الكلمة السابعة والعشرون
التنقل
223. صفحة
ثانيها: لا مجال للاجتهاد في ضروريات الدين؛ لأنها قطعية ومعينة، وهذه الضروريات التي هي في حكم القُوتِ والغذاء قد تعرضت للتَّرْكِ في هذا الزمان فهي في تزلزل، بينما كان ينبغي أن تُصرَف كلُّ الهمم والجهود لإقامة تلك الضروريات للدين وإحيائها، فإن تَرْكَها والقيامَ باجتهادات جديدة حسب الأهواء والرغبات خيانةٌ مبتدعةٌ، زد على ذلك أن أفكار السلف النابعة من اجتهاداتهم الخالصة الصافية لا تضيق بحاجات كل الأزمنة في الجوانب النظرية للإسلام.
ثالثها: إنه كما تكون الأمتعةُ مرغوبًا فيها حسب المواسم والفصول في السوق، وكما تكون البضائع رائجةً من وقت لآخر؛ كذلك فإنه يكون متاعٌ ما رائجًا ومرغوبًا فيه في كل عصر في معرض العالم، وفي سوق المجتمع الإنساني والحضارة البشرية، ومعروضًا في ذلك السوق، وتُجلب إليه الرغبات، وتتوجه إليه الأنظار وتنجذب إليه الأفكار، كرواج متاع السياسة وتأمين الحياة الدنيوية والفلسفة في هذا الزمان مثلاً.
بينما كان أكثر ما يُرغب فيه من متاع في عصر السلف الصالح وفي سوق ذلك الزمان؛ استنباط مَرْضيَّاتِ خالق السماوات والأرض وما يطلبه منّا من كلامه، ونيل وسائل تُكسِب السعادةَ الأبدية في عالم الآخرة الذي فُتِح بنور النبوة والقرآن الكريم فتحًا لا يمكن إغلاقه.
فلكون الأذهان والقلوب والأرواح - في ذلك الزمان - متوجهة بكل قواها إلى فهم مرضيات ربّ السماوات والأرض، فإن حوارات المجتمع البشري وأحاديثه وحوادثه وأحواله كانت تتوجه إلى ذلك الفهم، ولكونها جاريةً وفق ذلك؛ فإن من كان له استعدادٌ حسَنٌ؛ فقلبُه وفطرتُه يتلقيان من دون شعور درسَ معرفةٍ من كل شيء، ويتعلم ويستفيد من تلك الحوارات والحوادث والأحوال التي كانت تجري وتقع في ذلك الزمان، وكأن كلّ شيء يقوم بدور المعلم ويلقّن فطرتَه واستعدادَه استعدادًا مُهيَّأً للاجتهاد، بل كان ذلك الدرس الفطري ينور ذلك الشخص إلى درجة يكاد ن تكون له قابلية للاجتهاد بلا كسب، ويتنوّر بلا نار.
224. صفحة
وإذا بدأ الاجتهادَ شخصٌ ذو استعداد تلقّى درسًا فطريًّا كهذا؛ يكون استعداده الشبيه بالكبريت مَظهرًا لسرِّ “نور على نور”، ويصبح مجتهدًا في أسرع وقت وأقصره.
أما في هذا العصر فقد تَشَتّتَت الأفكارُ والقلوبُ، وانقسمتِ الهممُ والعنايةُ، واستوحشتِ الأذهانُ من المعنويات بتحكُّم الحضارة الأروبية، وبتسلط الفلسفة الطبيعية، وتزايُد تكاليفِ الحياة الدنيوية؛ فلأجل هذا لو وُجد في هذا الزمان من هو في ذكاء مجتهدٍ كسفيان بن عيينة([1]) الذي حفظ القرآن الكريم، وجالس العلماء وناظرهم وهو ابن أربع سنين، لاحْتاجَ إلى عشرة أضعاف ما احتاجه سفيانُ من زمن للاجتهاد، فإن كان قد حصل سفيان على الاجتهاد في عشر سنوات، فهذا الرجل يحتاج إلى مائة سنة كي يحصل عليه، لأن ابتداء التعلم الفطري لسفيان يبدأ من سن التمييز، ويتهيأ استعداده شيئًا فشيئًا، ويتنوّر ويتلقى من كل شيء درسًا، ويكون - استعداده - شبيهًا بالكبريت، أما نظيره في هذا الزمن فإن ذهنَه قد غرق في الفلسفة، وغاص عقلُه في السياسة، وتَحيَّر قلبُه في الحياة الدنيوية، وابتعد استعداده عن الاجتهاد الشرعي وعن قابلية ذلك الاجتهاد بمقدار توغله في العلوم الحديثة، وقصر عن استقبال الاجتهاد بمقدار تَفَنُّنِه في العلوم الأرضية، فمن أجل ذلك لا يستطيع أن يقول: أنا كذلك ذَكِيٌّ مثل سفيان بن عيينة، فَلِمَ لا أستطيع أن أبلغ شأوَه؟([2]) بل لا يحقُّ له أن يقول ذلك، ولا يستطيع أن يبلغ درجته.
رابعها: وكما أن للجسم ميل التوسع للنشوء والنموِّ، فميل التوسع هذا تَكَمُّل للبدن والجسم لأنه من الداخل، وأما إذا كان هناك ميل للتوسيع من الخارج فهو تمزيق لجلد الجسم، وتخريب له وليس توسيعًا.
كذلك فإن وُجِدَ ميلُ التوسع وإرادةُ الاجتهاد لدى الداخلين في حظيرة الإسلام كـ(السلف الصالح) من باب التقوى الكاملة، وعن طريق امتثال الضروريات الدينية؛ فهو كمال وتكمل، وإلا فميل التوسع وإرادة الاجتهاد الصادر عن الذين تركوا الضروريات
[1] هو أبو محمد سفيان بن عُيَيْنَة الهلالي،كان عالما وزاهدا عابدا علمه مشهور وزهده معمور، من علماء الحديث، سمع زياد بن علاقة والزهري والكبار، مات في رجب سنة ١٩٨هـ.
[2] شَأْوَه: شأنَه.
ل
225. صفحة
وآثروا الحياة الدنيوية على الحياة الأخروية، وتلوثوا بالفلسفة المادية، فهو تخريب للجسم الإسلامي ووسيلة لخَلْعِ رِبْقَةِ الإسلام([1]) من الرِّقاب.
خامسها: هناك ثلاثُ وجهات نظر تجعل اجتهادات هذا الزمان أرضية وتخرجها عن كونها سماوية، والحال أن الشريعة سماوية، وأن الاجتهادات الشرعية كذلك سماوية؛ لما تظهره من أحكامها المستورة.
أولاها: إنّ حِكْمةَ حُكمٍ شيءٌ وعِلَّتَه شيءٌ آخر، أما الحكمة والمصلحة فهما سببان للترجيح، ولَيْسَا مدارًا للإيجاد، وأما العلة فهي مدار لوجوده، فمثلاً: تُقصَر الصلاةُ في السفر وتُصلَّى ركعتين، فعِلّة هذه الرخصة الشرعية السفر، أما حكمتها فهي المشقة، فإذا وُجِدَ السفر تُقصَر الصلاة حتى لو لَمْ توجد المشقة أصلاً؛ لأن العلّة موجودة، ولكن إن لم يوجد السفر - وإن كانت هناك مائة مشقة - فلا تكون علة لقصر الصلاة.
أما نظرُ هذا الزمان فيقيمُ المصلحة والحكمة مكانَ العلة؛ فيحكم وفْقَه مخالفًا لهذه الحقيقة.
ولا شك أن مثل هذا الاجتهاد أرضي وليس سماويًّا.
