سياحة الوداع

9. صفحة

سياحة الوداع

وفي بداية سنة 1960م كان عالم السياسة مائجا مضطربًا في تركيا، وذهب الإمام بديع الزمان إلى أنقرة ثلاث مرات لينبّه ويحذّر الحكومة ويخبرها بالكوارث التي اقتربت، إلا أنه لم يحصل على نتيجة لمساعيه المخلصة؛ بل حال وزير الداخلية دون قدوم الإمام الإمام بديع الزمان إلى “أنقرة” في تاريخ 11 يناير 1960م، وأوصوه بأن يرجع إلى “أميرداغ” وأن يقيم فيها، خاضعين لتهديدات الحزب الشعبي.

وبعدما أدى الإمام بديع الزمان واجبه أقام في “أميرداغ” بعض الوقت، ثم رجع إلى “إسبارطة”، وكأنه بعد هذا التاريخ قد بدأ يودّع ما حوله حيث كان يتحدث بكثرة عن الموت والقبر في وصاياه، فكان يقول أنه مستعدّ للارتحال إلى الآخرة باطمئنان قلب، بسبب تأليف رسائل النور، وتربية أياد قوية تتبنى دعوة الإيمان والقرآن.

وبعد ما حالوا دون دخوله “أنقرة” قرّر فجأة أن يسافر من “أميرداغ” إلى “أورفا”.

ووصل الإمام إلى ولاية “أُورْفا” بعد سفر شاق دام خمسا وعشرين ساعة بسبب اشتداد مرضه، وبسبب مراقبة الشرطة المستمرة له، واستقر في فندق “إِبَكْ بالاس” وقابل كل من جاء لزيارته من أهل “أُورْفا” على الرغم من مرضه الشديد، وودّعهم واحدًا فواحدًا، إِلاَّ أَنَّ الحكومة قد ضغطت على والي “أورْفا” وطلبت منه مغادرة الإمام بديع الزمان لـ“أورْفا” فورًا.

أما أهل “أُورْفا” الذين سمعوا أن الإمام سيغادر “أورْفا” فضغطوا من جانبهم على الإدارة بشدة حتى يمنعوا مغادرته، وعلى الرغم من كل تلك المحاولات فإن الحكومة كانت مصرّة على نقل الإمام من“أورْفا” باستخدام قوة الشرطة، إلا أنه لقي ربه فجر يوم 23 مارس عام 1960م الموافق 25 رمضان من عام 1379 الهجري، وصلَّى على إمامِ العصر حشدٌ كبير في جامع “أولو” يوم الخميس الموافق 24 مارس 1960م، وجيء بجثمانه إلى مقبرة “خليل الرحمن” ودُفن في منزله المؤقت، وبعد وفاة الإمام بشهرين في 27 مايو حدث انقلاب عسكري، ومن ثَمَّ بدأت فترة ظلم جديدة مظلمة في البلاد؛ وبلغ هذا الظلم من شدته إلى حدِّ أن تعدَّوا على قبر حضرة الإمام في تاريخ 12 تموز 1960م؛ فأخذوا جثمانه المبارك ونقلوه إلى مكان مجهول.