وظيفته التجديدية

13. صفحة

وظيفته التجديدية

إن الإمام بديع الزمان ورسائل النور التي ألفها قد نالا شرف التجديد الذي ذُكِر في الحديث الشريف“إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” بفضل التأثير الذي أحدثاه في القلوب والعقول، وبتقديمهما القرآن الكريم بأسلوب يناسب ويلائم فهم وإدراك هذا العصر.

 ويوضح الأستاذ الإمام بديع الزمان حالته الروحية التي أعدَّته لحمل هذا الشرف ـ شرف التجديد ـ الذي وجد قبولا عند العلماء بقوله:

“قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، وإبّان نشوبها رأيت في رؤيا صادقة الآتي:

رأيت نفسي تحت “جبل آرارات” وإذا بالجبل ينفلق انفلاقاً هائلاً، فيقذف صخوراً عظيمة كالجبال إلى أنحاء الأرض كافة، وأنا في هذه الرهبة التي غشيتني رأيت والدتي - رحمة الله عليها – بجواري، فقلت لها:

- لا تخافي يا أماه! إنه أمر الله، إنه رحيم وحكيم.

 وبينما أنا بتلك الحالة إذا بشخص عظيم يأمرني قائلاً: بيّن إعجاز القرآن.

فأفقتُ من نومي، وأدركتُ أنه سيحدث انفلاق عظيم، وستتهدم الأسوار التي تحيط بالقرآن الكريم بسبب ذلك الانفلاق والانقلاب العظيم، وسيتولى القرآن بنفسه الدفاع عن نفسه حيث سيكون هدفاً للهجوم، وسيكون إعجازه حصنه الفولاذي، وسيكون شخص مثلي مرشحاً للقيام ببيان نوع من هذا الإعجاز في هذا الزمان - بما يفوق حدّي وطاقتي كثيراً - وأدركتُ أني مرشح للقيام بهذا العمل.”

“أجل؛ إن هذا الزمان يحتاج إلى مجدد مهم جدًّا من أجل الإيمان والدين، والحياة الاجتماعية، وإقامة الشريعة، والحقوق العامة، والسياسة الإسلامية، ولكن التجديد القائم على الحفاظ على الحقائق الإيمانية- التي هي أهم هذه النقاط المذكورة- هو أقدس أنواع التجديد وأعظمها وأجلُّها، حيث إن إقامة الشريعة والحياة الاجتماعية والسياسية تبقى في الدرجة الثانية والثالثة والرابعة بالنسبة لها، أما الاهتمام الكبير الوارد في روايات الأحاديث بتجديد الدين فهو يعني التجديد في الحقائق الإيمانية؛ إلا أن دائرة الحياة الاجتماعية الإسلامية، والحياة السياسية الدينية، الواسعة في ظاهرها والجذَّابةَ من حيث السيطرة والحكم؛ تبدو الأهم في الرأي العام، وفي نظر من يضعون الحياة موضع اهتمام كبير؛ إذ لا ينظرون إلا من خلال هذه العدسة ومن هذه الزاوية فلا يفهمون الحديث إلا حسب هذه النظرة.

ولله الشكر بلا حد أن جعل الشخص المعنوي للطلاب الحقيقيين لرسائل النور في هذا الزمان يقوم بوظيفة التجديد في الحفاظ على الحقائق الإيمانية، حيث يشهد أربعون ألف رجل على أن ذلك الشخص المعنوي لهم تصدى منذ عشرين سنة للهجوم العنيف القوي من الزندقة والضلال تصديا كبيرا، بمنشوراته المؤثرة ذات الفتوح الربانية في تلك الوظيفة القدسية، وأنه أنقذ إيمان مئات الآلاف من أهل الإيمان، وينبغي ألا يُهتمَّ وألا يُنظر إلى شخص عاجز ضعيف لا حول له ولا قوة مثلي على أنه حمل وحده ثقلا يفوق طاقته وحدّه بآلاف المرات”.

ويبين الإمام بديع الزمان سعيد النورسي في رسالة أخرى له أن العصر عصر الجماعة، ويركز في أمر التجديد على رسائل النور وعلى الشخصية المعنوية لطلاب رسائل النور، ولا يظهر نفسه ولا يقدمها، ثم يؤكد النقاط التالية:

إن ما ترون من مزايا ليس لي، بل لرسائل النور التي هي تفسير لحقيقة واحدة من حقائق القرآن الحكيم، وكما جاء في كل عصر مجددون خدموا الدين والإيمان خدمة تامة؛ فكذلك يجب أن يصبح شخص معنوي مجددًا في هذا العصر عصر العجائب، وعصر التجمعات، وعصر سيطرة الشخص المعنوي للضلالة على الأمور، ولا يشبه هذا العصر العصور الماضية، فمهما يكن الشخص فذًّا خارقًا في هذا العصر فإنه يمكن أن ينهزم أمام الشخص المعنوي.

فمن المحتمل احتمالا قويًّا من هذه الناحية أن تكون رسائل النور مجددًا نوعًا ما؛ لذا فليست تلك المزايا لي، بل يمكن أن تكون حياتي نواة لرسائل النور نوعًا ما كما كتبتُ مرَّاتٍ عديدة، فتلك النواة يجعلها الحق تعالى شجرةً مثمرةً قيمةً عظيمة لرسائل النور بفيض القرآن وبرحمة وإحسان منه تعالى، وما كنت إلا نواة، ثم تفسَّخت وماتت تلك النواة؛ لذا فإن جميع المزايا والمحاسن إنما هي لرسائل النور التي هي تفسير القرآن الحكيم.