خدمة رسائل النور

10. صفحة

خدمة رسائل النور

لقد عبر الإمام بديع الزمان عن الفتنة الشديدة التي ابتلي بها أهل الإيمان بعدما سافر إلى أنقرة بدعوة من الحكومة بعد حرب التحرير بقوله “سافرت إلى أنقرة في سنة (1338هـ/1922م)، وشاهدت أن فكرة الزندقة الرهيبة تسعى إلى التسلل بمكر ودهاء - بغية الإفساد والتسميم - إلى الأفكار القوية لأهل الإيمان الذين يفرحون لغلبة جيش الإسلام على اليونان، فتأوَّهت وقلت: هذه الأفعى ستتعرض لأركان الإيمان”.

ومع الأسف الشديد وقع فعلاً ما كان يَخشى وقوعَه الإمامُ بديع الزمان، وقد تعرَّضت الأفعى لأركان الإيمان.

وقد تحدث الأستاذ في أثناء إقامته في “وان” بعد عودته من “أنقرة” عن تجربة نفيه في “إسبارطة” فقال:

“أحمد الله مائة ألف مرة، وأقول - تحدثًا بالنعمة - إن جميع مضايقاتهم واستبداداتهم تصبح كالحطب لإشعال نار الهمة والغيرة؛ لتزيد أنوار القرآن سطوعًا، فتلك الأنوار القرآنية التي قوبلت بالمضايقات وانبسطت بحرارة الغيرة والهمة جعلت جميع هذه الولاية بل أكثر المدن في حكم مدرسة، ولم تنحصر في بارلا وحدها، إنهم يحسبون أنني محبوس في القرية، إلا أن تلك القرية “بارلا” أصبحت منصَّةَ درسٍ رغم أنف الزنادقة، وكثير من الأماكن كـ“إسبارطة” أصبح مدرسةً، فالحمد لله هذا من فضل ربي.” 

وبدأ بتأليف رسائل النور في هذه الناحية الصغيرة الموجودة على قمة جبل، فقدَّم بمؤلفاته وآثاره التي كل منها وصفات قرآنية التشخيصَ والعلاج لأمراض هذا العصر المعنوية، ولجميع طبقات البشر وأهل الإيمان، فأصبح كل من رسائل النور ومنهج دعوة الإمام اللذين قُدِّمَا للبشرية والمسلمين بمنزلة ترياق وأدوية معنوية لملايين من الناس، فجعلا المخططات السرية الخبيثة عقيمة ولا جدوى مرجوة منها، وواهية أوهى من بيت العنكبوت لا أثر لها بإذن الله..

ويعبر الإمام بديع الزمان عن مدى تأثير رسائل النور والغاية التي تستهدفها بقوله: “إن رسائل النور لا ترمم تخريبات جزئية أو منزلا صغيرا، بل ترمم تخريبات كلية، وقلعة عظيمة محيطة تحيط بالإسلام، أحجارها ولبناتها ضخمة ضخامة الجبال، وهي لا تُصلِح قلبا وضميرا واحدا معينًا، بل تسعى بإعجاز القرآن لمعالجة القلب الاجتماعي، وأفكار المجتمع التي طُعنت بطعنات قاتلة بآلات مُفسِدة، حُشِدت وجُمِعت منذ ألف سنة، ولا سيما الضمير العمومي الذي طفق يفسُد نتيجة الضعف الذي أصاب الأسس والتيارات والشعائر الإسلامية التي هي نقطة استناد لعوام المؤمنين، وتسعى لمعالجة الجروح الغائرة لتلك القلوب والأفكار والضمائر بأدوية القرآن والإيمان.

إذن فلا شك من وجود أجهزة وحجج في درجة حق اليقين، وفي قوة الجبال الراسيات، ووجود ما لا حد له من علاج وأدوية مجرَّبة يحمل كل واحد منها قوة وخاصية ألف دواء لمعالجة مثل هذه الطعنات والجروح الكلية الغائرة، فرسائل النور ـ التي ظهرت من الإعجاز المعنوي للقرآن المعجز البيان ـ تؤدي تلك الوظيفة في هذا الزمان، فضلا عن أنها مدار للترقيات والانكشافات فيما لا حدَّ له من مراتب الإيمان”.

فرسائل النور ودعوتها التي تستمد كلَّ قوَّتِها من القرآن قد نالت من الله التوفيق الذي لا يوجد له نظير في التاريخ الإسلامي بعد عصر السعادة وخير القرون، مقارنة بمناهج الدعوة وأساليبها المتبعة، وبالمؤلفات الأخرى التي كتبت في العهد نفسه في العالم الإسلامي.

فالإمام بديع الزمان الذي عبَّر عن قوَّةِ هذا التفسير القرآني بقوله: “إن رسائل النور لا تنطفئ ولا يمكن إطفاؤها، ورسائل النور نور يسطع كلما حاولوا إطفاءها، وإن رسائل النور كشَّاف يكشف عن معمى طلسم الكون ويحله”؛ قد نال التوفيق على الرغم من الاستبداد والظلم اللذين أحاطا به، وعلى الرغم من أنه سُمِّم مرات عديدة، وألقي به في غياهب السجون والزنزانات، وقضى عمره في المنافي، ولم تستطع دوامة الظلم والاستبداد الذي تعرض له أن تمنع من أن يكون سببًا لشفاء صدور أهل الإيمان، ودواء همومهم، بل لم يعبأ بالظلم الذي تعرض له، وتحدَّى قوى الظلم إلى آخر نَفَس من أنفاسه، فقد أجرى معه الصحفي المعروف أشرف أديب لقاء صحفيا عام 1952م، وكان عمره حينئذ 76 عامًا إلا أن هذا العمر لم يمنعه من أن يقول : “ليتني أتعرض لألف ضِعف من هذه المشقة والظلم ولكن يبقى مستقبل قلعة الإيمان في أمن وسلام” فأثبت أن الهمة والشعلة التي بدأت في روحه منذ نصف قرن ما زالت مستمرة متوهجة.