ذيل الكلمة الخامسة عشرة

82. صفحة

ذيل

الكلمة الخامسة عشرة

[المبحث الأول للمكتوب السادس والعشرين]

بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

﴿وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ (سورة الإسراء: ١٧/٤٤)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

(سورة فصلت: ٤١/٣٦)

حجة القرآن على الشيطان وحزبه..

المبحث الأول الذي ألزم إبليس وأفحم الشيطان وأسكت أهل الطغيان: واقعةٌ ردت دسيسةً مدهشة للشيطان بصورة قطعية في محاكمة محايدة، كنت قد كتبت قسمًا مجملاً من تلك الواقعة في “اللَّمعات” قبل عشر سنوات، وذلك أنني كنت أستمع إلى حفاظ القرآن الكريم قبل تأليف هذه الرسالة بإحدى عشرة سنة، في شهر رمضان الشريف، بجامع بايزيد الشريف بإسطنبول؛ وإذ بي كأني أسمع صوتًا معنويًا لشخص لم أره، فجذب ذهني إليه، فاستمعت إليه بخيالي، فرأيته يخاطبني فيقول:

إنك ترى القرآن ساميًا للغاية وساطعًا نيرًا جدًّا، فَهَلاَّ قرأتَهُ في ضوء محاكمة محايدة ونظرت إليه من خلالها، أي؛ افترض أنه كلام بشر، وانظر، فيا ترى هل ستجد فيه تلك المزايا والمحاسن؟

83. صفحة

وأنا بدوري -حقيقةً- انخدعت وافترضته كلامَ بشر، ونظرت فيه، فرأيت كما أنه إذا أُطفِئت مفاتيح المصابيح الكهربائية لجامع بايزيد كيف يخيمُ الظلام على كل أرجائه، فكذلك بهذا الافتراض بدأت الأنوار الساطعة للقرآن في الاختفاء، وعندها فهمت أن الذي يتحدث معي هو الشيطان، يريد أن يوقعني في الورطة([1])، فاستمددت العون من القرآن الكريم، وإذا بنور وَرَدَ قلبي ومَنَحَني قوة قاطعة للدفاع، ووقتئذ بدأتُ المناظرة مع الشيطان هكذا:

 قلت: أيها الشيطان، إن المحاكمة المحايدة هي وضعٌ وسطٌ بين طرفين، بيد أن المحاكمة المحايدة التي تدعيها أنت وتلاميذك من الإنس هي التزام للطرف المخالف، وليست محايدة بل هي إلحاد مؤقَّت؛ لأن النظر إلى القرآن على أنه كلام بشر وتصوّره بهذه الصورة إنما هو اتخاذ الطرف المخالف كأساس، والتزام الباطل، وهي ليست بمحاكمة محايدة، بل انحياز للباطل.

فقال الشيطان: إذن فلا تقل إنه كلام الله ولا كلام بشر، وافترضه في الوسط، وانظر إليه بهذا الاعتبار.

فقلت: إن هذا أيضا لا يمكن؛ لأنه إن وُجد مال متنازَع فيه، فإذا كان المدعيان قريبين من بعضهما، وكان هناك قربٌ مكانيٌّ، فوقتئذ سيودع ذلك المال إما في يد أحد غيرهما، وإما يودع في مكان تصل إليه أيديهما، فأيهما أثبتَ دعواهُ أَخَذَهُ.

أما إن كان المدعيان متباعدين كل البعد، أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، وقتها سيعطى لمن هو “صاحب اليد([2]) حسب القاعدة؛ لأنه لا يمكن تركه في الوسط بينهما.

نعم؛ إن القرآن مال قيّم، وإن ذلكما الطرفين بعيدان بعضهما عن بعض كبعد كلام البشر عن كلام الله، بل بعيدان عن بعضهما بُعدًا مطلقًا؛ لهذا لا يمكن تركه وسط كلا الطرفين البعيدين عن بعضهما بُعد الثَّرَى عن الثُّرَيَّا([3])، وكذا فإنه لا وسط بينهما؛ لأنهما متضادان كالوجود والعدم وكالنقيضين، فلا يمكن أن يكون هناك وسط بينهما.


