الكلمة الرابعة عشرة

55. صفحة

الكلمةُ الرابعةَ عشرةَ

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ

﴿الَر كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ

(سورة هود: ١١/١)

­­­للصعود إلى بعضٍ من الحقائقِ العالية السامية للقرآن الحكيم وللحديث الشريف الذي هو مفسِّرٌ حقيقيٌّ للقرآن؛ سنشير إلى نَظائرِ بعضٍ من تلك الحقائق باعتبارها مَعَارجَ([1]) تُسعِف وتُعِين القلوبَ التي يَنْقُصها الانقيادُ والتسليم، وسنبيِّن في خاتمتها درسَ عبرةٍ وسرًّا من أسرار العنايةِ الإلهية، ولا حاجة لتكرار نظائر الحشر والقيامة؛ لأنها ذُكِرَتْ في “الكلمة العاشرة” وخاصَّةً في “الحقيقةِ التاسعةِ” منها، إلا أننا سنذكر خمسَ مسائلَ كنماذجَ من سائر الحقائقِ:

إحداها: - مثلاً - الآيةُ الكريمة: ﴿خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ(سورة هود: ١١/٧) للاقتناع بالحقيقة العُلْويَّةِ التي تشير إلى أن دنيا الإنسانِ وعَالَم الحيوانِ سيعيشان ستة أيامٍ من الأيام القرآنية التي هي عبارةٌ عن الزمن الطويل كألف سنة أو خمسين ألفَ سنة؛ نَعرض لأنظار الشهود المتفكرين، ونُظهر لهم العوالمَ السيّالةَ([2]) والأكوانَ السيَّارةَ([3]) والدُّنا([4]) العابرةَ التي خلَقها الفاطرُ ذو الجلالِ في كل عصر وفي كل سنة وفي كل يوم،


([1]) معارج: مراقٍ ومصاعد، واحدها معراج. 

([2]) السيّالة: المتدفقة الجارية.

([3]) السيّارة: السائرة المتحركة.

([4]) الدُّنَا: جمع الدنيا.

56. صفحة

كلٌّ منها في حُكْمِ يوم واحد.  

نعم؛ كأن الدُّنا أيضًا ضيوفٌ مثلُ الناس، فيمتلئ العالَمُ ويَفرُغ في كلِّ فصل بأمره سبحانه تعالى.

ثانيتها: - مثلاً - الآياتُ الكريمة: ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ (سورة الأنعام: ٦/٥٩) و ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَٰهُ فِۤي إِمَامٍ مُّبِينٍ (سورة يس: ٣٦/١٢) و ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلاَۤ أَصْغَرُ مِن ذَٰلِك وَلاَۤ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ (سورة سبأ: ٣٤/٣) للاقتناع بالحقيقة العُلوِيَّةِ - المذكورة في هذه الآيات وغيرِها - التي تفيد أن كل الأشياء قد كُتِبَت وتُكتَبُ وسوف تُكتَب بكل أحوالها قبل أن تأتيَ إلى الوجود وبعد مجيئها وبعد رحيلها منه؛ نَعرض أمام أنظار المتفكِّرين ونُظهِر لهم أن النقَّاشَ([1]) ذا الجلال يُدرِج ويَحفظ بصورة معنوية فهْرسَ وجودِ المخلوقاتِ البديعة - التي يُغيِّرها على صحيفة الأرض كلَّ فصلٍ، وبخاصَّةٍ في الربيع - وتاريخَ حياتها ونواميسَ([2]) حركاتها في بذورها ونواها وجذورها، وأنه يكتبها بِعَيْنِها - بعد زوال تلك المخلوقات - بقلم القَدَرِ وبطريقةٍ معنوية في بُذَيْراتها البسيطة الموجودة في ثمراتها، حتى إنه يَحفظ في كل ربيعٍ عابرٍ([3]) - وبكمال الانتظام - كلَّ ما هو رَطْبٌ ويابِسٌ في نوىً كذرَّاتٍ صغيرة محدودة وشبيهة بِالعِظَام، وفي أَحْطَابٍ مَيِّتَةٍ، كأنما كلُّ ربيع هو زهرة واحدة تُعلَّق بيد الجميل الجليل على وجه الأرض بانتظامٍ وميزان كاملَين، وتُقطَف منها، وتوضع عليها، وتُرفَع من خلالها.

