ذيل الكلمة الرابعة عشرة
التنقل
65. صفحة
ذيل
الكلمة الرابعةَ عشرةَ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا { وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ { الإِنسَٰنُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا { بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾ إلى آخر الآية (سورة
الزلزلة: ٩٩/١-٥)
هذه السورة تفيد إفادة قاطعة أن الكرة الأرضية في حركاتها وزلزلتها تَحْرَنُ([1]) وأحيانًا تهتز بأمر إلهي، وبوحي وإلهام منه سبحانه وتعالى.
وقد خطرت على القلب - بإمدادِ إخطار معنوي من جانب معنوي ومهم أيضا- أجوبةٌ تجاه ستة أو سبعة أسئلة جزئية بمناسبة الزلزال الذي حدث حاليًّا، مع أنني كنت قد نويت مرات عديدةً كتابتها مفصلة ولكن لم يُؤذَن لي بكتابتها إلا أنها ستُكتَب مجملة و موجزة.
السؤال الأول:
ما سبب إلقاء هذا الزلزال عذابًا شديدًا بمصيبة معنوية أشد من مصيبته المادية؛ حيث سلبتْ راحةَ أكثرِ الناس - ليلاً - في أكثر البلاد بإلقائها الخوفَ واليأسَ الناشئَيْنِ عن استمراره؟!
مرة أخرى [الجواب المعنوي] قيل هكذا: إن إذاعةَ الأغاني من الراديو في رمضان المباركِ في أثناء التراويحِ بكامل النشوة والسرور وفي حالة تشبه السُّكر، وأحيانًا بأصوات البنات في كل زاوية من زوايا مركز الإسلام المبارك هذا، وبثَّها بطريقة مغريةٍ، كل هذا قد ولّد عذابَ الخوفِ هذا.
[1] )) تَحْرَنُ: تجمح وتغضب.
66. صفحة
السؤال الثاني: لِمَ لا تَنْزِلُ هذه الصفعاتُ([1]) السماويةُ برءوس الكفار في بلادهم، بل تنزل بهؤلاء المسلمين المساكين؟
الجواب: فكما أنه يُحال عقاب الخطايا والجنايات الكبرى إلى المراكز الكبرى بالتأجيل، ويُحْسَم عقاب الجنايات الصغرى في المراكز الصغرى بالتعجيل؛ فكذلك - وبناء على حكمة مهمة([2])- يُؤَجَّلُ القسم الأعظم من جنايات أهل الكفر إلى المحكمة الكبرى في الحشر، ويعاقب أهل الإيمان على خطاياهم في هذه الدنيا إلى حد ما.
السؤال الثالث: ما سبب اتخاذ هذه المصيبة التي نتجت عن أخطاء بعض الأشخاص شكلاً عامًّا إلى حد ما في البلاد؟
الجواب: إن المصيبة العامة تنشأ بسبب أخطاء أغلبية الناس، وعليه فإن أكثر الناس يشتركون - معنىً - في تصرفات وأفعال أولئك الأشخاص الظالمين بميلهم وانحيازهم فعلاً أو التزامًا أو التحاقًا، فيتسبب ذلك في المصيبة العامة.
السؤال الرابع: إذا كانت مصيبة الزلزال هذه نتيجةً للأخطاء وكفَّارةً للذنوب، فلِمَ يتعذب ويتألم الأبرياء الذين لا ذنب لهم في تلك المصيبة؟ وكيف تسمح عدالة الله بذلك؟
الجواب مرة أخرى من جانب معنوي:
بما أن هذه المسألة تتعلق بسر القدر؛ فنُحيلها إلى رسالة القَدَرِ؛ إلا أننا نوجز هنا الآتي: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ (سورة الأنفال: ٨/٢٥) أي: احذروا واجتنبوا بليّةً ومصيبةً إذا حَلَّتْ لا تقتصر على الظالمين فحسب، بل تصيب الأبرياء كذلك، فَسِرُّ هذه الآية هو: أن هذه الدنيا ميدان تجربة وامتحان، ودار تكليف ومجاهدة، والامتحان والتكليف يقتضيان أن تبقى الحقائق مستورة ومحجوبة؛ حتى
([1]) الصفعات: اللطمات.
([2]) بما أن تَرْكَ الروسِ وأمثالَهم دينًا منسوخًا محرَّفًا؛ لا يمسُّ غيرةَ الله كما تمسها الإهانةُ بدينٍ حقٍّ أبدي غيرِ قابل للنسخ؛ فإن الأرضَ تُمْهِلُ أولئك وتحتدُّ على هؤلاء مؤقتًا.
