مدرسة الزهراء
التنقل
3. صفحة
مدرسة الزهراء
إن الحلّ – من وجهة نظر الإمام بديع الزمان - حيال تخطيطات الأعداء الداخلية والخارجية لإسقاط الدولة العثمانية، ومن ثَمَّ لمحو الإسلام؛ هو نشر التعليم القوي الذي يلبِّي متطلبات العصر الراهن، والذي يتخذ اتفاق القلب والعقل أساسًا له، ويجعل المسلمين يتفوقون على الغرب فكرًا وعلمًا، وكان يرى – رحمه الله - أن ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الحديثة، فبامتزاجهما تتجلّى الحقيقة، فتتربّى همة الطالب، وتعلو بكلا الجناحين، وبافتراقهما يتولَّد التعصب في الأولى، والحيل والشبهات في الثانية.
ومن هذا المنطلق طرح الإمام بديع الزمان فكرة ضرورة تأسيس الجامعة الإسلامية في شرق تركيا التي أَطلَق عليها اسم “مدرسة الزهراء”، التي وصفها بأنها ستكون أختًا لجامعة الأزهر، فأتى إلى إستانبول لتحقيق فكرته هذه، وأعلنت الجرائد والصحف آنذاك لقرائها عن مجيئه قائلةً: “إنه طلع في آفاق إستانبول شعلة ذكاء تُعدّ من نوادر الخلقة، إنَّه “سعيد النورسي” ذلك الرجل الذي طلع كالشمس من ذروة جبال الشرق الشاهقة ”.
والأستاذ نفسه علّق لوحة على باب غرفته في “خَان الشَّكَرْجِي” الذي أقام فيه في حي الفاتح، وكتب فيها: “هنا تُحَلّ كل مشكلة، ويجاب عن كل سؤال، ولا يُسألُ أحدٌ سؤالا”، وبالفعل أجاب عن أسئلة علماء إستانبول الذين وصلت إليهم شهرته، وبلغهم صِيته، وجاءوا لزيارته متلهّفين، وكان قصده في ذلك أن يلفت نظر مركز الخلافة إلى أهل شرق تركيا، وأن يجد دعمًا للمدرسة الزهراء التي كان يخطط لتأسيسها في مدينة “وان” أو مدينة “ديار بكر”.
إن الإمام بديع الزمان الذي كان يرى الحل الوحيد للتخلص من الدوامة التي تدور فيها الدولة العثمانية هو في الدراسة القوية، وكان يرى مثل هذه الخدمة التي تجعل أبناء هذه الدولة النبيلة - التي قامت بوظيفة حامل لواء الإسلام خلال العصور الماضية – يعودون إلى قيمهم من جديد؛ أساسًا لحياته.
وقد أجرى له السلطان - بواسطة وزير الداخلية - مرتَّبًا شهريًّا وإحسانات عظيمة، إلا أنه رفض ذلك؛ إذ إنه لم يكن يريد أية منفعة شخصية، بل كان يريد أن يساعدوه في تأسيس جامعته “مدرسة الزهراء” التي تدرَّس فيها العلوم الدينية وعلوم المدنية الحاضرة معًا، لكن لم يُعِر أحد لفكرته اهتمامًا.
ثم إن الأستاذ المحترم الذي لم يجد الدعم الذي يريده من الدولة التي تأثرت كثيرًا بأحوال العالم الذي أصبح مشهدًا للمؤامرات القبيحة للعالَم الغربي في أوائل القرن العشرين؛ فضَّل وآثر أن يبقى في إستانبول - مركز الخلافة الإسلامية - وأن يخدم الدين بواسطة السياسة بدلاً من أن يرجع إلى بلده مرة أخرى، وكتب مقالات في الصحف، وقابل شخصيات من السياسيين ونصحهم، وكان له دور بارز في تهدئة الجماهير في اجتماعاتهم ومظاهراتهم، وأسَّس جمعية “الاتحاد المحمَّدي” مع أصدقائه بعد إعلان المشروطية، وتوسعت دائرة هذه الجمعية في وقت وجيز، حتى إن خمسين ألف شخص قد انضموا إلى هذه الجمعية في مدينَتَي “آدا بازاري” و“إزميت” وما حواليهما بسبب مقالة واحدة له.