[1]          )) الورطة: الأزمة والمشكلة.

 

[2]          )) صاحب اليد: مصطلح فقهي يطلق على من بيده المال حال التنازع فيه بينه وبين غيره.

 

[3]      )) بعد الثرى عن الثريا:أي بينهما فرق كبير جدا, والثرى التراب المبلل, والثريا نجم في السماء.

 

ا.

84. صفحة

إذن فـ“صاحب اليد” بالنسبة للقرآن هو الطرف الإلهي، ولهذا يجب أن يُعْتَرَف أنه في يده، ثم ينظر إلى دلائل الإثبات على ذلك، فإذا أبطل ودحض الطرف الآخر كل البراهين التي تدل على أنه كلام الله واحدًا فواحدًا؛ فيمكنه إذن أن يمد يده إليه، وإن لم يفعل فلن يستطيع أن يمدها.

هيهات! فأية يد يمكنها أن تُسقِط هذه الدُّرة المعظمة التي ثُبِّتَتْ على العرش المعظم بدُسُر([1]) آلاف البراهين القطعية، وأنَّى لها([2]) أن تفك تلك الدُّسُر وأن تقطع تلك الأوتاد؟

فهكذا أيها الشيطان، إن أهل الحق والإنصاف -رغم أنفك- يوازنون بمحاكمة ذات حقيقة على هذه الصورة، بل إن إيمانهم بالقرآن يزيد حتى بأدنى دليل.

أما الطريق الذي بينته أنت وتلاميذك -لو فرض أنه كلام بشر مرة واحدة- أي إذا طرحت تلك الدرة المعظمة المتعلقة بالعرش أرضًا؛ فينبغي أن يكون هناك برهان واحد بقوة جميع الدُّسُرِ وبمتانة كثير من البراهين حتى يرفعها ويثبتها على العرش المعنوي؛ وذلك حتى يتخلص من ظلمات الكفر، ويبلغ أنوار إيمانه، مع أن التوفيق لهذا صعب للغاية؛ لذا يفقد الكثيرون في هذا الزمان إيمانهم بسبب دسيستك هذه باسم محاكمة محايدة.

عاد الشيطان وقال: إن القرآن يشبه كلام البشر، وإنه على صورة محاوراتهم، إذن فهو كلام البشر، فلو كان كلامَ اللهِ لكان على صورة خارقة للعادة تليق به من كل جهة، فإن كانت صنعته لا تشبه صنعة البشر فينبغي ألا يشبه كلامُه كلامَ البشر كذلك.

فقلت جوابًا: إن رسولنا عليه الصلاة والسلام كان يبقى في حدود البشرية في أحواله وأفعاله وأطواره ما عدا معجزاته وخصائصه، وكان منقادا ومطيعا كالبشر للعادات الإلهية والأوامر التكوينية، فهو يعاني البرد ويقاسي الألم، وهكذا فإنه لم يُعطَ حالةً خارقةً للعادة في كل حال من أحواله وطور من أطواره؛ حتى يكون إمامًا لأمته


[1]          )) الدسر:جمع دسار، وهو المسمار وحبل من ليف تشد به الواح السفينة.

 

[2]          )) أنى لها: كيف لها.

 


85. صفحة

بأفعاله ومرشدًا بأطواره وأن يعطي درسًا بكل حركاته، ولو كان خارقًا للعادة في كل أطواره؛ لَمَا تَسَنَّى([1]) له أن يكون إمامًا بالذات من كل جهة، ولَمَا تَسَنَّى له أن يكون مرشدًا مطلقًا للكل، ولَمَا تَسَنَّى له أن يكون رحمة للعالمين بجميع أحواله.

كذلك فإن القرآن الحكيم هو إمام لأهل الشعور ومرشد للجن والإنس، ودليل لأهل الكمال ومعلم لأهل الحقيقة، فإذن ينبغي ويتحتم أن يكون بأسلوب محاورات البشر وطرزهم؛ لأن الجن والإنس يأخذون منه مناجاتهم ويتعلمون منه أدعيتهم ويذكرون مسائلهم بلسانه، ويتعلمون منه أدب معاشراتهم وهكذا، فإن الكل يتخذه مرجعًا؛ لذا فلو كان بطراز كلام الله الذي سمعه موسى عليه السلام في طور سيناء لما استطاع أن يتحمل البشر سماعه واستماعه، ولما استطاعوا أن يتخذوه مرجعا لهم؛ إذ إن موسى عليه السلام الذي هو من أولي العزم ما استطاع أن يتحمل إلا نَزْرًا من كلامه، فقد قال موسى عليه السلام: [أهكذا كلامك..! قال الله عز وجل: لي قوة جميع الألسنة].

