الكلمة الرابعة والعشرون

177. صفحة

الكلمة الرابعة والعشرون

 

هذه الكلمة عبارة عن خمسة أغصان. انتبه وتمعَّن في الغصن الرابع، وتمسك بالغصن الخامس واصعد عليه واقطف ثماره وخذها.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

نشير إلى خمسة أغصان لحقيقة واحدة من الحقائق الكثيرة من الشجرة النورانية لهذه الآية الجليلة: ﴿اَللَّهُ لاَۤ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَۤاء الحُسْنَىٰ (سورة طه: ٢٠/٨)

الغصن الأول

كما أن لسلطانٍ عناوينَ مختلفة في دوائر حكومته، وألقابًا وأوصافًا متفاوتة في طبقات رعيته، وأسماء وعلاماتٍ متنوعة في مراتب سلطنته.

فمثلاً: في دائرة العدل حاكم عادل، وفي دائرة الملكية سلطان، وفي دائرة العسكرية القائد الأعلى، وفي دائرة العلمية خليفة؛ فإنك قياسًا على هذا إذا عرفت أسماءَه وعناوينَه الأخرى فهمت أن سلطانًا واحدًا يستطيع أن يَحمِل ألف اسم وعنوانٍ في دوائر سلطنته، وفي مراتب طبقات حكومته، وكأن ذلك الحاكم موجودٌ وحاضرٌ في كل دائرة من الدوائر بشخصيته المعنوية وهاتفه، فهو موجود ويعلم وكأنه شاهد ومشهود بقانونه ونظامه وممثِّله في كل الطبقات يُرَى ويرى، وكأنه هو المتصرف البصير في كل المراتب وراء الحجب بحُكمه وعلمه وقوته يُدير ويُشرف.


178. صفحة


فكذلك لرب العالمين - وهو سلطان الأزل والأبد - شئونٌ وأسماءٌ مختلفة في مراتب ربوبيته، إلا أنها تناظر بعضُها بعضًا،

وله في دوائر ألوهيته أسماء وعلامات متفاوتة ولكن يتراءى بعضُها في بعض،

وله تمثّلات وتجلّيات متغايرة في إجرَاءاَتِه المعظمة الهائلة، ولكن يشبه بعضُها بعضًا،

وله عناوين مختلفة في تصرفات قدرته ولكن يُشعر بعضُها ببعضٍ،

وله مظاهر متفاوتة مقدسة في تجليات صفاته ولكن يدل بعضُها على بعضٍ،

وله تصرفات حكيمة متنوعة في تجليات أفعاله ولكن يكمِّل بعضها بعضًا،

وله ربوبيات عظيمة مهيبة متنوعة في صنائعه الملونة بألوان زاهية، وفي مصنوعاته المتنوعة، ولكن يشاهِد وينظر بعضها بعضًا.

 ومع كل ذلك يتجلّى عنوانُ اسمٍ من الأسماء الحسنى في كل عالم من عوالم الكائنات وفي كل طائفة من طوائفها، وهذا الاسم يسيطر في تلك الدائرة، والأسماء الأخرى تتبع له فيها، ولربما توجد ضمنه، وله ظهور بتجلٍ خاص، وبربوبية خاصة، وباسم خاص في كل طبقة من طبقات المخلوقات، قليلةً كانت أو كثيرةً، صغيرةً كانت أو كبيرةً، خاصةً كانت أو عامةً.

أي؛ إن هذا الاسم المعيَّن يتَوَجَّه إلى شيء معين بقصدٍ واهتمام، وكأنه خاص بذلك الشيء وحده، مع أن ذلك الاسم محيطٌ وشامل لكل شيء. ومع ذلك فإن للخالق ذي الجلال ما يقرُب من سبعين ألف حجاب نوراني، ثم مع ذلك فهو قريب من كل شيء، فمثلاً:

تستطيع أن تقارن وتنظر كم من حجب كثيرة هنالك، ابتداءً من المراتب الجزئية في خالقية اسم الخالق الذي يتجلّّى لك، وانتهاءً بالمرتبة الكبرى والعنوان الأعظم لخالق الكائنات كلها، بمعنى أنك تبلُغ منتهى اسم الخالق من باب المخلوقية، بشرط أن تَترُك كلَّ الكائنات خلفك، وتَقتَرِبَ من دائرة صفاته.


179. صفحة

وبما أن للحجب نوافذ متناظرة، وأن الأسماء تتراءى في بعضها، وأن الشئون تناظر بعضها، وأن التمثلات تتداخل في بعضها، وأن العناوين تُشعِر بعضَها بعضًا، وأن المظاهر تتشابه، وأن التصرفات تساعد وتتمم بعضها بعضًا، وأن التربية المتنوعة للربوبية تمد وتعاون بعضها بعضًا؛ فلا شك أنه من عَرَف الحقَّ تعالى باسم واحد وبعنوان واحد وبربوبية واحدة... إلخ؛ عليه ألاّ يُنكر العناوين والربوبياتِ والشئونَ التي تتجلى في ذلك الاسم أو العنوان أو الربوبية، بل إنه يتضرر إن لم ينتقل من تجليات كل اسم إلى سائر الأسماء. 

فمثلاً: إذا رأى أثَرَ اسم القدير والخالق، ولم يَرَ اسمَ العليم؛ فإنه قد يسقط في ضلالة الغفلة والطبيعة، بل يجب أن يقرأ نظرُه دائمًا عبارةَ (هُوَ هُوَ الله) ويراها أمامه، وتستمعَ أذنُه من كل شيء إلى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾

(سورة الإخلاص: ١١٢/١) وتسمعها، ويقول لسانه (لا إله إلا هو برابر ميذنند عالم) ويعلنها. 

والقرآن المبين يشير إلى ما ذكرناه من الحقائق بخطاب: ﴿اللَّهُ لاَۤ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَۤاء الحُسْنَىٰ﴾ (سورة طه: ٢٠/٨) وإن أردت أن تشاهد هذه الحقائق العالية عن قرب فاذهب إلى بحر هائج مائج، وإلى أرض متزلزلة، واسألهما: ماذا تقولان؟ فلا شك، ستسمع أنهما يقولان (يا جليل يا جليل، يا عزيز يا جبار).

 ثم اسأل الحيوانات الصغيرة وصغارها في جوْفِ البحر وسطح الأرض، والتي تُربَّى برحمة وشفقة، اسألها: ماذا تقول؟ ستقول بلا شك: (يا جميل يا جميل، يا رحيم يا رحيم)( ).

 


180. صفحة

وأنصت إلى السماء كيف أنها تقول: “يا جليل ذا الجمال” وأصغ إلى الأرض كيف أنها تقول: “يا جميل ذا الجلال”.

وتَمَعَّن في الحيوانات كيف أنها تقول: “يا رحمن يا رزاق”.

واسأل الربيع، فانظر كيف أنك ستسمع أسماءً كثيرة مثل “يا حنان يا رحمن يا رحيم يا كريم، يا لطيف يا عطوف، يا مصور يا منوِّر، يا محسن يا مزيِّن”.

 واسأل إنسانًا - هو حقًّا إنسان - وانظر كيف أنه يقرأ كلَّ الأسماء الحسنى وكيف أنها مكتوبةٌ على جبهته، وإن انتبهتَ وأمعنتَ النظرَ أنت كذلك بإمكانك أن تقرأها، وكأن الكونَ موسيقى ذكرٍ عظيمةٌ، وأنّه بامتزاجِ أخْفَتِ نَغَمةٍ منها بنغَمات عاليةِ الصوتِ تعطي لطافةَ لحنٍ مهيبة. وهكذا فقس على ذلك. 

ولكن الإنسان في الحقيقة مَظهَر لجميع الأسماء، إلا أن تنوّع الأسماء الذي يُنتج تنوّع الكائنات واختلاف عبادات الملائكة قد تَسَبَّبَ في تنوّع الإنسان إلى حد ما؛ فشرائع الأنبياءِ المختلفةُ وطرقُ الأولياءِ المتعددةُ ومشاربُ الأصفياءِ المتنوعةُ قد نشأتْ من هذا السر. 

فمثلاً: إن اسمَ القدير في عيسى عليه السلام هو اسم مهيمنٌ أكثرَ من غيره مع تجلي سائر الأسماء فيه، والمسيطرُ أكثرَ من غيره في أهل العشق هو اسمُ الوَدُودِ، وفي أهل التفكر هو اسمُ الحكيمِ. 

 


181. صفحة

فكما أنه إذا أصبح رجلٌ عالمًا وضابطًا وكاتبًا للعدلية، ومفتشًّا في دوائر الدولة في وقت واحد، يكون له في كل دائرة من تلك الدوائر نسبتُه ووظيفتُه وخدمتُه وراتبُه ومسئوليتُه وترقياتُه وأعداء ومنافسون يتسبَّبُون في إخفاقه، ويظهر أمام السلطان بعناوينَ كثيرةٍ ويَرى، ويستمد منه بألسنة كثيرة، ويلجأ إلى عناوينِ رئيسِه الكثيرةِ، ويطلب مُعاونتَه بأشكال كثيرة للتخلص من شرور الأعداء.

كذلك فالإنسان الذي هو مظهر لأسماء كثيرة، ومكلَّف بوظائفَ كثيرةٍ ومبتلى بأعداءٍ كثيرين يذكُر أسماءً كثيرة في مناجاته وفي استعاذته.

فكما أن محمدًا العربي - صلى الله عليه وسلم - الذي هو مدارُ فخرٍ لنوع الإنسان، والذي هو الإنسان الكامل الحقيقي بحقٍّ، يدعو بألف اسم واسم لله تعالى في مناجاته المسماة: “بالجوشن الكبير” ويستعيذ به من النار، فمن هذا السر يأمر الله تعالى بالاستعاذة بثلاثة عناوينَ له في سورة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ { مَلِكِ النَّاسِ { إِلَٰهِ النَّاسِ { مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (سورة الناس: ١١٤/١-٤) ويبين في:﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ الاستعانة بثلاثة من أسمائه.

 

الغصن الثاني

يبين سرَّين يتضمنان مفاتيح أسرارٍ كثيرةٍ:

السرّ الأول:

لِمَ يختلف الأولياء كثيرًا في مشاهداتهم وكشفياتهم مع أنهم متفقون في الأصول الإيمانية، وتظهر أحيانًا كشفياتُهم التي هي في درجة الشهود خلافًا للواقع وخلافًا للحق؟

ولِمَ يَرَى ويُظهر أهلُ الفكر والنظر الحقيقةَ متناقضةً في أفكارهم التي يعدّها كل واحد منهم حقًّا بالبراهين القاطعة؟ ولِمَ تتلوّن حقيقة واحدة بألوان متعددةٍ كثيرةٍ؟



182. صفحة

السرّ الثاني:

لِمَ ترك الأنبياء السالفون بعضَ الأركان الإيمانية مجملةً إلى حد ما -كالحشر الجسماني - ولم يبينوها بالتفصيل مثلما بينها القرآن الكريم، حتى ذهب بعضٌ من أُمَمِهم - فيما بَعدُ - إلى درجة إنكار تلك الأركان المجملة؟

 ولِمَ تَقَدَّمَ قسم من الأولياء - الذين هم العارفون الحقيقيون حقًّا - في التوحيد فحسب، حتى إن بعض الأركان الإيمانية تظهر في مشاربهم قليلةً ومجملةً مع أنهم وَصَلُوا إلى درجة حق اليقين، ومن أجل ذلك لم يُولِ أتباعُهم - فيما بعد - أهميةً لازمة لتلك الأركان الإيمانية، بل ضلّ وانحرف بعضُهم؟

وبما أن الكمال الحقيقي يُكتسب بانكشاف الأركان الإيمانية كلها؛ فلماذا تقدم إذن أهل الحقيقة في بعضها كثيرًا، وتأخروا في بعضها الآخر؟ علمًا بأن الرسول الأكرم - عليه الصلاة والسلام - الذي هو مَظهرٌ لأعظمِ مراتب الأسماء الإلهية كلِّها، وإمام الأنبياء جميعًا، قد فصّل جميع الأركان الإيمانية بصورة واضحة، وبعبارات جادة، وبطريقة مقصودة مثلما فصَّله القرآنُ الكريم الذي هو الرئيس الأكثر نورًا لجميع الكتب المقدسة.

نعم؛ ولأن الكمال الأتم الحقيقي هو هكذا في الحقيقة؛ فحكمة هذه الأسرار هي كالآتي:

إن الإنسان - في الحقيقة - مَظهرٌ لجميع الأسماء، ومستعدٌ لجميع الكمالات، ومع أن قدرتَه جزئيةٌ، واختيارَه جُزْئِيٌّ، واستعداده مختلف، ورغباته متفاوتة؛ فإنه يتحرى الحقيقة من خلال آلاف البرازخ والحجب، لذا تَحُولُ هذه البرازخ دون كشف الحقيقة ودون رؤية الحق، فبعضهم لا يستطيع اجتيازَ البَرْزَخ؛ إذ تتفاوت القابليات؛ فقابليات بعضهم لا تستطيع أن تكون منشأً لانكشاف بعض الأركان الإيمانية.

وكذا تتنوع وتختلف ألوان تجليات الأسماء حسب المظهر، فأحيانًا لا يستطيع شخصٌ - أصبح مظهرًا - أن يكون مدارًا لتجلي اسم واحد بصورة تامة.

وكذا تتخذ تجليات الأسماء صُوَرًا مختلفةً باعتبار الكلية والجزئية، والظِّلِّيَّةِ والأصلية، فلا يستطيع بعضُ الاستعداد أن يتجرد من الجزئية، ولا يستطيع أن يتخلص من الظل،



183. صفحة

وأحيانًا يصبح اسمٌ ما غالبًا حسب الاستعداد، ويُجري حكمَه وحده، فيكون حكمُه حاكمًا ومسيطرًا في ذلك الاستعداد.

ونشير هنا ببضع إشارات إلى هذا السر العميق، وإلى هذه الحكمة الواسعة بمثال واسع ذي أسرار، ممتزجٍ بالحقيقة إلى حدّ ما:

مثلاً: فلنفترض زهرةً ذات نقشٍ باسم “الزهرة”، وقطرةً ذات حياة عاشقة للقمر، ورشحةً ذات صفاء ناظرة إلى الشمس، بحيث إن لكلّ واحدة منها شعورًا وكمالاً، ولكلّ واحدة منها اشتياقًا نحو ذلك الكمال، فكلُّ واحدة من هذه الثلاثة يشير إلى سلوك النفس والعقل والقلب مع إشارته إلى حقائق كثيرة، وهو مثال لكل طبقة من الطبقات الثلاثة لأهل الحقيقة ([1]):

أولاها: إشارات لأهل الفكر وأهل الولاية وأهل النبوة.

ثانيتها: مثال للذين يتَّجِهون نحو الحقيقة بالسعي إلى كمالهم بواسطة الأجهزة الجسمانية، وللذين يتَّجِهون نحو الحقيقة بمجاهدة تزكية النفس واستعمال العقل، وللذين يتجهون نحو الحقيقة بتصفية القلب وبالإيمان والتسليم.

