الكلمة الحادية والثلاثون

337. صفحة

الكلمة الحادية والثلاثون

المعراج النبوي

 على صاحبه الصلاة والسلام

 

تنبيه

إن مسألة المعراج نتيجة تترتب على أصول الأركان الإيمانية، وهي نور يستمد من أنوار الأركان الإيمانية؛ فلا شك أنه لا يُثبَت بها أمام الملحدين الكفرة الذين لا يقبلون الأركان الإيمانية؛ لأنه لا يُذكَرُ المعراج مع الذين لا يعرفون الله، ولا يعرفون الرسول، ولا يقبلون الملائكة، أو ينكرون وجود السماوات؛ إذ يجب إثبات تلك الأركان أولاً.

لذا سنجعل المؤمن الذي وقع في الوساوس واستبعد المعراج مخاطَبًا، وسنسرد الكلام له، إلا أننا سنتوجه من حين لآخر إلى الملاحدة الذين هم في مقام الاستماع، ونسرد لهم الكلام.

ولقد ذُكر قسم من لمعات حقيقة المعراج في بعض الكلمات (أي الرسائل)، فسألنا الله العنايةَ في ربط تلك اللمعات المتفرقة بأصول الحقيقة - استجابة لإصرار إخواني - وفي جعلها - دفعة واحدة - مرآةً لجمال الكمالاتِ الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام.

338. صفحة

﴿سُبْحَٰنَ الَّذِۤى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِى بَٰرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَۤا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ

 (سورة الإسراء: ١٧/١)

 

﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ { ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ { وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَىٰ { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ { فَأَوْحَىٰۤ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَۤا أَوْحَىٰ { مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰۤ { أَفَتُمَٰرُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ { وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ { عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ { عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰۤ { إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ { مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ { لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰۤ

(سورة النجم: ٥٣/٤-١٨)

سنتحدث - كما بُيِّن في مبحث الإعجاز - عن رمزين مستندين إلى دستور بلاغي في ضمير “إنه” من خزينة عظيمة للآية الأولى العظيمة المذكورة؛ وذلك لمناسبتهما مسألتنا هذه.

إن القرآن الحكيم بعد أن ذكر سَيْرَ الحبيب الأكرم - عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام - من المسجد الحرام - وهو مبدأ معراجه - إلى المسجد الأقصى يقول: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.

فالضمير الوارد هنا في “إنه” - الذي يرمز إلى منتهى المعراج المشار إليه في سورة “النجم”- إما راجع إلى الحق تعالى، وإما راجع إلى الرسول # فإن كان راجعًا إلى الرسول # فإن قانون البلاغة ومناسبة سياق الكلام يفيدان ما يلي:

إن في هذه السياحة الجزئية سيرًا عامًّا، وعروجًا كليًّا؛ بحيث إنه # قد سمع ورأى كل ما صادف أذنَه وعينَه من الآيات الربانية، وعجائب الصنعة الإلهية في المراتب الكلية للأسماء الحسنى، حتى في “سدرة المنتهى” وفي “قاب قوسين”. 


339. صفحة

ويَعرض - القرآنُ الحكيم - تلك السياحةَ الجزئية القصيرة على أنها مفتاح لسياحة كلية هي محشر العجائب.

وإنْ كان الضمير راجعًا إلى الحق تعالى يكنْ المعنى كالآتي:

إنه سبحانه وتعالى دعا عبدًا من عباده - في سياحة - إلى حضرته ليوظفه في وظيفة، فأرسله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي هو مجمع الأنبياء، وجعله يلتقي الأنبياء ليُظهر - الحقُّ تعالى - أنه الوارث المطلق لأصول أديان جميع الأنبياء، وسيَّره في ملكه وملكوته حتى “سدرةِ المنتهى” و “قاب قوسين”.

ففي الحقيقة هو عبد، وتلك السياحة معراج جزئي؛ إلا أن ذلك العبد يحمل معه أمانة تتعلق بجميع الكون، ومعه نور سيغيِّر لون هذا الكون، ومعه مفتاح يفتح باب السعادة الأبدية؛ لذا يصف الحق تعالى نفسه بأنه يَسمع ويَرى كلَّ شيء حتى يُظهِر ما لتلك الأمانةِ وذلك النورِ وذلك المفتاحِ من حِكَمٍ محيطةٍ بالكون، وشاملةٍ لجميعِ المخلوقات، وعامةٍ كُلّ الكون.

 

ولهذا السر العظيم أربعة أسس:

أولها: ما سر لزوم المعراج؟

ثانيها: ما حقيقة المعراج؟

ثالثها: ما حكمة المعراج؟

رابعها: ما ثمرات المعراج وفوائده؟


340. صفحة

الأساس الأول

سر لزوم المعراج

يقال مثلاً: إن الحق تعالى هو ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (سورة ق: ٥٠/١٦) وأقرب إلى كل شيء من كل شيء، ومنَزَّه عن الجسم والمكان، وكل ولي من أولياء الله يستطيع أن يقابل ربَّه في قلبه. فلِمَ لم تُوفَّق الولايةُ الأحمدية لِمُناجاةٍ إلا بعد نتائج سياحة طويلة كالمعراج بينما يُوَفَّق لها كل ولي في قلبه؟

الجواب: نُقَرِّب هذا السرّ الغامض إلى الفهم بمثالين اثنين، فاستمع لهذين المثالين اللذين يبحثان سرّ إعجاز القرآن، وسرّ المعراج كما ذُكِر في “الكلمة الثانية عشرة”.

المثال الأول: إن لكل سلطان نوعين من المكالمة والمحادثة والمقابلة، وإن له طريقتين من الخطاب والتوجه.

أحدهما: محادثةٌ ومكالمةٌ بهاتف خاص حول شيءٍ معين في أمر جزئي مع أحد رعاياه من العوام.

والآخر: مكالمة وصحبة بعنوان السلطنة العظمى، وباسم الخلافة الكبرى، وبحيثية الحاكمية العامة، وبقصد نشر أوامره وإعلانِها في الآفاق مع مبعوثٍ له ذي علاقة بتلك الأمور، أو مع موظف كبير له يُعنى بتلك الأوامر، ومكالمة بوساطة فرمان سام يظهر عظمته.

وهكذا - كما في هذا المثال [ولله المثل الأعلى] - فإن لخالق هذا الكون ومالك الملك والملكوت وحاكم الأزل والأبد نوعين من المكالمة والصحبة والتوجه؛ أحدهما جزئي وخاص والآخر كلي وعام، فالمعراج هو ظهور الولاية الأحمدية بصورة كلية وعُلوية تفوق جميع الولايات؛ بحيث إنه تشرُّفٌ بمناجاة الحق تعالى ومحادثته بوصفه ربّ جميع الكون، وبعنوان خالق جميع الموجودات.


341. صفحة

المثال الثاني: يوجِّه رجل ما مرآةً في يده نحو الشمس فتأخذ هذه المرآة من الشمس حسب سعتها نورًا وانعكاسًا وضياء يحتوي على ألوان الطيف السبعة، فيكون ذلك الرجل ذا علاقة بالشمس ويخاطبها حسب تلك المرآة، أما إذا وَجّه تلك المرآةَ المنوَّرة بذلك النور إلى بيته المظلم، أو إلى حديقته المسَقَّفة الصغيرة الخاصة فبإمكانه أن يستفيد - من ذلك النور - ليس بحسب الشمس بل بحسب سعة قابلية تلك المرآة.

بينما الآخر يترك المرآة ويواجه الشمس مباشرة، فيرى هيبتَها ويدرك عظمتها، ثم يصعد على جبل عالٍ جدًّا فيرى عظمة سلطنتها الواسعة، ويقابلها وجهًا لوجه دون أي حجاب، ثم يعود ويفتح نوافذ واسعة من بيته، أو من سقف حديقته، ويشق طرقًا تجاه الشمس التي في السماء، ويُجري حوارًا مع الضياء الدائم للشمس الحقيقية ويناجيه، وهكذا يستطيع الحوارَ معه بالامتنان، ويستطيع أن يقول: أيتها الشمس الرقيقة، ويا مَلِكة جمال العالم، ويا لطيفة السماء، يا من جعلتِ وجهَ الأرض يتلألأ بنورك، ومنحتِ وجه الأرض ووجوه الأزهار ابتسامة وسرورًا، إنك منحت الدفء لبيتي الصغير، وحديقتي الصغيرة، وأضأتهما كما أضأتِ كل الدنيا، وأدفأت سطح الأرض. بينما الرجل الأول الذي يحمل المرآة لا يستطيع أن يقول مثل هذا.

وأما انعكاس الشمس بقيد تلك المرآة فآثارُه محدودةٌ، وتكون مقيدة بذلك القيد.

 فتجلي الأحد الصمد الذي هو شمس الأزل، وسلطان الأبد يَظهر على الماهية الإنسانية بصورتين تتضمنان مراتب لا حد لها.

أولاهما: تجلٍّ بنسبةٍ ربانيةٍ تمتد إلى مرآة القلب؛ حيث إن لكل فرد حظوةً من نور الشمس الأزلي ومحاورتها ومناجاتها - جزئية كانت أو كلية - حسب استعداده وسيره وسلوكه في طي المراتب، وتجلي الأسماء والصفات عليه، فدرجات الولايات التي تسلك ظل الأسماء والصفات الغالبة تنشأ عن هذا القسم.

ثانيتهما: تجلي الحق تعالى بذاته التجلّي الأعظم على أعظم فرد لنوع الإنسان - معنى - في أعظم مرتبة للأسماء الحسنى من حيث كون الإنسان يحمل فطرة جامعة وكونه 


342. صفحة

أنور ثمرات شجرة الكون، ومن حيث كونه قابلا لإظهار الأسماء الحسنى المتظاهرة تجلياتُها في جميع الكون دفعة واحدة في مرآة روحه.

وهذا التجلي هو سر المعراج الأحمدي على صاحبه الصلاة والسلام؛ بحيث إن ولايته تكُون مبدأ رسالته، حيث تتجاوز الظلَّ، وتشبه الرجل الأول في المثال الثاني، ولا ظل في الرسالة وهي تتوجه مباشرة إلى أحدية الذات ذي الجلال وتشبه الرجل الثاني في المثال الثاني.

أما المعراج فقد انقلب إلى مرتبة الرسالة لكونه الكرامة الكبرى والمرتبة العليا للولاية الأحمدية على صاحبها الصلاة السلام، فباطن المعراج ولاية، انطلقت من الخلق إلى الحقّ، وظاهره معراج الرسالة؛ إذ يأتي من الحقّ إلى الخلق، أما الولاية فهي سلوك في مراتب القُرْبِيَّةِ، وهي محتاجة إلى طَيِّ مراتب كثيرة، وإلى زمان - إلى حدٍّ ما - أما الرسالة التي هي النور الأعظم فتتوجه إلى سر انكشاف الأقربية الإلهية؛ بحيث إن آنًا سيّالاً([1]) يكفيها، ولهذا ذُكر في الحديث الشريف أنه رجع في الحال.

والآن نقول للملحد الذي هو في مقام الاستماع:

بما أن الكون بمنْزلة بلدة في غاية الانتظام، ومدينة في غاية الروعة، وقصر في غاية التزيين؛ فلا شك أن له حاكمًا ومالكًا وصانعًا، وبما أن هنالك مالكًا ذا جلال، وحاكمًا ذا كمال، وصانعًا ذا جمال، صاحب عظمة وسلطان، وبما أن هناك إنسانًا ذا نظرة كلية، يُبدي علاقةً بكل ذلك العالم والبلد والمدينة والقصر، وله صلة بجميعها بحواسه ومشاعره؛ فلا شك أنه سيكون لذلك الصانع العظيم صلة عالية عظمى بذلك الإنسان ذي النظرة الكلية، وذي الوعي والشعور العامّين، وسيكون له مع هذا الإنسان خطاب قدسي، وتوجُّهٌ علوي سامٍ.