عاد الشيطان وقال مرة أخرى: إن كثيرًا من الناس يذكرون مسائل متعددة باسم الدين كذكر القرآن لمسائله؛ لذا ألا يمكن أن يقوم بمثل هذا بشرٌ باسم الدين؟

قلت جوابًا بنور القرآن:

أولاً: إن رجلاً متدينًا بمحبته للدين يقول: إن الحق كذا، والحقيقة هي هذه، وأمر الله هكذا، فلا يُنطِقُ اللهَ على هوى نفسه، ولا يتجاوز حده تجاوزًا بلا حد، فَيُقلِّدَ الله ويتكلم بدلاً منه، فيرتجف([2]) من دستور([3]): ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ (سورة الزمر: ٣٩/٣٢)

ثانيًا: لا يمكن أن يقومَ بشر بمثل هذا وينجحَ ويوفقَ فيه وحده أبدًا، بل هو محال مائة بالمائة؛ لأن الأشخاص المتقاربين من بعضهم بعضا يمكنهم أن يُحاكوا بعضهم بعضا، والذين هم من جنس واحد يمكنهم أن يتقمصوا صورة بعضهم بعضًا، والذين هم متقاربون مرتبة من بعضهم بعضا يمكنهم أن يتقلدوا مقامات بعضهم بعضا، ويستغفلون


[1]          )) لما تسنى له: لما أمكنه.

 

[2]          )) يرتجف: يتعد ويرتعش ويخاف.

 

[3]          )) دستور: قانون.

 

ن


86. صفحة

الناس مؤقتًا، ولكنهم لا يستطيعون استغفالهم على الدوام؛ لأن التَّصَنُّعَات والتكلفات التي تظهر في أطوارهم وأحوالهم تُظهِرُ أنهم مخادعون غشاشون عند نظر المتيقظين، وعلى كل حال فلا تدوم حيلهم.

ولكن الذي يحاول التقليد بالخداع والحيلة إن كان بعيدا غاية البعد عن الآخر- مثلاً: إن أراد أن يحاول رجل عامي تقليد داهية كابن سيناء في العلم، أو إن أراد أن يتخذ راع وضع سلطان ما- فلا يستطيع أن يخدع أحدًا البتة، بل يكون سخرية ومهزلة، وستصرخ كل حال من أحواله: إنه مخادع وغشاش.

فهكذا إذا افترض أن القرآن كلام بشر -حاشا مائة ألف مرة- فكما أن تتظاهر يراعة عند أهل الأرصاد بأنها نجم حقيقي لمدة ألف سنة بلا تكلف، وكما أن تتظاهر ذبابة لدى أهل المشاهدة كصورة طاوس تظاهرا تامًّا بلا تصنّع سنة واحدة، وكما أن انتحال جندي عامي مخادع غشاش لشخصيّة مشير مشهور سام، وجلوسه في مقامه، وبقاءه على هذه الحالة زمانا طويلا، مع إخفاء حيلته تماما، وكما أن اتخاذ رجل مُفْتَرٍ لا اعتقاد له مدة عمره كلِّه دائمًا لدى الأنظار المدققة بلا اضطراب كيفيةَ ووضعَ شخصٍ أكثر صدقًا وأكثر أمانة وأقوى عقيدة، واستتار([1]) تصنعه هذا عن أنظار الدهاة محال مائة بالمائة ولا يمكن أن يقول ذو عقل: هذا ممكن.

وحتى إن افتراضه كذلك هذيان كافتراض محال - بداهة - أنه واقع.

