سنوات الحرب
التنقل
5. صفحة
سنوات الحرب
شارك الأستاذ بديع الزمان - رحمه الله - في الحرب العالمية الأولى قائدًا لكتيبة كوَّنها من طلابه، ودافع عن شرق البلاد ضدّ الروس والأرمن، وفي أثناء الحرب وفي الخندق وتحت مطر من الرصاص وقربه الشديد من الشهادة، وفي ظروف لا يمكن فيها التأليف ألّف كتاب “إشارات الإعجاز” - الذي يُعدُّ من روائع علم التفسير - بعناية إلهية وفي صورة سنوحات قلبية.
وفي أثناء احتلال الروس لمدينة “بتليس” أُسر مصابًا بالجروح، ثم سيق إلى “سيبريا”، وظلَّ في الأسر هناك لمدة سنتين ونصف.
وفي أثناء أسره لم يقعد دون حِرَاكٍ، بل سعى لتوعية الأسرى بنصائحه الدينية، وفي النهاية تمكّن من الفرار، وعاد إلى إستانبول عن طريق “بيترس بورج” و“وارسوا” و“فيينا” بتاريخ 25 يونيو 1918م، وزاره كثيرون من الشعب والجيش وأركان الدولة، ولم يتركوه وحيدًا.
وبعد عودته فوجئ الإمام بديع الزمان بتعيينه عضوًا في “دار الحكمة الإسلامية” التي هي بمنزلة دار الإفتاء حاليًا والتي تجمع تحت سقفها كبار العلماء في الدولة العثمانية آنذاك.
خرجت الدولة العثمانية من الحرب العالمية الأولى مهزومة، ولم يمض وقت طويل حتى بدأ الإنجليز والفرنسيون والإيطاليون واليونان في احتلال أراضي الدولة العثمانية، وإزاء هذا بدأت نشاطات حرب التحرير في كل أنحاء تركيا، وقام الإمام بديع الزمان بأعمال ضدّ الإنجليز في السنوات التي احتل فيها الإنجليز العاصمة “إستانبول”، وشجّع ودعم حركة “القوى المليّة” القائمة ضد المحتلين في جميع أنحاء تركيا.
وقد استحسنت حكومة “أنقرة” نشاطات الإمام بديع الزمان، ودعته إلى “أنقرة”، وبناءً على هذه الدعوة رحل الإمام بديع الزمان إلى “أنقرة”، فاستُقبِل استقبالاً حارًّا فيها، وأقيم له حفل استقبال رسمي في مجلس الشعب، إلا أن الإمام بديع الزمان لم ترضه الحال في “أنقرة” ولم يَرُقْه الوضع هناك حيث رأى أن كثيرًا من النواب لا يهتمون بالدين ولا بالصلاة، فبيّن لهم أهميّة الصلاة في بيان كتبه من عشر فقرات، فكثُر عدد المصلين بعد هذا البيان، ولم يعجب تأثيره هذا أركانَ الحكومة بل قلقوا منه، ووقع الخلاف بينه وبينهم.
وعلى الرغم من انتصار الجيش التركي في حرب التحرير، وطَرْدِ قوات الاحتلال، فإن الإمام بديع الزمان بقي حزينا مهموما؛ إذ رأى عن كثب انتشارَ وغزو العقلية الأوربية والطرز الأوربي للحياة شيئًا فشيئًا، ورأى ضعفَ الاعتقاد والتمسّك بالإسلام، فقرّر العودة إلى “وان” حيث لم يعجبه وضع “أنقرة”، ولم يتراجع عن قراره على الرغم من العروض المغرية الكثيرة التي عُرِضَتْ عليه كوظيفة النيابة في مجلس الشعب، وعضوية الاستشارة في رئاسة الشئون الدينية، ووظيفة الخطيب العام للولايات الشرقية، فسافر إلى “وان”.
بدأ يعيش حياة العزلة في جبل “أرك” في “وان” حيث كان يقوم بإلقاء المحاضرات الدينية والنصائح والدروس، وفي الوقت نفسه كان يقوم بمراجعة نفسه ومحاسبتها.
ودفعه تأثير الشيخوخة من جهة، وعدم حصوله على نتائج في أي من نشاطاته السياسية من جهة أخرى إلى حياة العزلة، وكأنه شعر في هذه الفترة –روحيًا- بأن انقلابًا معنويًّا عظيمًا سيحدث، وكأنه كان ينتظر الوظيفة التي سيوظفه فيها القدر.
ولم يمض وقت طويل حتى اندلعت ثورة “الشيخ سعيد”([1]) ولكنها أُخمدت بعد إراقة الدماء الكثيرة، وعلى الرغم من أن الإمام بديع الزمان لم تكن له علاقة بهذه الثورة ولم يكن يستحسنها؛ فإنه نُفِيَ على إثرها إلى “إستانبول” في سنة 1925م، ومن إستانبول إلى “بُورْدُور” ثم “إسبارطة”، وأجبروه على الإقامة في “بارلا”، وهي قرية صغيرة تابعة لولاية “إسبارطة”؛ حتى يتمكنوا من مراقبة كل أحواله، والحيلولة دون اختلاطه بالناس.
([1]) هو الشيخ سعيد بيران، كان رئيسا لإحدى العشائر الكردية، وقاد ثورته تعبيرا عن السخط والغضب الذي بدأ يسري في أوساط الشعب من توجهات الحكومة المعادية للدين آنذاك.