ثانيتها: إن نظر هذا الزمان يتوجه وينظر أولاً وبالذات إلى السعادة الدنيوية، ويوجه الأحكام نحوها، بينما نظرُ الشريعة ينظر ويتوجه أولاً وبالذات إلى السعادة الأخروية، وهو ينظر نظرةً ثانويةً إلى سعادة الدنيا من حيث إنها وسيلةٌ للآخرة؛ إذن فنظر هذا الزمان غريبٌ عن روح الشريعة، لذلك فهو لن يستطيعَ أن يقومَ بالاجتهاد باسم الشريعة.
ثالثتها: إن قاعدةَ [الضروراتُ تبيحُ المحظوراتِ] ليست قاعدةً كليةً، فالضرورات تجعل الحرامَ حلالاً إن لم تكن عن طريق الحرام، وإلا فإن كانت بسوء الاختيار وبأسباب غير مشروعة فلا يمكن أن تجعل الحرامَ حلالاً، ولا تكون مدارًا لأحكام الرُخَص، ولا تشكِّل عذرًا لها.
فمثلاً إن أسْكَرَ أحدٌ نفسه بسوء اختياره وبطريقة غير مشروعة، فتصرفاته لدى علماء الشرع حجةٌ عليه، ولا يُعدُّ معذورًا، فإن طلَّق زوجتَه فطلاقه واقعٌ، وإن قام
[1] رِبْقَةِ الإسلام: الربقة: حبل ذو عرى، أو حلقة لربط الدواب، والمراد هنا أن يتحرّر من الإسلام ولا يتقيّد به.
.
226. صفحة
بجريمةٍ يحاسَب عليها، ولكنه إن لم يكن بسوء اختياره فلا يقع الطلاق ولا يحاسب على جُرمِه.
وليس لِمُدمِن الخمر - مثلاً - أن يقول - وإن كان مبتلًى بها إلى درجة الضرورة- : إنها ضرورةٌ وحَلال عليّ.
فهكذا في هذا الزمن أمورٌ كثيرة اتخذتْ صورةَ الضرورة، وجعلت الناس مُبْتَلَينَ بها، وأخذت شكل البلوى العامة، لا يمكنها أن تكون مدارًا لأحكام الرخص ولا مدارًا يجعل الحرامَ حلالاً؛ لأنها نجمتْ([1]) عن سوء الاختيار ورغباتٍ غير مشروعة، ومعاملاتٍ محرمةٍ.
والحال أن أهل اجتهاد هذا الزمان؛ ولأنهم جعلوا هذه الضروراتِ مدارًا للأحكام الشرعية، فاجتهاداتهم أرضية وتابعة لرغباتهم ومشوبة([2]) بالفلسفة، ولا يمكنها أن تكون سماوية، وليست شرعية؛ إذ التصرفُ في الأحكام الإلهية لخالق السماوات والأرض، والتدخلُ في عبادات عباده؛ إن كان بدون إذنٍ معنوي لذلك الخالق؛ فهذا التصرف وذلك التدخل مردودان.
فمثلاً: يَستَحسِنُ بعضُ الغافلين تجريدَ بعضِ الشعائر الإسلامية كخطبة الجمعة مثلاً من اللغة العربية وتحويلها إلى اللغة المحلية لكل قوم، لسببين:
أولهما: لكي تُفهَّم السياسةُ الراهنةُ لعوامِّ المسلمين بهذه الصورة، مع أنه قد دخل السياسةَ الراهنةَ أكاذيب وحيل وشيطنة كثيرة؛ بحيث إنها أصبحت كالوساوس الشيطانية، ولأن المنبر مقام لتبليغ الوحي الإلهي؛ فلا يحقّ للوساوس السياسية أن ترتقي إلى ذلك المقام العالي.
والسبب الثاني: إن الخطبة لتفهيم نصائح بعض السور القرآنية.
أجل؛ إن كانت أغلبية الأمة الإسلامية تمتثل الضرورياتِ الإسلاميةَ ومُسَلَّمَاتِها وأحكامَها المعروفةَ، وتُطبِّقها؛ فلربما كان يُستحسنُ عندئذٍ إلقاءُ الخطبة باللغة التي
[1] نَجَمَت: نتجت ونشأت.
[2] مشوبة: مخلوطة بـ، وممزوجة.
َ
227. صفحة
يعرفونها، ويُستحسنُ ترجمةُ سور القرآن الكريم - لو كان ذلك ممكنًا([1]) - حتى يفهموا النظرياتِ الشرعيةَ والمسائلَ الدقيقة، والنصائح الخفية. ولكن الأحكام القطعية المعلومة للإسلام كوجوب الصلاة والزكاة والصيام وحُرمَة القتل والزنا والخمر ظلت مهملة، فعوامُّ الناس ليسوا محتاجين إلى تلقِّي الدرس حَوْلَ وجوبها وحرمتها، وإنما محتاجون إلى التذكير بتلك الأحكام عن طريق الترغيب والتنبيه، ومحتاجون إلى الترغيب والتذكير والتنبيه لامتثالها بتحريك عرق الإسلام وشعور الإيمان فيهم.
والحال أنه مَهْمَا بلغ جهلُ الرجل العامي فإنه يَفهمُ من القرآن الكريم والخطبة العربية معانيَ إجماليةً؛ بحيث يقول:
إن الخطيب والقارئ للقرآن يُنبِّه إلى أركان الإيمان، وأعمدة الإسلام المعروفة لديَّ ولدى كلّ شخص، ويُعلّمنا إيَّاها ويقرؤها.
فيحصل في قلبه رغبةٌ وشوقٌ تجاهها.
فيا عجبًا! أي تعبير في هذا الكون يمكنه أن يناظر التنبيهاتِ والتذكيراتِ والترغيباتِ المعجزةَ والمفهِّمة للقرآن الحكيم المُنزَل من العرش الأعظم.
سادسها: إن المجتهدين العظام من السلف الصالح لقُربِهم من عصر الصحابة وهو عصرُ النور وعصرُ الحقيقة؛ يستطيعون أن يقتبسوا منهم نورًا صافيًا وأن يقوموا باجتهاد خالص.
أما أهل اجتهاد هذا الزمان فينظرون إلى كتاب الحقيقة من مسافة بعيدة، ومن وراء حجب كثيرة؛ بحيث يستطيعون رؤيةَ أوضحِ حرفٍ منه بصعوبة.
فإن قلت: إن الصحابة بشر، ولا يَخْلُونَ من الخطأ والسهو، مع أن مدار الاجتهادات والأحكام الشرعية هو عدالة الصحابة وصدقهم، حتى إن الأمة اتفقتْ على أنهم عُدُولٌ وصادقون في أقوالهم.
[1] لقد أثبتت وأظهرت “الكلمة الخامسة والعشرون” المتعلقةُ بالإعجاز القرآني أن الترجمة الحقيقية للقرآن ليست ممكنةً.
v
228. صفحة
فالجواب: أجل؛ إن الصحابة بأكثريتهم المطلقة عاشقون للحق ومشتاقون للصدق، وناشدون للعدل؛ لأنه قد تبين واتضحَ قبحُ الكذب بكل مساوئه، وحُسن الصدق بكل جماله في ذلك العصر، بدرجة أصبح البَوْنُ شاسعًا بينهما كالبعد بين العرش والفرش، وظهر فَرْقٌ بينهما كالفَرْقِ بين دركةِ مسيلمة الكذاب الذي هو في أسفل السافلين، وبين درجة صدق النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو في أعلى عليين.
أجل؛ فكما أن الذي أهوى بمسيلمة إلى أسفل السافلين هو الكذبُ، فالذي رفع محمدًا الأمينَ - صلى الله عليه وسلم- إلى أعلى عليين هو الصدقُ والاستقامةُ.