وبما أن محمدًا العربي قد أظهر تلك الصلة في أعظم درجة منذ آدم # إلى يومنا هذا من بين مَن حظي بتلك الصلة بشهادة آثاره؛ كضمِّه


[1]   الآن السيال: اللحظة التي تمر بسرعة كسرعة السيل.

 .


343. صفحة

نصفَ الكرة الأرضية وخُمسَ نوع البشرية تحت دائرة تصرفه، وكتغييره شكلَ الكون المعنوي وإضاءتِه له؛ إذن فإن المعراج الذي هو عبارة عن أعظم مرتبة لتلك الصلة لهو أليق به وأوفق له.

 


344. صفحة

الأساس الثاني

ما حقيقة المعراج ؟

الجواب: هو عبارة عن سير وسلوك الذات الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام في مراتب الكمالات، إن الحق تعالى أَطْلَع عبدَه الخاصَّ على آثار الربوبية - واحدةً تلو الأخرى - التي أظهرها بالأسماء والعناوين المختلفة التي جلاّها في ترتيب المخلوقات فيما صنعه من دوائر التدبير والإيجاد في سلطنة ربوبيته، وفي طبقة السماء التي هي مدار عرش الربوبية ومركز التصرف في تلك الدوائر، أركبه البراق وسَيَّره في السماوات كالبَرْق قاطعًا به المراتب؛ لكي يجعل ذلك العبد جامعًا لجميع الكمالات الإنسانية ومَظهرًا لجميع التجليات الإلهية، وناظرًا على جميع طبقات الكون، وداعيًا لسلطنة الربوبية، ومبلغًا المرضيات الإلهية، وكشافًا لطلسم الكون، وجعله يشاهد الربوبية الإلهية كالقمر من منزل إلى منزل، ومن دائرة إلى دائرة، ويقابل إخوانه الأنبياء الذين لهم مقامات في سماوات تلك الدوائر واحدًا فواحدًا، حتى وصل به إلى مرتبة قاب قوسين، وجعله يحظى بتجلي الأحدية لكلامه ورؤيته.

ويمكن النظر إلى هذه الحقيقة العالية بمنظار مثالين اثنين.

الأول: وقد وُضِّح في “الكلمة الرابعة والعشرين” كالآتي:

كما أن لسلطان عناوين مختلفة في دوائر حكومته، وأسماء وصفات مختلفة في طبقات رعيته، وأسماء وعلامات متنوعة في مراتب سلطنته، فمثلاً: اسم الحاكم العادل في دائرة العدل، واسم السلطان في دائرة الملكية، واسم القائد الأعظم في دائرة العسكرية، واسم الخليفة في الدائرة العلمية، وهكذا له أسماء وعناوين أخرى، وله في كل دائرة كرسي ومقام بمنْزلة عرش معنوي، ويمكن لهذا السلطان الواحد أن يمتلك ألف اسم وألف 


345. صفحة

عنوان في كل دائرة من دوائر تلك السلطنة، وفي مراتب طبقات الحكومة، ويمكن أن يكون له فيها ألف عرش سلطنة متداخلة بعضها مع بعض، وكأن ذلك الحاكم موجود وحاضر في كل دائرة من الدوائر بحيثية شخصيته المعنوية وهاتفه، فهو موجود ويعلم، وكأنه شاهد ومشهود بقانونه ونظامه وممثله في كل الطبقات يُرَى ويَرَى، وكأنه هو المتصرِّف الناظر وراء الحجب في كل مرتبة من المراتب بحُكمِه وعلمه وقوَّته يُدير ويشرف، وإن لكل دائرة من تلك الدوائر مركزًا ومنزلاً، تلك المنازل والمراكز أحكامها مختلفة بعضها عن بعض، وطبقاتها متباينة بعضها عن بعض.

فسلطانٌ كهذا يُسيِّر مَن يريده ويختاره في جميع دوائره تلك، ويريه عظمة سلطنته وأبهتها المخصوصة بكل دائرة، ويُطلعه على أوامره الحاكمة، ويجول به من دائرة إلى دائرة، ومن طبقة إلى طبقة، حتى يأخذه إلى حضرته، ثم يُودِع فيه بعد ذلك بعض الأوامر العمومية الكلية التي تتعلق بجميع تلك الدوائر ويرسله.

وكما في هذا المثال؛ فإن لرب العالمين وهو سلطان الأزل والأبد:

شئونًا وأسماء مختلفة في مراتب ربوبيته، إلا أنها تناظر بعضُها بعضًا.

وله في دوائر ألوهيته أسماء وعلامات متفاوتة، ولكن يتراءى بعضُها في بعض.

وله ظهور وتجلّيات متغايرة في إجراءاته المعظمة الهائلة، ولكن يشبه بعضُها بعضًا.

وله عناوين مختلفة في تصرفات قدرته، ولكن يُشعر بعضُها ببعضٍ.

وله مظاهر متفاوتة مقدسة في تجليات صفاته، ولكن يدل بعضها على بعضٍ.

وله تصرفات متنوعة في تجليات أفعاله، ولكن يكمل بعضها بعضًا.

وله ربوبية عظيمة مهيبة متنوعة في صنائعه ومصنوعاته الملونة بألوان متنوعة ولكن يشاهد وينظر بعضها بعضًا.

فبناء على هذا السر العظيم قد نَظَّمَ الكونَ بترتيب عجيب محيّر؛ إذ هناك نُظُمٌ بعضها فوق بعض ابتداء من الذرات - وهي من أصغر طبقات المخلوقات- حتى السماوات، 


346. صفحة

ومن الطبقة الأولى للسماوات وحتى العرشِ الأعظم، فكل سماء هي في حكم سقف لعالم آخر، وفي حكم عرش للربوبية، وفي حكم مركز للتصرفات الإلهية، وفي الحقيقة يمكن أن توجَد في تلك الطبقات والدوائر كلُّ الأسماء باعتبار الأحدية، وتتجلى بكل العناوين، إلا أنه كما أن عنوان الحاكم العادل أصل وغالب في دائرة العدل وكل العناوين الأخرى تتبع له وتنفذ أوامره؛ فكذلك في كل طبقات المخلوقات، وفي كل سماءٍ اسمٌ وعنوانٌ إلهيٌّ حاكمٌ، وتكون سائر العناوين ضمنَه.

فمثلاً؛ في السماء التي قابل فيها عيسى # الذي هو مظهر لاسم القدير النبيَّ # فالحق تعالى متجل في دائرة تلك السماء بالذات باسم القدير.

ومثلاً؛ إن العنوان المسيطر سيطرة غالبة في دائرة السماء التي هي مقام سيدنا موسى عليه السلام هو عنوان المتكلم الذي أصبح موسى [عليه السلام] مظهرًا له، وهكذا.

ولأن الذات الأحمدية - على صاحبها الصلاة والسلام - مظهر للاسم الأعظم، ولأن نبوته عامة شاملة، ولأنه مظهر لجميع الأسماء؛ فلا شك أنه ذو علاقة بكل دوائر الربوبية، ولا شك أن مقابلته جميعَ الأنبياء سلام الله عليهم أجمعين الذين لهم مقامات في تلك الدوائر، ومرورَه من جميع الطبقات تقتضي حقيقة المعراج.

المثال الثاني: وكما أن عنوان القائد الأعظم الذي هو من عناوين السلطان؛ له تجلٍ وظهور في كل دائرة بدءًا من دائرة كلية واسعة كدائرة القائد العام وانتهاء إلى دائرة جزئية خاصة كدائرة العريف.

مثلاً؛ إن جنديًّا يرى نموذج عنوان ذلك القائد الأعظم في شخص العريف، ويتوجه إليه، ويتلقى الأمر منه، وذلك الجندي إذا أصبح عريفًا تلوح أمام نظره دائرة القيادة الموجدة في دائرة الرقيب، فيتوجه إليه ويتلقى الأمر منه، ثم إذا أصبح رقيبًا فحينئذ يرى نموذج القيادة وتجليها في دائرة الملازم، وله كرسي خاص في ذلك المقام، وهكذا يرى عنوان تلك القيادة في كل دائرة من دوائر النقيب والرائد والفريق والمشير حسب صغر



347. صفحة

تلك الدوائر وكبرها، فإذا أراد ذلك القائد الأعظم أن يُوَظِّف شخصًا في وظيفة تتعلق بجميع الدوائر العسكرية، وأراد أن يعطيه مقامًا كمقام المفتش يَرَى كلَّ دائرة من تلك الدوائر، ويُرَى في كل منها، فلا شك أن ذلك القائد الأعظم يجول بذلك الجندي بدءًا من دائرة العريف وانتهاءً إلى دائرته العظمى واحدةً تلو الأخرى، حتى يَرى ويُرَى، ثم يستقبله في مقام حضرته، ويشرّفه بكلامه، ويكرِّمه بمنحه أَوْسِمَتَه وفرماناته، ثم يرسله إلى حيث جاء في لحظة واحدة.

يجب أخذ نقطة في الاعتبار من هذا المثال، وهي: إن لم يكن السلطان عاجزًا، وإذا كانت له قدرة من الجهة المعنوية كما في الظاهر، فعندئذ لا يوكِّل أشخاصًا كالفريق والمشير والملازم، بل يوجَد بذاته في كل الأماكن، إلا أنه هو نفسه يصدر الأوامر مباشرة من وراء بعض الحجب، ومن خلف بعض الأشخاص ذوي المقام.

ويُروَى أن بعض السلاطين كانوا أولياء كاملين، وكانوا يُنَفِّذون أوامرهم في دوائر كثيرة في صورة بعض الأشخاص.

أما الحقيقة التي رصدناها من خلال هذا المثال، فهي أن الأمر والحكم يصدر مباشرة من القائد الأعظم إلى كل دائرة من الدوائر، وكل شيء فيها بأمره، وإرادته، وقوته؛ لأنه لا عجز له.

فكما في هذا المثال؛ فإن سلطان الأزل والأبد الذي هو حاكم الأرض والسماوات، والآمر المطلق والمالك لأمر كن فيكون، تُشاهَد أوامرُه وشئون قيادته التي تجري في طبقات مخلوقاته والتي تُنفَّذ بكمال الطاعة والانتظام، وتُرى فيها دائرة الربوبية وطبقات الحاكمية المختلفة بعضها عن بعض؛ إلا أنها في صورة تناظر بعضها بعضًا في طبقات المخلوقات، وطوائفِ الموجودات كلية كانت أو جزئية صغيرة أو كبيرة بدءًا من الذرات وانتهاء إلى الكواكب، ومن الذباب إلى السماوات.

فسيكون هناك على كل حال سير وسفر إلى تلك الطبقات والدوائر لمن سيفهم المقاصد العليا، والنتائج العظمى في كل الكون، برؤية وظائف العبودية المختلفة لكل الطبقات، مشاهدًا سلطنة الربوبية، وعظمة الحاكمية لِذِي الكبرياء، ولكي يفهم ما هي 

348. صفحة


مرضياته، ولكي يكون داعيًا لسلطنته حتى يدخل عرشه الأعظم الذي هو عنوان دائرته العظمى، وحتى يدخل قاب القوسين؛ أي المقام المشار إليه بقاب قوسين بين الإمكان والوجوب، وسيلتقي الحق ذا الجمال، فهذا السير والسلوك هو حقيقة المعراج.