كذلك فإن افتراض أن القرآن كلامُ بشر يقتضي أن تكون ماهية الكتاب المبين -الذي هو نجمُ حقيقة لامعٌ ساطعٌ ينشر دائمًا أنوار الحقائق في سماء عالم الإسلام بالمشاهدة، بل الذي يعد شمسًا للكمالات؛ اختراعاتٍ مشوبةً([2]) بالخرافات لبشر متصنع في حكم يراعة - حاشا لله - ويقتضي كذلك ألا يتنبه له المقربون إليه والمدققون فيه، وأن يعرفوه نجمًا ساميًا على الدوام ومنبعًا للحقائق.

وهذا - الافتراض - فضلاً عن أنه محال مائة في المائة؛ فإنك أيها الشيطان وإن تماديت([3]) في شيطنتك مائة مرة فلا يمكنك أن تجعل ذلك ممكنًا، ولا يمكنك أن تخدع


[1]          )) استتار: اختفاء.

 

[2]          )) مشوبة: مختلطة.

 

[3]          )) تماديت: استمررت.

 


87. صفحة

أي عقلٍ لم يفسد بعد، ولكنك تخدع الناس بعد أن تجعلهم ينظرون من بعيد جدًّا، وهكذا تريهم النجمَ صغيرًا جدًّا كاليراعة.

ثالثًا:كذلك يقتضي افتراض أن القرآن كلامُ بشر: أن تكون الحقيقة الخفية لهذا الفرقان المعجز البيان الحافل([1]) بالمزايا العالية، الذي هو أجمع الكتب جامعية وأكثرها حقيقة وأصدقها، والذي ينفخ في عالم الإنسانية الروح، ويبعث فيها الحياة ويوصلها إلى السعادة الخالدة أكثر من أي كتاب آخر كما هو مشاهَد بآثاره وتأثيراته ونتائجه؛ نقول يقتضي أن تكون - حاشا لله - اختلاقًا لأفكار عادية مزيفة، لإنسان لا علم له ولا معين.

ويقتضي ذلك الافتراض ألا يرى الأذكياءُ العظماء والدهاة الفطنون، الذين يتفحصونه([2]) عن قرب، والذين يتنبهون إليه بنظرات ثاقبة، ألا يروا - في أي زمان ومن أية وجهة - أثر الاختلاق والخداع والتَّصَنُّعِ فيه، ويجدوا فيه دائمًا الجدية والصدق والإخلاص.

وهذا مع أنه محال مائة في المائة، فضلاً عن أنه يكون افتراض شخص أظهر ودَرَّسَ بكل أحواله وأقواله وحركاته طوال حياته الأمانة والإيمان والأمن والإخلاص والجدية والاستقامة، والذي ربى الصديقين، والذي اعتبر وقُبل أنه أعظم وأسطع وأعلى خَصْلة([3])، نعم؛ إن افتراض مثل هذا الشخص أنه لا يوثق به ولا إخلاص له ولا اعتقاد له هذيانٌ كفريٌّ؛ كقبول افتراضِ محالٍ فوق محال على أنه واقعٌ، وذلك يُخجِلُ حتى الشيطانَ؛ لأنه لا وسط لهذه القضية؛ إذ إنه- بفرض محال - إن لم يكن هذا القرآن كلاما لله يسقط كسقوطه من العرش إلى الأرض، ولا يبقى في الوسط، ويكون منبعَ خرافات في حين أنه مجمع الحقائق، وكذا إن لم يكن ذلكم الشخص الذي يُظهر الفرمان الخارقَ رسولُ اللهِ -حاشا ثم حاشا- فيلزم سقوطه من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، ومن درجة منبع الكمالات إلى مقام معدن الدسائس([4])، ولا يبقى في الوسط؛ إذ إنه من كذب على الله وافترى يسقط إلى أدنى الدركات.


[1]          )) الحافل: المليء

 

[2]          )) يتفحصونه: يدققون النظر فيه.

 

[3]          )) خصلة: صفة.

 

[4]          )) الدسائس: جمع دسيسة، وهي النميمة، وما أضمر من العداوة.

 


ش

88. صفحة


وكما أنه محال رؤية ذبابة على صورة طاوس دائمًا ومشاهدة أوصاف الطاووس الرفيعة عليها في كل وقت، فهذه المسألة من المحال أيضا، ولا يمكن أن يعطيها احتمالاً إلا من كان مجنونًا مخبولاً سكرانًا بليدًا بفطرته.