67. صفحة
يسمو ويعلو أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وأمثاله إلى أعلى علييّن بالمسابقة والمجاهدة، ويتردى أبو جهل وأمثاله إلى أسفل سافلين.
ولو بقي الأبرياء سالمين في مثل هذه المصائب لاستسلم أبو جهل وأمثاله للإيمان كأبي بكر - رضي الله عنه - وأمثالِهِ، ولانسدت أبواب الترقي المعنويةُ التي تتحقق بالمجاهدة، ولانْتَفَى سر التكليف وارتفع.
فبما أنه يلزم وقُوع الظالم والمظلوم معًا في المصيبة وفق الحكمة الإلهية؛ فيا ترى ما هو نصيب المظلومين المساكين - الذين لا حيلة لهم- من الرحمة والعدالة؟
قيل - جوابًا على هذا السؤال -: إن لهم نصيبَ رحمة في الغضب والحدة اللذين يتجليان ضمن تلك المصيبة؛ لأن الأموال الفانية لهؤلاء الأبرياءِ تصبح صدقةً لهم، وتكتسب حكمَ مالٍ باقٍ لهم، وإن حياتهم الفانية كذلك تتخذ حُكمَ الشهادة - نوعًا ما - حيث تكسبهم حياةً باقيةً.
إن هذا الزلزال الذي يُكسبهم مكاسبَ عظيمة أبديةً من المشقّة والعذاب القليلين المؤقَّتَيْن نسبيًّا، هو رحمة لهم في الغضب عينِه.
السؤال الخامس: لماذا لا يعاقِب العادل الرحيم والقادر الحكيمُ على الأخطاء الخاصة بعقاب خاص، بل يسلِّطُ عنصرًا ضخمًا هائلاً؟ وكيف تتوافق هذه الحال مع جمال رحمته وشمول قدرته؟
الجواب: إن القدير ذا الجلال قد أناط كلَّ عنصر بوظائفَ كثيرة، فهو يجعل كل عنصر ينتج نتائج كثيرة من تلك الوظائف، حتى ولو كانت نتيجة واحدة من وظيفة واحدة لعنصر واحد قبيحةً وكانت شرًّا ومصيبةً، فإن سائر النتائج الحسنة الجميلة تجعل هذه النتيجة في حكم الحسن والجميل.
فإذا مُنع ذلك العنصر الغاضب على الإنسان من تلك الوظيفة لئلا تخرجَ هذه النتيجة الوحيدة القبيحة إلى حَيِّزِ الوجود؛ لتُرِكَت عندئذ خيراتٌ بعدد تلك النتائج الحسنة
68. صفحة
الجميلة وارتُكِبت شرورٌ بعدد تلك الخيرات؛ حتى لا يحصل شر واحد حسب قاعدة: “إن تَرْكَ خيرٍ ضروريٍّ شرٌّ” وهذا قبيح للغاية، وخلاف للحكمة، وخلاف للحقيقة وتقصيرٌ، بينما القدرة والحكمة والحقيقة منزهة عن النقص والعيوب.
وما دام قسم من الأخطاء هو عصيان شامل بدرجة تجعل العناصر([1]) والأرض تَحْتَدُّ([2]) غيظا، وأنه تجاوز محقّر لحقوق مخلوقات كثيرة؛ فإن إعطاء أمر لعنصر ضخم ضمن وظيفته الكلية بأنْ أَدِّبْ هؤلاء -إظهارًا للقبح الفظيع الشائن([3]) لتلك الجناية- إنما هو عينُ الحكمة والعدالة، وعين الرحمة للمظلومين.
السؤال السادس: يَشيع أهل الغفلة أن الزلزال ما هو إلا نتيجة للانقلابات المعدنية في باطن الكرة الأرضية، وينظرون إليه وكأنه حادثة تصادفية وطبيعية لا مقصد لها ولا غاية، ولا يرون الأسبابَ المعنوية لهذه الحادثة، ولا نتائجَها حتى يُفيقوا ويتنبّهوا، فهل من حقيقة للمادة التي يستند إليها هؤلاء؟
الجواب: لا حقيقة لها إلا الضلال؛ إذ إن نَيْلَ الجناح - الذي هو عضو واحد من مئات أعضاء فرد واحد مما لا حد له من أفراد طائفة كالذباب مثلا التي هي نوع واحد من آلاف الأنواع فوق سطح كرة الأرض التي تلبس وتبدل كل سنة أكثر من خمسينَ مليونًا من الأقمصة المزركشة([4]) المنتظمة - لتجلّي القصد، والإرادة والمشيئة والحكمة التي لا تهمله ولا تتركه سُدَىً([5])؛ كل هذا يشير إلى أنه لا تبقى الأفعالُ المهمّةُ والأحوالُ للكرة الأرضية الضخمة - التي هي مَهْدٌ([6]) وأم ومرجع وحامٍ لما لا حد له من ذوي الشعور - خارجة عن الإرادة والاختيار والقصد الإلهي، بل لا يبقى أي شيء - جزئيًّا
[1] )) العناصر: أي العناصر المكونة للأرض.