فكما أن هناك سَيْرًا لكل إنسان في سرعة الخيال بعقله، وتجوالاً لكل ولي في سرعة البرق بقلبه، ودورانًا لكل مَلَك - الذي هو جسم نوراني - في سرعة الروح من العرش إلى الفرش، ومن الفرش إلى العرش، وصعودًا لأهل الجنة في سرعة البراق إلى الجنة التي على مسافة أكثر من خمسمائة سنة من ميدان الحشر؛

فإن جسم محمد # هو مخزن أجهزة ومدار للوظائف غير المحدودة لروحه #، التي هو نور أو شبيه بماهية النور، وهو ألطف من قلوب الأولياء، وأخف من أرواح الأموات، وأجسام الملائكة، وأكثر لطافة من الجسد النجمي، والبدن المثالي، فلا شك أن جسمه # سيرافق روحه العالية السامية إلى العرش.

والآن ننظر إلى الملحد الذي هو في مقام الاستماع، ويرد على الخاطر أن ذلك الملحد يقول في قلبه:

أنا لا أعرف الله، ولا أعلم الرسول، فكيف أؤمن بالمعراج؟

ونحن نقول:

بما أن هذا الكون وهذه الموجودات موجودة، وفيهما أفعال وإيجاد؛ وبما أن الفعل المنتظم لا يكون بلا فاعل، وأن الكتاب ذا المعاني لا يكون بلا كاتب، وأن النقش ذا الصنعة لا يكون بلا نقَّاش؛ فلا شك أن هناك فاعلاً للأفعال الحكيمة التي تملأ هذا الكونَ، وأن هناك كاتبًا لمكتوبات لها معنى ونَقَّاشًا لنقوش محيرة مذهلة على وجه الأرض، وهي تتجدد فصلا بعد فصل.

وبما أن وجود حاكمين في أمر واحد يفسد انتظام ذلك الأمر، وبما أن هناك انتظامًا رائعًا بديعًا بدءًا من جناح الذباب إلى قناديل السماوات؛ إذن فإن ذلك الحاكم واحد، فإن لم يكن واحدًا؛ ولأن الصنعة والحكمة في كل شيء عجيبة إلى حدٍّ بعيدٍ بحيث إنّ صانع ذلك الشيء يجب أن يكون قديرًا مطلقًا يَقْدِرُ على كل شيء، ويعلم كل شيء؛ 


349. صفحة

نقول فإن لم يكن واحدًا فيجب وجود آلهة بعدد الموجودات، ويجب أن يكون كل إله من تلك الآلهة ضد الآخر ومِثْلَهُ، وفي هذه الحالة يكون عدم فساد هذا الانتظام العجيب محالاً بمائة ألف مرة.

وبما أن طبقات هذه الموجودات تتحرك بأمر منتظم أكثر بألف مرة من تَحَرُّكِ الجيش كما يُشاهَد بالبداهة؛ إذ كل طائفة من طوائف الموجودات ابتداء من الحركات المنتظمة للنجوم والشمس والقمر حتى أزهار اللوز؛ تُظهر ما أعطاه القدير الأزلي لها من أوسمة وزيّ وملابس جميلة، وما عيّنه لها من حركات بصورة منتظمة بشكل رائع وبطرز منتظمٍ أكثر بألف مرة من الجيش؛ إذن فموجودات هذا الكون لها حاكم مطلق خلف ستار الغيب تطيع أوامره - جل جلاله - وتمتثل لها.

وبما أن ذلكم الحاكمَ سلطانٌ ذو جلال بشهادة إجراءاته الحكيمة، وبما أظهر من آثار عظيمة، وبما أنه رب رحيم في منتهى الرحمة بما أظهره من إحسانات، وبما أنه صانع بديع محب لصنعته بما أظهره من صنائع جميلة، وبما أنه خالق حكيم يريد أن يجلب أنظار استحسان ذوي الشعور إلى آثاره بما أظهره من تزيينات وصنائع بديعة، وبما أنه يُفهم أنه - تعالى- يريد إعلام ذوي الشعور- بحكمة ربوبيته - بمعنى التزيينات المحيرة للعقول التي أظهرها في خلقة العالم، وأن يبين مِن أين أَتَتْ المخلوقات، وإلى أين ستذهب؛ إذن فلا شك أن ذلكم الحاكم الحكيم والصانع العليم يريد أن يظهر ربوبيته.

وبما أنه يريد أن يحبب ويعرف نفسه إلى ذوي الشعور بما أظهره إلى هذا الحد من آثار اللطف والرحمة، وغرائب الصنعة؛ فلا شك أنه سيبين بواسطة مُبَلِّغٍ ما يطلبه من ذوي الشعور، وما هي مرضيَّاتُه فيهم، إذن سيُعيِّن أحدًا من ذوي الشعور وسيُعلِن ربوبيَّتَه بوساطته، وسيُشرِّف داعيًا من الدعاة مُناديًا إياه إلى قرب حضرته من أجل عرض صنائعه المحبوبة لديه، ويجعله واسطة للعرض، وسيُعيِّن أحدًا معلِّمًا لإظهار كمالاته بتبليغِه مقاصدَه العُليَا لذوي الشعور الآخرين، وعلى أَيَّة حال سيعيِّن مرشدًا كَيْ لاَ يبقى طَلسمه الذي أدرجه في الكون وما أخفاه في هذه الموجودات من لُغْزِ ربوبيته بلا معنىً، وسيُعيِّن مرشدًا يعلِّم المقاصد التي أظهرها ونشرها أمام الأنظار في محاسن الصنعة كَيْ 


350. صفحة

لاَ تبقى تلك المقاصد عبثًا وبلا فائدةٍ، وسيرفع واحدًا إلى مقام أعلى من جميع ذوي الشعور كي يُبلِّغ مرضيَّاته لهم، وسيُعلِّمه مرضيَّاته، ثم يرسله إليهم.

فبما أن الحقيقة والحكمة تقتضيان ذلك، وأن سيدنا محمدًا # هو الألْيَقُ بتلك الوظائف؛ إذ إنه قام بأداء هذه الوظائف على أكمل وجه بالفعل، والشاهد العدل الصادق على ذلك هو ما أسَّس من عالم الإسلام، وما أظهره من نور الإسلام؛ إذن فينبغي له - صلى الله عليه وسلم - أن يرتقي مباشرة فوق جميع الكون، ويتجاوز جميع الموجودات، ويعلو إلى مقام حيث يحادث خالق جميع المخلوقات محادثة عامَّةً ساميةكُلِّية؛ إذن فالمعراج يفيد هذه الحقيقة.

الحاصل: بما أن الحق تعالى قد أسّس ورتَّب وزَيَّن هذا الكون العظيم على هذه الصورة لأجل مقاصد عظيمة جِدًّا؛ ولغايات جليلة جدًّا؛ كالمقاصد المذكورة آنفًا، وبما أن هناك نوعَ الإنسان الذي يستطيع أن يرى في هذه الموجودات هذه الربوبية العامةَ بكل دقائقها، وهذه السلطنةَ العظيمةَ للألوهية بكل حقائقها؛ فلا شك أن ذلك الحاكم المطلقَ سيتكلم مع ذلك الإنسان وسيُعْلِمُه مقاصدَه.

وبما أن كل إنسان لا يستطيع أن يرتقي إلى أعلى مقام كلِّيٍّ متجردًا من الجزئية والسفلية، ولا يستطيع أن يكون مخاطَبًا بالذات لخطاب ذلك الحاكم الكلي؛ فلا شك أنه سيكون بعض الأفراد الخواص من بين الناس موظفين لتلك الوظيفة حتى تكون له علاقةٌ بجهتين؛ إذ يجب أن يكون - أي الموظف - إنسانًا حتى يكون معلِّمًا للناس، ويجب أن يكون ساميًا من حيث الروح ليحظى بالخطاب مباشرةً.

فالآن؛ وبما أن الذي بَلَّغَ مقاصد صانع هذا الكون في أكمل صورة من بين البشر، وكَشَف طلْسَمَ هذا الكونِ، وحلَّ لغزَ الخِلقَة، ودَعَا إلى محاسن سلطنة الربوبية بأكمل طرز هو محمد # فلا شك أنه سيكون له سيرٌ وسفرٌ معنويٌّ من بين أفراد جميع البشر؛ بحيث يكون له معراجٌ في صورة سيْرٍ وسياحة في العالم الجسماني، وسيقطع المراتب إلى ما وراء برزخ الأسماء، وتجلي الصفات والأفعال، وطبقات الموجودات التي يعبَّر عنها بسبعين ألف حجاب.

فهذا هو المعراج.


351. صفحة

ويرد على الخاطر كذلك:

أيها المستمع؛ إنك تقول في قلبك:

ما معنى أن تكون المقابلة للربّ الذي هو أقرب من كل شيء بعد قطع مسافة آلاف السنين، وتجاوز سبعين ألف حجاب؟ وكيف أصدق ذلك؟

ونحن نقول:

إن الحق تعالى أقرب إلى كل شيء من كل شيء، إلا أن الأشياء كلها بعيدة عنه بُعْدًا مطلقًا.

فمثلاً: لو كان للشمس شعورٌ وكلامٌ لاستطاعتْ أن تتكلم معك بواسطة المرآة الموجودة في يدك، وتصرفت فيك كما تشاء، فأنت بعيد عنها بمقدار أربعة آلاف سنة مع أنها أقرب إليك من بؤبؤ([1]) عينك الشبيه بالمرآة، ولا يمكنك أن تقترب منها بأية حال من الأحوال، حتى ولو استطعت أن ترتقيَ وتَعلُوَ إلى مقام القمر، وتصلَ إلى نقطةٍ متقابلةٍ مباشرةً معها فلا يمكن أن تكون إلا بحكم مرآة لها نوعًا ما. كذلك فإن شمسَ الأزلِ والأبدِ الحقَّ ذا الجلال مع أنه أقرب إلى كل شيء من كل شيء؛ فكلُّ الأشياء بعيدةٌ عنه بُعدًا مطلقًا، إلا مَن يترك خلفه جميع الموجودات، ويتجردُ من الجزئية، ويرتقي في مراتب الكلية شيئًا فشيئًا، ويتجاوز آلاف الحجب إلى أن يقترب من اسم له محيط بالموجودات كلها فيقطع مراتب كثيرة أبعد من ذلك، ثم يتشرف بنوع من القربية.

ومثلاً: إن الجندي الفرد بعيد جدًّا عن الشخص المعنوي للقائد الأعظم فهذا الجندي ينظر إلى القائد الأعظم من مسافة بعيدة جدًّا، ومن وراء حُجُبٍ معنوية كثيرة، وذلك من خلال نموذج مصغر في مرتبة “العريف”([2])، أما القربية الحقيقية لشخصيته المعنوية فتقتضي تجاوز مراتب كثيرة كلية؛ كمراتب الملازم والنقيب والرائد، بينما القائد الأعظم إن كان قائدًا - روحيًّا- كما هو قائد في الصورة والظاهر بأمره وقانونه ونظره وحُكمه وعلمه؛ يوجد بذاته عند ذلك الجندي ويراه.

وبما أن هذه الحقيقة قد أُثبتت في “الكلمة السادسة عشرة” إثباتًا قاطعًا فنقتصر هنا على ذلك مكتفين به.


[1]   البؤبؤ: إنسان العين، وهو الفتحة المركزية فيها.

 

[2]   العريف: رتبة عسكرية دون الضابط وفوق الجندي.

 ب.

352. صفحة

ويرد على الخاطر أيضًا أنك تقول في قلبك:

إنني أُنْكِر السماوات، ولا أُؤْمن بالملائكة، فكيف أؤمن بتجوال شخص في السماوات، وبمحادثته مع الملائكة؟

نعم؛ لا شك أن التفاهمَ والإقناعَ وإيضاحَ شيء لأمثالك الذين انحدرت عقولهم إلى عيونهم، وأُسْدِلَتْ الغشاوة على أبصارهم صعب ومشكل، ولكن الحق ساطع أبلج([1]) إلى حَدٍّ يستطيع رؤيَتَه حتى العميان.