رابعًا: وكذا يقتضي افتراض أن القرآن كلامُ بشر أن يكون القرآن الذي هو قائد مقدس للأمة المحمدية التي هي جيش معظم كبير لنوع بني آدم، والذي هو بالمشاهدة بقوانينه القوية وبدساتيره المتقنة المتينة وبأوامره النافذة ينظم ذلك الجيش المعظم الكبير ويجعله منضبطًا، ويجهزه ماديًّا ومعنويًّا بحيث يستطيع أن يفتح كلا العالَمَيْنِ؛ ويعلّم عقول كل الأفراد حسب درجاتهم ويربّي قلوبهم، ويسخر أرواحهم ويطهر ضمائرهم، ويستعمل ويستخدم أعضاءهم وجوارحهم، فَكَلامٌ هذه صفاته حاشاه أن يكون - حاشاه مائة ألف حاشا - كلامًا مُلَفَّقًا لا قوة له ولا قيمة ولا أصل.

فضلاً عن هذا فإن الشخص الذي علّم بني آدم قوانين الحق تعالى بحركاته الجادة طيلة حياته، وعلّم البشر دساتير الحقيقة بأفعاله الصادقة، والذي أظهر أسس وأصول الاستقامة والسعادة بأقواله الخالصة والمعقولة، والذي كان يخاف من عذاب الله خوفا شديدا بشهادة كل سيرة حياته، والذي كان يعرف الله ويُعرِّفه أكثر من أي أحد، والذي كان قائدا لخمس البشر ونصف الكرة الأرضية مدة ألف وثلاثمائة وخمسين عاماً([1]) بكمال الهيبة والعظمة والذي ضجَّ العالَمُ به، والذي كان حقًّا مدارَ فخر للبشرية -بل لكل الكون- بإجراءاته وتأثيراته المشتهِرة، هذا حاشاه أن يُفْتَرَضَ - حاشاه مائة ألف مرة - مخادعًا لا يخاف الله ولا يعرفه ولا يعرف قدره، وكأنه في درجة عادية للإنسانية، مما يعني ارتكاب مائة محال دفعة واحدة؛ لأنه لا وسط لهذه المسألة، فلو لم يكن - بفرض محال- القرآن كلام الله وسقط من العرش فلا يمكنه أن يبقى في الوسط، بل يلزم قبوله بأنه بضاعة أحد الكذابين في الأرض، وعلى هذا - يا أيها الشيطان - وإن أصبحت أنت شيطانًا مضاعفًا مائة مرة، فإنك لا تستطيع أن تخدع به عقلا لم يفسد، ولا تستطيع أن تقنع به قلبًا لم يتفسخ([2]).


[1]          )) في أثناء تأليف هذه الرسالة.

 

[2]          )) يتفسخ: يفسد.

 

خ.

89. صفحة

فعاد الشيطان وقال: كيف لا أستطيع أن أخدع؟ وقد جعلتُ أكثر الناس وأشهر العاقلين منهم ينكرون القرآن ومحمدًا؟

 

 

الجواب:

أولاً: إذا نُظِرَ من مسافة بعيدة غاية البعد يمكن أن يُرى أَكْبَرُ شيء كأصغر شيء، حتى يمكن أن يقال عن نجمة إنها بقدر شمعة.

ثانيًا: وكذا إذا نُظر بنظر تبعي وسطحي يمكن أن يُرى شيءٌ مستحيل أنه ممكن، كان قد نظر رجل هَرِمٌ([1])ذات مرة إلى السماء لرؤية هلال رمضان، ووقعت على عينه شعرة بيضاء فظن أنها القمر، فقال: إنني رأيت القمر! فمن المحال أن يكون الهلال تلك الشعرة البيضاء، لكنه تلقى ذلك المحال ممكنًا؛ لأنه كان يرى تلك الشعرة برؤية تبعية ثانوية، وبطريقة غير مباشرة عندما كان ينظر قصدًا وبالذات إلى القمر.