ثالثتها: مثال يشير إلى حكمة اختلافات الطوائف الثلاث التي لها استعداداتٌ مختلفةٌ متفاوتةٌ، وهم الذين لم يتخلَّوْا عن الأنانية، وتعمّقُوا في الآثار، وتوجهوا إلى الحقيقة باستدلالهم فقط، والذين راحُوا يَنشُدون الحقيقة بالعلم والحكمة والعقل والمعرفة، والذين يسيرون بسرعةٍ بالإيمان والقرآن والفقر والعبودية نحو الحقيقة.

فسنبين - إلى حد ما - السرَّ الكامنَ، والحكمة الواسعة المندرجةَ في ترقيات هذه الطبقات الثلاثة تحت عناوين: (الزهرة، القطرة، الرشحة) بتمثيلٍ:

مثلاً: إنّ للشمس ثلاثة أنواع من التجلّي والانعكاس والإفاضة بإذن خالقها وأمره؛ أحدُها على الأزهار، والثاني على القمر والكواكب، والثالث على المواد اللامعة كالزجاج والماء، وهي انعكاساتُها المختلفة المتفاوتةُ التي تَعكسُها على تلك المواد.


[1]   وفي كل طبقة منها أيضا ثلاث طوائف، والأمثلة الثلاثة في المثال تتوجه إلى تلك الطوائف الثلاثِ في كل طبقة، بل تتوجه إلى تسع طوائف فيها، لا إلى الطبقات الثلاث وحدها.

 

184. صفحة

فأولها: على ثلاثة وجوه:

أحدها: تجلٍّ وانعكاسٌ كليّ وعمومي؛ وهو إفاضتُها على كل الأزهار معًا.

والثاني: تجلٍّ خاصٌّ؛ وهو انعكاسُها الخاص حسب كلّ نوع.

والثالث: تجلٍّ جزئي؛ وهو إفاضتُها على كل زهرة حسب طبيعتها.

مثالنا هذا هو على حسب القول القائل: إنّ الألوان الزاهيةَ للأزهار تنشأ عن استحالةِ انعكاسِ الألوان السبعةِ التي في ضياء الشمس. وحسب ذلك القول فالأزهارُ أيضًا مرايا للشمس نوعًا ما.

ثانيها: هو نور الشمس وفيضها اللذان تلقيهما على القمر والكواكب بإذن الفاطر الحكيم، وبعد ذلك النور والفيض الكُلِّيَّيْن الواسعين فإن القمر يستفيد بصورة كلية من الشمس بالنور الذي هو بحكم ظل لذلك الضياء، ثم إفادتها وإفاضتها بنمط خاص وبصورة جزئية على البحار والهواء والتراب اللامع، وعلى فقاقيع البحر، وعلى المواد الشفافة للتراب، وعلى ذرات الهواء.

ثالثها: هو أن للشمس انعكاسًا صافيًا وكلِّيًّا بلا ظلٍّ متخذةً جوَّ الهواء ووجُوهَ البحار مراياَ بأمر إلهي، ثم إن تلك الشمس تعطي عكسها الجزئيَّ ومثالها المصغرَ على كل واحدة من فقاقيع البحر وقطرات الماء ورشحات الهواء وبَلُّورات الثلج، كلٌّ على حدة.

وهكذا فإن للشمس توجُّهًا وإفاضةً - في الجهات الثلاثة المذكورة - على كل زهرة، وعلى كل قطرة ناظرة إلى القمر، وكل رشحة، وذلك بطريقين اثنين:

الطريق الأول: وهو طريق مباشر بالأصالة بدون برزخ وبدون حجاب، وهذا الطريق يمثل طريق النبوة.

الطريق الثاني: تتوسط فيه البرازخ، فقابليات المرايا والمظاهر تُضفي لونًا على تجليات الشمس، وهذا الطريق يمثل مسلك الولاية.

وهكذا، فكل واحدة من الزهرة والقطرة والرشحة تستطيع أن تقول في الطريق الأول: أنا مرآة شمس العالم أجمع، ولكنها لا تستطيع قول ذلك في الطريق الثاني، بل



185. صفحة

تقول: أنا مرآةُ شمسِي، أو تقول: أنا مرآة الشمس التي تتجلى على نوعي لأنها هكذا تعرف الشمس، ولا تستطيع أن ترى الشمس التي تتوجه إلى العالم أجمع.

والحال أن شمس ذلك الشخص أو شمس نوعه أو جنسه تتراءى له في برزخ ضيق، وتحت قيد محدود، مع أنه لا يستطيع أن يَنْسُب آثارَ الشمس المطلقة التي لا قيد عليها ولا برزخ دونها إلى تلك الشمس المقيدة؛ لأنه لا يستطيع أن ينسب الآثار العظيمة - كتدفئة جميعِ وجه الأرض وتنويرِه، وتنشيط حياة جميع النباتات والحيوانات، وجَعْلِ الكواكب تدور حولها - بشهود قلبي إلى الشمس التي رآها ضمن ذلك القيد الضيِّق، والبرزخ المحدود.

بل لو نَسَبت أيُّ واحدة من الزهرة والقطرة والرشحة - تلك الأشياء الثلاثة التي افترضناها ذات شعور - تلك الآثارَ العجيبة، إلى الشمسِ التي رأتها ضمن ذلك القيد؛ فيمكنها أن تقبل وتَعُدَّ ذلك المقيد هو عين المطلق بالتسليم وبعقلانية وبإيمانية بحتة، ولكن نسبة وإسناد كلٍّ من (الزهرة، والقطرة، والرشحة) - التي افترضناها ذات عقلٍ مثلَ الإنسان- هذه الحِكَمَ - أي الآثار الكبيرة للغاية - إلى شموسها هو أمر عقليّ وليس بشهوديٍّ، بل تصطدم أحكامها الإيمانية أحيانًا بمشاهداتها الكونيّة، فتستطيع أن تؤمن وتصدِّق بصعوبة بالغة.

فينبغي على ثلاثتنا أن ندخل في هذا المثال المختلط بالحقيقة الذي لا يَسَعُ الحقيقةَ ويضيق بها، والذي تتراءَى في بعض زواياه أعضاءُ الحقيقة، وسيفترض كل واحد منا نفسه (زهرةً، وقطرةً، ورشحةً)؛ إذ إن الشعور الذي افترضناه فيها لا يكفي، وينبغي أن نضمّ عقلنا إليها كذلك؛ أي: يجب أن نفهم أنه مثلما يقتبس هؤلاء فيضًا من شمسهم المادية؛ فنحن كذلك نقتبس من شمسنا المعنوية.

فيا أيها الصديق الذي لم يَنْسَ الدنيا، والذي توغل في الماديات، والذي اكتسبت نفسُه كثافةً؛ كنْ أنت “الزهرة” وكما أن تلك الزهرة تقتبس لونًا متحلِّلاً من ضياء الشمس، وتُلبس نفسها صورةً مزينةً بعد أن مزجت عكس الشمس في ذلك اللون الواحد؛ فإن استعدادك أنت أيضًا يشبه ذلك.



186. صفحة

وكذا فليَكُنِ الفيلسوفُ المتعلم في المدارس الحديثة، والذي توغّل في تلك الأسباب - مثل سعيد القديم - “القطرةَ” العاشقة للقمر التي يعطيها القمرُ ظل الضياء الذي يقتبسه من الشمس، ويمنح إنسان عينها نورًا، وهو بدوره يتلألأ بذلك النور، ولكن هذه القطرة ترى بذلك النور القمر وحده ولا تستطيع أن ترى به الشمس، ولكن ربما يمكنها أن تراها بإيمانها.

وكذلك فإن الرجل الفقير الذي يعلم أن كل شيء من الحق تعالى مباشرة، والذي يتلقى الأسباب على أنها حجب؛ ليَكُنْ هو “الرشحة”، رشحة فقيرة في ذاتها، ولا شيء لها حتى تعتمد عليه فتثق بنفسها كالزهرة، ولا لون لها حتى تظهر به، ولا تعرف أي شيء آخر حتى تتوجه إليه، ولها صفاء خالص بحيث تخفي مثال الشمس مباشرة في إنسان عينها.

فالآن؛ وبما أننا أصبحنا في مكانة هذه الأشياء الثلاثة؛ فينبغي أن ننظر إلى أنفسنا لنرى ماذا عندنا وماذا سنعمل؟

فها نحن أولاء؛ ننظر ونرى كريمًا يُزَيِّنُنا وينوِّرنا ويربِّينا بإحسانه بما هو غاية في التزيين والتنوير والتربية، والإنسان يعبد مَن يحسن إليه ويودّ أن يقترب مِمَّن يليق بالمحبة إلى حدّ العبودية ويطلب أن يراه، إذن كل واحد منا سيسلك بجاذبية تلك المحبة حسب استعداده.

فيا من تُشبه الزهرة، إنك تمضي ولكن امْضِ وأنت زهرة، فها أنت ذا قد ذهبت فبلغت مرتبة كلية بالترقي شيئًا فشيئًا، كأنك اتخذت حكم كل الأزهار، والحال أن الزهرة مرآةٌ كثيفة تتحلَّل فيها الألوان السبعة للضياء وتنكسر، وتخفي انعكاس الشمس، فأنت لا تستطيع أن تُوفَّق لرؤية وجه الشمس الذي تعشقه؛ لأن الألوانَ والخصوصياتِ المقيدةَ تبدِّده وتحجُبه، ولا تستطيع إظهاره. فأنت في هذه الحالة لا تستطيع أن تتخلص من الفراق الناشئ عن توسّط الصور والبرازخ بينكما، ولكنك تستطيع أن تتخلص بشرط أن ترفع رأسك الغارق في محبة نفسك، وأن تصرف نظرك المتلذذ والمفتخر بمحاسن النفس وتلقي به على وجه الشمس التي في كبد السماء، وتوجِّهَ وجهك الذي يحدق في الأسفلِ، في الترابِ لجلب الرزق إلى الشمس التي في علاها؛ لأنك أنت مرآتها، 


187. صفحة

فوظيفتك هي وظيفة مرآتية، وإن رزقك سيأتي مِن قبل التراب الذي هو باب خزائن الرحمة علمت أو لم تعلم.

نعم، فكما أن زهرةً مرآةٌ صغيرةٌ للشمس؛ فإن الشمس الضخمة الهائلة هي كذلك مرآةٌ كقطرة لِلَمعةٍ تجلت من اسم النور للشمس الأزلية في بحر السماء.

فيا قلب الإنسان اعلم مِن هذا؛ لأية شمس أنت مرآة؟ فستجد كمالك بعدما أنجزت هذا الشرط، ولكنك لا تستطيع أن ترى الشمس كما هي في نفس الأمر، ولن تفهم تلك الحقيقة مجردة عارية، بل تعطي لها ألوانُ صفاتِك لونًا، ويُلبسها منظارُك الكثيف صورةً، وتقيدها قابليتُك المقيدةُ.

وأنت أيضًا أيها الفيلسوف الحكيم الذي دخل “القطرة”؛ إنك بمنظار قطرةِ فكرك، وبسلّم فلسفتك ترقيتَ حتى القمر فدخلتَه، فانظر: إنّ القمر في حد ذاته ذو كثافةٍ وظلمات لا ضياء له ولا حياة، وقد ذهب سعيك هباءً، وعلمُك بلا فائدة، فإنك تستطيع أن تتخلص من ظلمات اليأس، ومن وحشة الانفراد والوحدة، ومن إزعاج الأرواح الخبيثة، ومن دهشة تلك الوحشة بهذه الشروط الآتية؛ بحيث إذا تركت ليل الطبيعة وتوجهت إلى شمس الحقيقة، واعتقدت يقينًا أن أنوار هذا الليل هي ظلالُ ضياءِ شمس النهار؛ فإنك تجد كمالك بعدما قمت بتحقيق هذا الشرط، وتجد الشمس العظيمة المهيبة بدلاً من القمر الفقير المعتم، ولكنك كصديقك الآخر لا تستطيع أن ترى الشمس صافية، بل يمكنك أن تراها وراء الستائر التي أَلِفَها وآنَسَها عقلُك وفلسفتُك، وخلف الحُجب التي نَسجَها العلم، والحكمة وفي اللون الذي أعطتْه إياه قابليتُك.

فها هو ذا صديقكم الثالث الذي يشبه “الرَّشحة”، هو فقير وعديم اللون ويتبخر سريعًا بحرارة الشمس، ويترك الأنانية ويركب البخار فيصعد إلى الجوّ، وتشتعل المادة الكثيفة التي في داخله بنار العشق وتتحول إلى نور بالضياء، فيتمسك بشعاع آتٍ من تجلي ذلك الضياء، ويقترب منه.

فيا شبيه “الرشحة”؛ بما أنك تقوم بعمل المرآة تجاه الشمس مباشرة؛ فإنك تجدُ فتحة ونافذة تجاه عين الشمس، يمكنك النظر من خلالها بصفاءٍ، وبعين اليقين في



188. صفحة

أي مرتبة كنت، وكذا لن تعاني من مشكلات في إسناد الآثار العجيبة لتلك الشمس إلى ذاتها، ويمكنك أن تسند إليها بلا تردد أوصافَها الرائعة المهيبة التي تليق بها، ولا يستطيع يحبس يديك عن أي شيء فيَصرِفَك عن إسناد الآثار المهيبة لسلطنتها الذاتية إليها، ولا يخدعك ضيق البرازخ ولا قيود القابليات، ولا صغر المرايا، ولا تسوقك إلى خلاف الحقيقة؛ لأنك نظرت إليها مباشرة بنظر صافٍ وخالص دون أن تلتفت إلى شيء آخر، ففهمت أن ما يُرَى في المظاهر وما يُشاهَد في المرايا ليس الشمس، بل نوعٌ من تجلياتها، ونوعٌ من انعكاساتها الملونة، وفي الحقيقة أن تلك الانعكاسات هي عناوينها، ولكنها لا تستطيع أن تُظهر كل آثار هيبتها وعظمتها.

ففي هذا المثال الممتزج بالحقيقة يُسلَك نحو الكمال بثلاثة طرق مختلفة متفاوتة، وهي مختلفة متغايرة في مزايا تلك الكمالات وفي تفاصيل مرتبة الشهود، ولكنها في النهاية تتفق في إذعان الحق وتصديق الحقيقة.

فكما أن رجلاً لَيْلِيًّا لم يَرَ الشمس قط إلا أنه رأى ظلَّها في مرآة القمر، ولا يستطيع أن يستوعب بعقله ضياء الشمس الخاص العظيم وجاذبيتَها المذهلةَ، بل يقلّد الذين رأوها مستسلمًا لهم؛ كذلك فإن الذي لم يبلغ - بواسطة الوِراثة الأحمدية - المراتبَ العظمى لأسماءٍ كالقدير والمحيي؛ يقبل الحشر الأعظم والقيامة الكبرى تقليديًّا ويقول: “إن هذه ليست مسألة عقلية” لأن حقيقة الحشر والقيامة مظهر للدرجة العظمى للاسم الأعظم وبعض الأسماء، فمن لا يرقى نظرُه إلى هناك يُضطر إلى التقليد، ومن يبلغ فكرُه إلى هناك يرى الحشر والقيامة سهلاً كسهولة رؤيته الليلَ والنهار والشتاءَ والربيعَ، ويقبلهما باطمئنان القلب.