لذا نقول:

إن الفضاء العلوي مليء بمادة الأثير([2]) كما هو متفق عليه، والموادُّ السائلة اللطيفة الأخرى كالضياء والكهرباء والحرارة تدل على وجود مادة تملأ الفضاء. وكما أن الثمار تدل على أشجارها، والأزهار على أعشابها، والسَّنَابلَ على مزارعها، والأسماكَ على بحارها بالبداهة؛ فهذه النجوم كذلك تقحم بالضرورة وجود مَنْشَئهِا ومزرعتها وبحرها وأعشابها في عين العقل، فبما أنه توجد في العالم العلوي أنظمة مختلفة، وتتراءى فيه أحكام مختلفة في أوضاع مختلفة؛ إذن فالسماوات التي هي منشأ تلك الأحكام مختلفة، فكما أن في الإنسان أنماطًا معنوية من الوجود؛ كالعقل والقلب والروح والخيال والذاكرة عدا الجسم؛ فلا شك أن هناك عوالم سوى العالم الجسماني في العالم الذي هو الإنسان الأكبر؛ أي في الكون الذي هو شجرة لثمرة الإنسان. ولكل عالم سماء بدءًا من عالم الأرض وانتهاءً إلى عالم الجنّة.

ونقول أيضًا عن الملائكة:

إن الكُرة الأرضية التي هي متوسطة الحجم بالنسبة إلى الكواكب، وصغيرة وكثيفة بالنسبة للنجوم، والتي فيها الحياة والشعور اللذين هما أثمن شيء في الموجودات وأنورها ما لا يعد ولا يحصى، فلا شك أن السماوات التي هي بحر النجوم، والنجومَ


[1]   أبلج: واضح وظاهر.

 

[2]   الأثير: عند الطبيعيين سيال يملأ الفراغ يفترضون تخلله الأجسام وعند الكيميائيين سائل ذي لون, طيار يذيب المواد الدهنية و يستخدم في الطب.

 :

353. صفحة

التي هي قصور مزينة رائعة بالنسبة للأرض التي هي بِمنْزلة منزل مظلم، لَهِيَ مساكن للملائكة، وللروحانيات الكثيرة والمختلفة الأجناس، والتي هي ذات شعور وحياة.

وبما أننا أثبتنا وجود السماوات وتعددها في تفسيرنا المسمى بـ “إشارات الإعجاز” إثباتًا قاطعًا عند تفسير الآية ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰۤ إِلَى السَّمَاء فَسَوَّيٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ﴾ (سورة البقرة: ٢/٢٩) وأثبتنا وجود الملائكة إثباتًا قاطعًا كقطعية ضرب اثنين في اثنين يساوي أربعًا في “الكلمة التاسعة والعشرين” التي تتحدث عن الملائكة؛ فنقتصر هنا على ذلك مكتفين به.

الحاصل، ينبغي - حكمةً وعقلاً - وجودُ سماء صُنعت من الأثير وأصبحت مدارًا للسيَّالات اللطيفة كالكهرباء والضياء والحرارة والجاذبية وقد أصبحت ملائمةً لحركات الكواكب والنجوم حسب إشارة الحديث [السماء موجٌ مكفوف].

نعم؛ ينبغي حكمةً وعقلاً وجودُ سماء على سبع طبقات في مختلف الأوضاع والتشكل بدءًا من مجرة السماء التي تسمى درب التبانة وانتهاء إلى أقرب كوكب، وكل منها بحكم سقف لكل عالم من العوالم بدء من عالم الأرض إلى عالم البرزخ وعالم المثال وعالم الآخرة.

ويرد على الخاطر أيضًا، أنك تقول أيها الملحد:

يمكن الارتفاع بطائرة إلى الأعالي مسافةَ كيلومتر واحدٍ أو اثنين بآلاف الصعوبات، فكيف يمكن أن يقطع إنسان مسافة آلاف السنين بجسمه في ظرف بضع دقائق ويعود؟

ونحن نقول: إن جسمًا ثقيلاً كالأرض يقطع في دقيقة واحدة مسافة ثمان وثمانين ومائة ساعة تقريبًا بحركته السنوية حسب ما توصلتم إليه من علوم، بمعنى أنه يقطع مسافة خمسة وعشرين ألف سنة في سنة واحدة.

 فيا تُرى ألا يستطيع القدير ذو الجلال الذي يجعلها تقوم بهذه الحركات المنتظمة والذي يُدوِّرها كحَصَاة مقلاع؛ أن يأتي بإنسان إلى عرشه؟ وإن حِكمةً تُسير جسم الأرض الثقيل جدًّا حولها كالمولوي بقانون رباني يسمى جاذبية الشمس؛ ألا تستطيع أن ترقى بجسم إنسان إلى عرش الرحمن بسرعة البرق، وبجاذبية رحمة الرحمن، وبانجذاب محبة شمس الأزل؟


354. صفحة

ويرد على الخاطر أيضًا، أنك تقول:

هب أنه يستطيع أن يرقى، ولكن لماذا عُرِج به؟ وما الحاجة إلى ذلك؟ وكان يكفيه أن يذهب بقلبه وروحه كالأولياء؟

ونحن نقول:

 بما أن الصانع ذا الجلال قد أراد أن يريه آياتِهِ العجيبةَ في عالم الملك والملكوت، وأن يُطْلعه # على منابع ومصانع هذا العالم، وأن يُريه النتائج الأخروية للأعمال البشرية؛ فلا شك أنه يجب أن يأخذ معه إلى العرش عينيه اللتين هما بحكم مفتاح لعالم الْمُبصَرات، وأذنيه اللتين تطَّلعان على الآيات في عالم المسموعات، وكذلك من مقتضى العقل والحكمة أن يأخذ معه إلى العرش جسمه المبارك الذي هو في حكم ماكينة لآلاته وأجهزته التي هي مدار لوظائف روحه غير المحدودة.

فكما أن الحكمة الإلهية تجعل الجسم رفيقًا للروح في الجنة؛ لأن الجسد هو مدار لوظائف عبودية كثيرة، ولذائذ وآلام لا حد لها، فلا شك أن ذلك الجسد المبارك سيكون رفيقًا للروح، وبما أن الجسم يذهب إلى الجنة مع الروح؛ فلا شك أن من عين الحكمة أن يجعل جسده المبارك يرافق الذات الأحمدية([1]) التي عرجت إلى سدرة المنتهى التي هي أصل جنة المأوى.

ويرد على الخاطر كذلك أنك تقول:

إن قطع مسافة آلاف السنين في بضع دقائق مُحَال عقلاً.

ونحن نقول: إن الحركات في صنائع الصانع ذي الجلال مختلفة إلى حد بعيد اختلافًا كبيرًا، فمثلاً، تفاوت سرعة الصوت والضياء والكهرباء والروح والخيال معلومة، وحركات الكواكب كذلك حسب العلوم مختلفة اختلافًا يحير العقل ويُذهِله.

فيا تُرى كيف تبدو الحركة - التي في سرعة الروح - لجسم لطيف وتابع لروحه السامية السريعة في العروج([2]) مخالفةً للعقل؟


[1]   الذات الأحمدية: أي روح النبي #.

 

[2]   العروج: الصعود إلى السماء.

 .


355. صفحة

فأنت بنفسك إذا نمت عشر دقائق تتعرض فيها لحالاتِ سَنةٍ كاملة من أحوال اليقظة أحيانًا، حتى لو جُمِعت الكلمات التي سمعها الإنسان ونطقها في رؤياه التي رآها في دقيقة واحدة لألزمه ذلك في عالم يقظته يومًا كاملاً بل أكثر من ذلك. إذن؛ فالزمان الواحد بالنسبة لشخصين يكون كيوم واحد لأحدهما، وسنةٍ للآخر.

فانظر إلى هذا المعنى بهذا التمثيل:

فلنفترض وجود ساعة لتكون مقياسًا لسرعة الحركة التي تنشأ عن حركة الإنسان، وحركة القذيفة، ومن الصوت والضياء والكهرباء والروح والخيال، ولهذه الساعة عشرة عقارب، أحدها يشير إلى الساعة، وثانٍ يَعُدُّ الدقائق في دائرة أوسع من الأولى بستين مرة، وثالث في دائرة أوسع بستين مرة للثواني، ورابع في دائرة أوسع بستين مرة للثوالث، وهكذا على هذا المنوال نفترض عقارب في دائرة عظيمة منتظمة انتظامًا رائعًا تَعُدُّ الروابع والخوامس والسوادس والسوابع والثوامن والتواسع والعواشر.

 فلو كانت دائرة العقرب الذي يعدّ الساعة هي بحجم ساعتنا اليدوية الصغيرة - مثلاً - فإن دائرة العقرب الذي يعدّ العواشر يجب أن تكون بمقدار مدار الأرض السنوي، بل أكبر منه.

والآن نفترض شخصين؛ أحدهما كأنه قد ركب العقرب الذي يعد الساعات، يشاهِد ما حوله حسب حركات ذلك العقرب، والآخر كأنه قد ركب العقرب الذي يعد العواشر، فإن للأشياء التي يشاهدها هذان الشخصان في زمن واحد فروقًا دقيقة من حيث المشهودات؛ كنسبة الفروق التي بين ساعتنا اليدوية وبين المدار السنوي للأرض.

 ولأن الزمان في حكم لون أو شريط للحركات، فالحكم الذي يجري على الحركات يجري كذلك على الزمان، فمشهوداتنا خلال ساعة واحدة مع أنها بمقدار مشهوداتِ شخص ذي شعور قد ركب العقرب الذي يعُدّ الساعات لساعة ما، ومع أن حقيقة عمر هذا الشخص بالقدر نفسه، فإن الرسول الأكرم # في الزمن نفسه وفي تلك الساعة المعينة - كالشخص الراكب على العقرب الذي يَعدّ العواشر - يستطيع أن يركب بُراقَ التوفيق الإلهي، وأن يقطع كالبرق جميع دوائر الممكنات، وأن يرى عجائب الملك والملكوت، 


356. صفحة

وأن يرقى إلى نقطة دائرة الوجوب، وأن يتشرف باللقاء والكلام، وأن يحظى برؤية الجمال الإلهي، وأن يتلقى الفرمانَ، وأن يعود إلى وظيفته، ولقد عاد فعلا.

ويرد على الخاطر كذلك أنكم تقولون:

 نعم؛ يمكن ذلك، ومن الممكن حدوثه، ولكن ليست كل الممكنات واقعة، وهل يوجد لهذا مثيل حتى يُقبل؟ وكيف يُحكم على وقوع شيء لا مثيل له لمجرد إمكانه؟

ونحن نقول: إن أمثاله كثيرة؛ حيث لا يمكن عَدُّهَا وحسابها.

فمثلا: إن كل ذي نظر يرقى ويصعد من الأرض إلى كوكب (نبتون) بنظره في ثانية واحدة، وكل ذي علم يذهب بعقله راكبا قوانين علم الفلك إلى ما وراء النجوم في دقيقة واحدة، وكل ذي إيمان يذهب إلى الحضور الإلهي تاركا وراءه الكون حاملا فكره على أفعال الصلاة وأركانها بما يشبه المعراج نوعا ما، وكل ذي قلب وولي كامل يستطيع أن يرتقي بالسير والسلوك من خلال العرش ومن دائرة الأسماء والصفات في أربعين يوماًً، حتى إنه قد حصل لبعض الأشخاص العظام كالشيخ الجيلاني والإمام الرباني([1]) عروجٌ روحانيٌّ إلى العرش في دقيقة واحدة حسب إخباراتهم الصادقة، ثم إن هناك ذهابًا ومجيئًا للملائكة الذين هم أجسام نورانية من العرش إلى الفرش([2]) ومن الفرش إلى العرش في مدة قصيرة، ثم إن أهل الجنة يعرجون من المحشر إلى رياض الجِنان في زمن قصير.

