ذيل الكلمة السابعة عشرة

122. صفحة

ذيل

    تحيرنا لظهور ستة وستين توافقًا بين الكلمات عند كتابة ذيل رسالة القدر - التي هي أقصر طريق قرآني- مع أن ناسخها لا يجيد فن الكتابة، ولا يعرف التوافق، وذلك في الصفحة الأولى من النسخة التي استنسخها بصورة رديئة، فوضعنا عليها الإشارات، ثم استنسخناها كما هي، فلم تبق أية كلمة منها إلا وكانت على التوافق، ففهمنا من ذلك أن هذا الذيل الصغير له أهمية كبيرة، وأنه نافع لكل فرد.

كان قد أُدرِج هذا الذيل وراء رسالة القدر، ولكن الكثيرين لم يكونوا يقرءونها؛ لذا لم يكونوا يستفيدون من هذا الذيل، فأشار هذا السرّ إلى أن يُنقَل من رسالة الْقَدَرِ الغامضة ويُوضَع في مكان سهل.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

 

 إن الطُّرق الموصِلة إلى الله تعالى كثيرةٌ جِدًّا، وكل الطرق الحَقَّة قد استُنبطتْ من القرآن الكريم؛ إلا أن بعض الطرق تكون أقصر وأسلم وأعم من بعضها، والطريق التي استفدتها من القرآن الكريم بفهمي العاجز القاصر - من بين تلك الطرق - هي طريق العجز والفقر والشفقة والتفكر.

 أجل؛ إن العجز طريق سليم كالعشق بل أكثر سلامة منه؛ بحيث إنه يصل إلى مقام المحبوبية بطريق العبودية. 


123. صفحة

وإن الفقر كذلك يوصل إلى اسم الرحمن، وكذا الشفقة فهي طريق كالعشق أيضًا، بل هي أقصر وأنفذ وأوسع منه إذ توصل إلى اسم الرحيم.

وكذا التفكر فهو طريق كالعشق أيضًا، بل هو أغنى وأسطع منه إذ يوصل إلى اسم الحكيم.

 إن هذه الطريق ليست عشر خطوات كاللطائف العشرة كما فى الطرق الخفية، وليست سبع خطوات يُخطى بها إلى المراتب السبعة للنفوس السبعة كما فى الطرق الجهرية، بل هي عبارة عن أربع خطوات، وهي حقيقة وشريعة أكثر من كونها طريقة.

وأرجو ألا أُفهَم خطأً، فالقصد رؤية وإدراك العجز والفقر والتقصير أمام الله سبحانه وتعالى، وليس القيام بها أو إظهارها أمام الخلق.

 إن أوراد هذه الطريق القصيرة هي: اتباع السُّنَّةِ، والقيام بالفرائض، واجتناب الكبائر، ولا سيّما أداء الصلوات الخمس بإقامة الأركان، والقيام بالتسبيحات التي تعقب الصلاة.

تشير إلى الخُطوة الأولى الآيةُ: ﴿فَلا تُزَكُّۤواْ أَنفُسَكُمْ(سورة النجم: ٥٣/٣٢)

وإلى الخطوة الثانية الآيةُ: ﴿وَلا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَٰهُمْ أَنفُسَهُمْ(سورة الحشر: ٥٩/١٩)

وتشير إلى الخطوة الثالثة الآيةُ: ﴿مَۤا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَۤا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ (سورة النساء: ٤/٧٩)

وإلى الخطوة الرابعة تشير الآيةُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ (سورة القصص: ٢٨/٨٨)

وإيضاحُ هذه الخطوات الأربعة - بإيجاز - هو:

في الخُطوة الأولى: عدم تزكية النفس كما أشارت الآية الكريمة: ﴿فَلا تُزَكُّۤواْ أَنفُسَكُمْ﴾؛ إذ الإنسان بحسب جبلته([1]) وفطرته يحب نفسه، وذاته قبل أي شيء، فهو يضحي بكل شيء من أجل نفسه، ويمدحها بمدح يليق بالمعبود، وينَزِّهها عن العيوب


[1]          )) جبلته: خلقته.

 


124. صفحة

ويبرئها منها تنْزيهًا وتبريئًا يليق بالمعبود، ولا يرى القصور والتقصير في حق نفسه، وينفيهما كلما وجد إلى ذلك سبيلاً، ويدافع عن نفسه دفاعًا مستميتًا كأنه يعبدها، حتى إنه يصرف الأجهزة والاستعدادات - التي أُودعت في فطرته والتي مُنحت له لحمد وتسبيح المعبود الحقيقي - من أجل نفسه، وبذلك يتصف بمعنى الآية الكريمة: ﴿مَنْ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَٰيهُ(سورة الفرقان: ٢٥/٤٣) ويرى نفسَه فقط، ويَعْتَدُّ ويُعجَب بها.

فتزكية النفس وتطهيرها في هذه المرتبة، وفى هذه الخطوة عدم تزكيتها وعدم تبرئتها.

وفي الخُطوة الثانية نرى أن هذا الطريق يلقن معنى الآية الكريمة ﴿وَلا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَٰهُمْ أَنفُسَهُمْ: أن الإنسان قد نسي وغفل عن نفسه، فإذا فكر في الموت نَسَبه إلى الآخرين، وإذا ما رأى الفناء والزوال لا يذكرهما في نفسه، ومن خصال النفس الأمَّارة التي تلتزم بها بشدة أنها تنسى ذاتها في أثناء المشقة والخدمة، وتتذكرها في مقام أخذ الأجرة والاستفادة من الحظوظ، فتزكيتها في هذا المقام، وتطهيرها وتربيتها يكون بعكس هذه الحالة؛ أي عدم النسيان في نسيان النفس؛ أي نسيانُها في أثناء الحظوظ والرغبات وتذكّرها عند الموت والخدمة.

