الكلمة الحادية والعشرون

133. صفحة

الكلمة الحادية والعشرون

وهي مقامان

المقام الأول

بسم الله الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

﴿إِنَّ الصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَٰبًا مَوْقُوتًا

 صَدقَ مَنْ نَطَقَ

(سورة النساء: ٤/١٠٣)

قال لي ذات يوم رجل كبير سِنًّا وجسمًا ورتبةً: إن الصلاة طيبة جميلة، ولكن أداءها خمس مرات يومًا إثر يوم كثيرٌ، وعدم انتهائها يجعلها مملةً.

وبعد مرور زمن طويل من كلام ذلك الرجل استمعت إلى نفسي، فسمعتها تقول الكلامَ نفسَهُ، ونظرت إليها فرأيتها تتلقى الدرس نفسه من الشيطان بأُذُنِ الكسل، ففهمت حينئذ أن هذا الرجل كأنه قد قال ذلك الكلامَ باسم النفوس الأمارة جميعها، أو هو قد أُنطِق به، وأنا بدوري قلت حينها:

ما دامت نفسي أمارةً بالسوء، وما دام مَن لا يُصلحْ نفسه لا يستطيع إصلاح الآخرين؛ إذن أبدأ بنفسي.


134. صفحة

قلت: يا أيتها النفس؛ استمعي مني إلى خمسة إيقاظات مقابل ما قلتِه بجهل مركَّب في فراش الكسل ونوم الغفلة.

الإيقاظ الأول:

يا نفسي الشقية؛ يا ترى هل عمرك أبدي؟ وهل عندك وثيقة موثقة أنك ستبقين إلى السنة المقبلة، بل حتى إلى الغد؟ فالذي يُمِلُّكِ ويُسئمك هو التوهم الأبدي، فأنت تتدللين كأنك ستبقين في الدنيا خالدة في الترف والتنعم، فلو فهمت أن عمرك قصير ويذهب بلا فائدة، فلا شك أن صرف جزء واحد من أربعة وعشرين جزءًا لخدمة جميلة وطيبة ولطيفة ومريحة ورحمة في ذاتها؛ يكون سببًا ووسيلةً لسعادة حياة أبدية حقيقية لا يُمِلُّ ولا يُضجِر بل يتسبب في إثارة اشتياق جدي وذوق لطيف.

الإيقاظ الثاني:

يا نفسي الشرهة؛ إنك تأكلين الخبز وتشربين الماء وتتنفسين الهواء كل يوم وباستمرار، فيا تُرى هل يُملّك ويُضجرك كل ذلك؟ لا؛ بل يجعلك تتلذذين لتكرر احتياجك إلى ذلك.

إذن ينبغي ألا تُضجِرَك وتُمِلَّك كذلك الصلاة التي تجذب وتجلب غذاء قلبي، وماء الحياة لروحي، ونسيم الهواء للطيفتي الربانية، واللائي هن أصدقاؤك في جسمي الذي بمنزلة البيت.

نعم؛ إن قوت وغناء قلبٍ متعرض لتأثيراتٍ وآلام لا نهاية لها ومُصابٍ بها، ومفتونٍ ومغرمٍ باللذائذ والآمال التي لا نهاية لها؛ يمكن أن يُتحصل عليها بطَرق باب رحيم كريم قادر على كل شيء بالتضرع.

نعم؛ إن ماء الحياة لروحٍ ذات علاقة بأكثر الموجودات، وتطلق صرخات الفراق وترحل بسرعة فائقة عن هذه الدنيا الفانية؛ يمكن أن يُشرب بالتوجه بالصلاة إلى ينبوع رحمة معبود باق، ومحبوب سرمدي هو عوض عن كل شيء.

135. صفحة

نعم؛ إن سر الإنسان ذي الشعور والذي هو اللطيفة الربانية ذات النور، والذي ينشد الأبد بفطرته، والذي خُلِق للأبد، والذي هو مرآة لذاتٍ أزلي وأبدي، والذي هو على درجة عالية من الرقة واللطافة؛ هو حتمًا في أمسِّ الحاجة إلى التنفس في ظلِّ أحوال الدنيا القاسية الساحقة، والمكدرة المؤقتة، والمظلمة والخانقة، ولا يمكن أن يتنفس إلا من خلال نافذة الصلاة.