فلا شك أن هذه الأمثلة الكثيرة إلى هذا الحد تشير إلى أنه حصل معراج لِلذَّاتِ الأحمدية - على صاحبها الصلاة والسلام - الذي هو سلطان جميع الأولياء وإمام جميع المؤمنين ورئيس جميع أهل الجنة ومقبولُ جميعِ الملائكة - مدارا لسيره وسياحته بصورة مناسبة لمقامه.

فهذا هو عين الحكمة وفي غاية المعقولية، وهذا واقع بلا شك ولا شبهة.


[1]   الإمام الرباني:هوأحمد بن عبد الأحد السرهندي الفاروقي (٩٧١ــ١٠٣٤هـ) برع في علوم عصره، وفقه الله تعالى إلى إخراج الدولة المغولية من الإلحاد إلى الإسلام

 

[2]   الفرش: الأرض.

 



357. صفحة

الأساس الثالث

ما حكمة المعراج؟

الجواب:

إن حكمة المعراج عالية وسامية إلى حد لا يستطيع الفكر البشري أن يبلغها، وهي عميقة إلى درجة لا يستطيع أن يدركها، وهي رقيقة لطيفة بحيث لا يستطيع العقل بمفرده أن يراها، ولكن على الرغم من أن حقائقه لا تُدرَك ببعض الإشارات فإنه يمكن أن يُعرَّف وجوده كالآتي:

إن خالق هذا الكون لكي يظهر نور وحدته، وتجلياتِ أَحَدَيَّتِهِ في طبقات الكثرة هذه، يتخذ فردا ممتازا مخاطبا له لحساب جميع المخلوقات بمعراج على صورة خيط اتصال من منتهى طبقات الكثرة إلى مبدأ الوحدة، ومبينا له باسم جميع ذوي الشعور مقاصدَه الإلهية ومبلغا به، وإنه جل وعلا يشاهد ويُشهِد بنظره - أي بنظر ذلك الفرد الممتاز - جمالَ صنعته وكمالَ ربوبيته في مرآة مخلوقاته.

ثم إن لصانع العالم جمالا وكمالا مطلقين بشهادة الآثار، والجمالُ والكمال كلاهما محبوبان لذاتهما، أي يُحَبَّان لذاتهما؛ إذن فلصاحب الجمال والكمال محبة غير محدودة لجماله وكماله، أما محبته غير المحدودة فهي تتجلى بوجوه وأنماط كثيرة في مصنوعاته، فهو يحب مصنوعاته لأنه يرى جماله وكماله في مصنوعاته، وأحب المصنوعات إليه وأسماها لديه هي ذوات الحياة، وأحب ذوات الحياة وأسماها لديه هم ذوو الشعور، وأحب ذوي الشعور لديه من حيث الجامعية يوجد من بين الناس، وأحبُّ فردٍ من بين الناس هو من انكشفت جميع استعداداته انكشافا تامًّا، ومَن يُظهِر نماذج الكمالات المنتشرة والمتجلية في كل المصنوعات. 


358. صفحة

فصانع الموجودات لكي يَرَى في نقطة واحدة أو في مرآةٍ جميعَ أنواع تجليات المحبة المنتشرة في جميع الموجودات، ولكي يُظهر جميع أنواع جماله بسر الأَحَدِيَّةِ، يوظف بأمره شخصًا هو في درجة ثمرة منورة لشجرة الْخِلْقَة، وقلبُه بمنزلة نواة قادرة على استيعاب الحقائق الأساسية لتلك الشجرة عن طريق معراج هو في حكم خيط اتصال من النواة التي هي المبدأ الأول إلى الثمرة التي هي المنتهى، ويُكرِّمه ويُشرِّفه بكلامه، كي يظهر محبوبيةَ ذلك الفرد باسم الكون، ويجلبه إلى حضوره، ويشرِّفَه برؤية جماله، ولكي يجعل الحالة القدسية التي عليه تسري إلى غيره.

والآن سنرصد هذه الحكمةَ العاليةَ بمنظار مثالين اثنين:

المثال الأول:

كما بُيِّن في الحكاية التمثيلية من “الكلمة الحادية عشرة” تفصيلا:

كما أنه لو كان لسلطان ذي شأن خزائن كثيرة جدا فيها أنواع متعددة لجواهر كثيرة، وكان له مهارات كثيرة أيضًا في الصناعات البديعة الغريبة، وله كذلك معرفة وإحاطة بالعلوم العجيبة التي لا تُعَدُّ، وله علم واطلاع بالعلوم البديعة غير المتناهية، فلا شك أن ذلك السلطان صاحب العلوم والفنون كذلك سيريد فتح معرض بسر “أن كل ذي جمال وكمال يريد أن يَرى ويُظهر جماله وكماله” حيث يعرض فيها معروضات حتى يُظهر لأنظار الناس عظمة سلطنته وَأُبَّهَةَ ثروته وخوارقَ صنعته وغرائبَ معرفته حتى يشاهِد جمالَه وكماله المعنويين بوجهين:

الوجه الأول: أن يرى بالذات بنظره النافذ([1]) دقائق الأمور.

والآخر: أن ينظر بنظر غيره.

وبناء على هذه الحكمة يبدأ بإنشاء قصرٍ فخم رائع واسع، ويقسمه إلى دوائر ومنازل بصورة رائعة، ويزينه بالمرصَّعات([2]) المتنوعة لخزائنه، ويجمله بأجمل وألطف بدائع صنعة يده، وينظمه بأدق دقائق علومه وحكمته، ويجهزه ويكمِّله بمعجزات آثار


[1]   النافذ: الدقيق المدقق.

 

[2]   المرصَّعات: المُزَيِّنات.

 .


359. صفحة

علومه، ثم يفرش موائد مناسبة لكل طائفة بنعمه المتنوعة، وبأطعمته اللذيذة، ثم يُعِدُّ مَأْدُبَةً عامَّةً، ويدعو رعيته إلى المشاهدة والضيافة كي يريهم كمالاته، ثم يجعل أحدهم موظفا ورسولا كريما ويدعوه من الطبقات والمنازل السفلى إلى الأعلى، ويجول به في الطبقات التي بعضها فوق بعض من دائرة إلى دائرة، مُشهدًا([1]) إياه ماكينات ومعامل صنعته العجيبة، ومخازن محصولاته الواردة من الأسفل، حتى يبلغ به إلى دائرته الخاصة، فيشرفه بقبوله في حضرته مُظهرا له ذاته المباركة التي هي معدن جميع كمالاته تلك، ويعلمه حقائق القصر وكمالاته الذاتية ثم يُعيِّنه دليلا ومرشدا للمشاهدين، ويرسله إليهم حتى يُعرِّفَ الأهالي بصانعِ ذلك القصرمن نقوشه وعجائبه وكل ما فيه، ويعلّمهم رموزَ نقوش ذلك القصر، ويدرِّس لهم ما فيه من إشارات صنعته، وَيُعَرِّفَ الداخلين في القصر؛ ما تلك المرصعات المنظومة والنقوش الموزونة فيه، وكيف أنها تدل على كمالات صاحب القصر ومهاراته، ويُعلِّم آداب الدخول ومراسم المشاهدة، ويُعرِّف مراسم التشريف اللائقة بالسلطان الخفي ذي العلوم والفنون وذي الشئون ضمن مرضياته وما يطلبه.

كذلك ولله المثل الأعلى فإن الصانع ذا الجلال الذي هو سلطان الأزل والأبد قد أراد أن يَرى ويُري كمالاتِهِ غيرَ المتناهية، وجماله غير المحدود؛ فجعل قصر هذا العالم بطرز حيث إن كل موجود يذكر كمالاته بألسنة كثيرة جدًّا، ويدل على جماله بإشارات كثيرة جدا، ويدل هذا الكون بجميع موجوداته على: كم أن في كل اسم من أسمائه الحسنى كنوزًا معنوية خفية! وكم أن في كل عنوان من عناوينه المقدسة لطائف مخفية! بل يدل بطرز؛ حيث إن كل العلوم والفنون بجميع دساتيرها تطالع كتاب الكون هذا منذ زمن آدم X والحال أن تلك العلوم والفنون لم تستطع أن تقرأ حتى عُشْرَ معشار ما عبَّر عنه ذلك الكتاب من معانٍ حول الأسماء الحسنى، والكمالات الإلهية، وما أظهرته من آيات.

وهكذا فإن حكمة الجليل ذي الجمال والجميل ذي الجلال والصانع ذي الكمال الذي فتح قصر العالم هذا كمعرض ليَرَى ويُري كمالاته المعنويةَ وجمالَه المعنوي،


[1]   مشهدًا إياه: أي عارضًا له ويريه للآخرين.

 .


360. صفحة

تقتضي أن يُعلِّم أحدَ ذوي الشعور في الأرض معانيَ آياتِ ذلك القصر؛ حتى لا تبقى معانيه بالنسبة لهم عبثاً لا فائدة فيه.

ويجول بأحدهم في العوالم العلوية التي هي منابع العجائب ومخازن النتائج لذلك القصر، ويرفعه فوق الجميع، ويشرِّفه بقرب حضوره، ويسيّره في عوالم الآخرة، ويوظفه بوظائف كثيرة كمعَلِّمٍ لجميع عباده وكداع إلى سلطنة ربوبيته، وكمبلغ عن مرضياته الإلهية، وكمفسر لآياته التكوينية في قصر كونه، ويعلن امتياز هذا الشخص المختار بعلامات معجزاته، ويبين بأمر سلطاني كالقرآن أن ذلك الشخص هو ترجمان خاص وصادق للذات ذي الجلال.

وهكذا فقد أوضحنا حكمةً أو حكمتين من الحِكَم الغزيرة للمعراج بمنظار هذا المثال كنموذج، ويمكنك أن تقيس عليه بقية الحِكَم.

المثال الثاني: كما أنه إذا ألّف شخص صاحب علوم وفنون كتابًا معجزًا بنمط خاص يوجَد في كل صحيفة من صحائفه حقائق بمقدار ما في مائة كتاب، وفي سطر من سطوره معانٍ لطيفة بمقدار مائة صفحة، وفي كل كلمة من كلماته حقائق بمقدار مائة سطر، وفي كل حرف من حروفه معانٍ بمقدار مائة كلمة، وكذا إن كانت تتوجه كل معاني ذلك الكتاب وحقائقه إلى الكمالات المعنوية لذلك الكاتب المعجز وتشير إليه؛ فلا شك أنه لن يجعل مثلَ هذه الخزينة التي لا تنفد عبثًا بتركها مغلقةً، ولا شك أنه سيدرّس هذا الكتاب - حتما - لبعضهم حتى لا يكون ذلك الكتاب القيّم بلا معنى ويذهب سدى([1])، سَيُدَرِّسُهُ لِتَظهَر كمالاتُ الكاتب المخفيةُ، ويجدَ كمالَه، ويَظهَر جمالُه المعنوي، وهو بذلك يَفرح ويُحَبِّبُ كماله وجماله، وسيجيز مَن سيدرِّس ذلك الكتاب العجيب بجميع معانيه وحقائقه مدرِّسًا له هذا الكتابَ من أول صفحة إلى آخره.

وكما في هذا المثال فالنقَّاش الأزلي لإظهار كمالاته وجماله وحقائق أسمائه؛ قد كتب هذا الكون على طرْز تُعْلِنُ وَتُعَبِّرُ معه جميعُ الموجودات عن كمالاتِه وأسمائه وصفاتِه غير المتناهية بأوجه لا حد لها، فإن لم تُعرَف معاني كتابٍ ما فلا شك أنه يفقد قيمته كليًّا.

