محكمة دنيزلي وآفيون والنفي إلى أميرداغ
التنقل
8. صفحة
محكمة “دنيزلي” و“آفيون” والنفي إلى “أميرداغ”
و في سنة 1943م سيق إلى المحكمة الجنائية الكبرى لولاية “دنيزلي” مع مائة وستة وعشرين من طلابه، وطلبت المحكمة من العلماء الكبار وأساتذة الجامعة تحقيق شأن الرسائل، والتثبُّت من أمرها، وفي النهاية وصل هؤلاء المتحققون المتخصصون إلى نتيجة ساطعة، وهي: “إن الإمام بديع الزمان ليس له غرض سياسي، ولا يقوم بنشاط تصوّفي، وإن رسائل النور كتب علمية وإيمانية وتفسير للقرآن الكريم”، وحُكم ببراءته نتيجة ذلك التقرير من المتخصصين ونتيجة دفاعات الإمام في المحكمة عام 1944م.
وفي أثناء بقائه في السجن خلال تسعة أشهر حيل دون مقابلته لتلاميذه، وعُرِّض للمشقات العديدة وسُمِّم.
وعلى الرغم من كل ذلك فإنه صبر ونجا بعون الله من تأثير السمّ، ثم أقام بعدما خرج من السجن في ولاية “دنيزلي” لمدة شهرين، وانتقل إلى منفى آخر، إلى “أميرداغ”.
إن انتشار دعوة النور استمرّ في “أميرداغ” على الرغم من كل المعاناة وكل المشقات، وكان هناك من يزورونه، وكان تلاميذه يأتون إليه بالرسائل التي استنسخوها باليد، وهو بدوره يقوم بمراجعتها وتصحيحها، وكثيرًا ما كان يذهب إلى التلال والحقول، ورجال الدولة يراقبونه، ويقف أفراد الشرطة أمام بيته دائمًا.
وفي أواخر سنة 1947م قُبض عليه مع طلابه في المدن المختلفة ورحِّلوا إلى ولاية “آفيون”، والتهمة لم تتغير، فهي كسابقاتها وهي : “أنه ضدّ النظام” و“يؤسس جمعية سياسية سرية”، واستمرت المحاكمة عشرين شهرًا، ثم حُكم لهم بالبراءة.
وفي سنة 1950م بدأت فترة تعدد الأحزاب السياسية في تركيا، وفاز الحزب الديمقراطي في الانتخابات ووصل إلى الحكم، وأصبح هذا التغير الذي حدث في عالم السياسة سببًا للحرية والراحة للإمام بديع الزمان ولطلابه إلى حدٍّ ما؛ نقول “إلى حد ما”؛ إذ لم تنته المعاناة والمحاكمات نهائيًا، وظل الإمام بديع الزمان مقيمًا في “أميرداغ” بعد انتهاء محكمة “آفيون” بقرار البراءة.
وبعد مجيء الحزب الديمقراطي إلى الحكم سافر إلى “أسكي شهر”، وبعد مدة انتقل إلى “إسبارطة”، وقام برعاية طلابه والاهتمام بزوّاره هناك.
وفي سنة 1952م رُفعت ضده دعوى بسبب طباعة كتابه “مرشد الشباب” في “إستانبول” بالحروف الجديدة (أي الحروف اللاتينية)، فجاء إلى “إستانبول” مرة أخرى من أجل المحاكمة بعد 27 سنة من مغادرته لها، وتوافد طلابه ومعارفه القدماء بازدحام على الفندق الذي كان يقيم فيه، واستمرت المحاكمة وهو غير معتقل ثلاثة أشهر، وحكم له بالبراءة مرة أخرى، ورجع إلى “أميرداغ” بعد المحكمة.
وبينما كان يتجول وحده في الحدائق والبساتين جاءته الشرطة العسكرية وأخذته إلى المخفر بسبب عدم ارتدائه القبعة (1953م)، وبسبب هذه الحادثة كتب خطابًا وأرسله إلى وزارة العدل وإلى وزارة الداخلية، ونُشِر هذا الخطاب في جريدة محلية في تلك الولاية من قبل طلابه، ومن ثَمَّ رُفعت ضده قضية في ولاية “سامسون” واستُدعِي إليها، وكان قد أرسل إليهم تقريرًا طبيًّا يبين عدم قدرته على الذهاب إلى المحكمة؛ لأنه كان مريضا وطاعنا في السن؛ حيث كان عمره حينئذ ثمانين سنة، وأصرَّت المحكمة على مجيئه على الرغم من التقرير الطبِّي، ولما جاء إلى “إستانبول” ليسافر منها إلى “سامسون” اشتد مرضه، فأرسل إلى “سامسون” تقريرا طبّيا آخر يبين عدم قدرته على السفر لا بالبر ولا بالبحر ولا بالجو، وفي النهاية انتهت المحكمة إلى براءته.
وفي ربيع سنة 1953م مكث ثلاثة أشهر في إستانبول، وهناك شارك في احتفالات أقيمت بمناسبة الذكرى السنوية لفتح “إستانبول”، ثم بعد ذلك انتقل إلى “أميرداغ” و“أسكي شهر” ومن هناك إلى “إسبارطة”، وذهب مع طلابه إلى “بارلا” حيث منفاه الأول، ومحلُّ تأليف الرسائل.