الإيقاظ الثالث:

يا نفسي الجزوع عديمة الصبر؛ يا ترى أمن العقل بمكان أن تتفكري اليوم في كلفة العبادة، ومشقة الصلاة، وعناء المصيبة التي هي في تلك الأيام الماضية فتبدين الجزعَ، وأن تتصوري اليوم وظيفة العبادة وخدمة الصلاة وألم المصيبة التي هي في هذه الأيام الآتية فتظهرين عدمَ الصبرِ؟

فمثلك في عدم الصبر هذا؛ كمثل قائدٍ أحمق مخبولٍ التحقت قوات ميمنة عدوه بقوات ميمنته، ومع أنها أصبحت قوة جديدة له؛ فإنه أرسل قوة عظيمة أخرى إلى تلك الميمنة فتسبب في ضعف المركز، وكذلك أرسل قوة عظيمة أخرى إلى ميسرة العدوّ مع أنه لا يوجد فيها جنود ولمَّا يأتوا بعد، وأمر بإطلاق النار، فسقطت قوة المركز كليًّا؛ فأدرك العدوُّ الأمرَ وهجم على المركز، وفرّقهم شذر مذر([1]).

نعم؛ فأنت تشبهينَه؛ لأنه قد انقلبت مشقة الأيام الماضية إلى رحمة اليوم، وقد ذهب وزال ألمُها وبقيت لذتها، وتحوَّلت كلفتها إلى كرامة، وانقلبت مشقتها إلى ثوابٍ، ولذلك ليس لكِ أن تَمَلِّي، بل ينبغي أن تشعري بشوق جديد، وذوق متجدد وهمة جادة للاستمرار فيها.

وأما الأيام المستقبلية الآتية فمادامت لم تأت بعد؛ فالتفكير فيها والفتور والملل منها في آنك جنون، كالصراخ والعويل والتفكير - في يومك - في جوع وعطش الأيام الآتية.

[1]   شذر مذر: أي جعلهم متفرقين.

 :

136. صفحة

فبما أن الحقيقة هكذا؛ فإن كنت عاقلة فتَفكري في اليوم الحاضر فقط من ناحية العبادة، وقولي: إنني أصرف ساعة منه لخدمة لطيفة وطيبة وجميلة وسامية أُجرتها عظيمة جدًّا وكلفتها بسيطة للغاية، وعندئذ ينقلب فتورُكِ المرّ إلى همة حلوة.

وهكذا فيا نفسي الجزوع، إنك مكلفة بثلاثة أنواع من الصبر:

أولها: الصبر على الطاعة.

وثانيها: الصبر عن المعصية.

وثالثها: الصبر عند المصيبة.

فإن كان لك عقل فاتخذي الحقيقة التي تتجلى في المثال المذكور في الإيقاظ الثالث هذا قدوة، وقولي برجولة: “يا صبور”. واحملي هذه الأنواع الثلاثة من الصبر على عاتقك.

وإن لم تبعثري وتشتتي قوة الصبر التي منحها إياك الحق تعالى في غير محلها؛ فإنها يمكن أن تكفي لكل مشقة ولكل مصيبة، واصطبري بهذه القوة واصمدي.

الإيقاظ الرابع:

يا نفسي الطائشة البلهاء؛ يا ترى هل أداء وظيفة العبودية هذه بلا جدوى، وهل أجرتها قليلة حتى تجعلك تملين وتضجرين؟ إنك إنْ أعطاكِ رجلٌ بضعة دنانير أو أرهبك فهو يستخدمكِ إلى المساء، وتعملين له بلا فتور، فيا ترى هل الصلاة التي هي قوَّة وغناء لقلبكِ العاجز الفقير في الدنيا دار الضيافة هذه، والتي هي غذاء وضياء في قبرك الذي لا شك أنه منزلكِ، والتي هي وثيقة موثقة وبراءة في المحشر الذي هو محل محكمتِكِ على أية حال، والتي هي نور وبراق على الصراط الذي لابد من العبور عليه مهما كان؛ هل تكون الصلاة هذه بلا جدوى؟ أو أن أجرتها قليلة؟.

إنه إنْ وعدك رجل بهدية مقدارها مائة ليرة فإنه يستخدمك مائة يوم، ويمكنه أن يخلف وعده، وأنت تثقين في هذا الرجل وتعملين بلا فتور، فيا ترى هل الذي يستحيل

137. صفحة

في حقه خُلف الوعد إنْ وعَدَك بأجرة هي الجنة، وبهدية هي السعادة الأبدية، إن استخدمك في وظيفة لطيفة جميلة، وفي وقت قصير جدًّا؛ ألا تفكرين في أنك إن لم تقومي بالخدمة، أو قمت بها مرغمة وكأنك مكرهة، وتتهمينه في وعده، وتستخفين بهديته بقيامك بالخدمة بشكل ناقص مبتور؛ ألا تفكرين في أنك تستحقين تأديبًا شديدًا وتعذيبًا أليمًا؟!

