الحفاظ على الحروف القرآنية

18. صفحة

الحفاظ على القراءة والكتابة بالحروف القرآنية

إن الإمام بديع الزمان سعيد النورسي وتلامذته يهتمون بتعليم ما يسمى بـ “اللغة العثمانية” ونشرها بين شعب تركيا، وهي في حقيقتها ليست إلا القراءة والكتابة بـ “الحروف القرآنية”.

وهذا العمل له أبعاد علمية وثقافية وسياسية خطيرة حيث إن شرْحه وإيضاحه يتطلب مئات من الصفحات وقد لمحنا إليه تحت عنوان محاربة البدع، ونحن بدورنا سنشير هنا إلى ما في هذه القضية من نقاط رئيسة، ونحيل القارئ الكريم إلى ما بينه الإمام المجدد بديع الزمان سعيد النورسي في رسائله المسماة “برسائل النور”، حيث سطر مئات من الصفحات في بيان وإيضاح أهمية هذه القضية التي كانت منسيةً بين أبناء من حملوا راية الإسلام قرابة ألف سنة.

إن الإمام بديع الزمان رحمه الله قد اهتم بالحروف العربية اهتماما بالغا، وجعلها من أهم القضايا الرئيسة التي تبناها ودافع عنها وربَّى تلامذته عليها، حيث كان يصب اهتمامه في الدفاع عن السنة النبوية وشعائر الإسلام وإحيائها ومحاربة البدع؛ لذا نجده يسمي الحروف التي كتب بها شعب تركيا منذ ألف سنة “الحروف القرآنية” أو “الحروف الإسلامية” ولم يقل “الحروف العربية” أو “العثمانية” إلا نادرا، وبضرورة السياق، وكان يقول: “إن وظيفة مهمة من وظائف رسائل النور هي الحفاظ على الحروف العربية التي هي خط وكتابة أغلب دول العالم الإسلامي”. 

هذا الاهتمام له جذور لا تنتهي عند الإمام النورسي وحده، بل تمتد عبر القرون الإسلامية إلى أبعد منه بكثير؛ حيث اهتم بها علماء المسلمين على اختلاف أوطانهم ولغاتهم وعصورهم؛ إذ كلما دخل قوم من أقوام غير العرب الإسلامَ اهتموا بتعلم الحروف القرآنية وعدوها قضية من القضايا المتعلقة بالإسلام بجانب قضايا إسلامية كثيرة أخرى، حيث كانوا يرون الحروف القرآنية شعيرة من شعائر الإسلام التي تُذكِّرهم بدينهم وقرآنهم ورسولهم، وتلفت نظرهم إلى ما بينهم من نقاط الوحدة والاتحاد على اختلاف بلادهم ولغاتهم، حتى جاء عهد الاستعمار وانقطعت الصلة بين المسلمين وبين كثير من قضاياهم، فأصبحت تلك القضية من القضايا المنسية.

لذا تجد أقوام الشرق الأقصى من ماليزيين وأندونيسيين وطايلانديين وغيرهم كتبوا وقرأوا لغاتهم بالحروف القرآنية مع أن لغاتهم ليست اللغة العربية، وكذلك مسلمو الصين وتركستان الشرقية وباكستان وأفغانستان وإيران ودول آسيا الوسطى الكثيرة، ودول إفريقيا متأثرون باستخدام الدولة العثمانية الحروف القرآنية في كتابتها اللغة التركية طوال العصور مع أنها دولة تركية.

وهنا نذكر حواراً خطيرا دار بين مفتى أوزبكستان وكان مفتيا عامًّا لجميع دول آسيا الوسطى، وبين أحد الأتـراك، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث قال للمفتي: إذا نشرتم الحروف اللاتينية في دول آسيا الوسطى التي تتكلم باللغة التركية فسيكون هذا سبب اتحاد مائة وخمسين مليون تركي، فرد عليه المفتي ردا تاريخيًّا وقال: أنتم إذا قبلتم ونشرتم الحروف القرآنية فسيكون هذا سبب اتحاد مليار ونصف المليار من المسلمين.    

وقد كرّس الإمام النورسي مع تلامذته مجهودات لا مثيل لها في سبيل هذه القضية؛ حيث ألَّف كل مؤلفاته البالغة أربعة عشر مجلدا بالحروف القرآنية وباستنساخ اليد، حتى وصل عدد المجلدات المستنسَخة سرًا وبخط اليد إلى أكثر من مليون نسخة، ولم يسمح بطبعها بالحروف اللاتينية إلا في أواخر أيام حياته، وبقدر الضرورة؛ حتى يجلب أنظار الجيل الجديد إلى تلك الحروف القرآنية، ووضَعَ كتابة واستنساخ الحقائق الإيمانية والقرآنية التي وردت في رسائل النور شرطا من الشروط الأساسية لطلاب رسائل النور حيث قال:      

 “إن أهم وظيفة لمن انتسب إلى رسائل النور هي كتابتها واستنساخها أو جعل الآخرين يكتبونها ويستنسخونها، والسعي لنشرها، فالذي يستنسخها أو يجعل الآخرين يستنسخونها يكتسب عنوان (طالب رسائل النور).

فمن هذا المنطلق يهتم جميع تلاميذ الإمام النورسي رجالا ونساء وأطفالا وشبابا وشيوخا بتعلّم وتعليم القراءة والكتابة بالحروف العربية التي يصفونها بـ“الحروف القرآنية”.