[2] )) تحتد غيظا: تشتد.
[3] )) الشائن: العائب.
[4] )) المزركشة: المزينة.
[5] ))سدى: هباء وضياعا بلا فائدة.
[6] )) مهد: فراش.
ّا
69. صفحة
كان أو كليًّا - خارجًا عن الإرادة والاختيار والقصد الإلهي، ولكن القدير المطلق بمقتضى حكمته يجعل الأسباب الظاهرية حجابًا وستارًا لتصرفاته، فعندما يريد الزلزال يأمر أحيانًا معدنًا بالحركة فيوقده ويحركه.
وحتى لو أنه حدث نتيجة انقلابات معدنية؛ فإنما يحدث كذلك بأمر وحكمة إلهية ليس إلا، فمثلاً:
إذا قتل رجلٌ أحدًا ببندقية، فكم من البلاهة والسخافة حَصْرُ النظر في كيفية اشتعال البارود في طلقة بندقيته فقط، وعدم أخذ القاتل بعين الاعتبار! فتضيع بذلك حقوق المقتول المسكين كليًّا.
كذلك فإن أشنع الحماقة الانحرافُ إلى الطبيعة، ونسيانُ الأمر الرباني الذي يفيد ويعني أن القنبلة المدخرة([1]) بحكمة وإرادة في باطن الكرة الأرضية التي هي موظفة مسخرة للقدير ذي الجلال، إنما هي سفينة وطائرة له يشعلها جلّ وعلا لتنبيه أهل الغفلة والطغيان وإيقاظهم.
تتمة السؤال السادس وحاشيته: إن أهل الضلالة والإلحاد يبدون تمردا غريبا وحماقة عجيبة تجعل الإنسان يتحسر على إنسانيته، وذلك للحفاظ على مسالكهم ولمواجهة ومنع صحوة أهل الإيمان,
فمثلاً: يضرب خالق الأرض والسماوات، بالكوارث المدهشة العامة - كالحروب العالمية والزلازل والعواصف المتولدة من ماء وهواء وكهرباء هائلة غير منقطعة ولا مثيل لها- على وجه الإنسان من أجل غضب الكون والعناصر الكلية على العصيان الظالم المظلم الصادر عن البشر، والذي اتخذ شكلاً عامًّا إلى درجة ما، في الآونةالأخيرة، كي يوقظ الإنسان ويردعه([2]) عن طغيانه العجيب، وَيُعَرِّفَهُ بسلطان الكون الذي لا يريد معرفته، ليس بربوبية خاصة بل بكونه ربَّ كل الكون والعالمين وحاكمَها جميعًا، وبتجلٍ كلي واسع شامل في مجموع الكائنات وفي دائرة الربوبية الكلية، ومع أنه يظهر
[1] )) المدخرة: المحفوظة.
[2] )) يردعه عن الشيء: يمنعه من أن يفعله.
ر
70. صفحة
بكل ذلك حكمتَه وقدرتَه وعدالتَه وقيوميتَه وإرادتَه وحاكميَّتَه إظهارًا واضحًا جليًّا؛ فإن بعض الشياطين الحمقى الذين هم في صورة إنسان يواجهون تلك الإشعارات([1]) الربانية والتربية الإلهية الكلية بِتَمَرُّدٍ كُلُّه بلاهةٌ، فيقولون:
إنها طبيعة وانفجار معدنٍ ومصادفةٌ، وإن الذي أوقف كل الماكينات لمدة خمس ساعات في أمريكا، والذي جعل جو سماء ولاية قسطوموني محمرًّا كأنه يحترق هو حرارة الشمس وضرب الكهرباء، وبهذه الأقاويل يسقطون في هذيانات لا معنى لها.