 فإذا كنت تعملين أعمالاً ثقيلة للغاية وبلا فتور خوفًا من السجن في الدنيا، فهل لا يثير خوفُ سجنٍ أبدي كجهنم حماستَكِ للقيام بخدمة خفيفة ولطيفة للغاية؟!

الإيقاظ الخامس:

فيا نفسي المحبة للدنيا العابدة لها، يا ترى أفُتورك في العبادة وتقصيرك في الصلاة من كثرة المشاغل الدنيوية، أم لأنك لا تجدين وقتًا بسبب مشاغل المعيشة وهمومها؟ يا ترى أخُلقت من أجل الدنيا فقط حتى تصرفي كل وقتِك من أجلها؟ فتعلمين أنك فوق جميع الحيوانات من حيث الاستعداد، وأنك لا تستطعين أن تَبلغي درجة عصفور من حيث القدرة والطاقة لتوفير متطلَّبات الحياة الدنيا، فلم لا تفهمين من هذا أن وظيفتك الأصلية ليست الكَدَّ والكدحَ كالحيوان بل السعي لحياةٍ دائمةٍ حقيقية كإنسان حقيقي، ومع ذلك فإن ما تدَّعينه من مشاغل دنيوية أكثرها مشاغل تافهة لا تهمك ولا تعنيك، وتتدخلين فيها بصورة فضولية فتفسدينها، وتتركين ألزمها وأهمها وتهدرين الوقت في معلومات تافهة لا فائدة فيها، وكأنك ستعيشين آلاف السنين من العمر، فتهدرين وقتك الثمين في أمور تافهة لا قيمة لها، مِثْلَ: ما هي كيفية الحلقات التي حول زحل؟! وكم عدد دجاج أمريكا؟! فكأنك بذلك تكتسبين كمالاً في عِلْمَي الفلك والإحصاء!

إن قلت: إن ما يشغلني عن الصلاة والعبادة ويفتِّرني عنهما ليس مثلَ هذه الأمور التافهة، بل الأمور الضرورية لهموم المعيشة.

إذن فأنا أقول لك: إن قمتَ بعمل أجرته اليومية مائة قرش، ثم جاء أحدهم فقال لك: تعال احفر هنا لمدة عشر دقائق وستجد ماسة وزمردة بقيمة مائة ليرة، فإن أنت قلت له:

138. صفحة

لا، لن آتي؛ لأنه سيُخصَم من أجرتي اليومية عشرة قروش وستنقص من نفقاتي؛ فلا شك أنك تعلم كم أن تلك ذريعة غاية في البلاهة.

ومثل هذا فإنك تعمل في بستانك هذا من أجل نفقاتك، فإن أنت تركت الصلاة المفروضة؛ فإنّ ثمرة سعيك كلها تنحصر فقط في نفقات دنيوية لا أهمية لها ولا بركة، وإن أنت صرفت وقت استراحتك وراحتك للصلاة التي هي وسيلة لراحة الروح وتنفس القلب فعندئذ ستجد مع نفقاتك الدنيوية المباركة كنزين معنويين هما منبعٌ مهمٌ لنفقاتك الأخروية وزاد لآخرتك.

الكنـز الأول: أنك ستأخذ نصيبًا من تسبيحات كل نبات وشجر - مزهرًا كان أو مثمرًا - مما زرعته في جميع أطراف بستانك هذا بنية حسنة([1]).

 الكنـز الثاني: كل مَن أكل مِن محصولات هذا البستان - حيوانًا كان أو إنسانًا، أو بقرة أو ذبابة، أو زبونًا مشتريًا أو لصًا - سيكون لك ما أكلوه في حكم صدقة، وذلك بشرط أن تتصرف باسم الرزاق الحقيقي وفي دائرة إذنه، وأن تنظر إلى نفسك على أنك موظف توزيع يوزع مال الله على مخلوقاته.