لذا فإن عدم مَدِّ الصحابةِ - الذين كانوا يحملون المشاعرَ الساميةَ، والذين كانوا يَتُوقُون إلى محاسن الأخلاق، واستناروا بضياء صحبة شمس النبوة -باختيارهم أيديهم إلى الكذب القبيح للغاية، والمسبِّب للسقوط، والموجود في دكان مزخرفات مسيلمة الملِيءِ بالسخرية، وتحفُّظَهم من الكذب الذي هو صنو الكفر كتَحَفُّظِهم من الكفر، ونشدانَهم الصدقَ والاستقامةَ والحقَّ - تلك الصفات الجميلة التي هي مدارُ الفخر والمباهاة، ومعراجُ الصعودِ والترقِّي، والتي توجد في الخزينة السامية لفخر الرسالة بصورة أكثر رواجًا، والتي تنوِّر بجمالها الناصعِ المجتمعَ البشري- نقول لا شك أن طلبَهم وموافقتَهم وعشقَهم لذلك الصدقِ والاستقامةِ والحقِ - وُسع طاقتهم - قطعيٌّ وضروريٌّ، ولا سيما في روايةِ وتبليغِ الأحكام الشرعية.
أما الآن فالمسافة بين الكذب والصدق قد ضاقتْ، وقرُبَتْ إلى حدٍ كبير،كأنهما تَحَاذَيا، وبات الانتقال من الصدق إلى الكذب سهلاً للغاية، حتى أصبح الكذب يُرجَّحُ على الصدق بواسطة الدعاياتِ السياسيةِ.
فإذا عُرِضَ وبِيعَ أقبحُ شيء مع أجمل الأشياء وأحسنِها في حانوت واحد وبثمن واحد؛ فلا شك أنه لا تُشتَرَى لؤلؤةُ الصدقِ والحقِّ المؤديةُ إلى جوهر الحقيقة السامية للغاية؛ بالاعتماد على معرفة ذلك الحانوتي وكلامه دون فحص وتمحيص.
229. صفحة
الخاتمة
تتبدلُ الشرائع وتختلفُ حسب العصور، بل قد يأتي في عصر واحد أنبياء مختلفون وشرائعُ مختلفةٌ حسب الأقوام، بل قد أتَوْا.
أما بعدَ خاتَمِ الأنبياء فلم يبقَ احتياجٌ إلى شرائعَ مختلفةٍ، لأن شريعته الكبرى كافيةٌ لكل قومٍ في كل عصر، إلا أنه قد بقي احتياج - إلى حد ما - للمذاهب المختلفةِ في الفروع.
أجل؛ وكما أن الملابس تتبدل بتبدل الفصول والمواسم، وتتبدل الأدوية بحسب حاجة المرضى؛ فكذلك الشرائع تتبدل وتختلف بحسب العصور، وتتحول الأحكامُ حسب استعداد الأُمَم والأقوام؛ لأن الأقسام الفرعية للأحكام الشرعية تتعلق بالأحوال البشرية، وتأتي منسجمة معها، وتكون علاجًا لها.
أما في زمان الأنبياء السالفين - ولأن الطبقات البشرية كانت متباعدة جدًّا وسجاياها غليظة وشديدة إلى حد ما، وكانت أقرب إلى البدائية والبدوية من حيث الأفكار - فقد جاءت الشرائعُ مختلفةً ومتفاوتةً في تلك الأزمنة وموافقةً ومنسجمةً لأحوالهم، حتى قد وُجد أنبياءُ متعددونَ، وشرائعُ مختلفةٌ في منطقة واحدة وفي عصر واحد.
ثم كأن الناس قد ارتقَوْا بمجيء نبي آخِرِ الزمان من الدرجة الابتدائية إلى الدرجة الإعدادية، ولأن البشرية قد وصلت إلى مستوى تستطيع أن تتلقى فيه درسًا واحدًا وتُنصِتَ([1]) إلى أستاذٍ واحدٍ وتعمل وفق شريعة واحدة بسبب تحولات واختلاطات كثيرة؛ فلم يعُدْ يَبقى احتياج إلى شرائعَ مختلفةٍ، ولم يعُدْ هناك حاجة لمعلِّمين متعددين.
ولكنه قد تعددت المذاهب؛ لأن البشرية لم تكن في درجة واحدة تمامًا ولم تَسِرْ على نمطٍ واحد في حياتها الاجتماعية.
فلو لبست الأكثرية المطلقة للبشرية نمط حياة اجتماعية كطلاب المدارس العليا ووصلوا إلى مستوى واحد؛ لتوحّدت حينئذ المذاهب، إلا أن هذا الحال للعالم لم يسمح بذلك؛ لذا فالمذاهب لم تكن موحدة.
[1] تُنصِت: تُحسن الاستماع.
.
230. صفحة
فإن قلتَ: إنّ الحق واحد، فكيف يمكن أن تكون الأحكام المختلفة للمذاهب الأربعة بل الاثني عشر حقًّا؟
الجواب:
فكما أن الماء يأخذ أحكامًا خمسة حسب حالات خمسة مرضى مختلفين كالآتي: الماء علاج لأحدهم حسب حالته فهو واجبٌ عليه طِبِّيًّا، وهو لمريض ثانٍ مضرٌّ لمَرَضِه كالسُمِّ فهو حرامٌ عليه طِبِّيًّا، وهو يضُرُّ مريضًا ثالثًا قليلاً فهو مكروهٌ له طِبِّيًّا، وهو نافعٌ لمريض رابع بلا ضررٍ فهو يُسَنُّ له طِبِّيًّا، وهو لا نفعَ فيه ولا ضررَ لمريض خامس فليَشْرَبْهُ بالعافية فهو يباحُ له طِبِّيًّا.
فالحقّ هنا قد تعدد؛ إذ الخمسة كلها حقٌّ، فلا يمكنك أن تقول: إن الماء علاج فقط، وواجب فحسب، ولا حكم آخر له.
وهكذا كما في هذا الإيضاح؛ فإن الأحكام الإلهية تتغير حسب تغير تابعِي المذاهب بدافع الحكمة الإلهية، وتتغير على أنها حقٌّ، وكل منها حقٌّ ومصلحةٌ.
فمثلاً: اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون أكثر الذين يتبعون الإمام الشافعي أقربَ إلى الحياة القروية والبدوية مقارنةً بالأحناف، ولأنهم بعيدون عن الحياة الاجتماعية التي تجعل الجماعةَ كجسد واحد؛ فكل فرد منهم يقرأ الفاتحةَ خلفَ الإمام لكي يبثَّ([1]) شكواه أمام قاضي الحاجات، ولكي يسأل طلبه الخاص، وهذا هو عين الحق وحكمة محضة.
وأما الذين يتبعون الإمام الأعظم - ونظرًا لالتزام أكثر الحكومات الإسلامية ذلك المذهبَ - فهم بأكثريتهم المطلقة أقرب إلى حياة المدينة والمدَنِيَّة، ومستعدون للحياة الاجتماعية؛ لذا تصبح الجماعة كشخص واحد، فينطق الفرد الواحد باسم العامة، والكل يصدقونه قلبًا ويرتبطون به، فقوله يكون في حكم قول الجميع؛ لذا لا تُقرأ الفاتحة حسب المذهب الحنفي خلف الإمام وعدم قراءتها عين الحق وحكمة محضة.
[1] يبثُّ شكواه: يلقيها ويظهرها.
ه
231. صفحة
ومثلاً: لما كانت الشريعة تضع حواجز وحدودا أمام تجاوزات الطبائع فتقوّمها وبذلك تربّي النفس الأمّارة بالسوء؛ فإنه في المذهب الشافعي - الذي أكثر أتباعه قرويون ونصف بدويين ومشتغلون بالعمالة - يُنقض الوضوءُ بمس المرأة، وقليل النجاسة يضرّ، وأما المذهب الحنفي - الذي يدخل أتباعه في الحياة المدنية، وعلى الأقل منهم أنصاف مدنيين - فمس المرأة فيه لا ينقض الوضوء، وفيه أيضًا رخصة أن قدر درهم من النجاسة لا يضر.