وفي الخُطوة الثالثة نرى أن هذا يلقن معنى الآية الكريمة ﴿مَۤا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَۤا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ﴾: أن شيمة([1]) من شِيَمِ النفس تَنسب المحاسن إلى ذاتها فتفخر وتشعر بالعجب.

فتزكيتها فى هذه الخطوة؛ الشكر بدلاً من الفخر، والحمد بدلاً من التمدح؛ مدركًا أن شيمة النفس التقصيرُ والنقص والعجز والفقر ليس غير، وأن كل المحاسن والكمالات نِعمٌ أسبغها الفاطر ذو الجلال عليه، فتزكية النفس فى هذه المرتبة بسر الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّٰهَا﴾ (سورة الشمس: ٩١/٩) هي: العلم بأن كمالها فى عدم الكمال، وقدرتَها فى العجز، وغناها فى الفقر.

وفي الخُطوة الرابعة نرى أنه يلقن معنى الآية الكريمة ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ

[1]             )) شيمته: صفته وخلقه.

 



125. صفحة

وهو أن النفس تعتقد أنها حرةٌ طليقة ومستقلة وموجودة بذاتها، ومن أجل ذلك تدعي ربوبيةً نوعًا ما، وتحمل عصيانًا مشوبًا([1]) بالعداوة تجاه معبودها، فبإدراك الحقيقة التالية تتخلص من ذلك.

وأما الحقيقة فهي: أن كل شيء فانٍ بالمعنى الاسمي -في نفسه وذاته - ومفقودٌ وحادثٌ ومعدومٌ، ولكنه بالمعنى الحرفي ومن جهة كونه مرآةً لأسماء الصانع ذي الجلال، وباعتبار وظيفته شاهدٌ ومشهودٌ وواجدٌ وموجودٌ؛ فتزكية النفس وتطهيرها في هذا المقام هكذا:

إن لها عدمًا في وجودها، ولها وجودٌ في عدمها؛ أي إنها إذا عَرَفَت نفسها أنها قائمة بذاتها ومَنَحَتها وجودًا فهي إذن فى ظلمات عدم بقدر سعة هذا الكون؛ أي إذا اعتمدت على وجودها الشخصي وغفلت عن مُوجِدها الحقيقي؛ فسيقع ضياءُ وجودها الشخصيِّ الشبيه بضياء اليراعة([2]) في ظلمات العدم والفراق غير المحدودة ويغرق فيها.

ولكنها إذا تركت الأنانية ورأت أن نفسها - حقًّا - شيء معدوم، وأنها مرآةٌ لتجلّي الموجِد الحقيقي؛ كسبت كلّ الموجودات، وحظيت بوجود غير متناهٍ؛ إذ إن قلبًا وَجَدَ الذاتَ الواجبة الوجود - التي كلُّ الموجودات مَظهرٌ لتجليات أسمائها - هذا القلب يجدُ كلَّ الأشياءِ.


[1]             )) مشوبًا: مختلطًا.

 

[2]             )) اليراعة: هي حشرة تُرى، وتضيء وتنوّر بالليل.

 .


126. صفحة

الخاتمة

 لقد ذُكرت إيضاحات هذه الخطوات الأربع التي في طريق العجز والفقر والشفقة والتفكر في الكلمات الست والعشرين التي تدور حول علم الحقيقة وحقيقة الشريعة وحكمة القرآن، إلا أننا نشير هنا إشارة قصيرة إلى بضعِ نقاطٍ، وهي:

 إن هذا الطريقَ أقصرُ؛ لأنه عبارة عن أربع خطوات، فالعجز إذا رفع يده عن النفس يسلمها مباشرة إلى القدير ذي الجلال، بينما العشق الذي هو أنفذ وأقصر طريقٍ يرفع يده عن النفس أيضًا إلا أنه يتشبث بالمعشوق المجازي، وبعدما يرى زواله يصل إلى المحبوب الحقيقي.

 وكذا هذا الطريق أسلم؛ لأنه لا يوجد فيه شطحات ودعاوى مفرطة للنفس؛ إذ لا يجد المرء في نفسه إلا الفقر والعجز والتقصير حتى يتجاوز حده.

 وكذا هذا الطريق أعمّ، وهو جادة كبرى؛ لأنه لا يضطر إلى الحكم بالإعدام على الكائنات للظفر بالحضور الدائم كأهل وحدة الوجود الذين يظنون أن الكائنات محكوم عليها بالعدم، فيقولون: “لا موجود إلا هو”.

وكذا لا يضطر إلى حبس الكائنات للظفر بالحضور الدائم كأهل وحدة الشهود الذين يتخيلون أن الكائنات محكوم عليها بالحبس في سجن النسيان المطلق، فيقولون: “لا مشهود إلا هو”.

 وكما أن القرآن الكريم يعفو عن الكائنات ويخرجها من العدم والحبس بصورة ظاهرة للغاية؛ فهو أيضا يفعل كما يفعل القرآن فيعزل الموجودات عن الخدمة لحساب نفسها، بل يستخدمها لحساب الفاطر ذي الجلال، ويستعملها في وظيفة تجلي الأسماء الحسنى ومرايا لانعكاسها، وينظر إليها بالمعنى الحرفي، فيتخلص من الغفلة المطلقة، ويبلغ الحضور الدائم ويجد في كلِّ شيءٍ طريقًا إلى الله تعالى.

 الحاصل: إن هذا الطريق يعزل الموجودات عن الخدمة لحساب نفسها؛ أي: لا ينظر إليها بالمعنى الاسمي.