والآن فانظر: كم يخسر من ترك الصلاة خسارة فادحة، وكم يفقد من ثروة مهمة، ويُحرَم من ذلكما الكنزين وتلكما النتيجتين اللتين تمدَّان الإنسان بشوق كبير إلى السعي، وتوفران قوة معنوية كبيرة في العمل حينئذ يُفلِسُ، حتى إنه كلما زاد هِرَمًا يَملّ من عمل البستان ويصيبه الفتور ويقول: ما لي أنا، فإنني راحل عن الدنيا، فلماذا أتحمل هذه المشقة الكبيرة؟! فيلقي بنفسه في أحضان الكسل.

أما ذلك الرجل الأول فهو يقول: سأسعى إلى كسب الحلال مع زيادة العبادة حتى أرسل نورًا أكثر إلى قبري، وأدخرَ ذخيرة أكثر لآخرتي.

 الحاصل: اعلمي أيتها النفس؛ أن الأمس قد خرج من يدك، وأما الغد فليس في يدك

[1]   هذا المقام درس لشخص في حديقة؛ بحيث بُيّن على هذه الطريقة.

 .


139. صفحة

وثيقة ملكيته، فاعلمي إذن أن عمرك الحقيقي هو اليوم الذي تعيشينه، فألقي ساعة من اليوم على الأقل كمالٍ احتياطي في المسجد أو السجادة اللذين هُيِّئا كصندوق أخروي صغير من أجل مستقبل حقيقي.

وكذا اعلمي: أن كل يوم جديد هو بالنسبة لك ولكل شخص باب لعالم جديد، فإن لم تؤد الصلاة فإنّ عالمكِ في ذلك اليوم يرحل مظلمًا تعسًا، ويشهد عليك في عالم المثال؛ إذ إن لكل شخص في كل يوم عالَمًا خاصًّا به في هذا العالم، وإن كيفية ذلك العالم تتبع قلب وعمل ذلك الشخص، مثله كمثل قصر عظيم رائع يظهر على المرآة فهو يتبع لونها، فإن كان لونها أسود فإنه يظهر أسود، وإن كان أحمر فإنه يظهر أحمر، ويتبع كذلك نوعيتها، فإن كانت صقيلة فإنها ستُظهِر القصر جميلاً، وإن كانت غيرَ صقيلة فإنها ستُظهِره مشوَّهًا وتظهر أدق الأشياء ضخمةً.

فكذلك أنتِ يا نفس، بقلبكِ وبعقلكِ وبعملكِ وبضميركِ تغيرين شكلَ عالمك، ويمكنكِ بذلك أن تجعليه شاهدًا لك أو عليك.

فإن أديتِ الصلاة، وإن توجهت بها إلى الصانع ذي الجلال لذلك العالم فسيتنوّر عالمك الخاص مباشرة وستُبَدِّدُ صلاتُك ظلماتِ ذلك العالم وكأنها مصباح كهربائي، وكأن نيتك ضغطت على زرّه، فتُريك كيف أن التبدلات والحركات التى في البؤس والشقاء في أثناء التقلبات الدنيوية هي انتظامٌ ذو حكمةٍ وكتاب قدرة ذو معان جمة، وتَسكب على قلبك نورًا من الأنوار الكثيرة للآية الكريمة ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَٰوَٰٰتِ والأَرْضِ﴾ (سورة النور:٢٤/٣٥) وتُضيء عالمك في هذا اليوم الذي أديت فيه صلاتك بضوء ذلك النور وتجعله يشهد لك بنورانيته.

حَذَارِ أن تقولي: أين صلاتى من حقيقة الصلاة هذه؟

إذ كما أن نواة التمر تحمل صفات النخلة كما تحمل النخلة صفات نفسها، وكما أن الفرق فى ذلك الإجمال والتفصيل فحسب؛ كذلك فهناك حصة لصلاة عامي مثلك ومثلي - وإن لم يشعر - من ذلك النور كصلاة أي ولي عظيم، ولها سر من تلك الحقيقة وإن لم يتعلق بها شعورك، إلا أن انكشافها وتنوّرها يختلف بحسب الدرجات.

140. صفحة

فكما أن هنالك مراتب بدءًا من نواة التمر وانتهاءً إلى النخلة المتكاملة، فكذلك يمكن أن توجد في درجات الصلاة مراتب أكثر من ذلك، ولكنه يوجد أساس تلك الحقيقة النورانية في تلك المراتب كلها.

 

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَنْ قَالَ: «الصَّلاَةُ عِمَادُ الدِّينِ»

وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.