وبسبب جهالة لا حد لها ناشئة عن الضلالة، وبسبب تمرد بشع ينشأ عن الزندقة؛ فإنهم لا يعلمون أن الأسباب ما هي إلا وسائل وحجب، وبدلا من أن يشيروا إلى مائة مصنع ومعمل بحجم القرية لكي تنسج وتنشئ أجهزة شجرة صنوبر ضخمة كالجبل يشيرون إلى بذرة صغيرة جدًّا، ويُبدون بعض الأسباب الظاهرية وكأنهم ينكرون آلاف المعجزات التي يظهرها صانع هذه الشجرة عليها قائلين: إن هذه الشجرة صدرت([2]) عن تلك البذرة، وَيَحُطُّونَ من شأن فعل الربوبية العظيم للخالق الذي يُجري الأمور باختيار وحكمة، وينزلونه إلى درجة الصفر.
وأحيانا يطلقون اسمًا عِلميًّا على حقيقة عميقة للغاية، وغامضة ومهمة جدًا ولها حِكَمٌ من ألف جهة، وكأن ماهيةَ هذه الحقيقة قد فُهِمت بهذا الاسم وأصبحت مألوفة عادية، وصارت بلا حكمة ولا معنىً. فتعال وانظر إلى درجات البلاهة والحماقة اللانهائية؛ بحيث يطلقون اسمًا على حقيقة مجهولة عميقة شاملة لا تُعرف معرفةً تامة إلا بعد أن كُتبت مائة صفحة عن تعريفها وعن بيان حكمها، ويقولون عنها: هذه هي، وكأنها شيء معلوم!
فمثلا: الضرب بالكهرباء خاصية من خصائص الشمس؛ وهم يَرجِعون حادثةً خاصَّةً ومقصودة للربوبية كهذه إلى أحد القوانين الفطرية التي تسمى بُسُنَّةِ الله، والتي هي عناوين لإرادة كلية ولاختيار عام ولحاكمية نوعية ويقطعون بهذا الإرجاع نسبتها إلى الإرادة الاختيارية، ثم يعودون يحيلونها إلى المصادفة والطبيعة، فيُبدون بهذا جهلاً
[1] )) الإشارات:الأمارات والدوال.
[2] )) صدرت عن: نشأت عن ونتجت.
71. صفحة
مركباً أكثر من جهل أبي جهل، فيكونون كالأبله العاصي الذي يَرْجِع الانتصارَ الذي يحرزه([1]) جندي أو فرقة في الحرب إلى نظام العسكرية وقانونها، ويقطعه([2]) بذلك عن قائدهم وسلطانه وحكومته وعن الحركات المتسببة في ذلك.
وكذلك إذا صنع صانعٌ ذو معجزات من قطعة خشب بحجم الظفر مائة أوقية من أطعمة مختلفة، ومائة ذراع من أقمشة مختلفة كإيجاد شجرة مثمرة من بذرة واحدة، فكم تكون الحماقة إن أظهر أحدهم قطعة الخشب وأشار إليها وقال: إن تلك الأعمال قد صدرت عن هذه القطعة طبيعيًّا ومصادفة! فيحطّ بذلك من المهارات والفنون الخارقة لذلك الصانع إلى درجة الصفر، فكذلك الأمر.
السؤال السابع: كيف يُفهم أن هذه الحادثة الأرضية تتوجه خاصة إلى المسلمين أهالي هذه البلاد وتستهدفهم؟ ولماذا تمس مناطق أرزنجان وإزمير بكثرة؟
الجواب: إن هذا الزلزالَ يستهدف أهل الإيمان ويتوجه إليهم خاصة، ويهزهم كي ينبههم إلى الصلاة والدعاء بدلالة أمارات كثيرة كوقوعه -في الشتاء القارس([3]) وفي ليلة ظلماء وفي برودة شديدة- خاصة في هذه البلاد التي لا تحترم شهر رمضان، وكاستمرارِه بخفة لكي يوقظ الغافلين لعدم انتباههم من غفلتهم، كما تهتز الأرض نفسها معهم.
أما زيادة اهتزازها في مناطق مثل أرزنجان البائسة فله وجهان:
أحدهما: عُجِّلَ بها للتطهير عن أخطائها؛ إذ إنها طفيفةٌ.
ثانيهما: يحتمل أنها صَفَعَتْ([4]) أولا تلك المناطقَ حيث أَسَّسَ أهل الزندقة مركزًا مؤثرًا لنشاطهم هناك، منتهزين فرصة قلة حراسِ الإيمانِ الأقوياءِ المستندين إلى الحقيقة وحماةِ الإسلام، أو فرصة انهزامهم التامِّ، لا يعلم الغيب إلا الله.
﴿سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَۤا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ﴾
[1] )) يحرزه: يحققه.
[2] )) يقطعه عنه: ينسبه إلى غيره وينفي نسبته إليه.
[3] )) القارس: شديد البرودة.
[4] )) صفعت: لطمت، والمراد هنا أصابت.