 


[1]   سدىً: بلا فائدة.

  


361. صفحة

وكتاب كهذا يتضمن كل حرف من حروفه آلاف المعاني لا يمكن إسقاط قيمته ولا الغض منه.

وعليه فالذي كتب هذا الكتاب لابد أنه سَيُدَرِّسُه، وسيفهِّم بعضه لكل طائفة حسب استعدادها، ويعلّمه بكليَّته لمن هو أعمّ نظرا، وأجمع وأشمل شعورا، وأكمل استعدادًا، وتقتضي الحكمة أن يجعله يسير ويسيح في منتهى العلو والسمو لتعليم وتدريس كتاب كهذا بأكمله وحقائقه الكلية، أي يلزم أن يُسيِّره ابتداء من نهاية طبقات الكثرة التي هي صفحته الأولى إلى دائرة الأَحَدِيَّة التي هي منتهى صفحاته.

وهكذا يمكنك أن تنظر بهذا المثال - إلى حد ما - إلى الحكم العالية للمعراج.

والآن سنتوجه إلى الملحد الذي هو في مقام الاستماع، وسنستمع إلى ما في قلبه، ونراه في أية حالة قد وقع.

فيرد على الخاطر أن قلبه يقول:

أنا بدأت أؤمن وَأُصَدِّقُ، ولكنني لا أستطيع أن أفهم هذه الأمور جيدا، فهناك ثلاث مشكلات أخرى عندي.

 أولاها: لماذا هذا المعراج العظيم خاص بمحمد العربي #؟

ثانيتها: كيف تكون تلك الشخصية نواة للكون؟ وماذا يعني قولكم إن الكون قد خُلِق من نوره، وإنه آخر ثمرة من ثمرات الكون وأنورها، فما معنى ذلك؟

وثالثتها: أنكم تقولون في بياناتكم السابقة؛ إنه عُرج به لكي يرتقي إلى العالم العُلوي، ولكي يشاهد مخازن ونتائج ماكينات الآثار ومعاملها في هذا العالم الأرضي، فما معنى ذلك؟

 الجواب:

إن مشكلتكم الأولى قد حُلَّت بتفصيل في الكلمات الثلاثين السابقة، إلا أننا نبين هنا فهرسا مختصرا كإشارات مجملة تشير إلى كمالات الذات الأحمدية # ودلائل نبوته، وأنه أليق شخص لذلك المعراج الأعظم كالآتي:



362. صفحة

أولا: إنه قد أخرج حسين الجسري([1]) ذلك المحقق - حتى في هذا الزمان - مائة وأربع عشرة إشارة تبشيرية بالنبوة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام من الكتب المقدسة كالتوراة والإنجيل والزبور مع تعرضها لكثير من التحريف، وسَرَدَهَا في كتابه “الرسالة الحميدية”.

ثانيا: أنه نُقلت إلينا تاريخيا وبصورة صحيحة بشارات كثيرة قبيل بعثة النبي # تشير إلى نبوته، وأنه نبي آخر الزمان، كَبَيَانات الكاهنَين المشهورين “شق” و“سطيح”([2]) المعروفين تاريخيا.

ثالثا: إن مئات الخوارق التي تُعرَف بالإرهاصات([3]) كسقوط الأصنام عند الكعبة، وانشقاق الإيوان المشهور لكسرى فارس ليلة الولادة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام مشهورة عبر التاريخ.

رابعا: إن السيرة والتاريخ يثبتان بتحقيقات المحققين أنه - صلى الله عليه وسلم - أظهر ما يبلغ ألف معجزة؛ كسقيه الجيش بماء نَبَعَ من أصابعه، وكَبُكَاء وأنين الجذع الجافِّ في المسجد كأنين الجمل أمام جمع غفير بسبب نقل

 المنبر ومفارقة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانشقاق القمر بِنَصِّ الآية: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ([4])

خامسا: لا يتردد أهل الإنصاف والدقة في أنه توجد أخلاق حسنة في شخصه على أعلى درجة باتفاق الأصدقاء والأعداء، وأنه توجد سجايا([5]) سامية في وظيفته وتبليغاته على أسمى درجة بشهادة كل معاملاته، وأنه توجد أسمى


[1]   حسين الجسري: من علماء سوريا، ولد سنة ١٢٦١هـ وتوفي ١٣٢٧هـ، وكان من علماء عصره.

 

[2]   شق وسطيح: أما شق فهو ابن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قيس بن عبقر بن أنمار بن نزار، وأما سطيح فاسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان، وكانا كاهنين في الجاهلية وبشرا بالنبي #وكانا من أعاجيب الدنيا فكان شقٌّ نصفَ إنسان، وكان سطيحٌ جسدا ملقى لا جوارح له، وكان وجهه في صدره، فكان مثل السطيحة.

 

[3]   الإرهاصات: المقدمات والأمارات الدالة على قرب وقوع الشيء.

 

[4]   سورة القمر٥٤ / ١.

 

[5]   السجايا: جمع سجية، وهي الأخلاق والطبائع.

 .


363. صفحة

الخصال الحميدة في شريعته على أكمل درجة بشهادة محاسن الأخلاق الموجودة في دين الإسلام.

سادسا: إن الرسول # قد أظهر العبودية العظمى في دينه على أسطع صورة بما تتطلبه الألوهية من ظهور بمقتضى الحكمة كما أشير إليه في “الإشارة الثانية” من “الكلمة العاشرة”.

وإنه بالبداهة هو كذلك الشخص الداعي والمعرِّفُ على أجمل صورة لجمال خالق العالم في كماله المطلق بما يتطلبه من إظهار وإعلان بواسطةٍ ما، حسب مقتضى الحكمة والحقيقة.

وإنه بالمشاهدة كذلك هو الشخص المعلن بأعلى صوتٍ عن كمال صنعة صانع العالم في جماله المطلق بما يتطلبه من عرضٍ وإبداء للعيان بجذب انتباه الأنظار إليه.

وإنه بالضرورة كذلك هو المعلن عن جميع مراتب التوحيد في أعلى درجة للتوحيد بما يريد رب كل العوالم من إعلان وحدانيته من خلال طبقات الكثرة.

وكذلك فإنه بالبداهة أجلى وأصفى مرآة تعكس محاسن وجمال ولطائف حُسنِ مالِكِ العالمِ كما يشير إليه جمال آثاره البديعة، وهو أفضل مَن أحبَّه وحببَّه، فلبّى إرادتَه سبحانه في رؤية وإراءة ذلك الجمال المقدس بمقتضى الحقيقة والحكمة.

وإنه بالبداهة كذلك هو أعظم مَن أعلن عن الخزائن الغيبية لصانع قصر هذا العالم، المليئة بأبدع المعجزات وأثمن الجواهر ووصفها وعرَّفها في أعظم صورة، بما يريده الصانع ذو الجمال من إظهار خزائنه تلك والإعلان عنها وإعلام وتعريف كمالاته بواسطة تلك الخزائن.

وإنه هو كذلك بالبداهة من قام بمهمة الإرشاد والقيادة بالقرآن الحكيم للجن والإنس، بل حتى للروحانيين والملائكة في أعظم صورة بما يريده صانعُ هذا الكون من خلقه إياه مزيَّنا بأنواع العجائب والزِينات؛ وإدخالِه فيه ذوي الشعور من مخلوقاتِه للسير والتنَزُّه والعبرة والتفكر، وإعلامِه معاني وقيمة صنائعه وآثاره لهم ولأهل المشاهدة والتفكر بمقتضى حكمته.

[1]   الطلسم: اللغز.

 ه 

364. صفحة

وإنه كذلك بالبداهة هو من كشف بحقائق القرآن عن الطلسم المغلق الذي يتضمن القصد من تحولات الكون والغاية منها، ومَن حلَّ اللغزَ المحير في الموجودات، ذلك اللغز الذي هو أسئلة ثلاثة معضلة: مَن تكون؟ ومِنْ أين؟ وإلى أين؟ في أوضح صورة وأعظم درجة، بما يريده الحاكم الحكيم لهذا الكون من كشف ذلك الطلسم، وحلِّ ذلك اللغز لجميع ذوي الشعور بواسطة رسول.

وإنه هو كذلك بالبداهة مَن أتى وَبَيَّن بالقرآن الكريم في أعلى وأكمل صورة مرضيات ومطالب الصانع ذي الجلال لهذا العالم والذي يريد أن يُعرِّف نفسه إلى ذوي الشعور من مخلوقاته بوساطة مصنوعاته الجميلة، ويريد أن يحبب ذاته إليهم بوساطة النعم النفيسة الغالية، ومقابل هذا التعريف والتحبيب يريد بالضرورة أن يُبلِّغَ مرضياته ورغباته الإلهية لذوي الشعور بواسطة رسول.

وإنه هو كذلك بالبداهة من قام بالإرشاد أحسن قيام، ومن أدّى مهمة الرسالة أفضل أداء بالقرآن الكريم في أعظم مرتبة وأبلغ صورة وطرز، بما يريده رب العالمين من صَرْفِ وجه هذا الإنسان عن الكثرة إلى الوحدة، وعن الفناء إلى البقاء بواسطة مرشد، ذلك الإنسان الذي هو ثمرة العالم، والذي أعطى له رب العالمين استعدادا واسعا يسع العالم كله، وهيأه([1]) للعبودية الكلية، وجعل مشاعره مفتونة بالكثرة والدنيا.

وحيث إن أشرف الموجودات هم ذوو الحياة، وأشرف ذوي الحياة هم ذوو الشعور، وأشرف ذوي الشعور هو الإنسان الحقيقي؛ فإن الذي أدّى من بين بني الإنسان الحقيقيين تلك الوظائف المذكورة آنفًا أكملَ أداء في أعظم مرتبة لا شك أنه سيكون هو الذي سيعرج إلى قاب قوسين بذلك المعراج العظيم، وسيطرق([2]) باب السعادة الأبدية، وسيفتح خزائن رحمته جل وعلا، وسيشاهد الحقائق الغيبية للإيمان.

سابعًا: إنه بالمشاهدة في المصنوعات تحسينات في منتهى الجمال، وتزيينات في منتهى الروعة، وإن مثل هذه التحسينات والتزيينات تدل بالبداهة على وجود إرادة قوية


[1]   هيأه للشيء: أهله وجعله مستعدا لفعله.

 

[2]   طرق الباب : دقه.

 ه

365. صفحة

للتحسين، وقصد التزيين لدى صانع تلك المصنوعات، فتلك الإرادة والقصدية القويتان تدلان بالضرورة على وجود رغبة قوية، ومحبة مقدسة لدى ذلك الصانع نحو صنعته.

لذا فمن البديهي أن يكون أحب مخلوق لدى الصانع البديع الذي يحب مصنوعاته هو أكثر المصنوعات جامعية، ومَن يُظهر في ذاته لطائف الصنعة إظهارًا كاملاً، ومن يَعرفها ويعرِّفها ومَن يحبِّب نفسه ويستحسن جمال المصنوعات الأخرى قائلا: ما شاء الله.

وإنه كذلك بالمشاهدة هو من جعل السماوات تَرِنّ بصدى، وهزّ الكون بنغمات القرآن الكريم بقوله سبحان الله، ما شاء الله، الله أكبر، تجاه المزايا والمحاسن التي تجمّل وتزين المصنوعات واللطائف والكمالات التي تنور الموجودات، ومن جعل البَّرَّ والبحر في نشوة بالاستحسان والتقدير والتفكر والإعلان والذكر والتوحيد.

