انتشار دعوة رسائل النور وأحمد خسرو آلتين باشاق

19. صفحة

انتشار دعوة رسائل النور وأحمد خسرو آلتين باشاق

قاوم الإمام بديع الزمان مع تلاميذ ـ في بداية أعوام سقوط الخلافة العثمانية العظمى ـ كل التيارات المعادية للإسلام بمجاهداته وبدعوته التي كانت تحتضن العالم الإسلامي كله في تلك الأوقات الصعبة القاسية، التي كان يتجنب فيها كثير من الناس النضال جهارًا، وكان أقل تحرك لحساب الإسلام حينئذ يُكَلِّفُ أثمانا باهظة.

وبينما لفّ اليأس الكثيرين وشملهم، ودق أوتاده وشد أطنابه على قلوبهم؛ كان هو وتلاميذه ينظرون إلى المستقبل بأمل وعزم وثبات، ويجاهدون ويناضلون بكل قوتهم وجهودهم من أجل إنقاذ الجيل الجديد من فتن آخر الزمان التي عمَّت زمانهم، ولبَّدت سماء عصرهم.

وكان طلاب النور في سبيل ذلك يُتَّهمون من أجل الحفاظ على الحقائق الإيمانية والشعائر الإسلامية والإعلان عنهما بتهم تأسيس جمعية غير قانونية، والمطالبة بحكم الشريعة وممارسة نشاطات تتعلق بتغيير المبادئ الأساسية للدولة بغية إقامة الخلافة الإسلامية، ويساقون من محكمة إلى محكمة ويُزَجُّ بهم في السجون، فيبقون فيها سنوات عديدة ثم يخرجون، فيدفعون ـ من جرَّاء دعوتهم هذه ـ ألوانًا من الأثمان الباهظة بحياة السجون والمنفى التي يواجهونها، وبشلل حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ومع كل هذا كانوا يثبتون على دعوتهم بما يأخذونه من فيض من رسائل النور.

ويصور الإمام الكبير بطل المعاناة هذه اللوحة في سيرته الذاتية فيقول:

“إنني لا أعرف طوال عمري البالغ نيفًا وثمانين سنة عن متع الدنيا شيئًا، قضيت كل حياتي في ميادين الحرب، وزنزانات الأسر، أو سجون البلاد ومحاكمها، وما من لون من ألوان المعاناة والأذى إلا وتجرَّعته، عوملت في المحاكم العسكرية وكأنني مجرم، ونفيت في طول البلاد وعرضها كالمشردين، ومُنعتُ من مخالطة الناس شهورًا في زنزانات البلاد، وسُمِّمتُ مرارًا، وتعرضت لإهانات متـنوعة.”

وتحت كل هذه الظروف والمعاناة كان الأستاذ بديع الزمان يرسل الرسائل التي ألفها في هذا السياق القاسي في أجزاء متفرقة إلى مركز الدعوة النورية (إسبارطة) ، إلى الأستاذ أحمد خسرو آلتين باشاق الذي شارك الإمام في حياته المليئة بالمعاناة، وشاركه نفس الغايات، وبقي بجواره دومًا، والذي حُكِمَ عليه بالإعدام مع إمامه وطلاب النور الصادقين في محاكم مدن أسكي شهر ودنيزلي وأفيون، والذي سمم مع الإمام وطلاب النور في سجن دنيزلي، وحفظهم الله جميعا في هذه المحنة، إلا أن الحافظ علي وقع شهيدًا من بينهم في هذه الحادثة، رحمة الله عليه.

وكانت رسائل النور تُسْتَنْسخُ نسخًا كثيرة باليد من قبل طلاب النور من ناحية، وبآلة النسخ من ناحية أخرى تحت إشراف الأستاذ أحمد خُسرَوْ، وترسل إلى كافة أنحاء البلاد، وجميع خطابات طلاب النور في جميع أنحاء البلاد كانت تصل إلى الإمام بواسطته هو، وكان يرد على هذه الخطابات بنفسه في كثير من المرات بناء على رغبة الإمام، وتكليفه له بذلك.

ويتحدث الإمام بديع الزمان عن وظيفة الأستاذ أحمد خُسْرَوْ الذي لقَّبه بـ “مصنع الوَرْد” من حيث إدارته دعوة النور وتنسيقها، فيقول:

“إننا نبارك خسرو في التصحيح والتوزيع والتدبير والمخابرة، ونشر الأنوار، وإيصالها، إلى الآخرين وندعو له بالتوفيق، ونحن نرى مع هذه الوظائف المهمة كتابات قلمه البديع اللطيف في كثير من النسخ التي كتبها ... وإن فكر خسروْ العالي جدًّا وذا الكرامة والصواب والنفع الدائم ثمين وذو قيمة في خدمة القرآن”.

إن الإمام بديع الزمان - الذي أعطى الأستاذَ أحمد خسرو صلاحية لم يعطها لأي تلميذ آخر من تلامذته، وهي صلاحية التدخل في رسائل النور قائلا: “يمكن أن يُعدِّل خسرو ويبدل ويصحح المواضع التي يراها غير مناسبة”- قد أبان عن الموقع الخطير الشأن للأستاذ أحمد خسرو في خدمة نشر رسائل النور حين أراد أن يفدي الإمام ويموت بدلا منه عندما سمِّمَ في محافظة أميرطاغ وهو منفي فيها؛ بهذا الجواب الذي رد به عليه، وأشار إشارة مهمة متوجهة إلى المستقبل فقال : “إن بطل رسائل النور خسرو يريد أن يموت ويمرض بدلا مني بإخلاص وصدق من صميم قلبه، وأنا أقول: الوقت وقت النشر وليس وقت التأليف، وإن حياتك مفيدة ونافعة في الدعوة النورية أكثر من حياتي المليئة بالعذاب والمشقة، كما أن كتابتك أجمل وأنفع للنشر من كتابتي، فلو كان باستطاعتي أن أعطيك من حياتي وصحتي لأعطيتك بكل السرور والرضا”.