فمن هذا السر يذكر القرآن الكريم الحشرَ والقيامة في أعظم مرتبة وفي أكمل تفصيل، ويدرِّسهما ويعلِّمهما نبيُّنا - عليه الصلاة والسلام - الذي هو مظهرٌ للاسم الأعظم، وأما الأنبياء السالفون عليهم السلام فبمقتضى حكمة الإرشاد لم يبينوا ويدرسوا الحشر بدرجة عظمى وبالتفصيل الأوسع لأممهم التي كانت في حالة بسيطة وابتدائية إلى حد ما.



189. صفحة

وكذا من هذا السر؛ فإن قسمًا من أهل الولاية لم يشاهدوا بعض الأركان الإيمانية في مرتبتها العظمى، أو لم يستطيعوا أن يُظهروها ويبينوها.

ومن هذا السرّ كذلك تتفاوت درجات العارفين في معرفة الله تفاوتًا كبيرًا وتنكشف من هذه الحقيقة أسرارٌ كثيرة كهذه، فنحن كذلك نكتفي الآن بمثال لأنه يُشعِر بالحقيقة إلى حد ما؛ لأن الحقيقةَ واسعةٌ جدًّا وعميقة للغاية، ولا نخوض في الأسرار التي هي فوق حدِّنا وطاقتنا.

الغصن الثالث

نظرًا لأن الأحاديث التي تتحدث عن علامات القيامة ووقائعِ آخر الزمان وعن فضائلِ بعض الأعمال وثوابِها لم تُفهم فهمًا جيدًا؛ فقد قال قسمٌ من أهل العلم - المُعتَدِّين بعقولهم - عن بعضها: إنها ضعيفةٌ أو موضوعة، وقد ذهب بعض ضِعاف الإيمان وذوي الأنانية القوية إلى حد إنكارها. فلا ندخل الآن في تفاصيل هذه المسألة، ولكن نبين اثني عشر أصلاً فقط.

الأصل الأول:

هو المسألة التي أوضحناها في السؤال والجواب اللذين في آخر الكلمة العشرين، ومجملها كالآتي:

إن الدين امتحان واختبار، وهو يُفرِّق ويَمِيزُ ([1]) الأرواح العالية من الأرواح السافلة، إذن فهو سيتحدث عن الوقائع التي ستظهر في المستقبل عيَانًا لكل واحد بشكل لا تبقى معه مجهولةً كليًّا، ولا تكون بديهيةً حتى يضطرَّ كلُّ واحد إلى تصديقها طوعًا أو كرهًا، وسيفتح بابًا أمام العقل، ولا يسلب الاختيار من يده؛ إذ لو شوهدت علامةٌ من علامات القيامة بدرجة البداهة تمامًا، واضطر الكلُّ إلى تصديقها لصار وقتئذ


[1]   يَمِيز: يفصل، ويفرق بين.

 

190. صفحة

استعدادٌ كالفحم متساويًا مع استعداد كالماس ولضاع سرُّ التكليف ولبقي الامتحان بلا نتيجة.

فلذا قد حدثت اختلافاتٌ كثيرةٌ في كثير من المسائلِ كمسألة المهدي والسفياني، واختلفت كذلك الروايات فصدرت أحكامٌ متضاربةٌ.

الأصل الثاني:

إن للمسائل الإسلامية طبقاتٍ، إذا كانت إحداها تتطلب برهانًا قاطعًا فإن ثانية تكتفي بالظن الغالب، وتتطلب ثالثةٌ قبولاً تسليميًّا فحسب وعدمَ ردٍّ. إذن لا يُطلب إذعانٌ يقينيٌّ وبرهانٌ قاطعٌ في كلّ واحدة من المسائل الفرعية أو الوقائع الزمانية التي ليست من أسس الإيمان، بل ينبغي عدم التعرض لها، وعدم الردّ عليها مستسلما لها فحسب.

الأصل الثالث:

قد اعْتَنَقَ كثيرٌ من علماء بني إسرائيل والنصارى الإسلامَ في عهد الصحابة، فأسلمتْ معهم أفكارهم القديمة كذلك، وتُوهِّمت بعضُ أفكارهم السالفةِ والمخالفةِ للواقعِ بضاعةً للإسلام.

الأصل الرابع:

كانت تُعدّ بعضُ أقوالِ رواةِ الأحاديث الشريفة والمعاني التي يستنبطونها - أحيانًا وخطأً - أنها من أصل متون الحديث، ولما كان الإنسان لا يخلو من الخطأ فقد ظُنَّ بعضٌ من أقوالهم واستنباطاتهم المخالفة للواقع حديثًا وحُكِم عليه بالضعف.

 

الأصل الخامس:

قد عُدّت بعضُ المعاني الواردة عن طريق إلهاماتِ بعضٍ من المحدِّثين المحدَّثين الذين هم أهل الكشف والأولياء - بناءً على سرِّ (إن في أمتي محدَّثون) أي: ملهمون - أحاديث، والحال أن إلهامات الأولياء قد تكون خطأً بسبب بعض العوارض، فيمكن أن يكون قسمٌ من هذا النوع مخالفًا للحقيقة.


191. صفحة

الأصل السادس:

توجد بعضُ الحكايات المشهورةِ بين الناس بحيث أصبحت كضربِ الأمثال، ولا يُنظَر إلى معناها الحقيقي، وإنما يُنظَر إلى المقصد الذي تساق من أجله، فقد كان يذكر الرسول الأكرم # على سبيل التمثيل والكناية من هذا النوع بعضاً من القِصص والحكايات التي اشتهرت على ألسنة الناس لمقصد إرشادي. فإن كان هناك نقص وقصور في المعنى الحقيقي لمثل هذه المسائل فهي تعود إلى عرف الناس وعاداتهم وترجع إلى التعارف والتسامع العام.

 

الأصل السابع:

هنالك تشبيهاتٌ وتمثيلاتٌ كثيرةٌ جدًّا تُعدّ حقيقةً ماديةً بمرور الزمان أو بانتقالها من يد العلم إلى يد الجهل فتتسبب في الوقوع في الأخطاء.

فمثلاً: إن مَلَكين من ملائكة الله المسمَّيَيْنِ بالثور والحوت، واللذين هما على صورة الثور والحوت في عالم المثال، والناظرين الموكَّلين على الحيوانات البرية والبحرية؛ ظُنّا كأنهما ثورٌ ضخمٌ وحوتٌ جسيمٌ، وبهذا الظن اُنتُقِد الحديث.

فمثلاً: سُمع صوت مدوٍ في وقت ما بمجلس الرسول، فقال الرسول الأكرم # ما معناه: هذا الصوت هو صوت حجر كان يتدحرج منذ سبعين سنة فهَوى في هذه اللحظة إلى قعر جهنم. فالذي يسمع هذا الحديث ولم يدرك الحقيقة ينحرف إلى الإنكار، والحال أنه ثابت - قطعًا - أنه جاء أحدهم بعد هذا الحديث بمقدار عشرين دقيقة فقال للرسول الأكرم - عليه الصلاة والسلام -: إن منافقًا مشهورًا قد مات قبل ما يقرب عشرين دقيقة.

 فقد بين الرسول الأكرم - عليه الصلاة والسلام - بأسلوبٍ بليغٍ للغاية أن كل عمر ذلك المنافق الذي بلغ السبعين كان عبارةً عن تدنٍّ وسقوطٍ - كحجر لجهنم - إلى أسفل سافلين، وإلى الكفر طيلة حياته. فالحقّ جلّ وعلا أسمع ذلك الصوتَ وجعله علامةً له في لحظة الوفاة هذه. 


192. صفحة

الأصل الثامن:

إن الحكيم المطلق سبحانه وتعالى يُخفي كثيرًا من الأشياء المهمة ضِمنَ أشياء كثيرةٍ في دار التجربة هذه وميدان الامتحان هذا، وترتبط بهذا الإخفاء حِكَمٌ كثيرةٌ ومصالح عدة.

 فهو مثلاً قد أخفى ليلةَ القدر في شهر رمضان كلِّه، وساعةَ إجابة الدعاء في يوم الجمعة، وأولياءه المقبولين بين الناس، والأجلَ في العمر، ووقتَ القيامة في عمر الدنيا؛ إذ إن أجل الإنسان لو كان معيَّنًا لقضى نصفَ عُمرِه في غفلة مطلقة والنصفَ الآخرَ في رعب وفزع وكأنه يتقدم نحو المشنقة خطوة خطوة، بينما تقتضي مصلحتا الحفاظ على الموازنة بين الدنيا والآخرة، والبقاء بين الخوف والرجاء في كل وقت، إمكانيةَ الموت والحياة ووقوعهما في كل دقيقة.

 وعليه فإن عُمْرًا مُبْهَمًا بطول عشرين سنة مجهولَ الأجل يُرجَّح على عمرٍ بطول ألف سنة معلومِ الأجل. فالقيامة كذلك هي أجل الدنيا التي هي الإنسان الأكبر، فلو كان وقتُها متعيِّنًا معلومًا لانغمستْ كل القرون الأولى والوسطى في الغفلة المطلقة ولبقيت القرون الأخيرة في الذُّعْرِ والرعب. فالإنسان متعلق ومرتبط ببقاء مسكنه وقريته من حيث حياته الشخصية، وكذلك متعلق ومرتبط بحياة الكرة الأرضية والدنيا من حيث حياته الاجتماعية والنوعية.

ويقول القرآن الكريم ﴿اِقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (سورة القمر: ٥٤/١) أي القيامة قريبة، وعدم مجيئها بعد مضي أكثر من ألف سنة لا يُخِلُّ باقترابها؛ إذ إن القيامة هي أجل الدنيا، فإن نسبة ألف سنة أو ألفي سنة إلى عمر الدنيا هي كنسبة يوم ويومين أو دقيقة ودقيقتين إلى السنة الواحدة. وإن ساعة القيامة ليست أجلَ الإنسانية فحسب حتى تُنسبَ إلى عمرها، فتُرى بعيدةً.

فمن أجل هذا السبب يُخفي الحكيم المطلق القيامة في علمه ضمن المُغيَّبات الخمسة. فمن سر هذا الإبهام قد خاف من القيامة دائمًا كلُّ عصر حتى عصرَ السعادة وهو عصر الذين عرفوا الحقيقة حق المعرفة، حتى قال بعضهم: إن علاماتها ظهرت تقريبًا.



193. صفحة

ويقول غير المنصفين من الناس الذين لا يعلمون هذه الحقيقة:

إن الصحابة تلقوا دروس تفاصيل الآخرة وقلوبهم متيقظة ونظرهم حادّ، فكيف ظن هؤلاء الصحابة الحقيقةَ التي ستأتي في مستقبل الدنيا بعد ألف وأربعمائة سنة أنها قريبةٌ لعصرهم وكأن أفكارهم قد ابتعدت عن الحقيقة آلاف السنين؟

الجواب: لأن الصحابة بفضل فيض الصحبة النبوية قد اجتهدوا وعملوا لآخرتهم بجديةٍ؛ إذ كانوا أكثرَ الناس تفكرًا في الآخرة، وأكثرَهم علمًا بفناء الدنيا وأكثرَهم فهمًا للحكمة الإلهية من إخفاء وقت القيامة، وأكثرهم اتخاذَ وضعِ ترقُّبٍ دائمٍ لأَجَلِ الدنيا حتى كأنه أجل شخصيّ.

 وتكرار الرسول الأكرم # لـ (..انتظروا الساعة) هو إرشادٌ نبويٌّ نابعٌ من هذه الحكمة، وليس حكمًا من أحكام الوحي يدل على وقوعها في وقتٍ معينٍ حتى يكون بعيدًا عن الحقيقة، فالعلة شيء والحكمة شيء آخر، فأقوال النبي # التي من هذا القبيل تنشأ عن حكمة الإبهام والإخفاء.

ومن هذا السر كذلك فإنهم قد انتظروا المهدي والسفيانيَّ وأمثالهم من الأشخاص الذين سيأتون في آخر الزمان منذ زمنٍ طويلٍ، حتى انتظروهم في زمن التابعين وتَمنَّوْا إدراكَهم واللحاقَ بهم، وحتى قال بعض الأولياء عنهم: إنهم مَضَوْا.

 فعلى هذا تقتضي الحكمةُ الإلهيةُ عدمَ تعيّنِ أوقات ظهور هؤلاء الأشخاص كما في القيامةِ؛ لأن كل زمانٍ وعصرٍ يحتاج إلى معنى المهدي الذي يكون مدارًا لتقوية القوة المعنوية وإنقاذًا من اليأس، وينبغي أن يكون لكل عصرٍ حصة من هذا المعنى، وكذا ينبغي على كل عصرٍِ أن يحذر ويخاف من الشخصيات الشرِّيرة المدهشة التي تتَرَأَّسُ النفاقَ حتى لا يَتَّبعَ الأشرارَ في غفلةٍ ولكيلا يترك زمامَ النفس في التسيب وعدم المبالاة، فلو كان قد عُيِّن وقتُ ظهورهم لضاعت مصلحةُ الإرشاد العام.

فإن سرّ اختلاف الروايات الواردة في حقّ أشخاص كالمهدي هو: أن الذين فسروا الأحاديث قد طبّقوا متن الأحاديثِ على تفسيراتهم واستنباطاتهم. 


194. صفحة

فمثلاً: إنهم تصوروا أحداث المهدي أو السفياني في الأماكن المجاورة لمركز الخلافة كالبصرة والكوفة والشام؛ لكون مركز الخلافة آنذاك في المدينة المنورة أو الشام، وفسّروها حسب هذا التصور.

 وكذلك تصوروا الآثارَ العظيمة للشخصية المعنوية لأولئك الأشخاص أو الجماعة التي يمثلونها في شخصيتهم الذاتية، وفسروها تفسيرًا بحيث أعطوا لهؤلاء الأشخاص ذوي الخوارق صورةً وكأن كلَّ الخلقِ سيعرفونهم عند ظهورهم.

والحال أننا قد قلنا: إن هذه الدنيا ميدانُ تجربةٍ؛ إذ يُفتح بابٌ للعقل ولكن لا يُسلب الاختيارُ من يده.

إذن لا يعرف كثيرٌ من الناس هؤلاء الأشخاصَ - حتى الدجالَ الرهيب - عند ظهورهم، وحتى الدّجالُ نفسُهُ في بداية الأمر لا يعرف أنه دجال، بل يمكن أن يُعرفَ أشخاصُ آخر الزمانِ هؤلاء بفراسة نور الإيمان.

يروى في الأحاديث الشريفة في حق الدجال - الذي هو من علامات القيامة - أن يومَه الأولَ كسنةٍ، ويومَه الثاني كشهرٍ، ويومَه الثالث كأسبوعٍ، ويومَه الرابع كسائر الأيام، وعند ظهوره تَسمعُه الدنيا، وأنه يتجول ويسيح في العالم خلال أربعين يومًا، فقد قال غير المنصفين من الناس: إن هذه الرواية مستحيلة! وذهبوا - حاشاها - إلى إنكارها وإبطالها.

بل - والعلم عند الله - يجب أن تكون حقيقتها كالآتي:

إن فيها إشارةً إلى ظهور شخصٍ من الشَّمال الذي هو أكثر عالم الكفر كثافةً، وأنه سوف يرأس ويتزعم تيارًا عظيمًا مُتَرَشِّحًا من الفكر الكفريِّ للطبيعيين في الشَّمال، والذي سيذهب إلى إنكار الألوهية.