ولنأخذ فلاحًا وموظفًا بعين الاعتبار، فالفلاّح - حسب نمط معيشته - معرَّض للاختلاط والتماس بالنساء الأجنبيات، ولمسهن والجلوس معهن حول موقد واحد، والولوج([1]) في الأماكن الملوثة، وقد تجد طبيعته ونفسه الأمارة الميدان خاليًا باعتبار مهنته ومعيشته فتتجاوز حدودها؛ لذلك فإن الشريعة لكي تضع حاجزًا أمام تجاوزاته تلك؛ تلقي في أذنه المعنوية صدىً سماويًّا فتقول: إن الوضوء ينقض فلا تلمس، وستَبطُل صلاتك فلا تقترب.
أما ذلك السيد الموظف - بشرط أن يكون عفيفًا - فهو حسب عاداته الاجتماعية وباسم الأخلاق العامة ليس عرضة لِلَمْسِ النساء الأجنبيات، ولا يدخل في الأماكن الملوثة كثيرا حسب النظافة المدنية، ولأجل ذلك فإن الشريعة لم تشدد ولم تصرّ عليه - دون عزيمة - حسب المذهب الحنفي بل أظهرت له جانب الرخصة، وخففت عنه حيث تقول: إن لمست يدُك فلا ينقض وضوءك، وكذلك لا ضرر إن لم تستنج بالماء استحياء من الجمع، فهناك رخصة بقدر درهم من النجاسة؛ فتخلصه بهذا من الوسوسة.
فهكذا إليك مثالين كقطرتين من البحر فقس عليهما، وإن استطعت أن تزن موازين الشريعة بموازين “ميزان” الشعراني([2]) على هذا المنوال فزنها.
[1] الولوج: الدخول.
[2] الإمام الشعراني: هو فقيه مشهور (٨٩٩-٩٧٣ هـ) له مؤلفات حول المسائل التي اتفقت واختلفت حولها المذاهب الأربعة، وله كتاب مشهور اسمه الميزان الكبرى.
.
232. صفحة
سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَۤا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ
اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَنْ تَمَثَّلَتْ فِيهِ أَنْوَارُ مَحَبَّتِكَ لِجَمَالِ صِفَاتِكَ وَأَسْمَائِكَ بِكَوْنِهِ مِرْآةً جَامِعَةً لِتَجَلِّيَاتِ أَسْمَائِكَ الْحُسْنَى، وَمَنْ تَمَرْكَزَتْ فِيهِ شُعَاعَاتُ مَحَبَّتِكَ لِصَنْعَتِكَ فِي مَصْنُوعَاتِكَ بِكَوْنِهِ أَكْمَلَ وَ أَبْدَعَ مَصْنُوعَاتِكَ وَصَيْرُورَتِهِ أَنْمُوذَجَ كَمَالِ صَنْعَتِكَ وَفَهْرَسْت مَحَاسِنِ نُقُوشِكَ، وَمَنْ تَظَاهَرَتْ فِيهِ لَطَائِفُ مَحَبَّتِكَ وَرَغْبَتِكَ لاسْتِحْسَانِ صَنْعَتِكَ بِكَوْنِهِ أَعْلَى دَلاَّليِ مَحَاسِنِ صَنْعَتِكَ وَأَرْفَعَ الْمُسْتَحْسِنِينَ صَوْتًا فِي إِعْلاَنِ حُسْنِ نُقُوشِكَ، وَأَبْدَعَهُمْ نَعْتًا لِكَمَالِ صَنْعَتِكَ، وَمَنْ تَجَمَّعَ فِيهِ أَقْسَامُ مَحَبَّتِكَ وَاسْتِحْسَانِكَ لِمَحَاسِنِ أَخْلاَقِ مَخْلُوقَاتِكَ وَلَطَائِفِ أَوْصَافِ مَصْنُوعَاتِكَ بِكَوْنِهِ جَامِعاً لِمَحَاسِنِ الأَخْلاَقِ كَافَّةً بِإِحْسَانِكَ وَلِلَطَائِفِ الأَوْصَافِ قَاطِبَةً بِفَضْلِكَ، وَمَنْ صَارَ مِصْدَاقًا وَمِقْيَاسًا لِجَمِيعِ مَنْ ذَكَرْتَ فِي فُرْقَانِكَ أِنَّكَ تُحِبُّهُمْ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وَالصَّابِرِينَ وَالْمُؤْمنِيِنَ وَالْمُتَّقِينَ وَالتَّوَّابِينَ وَالأوَّابِينَ، وَجَمِيعِ الأَصْنَافِ الَّذِينَ أَحْبَبْتَهُمْ وَشَرَّفْتَهُمْ بِمَحَبَّتِكَ فِي فُرْقَانِكَ حَتَّى صَارَ إِمَامَ الْحَبِيبِينَ لَكَ وَسَيِّدَ الْمَحْبُوبِينَ لَكَ وَرَئِيسَ أَوْلِيَائِكَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ أَجْمَعِينَ، آمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
233. صفحة
ذيل
الكلمة السابعة والعشرين
حول الصحابة
أقول كما قال مولانا جامي:([1])
يا رسول الله چه باشد چون اصحاب كهف
داخل جنت شوم در زمرهء اصحاب تو
او رود در جنت من در جهنم كي رواست
اوسك اصحاب كهف من سك تو
[1] مولانا جامي : هو الشيخ العارف بالله عبدالرحمن بن أحمد الجامي
(٨١٧- ٨٩٨ هـ) ولد رحمه الله بجام من قصبة خراسان، واشتغل أولا بالعلم الشريف وصار من أفاضل عصره في العلم ثم صحب مشايخ الصوفية، وألف ما يقرب من مائة كتاب.
ا
234. صفحة
باسمه سبحانه
﴿وإِنْ مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾
(سورة الإسراء ١٧/٤٤)
حول الصحابة
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّۤاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَۤاءُ بَيْنَهُمْ...﴾ إلى آخر الآية. (سورة الفتح: ٤٨/٢٩)
إنكم تسألون عن روايات وردت تفيد بأنه عند رواج البدع يمكن أن يكون قسم من الصلحاء من أهل الإيمان والتقوى في درجة الصحابة أو أفضل منهم، فهل هذه الروايات صحيحة؟ وما هي حقيقتها إن كانت صحيحة؟
الجواب: إن إجماع أهل السنة والجماعة على أن أفضل البشر بعد الأنبياء هم الصحابة حجة قاطعة؛ بحيث إن القسم الصحيح من تلك الروايات يخص الفضائل الجزئية، لأنه يمكن أن يترجح المرجوح على الراجح في الفضائل الجزئية وفي الكمال الخاص، وإلا فإنه لا يمكن الوصول من حيث الفضيلة الكلية إلى الصحابة الذين حَظَوْا بالوصف الرباني المادح في أواخر سورة الفتح والذين نالوا مدح وثناء التوراة والإنجيل والقرآن، وسنبين هنا ثلاث حِكَمٍ تتضمن ثلاثة أسباب من الأسباب والحكم الكثيرة للغاية لهذه الحقيقة.
الحكمة الأولى:
إن الصحبة النبوية لهي إكسير([1])؛ بحيث إنّ من ينالها في دقيقة ينال أنوار حقيقة معادلة لأنوار سنوات من السير والسلوك؛ إذ في الصحبة انصباغ وانعكاس، ومعلوم أنه بالانعكاس والتبعية ومع النور الأعظم للنبوة؛ يمكن لمن حظي بالصحبة أن يسمو ويرتقي إلى مرتبة عظمى.
[1] إكسير: مادة مركبة كان الأقدمون يعتقدون أنها تحول المعدن الرخيص إلى ذهب.
ى.