فلما كانت الحقيقة هكذا؛ فإنَّ أعجَبَ ضلالةٍ للبشر هي اعتقادُهم هذه الكتابةَ الفطريةَ وهذا النقشَ للصنعةِ وهذه الْمِسطرةَ الْمُنَفَعِلَةَ([4]) للحكمة والتي تُدعَى على لسان أهل


([1]) النقّاش: يقصد الله تبارك وتعالى باعتبار إبداع صنعه.

([2]) ونواميسَ: قوانين، مفرده ناموس.

([3]) عابر: أي كل ربيع يمر ويأتي.

([4]) المنفعلة: يقصد مظاهر الطبيعة المفعولة.

 



57. صفحة

الغفلة بـ “الطبيعة”، والتي هي في الأصل فهرستٌ([1]) للصنعة الربانية - كتجلٍّ([2]) منعكِس - لِلَّوْحِ المحفوظ الذي هو صحيفةُ قلمِ القَدَرِ؛ نقول إنَّ أعجَب ضلالاتهم اعتقادُهم هذه الكتابةَ والنقشَ والمِسطرةَ مَصْدَرًا وفاعلاً، مُطْلِقِينِ عليها اسمَ “الطبيعة المؤثِّرَة”!

فأين الثرى من الثُّرَيَّا؟ ([3]) وأين تَصوُّراتُ أهل الغفلة من الحقيقة؟

ثالثتها: فمثلاً: إن المخبِر الصادق - عليه الصلاة والسلام - صوَّر حَمَلَة العرش والملائكة الموَكَّلَين بالأرض والسماوات وأقساما غيرهم ببعض التصويرات.

فمثلا: إن منها ما يسبح بأربعين ألفَ رأس في كل رأس أربعونَ ألفَ لسانٍ، وفي كل لسان أربعونَ ألفِ نوعٍ من ذلك التسبيح، وللعروج([4]) إلى تلك الحقيقة التي تفيد ما صوَّرهُ المخبِرُ الصادقُ - عليه الصلاة والسلام - لهذه الملائكة وحقيقة انتظام عبوديتهم وكُلِّيَّتِها وسَعَتِها؛ اِنْتبِهْ إلى ما يُصرِّح به جَلَّ جلالُه في الآيات الكريمة:

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَٰوَٰتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ (سورة الإسراء: ١٧/٤٤)

﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ (سورة ص: ٣٨/١٨)

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ (سورة الأحزاب: ٣٣/٧٢)

وغيرها من الآيات التي توضِّح وتُظهِر أنه حتى أضخم الموجودات وأعظمَها كلَّيَّةً تُسبِّحُ بحسب كُلِّيَّتِها بنمط مناسب لعظمتها، وهكذا يُرَى ويشاهَد.

نعم؛ فكما أن الكلماتِ التسبيحيَّةَ لهذه السماوات - التي هي بحرٌ مُسبِّحٌ - هي الشموسُ والأقمار والنجوم؛ فإن الألفاظ التحميديَّة([5]) للأرض - التي هي طيرٌ مُسَبِّحٌ وحامدة - هي الحيواناتُ والنباتات والأشجار، إذن فكما أن لكل شجرةٍ ولكل نجم


[1]          )) فهرست: قائمة.

 

[2]          )) تجلِّ: ظهور.

 

[3]          )) أين الثَرى من الثُّرَيَّا: الثرى: التراب المبلل، والثريَّا كوكب أو نجم في

  السماء ويقال أين الثرى من الثريَّا للشيئين بينهما فرق كبير وبون شاسع.

 

[4]          )) للعروج: للصعود.

 

[5]          )) الألفاظ التحميديَّة: أي؛ ألفاظ الحمد.

 



58. صفحة

تسبيحاتٍ جزئيةً؛ فإن للأرض ولكل قارةٍ فيها ولكل جبل ووَادٍ فيها ولكل بَرٍّ وبحر منها، ولكل فَلَك([1]) من أفلاك السماء ولكلِّ بُرجٍ من أبراجها تسبيحًا كليًّا.

إن لهذه الأرض آلافًا من الرءوس، وعلى كل رأس منها مئاتُ آلاف من الألسنة، وعلى كل لسان مائة ألف نوع من أزهار التسبيحات وثمار التحميدات، ولا شك أن لها مَلَكًا مُوَكَّلاً مناسِبًا لها يقوم بترجمتها([2]) ويُظهِرها في عالم المثال، ويمثلها ويعلن عنها في عالم الأرواح.

نعم؛ إذا تَجمَّعت أشياءُ متعددةٌ في شكلٍ جَماعِيٍّ فسيكون لها شخصيةٌ معنوية، فَإِنِ امتزجت تلك الجَمْعِيَّةُ([3]) واتخذت شكلَ اتحاد فسيكون لها مَلَكٌ مُوَكَّلٌ يمثلها كشخصية معنوية وروحٍ معنوية نوعًا ما، ويقوم بتأدية وظيفتها التسبيحية.

فانظر - مثالاً على ذلك - إلى شجرة الدُّلْب([4]) التي هي أمام غرفتنا هذه والتي هي ثمرةٌ عظيمة لِلِسان هذا الجبل لِفَم بارلا هذه، وأبصر رءوسَ هذه الشجرةِ الثلاثةَ، وكيف أن لكل واحد منها مئاتِ ألسنة من الأغصان، وانظر في كل لسان كم من مئات كلمات الثمرات الموزونة المنتظمة،وأمعن النظر إلى كل ثمرة كم من مئات حروف البذيرات الموزونة ذات الأجنحة، كما أنك تسمعها وتراها كيف تمدح ببلاغة وتسبِّح بفصاحةٍ الصانعَ ذا الجلال، المالكَ لأمر “كن فيكون”؛ فالمَلَك الموكَّلُ بها أيضًا يمثل -حسب تلك الشجرة- تلك التسبيحاتِ في عالَم المعنى بألسنة متعددة، والحكمةُ تقتضي أن يكون الأمرُ هكذا.

 

رابعتها: مثلاً الآياتُ الكريمة:

﴿إِنَّمَۤا أَمْرُهُ إِذَۤا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (سورة يس: ٣٦/٨٢)

﴿وَمَۤا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ(سورة النحل: ١٦/٧٧)


[1]          )) فَلَك: مدار تدور فيه الأجرام السماوية.

 

[2]          )) بترجمتها: بنقلها وتوضيحها.

 

[3]          )) الجمعية: المراد بالجمعية هنا تجمع تلك الأشياء المتعددة واجتماعها.

 

[4]          )) شجرة الدُّلْب: شجرة عظيمة الورق لا زهر لها ولا ثمر.

 



59. صفحة

﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (سورة ق: ٥٠/١٦)

     ﴿تَعْرُجُ الْمَلٰئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (سورة المعارج: ٧٠/٤) وغيرُها من الآيات التي تفيد الحقيقةَ العلويَّةَ الآتيَةَ:

إنَّ القادر المطلَقَ يَخلُق الأشياءَ بسهولة وسرعة بدون أيَّةِ معالجةٍ ومباشرة، بحيث يبدو وكأنه يُوجِد الأشياءَ بِمُجَرَّدِ أمرٍ فقط، وإن هذا الصانعَ القدير كما أنه قريب من مصنوعاته إلى أقصى حدٍّ؛ فالمصنوعات بعيدةٌ عنه إلى أبعد حدٍّ، وإنه على الرغم من كبريائه المطلق لا يَدَعُ شيئًا حتى الأمورَ الجزئية الحقيرة خارجًا عن التنظيمِ والعناية وحُسْنِ الصَّنعةِ والاهتمام.

وكما أن الانتظام الأكمل في السهولة المطلقة الذي يُشاهَد في الموجودات يشهد على وجود هذه الحقيقة القرآنية؛ فإن التمثيل الآتيَ كذلك يُظهِر سرَّ حكمتِها، فمثلاً

[وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى]:

إن الوظائف التي تَقَلَّدَتْهَا([1]) الشمسُ - التي هي بمنزلة مرآةٍ كثيفة لاسم النور من الأسماء الحسنى للصانع ذي الجلال - بأمر ربانيٍّ، وتسخير إلهيٍّ؛ تُقَرِّب تلك الحقيقةَ إلى الفهم، وذلك أن الشمسَ على الرغم من عُلْوِيَّتِهَا فإنَّها قريبةٌ إلى أقصى حدٍّ من الأشياء الشفافة واللامعة، بل إنها أقرب منها إلى ذواتها، وعلى الرغم من أنها تؤثر فيها بتجلياتها وتِمْثَالِهَا([2]) بجهات عدَّةٍ شبيهة بالتصرّف؛ فإن تلكَ الأشياء الشفافةَ بعيدةٌ عنها بآلاف السنين، ولا تستطيع أن تؤثر عليها - الشمسَ - بأيِّ وجه من الوجوه، ولا تستطيع أن تَدَّعِيَ القرب منها، ثم إن تلكَ الشمسَ كأنها حاضرةٌ وناظرة في كل ذرة شفافة، بل أينما دخل ضياؤها، يُفهَم ذلك بظهور انعكاسها، وبظهور صورتها نوعًا ما عليها، حَسَبَ قابليةِ تلك الذرة ولونها.

ثم تزداد إحاطةُ الشمسِ ونفوذُها بدرجةِ عَظمةِ نورانيتها، وبسبب نورانية عظمتها لا يستطيع أصغرُ الأشياء وأدقُّها أن يتخفى ويهرب منها؛ أي إن عظمةَ كبريائها لا تلقي الأشياء الجزئيةَ والدقيقةَ خارجًا، بل تضمها في دائرة إحاطتها بسر نورانيتها.


[1]          )) تَقَلَّدَتْهَا: التي أوكلت إليها.

 

[2]          )) تَمْثَالُهَا: تمثّلها.

 



60. صفحة

وكذا إذا افترضنا - فرْضًا محالاً - أن الشمسَ فاعلةٌ مختارةٌ فيما نالت من وظائفَ وتجليات؛ فإنه يمكن أن نتخيل أنها تعمل عملَها بإذنٍ إلهي في غاية السهولة والسرعة والسَّعة، ابتداءً من الذرات والقطرات وسطح البحر وانتهاءً إلى الكواكب؛ بحيث إنها تقوم بهذه التصرفاتِ العظيمةِ بمجرد أمرٍ محضٍ، فالذرة والكوكب متساويان أمام أوامرها، فإن الفيض الذي تَبُثُّهُ([1]) لسطح البحر تمنحه كذلك للذرة بانتظام كامل حسب قابليتها، فنرى بالمشاهدة أن هذه الشمس - التي هي فُقَّاعَةٌ مُضِيئَةٌ على سطح بحر السماء، والتي هي مرآة صغيرة كثيفة لتجليات اسم النور للقدير المطلق - قد حظيت بظهور نماذجِ الأسسِ الثلاثة لهذه الحقيقة.

فلا شك أن الله ذا الجلالِ - وهو نُورُ النُّورِ، ومُنَوِّرُ النُّورِ، ومُقَدِّرُ النُّورِ - الذي نورُ الشمسِ وحرارتُها بالنسبة إلى علمه وقدرته ليس إلا في حُكْمِ كثيفٍ كالتراب؛ نقول لا شك أنه قريبٌ بِعِلْمه وقدرته من كل شيء إلى أقصى حَدٍّ، وحاضرٌ عنده وناظر إليه.

وكذلك فإنَّ الأشياءَ بعيدةٌ عنه غايةَ البُعدِ، وإنه يتصرف في الأشياء بلا أدنى تكلُّفٍ ومعالجةٍ وفي غايةِ السهولةِ، بحيث يُفهَم وكأنه يُوجِدُ بسرعةِ أمرٍ محضٍ وبسهولتِهِ.

وهكذا فإنه لا يخرج أي شيء - جزئيًّا كان أو كليًّا صغيرًا أو كبيرًا - عن دائرةِ قدرتهِ، بل يحيط به كبرياؤُهُ، وهكذا نفهم، وهكذا نؤمن إيمانًا يقينِيًّا بدرجة الشهود، بل ينبغي الإيمان هكذا.

خامستها: الآيات الكريمة ابتداء من: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَٰمَةِ وَالسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّٰتٌ بِيَمِينِهِ (سورة الزمر: ٣٩/٦٧) إلى قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوۤاْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ (سورة الأنفال: ٨/٢٤) وكذا من:  ﴿اللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(سورة الزمر: ٣٩/٦٢) إلى: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ(سورة البقرة: ٢/٧٧) وكذا من: ﴿خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ (سورة السجدة: ٣٢/٤) إلى: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (سورة الصافات: ٣٧/٩٦) وكذا من: ﴿مَا شَۤاءَ اللهُ لاَ قَوَّةَ


[1]          )) تَبُثُّهُ: ترسله.