وفي هذه الإشارة رمزُ حكمةٍ؛ حيث إن السنة تتكون في الدائرة القريبة من القطب الشمالي من ليل ونهار، ستة أشهر ليل وستة أشهر نهار، ويوم واحد للدَّجَّال سنةٌ، وفي هذا إشارةٌ إلى ظهوره بالقرب من تلك الدائرة.



195. صفحة

والمراد من قوله: إن يومَه الثاني شهرٌ واحدٌ هو: أنه قد يحدث أحيانًا أن الشمس لا تغرب شهرًا في الصيف كلما تقدمنا من الشمال إلى الجنوب، وهذا أيضًا إشارةٌ إلى ظهور الدجال في الشمال وانتقاله إلى طرف عالم الحضارة والاستيلاء عليه، وبإسناد اليوم إلى الدجال تشير تلك الروايات إلى هذه الإشارة.

وهكذا كلما اقتربنا من الشمال إلى الجنوب نرى الشمس لا تغرب أسبوعًا، وكذا كلما اقتربنا أكثر فأكثر نرى استمرارها ثلاثة ساعاتٍ بين الشروق والغروب. ولقد كنت في مكانٍ مثل هذا عندما كنت في الأسر بروسيا، وكان هناك مكانٌ قريبٌ منّا لا تغرب الشمس فيه أسبوعًا، وكان يذهب الناس إلى هنالك للتفرّج.

وأما سماع الدنيا كلِّها بظهور الدجال؛ فقد حلَّ ذلك القيدَ البَرْقِيَّةُ والمذياعُ.

وأما تجواله في أربعين يومًا فقد حلّه كذلك ما يركبه - الدجال - من قطار وطائرة، فالملاحدة الذين كانوا يرون هذين القيدين محالاً أصبحوا يرونهما الآن من الأمور العادية.

أما حادثة يأجوج ومأجوج والسدّ التي كلٌّ منها من علامات الساعة، ولأني كتبت عنها بشيء من التفصيل في رسالةٍ فنحيل إليها، أما هنا فنقول:

هنالك رواياتٌ تشير إلى أن الطوائف التي دمرت وخربت المجتمعات البشرية وتسببت في بناء سدّ الصين والتي تُعرَف بالمانجور والمغول سيُدمِّرون ويخرِّبون الحضارةَ البشرية أيضًا قربَ قيام الساعة بأفكارٍ إرهابيةٍ فوضويةٍ.

ويقول بعض الملاحدة: أين مثل هذه الطوائف التي قامت وستقوم بمثل هذه العجائب؟

الجواب: توجد آفاتٌ كالجراد بكثرة في فصل من الفصول، وكلما تبدَّلتِ الفصولُ تختفي في بعض الأفراد المحدودة حقيقةُ تلك الطوائفِ الكثيرة التي تُفسد البلاد، وكلما جاء الوقت يبدأ ويظهر الفسادُ نفسُه من جديد بأمر إلهي بكثرة من أولئك الأفراد المحدودين، وكأن حقيقة جنسهم تَضعُف ولا تزول، وتظهر كلما جاء فصلها المناسب؛ وكما في هذا المثال فكذلك الطوائف التي دمرت وخربت الدنيا قديمًا ستدمر وتخرب 


196. صفحة

هي نفسُها الحضارةَ البشريةَ بالإذن الإلهي إذا حانَ وقته؛ إلا أن محرِّكها يظهر في صورة أخرى، (ولا يعلم الغيب إلا الله).

الأصل التاسع:

إن نتائج قسمٍ من المسائل الإيمانية تتوجه إلى هذا العالم المقيد الضيق، وقسمٌ آخرُ منها يتوجه إلى عالم الآخرة الفسيح المطلق.

ولأن طائفةً من الأحاديث المتعلقة بفضائل الأعمال وثوابها وَرَدَت بأسلوبٍ بليغٍ لكي تكون مؤثرةً من ناحية الترغيب والترهيب؛ فقد ظنّ أناسٌ غير مدققين أنه مبالَغٌ فيها، والحالُ أنها جميعًا عينُ الحق ومحضُ الحقيقة؛ لذا لا غُلُوَّ ولا مبالغةَ فيها.

مثلاً: إن الذي يشغل أذهانَ غير المنصفين كثيرًا هو هذا الحديث: (لَوْ وُزِنَتِ الدُّنْيَا عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا شَرِبَ الكَافِرُ مِنْهَا جَرْعَةَ مَاءٍ) أو كما قال؛ أي فيما معناه: لو كان للدنيا عند الحق تعالى قيمةُ جناحِ البعوضة لما استطاع الكفار شُربَ جرعةِ ماءٍ منها.

وحقيقته أن عبارة (عند الله) تعني: “من عالم البقاء”. نعم؛ بما أن نورًا بمقدار جناحِ بعوضةٍ من عالم البقاء هو أبديٌّ - فهو إذن أكثر وأنور من نورٍ مؤقتٍ يملأ الأرض - فهو لا يقصد إذن موازنة الدنيا الكبيرة بجناح بعوضةٍ، بل يقصد أن الدنيا الخاصةَ لكلِّ إنسانٍ والمستقرةَ في عمره القصيرِ لا تساوي مقدارَ جناحِ بعوضةٍ من فيضٍ وإحسانٍ إلهيٍّ دائمَين.

ثم إن للدنيا وجهين بل ثلاثةَ وجوهٍ:

أحدها: مرايا لأسماء الحق تعالى.

والثاني: متوجهٌ إلى الآخرة ومزرعتها.

والثالث: متوجهٌ إلى الفناء والعدم، فهذا الوجه هو الدنيا غير المرضية عند الله والمعلومة لَدَيْنا بدُنيا أهل الضلالة.

إذن فهو ليس إشارةً إلى الدنيا الكبيرة التي هي مرايا الأسماء الحسنى ومكتوباتٌ صمدانيةٌ ومزرعةٌ للآخرة، بل إشارةٌ إلى دنيا عَبَدَةِ الدنيا التي هي ضد الآخرة ومنشأ 


197. صفحة

لجميع الخطايا ومنبعٌ لجميع البلايا، والتي لا تعدل ذرةً سرمديةً تُعطى في عالم الآخرة لأهل الإيمان.

فأين المعنى الذي فهمه أهل الإلحاد غير المنصفين؟ وظنوه مبالغةً وغُلُوًّا من هذه الحقيقة المستقيمة الجدية؟

مثلاً: إن مما يظنه أهل الإلحاد غيرُ المنصفين مبالغةً - بل مما يتوهمونه مبالغةً وغلوًّا - : الروايات التي وردت حول ثواب الأعمال وحول فضائل بعض السور.

مثال ذلك: رواياتٌ تدل على أن لسورة الفاتحة ثوابًا يعدل ثواب القرآن الكريم، ولسورة “الإخلاص” ثوابًا يعدل ثواب ثلث القرآن الكريم، ولسورة “الزلزلة” ربعه، ولسورة “الكافرون” ربعه، ولسورة “يس” ثواب قراءة القرآن الكريم عشر مراتٍ؛ فقد قال الذين لا يدققون النظر ولا إنصاف لهم: هذا مستحيلٌ؛ لأن القرآن الكريم يحوي سورة “يس” والسور ذات الفضائل الأخرى، وعليه فيكون ذلك لا معنى له؟

الجواب: إن حقيقة تلك الروايات هي: أن لكل حرفٍ من حروف القرآن الكريم ثوابًا وهو حسنةٌ واحدةٌ، ويَتَسَنْبَلُ ثوابُ تلك الحروف بالفضل الإلهي، بل يعطي أحيانًا عشرةً وأحيانًا سبعين (وأحيانًا سبعمائةٍ؛ كحروف آية الكرسي) (وأحيانًا ألف وخمسمائةٍ؛ كحروف سورة الإخلاص) (وأحيانًا عشرة آلافٍ؛ كالآيات التي تُتلى في ليلة النصف من شعبان والأدعية التي تصادف أوقات القبول) (وأحيانًا ثلاثين ألفًا؛ كالآيات التي تُتلى في ليلة القدر، وتتكاثر كما تتكاثر بذور نبات الخشخاش، ويُفهم أن لكل حرف ثلاثين ألف ثواب في تلك الليلة بإشارة “أَلْفِ شَهْرٍ”).

فالقرآن الحكيم فضلاً عن تضاعف ثوابِه لا يقبل الموازنة ولا يمكن موازنتُهُ البتة، بل يمكن أن يوزن مع أصل الثواب ببعض السور.

مثلاً: لنفترض أن مزرعةً زُرِعت بالذّرة الشامية فزرع فيها ألف حبةٍ، وإذا افترضنا أن بعضًا من الحبات أنبتت سبع سنابل، وإذا كان في كل سنبلةٍ مائة حبةٍ فحينئذ تعدل حبةٌ واحدةٌ ثلثي المزرعة كلها، ومثلاً أنبتت حبةٌ أخرى عشر سنابل، وفي كل واحدةٍ منها 


198. صفحة

مِائَتَا حبةٍ فحينئذ تعدل حبةٌ واحدةٌ ضعفي كل الحبوب التي زرعت في تلك المزرعة، وهكذا فقس على ذلك.

فلنتصور الآن أن القرآنَ الحكيمَ مزرعةٌ سماويةٌ نورانيةٌ مقدسةٌ، فكل حرفٍ من حروفه مع ثوابه الأصلي بمنزلة حبةٍ بغضِّ النظر عن سنابلها، فسورة “يس” يمكنها أن توزن بسورة الإخلاص والفاتحة والكافرون والزلزلة وسائر أمثالها من السور والآيات التي وردت الرواياتُ في فضائلها.

فمثلاً: نظرًا لوجود ثلاثمائة ألفٍ وستمائةٍ وعشرين حرفًا في القرآن الحكيم ففي سورة الإخلاص مع البسملة تسعةٌ وستون حرفًا، فثلاثة أضعافِ تسعةٍ وستين حرفًا يساوي مائتين وسبعة حروفٍ، فمعنى ذلك أن حسنات كل حرفٍ من سورة الإخلاص يقرب من ألف وخمسمائة حسنةٍ.

فإذا حُسبت حروف سورة “يس” وقارناها بمجموع حروف القرآن الحكيم، وإذا أخذنا بالاعتبار أضعافها عشر مراتٍ؛ فستظهر نتيجةٌ كالآتي:

إن كل حرف من حروف سورة “يس” الشريفة له خمسمائة ثواب تقريبًا، أي يمكن أن تُعَدَّ له حسناتٌ بهذا المقدار.

وقياسًا على هذا فإذا طبَّقتَ ذلك السور الأخرى لفهمتَ كم هي حقيقة لطيفة جميلة ومستقيمة لا مبالغة ولا غُلُوَّ فيها.

 

الأصل العاشر:

يوجَد بعضُ الأفراد الأفذاذ في الأفعال والأعمال البشرية كما هو الحال في أكثر طوائف المخلوقات، فإذا كان قد سبق وتقدم هؤلاء الأفرادُ في البِرّ والخير، فسيكونون مدارَ فخر لتلك الأنواع، وإن لم يتقدموا فسيكونون مدار شؤمٍ لها.

ثم إن هؤلاء الأفراد مغمورون([1]) غير بارزين ويصبحون صورةً معنويّةً وغايةً منشودةً، ويسعى ويحاول كلُّ فرد من سائر الأفراد أن يكون مثل ذلك الفرد، وبإمكانه أن يكون مثله.


[1]   مغمورون: غير معروفين أو غير مشهورين.

 نت

199. صفحة

أي: إن ذلك الفرد المطلق غير المحدد الفذّ([1]) الكامل يمكنه أن يوجد في كل مكان، في حين أنه مبهم مخفي، وباعتبار ذلك الإبهام يمكن أن يُحكَم عليه بأنه كليٌّ كـ“القضية الممكنة” حسب علم المنطق؛ أي من الممكن لأي عمل أن يأتي بنتيجة كهذه.

فمثلاً: من صلّى ركعتين في الوقت الفلاني فله أجر حجّ، فالقول: إن ركعتين في وقت معين من الأوقات تعدلان حجة، هو حقيقة، فهذا المعنى ممكن بالكلية في كل ركعتين من الصلاة؛ إذن فليس وقوعُ هذا النوع من الروايات دائمًا وكليًّا بالفعل؛ إذ بما أن للقبول شروطُه؛ إذن فهو يخرج من الكلية والديمومة، بل إما مؤقت بالفعل وإما مطلق أو ممكن وكلي. إذن فالكلية في هذا النوع من الأحاديث هي باعتبار الإمكان.

مثلاً: “الغيبة كالقتل” يعني أن في الغيبة شيئا مضرًّا كالقتل أكثر من ضرر السمّ القاتل.

ومثلاً: إن قولاً معروفًا يَحلُّ مكانَ صدقة عظيمة كعتق رقبة.

إذن فهذه الأحاديث ولغرض الترغيب والتشويق تُظهِر إمكانيةَ وجود ذلك الفرد المُبْهَم الكامل في كل مكان بصورة مطلقة وكأنها واقعة، وبذلك تَحُثُّ على الخير وتنفّر من الشرّ.

وكذا إنه لا يمكن وزن الأمور المتعلقة بالعالم الأبدي بمقاييس هذا العالم؛ إذ لا يوازي أكبر شيء لهذا العالم أصغرَ شيء لذلك العالم الأبدي، فنظرتنا الدنيوية تضيق عن إدراك ثواب الأعمال ولا نستطيع أن نستوعبه بعقولنا؛ إذ إنه مرتبط ومتعلق بذلك العالم الأخروي.

فمثلاً: مَنْ قَرَأَ هَذَا أُعْطِيَ لَهُ مِثْل ثَوَابِ مُوسَى وَهَارُونَ. أي: الحَمْدُ للهِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرَضِينَ { رَبِّ العَالمَِينَ وَلَهُ الكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ { الحَمْدُ للهِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ { رَبِّ العَالمَِينَ وَلَهُ العَظَمَةُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ { وَلَهُ المُلْكُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ.


[1]   الفذّ: متفرد، ليس له نظير.

 

 


200. صفحة

إن أكثر ما يَجذب انتباهَ غيرِ المنصفين وغير المدقِّقين هو أمثالُ هذه الروايات، وحقيقتها كالآتي:

إلى أي مدى نتصور ونعلم ثواب موسى وهارون في الدنيا بنظرتنا الضيقة وبفكرنا القاصر؟

فربما يساوي ما سيعطيه الرحيم المطلق من حقيقة ثواب في العالم الأبدي والسعادة الخالدة لأحد عباده - وهو في احتياج غير متناهٍ - مقابلَ وِردٍ واحدٍ؛ الثوابَ الذي يدركه تخميننا ودائرة علمنا لذلكما النبيين.

فمثلاً: إن رجلاً بدويًّا هَمَجِيًّا يعرف سيد عشيرته فحسب، ولم يرَ السلطانَ ولا يعلم هيبة سلطنته، فهذا الرجل يتصور السلطان بفكره المحدود أكبر بقليلٍ من سيد العشيرة.