235. صفحة
فكما أنّ خادما لسلطان ما يسمو بالتبعية إليه إلى موقع لا يستطيع أن يصل إليه أي مَلِكٍ، فمن ذلك السرّ لا يستطيع أعظم الأولياء أن يبلغ درجة الصحابة، حتى إن من حظي كثيرا بالصحبة النبوية - يقظةً - من الأولياء -كجلال الدين السيوطي- وإن التقوا بالرسول الأكرم يقظة، وتشرفوا بصحبته في هذا العالم لا يستطيعون كذلك أن يبلغوا درجة الصحابة؛ إذ إن صحبة الصحابة كانت بنور النبوة الأحمدية أي كانوا يحادثونه وهو نبي، أما رؤية الأولياء الرسولَ الأكرم - صلى الله عليه وسلم - فهي صحبة بنور الولاية الأحمدية بعد وفاته، إذن فتمثل الرسول الأكرم - صلى الله عليه وسلم - لنظرهم وظهوره هو عن طريق الولاية الأحمدية وليس باعتبار النبوة، وما دام الأمر هكذا، فينبغي أن تتفاوت كلتا الصحبتين بقدر سمو درجة النبوة على درجة الولاية.
ويُفهم كيف أن الصحبة النبوية إكسير نوراني بما يلي:
إن رجلاً بدويًّا مع ما له من قسوة وحشية تجعله يئد ابنته([1])؛ يأتي ويتشرف بالصحبة النبوية ساعة فيكتسب شفقة رحيمة تجعله لا يطأ النملة بقدمه من بعد.
وكذا إن رجلاً آخر جاهلاً وحشيًّا يحظى بالصحبة النبوية يومًا فينطلق ويذهب إلى بلاد كالصين والهند فيصبح معلم الحقائق، ومرشد الكمالات لأقوام متحضرة.
السبب الثاني:
وهو - كما بُين وأُثبت في مبحث الاجتهاد الذي في “الكلمة السابعة والعشرين” - أن الصحابة بأكثريتهم المطلقة هم في أعلى درجات كمالات الإنسانية؛ لأن الخير والحق في ذلك الزمان وذلك الانقلاب الإسلامي العظيم قد شوهدا بكل جمالهما، وشوهد الشر والباطل بكل قبحهما وأُحسّ بهما مادةً. وكانت المسافة بين الخير والشر وبين الصدق والكذب قد انفرجت بدرجة كبيرة وابتعدت كبعد المسافة بين الإيمان والكفر بل كمسافة ما بين الجنة والنار.
[1] يئد ابنته: يدفنها وهي حية.
ق
236. صفحة
ولا شك أن الصحابة الذين جُبِلت فطرتهم على المشاعر السامية وكانوا تواقين([1]) لمعالي الأخلاق ومتطلعين إلى العزة والمباهاة؛ لم يمدوا أيديهم إلى الكذب والشر ولم يسقطوا باختيارهم وإرادتهم في دَرَك([2]) مسيلمة الكذاب ذي الكلمات الرديئة السخيفة والذي هو مثال الكذب والشر والباطل والدال عليه والداعي إليه.
وإن السعي بكل قوتهم وهمتهم نحو حبيب الله - صلى الله عليه وسلم - الداعي إلى الصدق والخير والحق ونموذجه ومثاله، متطلعين إلى مقامه الذي في كمالات أعلى العليين؛ لهو من مقتضى سجاياهم([3]).
فمثلاً: لا يشتري المرء أحيانًا بعض الأشياء التي تُعْرَض في سوق المدنية البشرية ودكان الحياة الاجتماعية الإنسانية؛ لما تولده من نتائج وآثار سيئة، بل ينفر ويفر منها بكل قوته كأنها سم قاتل.
وبعض الأشياء والأمتعة المعنوية تجذب نظرَ الجميع إليها لما لها من نتائج حسنة وآثار قيمة كما يجذب العلاج الناجع([4]) والدرر الثمينة الأنظار، فيحاول أن يشتريها كل فرد ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ كذلك فإن موادا كالكذب والشر والكفر في سوق الحياة الاجتماعية الإنسانية في عصر السعادة تولّد نتائج كالشقاوة الأبدية وسخفاء سفلة كمسيلمة الكذاب([5])، فمن البديهي أن يتجنب الصحابة الذين هم عشاق السجايا والمعالي العالية تلك المواد تَجَنُّبَهُمْ السمّ القاتل وأن ينفروا منها.
وإن موادًا كالصدق والحق والإيمان التي تنتج السعادة الأبدية وثمارا نورانية كالرسول الأكرم - صلى الله عليه وسلم- من الضروري أن يشتاق إليها الصحابة الذين صفت فطرتهم وسمت سجاياهم بكل قوتهم وحسياتهم ولطائفهم، وأن يكونوا زبائن لها يشترونها كشرائهم العلاج الناجع والألماس الثمين الغالي.
[1] تواقين: متطلعين ومشتاقين
[2] الدرك: جمع دركة، وهي المنزلة السفلى، عكس الدرجة.
[3] سجاياهم: طبائعهم وأخلاقهم.
[4] العلاج الناجع: العلاج الفعّال المفيد النافع.
[5] مسيلمة الكذاب: شخص ادعى النبوّة والتف حوله أناس كثيرون بعدما ارتدّوا عن الإسلام.
م
237. صفحة
والحال أنه بعد ذلك العصر، وبمرور الزمن، ضاقت المسافة التي بين الصدق والكذب تدريجيًّا فأصبحا متقاربين جنبًا إلى جنب، وصارا يباعان معًا في دكان واحد وفسدت الأخلاق الاجتماعية، وأدت الدعايات السياسية إلى ترويج الكذب كثيرًا، فمَن الذي يتجرأ ويدّعي أنه يستطيع أن يصل إلى قوة الصحابة وصمودهم وتقواهم من حيث العدالة والصدق والسمو والحقانية، أو يدعي أنه يفوق درجاتهم في مثل هذا الوقت الذي اختفى فيه قبح الكذب المذهل، وأخذ جمال الصدق الباهر في التلاشي؟!
وسأذكر حالة مرت عليّ تُلقي الضوء على المسألة الآنفة إلى حد ما، وهي أنه خطر على قلبي ذات مرة: لماذا لا يستطيع أن يصل أشخاص أفذاذ كمحيي الدين بن عربي إلى مرتبة الصحابة؟ ثم انكشف لي معنى كلمة [سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى] في أثناء قولي لها في الصلاة - ليس معناها الكامل، ولكن اتضح شيءٌ من حقيقتها - فقلت في قلبي: فلو وُفِّقتُ لصلاة واحدة كتوفيقي لهذه الكلمة لكانت أفضل من عبادة سنة كاملة، فأدركت بعد تلك الصلاة أن تلك الخاطرة وتلك الحال هي إرشاد إلى أنه لا يمكن الوصول إلى درجة الصحابة في العبادة.
أجل؛ تفرقت وابتعدت الأضداد بعضها عن بعض في ذلك الانقلاب الاجتماعي العظيم الذي حصل بأنوار القرآن الحكيم، وتواجهت الشرور بكل توابعها وظلماتها وتفرعاتها مع الخيرات والكمالات بكلّ أنوارها ونتائجها وأصبحت المشاعر مثارة.
في مثل هذا الوسط كان يفيد كلُّ ذِكر وتسبيح معانيه بكل طبقاتها طريةً نديةً وطازجةً وغضةً([1])، ويوقظ كل حسيات الناس الذين كانوا تحت تأثير ضجة ذلك الانقلاب العظيم، ويوقظ كذلك لطائفهم المعنوية حتى كانت الحواسُّ - كالوهم والخيال والسر - ترتشف([2]) وتمصّ متيقظةً متنبهةً - حسب تذوقاتها الخاصة - المعانِيَ المتعددة لذلك الذِكر ولتلك التسبيحات.
[1] غضة: طرية.
[2] ترتشف: تمص بشفتيها.
ٍ.