 


61. صفحة

إِلاَّ بِاللهِ (سورة الكهف: ١٨/٣٩) إلى ﴿وَمَا تَشَۤاءُُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَۤاءَ اللهُ (سورة الإنسان: ٧٦:٣٠) والتي تُذَّكِّرُ وتشير إلى أن سلطان الأزل والأبد - الذي أحاطت حدودُ عظمةِ ربوبيتهِ وكبرياءِ ألوهيَّتهِ بكلِّ المخلوقات التي ذُكِرتْ في الآيات السابقة

وغيرها - له شَكاوى قرآنيةٌ شديدةٌ، وتهديدات عظيمة، ووعيدٌ مرعبٌ ومذهل لابن آدم العاجز الذي هو في منتهى الضعف، وفي منتهى الفقر، وفي غاية الاحتياج، والذي لم يُؤَهَّلْ([1]) إلا باختيار جزئي وكسب ضعيف لا قابليةَ له للإيجاد، فعلى أيَّة حِكمةٍ جاءت تلك الشكاوى القرآنيةُ الشديدة، والتهديداتُ العظيمةُ، والوعيدُ المرعب المذهل؟ وبأي وجه يتم التوفيق بينهما؟ وبأية صورة تكون معقولةً ومناسبة؟

فَلِتَقْتَنِعَ بالحقيقة العميقة العالية تلك انظر إلى هذين التمثيلين التاليين:

التمثيل الأول: هنالك بستان رائع يحوي ما لا يُعَدّ ولا يُحصَى من مصنوعات مثمرة ومزهرة، وقد عُيِّن لرعايته خدمٌ كثيرونَ، وكانت وظيفة أحد الخدم هي فقط فتحُ غطاءِ منفذِ مجرى الماءِ الذي يُرْوَى ويُسْقَى به ذلك البستانُ، فتكاسل هذا الخادم ولَمْ يَفتحْ غطاءَ المنفذِ، فطرأَ([2]) خَلَلٌ على اكتمال هذا البستان أو أصيب بالجفاف، وعندها فإنَّ لجميع الخَدَم حقَّ الشكوى من هذا السفيه الأحمق، فضلا عن شكاوى الصنعة الربانية للخالق، وشكاوى الرعاية السلطانية الخاصة، وشكاوى خدمات الضياء والهواء والتراب التي ملؤها الطاعة؛ إذ إنه جعل خِدَمَاتهم عقيمةً([3]) أو أَضرَّ بها.

التمثيل الثاني: إذا تَرك شخص عادي يعمل في سفينة سلطانية ضخمةٍ وظيفتَهُ الجزئيةَ؛ فإن صاحب السفينة يشتكي منه بشدةٍ باسم جميع الموظفين فيها؛ لما تسبب فيه بتركه هذا من خلل وإهْدَارٍ([4]) لنتائج أعمال كلِّ الموظفين في السفينة.

فلا يحق للمقصِّر أن يقول: أنا رجل عادي، ولا أستحق هذا التَّعْنِيفَ الشديد من إهمالي التافه البسيط؛ لأن عدمًا واحدًا يتسبب في حصول ما لا يُحدّ من العدمِ، بينما الوجود يثمر ثمرات على حسب طبيعته؛ لأن وجودَ شيء ما يتوقفُ على وجود كلِّ


[1]          )) يؤهل: يعد ويجهز.

 

[2]          )) طرأ: حدث فجأة.

 

[3]          )) عقيمة: لا فائدة فيها.

 

[4]          )) إهدار: إضاعة.

 




62. صفحة

الشرائط والأسباب، بينما عدم ذلك الشيء وانتفاؤهُ يكون بانتفاء شرطٍ واحدٍ وبعدم جزءٍ واحدٍ، وينعدم ذلك الشيء حسب نتائجه.

ومن أجل ذلك أصبح: “التخريبُ أسهلُ بكثيرٍ من التَّعْميرِ” دستورًا متعارَفًا.