حتى إنه كانت هناك طائفة ساذجة حوالينا تقول قديمًا: إن سيد عشيرتنا يعلم ويعرف ما يقوم به السلطان في أثناء طبخ حساء “البرغل” ([1]) عند جلوسه بالقرب من موقده وطبخه بنفسه؛ أي إنهم يتخيلون السلطان على هذه الحالة الضيقة، وهذه الصورة العادية؛ بحيث إنه يطبخ حساء برغله بنفسه، ويفترضونه كأنه في هيبة نقيبٍ في الجيش! فإن قال شخص لأحد أولئك الرجال: إن قمتَ اليوم لي بهذا العمل فسأمنحك مرتبة تبلغ عظمة رتبة السلطان الذي تتصوره، أي سأمنحك رتبة كرتبة النقيب؛ فهذا القول حقيقةٌ وصوابٌ؛ لأن الذي تستوعبه دائرة فكره الضيقة من عظمة السلطان ما هي إلا على قدر عظمة النقيب.

 فنحن لا نستطيع أن نفكر بنظرتنا الدنيوية وفكرنا الضيق المحدود في حقائق الثواب المتوجهة إلى الآخرة حتى ولو مثل ذلك الرجل البدوي، فالموازنة ليست بين الثواب الحقيقي - الذي نجهله - لموسى وهارون Q وبين ثواب وِردٍ واحدٍ لعبدٍ مؤمنٍ؛ وذلك لأن قاعدة التشبيه بهذا تقوم على قياس المجهول على المعلوم، وإنما تكون الموازنة بين الثواب الحقيقي- المجهول لدينا - لوِرد واحد لعبد مؤمن وبين ثوابهما Q الذي نعلمه ونتصوره.


[1]   البُرْغل: جريش خشن من الحنطة والقمح يطبخ ويقدم للطعام.

 .


201. صفحة

وكذا يتساوى وجه البحر مع بؤبؤ([1]) قطرة الماء في استيعاب عكسِ تَمَامِ الشمس، والفرقُ في الكيفية فقط، فماهية الثواب التي تنعكس على مرآة أرواح موسى وهارون Q الشبيهة بالبحر هي نفس ماهية ثواب ما ناله العبد المؤمن الذي هو في حكم قطرة من آية واحدة، فهما متساويان في الماهية والكمية إلا أن الكيفية تابعة للقابلية.

وكذا إن كلمةً واحدةً وتسبيحةً واحدةً تفتح أحيانًا كنزَ سعادةٍ لم ينفتحْ بعمل ستين سنةً؛ إذن قد تَكون أحيانًا حالاتٌ تعطي فيها آيةٌ واحدةٌ فائدةَ القرآن الكريم كله.

وكذا إن الفيض الإلهي الذي يناله في آية واحدة الرسولُ الأكرم - عليه الصلاة والسلام - الذي هو موضع تجلي الاسم الأعظم - قد يكون بقدر فيضٍ إلهيٍّ كاملٍ على نبيٍّ آخر.

فإذا قيل: إن مؤمنًا نال ظِلاًّ من الاسم الأعظم بواسطة الوراثة الأحمدية يكسب ثوابًا بحسب قابليته بقدر الفيض الإلهي لنبيٍّ واحدٍ من حيث الكمية؛ فلا يمكن أن يكون ذلك خلافًا للحقيقة.

وكذا فإن الثواب والفضيلة هما من عالَم النور، ويتمكن عالَمٌ من ذلك العالم من الدخول في ذرة، وذرة واحدة يمكنها أن تَسَعَ عالمًا من ذلك العالم، فكما أنه يمكن أن تتراءى وتظهر السماوات مع نجومها في قطعة زجاج كالذرة؛ كذلك يمكن أن يستقر ثوابٌ وفضيلة نورانيَّان بعِظم السماوات في تسبيحة واحدة أو في آية واحدة اكتسبتا شفافية بنيّة خالصة.

نتيجة الكلام: أيها الرجل الأناني الناقد غير المنصف وغير المنتبه، وضعيف الإيمان وقوي الفلسفة؛ خذ هذه الأصولَ العشرةَ بعين الاعتبار، ثم لا تَمُدَّ أصبعَ اعتراضِك المخلِّ إلى الأحاديث الشريفة ومن ثم إلى مرتبة عصمة الرسول الأكرم - عليه الصلاة والسلام - مُتذرِّعًا ومتعلِّلاً بالروايات التي تراها خلافًا للحقيقة ومخالفةً للواقع مخالفة أكيدة؛ إذ إن الدوائر العشرة للأصول العشرة - أوَّلاً وقبل


[1]   البؤبؤ: إنسان العين، وهو الفتحة المركزية فيها.

 

.


202. صفحة

كل شيء- تجعلك تتخلى عن الإنكار، وتقول: إن كان هناك تقصيرٌ حقيقيٌّ فهو مِنا نحن، ولا يمكن أن يرجع إلى الأحاديث، وإن كان ليس حقيقيًّا فهو من سوء فهمك أنت.

الحاصل: للوصول إلى الإنكار والرد يلزم تكذيب وإبطال هذه الأصول العشرة. والآن إن كان عندك إنصافٌ، وبعد التفكير في هذه الأصول العشرة بدقة وانتباه لا تحاول إنكار حديثٍ رآه العقل خلافًا للحقيقة، وقل: ربما له تفسيرٌ أو تأويلٌ أو تعبيرٌ، ولا تَمَسَّه.

الأصل الحادي عشر:

كما أن للقرآن الحكيم متشابهاتٍ تحتاج إلى التأويل أو تتطلب التسليمَ المطلقَ؛ فإن للأحاديث الشريفة كذلك مشكلاتٍ كمتشابهات القرآن الكريم تحتاج أحيانًا إلى تفسيرٍ وتعبيرٍ في غاية الدقة، وبإمكانكم الاكتفاء بالأمثلة السابقة.

أجل؛ كما أن رجلاً متيقِّظًا يَعْبُرُ([1]) رؤيا رجلٍ نائمٍ؛ فكذلك يحدث أحيانًا أن رجلاً نائمًا قد يسمع أحاديث المتحدثين اليقظين بجواره، ولكنه يؤولها ويعبرها وكأنه يطبقها على عالمه المنامي.

كذلك فيا أيها الرجل غيرُ المنصف الذي نُوِّمَ في نوم الغفلة والفلسفة؛ لا تنكر، بل أوِّل في رؤياك ما رآه الشخص الذي نال سرَّ حُكم: ﴿مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ (سورة النجم: ٥٣/١٩) [وَتَنَامُ عَيْنِي وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي] والذي هو صاحٍ ويقظٌ حقيقي.

أجل؛ إذا لسَعتْ بعوضةٌ إنسانًا في منامه فإنه يشعر أحيانًا بحقيقة نومية كأنه يُصاب بجراح في حرب طاحنة، وإذا سئل فسيقول: إنني جرحتُ حقيقة وأُطلقتْ عليّ قذائفُ ورصاصاتٌ، ويضحك الجالسون بجواره على اضطرابه في نومه.

فلا يمكن ان يكون نظرُ الغفلةِ المشوبُ([2]) بالنوم وفكرُ الفلسفة لا يمكن أن يكون مَحَكًّا لحقائق النبوة البتة.


[1]   يَعْبُرُ الرؤيا: يفسِّرها ويؤوِّلها.

 

[2]   المشوبُ بـ: المخلوط بـ.

 




203. صفحة

الأصل الثاني عشر:

إن نظر النبوة والتوحيد والإيمان ينظر ويتوجه إلى الوحدة والآخرة والألوهية؛ لذا فهو يرى الحقائق على ضوء ذلك.

أما نظر أهل الفلسفة والحكمة، فإنه ينظر ويتوجه إلى الكثرة والأسباب والطبيعة، فيرى من خلال زاويتها، فزاويتا نظرِهما متباعدتان جِدًّا بعضهما عن بعض. فأكبر مقصدٍ لأهل الفلسفة صغيرٌ بحيث لا يكاد يُرى بين مقاصد أهل أصول الدين وعلماء علم الكلام ولا أهمية له، فمن أجل ذلك فقد تقدم أهل الحكمة كثيرًا في تفصيل ماهية الموجودات وأحوالها الدقيقة، ولكنهم تخلفوا في العلوم الإلهية العالية والأخروية التي هي الحكمة الحقيقية، بدرجةٍ أكثر من تخلّف أبسط المؤمنين. فالذين لا يفهمون هذا السرّ ولا يدركونه يظنون أن محققي الإسلام أقلُّ شأنًا من الحكماء، ولكن أنّى لمن انحدرت عقولُهم إلى عيونهم وغرقوا في الكثرة أن يبلغوا مرتبةَ مَنْ بلغوا المقاصدَ العالية القدسية بوراثة النبوة؟

ثم إذا نُظر إلى شيء ما بوجهتي نظر فإنه يُظهر حقيقتين مختلفتين ويمكن أن تكون كلتاهما حقيقةً، ولا يمكن لأية حقيقة قطعية للعلوم الحديثة أن تَمَسَّ وتتعرض لحقائق القرآن الكريم القدسية، ولا يمكن لليد القصيرة للعلوم الحديثة أن تصل إلى سَقْفِه المنَزّه العالي، ونذكر هنا مثالاً واحدًا كنموذج:

إذا نُظر إلى الكرة الأرضية - مثلاً - بنظر أهل الحكمة فستظهر حقيقتها كالآتي:

إنها تدور حول الشمس ككوكبٍ متوسطٍ بين نجوم لا حدّ لها ولا عدّ، وهي مخلوقٌ صغيرٌ بالنسبة للنجوم؛ بينما إذا نظر إليها بنظر القرآن الكريم فحقيقتها كما بُيِّنت في “الكلمة الخامسة عشرة” كالآتي:

إن الإنسان الذي هو ثمرة العالم لكونه أجمع وأبدع وأعجز وأعز وأضعف وألطف معجزةٍ للقدرة، أصبحت الأرض التي هي مَهدُه ومَسكنُه قلبَ الكون كله ومركزها معنىً وصنعةً - على الرغم من صغرها وحقارتها مادةً بالنسبة للسماء - وأصبحت معرض جميع معجزات صنعة الحق تعالى، ومظهرَ جميع تجليات الأسماء الحسنى وبُؤْرَتَها، ومحشرَ جميع الفعاليات الربانية غير المحدودة ومعكسَها، وسوقَ 


204. صفحة

الخلاّقية الإلهية اللانهائية وخاصةً الإيجاد بالجود من الأنواع الكثيرة الصغيرة للنباتات والحيوانات ومدارَها، ومعرضًا مصغّرًا لنماذج المصنوعات الموجودة في عوالم الآخرة الفسيحة للغاية، ومنوالاً([1]) - يعمل بسرعةٍ - للمنسوجات الأبدية، ومعملَ تصويرٍ - يعمل بسرعةٍ - للمناظر السرمدية، ومزرعةً ضيقةً ومؤقتةً - تُنبت بسرعةٍ - لبذيرات البساتين الدائمة ومشتلاً لها.

وهكذا فمن هذه العظمة المعنوية والأهمية الصُنعية للأرض يجعل القرآن الحكيم الأرضَ - التي هي في حكم ثمرةٍ صغيرةٍ لشجرةٍ كبيرةٍ بالنسبة للسماوات - معادلةً لكل السماوات كمعادلة قلبٍ صغيرٍ للغاية بقلبٍ كبيرٍ، ويضعها في كفةٍ ويضع جميع السماوات في كفةٍ أخرى، فيقول: ﴿رَبِّ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ﴾ (سورة الرعد: ١٣/١٦) مِرارًا وتِكرارًا.

وهكذا قِسْ سائرَ المسائل على هذا المثال، وافهم أنه لا يمكن أن تتصادم حقائق الفلسفة الخافتة الباهتة التي لا روح لها بحقائق القرآن الكريم الساطعة الحية، فهي تتراءى وتظهر مختلفةً متباينةً لاختلاف زاوية النظر.

 

الغصن الرابع

 

 ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَۤابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَۤاءُ﴾ صدق الله العظيم

(سورة الحج: ٢٢/١٨)

 

سنبين جوهرةً واحدةً فقط من الخزينة العظمى الواسعة لهذه الآية كالآتي: إن القرآن الحكيم يصرح فيقول:


[1]   المنوال : آلة من آلات النسج، وهي خشبة الحائك التي ينسج عليها خيوط النسج.

 

 


205. صفحة

إن كل شيء ابتداءً من العرش إلى الفرش، ومن النجوم إلى الذباب، ومن الملائكة إلى الأسماك، ومن الكواكب إلى الذرات؛ يسجد ويعبد ويَحمَدُ ويسبِّح الحق تعالى، إلا أن عباداتها مختلفةٌ ومتنوعةٌ حسب قابليتها وحسبما يتجلى عليها من الأسماء، ونبين نوعًا من تنوع عباداتها بمثال: (ولله المثل الأعلى).

 إن مالكًا عظيمًا للمُلك إذا بنى مدينةً عظيمةً أو قصرًا فخمًا يستخدم ويستعمل أربعة أنواعٍ من العمال في بنائهما.

 النوع الأول: هم مَواليه وعبيدُه، فهذا النوع لا أجرة له ولا راتب، بل لهم شوقٌ لذيذٌ، وذوقٌ في غاية اللطافة في كل عمل يعملونه بأمر سيدهم، ويزداد ذوقهم وشوقهم كلما تحدثوا عن مدح سيدهم ووصفه، وإنهم يعتبرون انتسابهم لسيدهم الجليل شرفًا عظيمًا ويكتفون به، ويجدون لذةً معنويةً في الأمور والأعمال التي يشرفون عليها باسم ذلك السيد ولحسابه وتحت نظارته ولا يحتاجون إلى أجرةٍ وراتبٍ ورتبةٍ.

أما القسم الثاني: فهم خدامٌ عوامٌّ لا يعلمون لِمَ يعملون، بل يستعملهم ذلك المالك الجليل، ويستخدمهم حسب فكره وعلمه، ويمنحهم أجرًا جزئيًّا يليق بهم، ولا يعلم أولئك الخدام أيَّ نوعٍ من الغايات الكلية والمصالح العالية التي تترتب على أعمالهم، حتى يَتوهمُ بعضهم أن لا غاية لأعمالهم غير الأجر والراتب المخصص لهم.

 أما القسم الثالث: فإن لِمالك الملك هذا قسمًا من الحيوانات يستخدمها في بعض أعمال بناء تلك المدينة وذلك القصر، ولا يعطيها إلا العلفَ فقط، وسَعْيُها في أعمالٍ موافقةٍ لاستعداداتها يورثها تلذذًا أيضًا؛ إذ إنه إذا اتخذ قابليةٌ واستعدادٌ في طور “القوة” شكلَ الفعل والعمل تنفسا بانبساطٍ ووَلَّدَا لذةً. فاللذائذ الكامنة في جميع الأنشطة كلها نابعةٌ من هذا السرّ، فأجر هذا القسم من الخدم وراتبه هو العلف وهذه اللذة المعنوية فحسب، وتكتفي به.

 أما القسم الرابع فهو نوع من العمال يعلمون ما يفعلون، ولماذا يعملون ولمن يعملون، ويعلمون لماذا يعمل سائر الخدم، وما هو مقصد مالك الملك هذا، ولماذا 


206. صفحة

يستخدمهم. فهذا النوع من العمال له رئاسةٌ ونظارةٌ وإشرافٌ على سائر العمال، ولهم رواتبُ متفاوتةٌ حسب درجاتهم ورتبهم.