141. صفحة

المقام الثانى

مـن

 الكلمة الحادية والعشرين

 

يتضمن خمسة مراهم لخمسة جروح قلبية

 

بسم الله الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ الشَّيَٰطِينِ

وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ

(سورة المؤمنون: ٢٣/٩٧-٩٨)

 

أيها المبتلى بمرض الوسوسة، هل تعرف ماذا تشبه وسوستك؟

تشبه المصيبة، كلما اهتممت بها انتفخت، وكلما أهملتها ضمرت وانطفأت، وإن استعظمتها عظمت، وإن استصغرتها صغرت، وإن خفت منها ثقلت وأمرضت، وإن لم تخف منها خفَّت واختفت، وإن لم تعرف ماهيتها استمرت واستقرت، وإن علمت ماهيتها وعرفتها ذهبتْ وزالت.

إذن فسأبيّن خمسة أوجه فقط مما يحدُث كثيرًا من الأقسام الكثيرة لتلك الوسوسة ذات المصائب؛ لعلها تكون شفاء لي ولك؛ إذ إن الوسوسة هذه شيء يدعوه الجهل ويطرده العلم، وإن لم تعرفها أقبلتْ، وإن عرفتها ذهبت.


142. صفحة

الوجه الأول (الجرح الأول):

يلقي الشيطان الشبهة في القلب أولاً، فإن لم يقبلها القلب تنقلب من الشبهة إلى الشتم، ويصوّر أمام الخيال ما يشبه الشتم من بعض الخواطر القذرة، والأحوال القبيحة المنافية للأدب فيجعل القلب يئن: واحسرتاه، ويوقعه فى اليأس، فيظن الرجل الموسوس أن قلبه يسيء الأدب إلى ربه، فيحس باضطراب وانفعال شديدين، وللتخلص من ذلك يفرُّ من استحضار رقابة الله، ويريد الانغماس فى الغفلة.

أما مرهم هذا الجرح فهو:

انظر أيها الرجل الموسوس المسكين، لا تقلق ولا تضطرب؛ لأن الذي يخطر ببالك ليس بشتم بل تخيل، وكما أن تخيل الكفر ليس بكفر فتخيل الشتم كذلك ليس بشتم؛ إذ إن التخيل بحسب علم المنطق ليس بحكم وأما الشتم فحكم.

ثم علاوة على ذلك فإن هذه الكلمات القبيحة البذيئة ليست بكلمات قلبك أنت؛ لأن قلبك محزون ومتأسف عليها، وإنما تأتي من اللَّمَّة الشيطانية التى هى قريبة من القلب.

إن ضرر الوسوسة هو توهم ضررها؛ أي التضرر قلبًا بتوهم أنها مضرة؛ لأنه يتوهَّم التخيل - الذي هو ليس بحكم - حقيقةً، وبذلك ينسِب عمل الشيطان إلى قلبه، ويظن كلام الشيطان صادرًا عن قلبه، ويعتبره ضررًا فيقع في الضرر، وهذا هو ما يريده الشيطان بالضبط.

الوجه الثاني هو: حينما تنطلق المعاني من القلب تدخل الخيال عارية من الصور، ومن ثَمَّ تلبس الصورَ فيه.

وأما الخيال فينسج - نوعًا ما - كل وقت الصور لسبب ما، ويترك صور ما يَهتم به من الأشياء على الطريق، ثم إذا مر به أي معنى من المعاني فإما أن يُلبسه إياه وإما أن يعلقه عليه أو يلصقه به أو يجعله ستارًا دونه.

أما إن كانت المعانى نزيهةً وطاهرةً، والصور ملوثةً ورذيلةً فلا لُبْسَ وإنما تماسٌّ. 


143. صفحة

ويلتبس على الرجل الموسوس التَّماسُّ بالتلبس، ويتأوه ويقول: ما أكثر فسادَ قلبي، وإن هذه السفالة وخسة النفس تجعلني مطرودًا، ويستفيد الشيطان من وَتَرِه الحساس هذا ويستغله.

أما مرهم هذا الجرح فهو:

استمع أيها البائس المسكين، كما أنه لا يؤثر ما في باطن بطنك من نجاسة على الطهارة الظاهرية التي هي وسيلة للأدب النزيه لصلاتك ولا يفسدها؛ فكذلك لا ضرر من مجاورة المعاني المقدسة للصور الملوثة.

 مثلاً: إنك بدأت تتفكر في الآيات الإلهية فإذا بك تشعر بمرض أو بشهية أو تحس بأمر مهيّج بشدة كالبول، فلا شك أن خيالك سيرى لوازم علاج علتك وقضاء حاجتك، وينظر إليها، وينسج الصور السفلية المناسبة لها، وستمر المعاني الواردة من خلالها، فلا بأس من المعاني المارة، ولا تلوُّث ولا ضرر ولا خطر، إلا أن الخطر هو حصر النظر وظن الضرر.