ثالثًا: وكذا فإن عدم القبول شيءٌ، والإنكار شيءٌ آخر، فعدم القبول هو اللامبالاة، وهو إغماض العين، وعدم الاكْتِرَاثِ([2]) بجهالة؛ إذ يمكن أن تختفي تحته كثير من الأشياء المستحيلة، ولا ينشغل بها عقلُ من يفكر هكذا.

أما الإنكار فهو ليس بعدم القبول، بل هو قبول العدم، فهو حكم يضطر صاحبه إلى إشغال عقله به، وعليه يَسْلُبُ منه شيطانٌ مثلُك عَقلَه ثم يخدعه بالإنكار.

وكذا أيها الشيطان، قد خدعت هذه الحيوانات التي هي على صورة إنسان شقي بدسائس شيطانية تظهر الباطل حقا والمحال ممكنا كالغفلة والضلالة والسفسطة والعناد والمغالطة والمكابرة والإغفال والتقليد، فَأَلْقَمْتَهُم([3]) الإنكار والكفر اللذين يولدان كثيرًا من المحالات.

 رابعًا: وكذا يقتضي افتراضُ أن القرآن كلامُ بشر: استلزامَ أن يُتَصوَّرَ كتابٌ يرشد - كما هو مشاهد - الأصفياء والصديقين والأقطاب الذين يتألقون في سماء


[1]          )) هرم: مسن عجوز.

 

[2]          )) الاكتراث: الاهتمام والمبالاة.

 

[3]          )) ألقمتهم: أطعمتهم؛ والمرد هنا غذيتهم بالكفر.

 

ء


90. صفحة

عالم الإنسانية كالنجوم، ويُعلِّم دائمًا - بالبداهة - جميع طبقات أهل الكمال الحقَّ والحقيقةَ والصدق والصداقة والأمن والأمانة، ويحقق سعادة الدارين بحقائق أركان الإيمان وبدساتير أركان الإسلام، ويلزم أن يكون - بشهادة إجراءاته هذه وبالضرورة - حقًا وخالصًا وحقيقة صافية وصادقًا وجادًّا للغاية؛ نقول يقتضي هذا الافتراضُ استلزامَ تصور هذا الكتاب متصفًا بخلاف أوصافه وتأثيراته وأنواره، واعتبارَه كأنه مجموعة من اختلاقات وافتراءات خادع - حاشاه ثم حاشاه - وهذا هذيانٌ كفريٌّ شنيعٌ يخجل منه حتى السوفسطائيون والشياطين ويرتعدون منه.

كما أن افتراض شخص أرسخَ عقيدةً وأمتنَ إيمانًا وأوثقَ أمانة وأصدقَ كلامًا بشهادة الدين الاسلامي والشريعة الغراء اللذين أظهرهما، وبدلالة تقواه الخارقة وعبوديته الخالصة الصافية التي أظهرها مدة حياته بالاتفاق وبمقتضى الأخلاق الحسنة التي ظهرت عليه بالاتفاق وبتصديق أهل الحقيقة وأصحاب الكمالات الذين ربّاهم؛ نقول يستلزم افتراضُ أن يكون شخصٌ كهذا - حاشاه ثم حاشاه - بلا اعتقادٍ ولا أمنَ ولا أمانةَ له ولا يخشى الله -حاشاه مائة ألف مرة - ارتكابا لأقبحِ المحالات وأشنعِها وأشدِّ أنواع الضلالات ظلمًا وظلمات. 

الحاصل: كما ذكر في الإشارة الثامنة عشرة من “المكتوب التاسع عشر” كيف أن طبقة المستمعين العوامِّ قد قالت عن فهم إعجاز القرآن: إذا قيس القرآن بجميع ما سمعتُ من كتب وما هو موجود في الدنيا من الكتب فهو لا يشبه أي كتاب منها، وليس في درجتها، إذن فالقرآن إما أنه تحت الجميع أو له درجة فوق الجميع.

أما أن يكون تحت الجميع؛ فهو محال لا يمكن أن يقوله أي عدو حتى الشيطان نفسه ولا يقبله، إذن فالقرآن فوق جميع الكتب، وإذن فهو معجزة.