وكذلك فإنّ ربَّ العالمين مالكَ السماواتِ والأرضِ ذا الجلال وباني الدنيا والآخرة ذا الجمال، استخدم - لا للاحتياج فهو خالق كل شيء، بل لبعض الحِكم كشئون العزة والعظمة والربوبية - في قصر الكون هذا وفي دائرة الأسباب هذه الملائكة، والحيوانات، والجمادات والنباتات والبشر، ويسوقهم إلى العبادة، ويجعل هذه الأنواعَ الأربعةَ مكلّفة بوظائف العبودية كُلاًّ على حدة.

القسم الأول: الذين يمثلون الموالي في ذلك المثال هم الملائكة، فالملائكة لا ترقيات لهم بالمجاهدة، بل لكل منهم مقامٌ ثابتٌ ورتبةٌ معينةٌ إلا أن لهم ذوقًا خاصًّا في عملهم نفسِه، ولهم فيوضاتٌ في عبادتهم حسب درجاتهم؛ أي: إن مكافآت خدامه هي ضمن خدمتهم. وكما أن الإنسان يتغذى ويتلذذ بالماء والهواء والضياء والغذاء، فكذلك الملائكة يتغذون ويتلذذون بأنوار الذِّكر والتسبيح والحمد والعبادة والمعرفة والمحبة، فيكفي النور غذاءً لهم، لأنهم خُلقوا من النور. وحتى الرائحة الطيبة التي هي قريبةٌ من النور فإنها نوعٌ من أغذيتهم يتلذذون بها. أجل؛ إن الأرواح الطيبة تحب الرائحة الطيبة.

ثم إن للملائكة سعادةً عظيمةً - وأيّة سعادة - في الأعمال التي يعملونها بأمر معبودهم وفي الأعمال التي يقومون بها لحسابه، وفي الخدمة التي يقومون بها باسمه، وفي النظارة التي يؤدونها بنظره، وفي الشرف الذي يكسبونه بانتسابهم إليه، وفي التنزه الذي ينالونه بمطالعة مُلكِه وملكُوته، وفي التنعم الذي يكسبونه بمشاهدة تجليات جماله وجلاله، بحيث لا يستطيع عقل البشر فَهمَ تلك السعادة وإدراكَها، ولا يستطيع أن يَعلَمَها مَن لم يكن مَلَكًا.

وإن قسمًا من الملائكة عُبّادٌ، وإن عبودية قسمٍ آخر منهم هي في العمل، وإن قسم العمال من الملائكة الأرضيين هم كالإنسان نوعًا ما، يقوم قسمٌ منهم بالرعي - إن جاز التعبير - ونوعٌ آخر منهم يقوم بالزراعة.



207. صفحة

أي: إن سطح الأرض مزرعةٌ عامَّةٌ، يشرف فيها مَلكٌ موكَّل على كل طائفة من طوائف الحيوانات بأمر الخالق ذي الجلال وإذنه وحسابه وحوله وقوته.

وهناك ملائكةٌ موكَّلةٌ أصغر من ذلك تقوم برعيٍ خاصٍّ لكل نوعٍ من أنواع الحيوانات، وهناك ملائكةٌ موكَّلةٌ تقوم برعيٍ خاصٍّ -نوعا ما- على نوعٍ أصغر من أنواع تلك الحيوانات.

وكذا إن سطح الأرض مزرعةٌ تُزرَع فيها جميع النباتات، وهنالك مَلَكٌ موكَّلٌ يشرف عليها جميعًا باسم الحق تعالى وقوته، وهناك ملائكةٌ أدنى درجةً منه تعبد الحق تعالى وتسبّحه بالإشراف على طائفةٍ خاصةٍ. وإن سيدنا ميكائيل X الذي هو من حملة عرش الرزاقية، هو المشرف الأكبر عليهم.

والملائكة الذين هم بمنْزلة الرعاة والمزارعين لا يُشبِهون البشر؛ لأن إشرافهم خالصٌ لحساب الله تعالى وباسمه وقوته وأمره، بل إنما إشرافهم عبارةٌ عن مشاهدةِ تجليات الربوبية في النوع الذي وُظّفت فيه، ومطالعةِ تجلِّيات القدرة والرحمة في ذلك النوع، وإلهامِ الأوامر الإلهية لهذا النوع بشكل ما، وتنظيم الأفعال الاختيارية لذلك النوع بشكل ما - ولا سيما إشرافهم على النباتات الموجودة في مزرعة الأرض - عبارةٌ عن تمثيلٍ لتسبيحاتهم المعنوية بلسان الملك، والإعلان - بلسان المَلك - عن التحيات المعنوية التي يقدمونها إلى الفاطر ذي الجلال من خلال حياتهم، وعبارةٌ عن حسن استعمال الأجهزة التي مُنِحَتْ لهم وتوجيهِها إلى بعض الغايات، وتنظيمها نوعًا ما.

فخدمات الملائكة هذه هي كسبٌ - نوعًا ما -باختيارهم الجزئي، بل هي عبوديةٌ وعبادةٌ نوعًا ما وليس لهم تصرفٌ حقيقيٌّ؛ إذ إن لخالق كلّ شيء خاتمًا خاصًّا على كل شيءٍ، ولا يمكن لأحدٍ غيرِه أن يُدخل أصابعه في الإيجاد. إذن فإن هذا النوع من أعمال الملائكة هو عبادتهم، وليس عاداتهم كما هو الحال عند الإنسان.

أمّا القسم الثاني من العمال في قصر هذا الكون فهم الحيوانات، فهي لما لها من نفس ذات اشتهاء، ومن اختيار جزئي لا تكون أعمالُها خالصةً لوجه الله، وتَستَثْمِر كذلك لنفسها حظًّا - إلى حد ما - لذا فإن مالك الملك ذا الجلال والإكرام - ولأنه 


208. صفحة

كريم - يحسن إليها براتب ضِمنَ أعمالها لكي تنال نفسُها بذلك حظًّا. فمثلاً يستخدم الفاطر الحكيم البُلْبُلَ - ذلك الحيوان الصغير المشهور([1]) والمعروفَ بعشقه للورد - ويستعمله في خمس غايات:

الأولى: إنه موظف باسم قبائل الحيوانات لإعلان العلاقات القوية التي بينها وبين طوائف النباتات.

الثانية: إنه خطيب رباني من قبل الحيوانات التي هي بمنْزلة ضيوف محتاجين إلى رزق الرحمن؛ حيث إنه موظف للتصفيقِ تجاه الهدايا المُرْسَلة من قبل الرزاق الكريم، والإعلانِ عن السرور.

الثالثة: إظهار حسن الاستقبال على رءوس الأشهاد تجاه النباتات المرسلة لإمداد أبناء جنسه.

الرابعة: بيان وإيضاح شدة احتياج نوع الحيوانات - البالغ درجة العشق- للنباتات تجاه وجوهها الجميلة فوق رءوسها المباركة.

الخامسة: تقديم ألطف تسبيحٍ في ألطف شوقٍ بألطف وجهٍ كالوردة إلى ديوان مرحمة مالك الملك ذي الجلال والجمال والإكرام.

وهكذا هناك معانٍ أخرى مثل هذه الغايات الخمسة، وهذه المعاني والغايات هي غايةُ عملِ البلبل الذي يقوم به من أجل الحق سبحانه وتعالى، فالبلبل يتحدث بلغته الخاصة، ونحن نفهم هذه المعاني من كلماته الحزينة. ولا يُنقِص فهمَنا أنه هو نفسُه لا يَعلم معاني نغماته تمامًا، كما تفهم الملائكةُ والروحانياتُ -معاني تسبيحاتها-، فـ “رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ” مشهورة. ثم إن عدم فهم البلبل هذه الغايات بتفاصيلها لا يدل على عدم وجودها. فهو في الأقل كالساعة التي تخبرك عن أوقاتك وهي لا تعلم ما تعمل، ولا يضرّ عدم علمها بمعرفتك.

 


[1]   لما كان البلبل يغرد تغريدًا شاعريًّا شابَ بَحْثَنَا هذا شيءٌ من الشاعرية إلا أنه حقيقة وليس بخيال.

 


v

209. صفحة

أما راتب ذلك البلبل الجزئِيُّ فهو ما يأخذه من ذوقٍ بمشاهدة الورود الجميلة المبتسمة الضاحكة، والتلذذُ الذي يتحصل عليه بمحاورتها والتحدث إليها وبمكاشفتها همومه وأحزانه. إذن فنغماته الحزينة ليست شكاوى نابعةً من تألماتٍ حيوانيةٍ، بل هي شكرٌ على العطايا الرحمانية.

وقس على هذا البلبل بلابلَ النحلِ والفحل الحيوانات والعنكبوت والنمل والهوامِّ.([1]) فلكل واحدٍ منها عملُه وغاياته الكثيرة كالبلبل، أُدرج لهم كذلك ذوقٌ خاصٌّ في ثنايا خدماتهم كراتبٍ جزئيٍّ، فيخدمون بهذا الذوق الغايات المهمة الموجودة في الصنعة الربانية، فكما أن شخصًا يعمل رُبَّانًا في سفينةٍ سلطانيةٍ يقبض راتبًا جزئيًّا؛ كذلك فإن للحيوانات التي تقوم بالخدمات السبحانية راتبًا جزئيًّا.

تتمةٌ لبحث البلبل:

لا تَظُنَّنَّ أن الإعلان والدلالة والتغني بنغمات التسبيحات خاصٌّ بالبلبل، بل إن لكل نوعٍ من الأنواع الكثيرة صنفٌ كالبلبل، بحيث يوجد فردٌ لطيفٌ أو أفرادٌ لطيفةٌ تمثل ألطف حسيات ذلك النوع بألطف تسبيحٍ وألطف سجعٍ، لا سيّما وأن بلابل الذباب والحشرات كثيرةٌ ومتنوعةٌ؛ بحيث تُسْمِع تسبيحاتِها لكلِّ من له آذان من أصغر الحيوانات إلى أكبرها وتجعله متلذذًا بإسماعها تسبيحاتها لها بسجعاتٍ جميلةٍ وهي واقفةٌ على رأس تلك المخلوقات.

ومنها قسم لَيْلِيٌّ منشدٌ مؤنسٌ للحيوانات الصغيرة التي غرقت في السكوت، وأخلدت إلى السكون ليلاً، وهو ناطقها الحلو الكلام في سكون الليل وسكوت الموجودات، وهو قطبٌ في حلقة الذِّكر الخفي في مجلس الخلوة، بحيث يستمع كل فردٍ إليه، ويُسبِّحون ويذكرون نوعًا ما فاطرَهم ذا الجلال بقلوبهم.

والقسم الآخر نهارِيٌّ يعلن رحمة الرحمن الرحيم نهارًا على منابر الأشجار وعلى رءوس جميع ذوي الحياة، صيفًا وربيعًا، وبأصواته العالية بنغماتٍ لطيفةٍ وتسبيحاتٍ مسجّعةٍ. ويثير جذبة السامعين وكأنه رئيسٌ لحلقة ذِكرٍ جهريٍّ؛ بحيث


[1]   الهوامّ: دواب الليل وزواحفه.

 ، 

210. صفحة

يبدأ السامعون عندئذٍ بذكر فاطرهم ذي الجلال؛ كلٌّ بلسانه الخاص وبصوته المخصوص.

إذن فلكل نوعٍ من الموجودات - حتى النجوم - رئيسٌ لحلقة ذكرها وبلبلٌ مضيءٌ.

ولكن أفضلَ جميع البلابل وأشرفَها وأنوَرَها، وأبهرَها وأعظمَها، وأكرمَها وأعلاها صوتًا، وأجلاها نَعتًا وأتمَّها ذكرًا، وأعمَّها شكرًا وأكمَلَها ماهيَّةً وأجملَها صورةً، والذي يثير وَجْدَ وجَذبةَ كلِّ موجودات الأرض والسماوات في بستان الكون بسجعاته اللطيفة ونغماته اللذيذة وتسبيحاته العلوية، وعندليبَ([1]) نوع البشر ذا الشأن وبلبلَ بني آدم ذا القرآن؛ هو محمدٌ العربيُّ عليه وعلى آله وأمثاله أفضلُ الصلاة وأجملُ التسليمات.

الحاصل: إن الحيواناتِ التي تخدم في قصر الكائنات تمتثل الأوامر التكوينية بكامل الطاعة، وتُظهِر الغايات التي في فطرتها بوجهٍ جميلٍ باسم الحق تعالى، والتسبيحاتُ والعباداتُ التي تقوم بها من خلال أداء وظائف حياتها بطرزٍ بديعٍ بحول الحق تعالى وقوته هي هداياها وتحياتها التي تقدمها لحضرة الفاطر ذي الجلال وواهب الحياة.

القسم الثالث من عماله هو النباتات والجمادات، وهي لا راتب لها؛ إذ ليس لها اختيارٌ جزئيٌّ، فأعمالها خالصةٌ لوجه الله، وهي بإرادة الحق تعالى واسمه ولحسابه وبحوله وقوته، ولكنه يُشعَر ويُحَسُّ من أحوال النباتات أن لها نوعًا من التلذذات في أدائها وظائفَ التلقيح والتوليد وإنماء الثمار، ولكنها ليست متعرضةً للتألم قطّ.

أما الحيوان فإن له ألَمًا مع اللذة لأنه صاحب اختيار، أما نتائج أعمال وآثار الجمادات والنباتات تأتي أفضل وأكمل من أعمال الحيوانات التي لها اختيار؛ لأنه لا اختيار للجمادات والنباتات في عملها، وأما أعمال ما تَنَوَّرَ بالوحي والإلهام من بين ذوي الاختيار كالنحل وأمثاله فهي أتقن وأكمل من أعمال الذين يعتمدون على اختيارهم الجزئي.

وكل طائفةٍ من طوائف النباتات في مزرعة سطح الأرض تسأل الفاطرَ الحكيمَ بلسان الحال والاستعداد، وتدعو وتقول: يا ربنا آتِنَا قوةً حتى نعلنَ سلطنةَ ربوبيتك بلساننا


[1]   العندليب: طائر له صوت جميل.

 في

211. صفحة

بنصب راية طائفتنا على كل أطراف سطح الأرض، ووَفِّقْنا للقيام بعبادتك في كل ركن من أركان مسجد وجه الأرض، ووفِّقنا للانتشار، وآتِنا قدرةً على السياحة؛ لنُشهِر ونَعرضَ بألسنتنا نقوشَ أسمائك الحسنى وصنائعِك البديعة العتيقة في جميع أطراف الأرض التي هي معرض لذلك.

فيتقبل الفاطر الحكيم دعاءَهم المعنويَّ؛ إذ يهب جنيحاتٍ من الشَّعر لبذور طائفةٍ منها - كالنباتات الشائكة، وبذور قسمٍ من الأزهار الصفراء - فتطير في كل الأنحاء، وتستقرئ الأسماءَ الإلهية باسم طائفتها، ويهب لبعضها لحمًا ولُبًّا طريًّا مما هو يعجب الإنسان وضروريٌّ له، ويجعل الإنسان خادمًا لها؛ فيزرعها في كل مكانٍ، ويهب لبعض طوائفها لحمًا ولُبًّا لا يُهضَم يلتف بعَظمٍ صلبٍ تستسيغه وتبتلعه الحيوانات، حيث تنشره وتنثره في أنحاءَ كثيرةٍ، ويعطي بعضها أشواكا صغيرة تلتصق وتتمسك بكل من يلمسها وبذلك تصل إلى أماكن أخرى، وتنصب عَلَم طائفتها هناك؛ فتعرض الصنائع البديعة العتيقة للصانع ذي الجلال، ويعطي بعضها - كالذي يسمى “العَلْقَم المُرّ”- قوةً كقوة البندقية الرشاشّة؛ حيث تسقط ثمارها عند حلول وقتها؛ فتقذف ببذورها إلى بعد أمتارٍ كالبارود المقذوف من فوهة البندقيّة رشًّا، وتزرعها هناك، فتحاول استنطاق بذورها بذكر وتسبيح الفاطر ذي الجلال بألسنةٍ كثيرةٍ.

وهكذا فقس على هذا، فقد خلق الفاطر الحكيم والقادر العليم كلّ شيءٍ بأحسن صورةٍ، وزوّده وجهّزه بأحسن تجهيزٍ، ووجّهه إلى أجمل الغايات، ووظّفه بأحسن الوظائف وأجملها، بانتظامٍ كاملٍ، وجعله يُسبِّح بتسبيحاتٍ لطيفةٍ جميلةٍ ويؤدي العبادات على أحسن وجهٍ.

أيها الإنسان؛ إن كنت إنسانًا حقًّا؛ فلا تُشرك الطبيعةَ والمصادفة والعبث والضلال في هذه الأمور الجميلة الحسنة اللطيفة، ولا تُشوِّه جمالَها ولطافتها، ولا تُقبِّحها، ولا تكن قبيحًا.

القسم الرابع من عماله هو الإنسان، فالإنسان الذي هو خادم نوعا ما في قصر هذا الكون يشبه الملائكة من جهةٍ، ويشبه الحيوانات من جهةٍ أخرى.



212. صفحة

فهو في العبودية الكلية وفي شمول الإشراف، وفي إحاطة المعرفة، وفي اعلان الربوبية والدلالة عليها، يشبه الملائكة ولكنه أكثر جامعيةً منها، إلا أن الإنسان لمِاَ له من نفسٍ شِرِّيرةٍ، وذاتِ اشتهاء فهو مَظهر لترقياتٍ وتدنياتٍ كثيرةٍ ومهمةٍ جدًّا، على عكس الملائكة. وكذا الإنسان يشبه الحيوان لكونه يبحث عن حظ لنفسه، وعن حصة لذاته في عمله.

إذن فالإنسان له راتبان: أولهما جزئيٌّ حيوانيٌّ معجلٌ، وثانيهما كليٌّ ملائكيٌّ مؤجلٌ.

وقد ذُكر قسمٌ من وظيفة الإنسان وراتبه وترقياته وتدنياته في الكلمات الثلاث والعشرين السابقة، ولاسيما أنّني قد بيَّنت ذلك بشيءٍ من التفصيل في كل من “الكلمة الحادية عشرة” و“الكلمة الثالثة والعشرين”، لذا نختصر هنا، ونختم هذا البابَ سائلِينَ أرحمَ الراحمين أن يفتح لنا أبواب رحمته، وأن يجعل توفيقه رفيقًا لنا في إكمال هذه الكلمة، ونختم متضرعين راجين منه أن يعفو عن تقصيرنا وأخطائنا.

الغصن الخامس

وله خمس ثمرات

الثمرة الأولى:

يا نفسي المحبةَ لذاتها إلى حد العبودية، ويا صاحبي العاشقَ للدنيا إلى حد العبودية؛ اعْلَمَا أن المحبة سببُ وجود هذا الكون ورابطتُه ونورُه وحياتُه، ولأن الإنسان أجمع ثمرة لهذا الكون؛ فإنه أدرجت في قلبه - الذي هو نواة لهذه الثمرة - محبةٌ قادرة على الاستيلاء على جميع الكائنات؛ لذا:

فلا يليق بهذه المحبة غير المحدودة إلا صاحب كمال لا حدود له.

فيا أيتها النفس ويا أيها الصديق، إنه قد أُدرج في فطرة الإنسان جهازان اثنان ليكونا أداةً للمحبة والخوف، وعلى كل حال؛ فإن هذه المحبة وهذا الخوف إما يتوجهان إلى



213. صفحة

الخلق وإما إلى الخالق، عِلمًا بأن الخوف من الخلق بَلِيَّةٌ أليمةٌ، ومحبة الخلق كذلك مصيبةٌ ذاتُ مخاطر؛ لأنك تخاف مَن لا يرحمك ولا يقبل استرحامك، والخوفُ إذن في مثل هذه الحالة مصيبةٌ أليمةٌ.

أما المحبة: فالذي تحبه إما أنه لا يعرفك فيرحل دون أن يستودعك، كشبابك ومالك، وإما أن يحقرك لمحبتك. ألا ترى أن تسعةً وتسعين بالمائة من العشاق المجازيين يشتكون من معشوقيهم؛ ذلك أن المحبة الشديدة إلى حد العبودية بباطن القلب الذي هو مرآة الصمد لمحبوباتٍ دنيويةٍ شبيهةٍ بالأصنام؛ ثقيلةٌ في نظر تلك المحبوبات، تستثقلها وتردها؛ إذ إن الفطرة ترد وتطرد الشيء الذي هو ليس بفطريٍّ وليس أهلاً لها، والحب الشهواني خارجٌ عن بحثِنا.

إذن فإن الأشياء التي تحبها إما أنها لا تعرفك وإما أنها تحقرك، أو لا ترافقك بل تفارقك رغم أنفك، فمادام الأمر هكذا فوجِّه هذا الخوف وهذه المحبة إلى ذات حتى يكون خوفك تذلُّلاً لذيذًا وتكون محبتك سعادةً بلا ذلةٍ.

أجل؛ إن الخوف من الخالق ذي الجلال يعني إيجاد سبيلٍ إلى شفقة رحمته والالتجاءَ إليها، فالخوف هو سوط يُلقي بالإنسان في حضن رحمته، ومن المعلوم أن الأمّ - مثلاً - تخيف صغيرها فتجلبُه إلى صدرها، فهذا الخوف لذيذٌ غاية اللذة لهذا الصغير؛ لأنه يجلبه إلى صدر الشفقة والحنان، علمًا بأن شفقة كلّ الوالدات ما هي إلا لمعةٌ واحدةٌ من لمعات الرحمة الإلهية. إذن فإن في الخوف من الله لذةً عظيمةً، ولئن كان في الخوف من الله لذةٌ كهذه؛ فكيف بمحبة الله؟! ألا يُفهم من هذا مدى اللذة اللانهائية الكامنة في محبة الله؟

وكذا فالذي يخاف الله يتخلص من خوف الآخرين المليء بالقساوة والبلايا. ثم إن محبته التي يحملها تجاه المخلوقات لا تكون محبةً مشوبةً بالفراق والألم؛ لأنها كانت في الله.

نعم؛ الإنسان يحب نفسه أولاً، ثم يحب أقاربه، ثم أمَّته، ثم ذوي الحياة من المخلوقات، ثم الكائنات، ثم الدنيا، فهو ذو علاقةٍ مع كل دائرةٍ من هذه الدوائر، ويمكنه أن يتلذذ بتلذذها ويتألم بتألمها، ولأنه لا يبقى شيءٌ مستقرًّا في هذا العالم 


214. صفحة

المضطرب ذي الهرج والمرج، والذي تعصف به العواصف المدمرة، فالقلب المسكين لهذا الإنسان يُجرَح دومًا، والأشياء التي تتشبث يداه بها تُمزِّق يديه بالذهاب عنها بل تقطعها، فيبقى في اضطرابٍ دائمٍ أو يسكر نفسه بالغفلة.

فمادام الأمر كذلك؛ فيا أيتها النفس؛ إن كان لك عقلٌ فاجمعي كل ما تشعرين به من أنواع المحبة، وقدميها لصاحبها الحقيقي، وانجِي من هذه البلايا، فإن هذه المحبةَ اللانهائيةَ مخصوصةٌ بصاحب كمالٍ وجمالٍ لا نهاية لهما، فمتى تقدميها لصاحبها الحقيقي؛ يمكنك أن تحبي جميعَ الأشياء بلا اضطرابٍ وقلقٍِ باسمه، ومن حيث إنها مرايا له.

إذن ينبغي ألا تُصرف هذه المحبة إلى الكائنات مباشرةً، وإلا فتنقلب المحبة إلى نقمةٍ أليمةٍ بعد أن كانت نعمةً لذيذةً.

بقيت جهة أخرى وهي الأهم: أيتها النفس؛ إنك تصرفين محبتك إلى ذاتك، وتجعلينها معبودةً ومحبوبةً لك، وتُضحِّين بكل شيءٍ من أجلها، حتى لكأنك تمنحينها الربوبية نوعًا ما، بينما سبب المحبة إما كمالٌ، والكمال محبوب لذاته، وإما منفعةٌ أو لذةٌ أو فضيلةٌ أو مثلها من الأسباب التي تؤدي إلى المحبة.

فالآن أيتها النفس؛ إننا قد أثبتنا في بعض الكلمات إثباتًا قاطعًا أن ماهيتَك الأصليةَ قد عُجِنَتْ بالقصور والنقص والفقر والعجز، فبها تؤدين وظيفة المرآة، فتُظهرين كمال الفاطر ذي الجلال وجماله وقدرته ورحمته بحسب الضدية؛ مثلما تُظهر الظلمةُ سطوعَ النور حسب درجة الظلام.

إذن أيتها النفس: ينبغي عليك ألا تحبي ذاتك، بل عليك معاداتها، أو عليك أن ترحميها، أو أن تشفقي عليها بعد أن تصبح نفسًا مطمئنةً.

فإن أحببت نفسك لكونها منشأ اللذة والمنفعة - وأنت مفتونةٌ بتذوق اللذة والمنفعة - فلا تفضلي مقدارَ ذَرَّةٍ من لذةٍ ومنفعةٍ نفسيتين على لَذاَّتٍ ومنافع لا نهاية لها، ولا تكوني كاليراعة لأنها تُغرِقُ جميع أحبابها وكل الأشياء التي تحبها في وحشة الظلمات وتكتفي هي في نفسها بلميعةٍ واحدةٍ.



215. صفحة

إذ يلزم أن تحبي المحبوب الأزلي الذي لالتفاته تَتْبَعُ لذَّتُك ومنفعتُك النفسية، علاوةً على منافعِ ونعم جميع الكون والكائنات التي ترتبطين بها، وتنتفعين بجميع منافعها، وتسعدين بسعادتها؛ حتى تتلذذي بسعادتك أنتِ، وبسعادة كل أولئك، وتتلذذي بلذةٍ لا نهاية لها، لذة تنالينها من محبة الكمال المطلق.

وفي الحقيقة فإن ما فيك من المحبة الشديدة التي توجهينها إلى ذاتك إنما هي محبةٌ ذاتيةٌ تجاه ذاته - جل وعلا - إلا أنك تُسِيئِين استعمالها فتصرفينها إلى ذاتك، فمزِّقي إذن الـ “أنا” التي في نفسك، وأظهري الـ“هو”.

وأما محبتك التي توزعينها على الكائنات فإنما هي محبةٌ قد مُنِحت لك تجاه أسمائه وصفاته - جل وعلا - إلا أنك قد أسأت استعمالها فتقاسين عقابها، لأن عقاب محبةٍ غير مشروعةٍ لا تُصرَف في محلها هو مصيبةٌ بلا رحمةٍ.

ولا شك أن ذرةً من محبة المحبوب الأزلي الذي أعَدَّ باسم الرحمن الرحيم لرغباتك الجسمانية مسكنًا مزيَّنًا بالحُورِ - وهو الجنة - جامعًا لجميع رغباتك، والذي هيأ لكِ بسائر أسمائه في تلك الجنة إحساناتِه الأبديةَ التي تُشبِع رغباتِ روحك وقلبك وسِرّك([1]) وعقلِك، وسائرِ لطائفِك، والذي في كل اسمٍ من أسمائه خزائنُ إحسانٍ وكرمٍ معنويةٌ كثيرةٌ، ولا شك أن ذرةً من محبة ذلك المحبوب الأزليِّ يمكن أن تكون بديلاً وعِوَضًا عن الكائنات. والكائنات لا يمكنها أن تكون بدلاً وعوضًا عن تجلٍّ جزئيٍّ لمحبته؛ إذن فاستمعي إلى الفرمان الأزليِّ الذي أنطق بِهِ ذلك المحبوبُ الأزلي حبيبَه: ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ (سورة آل عمران: ٣/٣١) واتبعيه.

الثمرة الثانية:

أيتها النفس؛ إن العبوديةَ ليست مقدمةً لمكافأةٍ لاحقةٍ بل هي نتيجةٌ لنعمةٍ سابقةٍ.

أجل؛ نحن قد أخذنا أجرتَنا، وإننا مأمورون ومكلفون مقابل ذلك بالخدمة والعبودية؛ لأن الخالق ذا الجلال الذي ألبسكِ - أيتها النفس - الوجودَ وهو الخير المحض قد


[1] السِرّ: لطيفةٌ مودعةٌ في القلب كالروح في البدن، وهي محل المشاهدة، كما أن الروح محل المحبة والقلب محل المعرفة.

  


216. صفحة

وضع أمامكِ باسمه الرزّاق جميع المطعومات على مائدة نعمةٍ لما قد أعطاكِ من معدةٍ ذات اشتهاء.

ثم لأنه قد منحكِ حياةً حسّاسةً وهذه الحياة كذلك تطلب رزقًا كالمعدة. وجميع حواسك من عينٍ وأذنٍ وغيرها هي كالأيدي، فقد وضع جل وعلا أمامها مائدةَ نعمةٍ واسعةٍ سَعَةَ سطحِ الأرض.

ثم لأنه قد وهب لك الإنسانية التي تتطلب كثيرًا من الرزق والنعم المعنوية؛ فقد بسط لك مائدة نعمةٍ واسعةٍ سعةَ عالم الملك والملكوت، أمام معدة الإنسانية تلك بمقدار ما تصل إليه يد العقل.

ثم لأنه قد أنعم عليكِ بنعمة الإسلام الذي هو الإنسانية الكبرى والإيمان واللذين يتطلبان نعمًا لا نهاية لها، ويتغذيان بثمار رحمةٍ لا حد لها؛ قد فتح لكِ مائدة نعمةٍ وسعادةٍ ولذة تشمل دائرةَ الأسماء الحسنى والصفات المقدسة مع دائرة الممكنات.

ثم لأنه قد أحسن إليك بمائدة نعمةٍ وسعادةٍ ولذةٍ غير متناهيةٍ بما أعطاكِ من محبة التي هي نورٌ من أنوار الإيمان.

أي: إنك بحسب جسمانيتك جزءٌ صغيرٌ ضعيفٌ عاجزٌ ذليلٌ مقيَّدٌ محدودٌ، إلا أنك بإحسانه - جل وعلا - انتقلتِ من جزءٍ جزئِيٍّ إلى حُكمِ كلٍّ كلِّيٍّ نورانيٍّ؛ إذ إنه قد أخرجكِ من الجزئية إلى الكلية نوعًا ما بما أعطاكِ من حياةٍ، ورفعكِ إلى الكلية الحقيقية بما منحك من إنسانيةٍ، وإلى كليةٍ نورانيةٍ ساميةٍ بما وهب لك من إسلام، وإلى نورٍ محيطٍ بما آتاكِ من معرفةٍ ومحبةٍ.

