الكلمة الخامسة عشرة

72. صفحة

الكلمة الخامسة عشرة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَۤاءَ الدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُومًا لِّلشَّيَٰطِينِ

(سورة الملك: ٦٧/٥)

أيها السيد منسوبُ المدارس الحديثة([1]) الذي ضاق ذهنُه بمسائلَ لا روح فيها في علم الفلك، والذي انحدر([2]) عقله إلى عينيه، والذي لا يستطيع استيعاب السرّ العظيم لهذه الآية الكريمة بذهنه الضيق، إنه يمكن الصعود إلى سماء هذه الآية الكريمة بسُلَّمٍ ذي سَبْعِ درجات، فتعال نصعد إليه معًا.

الدرجة الأولى:

إن الحقيقة والحكمة تستدعيان وجود سكان مناسبِينَ للسماوات، كما هو الحال في الأرض، وتسمى هذه الأجناس المختلفة على لسان الشرع بالملائكة والروحانيات.

نعم؛ إن الحقيقة تقتضي ذلك؛ إذ إن ملءَ الأرض - مع حقارتها وصِغَر حجمها - بمخلوقات ذات حياة وشعور، وإعمارَها من جديد بين الْفَيِنَةِ والأخرى بذوي شعور آخرين بعد إخلائها؛ يشير بل يصرح بأن السماوات ذات البروج الفخمة الرائعة -التي هي في حكم قصور مزينة- مليئةٌ كذلك بمخلوقات ذات إدراك وشعور، وهم كالجن


[1]          )) منسوب المدارس الحديثة: المنتمي إليها المتخرج فيها.

 

[2]          )) انحدر: سقط ونزل.

 


73. صفحة

والإنس مشاهدو قصر العالم هذا ومطالعو كتاب الكون هذا، ودَلاّلو([1]) سلطنة الربوبية؛ لأن تزيينَهُ جلّ وعلا الكائناتِ وتجميلَها بمزينات ومحاسنَ ونقوشٍ لا تعد ولا تحصى؛ يتطلب - بالبداهة - أنظارَ متفكرين مستحسنين ومعجبين مبهورين.

نعم؛ فلا شك أن الحُسنَ يتطلب عاشقًا والطعامَ يُعطى للجائع؛ ولأن الإنس والجن لا يستطيعون القيام إلا بَوَاحِدَةٍ من مليونٍ تجاه هذه الوظائف غير المتناهية والنِّظَارَة العظيمة الشاملة والعبودية الواسعة؛ فإن هذه الوظائفَ والعباداتِ المتنوعةَ التي لا حد لها تتطلب - بما لا حد له من أنواع - الملائكة وأجناس الروحانيات.

ويمكن أن يقال بإشارة بعض الروايات وبحكمة انتظام العالم: إن قسمًا من الأجسام السيارة - بدءًا بالكواكب السيارة وانتهاء إلى القطرات - هو مراكب لقسم من الملائكة، فهم يركبونها بإذن الله، ويتجولون في عالم الشهادة ويشاهدونه.

ويمكن أن يقال: إن قسمًا من الأجسام الحيوانية - بدءًا بطيور الجنة المسماة بـ[طُيورٌ خُضْرٌ] ([2])-كما في الحديث الشريف- وانتهاء إلى البعوض- هو طائرات لنوع من الأرواح، فهي تدخلها بأمر الحق تعالى، وتتجول في عالم الجسمانيات فتطل من نوافذ حواس تلك الأجساد؛ لتشاهد معجزات الفطرة الجسمانية، فالخالق الذي يخلق باستمرار من التراب الكثيف والْمَاءِ الْمُتَكَدِّرِ([3]) حياةً لطيفةً ومخلوقاتٍ نورانيةً ذات إدراك؛ لا شك في أن له قسمًا من مخلوقات ذات شعور من بحر النور -وحتى من بحر الظلمات- يناسب الروح والحياة، بل هي موجودة بكثرة ووفرة.

 فقد أُثبِت وجود الملائكة والأرواح في رسالتي المسماة بـ“النقطة” و“الكلمة التاسعة والعشرين” إثباتًا قاطعا يعادل في قطعيته مسلَّمَة أن حاصل ضرب اثنين في اثنين يساوي أربعًا؛ فإن شئت فراجعهما.


[1]          )) الدلال: من يجمع بين البيعين, ومن ينادي على السلعة لتباع بالممارسة.