فلا شك أن ذهاب مثل هذا الشخص العظيم - الذي يضاف إلى كِفَّة ميزانه مثلُ ما قامت به جميع أمته من حسناتٍ بسر “السبب كالفاعل”، والذي تُمِدُّ صلواتُ جميع الأمة كمالاتِه المعنويةَ، والذي يحظى بما لا نهاية له من فيض الرحمة والمحبة الإلهية فضلا عن نتائج الوظائف التي يؤديها في رسالته وأجرِها المعنوي- إلى الجنة وإلى سدرة المنتهى وإلى العرش وإلى قاب قوسين بسُلَّم المعراج؛ لهو عين الحق، ونفس الحقيقة، ومحض الحكمة.

المشكل الثاني:

أيها الإنسان الذي في مقام الاستماع، إن هذه الحقيقة التي استشكلتها،([1]) وهي مُشْكِلُك الثاني، عميقة جدا، وعالية وسامية إلى حدّ لا يستطيع معه العقل بلوغَها، بل لا يستطيع الاقتراب منها، وهي لا تُرى إلا بنور الإيمان، ولكن يمكن تقريب وجود تلك الحقيقة إلى الأفهام ببعض الأمثلة، إذن سنحاول أن نقرّبها إلى الأفهام إلى حد ما.

وهو أنه إذا ما نُظر إلى هذا الكون بنظر الحكمة، يبدو وكأنه شجرة عظيمة، فكما أن الشجرة لها أغصان وأوراق وأزاهير وثمرات، فكذلك في العالم السُّفلي الذي هو


[1]   استشكلتها: رأيتها مشكلة ومعضلة من وجهة نظرك.

 .


366. صفحة

شِقٌّ([1]) من شجرة الخِلقة، تتراءى([2]) العناصر كأغصانه، والنباتات والأشجار كأوراقه، والحيوانات كأنها أزاهـيره، والإنـسان كأنه ثمراته.

ولا شك أن من مقتضى اسم الحكيم أن يكون قانون الصانع ذي الجلال الجاري على الأشجار جاريًا أيضًا على هذه الشجرة العظمى، إذن فمن مقتضى الحكمة أن يكون خَلْقُ شجرة الخلقة هذه من نواة أيضًا، وهي نواة يجب أن تكون جامعةً لنمـاذج وأسس سائر العوالم فضلاً عن العالم الجسماني؛ لأن نَوَاةَ الكَوْنِ الأصليةَ المتضمنةَ لألوف العوالم المختلفة ومَنْشَأها لا يمكن أن تكون مادةً جامدةً أبدًا.

وبما أنه ليست هناك شجرة أخرى من مثل نوع شجـرة هذا الكون قد سبقـتها؛ فلا شك أنه من مقتضى اسم “الحكيم” إلباس الثمرةِ الموجودة في شجرة الكون المعنـى والنور الذي هو في حكم المنشأ والنواة لها أي لشجرة الكون، وذلك لأن النواة لا تكون مجرّدة عارية دائمًا، فبما أنها لم تلبس لباس الثمرة في بداية الفطرة، فلا شك أنها ستلبسها في نهايتها.

  وبما أن تلك الثمرة هي الإنسان، وبما أن أشهر ثمرات نوع البشر وأعظمها والثمرة التي جلبت نظر دقة الجميع، وحصرت نظر نصف الأرض وخُمس البشرية في ذاتها، وجعلت - بمحاسنها المعنوية - العالَمَ ينظر إلى ذاتها بنظر المحبة أو بالحيرة هي الذات المحمدية # كما أثبت سابقًا؛ فلا ريب أن النور الذي هو نواة تَشَكُّلِ الكون؛ سيَظهر بصورةِ آخر ثمرة متجسدا في ذاته #.

أيها المستمع، لا تستبعد خلق هذا الكون العجيب العظيم من ماهيةٍ جزئيةٍ لإنسان، فكيف أن القدير ذا الجلال الذي يخلق شجرة صنوبر ضخمة شبيهة بالعالمَ نوعًا ما من نواة صغيرة صِغَرَ حبة قمح؛ لا يخلق هذا الكون من النور المحمدي على صاحبه الصلاة والسلام ؟ أو لا يستطيع أن يخلق؟


[1]   شق الشيء: نصفه.

 

[2]   تتراءى: تظهر.

 ف 

367. صفحة

نعم؛ إن شجرة الكون شبيهة بشجرة طوبى الجنة؛ جذعها وجذورها في العالم العلوي، وأغصانها في العالم السفلي؛ لذا فإن هناك خيطا نورانيا للعلاقة ابتداءً من مقام الثمرة في الأسفل إلى مقام النواة الأصلية.

فالمعراج صورة وغلاف لخيط تلك العلاقة؛ حيث فَتَحَت الذاتُ الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام ذلك الطريق وسار بولايته، وعاد برسالته، وترك الباب مفتوحًا؛ إذ يسلك بالروح والقلب أولياءُ أمته الذين يتبعونه في ظل المعراج النبوي تلك الجادةَ النورانيةَ، فيعرجون فيها إلى مقامات عالية، كلٌّ حسب استعداداته.

ثم إن صانع هذا الكون قد أنشأ هذا الكون وزيَّنَه على صورة قصر لأجل المقاصد التي بُيِّنت في جواب الإشكال الأول كما أُثبِت سابقا، فالرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم هو مدار تلك المقاصد؛ لذا فيلزم أن يكون هو في نظر عناية صانع الكون قبل وجود الكون وخلقه، ويلزم أن يكون أولَ من يحظى بتجليه جلّ جلاله؛ لأن نتيجة شيء ما وثمرته تكون في عين الاعتبار أولا وقبل كل شيء، إذن الشيء الآخر وجودًا هو الأول معنىً، وحيث إن الرسول الأكرم # هو أكمل ثمرة، ومدار قيمة جميع الثمرات، ومدار ظهور جميع المقاصد؛ فإنه يلزم أن يكون نوره أولَ من يحظى بتجلي الإيجاد.

مشكلك الثالث:

هذه الحقيقة واسعة بحيث لا يستطيع استيعابها والإحاطة بها أناس ضَيِّقو الأذهان مثلنا، إلا أنه يمكن أن ننظر إليها من بعيد.

أجل؛ إن المعامل المعنوية والقوانين الكلية للعالم السفلي هي في العوالم العلوية، وإن نتائج أعمال ما لا يحد من مخلوقات الكرة الأرضية التي هي محشر المصنوعات وثمرات أفعال الجن والإنس، كلها تتمثل في العوالم العلوية كذلك، حتى إن الحسنات تتحول إلى صورة ثمراتِ الجنة، وإن السيئات تنقلب إلى شكل زقوم([1]) جهنم كما تُبيِّن إشارات القرآن الكريم فضلا عن شهادة أماراتٍ وروايات كثيرة جدًّا، ومقتضى حكمة الكون واسم “الحكيم”.


[1]   زقوم: شجرة من أشجار جهنم.

 ت،

368. صفحة

أجل؛ إن الكثرة قد انتشرت على وجه الأرض وتشعبت الخِلقةُ إلى حد توجَد معه أجناس المخلوقات وأصناف المصنوعات على الكرة الأرضية أكثر بكثير من جميع المصنوعات المنتشرة في جميع الكون، وتتجدد وتُملأ بها الأرضُ وتُخلى منها.

فمنابع ومعادن الجزئيات والكثرة إنما هي القوانين الكلية والتجليات الكلية للأسماء، بحيث إن مظاهر تلك القوانين الكلية والتجليات الكلية وتجليات الأسماء الحسنى المحيطة هي بدورها السماوات التي هي بسيطة وصافية إلى حد ما، وكل واحدة منها عرش وسقف لعالم من العوالم ومركز تصرف له، حتى إن أحد تلك العوالم هو جنة المأوى التي هي عند سدرة المنتهى، وإن تجسد التسبيحات والتحميدات التي تُرفع في الأرض على صورة ثمار تلك الجنة ثابت بإخبار المخبر الصادق #.

فهذه النقاط الثلاث تبين:

أن مخازن النتائج والثمرات الحاصلة في الأرض إنما هي هناك، وأن محاصيلها تذهب هناك.

فلا تقل كيف يصبح قَوْلي“الحمد للّه” في الهواء ثمرةً مجسمة في الجنة؟ لأنك تقول كلمة طيبة وأنت يَقِظٌ في النهار فتأكلها أحيانا في الرؤيا بصورة تفاحة لذيذة، وكلامك القبيح نهارًا تبلعه في الرؤيا شيئًا مُرًّا، فإن اغتبت أحدًا يطعمونك لحم ميت فاسد؛ إذن فكلماتك الطيبة أو الخبيثة التي تتلفظها في منام هذه الدنيا، تأكلها كثمراتٍ في عالم الآخرة الذي هو عالم اليقظة، وينبغي ألاّ تستبعد أكلها هذا.

 

 

 


369. صفحة

الأساس الرابع

ما ثمرات المعراج وفوائده ؟

الجواب:

سنذكر خمس ثمرات فقط، كنموذج من ثمرات المعراج الذي هو شجرة طوبى معنوية والذي له ما يزيد على خمسمائة ثمرة.

 الثمرة الأولى:

رؤية حقائق الأركان الإيمانية رؤية عين، ومشاهدة الملائكة والجنة والآخرة، بل حتى الذات الجليلة بالعين. فالرسول قد أتى بخزينة ونور أزلي وأبدي هديةً للكون وللبشر؛ إذ أخرج ذلك الكونَ من وضع موهوم تَعِس بائس فانٍ مضطرب، وأظهره بذلك النور وتلك الثمرة بوضعه الحقيقي على أنه مكتوب صمداني قدسيٌّ، ومرآةٌ جميلة لجمال الأحَدِيَّة فأبهج وأسرّ الكون وجميعَ ذوي الشعور.

وأخرج كذلك بذلك النورِ وتلك الثمرةِ البشرَ من وضع مشوب([1]) بالضلالات، مشَوَّش، تَعِس، عاجز، فقير لا حد لحاجته، ولا نهاية لأعدائه، فانٍ لا بقاء له، وأظهر بذلك النور وتلك الثمرة المقدسة في صورته الحقيقية؛ أنه في أحسن تقويم، وأنه معجزةٌ من معجزات القدرة الصمدانية، ونسخةٌ جامعة لمكتوباته الصمدانية، ومخاطبٌ لسلطـان الأزل والأبد، وعبدُه الخاص، ومستحسِنُ كمالاته وخليلُه والمعجَبُ بجماله، وحبيبهُ وضيفُه العزيز المرشّح لجنته الباقية، ووهب كلَّ الناس الحقيقيين سرورًا لا نهاية له، وشوقًا لا حدَّ له.


[1]   مشوب بالشيء: مخلوط به.

 ي 

370. صفحة

الثمرة الثانية:

وهي أنه - عليه الصلاة والسلام - أتى بأسس الإسلام، وفي مقدمتها “الصلاة” هديةً إلى الجن والإنس، تلك الأسس التي هي المرضيات الربانية لحاكم الأزل والأبد وهو صانع الموجودات ومالك الكون ورب العالمين؛ حيث إنَّ فهم تلك المرضيات يثير لدى الإنسان الشوقَ والرغبة لفهمها ويهب السعادةَ إلى حد لا يمكن وصفه؛ لأن كل إنسان يرغب رغبة قوية في أن يعرف مِن بعيد رغبات وليِّ نعمه العظيم أو سلطانِه المحسن، وكم يكون مسرورا إذا عرف ذلك! ويتمنى قائلا: “يا ليت هناك واسطة مخابرة وتكلمتُ معه مباشرة، وعرفت ما يريده مني، وما الذي يعجبه مني؟”

ترى كم يجب أن يكون البشر الذي حظي بإحساناته التي لا تعد ولا تحصى، والذي هو محتاجٌ كلَّ آنٍ لما لا نهاية له من وجوهٍ إلى من هو جميع الموجودات في قبضة تصرفه، وكلُّ الجمال والكمالات ظلٌّ ضئيلٌ بالنسبة إلى جماله وكماله؛ تفهم من ذلك كله كم يجب أن يكون البشر متلهفًا ومتطلعًا لفهم مرضياته ورغباته، فها هو ذا الرسول الأكرم # قد سمع مرضيات سلطان الأزل والأبد كثمرة للمعراج من وراء سبعين ألف حجاب سماعًا مباشرًا بحق اليقين، وأتى بها وقدّمها هدية إلى البشرية.