وكذلك فنحن نقول بالحجة القاطعة حسب علم الأصول وفن المنطق مما يُسمى بِـ“السَّبْر والتَّقْسيم([1]): أيها الشيطان، ويا تلاميذ الشيطان، إن القرآن إما كلام الله


[1]      )) السبر والتقسيم: مصطلحان بمعنى واحد يعنيان إيراد أوصاف الأصل أي المقيس عليه وإبطال بعضها ليتعين الباقي للعلية

 

ه

91. صفحة

المنزل من العرش الأعظم والاسم الأعظم، وإما هو - حاشا ثم حاشاه مائة ألف مرة - اختلاق([1]) بشرٍ في الأرض مخادعٍ، لا اعتقاد له ولا يخاف الله ولا يعرفه.

وهذا يا أيها الشيطان، ما لم تستطع أن تقوله أمام الحجج السابقة، ولا تستطيع قوله ولن تستطيع؛ فإذن - بالضرورة وبلا شبهة - القرآن هو كلام خالق الكون؛ لأنه لا وسط له، بل هو محال، ولا يمكن أن يحدث، كما أثبتنا ذلك بصورة قاطعة وشاهدتَه أنت بنفسك واستمعته.

وكذا إن محمدًا عليه الصلاة والسلام إما رسول الله وأكمل جميع الرسل وأفضل جميع المخلوقات، وإما - حاشاه ثم حاشاه مائة ألف مرة - يقتضي افتراض([2]) أنه بشر معتوهٌ لا اعتقاد له، وقد سقط إلى أسفل السافلين؛ لافترائه على الله ولعدم معرفته به؛ ولعدم إيمانه بعذابه، وهذا ما لا تستطيع أن تقوله أنت يا إبليس ولا يقوله من تثق بهم مِن فلاسفة أروبا ومنافقي آسيا، وما استطعتم أن تقولوه، ولن تستطيعوا؛ لأنه لا يوجد في الدنيا من سيسمع وسيقبل هذا الافتراء.

وعليه فإنَّ أفسدَ أولئك الفلاسفة الذين تثق بهم، وأشدَّ منافقي آسيا انعداما للضمير يعترفون فيقولون: إن محمدًا العربي كان فذًّا في العقل، وآية في الأخلاق.

فما دامت هذه المسألة منحصرة في شقين، ومادام الشقُّ الثاني مستحيلاً ولا يتبناه أحد، وبما أننا أثبتنا بالحجج القاطعة أنه لا وسط له؛ فلابد -وبالضرورة ورغم أنفك وأنف حزب الشيطان وبالبداهة وبحق اليقين - من أن محمدًا العربيَّ - عليه الصلاة والسلام - رسولُ الله، وأكملُ جميع الرسل، وأفضلُ جميع المخلوقات - عليه الصلاة والسلام - بعدد الملَكِ والإنس والجان.


[1] اختلاق: ادعاء.

[2] اضطررت إلى استعمال هذه التعبيرات بفرض المحال خائفًا مرتعدًا؛ وذلك إظهارًا لاستحالة فكر أهل الضلال الكفري كليًّا وبيان فساده كلية، استنادًا إلى ذكر القرآن الحكيم لكفر الكافرين وتعبيراتهم الغليظة من أجل دحضها.

92. صفحة

اعتراضٌ ثانٍ صغيرٌ للشيطان:

عندما كنت أقرأ سورة: ﴿ق { وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ(سورة ق: ٥٠/١) وعندما كنت أقرأ آيات: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ { وَجَۤاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ { وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مََّعَهَا سَۤائِقٌ وَشَهِيدٌ { لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَۤاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ { وَقَالَ قَرِينُهُ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ(سورة ق: ٥٠/١٨-٢٤) قال الشيطان:

إنكم تجدون أهم فصاحة القرآن في سلاسته ووضوحه، فانظروا هذه الآيات تنتقل من أين إلى أين؛ فهي تقفز من السكرات إلى يوم القيامة، وتنتقل من نفخ الصور إلى ختام المحاسبة، ومن ثم تذكر الدخول إلى جهنم، فأية سلاسة تبقى مع هذه النقلات العجيبة؟ والقرآن في أكثر مواقعه يجمع مثل هذه المواقع المتباعدة بعضها عن بعض، فأين تبقى السلاسة والفصاحة في مثل هذا التشعُّث وهذه الحال ؟

الجواب:

إن أهمَّ أسس إعجاز القرآن المعْجِز البيان -بعد بلاغته- الإيجازُ، فالإيجاز هو أهم وأمتن أساسٍ لإعجاز القرآن، فالإيجاز المعجز في القرآن الحكيم كثير ولطيف جدًّا بدرجة تجعل أهل التدقيق ينبهرون به.

فمثلاً: ﴿وَقِيلَ يَاٰۤ أَرْضُ ابْلَعِى مَاءكِ وَيَٰۤا سَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِىَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِىِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّٰلِمِينَ (سورة هود: ١١/٤٤)، هذه الآية تبين حادثة الطوفان العظيمة مع نتائجها في بضع جمل قصيرة بصورة معجزة؛ بحيث جعلت كثيرًا من أهل البلاغة يسجدون لبلاغتها.

وكذا: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَٰيهَۤا { إِذِ انبَعَثَ أَشْقَٰيهَا { فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَٰهَا { فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّٰيهَا { وَلاَ يَخَافُ عُقْبَٰهَا(سورة الشمس: ٩١/١١-١٥) هذه الآيات تبين حادثة قوم ثمود العجيبة المهمة، مع نتائجها وسوء عاقبتهم في بضع جمل قصيرة كهذه، بإعجاز مع إيجاز بصورة سلسة وواضحة وغير مُخِلَّةٍ بالفهم.

93. صفحة

وكذا: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَٰضِبًا فَظَنَّ أَن لََّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَٰتِ أَن لاَۤ إِلَٰهَ إِلاَّۤ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّٰلِمِينَ (سورة الأنبياء: ٢١/٨٧) فمن جملة: ﴿أَن لََّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ إلى جملة: ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَٰتِ﴾ هناك جمل كثيرة مطوية، وتلك الجمل غير المذكورة لا تخل بالفهم ولا تضر بسلاستها، وهي تذكر الأساسات المهمة لقصة سيدنا يونس، وتحيل ما تبقى منها إلى العقل.

وكذا في سورة يوسف من كلمة: ﴿أَرْسِلُونِ(سورة يوسف: ١٢/٤٥) إلى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ(سورة يوسف: ١٢/٤٦) يوجد فيما بينهما سبع أو ثمان جُمَل قد طويت بإيجاز، وهذا الإيجاز لا يُخِلُّ بالفهم أبدًا ولا يضر بسلاستها.

وأمثال هذه الأنماط من الإيجاز المعجز في القرآن كثيرة ولطيفة جدًّا.

أما آيات سورة ﴿ق﴾ فما فيها من الإيجاز، معجز وعجيب جدًّا؛ لأنها تشير بأصابعها إلى مستقبل الكفار المرعب المخيف والطويل للغاية، والذي يوم واحد منه كخمسين ألف سنة، وإلى الحادثات الأليمة المهمة التي ستصيبهم في الانقلابات المذهلة في ذلك المستقبل واحدة إثر الأخرى، وتسيِّرُ الفكرَ حول هذه الحوادث بسرعة كالبرق، وتظهر ذلك الزمن الطويل كصحيفة حاضرة أمام النظر، وتُبِينُ بسلاسة عالية الحوادث غير المذكورة محيلةً إياها إلى الخيال.

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(سورة الأعراف: ٧/٢٠٤)

فيا أيها الشيطان، الآن إن كانت لك كلمةٌ فقلها.

فيقول الشيطان: لا أستطيع المقاومة أمام هذه الحجج ولا أستطيع الدفاع تجاهها، إلا أن هناك كثيرًا من الحمقى يُنْصِتون([1]) إليّ، وهناك كثير من الشياطين في صورة أَنَاسِيٍّ([2]) يعينونني، وهناك فراعنة كثيرون من الفلاسفة يتلقون مني المسائل التي تلاطف أنانيتهم، ويحولون دون نشر مثل كلماتك هذه؛ ولذا لا أسلِّم لك السلاح.

 

لم تدرج هنا الكلمة السادسة عشرة لإدراجها ضمن كتاب “الطلاسم”.

 

[1] ينصتون: يستمعون.

[2]  أناسي: جمع إنسان.