 

[2]      )) إشارة إلى ما ورد في أحاديث نبوية من أن أروح أهل الجنة تكون في جوف طيور خضر،انظر مصنف عبد الرازق، باب أجر الشهادة ٥/٢٦٣.

 

[3]          )) المتكدر: العكر.

 

ا.

74. صفحة

الدرجة الثانية:

إن الأرضَ والسماواتِ بينهما علاقة كعلاقة بلدين في دولة واحدة، فبينهما ارتباط ذو أهمية، ومعاملات مهمة، فما يلزم الأرض -كالضياء والحرارة والبركة- يأتي من السماء؛ أي: يُرسَل منها، وإنه بإجماع جميع الأديان السماوية التي تستند إلى الوحي، وبتواتر جميع أهل الكشف الذي يستند إلى المشاهدة؛ تأتي الملائكة والأرواح من السماء إلى الأرض، وعليه فإنه يُعرَف بَحَدْسٍ([1]) قطعي قريب من الحسِّ أن سكان الأرض لهم طريقٌ للصعود إلى السماء.

نعم؛ فكما أن عقلَ كل فرد وخيالَهُ ونظرَهُ يصعد إلى السماء في كل وقت، فكذلك أرواحُ الأنبياء والأولياء التي تَدَعُ أَثْقَالَهَا([2])، أو أرواحُ الأموات التي خلعت أجسادَها تصعد إليها بالإذن الإلهي، فبما أن الذين يجدون الخفة واللطافة يصعدون ويذهبون إلى السماء؛ فلا شك أن قسمًا من سكان الأرض والهواء الذين قد لبسوا جسدًا مثاليًا، والذين لهم خفة ولطافة كالأرواح يمكنهم الذهاب والصعود في السماء.

الدرجة الثالثة:

إن سكوت السماء وسكونها وانتظامها واطرادها وسعتها ونورانيتها يدلّ على أن سكانها ليسوا كسكان الأرض، بل إن جميعَ أهاليها مطيعون يفعلون ما يؤمرون، ولا يوجد سبب يؤدي إلى المزاحمة والْمُشادَّة بينهم؛ إذ البلد واسع، وفطرتُهم صافيةٌ، وهم معصومون([3])، ومقامهم ثابت.

نعم؛ إن الأرض قد اجتمعت فيها الأضداد فاختلط الأخيار بالأشرار وبدأت بينهم الْمُشادَّات، فوقعت من جراء([4]) ذلك الخلافاتُ والاضطراباتُ، وعقدت الامتحانات والمسابقات، ومن ثَمَّ ظهرت الترقيات والتدنيات.


[1]          )) الحدس: الحكم السريع المؤكد أو التنبؤ الغريزي بالوقائع والعلاقات المجردة.

 

[2]          )) تدع أثقالها: تترك أحمالها.

 

[3]          )) معصومون: محفوظون ومحميون من الخطأ.

 

[4]          )) من جراء: بسبب.

 

ت.

75. صفحة

وحكمة هذه الحقيقة هي أن البشرَ هم الثمرةُ النهائية لشجرة الخِلْقة والجزءُ الأخير منها، ومن المعلوم أن ثمرة أي شيء هي أبعد وأجمع وألطف وأهم جزء فيه، وعليه؛ فلكون الإنسان - الذي هو ثمرة العالَم- هو الأجمع والأبدع والأعجز، والأعز والأضعف والألطف في كونه معجزة للقدرة؛ أصبحت الأرض التي هي مَهْدُه ومَسْكَنُهُ قلبَ الكون ومركزَه معنىً وصنعةً - على الرغم من صغرها وحقارتها مادةً بالنسبة للسماء - وَمَشْهَرَ([1]) جميع معجزات الصنعة ومعرضها، ومظهرَ جميع تجليات الأسماء الحسنى وَبُؤْرَتَهَا، ومحشرَ جميع الفعاليات الربانية غير المحدودة ومَعْكَسَهَا([2])، وسُوقَ الخلاّقية الإلهية اللانهائية والإيجاد بالجود - خاصة في الأنواع الكثيرة الصغيرة للنباتات والحيوانات - ومدارهما، ومعرضَ نماذجَ مصغرٍ للمصنوعات الموجودة في عوالم الآخرة الفسيح للغاية، وَمِنْوَالاً([3]) - يعمل بسرعة - للمنسوجات الأبدية، ومعملَ تصويرٍ - يعرض بسرعة - للمناظر السَّرْمَدِيَّةِ([4])، ومزرعةً ضيقةً ومؤقتة - تُنبت بسرعة - لبذيرات البساتين الدائمة ومشتلاً لها.

وهكذا؛ فمن هذه العظمة المعنوية والأهمية الصُّنعية للأرض([5]) يجعل القرآن الحكيم


[1]          )) مشهر: مكان إشهار.

 

[2]          )) معكس:مرآتها, ومُظهِرها.

 

[3]          )) المنوال: آلة من آلات النسج، وهي خشبة الحائك التي ينسج عليها خيوط النسج.

 

[4]          )) السرمدية: الأبدية.

 

[5]      )) أجل، إن الكرة الأرضية يمكن أن تساوي وتقابل السماوات مع صغرها؛ لأنه يمكن أن يقال: إن صُنبورًا دائمًا، أكبر من بحيرة كبيرة لا موارد لها [كما يقال: ساقية جارية خير من نهر مقطوع - المترجم -]، وكذا يمكن أن يوازَن مكيالٌ بمحاصيل كيلت بذلك المكيال ونقلت إلى مكان آخر.. ومرت على المكيال أي دخلت فيه وخرجت منه.. أقول يمكن أن يوازَن مكيالٌ بجسم ضخم كالجبل وأكبر من المكيال نفسه بآلاف المرات ظاهرًا. كذلك الأرضُ فقد خلقها الحق تعالى: مشهرًا لصنعته، ومحشرًا لإيجاده، ومدارًا لحكمته، ومَظهَرًا لقدرته، ومَزهَرًا لرحمته، ومزرعة لجنته، ومكيالاً لما لا حد له من الكائنات وعوالم المخلوقات، وبمنزلة صُنبور تصب في بحار الماضي وإلى عالم الغيب. والآن خذ بعين الاعتبار جميع تلك العوالم المتجددة التي يبدّل الحق تعالى عليها سنويًّا قمصانها المنسوجة من المصنوعات، بمئات الآلاف من الطُّرُز متراصةً بعضها فوق بعض والتي يصبها في عالم الغيب مفرغًا إياها مرات كثيرة في وديان الماضي بعد امتلائها، وتَصَوَّرْ أثوابَ الأرضِ المتعدِّدةَ؛ أي افترض كل ماضيها حاضرًا الآن، ثم قارن بينها وبين السماوات التي تبدو هادئة ساكنة بسيطة إلى حد ما، فسترى أن الأرض، إن لم تكن أثقل من السماوات فلا تكون أقل منها شأنًا. فافهم من هذا سر: ﴿رَبُّ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ﴾ (سورة الإسراء:١٧/ ١٠٢)

 




76. صفحة


الأرضَ - التي هي في حكم ثمرة صغيرة لشجرة كبيرة بالنسبة للسماوات- معادِلةً لكل السماوات، ويضعها في كِفَّةٍ ويضع جميع السماوات في كفة أخرى؛ فيقول: ﴿رَّبُّ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ﴾ مرارًا وتكرارًا.

وكذا إن تحولَ الأرضِ السريعَ وتغيرَها الدائمَ الناشئين عن حِكَمها المذكورة يقتضيان أن يكون أهلها كذلك مَظْهَرَ تحولاتٍ مناسبة لها. وكذا إن هذه الأرض المحدودة لكونها مظهرًا لمعجزات القدرة اللا محدودة؛ فقد أصبحت معرضًا لرقي لا نهاية له وتدنٍ لا حد له؛ وذلك لأنه لم يوضع حد فطري وقيد خلقي على قوى أهمّ سكانها الذين هم الجن والإنس كما وضعا للأحياء الأخرى، وغدت ميداناً شاسعاً([1]) لامتحانهم بدءًا بالأنبياء والأولياء، وانتهاء بالنماردة([2]) والشياطين. وبما أن الأمر هكذا فإن الشياطين المتفرعنة([3]) سيَرجمون السماءَ وأهلها بما لا حد لها من شراراتهم.

 الدرجة الرابعة: 

إن لرب كلّ العالمين ومدبرها وخالقها ذي الجلال أسماءً حسنى وعناوينَ كثيرةً جدًا مختلفةً ومتفاوتةَ الأحكام، فمثلاً: الاسم والعنوان الذي اقتضى إرسال الملائكة لمحاربة الكفار في صف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هو الاسم والعنوان نفسه الذي يقتضي وجودَ محاربة بين الملائكة والشياطين، ووجودَ مبارزة بين الأخيار السماويين والأشرار الأرضيين.

أجل؛ إن القدير ذا الجلال الذي بقبضة قدرته نُفُوسُ وَأَنْفَاسُ الكفار لا يهلكهم ولا يبيدهم بأمر واحد وصيحة واحدة، ولكن يفتح ميدانًا للامتحان والمبارزة بعنوان الربوبية العامة، وباسميه: الحكيم والمدبر.


[1]          )) شاسعا: واسعا كبيرا.

 

[2]          )) النماردة: جمع نمرود, والمقصود الجبابرة.

 

[3]          )) المتفرعنة: أي التي كالفرعون في سلوكها وتصرفاتها.

 


77. صفحة

فمثلاً - ولا مُشَاحَّةَ([1]) في التمثيل - نشاهد أن للسلطان باعتبار إدارة حكمه عناوين وأسماء مختلفة كثيرة جدًا، فدائرة العدل تَذكُره وتدعوه باسم الحاكم العادل، ودائرة العسكرية تَعرِفه باسم القائد الأعظم، ودائرة الْمَشِيخَةِ تَذكُره باسم الخليفة، ودائرة الملكية تعرفه باسم السلطان، ويقول عنه الأهالي المطيعون: إنه سلطانٌ رحيم، أما العصاة من الناس فيقولون عنه: إنه حاكم قهار. وقس على ذلك.

وهكذا فإن هذا السلطان العظيم الذي تَحْت إِمْرَتِهِ جميع الأهالي لا يُعدم في بعض الأوقات شخصًا عاصيًا عاجزًا ذليلاً بكلمة واحدة وإنما يُحيِله باسميه: “الحاكم” و“العادل” إلى المحكمة، ويعرف جدارةَ موظفٍ له قديرٍ صادقٍ ومستحقٍّ للتكريم، فلا يكرمه بهاتفه الخاص وعلمه الخاص، وإنما يفتح ميدان مسابقة بعنوان عظمة سلطنته وتدبير حكومته لإعلان وإشهار استحقاقه للمكافأة، ويأمر وزيرَه بتهيئة حفل استقبال سياسي رسمي، وبدعوة الأهالي لحضور ذلك التكريم

وقس على هذا الجهاتِ الأخرى.

وهكذا -ولله المثل الأعلى- لسلطان الأزل والأبد أسماءٌ حسنى كثيرةٌ جدًّا، وله مع التجليَّات الجلالية والتظاهرات الجمالية شئونٌ وعناوينُ كثيرة جدًا، فالاسم والعنوان والشأن الذي يقتضي وجودَ النور والظلمة والصيف والشتاء والجنة وجهنم يقتضي كذلك تعميمَ قانون المبارزة بدرجة ما، كما يقتضي تعميمَ القوانين العامة الكثيرة جدًا؛ كقانون التناسل وقانون المسابقة وقانون التعاون، ويقتضي شمولَ ذلك القانون - قانون المبارزة - ابتداءً بالمبارزة بين الإلهامات والوساوس التي تدور في القلب وانتهاء إلى المبارزة التي تدور بين الملائكة والشياطين في آفاق السماء.

الدرجة الخامسة:

بما أن هناك ذهابًا من الأرض إلى السماء وعودةً منها، وهبوطًا من السماء إلى الأرض وصعودًا من الأرض إلى السماء، وإرساَلاً للَّوازم الأرضية المهمة من هناك، وبما أن الأرواح الطيبة تنطلق إلى السماء؛ فلا شك أن الأرواح الخبيثة ستحاول الذهاب


[1]          )) مشاحة: جدال.

 


78. صفحة

إلى مملكة السماوات تقليدًا للأخيار؛ لأن لهم لطافةً وخفةً من حيث الجسم، ولا شك أيضًا أنهم سيُطردون قطعًا ويُرَدُّون؛ لأن لهم شرًّا ونحسًا من حيث الْمَاهِيَّةُ، وكذلك - بلا شك ولا شبهة - ستوجد علامة وإشارة لهذه المعاملة المهمة ولهذه المبارزة المعنوية في عالم الشهادة؛ لأن حكمة سلطنة الربوبية تقتضي أن تَتْرُك علامة وتضع إشارة تدل على أهم التصرفات الغيبية أمام أنظار ذوي الشعور، وخاصة الإنسانَ الذي أهم وظائفه المشاهدةُ والشهادة والإعلان والنِّظارةُ، مثلما وضَعَ المطرَ إشارة لمعجزاته غير المحدودة التي تظهر في الربيع، وجعل الأسبابَ الظاهريةَ علامةً لخوارق صنعته؛ لكي يُشهِد أهلَ عالم الشهادة عليها، بل لِيَجْلِبَ([1]) دقة أنظار جميع سكان الأرض وأهل السماوات إلى تلك المناظر العجيبة؛ أي إنه يُظهِر تلك السماواتِ العظيمةَ في صورة مدينة أو في حكم قلعة اصطف حولها حراس وزُيِّنت أبراجُها ليجعلهم يتفكرون في عظمة ربوبيته.

وبما أنه يلزم إعلان تلك المبارزة العلوية حكمةً، فلا شك أن لها إشارةً. بينما لا تتراءى أيةُ حادثة من بين الحادثات الجوية والسماوية تناسب هذا الإعلان ولا يوجد أنسب من تلك الحادثات النجمية، إذ يفهم بداهةً أن تكون تلك الحوادث النجمية الشبيهة بالمناجيق وطلقات التنوير التي تُقذَف من البروج المحكمة للقلاع العالية أنسبَ لرجم الشياطين؛ إذ إنه لا تُعرَف لهذه الحادثة حكمة مناسبة غير هذه الحكمة وتلك الغاية.. بينما الحادثات الأخرى ليست كذلك.

ثم إن هذه الحكمة مشهورة منذ زمن آدم عليه السلام ومشهودة لدى أهل الحقيقة.

 

 

 

الدرجة السادسة:

إن البشر والجن يقومون بتمرد وطغيان بلا حدود لما لهما من استعداد مطلق للشر والجحود؛ لذا فإن القرآن الكريم يزجر([2]) الإنس والجن عن العصيان والطغيان ببلاغة معجزة، وبأساليب باهرة عالية، وبأمثال وتمثيلات غالية ظاهرة؛ زجرًا يهزُّ الكون.


[1]          )) يجلب: يجذب.

 

[2]          )) يزجر: ينهى.

 




79. صفحة

فمثلاً: في الآية الكريمة: ﴿يَٰمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُواْ لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَٰنٍ { فَبِأَيِّ ءَالاَۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ { يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِِّنْ نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ (سورة الرحمن: ٥٥/٣٣-٣٥) التي تقول: أيها الإنس والجن؛ إن لم تطيعوا أوامري فهيَّا اخرجوا من حدود ملكي إن استطعتم.

فانتبِه إلى الإنذار العظيم والتهديد المدهش والزجر الشديد، كيف أنه يكسر التمردَ المشبع بالغرور للإنس والجن ببلاغة في غاية الإعجاز، ويعلن عجزهم ويظهرُ كَيف أنهم عاجزون لا حيلة لهم مقابل سعة وعظمة سلطنة ربوبيته، فكأنه بهذه الآية المذكورة: ﴿وَجَعَلْنَٰهَا رُجُومًا لِّلشَّيَٰطِينِ (سورة الملك: ٦٧/٥) يقول:

أيها الإنس والجن المتمردون المغرورون مع عجزكم، والمعاندون الجامحون مع ضعفكم وفقركم؛ كيف تتجاسرون بعصيانكم على مخالفة أوامر سلطان ذي شأن، تطيع أوامره النجوم والأقمار والشموس كجنوده المتأهبين، ثم بطغيانكم تبارزون حاكمًا ذا جلال له جنود مطيعون مَهيبون([1]) يستطيعون أن يرجموا شياطينكم -إن فرضنا تحملها لذلك- بقذائف كالجبال.

ثم بكفركم تعصون في مملكة مالك ذي جلال له عباد وجنود يستطيعون أن يقصفوا ويمزقوا بنجوم وشُوَاظ([2]) من نحاس وحدائد نارية بضخامة الأرض والجبال ليس المخلوقاتِ الصغيرةَ العاجزة مثلكم فحسب، بل يستطيعون أن يقصفوكم ويمزقوكم ولو كنتم -مع فرض المحال- أعداءً كفرةً بضخامة الجبال والأرض.

ثم إنكم تخالفون قانونا يرتبط به مَنْ يستطيعون أن يضربوا بأرضكم على وجوهكم إذا اقتضى الأمر، ويمطرون عليكم قذائف من نجوم بضخامة أرضكم.

أجل، إن في القرآن الكريم بعضًا من التحشيدات المهمة لا تتأتى من كون الأعداء أقوياء بل من أسباب أخرى؛ كإظهار العظمة وتشهير شناعة الأعداء، ولكي يظهر كمال


[1]          )) مهيبون: يخافهم ويهابهم غيرهم.

 

[2]          )) الشواظ: اللهب الذي لا دخن فيه.

 


80. صفحة

الانتظام ونهاية العدل وغاية الحلم وقوة الحكمة يحشد أحيانًا أكبر الأسباب وأقواها تجاه أصغر شيء وأضعفه، ويقدمها عليه ويصونها ولا يسمح بالاعتداء عليها.

فمثلاً: انظر إلى هذه الآية: ﴿وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَولَٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَٰئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ(سورة التحريم: ٦٦/٤) كم فيها من احترام لحق النبي صلى الله عليه وسلم، وكم فيها من المرحمة لحقوق أزواجه؛ فإن هذه التحشيدات المهمة إنما وردت لبيان عظمة احترام النبي صلى الله عليه وسلم، وأهمية شكوى هاتين الضعيفتين ورعاية حقوقهما؛ بيانا ملؤه الرحمة.

الدرجة السابعة:

إن للنجوم أفرادًا مختلفة جدًا كما في الملائكة والأسماك، فقسم منها في غاية الصغر، والآخر في غاية الكبر، حتى يقالُ عن كل ما يلمع في السماء: إنه نجم.

وهكذا خلق الفاطر ذو الجلال والصانع ذو الجمال نوعًا من جنس هذه النجوم بمنْزلة تزيينات مُرَصِّعَة([1]) لوجه السماء اللطيف، وثمارًا منورة لتلك الشجرة، وأسماكًا مسبحة لذلك البحر، وجعله مسارًا ومراكب ومنازل لملائكته، وجعل نوعًا بسيطًا من النجوم آلة لرجم الشياطين.

فالشهب التي تُطلَق لرجم الشياطين؛ تحتمل ثلاثة معانٍ:

أولها: رمز وعلامة على جريان قانون المبارزة حتى في أوسع دائرة.

ثانيها: إشارة وإعلان عن وجود جنود لله في السماوات، وحراس متيقظين وسكان مطيعين، لا يحبون الاختلاطَ بالأشرار الأرضيين والاستماعَ لهم.

ثالثها: إن هذه الشهب التي هي بمنزلة مجانيق([2]) وقذائف التنوير إنما هي ردّ وطرد للشياطين الجواسيس - التي هي ممثلات خبيثة للملوَّثات الأرضية- من أبواب السماء؛ حتى لا يلوثوا السماءَ الطاهرةَ مسكنَ الطاهرين، ولكي يمنع تجسسها لحساب النفوس الخبيثة، ولتخويف الجواسيس غير المتأدبين.


[1]          )) مرصعة: مزينة

 

[2]          )) مجانيق: جمع منجنيق، وهي آلة من آلات الحصار ترمى بها الحجارة.

 

.


81. صفحة

فأيها السيد الفلكي الذي يغمض عينه عن شمس القرآن الكريم ويعتمد على سراج([1]) رأسه الذي مثل اليراعة([2])؛ انظر إلى الحقائق التي أشير إليها في هذه الدرجات السبع دفعة واحدة، وافتح عينيك، واترك سراج رأسك، وأبصر معنى هذه الآية الكريمة في نور إعجازها الواضح وضوح النهار، وخذ من سماء هذه الآية نجم حقيقة واحدة، واقذف به شيطان رأسك، وارجم بها شيطانك. وعلينا نحن أن نرجم كذلك، وينبغي أن نقول: ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ الشَّيَٰطِينِ (سورة المؤمنون: ٢٣/٩٧)

فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ والحِكْمَةُ القَاطِعَةُ

﴿سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَۤا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ


[1]          )) سراج: مصباح.

 

[2]          )) اليراعة: حشرة صغيرة ترى بالليل وكأنها تضيء وتنوّر.