نعم؛ كم يتطلع الإنسان إلى معرفة ما يحدث في القمر! وإذا ما ذهب أحد إلى هناك وعاد فأخبر بما فيه، كم يضحي من أجل ذلك الخبر، وتأخذه الحيرة والفضول إذا ما عرف تلك الأخبار، في حين أن القمر يسيح ويتجول في مملكة مالك الملك ذي الجلال الذي ليس القمرُ في ملكه إلاَّ كذُبابٍ يطير حول كرة الأرض، والكرة الأرضية تطير كالفراشة حول الشمس، والشمس سراجٌ من بين ألوف السُّرُج حيث تؤدي وظيفة الشمعدان في دار ضيافة مالك الملك ذي الجلال.

فالرسول الأكرم # قد رأى شئون الذات ذي الجلال وعجائبَ صنعته وخزائنَ رحمته في عالم البقاء، وعاد وحدّث البشر بما رآه، فإن لم ينصت البشر إلي هذه الشخصية العظيمة  # بكمال الشوق واللهفة والإعجاب والمحبة؛ تدرك كيف أنهم يتصرفون بخلاف العقل والحكمة.


371. صفحة

الثمرة الثالثة:

 إنه قد رأى كنز السعادة الأبدية، وتسلّم مفتاحه، وأتى به هدية للإنس والجن.

نعم، إنه قد رأى بعينيه الجنة بواسطة المعراج، وشاهد التجليات الباقية لرحمة الرحمن ذي الجمال، وأدرك السعادة الأبدية قطعا وبحق اليقين، وأهدى بشرى وجودِ السعادة الأبدية إلى الجن والإنس؛ حيث لا يمكن وصف مثل هذه البشرى في حين أن الجن والإنس العاجزين كانوا في وضع موهوم حَرِجٍ خانق في دنيا لا ثبات لها؛ حيث تنصبُّ الموجودات في زلزلة الزوال والفراق بسيل الزمان وبحركات الذرات إلى بحر العدم والفراق الأبدي، ولا يمكن وصف أبعاد ما تورثه تلك البـشرى من سعادة لدى الجن والإنس الفانين الذين يظنون أنهم محكوم عليهم بالإعدام الأبدي.

وانظر كم يكون العفوُ عن رجل محكوم عليه بالإعدام قبيل تنفيذ الإعدام، وإعطاؤه قصرًا عظيمًا قريبًا السلطان سببًا لسعادته! فاجْمَعْ جميع مثل ذلك السرور بعدد جميع الجن والإنس وقدِّر قيمة تلك البشرى.

الثمرة الرابعة:

كما أنه أَخَذَ ثمرةَ رؤيةِ جمال الله سبحانه كذلك فقد أتى بهدية للجن والإنس وهي أنه يمكن لكل مؤمن أيضًا أن يحظى بتلك الثمرة.

ويمكنك أن تقدر كم أن تلك الثمرةَ لذيذة ولطيفة وطيبة كالآتي:

إن كل إنسان ذي قلب يحب مَن هو ذو الجمال والكمال والإحسان، وهذه المحبة تزداد وفق درجات الجمال والكمال والإحسان، حتى تبلغ درجة العبودية، وتبدأ عنده محبة بدرجة أن يضحِّي بروحه لأجل محبوبه، وتصل إلى درجة أنه يضحِّي بدنياه لأجل رؤيته مرة واحدة.

والحال أن نسبة كل ما في الموجودات من جمال وكمال وإحسان إلى جماله وكماله وإحسانه سبحانه لا تبلغ حتى نسبة ما بين بضعة لُميعات ضئيلة وبين الشمس. فتدرك 


372. صفحة

إذن - إن كنت إنسانًا حقًّا - كم أن التوفيق في السعادة الأبدية إلى رؤية الذات ذي الجلال والكمال - الذي هو جدير بمحبة غير متناهية وجدير برؤية وشوق بغير متناهيين - يورث السعادة ويكون سببًا للسرور، وكم أنه ثمرة لطيفة وجميلة!

الثمرة الخامسة:

إنه قد فُهم كونُ الإنسان ثمرةً قيمةً للكون، ومحبوبًا مكرَّمًا لصانع الكون بوساطة المعراج.

 وأتى الرسول الأكرم # بهذه الثمرة إلى الجن والإنس، ورفع الإنسانَ الذي هو مخلوق صغير وحيوان ضعيف وذو شعور عاجز بتلك الثمرة إلى مقام سامٍ عالٍ، بحيث وهبه مقامَ فخرٍ فوق جميع مخلوقات الكون، ومنحه من الفرح والسرور المفعَم([1]) بالسعادة إلى حد لا يُتصور؛ لأنه إذا قيل لجندي اعتيادي واحد: “لقد أصبحتَ مشيرًا([2])”، فكم يكون مسرورا فرِحًا! فكذلك إذا قيل جملة للحيوان الفاني العاجز، أي الإنسان البائس الذي يتلقى لطمات الزوال والفراق دائمًا:

“إنك وُفِّقتَ للتنَزُّه والسير والتجوال في جنة أبدية خالدة، وفي رحمةِ رحمن رحيمٍ كريمٍ، وفي سرعة الخيال وسعة الروح وتجوال العقل وجميع رغبات القلب وفي الملك والملكوت، وستُوفَّق كذلك إلى رؤية جماله سبحانه في السعادة الأبدية”؛ فتستطيع أن تتخيل مدى ما سيشعر به إنسان لم تنحط إنسانيته من فرح وسرور حقيقيين وعميقين في قلبه عند سماع هذا الكلام!

والآن نقول لمن هو في مقام الاستماع: مزّق عنك قميص الإلحاد واطَّرِحْه([3])، وتَلَبَّسْ أذن المؤمن، وتقلّد عيني المسلم، فسنبين لك قيمةَ بضعِ ثمرات ضمن مثالين صغيرين.


[1]   المفعم: المليء.

 

[2]   المشير: أعلى رتبة عسكرية.

 

[3]   اطرحه: ألقه وارمه.

 


373. صفحة

المثال الأول:

هب أننا معك في مملكة، ونرى أن كل شيء عدو لنا، وكلاًّ يعادي بعضه بعضًا، وكل ما فيها غريب عنا، وكل مكان فيها مليء بجنائز مروعة وكل الأصوات المتعالية بكاء لأيتام ونواحٌ لهم، واستغاثات مظلومين؛ وبينما نحن في حالة كهذه لو ذهب أحدهم إلى سلطان هذه المملكة وعاد ببشرى، وتحول بهذه البشرى كل أولئك الغرباء عنا إلى أحباب، وانقلب كل ما نراه عدوا لنا إلى إخوان لنا، وتراءت تلك الجنائز المروعة كعُبَّاد ذاكرين، ومسبحين في خشوع وخضوع، وتحول ذلك البكاء والنواح إلى هتافات مدح وثناء: يحيا! يحيا!، وتحولت تلك الوَفَيَات والغصب والنهب إلى صورة تسريحات عن الوظيفة وشاركْنا الآخرين في سرورهم بسرورنا، ستدرك بلا شك كم أن تلك البشرى سارة ومُبهجة.

إذا ما نُظر إلى موجودات الكون بنظر الضلالة قبل نور الإيمان الذي هو إحدى ثمرات المعراج الأحمدي تراءت غريبة مضرة مزعجة ومتوحشة، والأجسام الضخمة كالجبال جنائز تثير الدهشة، والأجل يضرب أعناق الموجودات ويرميها إلى غياهِب العدم الأبدي، وجميع الأصوات والأصداء صراخًا ونعيًا ينشأ عن الفراق والزوال، فبينما تصوِّر الضلالةُ كل هذه الموجودات والأحداث على هذه الصورة، تريك حقائقُ أركان الإيمان - وهي من ثمرات المعراج - الموجوداتِ كلها على أنها أحِبَّاء وإخوان، وذاكِراتٌ لصانعها ذي الجلال، ومسبحات له، وأن الموت والزوال نوع من تسريح وإعفاء من الوظيفة وتلك الأصوات والأصداء هي تسبيحات.

فإن شئت أن ترى هذه الحقيقة واضحة تماما فراجع “الكلمة الثانية” و“الكلمة الثامنة”.

المثال الثاني:

هب أننا معك في موقع كصحراء كبرى وسط عواصف رملية، والليل مظلم ظلاما دامسًا([1]) فلا نستطيع أن نرى حتى أيدينا، ونحن وحيدون بلا حام([2]) ولا مأوى، وجائعون


[1]   دامس: شديد الظلام.

 

[2]   حام: مدافع ومنافح.

 

ه.

374. صفحة

وظامئون ويائسون، فإن أتى أحد فجأة ونحن في هذه الحالة، بسيارةٍ هديةً لنا من بين حُجُب الظلام، وأركبَنا السيارة، وأنزلَنا توًّا في مكان شبيه بالجنة حيث مستقبلنا مضمون فيه، ولنا حام رحيم في منتهى الرحمة، وقد أُحْضر وأُعِدَّ فيه الطعام والشراب، فإنك تعلم يقينا كم نكون سعداء مسرورين!

فتلك الصحراء الكبرى هي هذه الدنيا، وتلك العواصف الرملية هي هذا الإنسانُ المسكين والموجوداتُ التي تضطرب بتحريك سيل الزمان وحركات الذرات ضمن هذه الحادثات، وكل إنسان حزينِ القلب يرى المستقبل - بسبب قلقه عليه، من خلال نظرة الضلال - في ظلمات حالكة([1]) مذهلة، ولا يعرف من يُسمعه استغاثاتِه، وهو في منتهى الجوع وفي منتهى العطش.

وهكذا، فعندما ظهرت هذه الدنيا كدار ضيافة لِذَاتٍ كريم في منتهى الكرم، والناس ضيوفه وموظفوه، وظهر المستقبل زاهيا كالجنة، وحُلْوًا لطيفا كالرحمة، ولامعا باهرا كالسعادة الأبدية؛ كل ذلك إذا اتضح على هذه الصورة بالمرضيات الإلهية التي هي ثمرة من ثمرات المعراج؛ فإنك ستدرك كم أن هذه الثمرة لطيفة حلوة طيبة.

فالشخص الذي كان في مقام الاستماع يقول:

حمداً للحق تعالى، وشكرًا له بمئات الألوف، فقد نجوت من الإلحاد، واعتنقت التوحيد، وآمنت إيمانا جازمًا، وظفرت بكمال الإيمان.

ونحن نقول له:

أيها الأخ، نهنئك، ونسأل الحق تعالى أن يجعلنا ممن يحظون بشفاعة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم آمين.


[1]   حالكة: مظلمة شديدة السواد.

 

.


375. صفحة

اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَنِ انْشَقَّ بِإِشَارَتِهِ الْقَمَرُ، وَنَبَعَ مِنْ أَصَابِعِهِ الْمَاءُ كَالْكَوْثَرِ

صَاحِبِ الْمِعْرَاجِ وَمَا زَاغَ الْبَصَرُ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

مِنَ أَوَّلِ الدُّنْيَا إِلَى آخِرِ الْمَحْشَرِ.

سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ

ربَّنَا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ

رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا

رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا

رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَََنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

وءَاخِرُ دَعْوَيٰهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمَِينَ