الكلمة السابعة عشرة
التنقل
94. صفحة
الكلمة السابعة عشرة
هذه الكلمة عبارة عن مقامين عاليين وذيل ساطع.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً { وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ (سورة الكهف: ١٨/٧)
﴿وَمَا هَٰذِهِ الحَيَٰوةُ الدُّنْيَۤا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ (سورة العنكبوت: ٢٩/٦٤)
إن الخالق الرحيم، والرزاق الكريم، والصانع الحكيم قد جعل هذه الدنيا في صورة عيد واحتفال لعالم الأرواح والروحانيات، وزيَّنها بغرائب نقوش جميع أسمائها، وألبس كلّ روح -كبيرة أو صغيرة، عُليا أو سفلى- جسدًا مجهّزًا بحواس، مناسبًا لها وموافقًا لاستفادتها من النعم والمحاسن المختلفة، والتي لا حد لها في ذلك العيد، وأعطاها وجودًا جسمانيًّا، وأرسلها مرة واحدة إلى ذلك المهرجان.
وكذا قسَّم ذلك العيدَ الواسعَ للغاية -من حيثُ الزمانُ والمكانُ- إلى عصور وسنينَ ومواسم وحتى إلى أيام وقارات، وقد جعل كل عصر وكل سنة وكل موسم - وحتى من جهة كل يوم وكل قارَّة - عيدًا ساميًا في صورة استعراض رسمي لطائفة من مخلوقاته من ذوي الأرواح، ومن مصنوعاته من النباتات، وخاصة سطح الأرض، وخصوصًا فصل الربيع والصيف، جعلها لطوائف المصنوعات الصغيرة أعيادًا مزيّنة ومتعاقبة الواحد تلو الآخر، بحيث تظهر فيها جاذبية تجلب الروحانيات والملائكة وسكان السماوات الموجودة في الطبقات العليا للمشاهدة، وتكون مكان اطلاع رائع لأهل التفكر؛ بحيث يعجز العقل عن تعريفه.
95. صفحة
ولكن هذه الضيافة الإلهية والأعياد الربانية وما فيها من تجليات اسمي: “الرحمن” و“المحيي”، تقابلها تجليات اسمي: “القهار” و “المميت”، بالفراق والموت، وهذا لا يوافق - ظاهرًا - سعة شمول رحمته: ﴿رَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (سورة الأعراف: ٧/١٥٦) إلا أنه في الحقيقة هناك بضعة أوجه لموافقتها، ومن هذه الأوجه:
أن الصانع الكريم والفاطر الرحيم يُنَفِّرُ ويُسئِم([1]) من الدنيا - بصورة رحيمة في أغلب الأحوال - كلَّ طائفة بعد الانتهاء من نوبتها في الاستعراض الرسمي وبعد الحصول على النتائج المقصودة من ذلك الاستعراض، ويُحسن إليها بالمَيْل إلى الاستراحة وبالشوق إلى الانتقال إلى عالم آخر، وينّبه ويوقظ في أرواحها -حين تسريحها من وظيفتها الحياتية- ميلاً مُفعَمًا بالشوق إلى وطنها الأصلي.
وكذا فإنه ليس ببعيد عن رحمة الرحمن غير المحدودة أن يعطي مرتبة الشهادة لذلك الجندي الذي يَهْلِكُ في أثناء أداءِ وظيفته في الجهاد، ويمنحَ الشاة التي تُذبَح كأضحيةٍ وجودًا جسمانيًا باقيًا ويكافئَها بإعطائها مرتبةَ مَطِيَّةٍ كالبراق لصاحبها على الصراط في الآخرة.
فهكذا ليس ببعيد عن خزينة رحمته التي لا تَنْفَد أن يكون لسائر ذوي الأرواح - وحتى الحيوانات التي هَلكَتْ في أثناء أدائها لوظائفها الفطرية الربانية المخصوصة بها، وفي أثناء إطاعتها للأوامر السُّبْحَانية، ولذوي الأرواح التي عانت من المشقات الشديدة - نوعٌ من المكافآت الروحانية التي تناسبها، ونوعٌ من الأجرة المعنوية التي تناسب استعداداتها؛ وذلك لئلا يتألموا ألَمًا شديدًا لذَهابهم من الدنيا، بل يكونون راضين. [لاَ يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلاَّ اللهُ].
لكن الإنسان الذي هو أشرف ذوي الأرواح وأكثرُها استفادة من حيثُ الكمية والكيفية في تلك الأعياد، ومع أنه مفتون ومُغْرَم بالدنيا للغاية؛ يهب له الله تعالى حالةَ اشتياقٍ شديدٍ كأثر رحمة منه؛ لكي ينفره من الدنيا و يَعبرَ به إلى عالم البقاء؛ فالإنسان الذي لم تغرق إنسانيته في الضلالة يستفيد من تلك الحالة فيرحل براحة القلب.
[1] )) يُسئم: ينفر, ويدعو إلى الملل.
.
96. صفحة
والآن نبين خمسة من الوجوه التي تورث وتنتج تلك الحالة كنموذج:
أحدها: يُنفِّر الإنسانَ من الدنيا بإظهار ختم الفناء والزوال على الأشياء الدنيوية الجميلة الجاذبة، وإظهارِ معانيهما المريرةِ بحلول فترة الشيخوخة فيجعلُه يبحث عن مطلوب باقٍ بديلاً عن الدنيا الفانية.
ثانيها: يجعل الإنسان يواجه الموت والأجل بسرور؛ وذلك أن تسعًا وتسعين من أحبابه الذين ارتبط بهم قد رحلوا من الدنيا واستقروا في عالم آخر، فيحسن الحق تعالى إليه شوقًا للذهاب إلى المكان الذي ذهب إليه أحبابه الذين ارتبط بهم بدافع المحبة الجدية.
ثالثها: إنه سبحانه وتعالى يُشعِر الإنسانَ بواسطة بعض الأمور بالضعف والعجز المُطْلَقَينِ الكامنين([1]) في فطرته، ويجعله يدرك كم أن أعباءَ الحياة وتكاليفَ العيش ثقيلةٌ، فيلقي بذلك في رُوعه رغبة جادة للاستراحة وشوقًا خالصًا صادقًا للرحيل إلى ديار أخرى.
رابعها: يوضح سبحانه وتعالى بنور الإيمان للإنسان المؤمن أن الموت ليس إعدامًا بل تبديلَ مكان، وأن القبر ليس فُوَّهَةَ بِئْرٍ ذات ظلمات بل بابًا لعوالم نورانية، وأن الدنيا بكل مباهجها وزينتها هي في حكم زنزانة بالنسبة إلى الآخرة، فلا شك أن الخروج من زنزانة الدنيا إلى بساتين الجنان، والانتقالَ من الحياة الجسمانية المزعجة الصاخبة([2]) إلى عالم الراحة وإلى ميدان طيران الأرواح، والانسلاخَ([3]) من الضجيج المزعج للمخلوقات، والذهابَ إلى حضرة الرحمن سياحةٌ بل سعادة تُطلَب بألف روح.
خامسها: يُفهِّم ويُعلِّم الإنسانَ المنصتَ للقرآن الكريم - بما فيه من علم الحقيقة ونورها - ماهيةَ الدنيا، ويُفهِّمه بذلك أنه لا معنى ولا فائدة من عشق الدنيا والتعلق بها.
أي إنه سبحانه وتعالى يقول للإنسان ويثبت له أن الدنيا كتاب صَمَدَاني، وأن حروفه
[1] )) الكامنين: المستقرين المختفيين.
[2] )) الصاخبة: ذات الأصوات العالية المزعجة.
[3] )) الانسلاخ: الخروج, والتخلص.
ه
97. صفحة
وكلماته لا تدل على نفسها بل تدل على ذات غيرها وصفاتها وأسمائها، وعليه فافهم معناها وخذه، ودَعْ نُقُوشَهَا وامْضِ إلى شأنك.
وكذا فإنها مزرعة فازرعها واحصد محاصيلها وادَّخرها، وانْبذ فضلاتها ولا تهتم بها.
وكذا أنها مجموعة مرايا متعاقبة متتالية تأتي إلى الوجود وترحل باستمرار، وعليه فاعرف من يتجلى عليها وأبصر أنواره، وافهم ما يظهر فيها من تجليات الأسماء وأحبب مسمياتها، واقطع علاقتك عن تلك القطع الزجاجية المحكوم عليها بالتكسر والزوال.
وكذا أنها متجر متنقل، وعليه فتسوَّقْ فيه وارجع، ولا تجرِ ولا تلهثْ بلا فائدة وراء القوافل التي تهرب منك ولا تهتمّ بك، فلا تُتعِب نفسك.
وكذا أنها متنزه مؤقت، وعليه فانظر إليها بنظر العبرة ولا تُحدِّقْ([1]) في وجهه الدميم ظاهرًا، بل حدِّقْ في وجهه الصبوح المستتر الناظر والمتوجه إلى الجميل الباقي، وقم بتنزه لطيف مفيد ثم عد، ولا تبك كطفل أحمق بسبب إطفاء الشاشات التي تَعرض تلك المناظرَ الجميلةَ وتُظهر الجمال، ولا تقلق عليها.
وكذا أنها دار ضيافة، وعليه كُلْ واشرب في دائرة إذن المضيف الكريم الذي أوجدها واشكره، واعمل وتحرك في دائرة قوانينه، ثم اخرج وارحل ولا تنظر خلفك، ولا تتدخل بِهَذَرٍ فضولي، ولا تنشغل عبثًا بأمور تفارقك وليست لك، ولا تغرق متعلقًا بأمورك الفانية العابرة.
وبمثل ذلك من الحقائق الظاهرة؛ يُظهر ويُبَيِّنُ القرآن الكريم أسرارَ الدنيا الْمَخْفِيَّةَ في باطنها، ويخفف إلى درجة كبيرة من آلام فراق الدنيا بل يحببه إلى المتيقظين، ويظهر ويبين أن لرحمته أثرًا في كل شيء، في كلِّ شئونه.
وهكذا؛ فكما أن القرآن الكريم يشير إلى هذه الوجوه الخمسة؛ فالآيات القرآنية تشير إلى وجوه خاصة أخرى كذلك، فويل لمن لا حَظَّ له من هذه الوجوه الخمسة.
[1] )) تحدق: تدقق النظر.
ة.
98. صفحة
المقام الثاني ([1]) من الكلمة السابعة عشرة
دع الصراخ والعويل([2]) من البلية([3]) أيها المسكين، وتعال وتوكل
إذ الصراخ والعويل خطأ وهو بلاء آخر مضمَّن في البلاء الأصلي، فاعلم.
إن وجدتَ من ابتلاك؛ لمست عطاء في الصفاء والهناء المضمَّنين في البلاء، فاعلم
دع الصراخ والعويل واشكر مثل البلابل، تبتسم الورد دوما....... من فرحه
وإن لم تجده فالدنيا كلها جفاء([4]) في فناء في هباء، فاعلم
لِمَ تصرخ من بلاء صغير وعلى رأسك بلاء ملء الدنيا، فتعال توكل
فابتسم في وجه البلاء بالتوكُّل حتى يبتسم؛ فيتصاغر كلما ابتسمت ويتبدل
فاعلم أيها الأناني، أن السعادة في هذه الدنيا هي في ترك الدنيا
إن كنت عبدًا لله فهو حسبك، فكل الأشياء معك حتى ولو تركتَها
وإن كنت أنانيًّا فهلاك، وكل شيء ضدك مهما عملت
إذن فتركها واجب في كلتا الحالتين في هذه الدنيا.
وتركها يعني اعتبارها مِلك الله، في حدود إذنه واسمه.
إن أردت تجارة فهي في تحويل عمرك الفاني هذا إلى باقٍ.
وإن طلبت نفسك فهي واهية([5]) ولا أساس لها.
وإن طلبت الآفاق فَخَتْمُ الفناء عليها.
إذن فكل ما في هذه السوق من بضاعة فاسدة، لا يليق بالشراء.
لذا تخلَّ عنها؛ فالبضاعة الجيدة قد صُفَّّت وراءها.
[1] هذه القطع الواردة في هذا المقام الثاني تشبه الشعر ولكنها ليست شعرًا، ولم يُقصَد نظمها، بل اتخذت صورة النظم من ناحية كمال انتظام الحقائق إلى حدٍّ ما.
[2] العويل: رفع الصوت بالبكاء.
[3] البلية: المصيبة.
[4] جفاء: غلظة وخشونة وسوء خلق.
[5] واهية: ضعيفة خائرة.
99. صفحة
ثمرة التوت الأسود
قد قالها سعيد القديم بلسان سعيد الجديد على رأس شجرة التوت المباركة.
مُخَاطَبِي ليس ضياء باشا، بل المفتونين بأوربا.
المتكلم ليس نفسي، بل قلبي باسم تلميذ القرآن.
الكلمات السابقة حقيقة فلا تتحير أبدًا، فحذارِ أن تتجاوزحدودها
لا تنحرف إلى فكر الإفرنج؛ إنه ضلال، يجعلك نادمًا أبدًا فلا تُعِرْهُ([1]) اهتمامًا.
تَرى من هو أكثر ضياء وعَلَمًا في الذكاء يقول دومًا بسبب تلك الحيرة: آه، ممن وإلى من أشكو؟ فأنا حرت.
القرآن يُنطقني وأنا أقول فلا أتحفظ أبدًا.
فأشكو منه إليه ولا أتحير مثلك.
وأستصرخ من الحق بالحق، ولا أتجاوز مثلك.
أشكو من الأرض إلى السماء، ولا أتهرب مثلك.
ففي القرآن: الدعوة من النور إلى النور دومًا، ولا أنكص([2]) مثلك.
وفي القرآن: الحق والحكمة، أُثبتُهما، ولا تساوي الفلسفةُ عندي فلسًا واحدًا.
وفي الفرقان: ألماس الحقائق، أفديها بروحي ومهجتي، لا أبيعها مثلك.
أسيرُ من الخلق إلى الحق، لا أضل مثلك.
وأطير في الطريق الشائك، ولا أَطَؤُها([3]) مثلك.
وأشكر من الأرض إلى العرش، لا أكفر مثلك.
أَنظُر إلى الموت والأجل كأصدقاء، لا أخاف مثلك.
أَدخل القبر ضاحكا مستبشرًا، لا أُذْعَر مثلك.
[1] )) فلا تُعِرْهُ إهتمامًا: أي لا تبال به، ولا تهتم به.
[2] )) أنكص: أرتدُّ وأرجع.
[3] )) أطؤها: أدوسها بقدمي.
ك.
100. صفحة
لا أرى القبر مثلك فم أفعى وفراش وحشة وبُلعوم عدم.
فهو يوصلني إلى الأحباب، لا أستاء من القبر، ولا أغضب مثلك.
هو باب الرحمة، وباب النور، وباب الحق، لا أتضايق منه ولا أتراجع.
أَطْرُقُ بَابَه([1]) قائلاً: بسم الله، ولا ألتفت إلى ورائي، ولا أندهش.
سأرقد فيه قائلاً: الحمد لله، وأرتاح، لا أعاني ولا أستوحش.
وسأقوم عند سماع أذان الحشر قائلاً: الله أكبر، لا أخاف من المحشر الأكبر([2])، ولا أنسحب من المسجد الأعظم.
لا أحزن أبدًا بفضل لطف الله، ونور القرآن، وفيض الإيمان.
سأجري بلا توقف، وأطير إلى ظل عرش الرحمن، لا أَحَارُ مثلك إن شاء الله.
[1] )) ولا أتهرب قائلاً يا لهفى.
[2] )) أستمع إلى أذان إسرافيل في فجر الحشر، فأقوم قائلاً: الله أكبر، ولا أنسحب من الصلاة الكبرى، ولا أخاف من المجمع الأكبر.
.
101. صفحة
مناجاة خطرت على القلب باللغة الفارسية
هذه المناجاة خطرتْ على القلب هكذا بالبيان الفارسي
وكانت قد أدرجت في رسالة [الحباب] التي طبعت من قبل
يَا رَبْ بَشَشْ جِهَتْ نَظَرْ مِيكَرْدَمْ دَرْدِ خُودْرَا دَْرمَانْ نَمِي دِيدَمْ
يا رب أجلتُ النظر في الجهات الستة بحثًا عن دواء لدائي، معتمدًا على اقتداري واختياري بغفلة وبلا توكل، ولكنني لم أستطع -مع الأسف- أن أجد دواء لدائي،
فقيل لي ضمنيًّا: ألا يكفي أن يكون داؤُك دواءَك؟
دَرْ رَاسْت مِي دِيدَمْ كِه دِي رُوزْ مَزَارِ بَدَرِ مَنَسْتْ
نعم؛ نظرت إلى الزمن الماضي الذي على يميني بغفلة؛ لأجد السلوانَ، إلا أنه تراءى لي الأمسُ وكأنه قبر أبي، والزمنُ الماضي كمقبرةٍ كبرى لأجدادي، فبدلاً من أن يُسَلِّيَنِي أورثَني وحشة([1]).
وَدَرْ جَبْ دِيدَمْ كِه فَرْدَا قَبْرِ مَنَسْتْ
ثم نظرت إلى المستقبل الذي على اليسار فلم أجد الدواء، بل تراءى يومُ الغدِ قبرًا لي، والمستقبلُ مقبرةً كبرى لأمثالي وللجيل الآتي، ولم تورثني الأنسَ بل الوحشة([2]).
وَاِيمرُوزْ تَابُوتِ جِسْمِ بُرْ اِضْطِرَابِ مَنَسْتْ
ولأنه لم يتراءَ خيرٌ في اليسار أيضًا؛ نظرت إلى اليوم الحالي، فرأيت هذا اليوم وكأنه تابوت يحمل جنازة جسمي الذي يتحرك كالمذبوح([3]).
[1] )) إن الإيمان يظهر تلك المقبرة الكبرى الموحشة مجلسًا منورًّا مونسا ومجمعًا للأحباب.
[2] )) إن الإيمان والطمأنينة الإيمانية يُريان تلك المقبرة الكبرى المرعبة ضيافة رحمانية في قصور السعادة المحبوبة.
[3] )) إن الإيمان يري ذلك التابوت متجرًا ودار ضيافة عامرة فاخرة.
ح.
102. صفحة
بَرْ سَرِ عُمُرْ جَنَازَهءِ مَنْ اِيسْتَادَه اَسْتْ
لم أجد دواء في هذه الجهة كذلك، فرفعت رأسي ونظرت إلى أعلى شجرة عمري، فرأيت أن الثمرة الوحيدة لتلك الشجرة هي جنازتي الواقفة المطلة عليّ من فوق تلك الشجرة([1]).
دَرْ قَدَمْ آبِ خَاكِ خِلْقَتِ مَنْ وخَاكِسْتَرِ عِظَامِ مَنَسْتْ
يئست من تلك الجهة كذلك فَطَأْطَأْتُ رأسي([2]) أسفلاً، ونظرت فرأيت أن تراب عظامي قد اختلط في الأسفل تحت الأقدام بتراب مبدأ خلقتي، فلم يكن دواءً بل زاد داءً على دائي([3]).
جُونْ دَرْ بَسْ مِينِكَرَمْ بِينَمْ اِينْ دُنْيَايِ بِي بُنْيَادْ هِيجْ دَرْ هِيجَسْتْ
صرفت نظري عنها كذلك ونظرت ورائي، فرأيت دنيا فانية لا أساس لها تذهب وترحل متدحرجة في وديان العدم وظلماته، فلم تمسح على دائي بمرهمٍ بل زادته سمَّ الوحشة والدهشة([4]).
وَدَرْ بِيشْ اَنْدَازَهِ نَظَرْمِيكُنَمْ دَرِ قَبْرْ كُشَادَه اَسَت وَرَاهِ اَبَدْ بَدُورُ دِرَازْ بَدِيدَارَسْتْ
لأنني لم أر في تلك الجهة كذلك خيرًا؛ أرسلت بصري إلى جهة القدَّام أمامي، فتراءى لي باب القبر على رأس طريقي مفتوحًا، ولاحت من ورائه الجادّةُ([5]) المؤديةُ إلى الأبد، من بُعد([6]).
[1] )) إن الإيمان يُري أن ثمرة تلك الشجرة ليست جنازة بل إنها خروج روحي النائلة الحياة الخالدة والمرشحة للسعادة الأبدية؛ من عُشِّها القديم لتتجول بين النجوم.
[2] )) فطأطأت رأسي: خفضت رأسي ناظرا للأسفل
[3] )) إن الإيمان يُري هذا التراب باب رحمة وستار ساحة الجنة.
[4] )) إن الإيمان يُري الدنيا المتدحرجة في تلك الظلمات أنها مكتوبات صمدانية وصحائف نقوش سبحانية انتهت وظيفتها وأفادت معانيها وتركت نتائجها في عالم الوجود بدلاً من ذاتها.
[5] )) الجادة: الطريق.
[6] )) إن الإيمان لكونه يُظهر باب القبر هذا بابًا لعالم النور والجادةَ هذه طريقَ السعادةِ الأبدية، فهو يصبح دواء لأدوائي ومرهمًا لها.
د.
103. صفحة
مَرَاجُزْ جُزْءِ اِخْتِيَارِي جِيزِي نِيسْت دَرْدَسْتْ
فلم أجد أُنسًا وسلوانًا في تلك الجهات الست، بل أخذتني الدهشة والوحشة، لا أملك تجاهها إلا اختيارًا جزئيًّا حتى أعتمد عليه فأقابلَها به([1]).
كِه اُو جُزْءْ هَمْ عَاجِزْ هَمْ كُوتَاهُ هَمْ كَمْ عَيَارَسْتْ
والحال أن ذلك السلاح الإنساني الذي يُسمَّى بالاختيار الجزئيِّ عاجز وقاصر وناقصٌ ضبطُه، ولا يستطيع الإيجاد، وليس باستطاعته إلا الكسب([2]).
نَه دَرْ مَاضِي مَجَالِ حُلُولْ نَه دَرْ مُسْتَقْبَلْ مَدَارِ نُفُوذَاسْتْ
لا يستطيع الحلولَ في الزمان الماضي، ولا النفوذ إلى المستقبل، ولا فائدة له في آمالي وآلامي المستقبلية([3]).
مَيْدَانِ اُو اِينْ زَمَانِ حَالْ ويَكْ اَنِ سَيَّالَسْتْ
إن ميدان تجوال ذلك الاختيار الجزئي هو هذا الزمن الحالي القصير للغاية سريع الانقضاء.
بَا اِينْ هَمَه فَقْرهَا وضَعْفِهَا قَلَمِ قُدْرَتِ تُو اَشِكَارَه نُوِشْتَه اَسْتْ دَرْ فِطْرَتِ مَا مَيْلِ اَبَدْ واَمَلِ سَرْمَدْ
وهكذا؛ فقد كُتِبَتْ رغبات ممتدة إلى أبد الآباد وآمال متصلة إلى غايات سرمدية على صحيفة فطرتي بقلم القدرة وبصورة واضحة، وأُدْرِجَتْ في ماهيتي وأنا في حالة
[1] )) إن الإيمان يمنح وثيقة للاستناد على قدرة غير متناهية مكان الجزء الاختياري الذي هو في حكم جزء لا يتجزأ، بل الإيمان هو تلك الوثيقة نفسها.
[2] )) إن الإيمان يجعل ذلك الاختيار الجزئي كافيًا تجاه كل شيء باستعماله باسم الله، كقيام جندي بأعمال تفوق قوته الذاتية بآلاف الأضعاف حين استعماله قوته الجزئية باسم الدولة.
[3] )) إن الإيمان يستطيع النفوذ إلى الماضي والحلول في المستقبل؛ لأنه يأخذ زمام الجسم الحيواني ويسلمه للروح والقلب؛ إذ دائرة حياة القلب والروح واسعة.
ة
104. صفحة
تَعِسَةٍ بائسة من جَرَّاء([1])الدهشة والوحشة الناجمتين عن تلك الجهات الست مع شدة احتياجي وضعفي وفقري وعجزي.
مع الدهشة والوحشة الناجمتين عن تلك الجهات الستة.
بَلْكِه هَرِجه هَسْت هَسْتْ
بل كل ما في الدنيا له نماذج في فطرتي، وأنا مرتبط بعلاقة مع كل ما فيها، وأستعمل تلك النماذج من أجل ما في الدنيا، وأعمل من أجلها.
دَائِرَهِ اِحْتِيَاجْ مَانَنْدِ دَائِرَهِ مَدِّ نَظَرْ بُزُرْ كِي دَارَدْ
إن دائرة الاحتياج واسعة وكبيرة كدائرة النظر.
خَيَالْ كُدَامْ رَسَدْ اِحْتِيَاجْ نِيزْ رَسَدْ دَرْدَسْتْ هَرْجه نِيسْتْ دَرْ اِحْتِيَاجْ هَسْتْ
وأينما تذهب دائرة الخيال، فثم دائرة الاحتياج، والحاجة قائمة،
بل كل ما لا يوجد في اليد له احتياج، وما لا يُوجَد في اليد موجود في الاحتياج، وما ليس في اليد لا حد له.
دَائرَهِ اِقْتِدَارْ هَمْجُو دَائرَهِء دَسْتِ كُوتَاهْ كُوتَاهَسْتْ
والحال أن دائرة الاقتدار ضيقة بقدر ضيق دائرة يدي وقِصرها.
بَيسْ فَقْرُ وحَاجَاتِ مَا بَقَدَرِ جَهَانَسْتْ
بمعنى أن فقري واحتياجاتي بقدر الدنيا.
وَسَرْمَائَهِ مَا هَمْ جُو جُزْءِ لاَ يَتَجَزَّى اَسْتْ
وأما رأس مالي فهو شيء جزئي كالجزء الذي لا يتجزأ.
اِينْ جُزْؤْ كُدَامْ وَاِينْ كَائِنَاتِ حَاجَاتْ كُدَامَسْتْ
فأين هذا الاختيار الجزئي الذي لا يساوي فلسًا واحدًا من الحاجة التي هي بقدر الدنيا والتي لا يمكن أن يتُحَصَّل عليها إلا بالمليارات؟
[1] )) من جرّاء: بسبب.
ت؟
105. صفحة
وحتى لا يليق الذهاب به لابتياعها، ولا يمكن به كسبها ؟ إذن لابد من البحث عن حل آخر.
پَسْ دَرْ رَاهِ تُو اَزْ اِينْ جُزْءْ نِيزْ بَازْ مِي كُزَشْتَنْ ﭼارَهِء مَنْ اَسْتْ
إن ذلك الحل هو التمسك بحقيقة التوكل متخلِّيًا عن ذلك الاختيار الجزئي، ومفوِّضًا أمره إلى الإرادة الإلهية، ومتبرّئًا مِن حوله وقوته الذاتية، وملتجئًا إلى حول الله وقوته.
يا رب، مادامت هذه هي وسيلة النجاة؛ فإنني أتخلى في سبيلك عن ذلك الاختيار الجزئي، وأتبرأ من أنانيتي.
تَا عِنَايتِ تُو دَسْتْكِيرِ مَنْ شَودْ رَحْمَتِ بِي نِهَايتِ تُو پَنَاهِ مَنْ اَسْتْ
حتى تأخذ عنايتُك بيدي، رحمةً بعجزي وضعفي، وحتى تكون رحمتك مُسْتَنَدًا لي مشفقةً بفقري واحتياجي، وتفتح لي أبوابها.
اَنْ كَسْ كِه: بِحَرْبِي بِي نِهَايتِ رَحْمَتْ يَافْتَ اسْتْ تَكْيهَ نَه كُنَدْ بَرْاِينْ جُزْءِ اِخْتِيَارِي كِه: يَكْ قَطْرَهءِ سَرَابَسْتْ
نعم، فمن وجد بحر الرحمة غير المتناهي لا يعتمد البتة على اختياره الجزئي الذي بمنْزلة قطرة من سراب، ولا يراجعه تاركًا الرحمة.
اَيْوَاهْ اِينْ زِنْدِ كَانِي هَمْ ﭼو خَابَسْتْ اِينْ عُمْرِ بِي بُنْيَادْ هَمْ ﭼو بَادَسْتْ
وا أسفاه! انخدعنا وظننا هذه الحياة الدنيا ثابتة، وأضعنا بسبب ذلك الظن كل شيء، نعم؛ فالحياة العابرة غفوة([1]) قد مضت كرؤيا عابرة، وهذا العمر الذي لا أساس له ينقضي بسرعة الريح.
اِنْسَانْ بَزَوَالْ دُنْيَا بَفَنَااَسْتْ آمَالْ بِي بَقَاءِ آلاَمْ بَبَقَااَسْتْ
إن الإنسانَ المغرورَ الذي يعتدُّ بنفسه، ويظن أنه أبدي؛ محكومٌ عليه بالزوال ويفنى
[1] غفوة: النوم القصير القليل.
106. صفحة
بسرعة. أما الدنيا التي هي مسكن الإنسان فتسقطُ في ظلمات العدم، وتبقى الآمالُ عقيما وتبقى الآلام في الروح.
بِيَا اَيْ نَفْسِ نَا فَرْجَامْ وُجُودِ فَانِئِ خُودْ رَافِدَاكُنْ خَالِقِ خُودْ رَاكِه اِينْ هَسْتيِ وَدِيعَه هَسْتْ
ما دامت الحقيقة هكذا؛ فتعالي يا نفسي الشقية المشتاقة للحياة بشدة، والطالبة للعمر بقوة، والعاشقة للدنيا بولع، والمبتلاة بآمال وآلام لا حد لها، أَفِيقِي وارجعي إلى رشدك، فكما أن اليراعة([1]) تعتمد على ضوئها الخافت فتبقى في ظلمات الليل غير المحدودة، وكما أن النحلة تجد شمس النهار لعدم اعتمادها على نفسها فتشاهد كل أحبابها - التي هي الأزهار - مزينة بضياء الشمس؛ فأنتِ كذلك إن اعتمدتِ على نفسكِ ووجودكِ وأَنَانِيَّتِكِ تكوني كاليراعة، أما إن ضحَّيتِ بوجودكِ الفاني في سبيل الخالق الذي وهبكِ إياه تكوني كالنحلة فتجدي نور وجود لا حد له، فضحي به لأن ذلك الوجود وديعة وأمانة عندكِ.
وَمُلْكِ اُو وَاوُدَادَه فَنَاكُنْ تَا بَقَايَا بَدْاَزْ اَنْ سِرِّي كِه: نَفْيِ نَفْيْ اِثْبَاتْ اَسْتْ
وكذا فهو مُلكه، وهو الذي وهبه، إذن فأفنيه وضحّي به دون تحرّج ودون منّة([2]) حتى ينال البقاء؛ لأن نفي النفي إثبات؛ أي إن انعدام العدم وجود، وحين يصبح العدم عدمًا فإنه يكون وجودًا.
خُدَايِ پُرْكَرَمْ خُودْ مُلْكِ خُودْرَامِي خَرَدْ اَزْ تُو بَهَايِ بِي كَرَانْ دَادَهَ بَرَايِ تُو نِكَاهْ دَارَسْتْ
يشتري الخالق الكريم مُلْكَه منك، ويعطيك ثمنًا عظيمًا وهو الجنة، وكذا يحفظ لك ذلك الملك خير حفظ، ويرفع قيمته وثمنه، وسيعيده لك كاملاً مكملا وبصورة خالدة؛ إذن يا نفسُ، وزاولي فورًا وبلا توانٍ([3]) هذه التجارة المربحة ربْحًا مركّبًا من خمسة أرباحٍ متداخلةٍ؛ حتى تنجي من خمس خسائر وبذلك تربحين خمسة أرباح دفعة واحدة.
[1] )) اليراعة: حشرة صغيرة ترى بالليل وكأنها تضيء وتنوّر.
[2] )) المنة: الإحسان والإنعام وذكرهما من قبيل إظهار الفضل على الآخر.
[3] )) توانٍ: بطء.
ة.
107. صفحة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَ﴾ (سورة الأنعام: ٦/٧٦)
لقد أبكاني نعي خليل الله إبراهيم - عليه السلام - ﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَ﴾ والمعلن زوال الكون وموته.
فَصَبّتْ عَيْنُ قَلْبِي قَطََرَاتٍ بَاكِيَاتٍ مِنْ شُئُونِ اللهِ
من أجل ذلك بكت عين القلب، وسكبت القطراتِ الباكيةَ، وكما أن عين القلب حزينة باكية, فكل ما سكبته من قطرات حزين مُبكٍ، وهذه القطرات هي الفقرات الفارسية الآتية.
لتفسيرِ كَلامٍ مِنْ حَكيمٍ أي نبيٍ في كَلامِ اللهِ
فأما تلك القطرات فهي نوع من تفسيرِ ما يتضمنُهُ كلامُ اللهِ مِنْ كلامٍ لحكيمٍ ربانيٍّ وهو نبيٌّ رسولٌ.
نَمِي زِيبَا سْت اُفُولْدَه كُمْ شُدَنْ مَحْبُوبْ
المحبوب الذي يغيب بالأفول ليس جميلا؛ لأن المحكوم عليه بالزوال لا يمكن أن يكون جميلاً حقًّا، ولا يُحَبُّ، ولا ينبغي أن يُحَب بالقلب الذي خلق للعشق الأبدي، والذي هو مرآة صمدانية.
نَمِي اَرْزَدْ غُرُوبْدَه غَيْبْ شُدَنْ مَطْلُوبْ
إن مطلوبًا محكومًا عليه بالغياب في الغروب غير جدير بتعلق القلب ولا باهتمام الفكر، ولا يمكنه أن يكون مرجعًا للآمال، وليس أهلاً للتأسف بِالهَمِّ والغم من ورائه، فأنى للقلب أن يحبه بدرجة العبودية وأن يظل متعلقًا به؟!
108. صفحة
نَمِي خَوَاهَمْ فَنَادَه مَحْوْ شُدَنْ مَقْصُودْ
وإن مقصودًا ينمحي في الفناء؛ لا أنشده ولا أطلبه؛ لأنني فانٍ لا أريد فانيًا، ما شأني به؟
نَمِي خَوَانَمْ زَوَالْدَه دَفْنْ شُدَنْ مَعْبُودْ
وإن معبودًا؛ يُدفَن في الزوال؛ لا أدعوه ولا أنشده ولا ألتجئ إليه؛ لأنني في غاية الحاجة والعجز، والعاجز لا يمكنه أن يجد دواء لأدوائي الجسام، ولا يمكنه أن يمسح بالمرهم على جروحي الأبدية، فكيف يكون معبودًا من لم يستطع إنقاذ نفسه من الزوال؟
عَقْلْ فَرْيَادْ مِي دَارَدْ نِدَاءِ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ مِي زَنَدْ رُوحَمْ
أجل؛ فالعقل المفتون بالظاهر يصرخ ويُوَلْوِل([1]) يائسًا لرؤيته زوال الأشياء - الموجودة في الكون المضطرب - والتي يحبّها لحد العبودية، والروح التي تنشد محبوبًا باقيًا تطلق صراخَ وعويلَ: ﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَ﴾.
نَمِي خَواهَمْ نَمِي خَوانَمْ نَمِي تَابَمْ فِرَاقِي
لا أريد المفارقةَ ولا أطلبها، ولا أستطيعها.
نَمِي اَرْذَدْ مَرَاقَه اِينْ زَوَالْ دَرْپَسْ تَلاَقِي
الوصال الذي تشوبه المرارة بما يعقبه من زوال ليس أهلا للتأسف والقلق عليه، وليس جديرًا أبدًا بالاشتياق؛ إذ كما أن زوال اللذة ألم فكذلك حتى تصور زوال اللذة ألم، فدواوين جميع العشاق المجازيين([2]) - أي كتبهم المنظومة في غرامياتهم - هي النحيب والبكاء الناشئان عن ألم تصور الزوال، فلو أنك عصرتَ روحَ ديوانِ كل واحد منهم لَقَطَرَ عويلاً وصراخًا مؤلِمًا.
أَزْ اَنْ دَرْدِي كِرِينِ ﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَ﴾ مِي زَنَدْ قَلْبَمْ
يبكي قلبي من جرّاء الوصال المشوب بالزوال ومن هموم ومصائب المحبات المجازية المؤلمة كبكاء إبراهيم عليه السلام:
﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَ﴾ ويصرخ.
[1] )) يُوَلْوِلُ: يرفع صوته بالبكاء.
[2] )) العشاق المجازيين: يقصد هنا كل معشوق ومحبوب غير الله عزّ وجلّ فهو وحده المحبوب الحقيقي.
.
109. صفحة
دَرْ اِينْ فَانِي بَقَا خَازِي بَقَا خِيزَدْ فَنَادَنْ
إن كنت تريد البقاء في الدنيا الفانية فالبقاء ينشأ عن الفناء. كن فانيًا من جهة النفس الأمارة حتى تنال البقاء.
فَنَا شُدْ هَمْ فِدَاكُنْ هَمْ عَدَمْ بِينْْ كِه اَزْ دُنْيَا بَقَايَا رَاهْ فَنَادَنْ
وتجرد من الأخلاق السيئة التي هي أساس حب الدنيا وعبادتها، وكن فانيًا وضحِّ في سبيل المحبوب الحقيقي بما تملكه من أشياء وأموال، وأبصر عواقب الموجودات الموسومة بالعدم؛ لأن الطريق المؤدي إلى البقاء من هذه الدنيا يمر عبر الفناء.
فِكْرِ فِيزَارْمِي دَارَدْ اَنِينِ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ مِي زَنَدْ وِجْدَانْ
إن الفكر الإنساني الذي يتعمق في الأسباب يتحير ويبكي ويولول يائسًا من زلزلة زوال هذه الدنيا، وإن الضمير الذي ينشد الوجود الحقيقي يتعلق بالموجود الحقيقي والمحبوب السرمدي([1]) قاطعًا علاقته بالمحبوبات المجازية والموجودات الزائلة بأنين كأنين إبراهيم عليه السلام: ﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَ﴾.
بِدَانْ اَيْ نَفْسِ نَادَانَمْ كِه دَرْ هَرْ فَرْد اَزْ فَانِي دُورَاهْ هَسْتْ بَابَاقِي دُو سِرِّجَانْ جَانَانِي
فيا نفسي الجاهلة الغافلة المتجاوزة لحدودها؛ اعلمي كما أن كلاًّ من الدنيا والموجودات فانيةٌ، إلا أنه يمكنك أن تجدي في كل شيء فانٍ سبيلين يوصلان إلى الباقي، ويمكنك أن تري سرّين ولَمْعتين من تجلي جمال المحبوب الذي لا زوال له، والذي هو الحبيب والمحبوب الحقيقي، إن استطعت أن تتجاوزي نفسَكِ والصورةَ الفانية.
كِه دَرْ نِعْمَتْهَا اِنْعَامْ هَسْتْ وپَسْ آثَارْهَا اسْمَا بِكِيرْ مَغْزِي ومِيزْنْ دَرْفَنَا اَنْ قِشْرِ بِي مَعْنَا
نعم؛ يظهر ويتراءى الإنعام في النعمة، ويُحَسُّ ويُشعَرُ بالتفات الرحمن وبلطفه فيها، فإن انتقلتَ من النعمة إلى الإنعام وجدتَ المنعم.
[1] )) السرمدي: الأبدي.
م.
110. صفحة
وكذا فكل أثر صمداني كأنه رسالة تُعرِّفُ بأسماء الصانع ذي الجلال، فإن انتقلت من النقش إلى المعنى وجدت المسمّى بواسطة الأسماء، وبما أنك تستطيع أن تجد أصل ولبّ هذه المصنوعات الفانية؛ إذن فتحصَّلْ على هذا اللب، ويمكنك أن تلقي قشوره وأغلفته التافهة في سيل الفناء دون التَّحَسُّرِ عليها.
بَلِ آثَارْهَا كُويَندْ زَاسْمَا لَفْظِ پُرْ مَعْنَا بِخَانْ مَعْنَا ومِيزنْ دَرْ هَوا اَنْ لَفْظِ بِي سَوْدَا
ما من أثر صنعةٍ في المصنوعات إلا وهو لفظ مجسم ذو معانٍ غزيرة ويُقْرِئُ أسماء كثيرة للصانع ذي الجلال، وبما أن هذه المصنوعات هي ألفاظ، وكلمات قدرةٍ فاقرأ معانيها، وضعْها في قلبك، وارم الألفاظ التي لا معنى لها بلا خوف في رياح الزوال، ثم لا تتبعها نظرك ولا تنشغل بعدها بما هو متعلق بها.
عَقْلْ فَرْيَادْ مِي دَارَدْ غِيَاثِ لا أُحِبّ الآفِلِينَ مِيزَانْ اَيْ نَفْسَمْ
أما العقل الدنيوي المولع بالظواهر، ولا رأس مال له إلا المعلومات الآفاقية، فإنه يبكي ويولول يائسًا من حيرته وخيبته بسبب انجرار سلسلة أفكاره إلى العدم واللاشيء، ويبحث عن طريق مستقيم موصل إلى الحقيقة.
وبما أن الروح نفضت يدها([1]) من الآفلين والزائلين فالقلبُ كذلك قد تخلى عن المحبوبات المجازية، والضمير بدوره أيضًا أشاح وجهه عن الفانين. فيا نفسي البائسة المسكينة، استغيثي أنت كذلك كإبراهيم عليه السلام غياث ﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَ﴾ وتخلصي.
چِه خُوشْ كُويَدْ اُوشَيْدَا جَامِي عِشْقِ خُويْ
انظر ما أجمل ما قاله مولانا جامي العاشق المجذوب - الذي كأن فطرته قد عُجنت بالعشق - من أجل لفتِ الوجوه من الكثرة إلى الوحدة:
[1] )) نفضت يدها من: نأت بنفسها عن...
:
111. صفحة
يَكِي خوَاه يَكِي خَوانْ يَكِي جُويْ يَكِي بِينْ يَكِي دَانْ يَكِي كُويْ ([1])
يكي خواه : أي اطلب الواحد؛ فسواه ليس أهلاً للطلب.
يكي خوان : ادعُ الواحد، فما عداه لا يُمِدّون.
يكي جوي : اطلب الواحد، فغيره لا يليق بذلك.
يكي بين : أبصر الواحد؛ فالآخرون لا يظهرون كل وقت، ويختفون وراء حجب الزوال.
يكي دان : اعرف الواحد؛ فلا فائدة من المعارف التي لا تعينك على معرفتك بالله.
يكي كوي : اذكر الواحد؛ فالكلام الذي لا يعود إليه قد يعد من السفاسف([2]).
نَعَمْ صَدَقْتَ ياَ جَامِي؛ هُوَ المَطْلُوبُ، هُوَ المَحْبُوبُ، هُوَ الَمْقصُودُ، هُوَ المَعْبُودُ.
كِه لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ بَرَابَرْ مِيزَنَدْ عَالَمْ
لأن هذا العالم يقول ﴿لاَۤ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ بكل موجوداته، وبمختلف ألسنته، وبنغماته المتنوعة معا في حلقة الذكر الإلهي الكبرى، ويشهد على الوحدانية، ويمسح بمرهم على الجروح التي نَكَأَتْهَا([3]) ﴿لاَۤ أُحِبُّ الأَۤفِلِينَ﴾ ويدل على محبوب لا يزال بدلاً من محبوبات مجازية قُطِعَتْ علاقتك بها.
[1] )) هذا السطر فقط من كلام مولانا جامي.
[2] )) السفاسف: الصغائر.
[3] )) نكأتها: جرحتها.
ا.
112. صفحة
قبل ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا من الآن - حين قررت ترك الدنيا وأنا على تل يوشع بمضيق البسفور بإستانبول - حضر إليّ عدد من أصدقائى الأعزاء لكي يعيدوني إلى الدنيا، إلى سِيرَتِي الأولى، فقلت لهم: دعوني إلى الغد لأستخير الله، فورد على قلبي هاتان اللوحتان صباحًا، تشبهان الشِّعر وليستا بشِعر، ولم أُجرِ أي تعديل عليهما فيهما من أجل خاطر تلك الخاطرة المباركة، وحافظتُ عليهما كما وردتا، وكانتا قد أُلحقتا بآخر “الكلمة الثالثة والعشرين”، وأدرجتهما هنا لمناسبة المقام.
اللوحة الأولى
لوحة تصور حقيقة دنيا أهل الغفلة
لا تَدْعُني إلى الدنيا.. جئتها فرأيتها فناء.
لما صارت الغفلة حجابًا.. رأيت نور الحق مخفيًا.
فكل الأشياء والموجودات.. رأيت كلا منها فانيًا مضرًا.
إن قلتَ:الوجود.. فقد لبسته.. آه كان عدما عانيت بلاء كثيرًا.
إن قلت: الحياة.. فقد ذقتها.. فقاسيت منها عذابا في عذاب.
صار العقل عين العقاب.. فرأيت البقاء بلاءً.
صار العمر عين الهواء.. فرأيت الكمال عين الهباء.
صار العمل عين الرياء.. فرأيت الأمل عين الألم.
صار الوصال نفس الزوال.. فرأيت الدواء عين الداء.
صارت هذه الأنوار ظلماتٍ.. فرأيت هؤلاء الأحباب أيتامًا.
صارت هذه الأصوات نعيًا.. فرأيت هذه الأحياء أمواتًا.
انقلبت العلوم أوهامًا.. فرأيت في الحِكَم ألف سقم.
صارت اللذة عين الألم.. فرأيت في الوجود ألف عدم.
إن قلت: الحبيب..فقد وجدته.. آه!! كم قاسيت ألَمًا كثيرًا من الفراق.
113. صفحة
اللوحة الثانية
لوحة تشير إلى حقيقة دنيا أهل الهداية والاطمئنان
ولما زالت الغفلة.. رأيت نور الحق عيانًا.
أصبح الوجود برهان الذات.. الحياة مرآة الحق، فأبصر.
أصبح العقل مفتاح الكنز.. الفناء باب البقاء، فأبصر.
انطفأت لمعة الكمال.. إلا أن هناك شمس الجمال، فأبصر.
أصبح الزوال عين الوصال.. والألم عين اللذة، فأبصر.
أصبح العمر نفس العمل.. والأبد عين العمر، فأبصر.
أصبح الظلام ظرف الضياء.. وفي هذا الموت حقُّ حياةٍ، فأبصر.
أصبحت كل الأشياء أنيسة.. وكل الأصوات ذكر، فأبصر.
كل ذرات الموجودات.. كل منها ذاكر مسبح، فأبصر.
وجدت الفقر كنز الغنى.. وفي العجز القوة التام، فأبصر.
فإن كنت وجدتَ الله.. فالأشياء كلها لك، فأبصر.
وإن كنتَ مملوكًا لمالك الملك.. فملكه لك، فأبصر.
وإن كنت مالكًا لنفسك ومغرورًا..فبلاء بلا عدٍّ، فأبصر.
عذاب بلا حدٍّ فذق.. وثقيل للغاية، فأبصر.
وإن كنت عبدًا حقيقيًّا عارفًا بالله.. فصفاء بلا حدود، فأبصر.
ولك ثواب بلا حساب فذق.. وسعادة بلا نهاية، فأبصر.
114. صفحة
قرأتُ قصيدة الأسماء الحسنى للشيخ الجيلاني([1]) قبل خمس وعشرين سنة بعد صلاة العصر في يوم من أيام شهر رمضان، فوجدت رغبة في أن أكتب مناجاة بالأسماء الحسنى، فكتبت بهذا القدر، وكنت أردت أن أكتب نظيرًا للمناجاة المباركة بالأسماء الحسنى لأستاذي الجليل، فهيهات؛ إذ لا استعداد لي في النظم ولم أستطعه فجاءت ناقصة، وهذه المناجاة قد ألحقت برسالة النوافذ التي هي “المكتوب الثالث والثلاثون” من “الكلمة الثالثة والثلاثين”، وأدرجت هنا لمناسبة المقام.
هو الباقي
حَكِيمُ القَضَايَا نَحْنُ فِي قَبْضِ حُكْمِهِ هُوَ الحَكَمُ العدلُ لَهُ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ
عَلِيمُ الخَفَايَا وَالغُيُوبُ فِي مُلْكِهِ هُوَ القَادِرُ القَيُّومُ لَهُ العَرْشُ وَالثَّرَاءُ
لَطِيفُ المَزَايَا وَالنُّقُوشُ فِي صُنْعِهِ هُوَ الفَاطِرُ الوَدُودُ لَهُ الحُسْنُ وَالبَهَاءُ
جَلِيلُ المَرَايَا وَالشُّئونِ فِي خَلْقِهِ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ لَهُ العِزُّ وَالكَبْرِيَاءُ
بَدِيعُ البَرَايَا نَحْنُ مِنْ نَقْشِ صُنْعِهِ هُوَ الدَّائِمُ البَاقِي لَهُ المُلْكُ وَالبَقَاءُ
كَرِيمُ العَطَايَا نَحْنُ مِنْ رَكْبِ ضَيْفِهِ هُوَ الرَّزَّاقُ الكَافِي لَهُ الحَمْدُ وَالثَّنَاءُ
جَمِيلُ الهَدَايَا نَحْنُ مِنْ نَسْجِ عِلْمِهِ هُوَ الخَالِقُ الوَافِي لَهُ الجُودُ وَالعَطَاءُ
سَمِيعُ الشَّكَايَا وَالدُّعَاءِ لخَلْقِهِ هُوَ الرَّاحِمُ الشَّافِي لَهُ الشُّكْرُ وَالثَّنَاءُ
غَفُورُ الخَطَايَا وَالذُّنُوبِ لِعَبْدِهِ هُوَ الغَفّارُ الرَّحِيمُ لَهُ العَفْوُ وَالرِّضَاءُ
يا نفس، ابكي واصرخي مثل قلبي، وقولي: إني فانية، ولا أريد من هو فانٍ، إني عاجزة ولا أريد من هو عاجز، وسلمت روحي للرحمن ولا أريد غيره، أريدُ، ولكن المحبوبَ الباقي أريد، فأنا ذرة ولكن شمسًا سرمدية أريد، أنا لا شيء في لا شيء ولكن كلَّ هذه الموجودات أريد.
[1] ))الشيخ الجيلاني: هوالشيخ الإمام العالم الزاهد العارف القدوة شيخ الإسلام علم الأولياء محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح عبد الله ابن جنكي دوست الجيلي الحنبلي شيخ بغداد مولده بجيلان في سنة إحدى وسبعين وأربع مئة وعاش تسعين سنة وانتقل إلى الله في عاشر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمس مئة وشيعه خلق لا يحصون.
.
115. صفحة
ثمرة سهول بارلا وأشجار الصنوبر والقطران والعرعر والحور الأسود
وهي قطعة من “المكتوب الحادي عشر”، أُدرِجت هنا لمناسبة المقام.
بينما كنت أشاهد أشجار الصنوبر العظيمة والقطران والعرعر، وأتأمل أشكالها المهيبة وأوضاعها العجيبة المحيرة في وقت نفيي فوق قمة الجبل؛ هبَّ نسيم عليل، فحوَّل ذلك المشهد إلى صورةِ جذبة تسبيحاتٍ، وتمايلات رقصٍ رائعة لطيفة ذات أصوات، فتحولت بذلك نشوة المشاهدة إلى نظرة عبرة واستماع حكمة، وإذا بي تخطر على بالي فقرة أحمد الجزري بالكردية: “هَرْ كَسْ بِتَمَاشَاكَهِ حُسنَاتَه زِهَرْ جَايْ تَشْبِيهِ نِكَارَانْ بِجَمَالاَتَه دِنَازِنْ”
فبكى قلبي كالآتي تعبيرًا لمعاني العبرة:
يَا رَبْ هَرْ حَىْ بَتَمَاشَاكَهِ صُنْعِ تُو زِهَرْ جَاىْ بِتَازِى زِنَشِيبْ اَذْ فِرَازِى مَا نَنْدِ دَلاَّلاَنْ بِنِدَاءِ بِآوَازِى دَمْ دَمْ زِجَماَلِ نَقْشِ تُو دَرْ رَقْصُ بَازِى زِ كَمَالِ صُنْعِ تُو خُوشْ خُوشْ بَكَازِى.. زِ شِرِينِى آوَازِ خُودْ هَىْ هَىْ دِنَازِى.. اَزْوَىْ رَقْصَ آمَدْ جَذْبَه خَاذِى.. اَزِينْ آثَارِ رَحْمَتْ يَافْتِ هَرْحَىْ دَرْسِ تَسْبِيحُ نَمَازِى.. اِيستَادَسْتْ هَرْ يَكِى بَرْسَنْكِ بَالاَسَرْفِرَازِى.. دِرَازْكَرْدَسْت دَسْتِهَارَابَدَرْ كَاهِ اِلَهِى هَمْ چُوشَهْبَازِى.. بَجُنْبِيدَسْتْ زُولْفهاَ رَا بِشَوْقَ انْكِيزْ شَهْنَازِى.. بَبَالاَ مِيذَنَنْدْ اَزْ پَرْدَه هَاىِ هاَىُ هُوىِ عِشْقَ بَازِى.. مِيدِهَدْهُوشَه ِكيرِينْهَاىِ دِيرِينْهَاىِ زَوَالِى اَزْ حُبِّ مَجَازِى.. بَرْ سَرِمَحْمُودَهَا نَغْمَهَاىِ حُزْنِ اَنْكِيزْ اَيَازِى.. مُرْدَهَارَا نَغْمَهَاىِ اَزَلِى اَزْحُزْنَ انْكِيزْ نَوَازِى.. رُوحَه مِى اَيَدْ اَزُوزَمْزَمَهءِ نَازُنِيَازِى.. قَلْبِ مِيخَانَدْ اَزِينْ آيَاتَهَا سِرِّ تَوْحِيدْ ذِعُلُوِّ نَظَمِ اِعْجَازِي.. نَفْسِ مِيخَواهَدْ دَرْ اِينْ وَلْوَلَهَا زَلْزَلَهَا ذَوْقِ بَاقِى دَرْ فَنَاىِ دُنْيَا بَازِي.. عَقْلِ مِيبِينَدْ اَزِينْ زَمْزَمَهَا دَمْدَمَهَا نَظْمِ: خِلْقَتِ نَقْشِ حِكْمَتْ كَنْزِ رَازِى.. اَرْزُو مِيدَارَدْ هَوَا اَزِينْ هَمْهَمَهَا هَوْهَوَهَا مَرْكِ خُودْ دَرْ تَرْكِ اَذْوَاقِ مَجَازِى.. حَيَاْل بِينَدْ اَزِينْ اَشْجَارْ مَلاَئِكْ رَا جَسَدْ آمَدْ سَمَاوِى بَاهَزَارَان نَىْ اَزِينْ نَيْهَا شُنِيدَتْ هُوشْ سِتَايِشْهاَىِ ذَاتِ حَىْ.. وَرَقْهَا رَا زَبَانْ دَارَنْدْهَمَه هُو هُو ذِكْرِآرَنْد بَدَرْ مَعْنَاىِ حَىُّ حَىْ چُو لاَ اِلَهَ اِلاَّ هُو بَرَابَرْ مِيذَندْ هَرْشَىْ.. دَمَادَمْ جُوَيَدنْد يَا حَقْ سَرَاسَرْ كُويَدَنْد يَا حَىْ بَرَابَرْ
116. صفحة
بَرَابَرْ مِيذَنَنْدَ اللهْ.. فَيَا حَىُّ يَا قَيُّومُ بِحَقِّ اِسْمِ حَىِّ قَيُّومِ حَيَاتِى دِهْ باَيِنْ قَلْبِ پًرِيشَانْ رَا اِسْتِقَامَتْ دِهْ بَايِنْ عَقْلِ مُشَوَّشْ رَا آمينْ.
معاني الأبيات الفارسية التي كتبت حول ثمرة الصنوبر والقطران والعرعروالحور الأسود بتل تپليجه في سهول بارلا:
هَرْ كَسْ بِتَمَاشَاكَهِ حُسنَاتَه زِهَرْ جَايْ تَشْبِيهِ نِكَارَانْ بِجَمَالاَتَه دِنَازِنْ
خطر على بالي، فبكى أيضًا قلبي هكذا تعبيرًا لمعاني العبرة؛ أي إن الكل قد أتى مسرعًا من كل مكان لمشاهدة حسنك، فهم يتدللون بجمالك.
يَا رَبْ هَرْ حَىْ بَتَمَاشَاكَهِ صُنْعِ تُو زِهَرْ جَاىْ بِتَازِى
يا رب إن كل ذي حياة يشاهدك، يخرجون من كل مكان، وينظرون إلى وجه الأرض التي هي صنعتك.
زِنَشِيبْ اَذْ فِرَازِى مَا نَنْدِ دَلاَّلاَنْ بِنِدَاءِ بِآوَازِى
فيخرجون صائحين كالدلاّلين من أعلى ومن أسفل.
دَمْ دَمْ زِجَماَلِ نَقْشِ تُو ذِهَوَاىِ شَوْقِ تُو دَرْ رَقْصُ بَازِى
يستمتعون بنقش جمالك، فترقص تلك الأشجار التي كالدلاَّل.
زِ كَمَالِ صُنْعِ تُو خُوشْ خُوشْ بَكَازِى([1])
ويفرحون بكمال صنعتك، فَيُصْدِرُونَ أنغامًا جميلة.
زِ شِرِينِى آوَازِ خُودْ هَىْ هَىْ دِنَازِى
كأن حلاوة تلك الأنغام تطربها، فتجعلها تتدلل برقة ولطافة.
اَزْوَىْ رَقْصَه آمَدْ جَذْبَه خَاذِى
فلذلك هبّت هذه الأشجار للرقص تريد الانجذاب.
[1] )) وفي نسخة: زِهَوَاىِ شَوْقِ تُو، أي: حب شوقك.
.
117. صفحة
اَزِينْ آثَارِ رَحْمَتْ يَافْتِ هَرْحَىْ دَرْسِ تَسْبِيحُ نَمَازِى
وبآثار هذه الرحمة الإلهية يتلقى كل ذي حياة درس تسبيح وصلاة خاصًّا به.
اِيستَادَسْتْ هَرْ يَكِى بَرْسَنْكِ بَالَا سَرْفِرَازِى
بعدما تلقت كل شجرة الدرس؛ انتصبت على حجر مرتفع رافعة رأسها صَوْبَ([1]) العرش.
دِرَازْكَرْدَسْت دَسْتِهَارَابَدَرْ كَاهِ اِلَهِى هَمْ چُوشَهْبَازِى
وقد اتخذت كل واحدة منها هيئة عبادة مهيبة، رافعة مئات الأيدي تجاه الحضرة الإلهية مثل شهباز قلندر([2]).
بَجُنْبِيدَسْتْ زُولْفهاَ رَا بِشَوْقَ انْكِيزْ شَهْنَازِى([3])
تُرقِّص أغصانها الرقيقة كخصلات شعر متطايرة فتُذكِّر من يشاهدُونها بأشواقهم اللطيفة وأذواقهم العالية.
بَبَالاَ مِيذَنَنْدْ اَزْ پَرْدَه هَاىِ هاَىُ هُوىِ عِشْقَ بَازِى([4])
وتُخرِج أصواتًا من أنغام العشق وهمومه وكأنها تضرب على أدقّ أوتارها وأشدها حساسية.
مِيدِهَدْهُوشَه ِكيرِينْهَاىِ دِيرِينْهَاىِ زَوَالِى اَزْ حُبِّ مَجَازِى
يخطر على الفكر من هذه الحالة المعنى الآتي:
إن البكاء الناشئ عن ألم زوال الحب المجازي([5]) يُذكِّر بأنين حزين من أعمق الأعماق.
[1] )) صوب: تجاه.
[2] )) شهباز قلندر: هو بطل مشهور التجأ إلى الحضرة الإلهية بإرشاد الشيخ الجيلاني
فارتقى مرتبة الولاية.
[3] )) شهناز جلكزي: حسناء مشهورة في العالم بضفائرها الأربعين.
[4] )) في نسخة أخرى: [زهواى شوق تو ببالا ميذنند از بر دهاى هاى هوى هوى جرخ بازي مردهارانغمهاى ازلى از حزن انكيزنوازى] فهذه تشير إلى شجرة العرعر في المقبرة.
[5] )) المحبوبات المجازية: يقصد كل المحبوبات دون الله عزّ وجلّ فهو وحده المحبوب الحقيقي.
118. صفحة
بَرْ سَرِمَحْمُودَهَا نَغْمَهَاىِ حُزْنِ اَنْكِيزْ اَيَازِى
يصدرون نغمات كنغمات محبوباتهم الحزينة على رأس كل العشاق الذين فارقوا محبوباتهم فكلهم في العشق السلطان محمود.
مُرْدَهَارَا نَغْمَهَاىِ اَزَلِى اَزْحُزْنَ انْكِيزْ نَوَازِى
يبدو أن لها وظيفةً كأنها يُسمِعون الموتى - الذين انقطعوا عن سماع أصداء وكلمات دنيوية - نغمات أزلية وأصداء شجية.
رُوحَه مِى اَيَدْ اَزُوزَمْزَمَهءِ نَازُنِيَازِى
وأما الروح فقد فهمت من هذا المشهد أن ما يصل إلينا من أصوات فكلها همهمات تضرع ودعاء الأشياء، تنبعث من مقابلتها تجليات أسماء الصانع ذي الجلال بالتسبيحات.
قَلْبِ مِيخَوانَدْ اَزِينْ آيَاتْهَا سِرِّ تَوْحِيدْ ذِعُلُوِّ نَظَمِ اِعْجَازِى
وأما القلب فيقرأ سر التوحيد من رقي نظم هذا الإعجاز المشهود على هذه الأشجار التي كل منها بِمَنْزلة آية مجسمة؛ أي: في خلقتها انتظام وصنعة وحكمة بحيث لو اُفتُرِضَ أن أسباب الكون كلَّها فاعلٌ مختارٌ واجتمعت؛ فإنها لا تقدر على تقليدها.
نَفْسِ مِيخَواهَدْ دَرْ اِينْ وَلْوَلَهَا زَلْزَلَهَا ذَوْقِ بَاقِى دَرْ فَنَاىِ دُنْيَا بَازِى
وأما النفس؛ فكلما شاهدت هذه الحالة رأت كأن وجه الأرض كله يتدحرج في زلزلة فراق مليئة بالويلات والصرخات، وبحثت عن متعة باقية فتلقت هذا المعنى: إنكِ ستجدينه في ترك عبادة الدنيا.
عَقْلِ مِيبِينَدْ اَزِينْ زَمْزَمَهَا دَمْدَمَهَا نَظْمِ خِلْقَتِ نَقْشِ حِكْمَتْ كَنْزِ رَازِى
وأما العقل فإنه يجد انتظامَ خلقة ونقشَ حكمة وخزينةَ أسرار مليئة كلُّها بمعانٍ غزيرة من زَمْزَمَاتِ الحيوانات وحَفِيف الأشجار والنباتات وأزيز الهواء، ويفهم أن الأشياء كلها تُسبِّح الصانع ذالجلال بأوجه كثيرة.
119. صفحة
اَرْزُو مِيدَارَدْ هَوَا اَزِينْ هَمْهَمَهَا هَوْهَوَهَا مَرْكِ خُودْ دَرْ تَرْكِ اَذْوَاقِ مَجَازِى
وأما هوى النفس فإنه يتلذذ بِهَمْهَمَةِ الهواء وحفيف الأوراق تلذذًا ينسيه كل المُتَعِ المجازية، وبذلك يريد هوى النفس هذا أن يموت في تمتّع الحقيقة بتركه التمتّع المجازي الذي هو حياته.
خَيَاْل بِينَدْ اَزِينْ اَشْجَارْ مَلَائِكْ رَا جَسَدْ آمَدْ سَمَاوِى بَاهَزَارَانْ نَىْ
أما الخيال فيرى كأن الملائكة الموكلة بهذه الأشجار قد حلّت فيها وتلبستْ تلك الأشجارَ التي قد عُلِّق على كل فرع منها كثيرٌ من النايات، وكأن السلطان السرمدي قد ألبسها إياها في استعراض مهيب - بأصوات آلاف النايات، فليست هذه الأشجار كأجسام جامدة بلا شعور، ولكنها تظهر أوضاعًا ذات شعور ومعنى عاليين.
اَزِينْ نَيْهَا شُنِيدَتْ هُوشْ سِتَايِشْهاَىِ ذَاتِ حَىْ
وهكذا فإن أصوات تلك النايات صافيةٌ ومؤثرةٌ وكأنها تصدر عن موسيقى سماوية علوية، والفكر لا يسمع شكاوى الفراق الأليمة من تلك النايات والتي يسمعها كل العاشقين - وعلى رأسهم مولانا جلال الدين الرومي - بل هو يسمع الشكر الرحماني والحمد الرباني اللذين يُقدَّمان للحي القيوم.
وَرَقْهَا رَا زَبَانْ دَارَنْد هَمَه هُو هُو ذِكْرِآرَنْد بَدَرْ مَعْنَاىِ حَىُّ حَىَّ
فمادامت الأشجار أصبحت أجسادًا فالأوراق كذلك أصبحت ألسنةً؛ أي: كل من الأشجار تردد ذِكْرَ (هُو!) (هُو!) بآلاف ألسنتها عند مس الهواء لها، وتعلن بتحيات حياتها([1]) أن الصانع هو الحي القيوم.
چُو لاَ اِلَهَ اِلاَّ هُو بَرَابَرْ مِيذَنَدْ هَرْشَىْ
لأن كل الأشياء تعمل وتذكر معًا في حلقة ذكر الكون العظيمة قائلةً:
“لا إله إلا هو”.
[1] )) تحيات حياتها: المراد هنا خروجها من الأرض حية.
”.
120. صفحة
دَمَادَمْ جُويَدَنْدْ يَا حَقْ سَرَاسَرْ كُويَدَنْد يَا حَىْ بَرَابَرْ مِيذَنَنْد اَللهْ
وتسأل اللهَ تعالى دومًا بلسان الاستعداد حقوقَ حياتها من خزائن الرحمة قائلةً: يا حق، فكلهم من أولهم إلى آخرهم يذكرون أيضًا اسم الحي بلسان الحياة الظاهرة عليهم.
فَيَا حَىُّ يَا قَيُّومُ بِحَقِّ اِسْمِ حَىِّ قَيُّومِ حَيَاتِى دِهْ باَيِنْ قَلْبِ پُرِيشَانْ رَا..
اِسْتِقَامَتْ دِهْ بَايِنْ عَقِلْ مُشَوَّشْ رَا آمينْ..
كنت قد نظرت ذات يوم إلى وجه السماء في الليل، وأنا في موقع مرتفع على جبل “جام” فى بارلا، وإذ بالفقرات الآتية خطرت على بالي، كُتِبَتْ وكأنني استمعت - خيالاً - لمحاورات النجوم بلسان الحال، ولم تدخل تحت قواعد الشعر لكوني لا أعرف النظم والشعر فقد كُتِبَت كما خطرت.
وقد اقتُبِست من “المكتوب الرابع” ومن آخر “الموقف الأول للكلمة الثانية والثلاثين”.
121. صفحة
فقرة تستنطق النجوم
استمع إلى النجوم، إلى خطبتها اللطيفة، وانظر كيف أن الحكمة قد نظَمت تلك النجوم المنوَّرةَ.
بدأن ينطقن جميعًا بلسان الحق فيقلن: كل واحدة منَّا برهان نير لعظمة سلطنة القدير ذي الجلال.
وشاهد على وجود الصانع وعلى الوحدة والقدرة.
ونحن للسماء آلاف العيون المدقِّقة الناظرة إلى الأرض([1]) والمدققة في الجنة،
لتشاهد الملائكةُ المعجزاتِ اللطيفة المزيِّنةِ لوجهِ هذه الأرض.
نحن ثمراتٌ في غاية الجمال من طوبى الخلقةِ، معلَّقةٌ بِيَدِ حكمةٍ لجميلٍ ذي جلالٍ على شِقِّ السماوات وعلى أغصان درب التبّانة.
نحن طائرات لأهل السماوات، ومساجد سيارة، ومساكن دوَّارة، وبيوت عالية، ومصابيح نيِّرة وسفن جبارة.
ونحن عوالم نور لقدير ذي كمال، وحكيم ذي جلال، ومعجزةُ قدرةٍ، وخارقةُ صنعةٍ تليق بالخالق، ونادرةُ حكمةٍ، وإبداع خِلقة.
هكذا نُظهر مائة ألف برهان بمائة ألف لسان، ونُسمِعُ الإنسان الذي هو إنسان حقًا.
عَمِيَت عين الملحد أصبح لا يرى وجهنا، ولا يسمع كلامنا، فنحن آيات ناطقة بالحق.
سِكَّتنا واحدة، وطرَّتُنا واحدة، مسخَّرات لربنا مسبِّحات، نذكره بعبودية، ونحن مجذوبات منسوبات إلى حلقة درب التبانة الكبرى.
هكذا استمعتُ إلى ما تقوله خيالاً.
[1] )) يعني: كما أن الملائكة الموجودة في عالم السماوات تشاهد معجزات القدرة وخوارقها على وجه الأرض الذي هو مشتل ومزرعة صغيرة لأزهار الجنة إذ هي عُرِضت عليها، كذلك فالنجوم التي بمنزلة عيون للأجرام السماوية كأنها هي الأخرى تنظر - كما تنظر الملائكة - إلى عالم الجنة كلما رأت وشاهدت المصنوعات اللطيفة على وجه الأرض، فتنظر تارة إلى الأرض وتارة إلى الجنة، وكأنها تشاهد تلك الخوارق المؤقتة في صورة باقية في الجنة، وهذا يعني أن لها إشرافًا على كلا العالَمَين.
جدول المحتويات
جدول المحتويات