وحيث إن أُسُسَ الكفرِ والضلالة والطغيان والمعصية هي الإنكارُ والرفض والترك وعدم القبول؛ فصورتها الظاهرية مهما بدت إيجابية وذات وجود فهي في حقيقتها انتفاءٌ وعدمٌ، إذن فهي جنايةٌ سَاريةٌ، فكما أنها تُخِلُّ بنتائجِ أعمالِ سائرِ الموجودات؛ فهي كذلك تُسْدِلُ([1]) ستارًا على جمال تجليات الأسماء الإلهية.

فأنْ يَزجُرَ سلطانُ هذه الموجوداتِ - التي لها حقُّ الشكاوى بلا حدود - هذا الإنسانَ العاصي باسم تلك الموجودات زجرًا عظيمًا؛ هو عين الحكمة.

وهكذا فإن ذلك العاصي يستحق حتمًا هذه التهديدات العنيفةَ، ويستحق بلا شكٍّ أنواعًا من الوعيد المرعب.

الخاتمة

مطرقةٌ على الرأسِ الغافلِ ودرسُ عِبرةٍ.

 ﴿وَمَا الْحَيَوٰةُ الدُّنْيَۤا إِلاَّ مَتَٰعُ الْغُرُورِ (سورة آل عمران: ٣/١٨٥)

يا نفسي الشقية، السادرة([2]) في الغفلة، يا من ترين هذه الحياة حلوةً وتنسين الآخرة وتطلبين الدنيا، أتدرين ماذا تشبهين؟ تشبهين النَّعامةَ؛ تَرى الصيّادَ فلا تستطيع الطيران فتُقحِمُ رأسها في الرمال؛ حتى لا يراها الصياد؛ إلا أن جسمها الضخمَ يبقى في الخارج يراه الصيادُ، ولكنها أغمضت عينها داخل الرمال، لا تَرى.

فيا نفس، انظري إلى هذا التمثيل وأبصري كيف أن قَصْرَ النظر على الدنيا يقلب لذةً عزيزةً إلى ألمٍ مريرٍ.


[1]          )) تسدل: ترخي.

 

[2]          )) السادرة: المتمادية.

 



63. صفحة

مثلاً: يوجد في هذه القرية (أي بارْلا) رجلان اثنان، قد رحل تسعة وتسعون بالمائة من أحباء أحدهما إلى إستانبول يتمتعون فيها بحياة طيبة، ولم يبق هنا إلا واحد فقط، وهو بدوره سيسافر إلى هناك؛ من أجل ذلك فإن هذا الرجل يشتاق إلى إستانبول ويفكر فيها، وَيَنْشُدُ([1]) الوصالَ مع أحبابه، فمتى ما قيل له: اِذهبْ إلى هناك، فإنه سيذهب ضاحكًا مسرورًا.

أما الرجل الثاني: فقد رحل تسعة وتسعون بالمائة من أحبائه من هنا، فهو يظن أن بعضهم هَلَكَ وفَنِيَ، وبعضهم الآخر أُدخل وأخفي في غياهب مجهولة فضاعوا وهلكوا وأصبحوا أثرًا بعد عين([2]).

فهذا الرجل البائس المنكوب يريد أن يجد سلوانًا([3]) بالأنس مع ضيف واحد فقط عوضًا عنهم أجمعين، ويريد أن يُخفف به آلام الفراق الأليم.

فيا نفس، إن جميع أحبابك -وعلى رأسهم وفي مقدمتهم حبيب الله- في الطرف الآخر من القبر، وأما من بقي منهم -واحدًا كان أو اثنين- فهم راحلون كذلك، فلا تُوَلِّي وَجْهَكِ([4]) جافلةً([5]) عن الموت وخائفةً من القبر، وانظري إلى القبر برجولة واستمعي ماذا يطلب، وابتسمي في وجه الموت برجولة وانظري ماذا يريد، وإياكِ أن تكوني غافلة وأن تتشبهي بالرجل الثاني.

ويا نفس؛ لا تقولي: إن الزمنَ قد تغير والعصرَ قد تبدل، والكلَّ قدِ انغمسوا في الدنيا فيحبونَ الحياة إلى درجة العبودية، وهم سُكَارَى بهموم المعيشة؛ لأن الموت لا يتبدل ولا يتغير، ولا ينقلب الفِراقُ إلى البقاء ولا يتغير، ولا يتحول العجز البشري ولا الفقر الإنساني، بل يزدادان، ولا تنقطع الرحلة البشرية بل تزداد سرعتها.