238. صفحة
وبناءً على هذه الحكمة؛ فالصحابة المتيقظةُ كل حسياتهم والمتنبهةُ كل لطائفهم حينما يذكرون الكلمات المباركة الجامعة للأنوار الإيمانية والتسبيحية فإنهم كانوا يذكرونها بكل معاني الكلمة، ويأخذون حظهم منها بجميع لطائفهم، لكن اللطائف بدأت تنغمس([1]) في النوم وأخذت الحواس تغفل عن تلك الحقائق شيئًا فشيئًا كلما مر الزمن بعد ذلك الانفلاق والانقلاب العظيم؛ ففقدت تلك الكلمات المباركة - بمرور الزمن - لطافتها وطرواتها بستار الأُلفة كفقد الثمار لطافتها وطرواتها، فبقيت نداوة وطرواة قليلة وكأنها تجف بهواء السطحية حيث لا يمكن أن تعاد إلى حالتها الأولى إلا بعد عمليةٍ تفكرية قوية؛ ولذلك فالفضيلة والمقام اللذان اكتسبهما صحابي في أربعين دقيقة لا يمكن أن يبلغهما غيره إلا في أربعين يومًا بل حتى في أربعين سنة.
السبب الثالث: وكما أثبت في “الكلمة الثانية عشرة” و“الكلمة الرابعة والعشرين” و“الكلمة الخامسة والعشرين” أن قياس النبوة بالولاية هو كقياس الشمس الحقيقية عينها بصورتها المثالية التي تشاهد في المرايا، فبقدر سمو دائرة النبوة على دائرة الولاية، يلزم تفوق الصحابة الذين هم خدام دائرة النبوة ونجوم تلك الشمس على الصالحين الذين هم في دائرة الولاية، وبهذا فلو اكتسب وليٌّ درجة وراثة النبوة والصديقية التي هي الولاية الكبرى - وهي ولاية الصحابة - فإنه لم يَصِل أيضًا إلى مقام الصحابة الذين هم الصف الأول.
ونبين ثلاثة أوجه من الوجوه المتعددة لهذا السبب الثالث:
الوجه الأول: لا يمكن اللِّحاقُ بالصحابة في الاجتهاد؛ أَيْ في استنباط الأحكام؛ أي في فهم مرضيات الحق تعالى في كلامه؛ لأن محور الانقلاب الإلهي العظيم في ذلك الزمان كان يدور حول فهم المرضيات الربانية والأحكام الإلهية، وكل الأذهان كانت متوجهة إلى استنباط الأحكام، وكانت القلوب كلها تتساءل متلهفة: ما هو مراد ربنا مِنَّا؟ وكانت تجري أحوال الزمان بنمط وأسلوب يوحي ويُشعِر بتلك الحالة، وكانت المحاورات تدور متضمنة تلك المعاني.
[1] تنغمس: تغرق.
قد
239. صفحة
ولأن كلّ شيء وكلّ حال وكلّ محاورة وكلّ مؤانسة وحكاية كانت تجري على نمط وشكل يدرّس كل تلك المعاني إلى حد ما، وتكمّل استعداد الصحابة وتنوّر أفكارهم، ولأن استعدادهم في الاجتهاد والاستنباط كان كاستعداد الكبريت للاشتعال والتنَوُّر؛ فإن ما اكتسبوه من مرتبة استنباط واجتهاد في يوم أو في شهر واحد، لا يستطيع رجل في درجة ذكائهم واستعدادهم أن يكتسبه في عشر سنوات بل حتى في مائة سنة في هذا الزمان؛ لأن مدار النظر الآن هو السعادة الدنيوية بدلاً من السعادة الأبدية، فأنظار البشر متوجهة إلى مقاصد أخرى.
ولأن هموم المعيشة مع عدم التوكل تورث الروح حيرة، ولأن سخافة الفلسفةِ الطبيعيةِ والماديةِ تُعمِي العقلَ، فالمحيط الاجتماعي للبشر لايُنَمِّي ذهنَ ذلك الشخص واستعدادَه من حيث الاجتهاد بل يُشَتِّتُه ويبدِّده.
وقد أثبتنا في المقارنة التي عقدناها بين سفيان بن عيينة ومن هو في درجة ذكائه في مبحث الاجتهاد من “الكلمة السابعة والعشرين”: أن ما اكتسبه سفيان في عشر سنوات لا يستطيع أن يكتسبه الآخر في مائة سنة.
الوجه الثاني: لا يمكن بِخُطى الولاية إدراكُ مقام الصحابة ولحاقُه من حيث القُرْبِيَّة الإلهية؛ لأن الحق تعالى أقرب إلينا منا، وأقرب إلينا من كل شيء، أما نحن فبعيدون عنه كل البعد، ويكون اكتساب قربيته على صورتين:
إحداهما: بانكشاف الأقربية([1])؛ إذ القربية([2]) الموجودة في النبوة تتوجه إليها، والصحابة قد نالوا ذلك السرَّ عن طريق وراثة النبوة وصحبتها.
الصورة الثانية: التشرف بالقربية - إلى حدٍّ مَا - بقطع المراتب من حيث بعديتنا، حيث إن أكثر سير وسلوك الولاية والسير الآفاقي يجري حسبها وعلى صورتها.
فالصورة الأولى وهبية بحتة وليست كسبية، وهي انجذاب وجذب رحماني ومرتبةُ محبوبيةٍ، والطريق فيها قصير ومع ذلك ممهّد ومعبّد وعالٍ وسامٍ وخالصٌ للغاية ولا غيوم فيه.
[1] الأقربية: قرب الله سبحانه وتعالى من العبد.
[2] القربية: محاولة قربِ العبد من الله سبحانه وتعالى.
240. صفحة
أما الأخرى فكسبية وطويلة وغائمة، ولا تستطيع أن تَبلُغَ درجةَ الصورةِ الأولى من حيث القيمة والقربية وإن كانت خوارقها وعجائبها كثيرة.
فمثلاً وكما أن هناك طريقين لِلرجوع إلى الأمسِ ونحن في اليوم:
أولهما: رؤية يوم الأمس حاضرًا كهذا اليوم بالصعود فوق الزمان بقوة قدسية بالتجرد من جريان الزمان.
وثانيهما: قطع مسافة سنة كاملة والعودة في النهاية إلى الأمس؛ إلا أنه لا يستطيع الإنسان أن يمسك به إذ يتركه ويمضي.
كذلك النفوذ من الظاهر إلى الحقيقة على صورتين:
إحداهما: وجدان الحقيقة في الظاهر عَينِه بالانجذاب إليها مباشرة دون الولوج([1]) في برزخ([2]) الطريقة.
ثانيتهما: قطع مراتب كثيرة بالسير والسلوك.
ومع أن أهل الولاية يوفقون إلى إفناء النفس الأمارة وقتلها؛ فإنهم لا يستطيعون أن يبلغوا درجة الصحابة، لأن نفوس الصحابة قد زُكِّيَتْ وطُهِّرَت؛ لذا فإنهم حظوا أكثر من غيرهم بأنواع العبودية وأقسام الشكر والحمد عن طريق الأجهزة الكثيرة الكامنة في ماهية النفس، بينما عبودية الأولياء تَكتسب بساطة بعد فناء النفس.
الوجه الثالث: لا يمكن إدراك الصحابة ولحاقهم من حيث فضائل الأعمال وثواب الأفعال والأجر الأخروي، فكما أن جنديًّا يمكنه أن يكتسب ثواب عبادة سنة كاملة خلال ساعة واحدة بمرابطةٍ في موقع مهمٍّ وخطر ضمن بعض الشروط، ويرتقي في دقيقة واحدة - بإصابة طلقة واحدة - إلى مقام مثل درجة الولاية وهو مقام لا يمكن اكتسابه إلا في أربعين يومًا على أقل التقدير، كذلك فإن خدمات الصحابة في تأسيس دعائم الإسلام ونشر أحكام القرآن الكريم، وتحديهم العالم وإعلانهم الحرب عليه
[1] الولوج: الدخول.
[2] برزخ: معبر وممر.