الوجه الثالث: هو أن هنالك بعضَ العلاقات الخفيةِ بين الأشياء، وهنالك خيوطُ علاقاتٍ حتى بين ما لا تتوقع من أشياء، إما أنها توجد بذاتها، وإما قد صنعها خيالك حسب ما ينشغل به من صنعة، وقد ربط بعضها ببعض، فمن سر هذه العلاقة: تُذكِّر رؤيةُ شيء مقدس أحيانًا بشيء ملوّث؛ إذ “إن التناقض الذي يكون سببًا للابتعاد في الخارج يكون مدعاة للقرب والتجاور في الصور والخيال” كما هو معلوم في علم البيان.

أي؛ إن واسطة جمع صورتين متضادَتيْنِ هي علاقة خيالية، ويُعبَّرُ عن هذا التخطر الوارد بسبب هذه العلاقة بـ “تداعي الأفكار”.

فمثلاً: بينما أنت في صلاة وفي مناجاة عند الحضرة الإلهية أمام الكعبة وتتفكر في الآيات؛ وإذا بتداعي الأفكار هذا يأخذك إلى أبعد مما لا يعنيك من الرذائل، فإن كان رأسك مبتلى بمثل تداعي الأفكار هذا فلا تقلق ولا تضطرب، بل عد وارجع عند لحظة انتباهك، ولا تستمر في الانشغال بالتحري الدقيق قائلاً: “وا نفساه! ما أعظم تقصيري!” 

144. صفحة

حتى لا تقوى تلك العلاقة الضعيفة بانشغالك بالتحري الدقيق؛ إذ كلما أبديت تأثرًا واهتممت بها انقلب تخطرك الضعيف إلى ملكة، وأصبح مرضًا خياليًّا.

لا تخف هو ليس بمرض قلبي، فهذا النوع من التوارد ليس بالاختيار في الغالب، بل هو غالبا ما يظهر عند العصبيين الحساسين خاصة، ويستثمر الشيطان كثيرًا معدن ذلك النوع من الوسوسة ويستغله.

ومرهم هذا الجرح هو: أن تداعي الأفكار ليس بالاختيار في الغالب، ولا مسئولية عنه ولا محاسبة عليه، ثم إن في التداعي مجاورةً، وليس فيه تماس واختلاط؛ لذا لا تسري كيفيات الأفكار بعضها في بعض، ولا تضر بعضها بعضًا.

كما أن هناك بين الشيطان ومَلَك الإلهام مجاورةً حول القلب، وكما أنه لا ضرر في قرب الفجار والأبرار ووجودهم في مسكن واحد؛ فكذلك إذا جاءت الخيالات القبيحة القذرة التي ترفضها بسائقة تداعي الأفكار، ودخلت في الأفكار النَزيهة؛ فإنها لا تضر إلا إن كانت عن قصد، أو إن انشغلت بها كثيرًا بظنّ الضرر، وكذا يكون القلب أحيانًا مرهقًا فينشغل الفكر عشوائيًّا ببعض الأشياء ليتلهى ويتسلى، ومن هنا يجد الشيطان فرصة فينثر أمامه الأشياء الخبيثة القذرة ويبسطها.

الوجه الرابع: هو وسوسة ناشئة عن تحري الوجه الأفضل للعمل، بحيث كلما تشدد المرء بظن التقوى يشتد الحال عليه، حتى يصل إلى درجة يقع فيها الحرام في أثناء بحثه عن أَوْلَى العمل وأفضله.

فأحيانا يتسبب تحريه لسُنةٍ واحدةٍ في ترك واجب، فيقول: يا ترى هل صح عملي؟ فيعيده، وتستمر هذه الحال فيسقط في يأس عميق، ويستفيد الشيطان من تلك الحالة فيجرحه.

ولهذا الجرح مرهمان:

المرهم الأول: إن مثل هذه الوسوسة تليق بأهل الاعتزال؛ لأنهم يقولون: إن الأشياء والأفعال التى هى مدار التكليف - باعتبار الآخرة - إما لها حسنٌ في ذاتها ومن ثم أُمر بها بناء على ذلك الحسن، وإما لها قبحٌ ومن ثم نُهيَ عنها بناء على ذلك القبح.


145. صفحة

إذن فإن الحسن والقبح الموجودين في الأشياء من جهة الآخرة والحقيقة هما ذاتيان، وأما الأمر والنهي الإلهي فهما تابعان لهما، وحسب هذا المذهب ترد إلى الإنسان فى كل ما يقوم به من عمل وسوسة كالآتي:

يا ترى هل تَمّ عملي بصورة حسنة على ما فى “نفس الأمر”([1])؟

أما أهل المذهب الحق، وهم أهل السنة والجماعة، فيقولون: إن الحق تعالى يأمر بشيء فيكون حسنًا، وينهى فيصبح قبيحًا.

إذن فالحسن يتحقق بالأمر والقبحُ بالنهي، ويتحقق الحسن والقبح حسب علم المكلف به، ويتقرر بحسب ذلك العلم.

أما ذلك الحسن والقبح فليس في وجهه المتوجه إلى الدنيا، وإنما في الوجه المتوجه إلى الآخرة.

فمثلاً: أنت صليت أو توضأت، في حين كان هنالك سبب ما “في نفس الأمر” قد يتسبب في فساد صلاتك ووضوئك، ولكنك لم تطلع عليه، فصلاتك ووضوؤك صحيحان وحسنان.

أما المعتزلة فيقولون: إنهما قبيحان وفاسدان في الحقيقة، ولكنهما يُقبَلان منك؛ لأنك تجهله ولم تعرفه ولك عذر.

إذن فلا تتوسوس قائلاً: يا ترى هل صح عملي الذي قمت به والذي يتوافق وظاهر الشريعة حسب مذهب أهل السنة؟ ولكن قل: هل هو تُقُبِّل مني؟ ولا تغترَّنَّ، ولا يعجبنَّك عملك.

المرهم الثاني: هو: “لاَ حَرَجَ في الدِّينِ”.

مادامت المذاهب الأربعة حق، ومادام إدراك هذا الرجل الموسوس لتقصيره الذي

[1]   نفس الأمر: هو عبارة عن العلم الذاتي الحاوي لصور الأشياء كلها: كلياتها وجزئياتها، وصغيرها وكبيرها، جملةً وتفصيلاً، عينية كانت أو علمية.

           ونفس الأمر: معناه أيضًا نفس الشيء في حد ذاته، فالمراد بالأمر هو الشيء بنفسه، فإذا قلت مثلاً: الشيء موجود في نفس الأمر كان معناه، أنه موجود في حدّ ذاته. (المترجم)..


146. صفحة

يُنتج الاستغفار مرجَّحٌ على رؤيته لحسن عمله التي تنتج الغرور؛ أي إنه خير وأولى لرجل موسوس كهذا أن يرى عمله ذا تقصير فيستغفر بدلاً من أن يرى عمله حسنًا فيقع في الغرور؛ مادام الأمر هكذا فانبذ واترك الوسوسةَ وقل للشيطان: إن هذه الحال حرِج، وإنه لصعب الاطلاع على حقيقة الحال، وهو ينافي اليسر في الدين، ويخالف أساسَ “لاَ حَرَجَ فِي الدِّينِ” و“الدِّينُ يُسْرٌ” ولا شك أن عملي بهذه الكيفية يوافق أحد المذاهب الحقة فهو حسبي ويكفيني، وكذا هذه الحال على الأقل وسيلة للتضرع بالتذلل من أجل طلب العفو عن تقصيري، وقبول عملي المشوب بالتقصير، ملتجئا إلى الرحمة الإلهية - معترفًا بعجزي - بالاستغفار والتضرع لما لم أستطع أن أقوم به من أدائي العبادة بوجه لائق.

الوجه الخامس: هو وسوسة واردة على صورة شبهة في المسائل الإيمانية، يلتبس على الرجل الموسوس المسكين أحيانًا التخيلُ بالتعقل.

أي: إنه يتوهم ما ورد إلى الخيال من شبهة كأنها شبهة دخلت العقل، فيظن أن خللاً قد أصاب اعتقاده، وكذا يظن أحيانًا ما توهمه من شبهةٍ أنها شك مضر للإيمان، وكذا يظن أحيانًا ما تصوره من شبهة أنها شبهة قد دخلت في التصديق العقلي، وكذا يظن التفكر في أمر كفري كفرًا.

يظن جولان القوة المفكرة وتحريها ومحاكمتها العقلية المحايدة على صورة فهم أسباب الضلالة خلافًا للإيمان، فيقول خائفًا مرتجفًا من هذه الظنون التي هي من آثار التلقينات الشيطانية: ويلتاه! قد فسد قلبي، وقد أصاب اعتقادي خلل.

ولأن تلك الحالات غالبًا ما تكون خارجة عن الاختيار ولأنه لم يستطع إصلاحها باختياره الجزئي؛ يسقط في اليأس.

ومرهم هذا الجرح هو:

كما أن تخيل الكفر ليس بكفر فإن توهم الكفر كذلك ليس بكفر، وكذا كما أن تصور الضلالة ليس بضلالة فإن التفكر في الضلالة كذلك ليس بضلالة؛ إذ إن التخيل والتوهم والتصور والتفكر كلها مختلفة تمامًا عن التصديق العقلي والإذعان القلبي ومغايرة لها،

147. صفحة

وكلها حرة طليقة إلى حد ما، وكثيرا ما لا تلقي بالاً إلى الاختيار الجزئي ولاتصغي إليه، ولا تخضع إلى التكاليف الدينية كثيرًا.

أما التصديق والإذعان فليسا كذلك، وإنما تابعان لميزان.

ثم إن التخيل والتوهم والتصور والتفكر فكما أنها ليست بتصديق وإذعان كذلك فلا تُعدُّ شبهة وترددًا، إلا أنه إن تكررت بصورة فضولية وزائدة، واتخذت حالة مستقرة؛ فعندئذ قد يتولد منها نوعٌ من شبهة حقيقية.

وكذا فإنه يقول في نفسه: “باسم المحاكمة العقلية المحايدة أو باسم الإنصاف” فيلتزم الشقَّ المخالف بكثرة وبتكرار حتى يصل إلى حالة بحيث يلتزم الطرفَ المخالف بلا اختيار، فيسقط التزام الحق الواجب عليه، وبذلك يقع في التهلكة والخطر، وتتقرر في ذهنه حالة تجعله وكيلاً فضوليًّا للخصم والشيطان.

 وأهم نوع لمثل هذه الوسوسة: يلتبس على الرجل الموسوس الإمكان الذاتي بالإمكان الذهني.

أي: إنه إذا رأى شيئًا ممكنًا في ذاته يتوهم أنه ممكن ذهنًا ومشكوك فيه، ولكن قاعدة من قواعد علم الكلام تقول: إن الإمكان الذاتي لا ينافي اليقين العلمي، ولا يناقض الضرورةَ الذهنية.

مثلاً: من الممكن أن يغيض ماء البحر الأسود بحد ذاته في هذه اللحظة وذلك محتمل بالإمكان الذاتي، والحال أننا نحكم يقينًا أن ذلك البحر مستقر في مكانه ونعلم ذلك بلا شبهة، ولا يشككنا ذلك الاحتمالُ الإمكانيُّ وذلك الإمكان الذاتي ولا يأتيان بشبهة ولا يفسدان يقيننا.

فمثلاً: يمكن ألا تغرب هذه الشمس اليوم في حد ذاتها أو لا تطلع غدًا، بينما هذا الإمكان لا يضر يقيننا ولا يأتي بشبهة.

فمَثل هذين المثالين كمثل الأوهام التى ترد من حيث الإمكان الذاتي حول غروب الحياة الدنيوية وطلوع الحياة الأخروية اللتين هما من الحقائق الإيمانية؛ فلا تضر اليقين الإيماني. 


148. صفحة

وكذا من القواعد المقررة في أصول الدين وأصول الفقه هذه القاعدة المشهورة: (لاَ عِبْرَةَ لِلاِحْتِمَالِ غَيْرِ النَّاشِئِ عَنْ دَلِيلٍ) أي: لا أهمية قطعًا لاحتمالٍ غير ناشئ عن دليل.

إن قلت: بناء على أية حكمة أصابتنا هذه الوسوسة التي هي مضرة ومزعجة للمؤمنين إلى ذلك الحد؟

الجواب: الوسوسة أصلاً - بشرط ألاَّ تصل إلى حد الإفراط وألاَّ تتغلب على الإنسان - هي سبب للتيقظ، وداعية للتحري، ووسيلة للجدية، وطاردة اللامبالاة، ودافعة للتهاون؛ لذا فقد أعطى الحكيم المطلق هذه الوسوسة للشيطان كسوط تشويقٍ لنا في دار الامتحان هذه، وميدان المسابقة هذا، يضرب بها الشيطان على رأس البشر، فإن كان آلمه وأوجعه كثيرًا فعليه أن يشكو إلى الحكيم الرحيم، وأن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.


جدول المحتويات