فمثلا: تفيد كلمة )إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ([التكوير:10] أنه تُنشَر جميع أعمال الكل في الحشر مكتوبةً على صحيفة، وهذه المسألة ولأنها عجيبة جدا بحد ذاتها فالعقل لا يستطيع وحده أن يجد لها سبيلا، ولكن نظير نشر الصحف ظاهر جدا في حشر الربيع كما تظهر معها نظائر

88. صفحة

لنقاط أخرى كما تشير إليه السورة؛ لأن لكل شجرة مثمرة ولكل عشب مزهر أعمالاً وأفعالاً ووظائف، ولها عبوديات حسبما سبَّحت مُظهِرةً عليها الأسماء الإلهية، فجميع أعمالها تلك تُكتَب مع سيرها الذاتية في جميع نواها وبذيراتها وتَخرج وتظهر في ربيع آخر وفي أرض أخرى، وهي كما أنها تَذكُر بصورة فصيحة جدا أعمال أجدادها وأصولها بلسان الشكل والصورة التي تبديها؛ كذلك تنشر صحائف أعمالها بفروعها وأغصانها وأوراقها وأزهارها وثمارها، فالذي يفعل ويقوم بهذه الأمور في حكمة وحفيظية وتدبير وتربية ولطف أمام عيوننا وأبصارنا هو من يقول: "إذا الصحف نشرت"، فقس سائر النقاط على ذلك، واستنبط إن كانت لك قدرة.

ولمساعدتك سنقول الآتي: كما أن هذا الكلام أي "إذا الشمس كورت" يشير بلفظ "التكوير" أي اللف والطي والجمع إلى ثمثيل باهر؛ فيومئ كذلك إلى نظيره.

الأول: أجل؛ إن الحق تعالى قد فتح من عنده ستر العدم والأثير والسماء وأخرج من خزانة رحمته سراجًا كالشمس الشبيهة بجوهرة تضيء الدنيا، وأظهر ذلك السراج للدنيا، وبعدما تغلق الدنيا سيلفّ تلك الجوهرة في ستره وسيرفعها.

والثاني: كما أن الشمس مأمورة موظفة بنشر متاع الضياء وبلفّ الضياء والظلمة بالتناوب على رأس الأرض، وأن الحق تعالى يجعل تلك الموظفة في كل مساء تجمع متاعها وتختفي، وأحيانا تكون في الأخذ والرد مع ستار سحب، ويكون القمر ستارا أمام وجهها أحيانا أخرى، فهي تنفض يدها من عملها شيئا ما وتجمع متاعها وسجل أعمالها؛ كذلك فإن تلك المأمورة ستنفصل يومًا ما عن تلك المأمورية بلا شك، حتى وإن لم يكن هنالك سبب لعزلها فإن الشامَتين الصغيرتين حاليًا على وجهها واللتين ما زالتا تميلان إلى الكبر شيئا فشيئا ستكبران، وستطوي الشمس بأمر رباني ضوءها الذي لفّته على رأس الأرض بإذن إلهي، ويلف الحق تعالى هذا الضوء على رأس الشمس ويقول لها: لم يبق لكِ عمل على الأرض، هيا اذهبي إلى جهنم واحرقي من عبدوكِ وحقَّروا وأهانوا مأمورًا مسخرًا مثلك متهمين إياه بالخيانة وعدم الوفاء، وبهذا تقرأ الشمس على وجهها المبقع فرمان "إذا الشمس كورت".


89. صفحة

الجزء الخامس من الذيل

إن مائة وأربعة وعشرين ألفا من الأنبياء عليهم السلام وهم أفضل البشر وصفوتهم بنص الحديث يخبرون بالإجماع والتواتر متفقين مستندين بعضُهم إلى الشهود والبعض الآخر إلى حق اليقين عن وجود الآخرة، وأن الناس سيساقون هناك، وأن خالق الكون سيأتي بالآخرة التي وعد بها وعدًا قاطعًا، وإن مائة وأربعة وعشرين مليونًا من الأولياء الذين يصدقون عن كشف وشهود بصورة علم اليقين بما أخبر به الأنبياء يشهدون على وجود تلك الآخرة.

وإن جميع أسماء الصانع الحكيم لهذا الكون تدل على وجود الآخرة بما تظهر من تجليات في هذه الدنيا؛ لأنها تقتضي بالبداهة وجود عالَمِ بقاءٍ وخلودٍ.

وإن القدرة الأزلية غير المحدودة التي تحيي بأمر "كُنْ فَيَكُونُ" في كل ربيع من كل سنة جنائز الأشجار الميتة المنتصبة الواقفة التي لا حد لها على وجه البسيطة، وتجعلها تنال من تجليات "البعث بعد الموت"، وتَحشُر ثلاثمائة ألف نوع من أنواع طوائف النباتات وأمم الحيوانات وتنشرها كمئات الآلاف من نماذج الحشر والنشر، وإن الحكمة الأبدية غير المحدودة التي لا إسراف فيها، والرحمة الباقية السرمدية والعناية الدائمة التي ترزق وتغذي جميع ذوي الأرواح المفتقرة إلى الرزق بكمال الشفقة رزقًا وتغذية لا مثيل لهما وتُظهِر ما لا حد له من أنواع الزينة والمحاسن في مدة قصيرة في كل ربيع تستلزم بالبداهة وجود الآخرة، وإن عشق البقاء والرغبةَ في الأبد والشوقَ إليه والآمال السرمدية الشديدة الثابتة الراسخة الدائمة الكامنة في الإنسان -الذي هو أبدع ثمرة لهذا الكون وأحب مصنوع إلى خالق الكون، والذي هو أكثر علاقة وارتباطًا بموجودات الكون- تثبت بإشارتها ودلالتها بالبداهة إثباتًا قاطعًا أن هناك عالم بقاء وخلود ودار آخرة ودار سعادة بعد هذا العالم الفاني، فتستلزم قبول وجود الآخرة بالبداهة كوجود الدنيا[1].


[1] يتبين في هذا المثال كون الإخبار عن أمر ثابت سهلا جدًّا، وكون إنكاره ونفيه صعبًا ومشكلا جدًّا، وذلك:

 إذا قال أحد الناس إن هناك على سطح الأرض كله حديقة رائعة بديعة ثمارها كعلب الحليب، وقال آخر لا، لا توجد، فالمثبت يثبت دعواه بسهولة بإراءته مكان تلك الحديقة أو إظهار بعض ثمارها، أما المنكر فلكي يثبت نفيه وإنكاره يجب أن يَرى ويُري الكرة الأرضية كلها، كذلك فإن شهادة الذين يخبرون عن وجود الجنة على ثبوته كافية لإثباته مع شاهدين صادقين بغض النظر عما يبينون ويظهرون من مئات الآلاف من ترشحات الجنة وثمارها وآثارها، أما المنكر فيمكن أن يثبت إنكاره ويبين عدم وجود الجنة إذا ما شاهد الكون غير المتناهي والزمان الأبدي غير المحدود وغربلهما، فيا أيها الإخوة الشيوخ أدركوا مدى قوة الإيمان بالآخرة. (المؤلف).




90. صفحة

بما أن أهم درس يعلمنا إياه القرآن الحكيم هو الإيمان بالآخرة، وإن هذا الإيمان قوي إلى هذا الحد، وفيه رجاء وسلوان حتى إذا أصابت الشخص الواحد مائة ألف شيخوخة فإن السلوان المنبعث من هذا الإيمان يكفيها، فنحن الشيوخ يجب أن نفرح بشيخوختنا قائلين "الحمد لله على كمال الإيمان".