فيا أيتها النفس؛ إنك قد تقاضيت هذه الأجرة، فأنت مأمورة ومكلفة بالعبودية وهي خدمة لذيذة مريحة خفيفة ذات نعمة.

والأمر أنك تتكاسلين في هذه كذلك، فإن كنت تؤدينها ناقصة مبتورة فأنت تطلبين - وبتحكمٍ - أجرةً عظيمةً جدًّا، وكأن الأجرة السابقة لم تَكْفِكِ، ثم تتدللين قائلة: لِمَ لَمْ يُقبَل دعائي؟ 


217. صفحة

أجل؛ إنه ليس من حقك الدلالُ، بل من واجبك التضرعُ، فالحق سبحانه وتعالى يحسن بالجنة والسعادة الأبدية بمحض فضله وكرمه، فالتجئي دومًا إلى رحمته وكرمه، واعتمدي عليه وأصغي إلى الأمر السلطاني ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (سورة يونس: ١٠/٥٨)

فإن قلت: كيف أستطيع أن أقابل هذه النعم الكلية التي لا حدَّ لها بشكري الجزئي المحدود؟

فالجوابُ:

بنيةٍ كليةٍ، واعتقادٍ راسخ، فمثلاً: إن رجلاً يدخل ديوان سلطانٍ بهديةٍ قيمتها خمسةُ قروشٍ، وإذا به يرى هناك هدايا، كلٌّ منها بقيمة المليون، قد قُدِّمت من قِبَل أناسٍ مقبولين، ورُصَّت ووضعت هناك، فيخطر على قلبه: إن هديتي زهيدةٌ لا قيمة لها، فما حيلتي، وماذا أفعل؟ وإذا به يقول: يا سيدي إنني أقدم لك جميع هذه الهدايا القيِّمةِ الثمينةِ باسمي؛ لأنك أهلٌ لها، فلو كنتُ أستطيع لأهديت لك ضعف هذه الهدايا.

فهذا السلطان الذي لا يحتاج إلى شيء - والذي يقبل هدايا رعاياه دلالةً على مدى صدقهم واحترامهم له - يقبل نية هذا الرجل المسكين الكلية العظيمة وأملَه واعتقاده الجميل العالي بأن السلطان أهل لتلك الهدايا كأعظم هديةٍ.

فكما في هذا المثال تمامًا فإن عبدًا عاجزًا يقول في صلاته [التحيات لله] أي إنني أقدم لك - ياربي - باسمي جميع هدايا عبوديةِ جميع المخلوقات التي تقدمها إليك بحياتها، لو استطعتُ لقدمت لك تحيةً بعدد تحيَّاتهم، لأنك أهلٌ لذاك بل أكثر منه. فهذه النية وهذا الاعتقاد إنما هما شكرٌ كليٌّ واسعٌ.

وبذور النباتات ونواتها هي نياتها، فمثلاً: إن الشمّام ينوي في قلبه آلاف النوايا بصورة النوى بحيث يقول: يا خالقي أريد أن أعلن نقوش أسمائك الحسنى في بقاعٍ كثيرةٍ من الأرض، فلأن الحق تعالى يعلم كيف تأتي الأشياء إلى الوجود يقبل نياتِه كأنها عباداتٌ بالفعل، ويشير معنى: “نية المؤمن خيرٌ من عمله” إلى هذا السرّ، وكذلك تُفهم من هذا السر حكمةُ التسبيح بعددٍ لا حدّ له في مثل: [سُبْحَانَكَ اللهم وَبِحَمْدِكَ عَدَدَ 


218. صفحة

خَلْقِكَ وَرِضَاءَ نَفْسِكَ وَزِنَةَ عَرْشِكَ وَمِدَادَ كَلِمَاتِكَ، وَنُسَبِّحُكَ بِجَمِيعِ تَسْبِيحَاتِ أَنْبِيَائِكَ وَأَوْلِيَائِكَ وَمَلاَئِكَتِكَ].

وكما أن ضابطًا يقدم باسمه إلى السلطان مجموعَ خدمات جميع جنوده؛ فإن الإنسان - الذي يقوم بدور ضابطٍ على المخلوقات، والذي يقوم بدور القائد للحيوانات والنباتات، والذي هو أهلٌ لأن يكون خليفةً للموجودات الأرضية، والذي يعتبر نفسه في عالمه الخاص وكيلاً للجميع - يقدم باسمه عبادات جميع الخلق واستعاناتهم إلى المعبود ذي الجلال قائلاً: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (سورة الفاتحة: ١/٥) ويستنطق كذلك جميع المخلوقات لحسابه قائلاً: [سُبْحَانَكَ بِتَسْبِيحَاتِ جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِكَ وَبِأَلْسِنَةِ جَمِيعِ مَصْنُوعَاتِكَ] ويصلِّي على النبي # باسم كل شيءٍ قائلاً: [اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ بِعَدَدِ ذَرَّاتِ الكَائِنَاتِ وَمُرَكَّبَاتِهَا] إذ إن كل شيءٍ متعلقٌ ومرتبطٌ بالنور المحمدي.

وهكذا فافهم من هذا حكمة الأعداد اللانهائية في التسبيحات والصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم.

الثمرة الثالثة:

أيتها النفس إن أردتِ عملاً أخرويًّا غير محدودٍ في عمرٍ قصيرٍ، وإن أردتِ أن تري كل دقيقةٍ من دقائق عمرك مثمرةً ذاتَ فوائد كعمرٍ كاملٍ، وإن أحببت أن تُحَوِّلي عاداتك إلى عباداتٍ، وغفلتك إلى طمأنينةٍ وسكينةٍ؛ فاتبعي السُّنَّة السَّنِيَّةَ؛ لأن قيامكِ بتطبيق معاملةٍ شرعيةٍ وَفْقَ السنة السنية يورِثك نوعًا من الاطمئنان والسكينة، ويُعدُّ نوعًا من العبادة، ويثمر ثمارًا أخرويةً كثيرةً.

فمثلا:ً إن المبايعة العادية في شرائك شيئًا ما، ولحظة تطبيق الإيجاب والقبول الشرعيين، تتخذ حُكمَ العبادة، وتذكُّرُ هذا الحُكمِ الشرعِي هذا يؤدي إلى تصور الوحي، وهذا بدوره يعطي توجهًا إلهيًّا بتذكُّر الشارع، وهذا بدوره كذلك يورث طمأنينةً وسكينةً؛ أي بتطبيق السنة السنية في الأعمال يُتحصل على الفوائد التي تكون مدارًا لحياةٍ أبديةٍ، والتي تجعل هذا العمر الفاني يثمر ثمارًا باقيةً.

 



219. صفحة

واستمعي إلى ﴿فَئَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِىِّ الأُمِّىِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَٰتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (سورة الأعراف: ٧/١٥٨) واسعي لتكوني مظهرًا جامعًا لفيض تجلي كل اسمٍ من الأسماء الحسنى التي انتشرت تجلياتها في أحكام الشريعة والسنة النبوية السنية.

الثمرة الرابعة:

أيتها النفس؛ لا تُقلِّدي أهل الدنيا وخاصةً أهلَ السفاهة، ولا سيَّما أهل الكفر، منخدعةً بما تشاهدين من زينتهم الصورية، ولذائذهم المُغرِية غير المشروعة؛ لأنك إن قلدتهم فلن تستطيعي أن تكوني مثلهم، بل تَسقطينَ كثيرًا، ولن تستطيعي حتى أن تكوني حيوانًا كذلك؛ إذ إن عقلك الذي في رأسك يصبح آلةً مشئومةً تزعج وتوجع رأسك دائمًا.

فمثلاً: إذا كان هنالك قصرٌ، وفي إحدى دوائره الكبيرة مصباحٌ كهربائيٌّ كبيرٌ، وقد وُزِّعت من كهرباء ذلك المصباح كهرباءٌ متشعبةٌ إلى منازل صغيرةٍ مرتبطةٌ كلُّها بذلك المصباح الرئيسيِّ، فلو أطفأ أحدٌ ضوء ذلك المصباح الكبير بإغلاق زره لغرقت كل المنازل في ظلامٍ دامس، وسقطت في وحشةٍ.

وهنالك قصرٌ آخر يوجد في كل غرفةٍ من غرفه مصابيحُ كهربائيةٌ صغيرةٌ غير مرتبطةٍ بمصباحٍ كهربائيٍّ كبيرٍ، فلو أطفأ صاحب هذا القصر ضوء المصباح الكبير بإغلاق زره لبقي الضوء في المنازل الأخرى وأمكن أصحاب المنازل أن يقوموا بأعمالهم ونشاطاتهم، ولا يمكن للّصوص أن يستغلوا الظلامَ.

فيا نفسي؛ إن القصر الأول هو المسلم، وإن الرسول # هو ذلك المصباح الكهربائيُّ الكبير الذي في قلب المسلم، فإن نسيه وأخرجه من قلبه - والعياذ بالله - فلن يستطيع أن يؤمن ويقبل أي نبيٍّ آخر أبدًا، حتى إنه لا يبقى مجالٌ وموضع لأيِّ كمال في روحه، بل حتى إنه لن يعرف ربه، وتسقط كل المنازل واللطائف الموجودةِ في ماهيته في الظلام، وتَحدُث في قلبه تخريباتٌ ووحشةٌ هائلةٌ مذهلةٌ، فيا تُرى ما الذى تكسبينه عوضًا عن هذه التخريبات والوحشة فتأنسي به؟ وأية منفعةٍ تجدينها لتُرَمِّمِي بها أضرارَ تلك التخريبات؟



220. صفحة

أما الكفارُ الإفرنج فيُشبهون ذلك القصر الثاني؛ بحيث إنه قد يبقى - أو يظنون أنه يبقى - في قلوبهم بعضُ الأنوار حسب فكرهم، حتى ولو أخرجوا نورَ سيدِنا محمد - صلى الله عليه وسلم - من قلوبهم، وقد يبقى نوعٌ من الإيمان بسيدنا موسى وعيسى عليهما السلام ونوعٌ من الاعتقاد بخالقهم بحيث يكون مدارًا لكمالات أخلاقهم المعنوية.

فيا أيتها النفس الأمَّارة؛ إن قلتِ :أنا لا أريد أن أكون مثل الإفرنج بل حيوانًا، فكم مرة قلت لك: إنك لن تستطيعي أن تكوني كالحيوان؛ إذ العقلُ الذي في رأسك يضرب ويصفع وجهَك وعينَك ورأسَك بضرباتِ وصفعاتِ آلامِ الماضي ومخاوفِ المستقبل، ويضع في ثنايا لذةٍ واحدةٍ أَلْفَ ألَمٍ، بينما الحيوان يتلذذ ويتمتع بلا ألمٍ، إذن فانْزَعِي عقلَك وَارْمِيه أولاً، ثم كوني بعد ذلك حيوانًا، وأبصري صفعة تأديب آية: ﴿كَالأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (سورة الأعراف: ٧/١٧٩)

الثمرة الخامسة:

أيتها النفس؛ وكما ذكرنا مرارًا أن الإنسان مخلوق متطلِّعٌ وجهُهُ إلى الكثرة والفناء والدنيا باعتباره ثمرةَ شجرةِ الخلقةِ، وهو -كالثمرة - يحمل بذرة قلب هو أبعد وأجمع شيءٍ، تتوجه إلى الكلّ، وتخفي بداخلها جهة وحدة الكلّ.

أما العبودية فهي خيط وصالٍ يحوّل وجه الإنسان من الفناء إلى البقاء، ومن الخلق إلى الحقّ، ومن الكثرة إلى الوحدة، ومن المنتهى إلى المبدأ، أو هي نقطة اتصال بين المبدأ والمنتهى.

فكما أنه إذا نَظرتْ ثمرة ثمينة ذاتُ شعورٍ - قابلة لتصبح بذرة - إلى ذوات الأرواح الموجودة تحت الشجرة، واعتمدتْ على جمالها وألقتْ بنفسها في أيديها، أو إذا غفلتْ وسقطتْ؛ فإنها ستسقط على أيديها وستتمزق وتضيع كأية ثمرةٍ عاديةٍ.

أما إذا وَجدتْ تلك الثمرةُ نقطةَ استنادها، واستطاعت أن تفكر في أنها ستكون واسطةَ استمرارِ حقيقةِ الشجرة وبقائِها مع احتواء البذرة التي في داخلها جهة الوحدة كلها للشجرة؛ عندها تصبح بذرة واحدة في داخل تلك الثمرة الواحدة مظهرًا لحقيقة كلية دائمة ضمن عمر باق.



221. صفحة

فهكذا إذا انغمس الإنسان في الكثرة، وغرق بين الكائنات وانخدع بتَبسُّم الفانيات وهو سَكران بمحبته للدنيا، وارتمى بين أحضانها؛ فلا شك أنه سيسقط في خسارةٍ لا حدود لها، ويسقط كذلك في الفناء والزوال والعدم، ويعدم نفسه معنىً.

أما إذا رفع رأسه واستمع إلى دروس الإيمان بأُذن القلبِ من لسان القرآن الكريم، وتوجه إلى الوحدة، فيمكنه أن يَعْرُجَ إلى عرش الكمالات بمعراج العبودية، ويصبحَ إنسانًا باقيًّا.

فيا نفس؛ بما أن الحقيقة هكذا، وبما أنك من الملة الإبراهيمية، فقولي كقول إبراهيم X ﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَفِلِينَ﴾ (سورة الأنعام ٦/٧٦) ووجّهي وجهك إلى المحبوب الباقي، وابكي مثلي هكذا.

 إن الأبياتَ الفارسية التي وردت هنا لم تكتب، لأنها كتبت في المقام الثاني من “الكلمة السابعة عشرة”، في الصفحة السبعين.

 

 


222. صفحة

الكلمة السابعة والعشرون

رسالة الاجتهاد

 

هي مسألة كتبتها حول الاجتهاد في رسالة عربية قبل خمس أو ست سنوات، ولرغبة أخوين لي كُتبت هذه الكلمة حول تلك المسألة الاجتهادية؛ لنُعلم من تجاوز حدَّه في هذه المسألة قدرَه وحدّه.

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلىَ الرَّسُولِ وَإِلىَٰۤ أُوْليِ الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ

 الذِّينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ

(سورة النساء: ٤/٨٣)

إن باب الاجتهاد مفتوح، إلا أن هناك ستة موانع تمنع دخوله في هذا الزمان.

أولها: كما أن كل الثغرات - حتى الثغرات الضيِّقة - تُسدُّ حينما تشتدُّ العواصفُ في الشتاء، وكما أن فتحَ أبوابٍ جديدة ليس من العقل في شيء، وكما أن فتح ثغراتٍ لترميم الجدران عند هجوم السيول الجارفة يؤدِّي إلى الغرق؛ كذلك فإن فتح أبواب جديدة في قصر الإسلام، وفتحَ ثغراتٍ باسم الاجتهاد؛ مما يتسبب في دخول المخربين من خلال جدرانه في زمن المنكرات هذا، وعند استيلاء العادات الأجنبية، وفي وقتِ كثرةِ البدع وفي أثناء تخريبات الضلالة؛ كل ذلك جناية على الإسلام.



جدول المحتويات