دَ
241. صفحة
أجمع من أجل الإسلام لهي عمل عظيم فلو اجتهد غيرهم سنة كاملة لما استطاعوا أن يبلغوا درجة ما قاموا به من عمل في دقيقة واحدة؛ حتى يمكن القول: إن كل دقائق عمرهم في تلك الخدمة المقدسة هي مثل دقيقة ذلك الجندي الشهيد، وإن ساعاتهم كلها هي بِمنْزلة ساعة جندي فدائي يرابط في موقع مخيف خطير، حيث العملُ قليل وأجرته كثيرة وقيمته عظيمة رفيعة.
أجل؛ بما أن الصحابة يُشكِّلون الصفَّ الأول في تأسيس بناء الإسلام وفي نشر الأنوار القرآنية؛ فلهم إذن حظ من حسنات جميع الأمة حسب قاعدة: [السبب كالفاعل]، وترديد الأمة: [اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ] يبين أن للصحابة حظًّا من حسنات جميع أمته.
كذا، وكما أن خاصية صغيرة في جذور شجرة تتخذ صورة كبيرة في فروعها وأغصانها وتصبح أكبر من غصن كبير، وكما أن ارتفاعًا ضئيلاً في مبدئه يشكل شيئًا فشيئًا ارتفاعًا كبيرًا في النهاية، وكما أن زيادةً بالقرب من نقطة المركز بقدر رأس الإبرة تقابل في بعض الأحيان مِتْرًا كاملاً في منتهى دائرة المحيط، كذلك - وكما في تلك الأمثلة الأربعة - فعمل الصحابة القليلُ كثيرٌ وخدمتهم البسيطة عظيمة؛ لأنهم كانوا من جذور الشجرة النورانية للإسلام وأصولها، وكانوا في مبدأ الخطوط النورانية لبناء الإسلام، وكانوا من أئمة الأمة الإسلامية وأوائلها، وكانوا قريبين من مركز شمس النبوة وسراج الحقيقة؛ لذا لابد أن يكون المرء صحابيًّا حقيقيًّا كي يلحق بهم.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ الذِّي قَالَ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهم اقتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ»
و“خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي” وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ
سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَۤا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ
242. صفحة
سؤال: يقال: إن الصحابة رَأَوْا الرسول الأكرم - صلى الله عليه وسلم - ثم آمنوا، أما نحن فآمنَّا دون أن نراه، إذن فإيماننا أقوى، وهناك رواية تدل على قوة إيماننا.
الجواب: إن الصحابة عند معارضة أفكار العالم العامة للحقائق الإسلامية في ذلك الزمان آمنوا بمجرد رؤية الرسول الأكرم - صلى الله عليه وسلم - على صورته البشرية، وأحيانًا دون معجزة؛ إيمانًا لم تكن الأفكار العامة للعالم لتستطيع أن تزلزله، ولا أن تلقي الوسوسةَ في قلوب بعضهم ناهيك عن الشبهة.
أما أنتم فتقارنون إيمانكم بإيمان الصحابة، مع أن الأفكار الإسلامية العامة قوة وسند لإيمانكم، ومع أنكم رأيتم الرسول الأكرم - صلى الله عليه وسلم - لا بصورته البشرية الجسمانية التي هي بذرة شجرة طوبَى نُبُوَّتِه، بل رأيتم بعين العقل أنوار الإسلام العامة والحقائق القرآنية وشخصيته المعنوية النورانية العظيمة الرائعة محاطة بآلاف المعجزات؛ فأين إيمانكم الذي يقع في وسوسة وشبهة بكلام فيلسوف أوربِّي من إيمان الصحابة الذي لم يتزلزل ولم يتزعزع أمام هجمات جميع عالم الكفر والنصارى واليهود والفلاسفة أجمعين؟
ويا أيها المدعي؛ أين إيمانك الواهي، الذي لا يُظهر الفرائض منك كاملة لشدة ضعفه؟ أين هذا الإيمان من شدة تقوى الصحابة وكمال صلاحهم الذي يدل على قوة إيمانهم والذي هو ترشحات له؟!
أما ما ورد في الحديث من رواية ما معناه [الذي يؤمن بي دون أن يراني في آخر الزمان فهو أفضل إيمانًا] فيعود إلى الفضائل الخاصة وهو في حق بعض الأشخاص الخاصين، أما بحثنا فهو من حيث الفضائل الكلية والأكثرية.
السؤال الثاني: يقولون: إن أهل الولاية وأصحاب الكمالات قد تركوا الدنيا، حتى إنه جاء في الحديث [حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ] بينما الصحابة توغلوا في الدنيا كثيرًا، وليس عدم ترك الدنيا فحسب؛ بل إن بعض الصحابة قد تجاوز أهلَ حضارة ذلك الزمن كثيرًا، فكيف تقولون إن أدْنىَ صحابي من هؤلاء له منزلةُ أكبرِ وَلِيٍّ من أولياء الله الصالحين؟
243. صفحة
الجواب: قد أُثبت إثباتًا قاطعًا في الموقف الثاني والثالث من “الكلمة الثانية والثلاثين” أن حبَّ وجهِ الدنيا المتوجهِ إلى الآخرة ووجهها الناظر إلى الأسماء الإلهية ليس سببًا في النقصان، بل هو مدار للكمال، وكلما ازداد المرء حبًّا في ذينك الوجهين ازداد من معرفة الله وعبادته.
وأما دنيا الصحابة فهي في هذين الوجهين وهم اعتبروا الدنيا مزرعة الآخرة، فزرعوا وحصدوا، واعتبروا الموجودات مرايا للأسماء الإلهية، فنظروا فيها وتأملوها باشتياق.
أما قبح الدنيا فهو وجهها الفاني؛ إذ يتوجه إلى هوى الإنسان.
السؤال الثالث: إن الطرق الصوفية هي سُبُلُ الحقائق، وعرّف بعضُ أبطالِ وأئمةِ الطريقة النقشبندية([1]) - التي يُزعم أنها الأشهر والأعلى والجادة الكبرى من بين الطرق الصوفية - أساسَ هذه الطريقة كالآتي فقالوا: [دَرْ طَرِيقِ نَقْشِبَنْدِي لاَزِمْ آمِدْ جَارِ تَرْك.. تَرْكِ دُنْيَا، تَرْكِ عُقْبَا، تَرْكِ هَسْتِي، تَرْكِ تَرْك].
أي: يجب أربعة أشياء في الطريقة النقشبندية، وهي: عدم جعل الدنيا وأيضا الآخرة مقصودين حقيقيين لحساب النفس، ونسيان الذات، وعدم تذكر هذه الأربعة الأشياء حتى لا يقع المرء في العجب والفخر؛ إذن فمعرفة الله الحقيقية والكمالات الإنسانية إنما تحصل بترك ما سِوَى الله.
الجواب: لو كان الإنسان عبارةً عن قلبٍ فقط لكان ينبغي ترك ما سوى الله كلّه و حتى ترك الأسماء والصفات، وكان ينبغي ربط القلب بذات الحق تعالى وحده، لكن للإنسان لطائف وحواس كثيرة جدًّا؛ كالعقل والروح والسرّ والنفس، ولكل واحدة منها وظائفها ومهامها.
فالإنسان الكامل هو من يجعل القلبَ - كالصحابة - يسيرُ بشجاعة في نطاق واسع جامع إلى المقصد بجنود مكونة من اللطائف، وكأنه قائد يسوق كل تلك اللطائف إلى جانب الحقيقة في طريق العبودية المخصوصة لكل واحدة منها، وإلا فإن سير القلب وحده تاركًا جنوده لكي ينقذ نفسه فقط، ليس مدارَ افتخار بل نتيجة لاضطرار.
[1] الطريقة النقشبندية: طريقة صوفية مشهورة.
ق.
244. صفحة
السؤال الرابع: من أين نشأ ادّعاء الأفضلية على الصحابة ومَن أتى به؟ ولماذا تُثارُ هذه المسألة في هذا الزمان؟ ومن أين جاءت دعوى المساواة بالمجتهدين العظام؟
الجواب: إن القائلين بهذه المسألة قسمان:
قسمٌ هم أهل الدين وأهل العلم المخلصون، رأوْا بعض الأحاديث فتحدثوا عن مثل هذه المسائل لتشويق وترغيب أهل التقوى والصلاح في هذا الزمان، وليس لنا أيُّ قول في هذا القسم، وهم قلة، وينتبهون بسرعة.
أما القسم الآخر فهم أناس مغرورون في غاية الغرور، يريدون أن ينشروا تجنبهم ورفضهم اتّباعَ المذاهب تحت دعوى المساواة بالمجتهدين العظام، ويريدون أن يُقِيموا إلحادهم تحت دعوى المساواة بالصحابة؛ لأنه:
أولاً: قد وقع أهل الضلالة هؤلاء في السفاهة وأصبحوا من مدمنيها، ولا يستطيعون أن يقوموا بالتكاليف الشرعية التي تمنع السفاهة، ويقولون لكي يجدوا ذريعة([1]) لأنفسهم: إن هذه المسائل اجتهادية، وإن المذاهب تختلف في هذه المسائل، وهم رجال مثلنا، وقد يخطئون، وعليه فنحن كذلك نجتهد مثلهم، ونؤدِّي عباداتنا كما نشاء، فما الذي يجعلنا مضطرين لاتباعهم؟
فهؤلاء التعساء يخلعون ربقة([2]) المذاهب من رقابهم بهذه الدسيسة الشيطانية، ودعواهم هذه واهية لا أصل ولا صحة لها، وقد أُثبت هذا في “الكلمة السابعة والعشرين” إثباتًا قاطعًا، لذا نُحيل إليها.
ثانيًا: رأى هذا القسم من أهل الضلالة أن الأمر لا ينتهي عند دعوى المساواة بالمجتهدين فقط؛ إذ إن ما يحمله هؤلاء المجتهدون على عواتقهم هو النظريات الدينية فقط، بينما هذا القسم من أهل الضلالة يريد أن يترك الضروريات الدينية ويغيرها، فلا تتم قضيتهم إذا قالوا: إننا أحسن وأفضل منهم؛ لأن المجتهدين يمكنهم أن يتدخلوا في النظريات والفروع غير القطعية، بينما أهل الضلالة وهؤلاء اللامذهبيُّون يريدون أن يُدخِلوا أفكارهم حتى في الضروريات الدينية ويبدلوا المسائل غير القابلة للتبديل،
[1] ذريعة: سبب.
[2] الربقة: الربقة: حبل ذو عرى، أو حلقة لربط الدواب، والمراد هنا أنهم يتحرّرون من مذاهبهم ولا يتقيّدون بها.
245. صفحة
ويخالفوا الأركان القطعية للإسلام؛ لذا فلا شك أنهم سينالون من الصحابة الذين هم حملة الضروريات الدينية وأعمدتها، وهيهات! فلا يمكن لأمثال هؤلاء الحيوانات الذين هم في صورة إنسان بل حتى لا يمكن للأناس الحقيقيين، بل لأكثرهم كمالاً وهم كبار الأولياء؛ أن يكسبوا دعوى المساواة ضد أصغر صحابي، وقد أثبت ذلك إثباتًا قاطعًا في “الكلمة السابعة والعشرين”.
اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى رَسُولِكَ الَّذِي قَالَ: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ نِصْفَ مُدٍّ مِنْ أَصْحَابِي»
صَدَقَ رَسُولُ اللهِ.
246. صفحة
الكلمة الثامنة والعشرون
هذه الكلمة تخصّ الجنة، ولها مقامان، المقام الأول يشير إلى بعض لطائف الجنة ولا يتحدث عن إثبات وجود الجنة الذي أثبت إثباتًا قاطعًا باثنتي عشرة حقيقة قاطعة في “الكلمة العاشرة” والذي أُثبت ببراهين قاطعة متسلسلة باللغة العربية في غاية المتانة إثباتا قاطعا في غاية السطوع واللمعان في المقام الثاني لهذه الكلمة (أي الكلمة الثامنة والعشرين) الذي هو خلاصة الكلمة العاشرة وأساسها.
وإنما يتحدث عن بعض أحوال الجنة التي أصبحت مدار سؤال وجواب وانتقاد. وإذا رافقني التوفيق الإلهي فسوف تُكتب كلمة عظيمة عن تلك الحقيقة المعظمة إن شاء الله.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَبَشِّرِ الَّذِين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَٰرُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَٰـذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ (سورة البقرة: ٢/٢٥)
أجوبة قصيرة على بعض الأسئلة التي تخص الجنة الباقية.
إن بيانات الآيات القرآنية التي تخص الجنة والتي هي أجمل من الجنة وألطف من الحور وأعذب من السلسبيل لم تَدَعْ لأحدٍ مجالاً حتى يقول مزيدًا من الكلام؛ إلا أننا سنضع بعض الدرجات لتقريب الآيات الأزلية الأبدية السامية الجميلة إلى الفهم، وسنذكر بعض النكات لنماذج من الجنة القرآنية كباقة لبعض أزهار وسنشير إليها بأسئلة وأجوبة ذات رموز خمسة.
247. صفحة
أجل؛ فكما أن الجنة هي مدار جميع اللذائذ المعنوية فهي كذلك مدار جميع اللذائذ الجسمانية.
سؤال: ما علاقة الجسمانية القاصرة الناقصة المتغيرة المضطربة المتألمة بالأبدية والجنة؟ ومادامت للروح لذائذها السامية وهي كافية لها؛ فما الحاجة إلى حشر جسماني للتلذذ بلذائذ جسمانية؟
الجواب: كما أن التراب كثيف ومظلم بالنسبة إلى الماء والهواء والضياء، وكما أنه تفوّق معنىً على جميع العناصر الأخرى لكونه منشأ ومدارًا لجميع أنواع المصنوعات الإلهية، وكما أن النفس الإنسانية الكثيفة تسمو على جميع اللطائف الإنسانية من حيث سرّ جامعيتها بشرط تزكّيها؛ فكذلك الجسمانية هي مرآة أكثر جامعية وإحاطة وغنىً لتجليات الأسماء الإلهية.
إن الآلات التي تزن مدخرات خزائن الرحمة كلها وتضعها في الميزان هي في الجسمانية.
فمثلاً إن لم تكن القوة الذائقة لِلِّسان منشأً لموازين بعدد أنواع المطعومات لتذوق الرزق؛ لما تسنّى لها أن تحس كلَّ واحد منها فتعرفه، ولَما تيسر لها أن تزنه وتتذوقه.
ثم إن الأجهزة التي تحسّ بتجلياتِ أكثر الأسماء الإلهية فتَعلَمُها والتي تتذوقها فتعرفها، هي في الجسمانية كذلك.
وكذا فإن الاستعدادات القادرة على الشعور باللذائذ المتنوعة للغاية والمختلفة اختلافًا لا نهاية له هي كذلك في الجسمانية.
وبما أنه يُفهَم يقينا - كما أثبت في “الكلمة الحادية عشرة” - من خلال أحوال الكون ومن خلال جامعية الإنسان أن صانع هذا الكون يريد بواسطة هذا الكون أن يعرّف خزائن رحمته كلّها، وأن يعلّمَ تجليات أسمائه جميعها، وأن يذيق أنواع إحساناته كلّها؛ فلا شك أن دار السعادة - التي هي حوض كبير لسيل هذا الكون، ومعرضٌ عظيم لعرض محصولات معمل هذا الكون، ومخزن أبديٌّ لمزرعة الدنيا هذه- ستشبه هذا الكون إلى حدّ ما، وستحافظ على جميع أصوله وأساساته الجسمانية والروحانية، ولا
جدول المحتويات
جدول المحتويات