ولا تقولي: أنا شأني شأنُ كلِّ الناس؛ لأن كل الناس يصحبونك إلى باب القبر وحسب، والعزاء - الذي هو مشاركة كل الناس ومَعِيَّتُهم([6]) في المصيبة - لا فائدةَ ولا وجودَ له إطلاقًا في الطرف الآخَرِ من القبر، ولا تحسبي نفسَك شاردةً غير مقيدةٍ


[1]          )) ينشد: يطلب.

 

[2]          )) أثرا بعد عين: أي لم يعد موجودا بعدما كان موجودا ملموسا.

 

[3]          )) سلوانا: عزاء.

 

[4]          )) تولي وجهك: المراد هنا تهربي من الموت بصرف وجهك عنه.

 

[5]          )) جافلة: شاردة.

 

[6]          )) معيتهم: مشاركتهم وأن تكون معهم.

 ٍ


64. صفحة

جامحةً([1])، فإنكِ إذا نظرتِ إلى الدنيا دارِ الضيافة هذه نظرَ الحكمةِ؛ فلن تري فيها أي شيء بلا نظام ولا غاية، فكيف تبقين أنت بلا نظام ولا غاية؟!

إن الحوادث الكونية كالزلازل مثلاً ليست ألعوبةَ مصادفةٍ، فمثلاً: مع أنك ترين القُمْصَانَ([2]) المنتظِمةَ غايةَ الانتظام، والمنقوشةَ غاية النقش، والمكونة من أنواع الحيوانات والنباتات، والتي أُلبِست بها الأرضُ بعضُها فوقَ بعض ومتداخلةٌ بعضها في بعض؛ مع أنك ترينها مزينة مجهزة بالغايات والحِكَم من أولها إلى آخِرها، ومع أنك تعلمين أنها تدور في غاياتٍ عاليةٍ جدًا، وبانتظام كامل كالمولوي المجذوبِ؛ أقول مع أنك تعلمين هذه الأمور هكذا؛ فكيف لكِ أن تظني الحوادث الحياتية للأرض المليئة بالموت كالزلزال([3]) - الشبيهة بِهِزَّةِ الكتف من جراء([4]) الثقل المعنوي لما لا يعجبها من بعض تصرفاتٍ تَنمُّ([5]) عن الغفلة لبني آدم وخاصة أهل الإيمان - مصادفة بلا غاية؟!

كيف يمكنكِ تفسير تلك الحوادث بأنها تصادفية بلا غاية كما نشرها أحد الملاحدة وهم يُلْقُون كل المصابين في يأس مدهش، معتبرين أن خسائرهم الأليمة قد ذهبت هباءً منثورًا([6])، ويرتكبون بذلك خطأ فادحًا([7]) وظلمًا جسيمًا.

بينما مثل هذه الحوادث تجعل - بأمر الحكيم الرحيم - أموالَ أهل الإيمانِ الفانيةَ باقيةً بتحويلها إلى صدقة، وهي كفَّارة للذنوب الناشئة عن الكفران بالنعمة، كما أنه سوف يأتي يوم ترى هذه الأرضُ المسَخَّرَةُ آثارَ البشرية - التي هي زينتُها - بلا شكرٍ ملطَّخةً بالشرك، وتجدها قبيحة، فتمسح جميع وجهها بزلزلة عظيمة بأمر الخالق وتُطَهِّره، وتلقي أهل الشرك في جهنم بأمر الله وتقول لأهل الشكر: “هيا تفضلوا بدخولكم الجنة”.


[1]          )) جامحة: غير مقيدة ولا محكومة.

 

[2]          )) القمصان: جمع قميص.

 

[3]          )) كتبت هذه الرسالة بمناسبة الزلزال الذي حدث في مدينة “إزمير” بتركيا.

 

[4]          )) من جراء: بسبب.

 

[5]          )) تنم عن: تكشف.

 

[6]          )) هباء منثورا: المراد لا فائدة منها.

 

[7]          )) فادحا: كبيرا.