الكلمة الثالثة عشرة

50. صفحة

الكلمة الثالثة عشرة

وهي عبارةٌ عن مقامين، الثاني منها هو مرشد الشباب، وقد ألف مستقلا، 

ولم يُدرَج هنا.

المقام الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾( سورة الإسراء:82)

﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾( سورة يس:69)

إذا أردت أن تقارن بين محاصيل حكمة القرآن الحكيم وبين محاصيل حكمة علوم الفلسفة ودروس عبرهما ودرجة علمهما؛ فتأمل الكلام الآتي:

إن القرآن المعجز البيان يمزق ببياناته القاطعة ستار العادة والألفة المسمى بـ"العاديات"، ذلك الستار الملقى على الموجودات التي هي خارقة القدرة ومعجزتها في الكون كله، ويكشف تلك الحقائق العجيبة لذوي الوعي والإدراك، ويجذب أنظار اعتبارهم إليها، ويفتح أمام العقول كنز علوم لا يفنى أبدًا.

أما حكمة الفلسفة فتخفي تحت ستار العاديات جميعَ معجزات القدرة التي هي بديعة الصنع وخارقة للعادة، وتمر عليها بتجاهلٍ، وبدون اهتمام، ولا تعرض على أنظار الاهتمام إلا الأفراد النادرة الساقطة عن البداعة والخارجة عن إتقان الخلق، والمنفرطة عن كمال الفطرة، وتقدمها لذوي الوعي على أن في كل واحدٍ منها حكمةً ذات عبرة.

فمثلا: ترى خلق الإنسان -الذي هو أجمع معجزة للقدرة الإلهية- أمرًا عاديًّا، وتنظر إليه بلا مبالاة، أما الإنسان ذو الثلاثة أقدام أو ذو الرأسين الذي خرج عن كمال الخلق؛ فتعرضه على أنظار الاعتبار في ضجيج الاستغراب وعجيجه.

ومثلا: ترى التغذية المتقنة لجميع الصغار من خزائن الغيب، التي هي ألطف وأعم معجزةٍ للرحمة؛ أمرًا عاديًّا، وتسدل عليه ستار الكفران، ولكنها تنجذب إلى تغذية 

51. صفحة

حشرةٍ في أعماق البحر بورقةٍ خضراء وقد شذَّت عن النظام وافترقت عن سربها وصارت في الغربة وحيدةً، وتريد أن تثير بكاء صيادي السمك جميعهم بما يتجلى عليها من لطفٍ وكرم( ).

فانظر إلى ثروة القرآن الحكيم وغناه من حيث العلم والحكمة والمعرفة الإلهية، وإلى فقر الفلسفة وإفلاسها من حيث العلم والعبرة ومعرفة الصانع سبحانه، واعتبر!

ومن هذا السرّ فإن القرآن الحكيم ولأنه جامعٌ لحقائق ساطعةٍ سامية لا حد لها؛ فإنه مستغنٍ عن خيال الشعر.

أجل؛ إن سرًّا آخر من أسرار عدم كون القرآن المعجز البيان منظومًا أو شعرًا مع أنه يحمل كمالَ النظام والانتظام في درجة الإعجاز، وأنه يفسر بأساليبه المنتظمة نظام الصنعة وبداعتها في كتاب الكون؛ هو: أن كل آيةٍ من نجوم آياته لا تدخل تحت قيد الوزن حتى تكون كمركزٍ نوعًا ما لأكثر الآيات وشقيقةً لها، وتشكل خط صلةٍ بين الآيات في الدائرة المحيطة حتى تكون رابطةً للعلاقات المعنوية الموجودة فيما بينها، وكأن لكل آية مستقلةٍ عينًا تنظر إلى أكثر الآيات، ووجهًا متوجهًا إليها، ومن ثم فالقرآن فيه آلاف القرائين، فهو يعطي كل ذي منهج ومشربٍ واحدًا منها، كما بُيِّن في "الكلمة الخامسة والعشرين" من أن سورة الإخلاص تتضمن وتحتوي على كنزٍ لعلم التوحيد متكونٍ من تركيبات جمل سورة الإخلاص الست التي لكل منها أجنحة بقدر ما تتضمن ثلاثين سورة للإخلاص.

أجل؛ إن كل نجمٍ من النجوم لا يدخل تحت قيدٍ من حيث عدم انتظام النجوم الموجودة في السماء، وإن كل واحد منها يكون كمركز لأكثر النجوم، فيمد خط علاقةٍ إلى كل واحد من النجوم التي ضمن دائرة محيطه كإشارةٍ إلى العلاقات الخفية بين الموجودات، وكأن كل واحدٍ من النجوم له عينٌ تنظر إلى جميع النجوم، ووجهٌ متوجه إليها كنجم الآية، فأبصر كمال الانتظام ضمن عدم الانتظام، واعتبر، وأدرك سرًّا من أسرار ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾( سورة يس:69)، وافهم سرًّا من أسرار ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ مما يأتي:

52. صفحة

إن شأن الشعر تزيين الحقائق الصغيرة الخامدة بالتخييلات الكبيرة اللامعة ومحاولة تحبيبها للناس، بينما حقائق القرآن لها من العظمة والعلو واللمعان والحيوية ما تبقى معه أعظم الخيالات وأسطعها صغيرة وخامدة بالنسبة لتلك الحقائق إذا قورنت بها.

ومثلا: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾( سورة الأنبياء:104)، و﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾( سورة الأعراف:54)، و﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾( سورة يس:53) وغيرها من حقائق القرآن التي لا حد لها شاهدٌ على ذلك.

وإذا أردت أن ترى وتتذوق كيف أن كل آية من آيات القرآن تبدد ظلمات الكفر والغفلة بنشرها نور الإعجاز والهداية كالنجم الثاقب؛ فافترض نفسك في ذلك العصر الجاهلي وتلك الصحراء ذات البداوة، وبينما كل شيء ملفوف بستار الجمود والطبيعة تحت ظلمات الجهل والغفلة؛ فاستمع فجأةً على لسان القرآن إلى ﴿يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمٰوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾( سورة الجمعة:1) وأمثالها من الآيات، وانظر كيف أن موجودات العالم الميتة أو النائمة تبعث من جديد وتستيقظ بصدى "يُسَبِّحُ" في أذهان السامعين، وتقوم إلى الذكر، وكيف أن النجوم التي كل منها كشواظ جامدة من نار في السماء المظلمة، وأن المخلوقات المسكينة في الأرض؛ تتحول بصيحة ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمٰوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ﴾( سورة الإسراء:44) إلى مشهدٍ تتراءى معه أمام الأعين والأبصار؛ وكأن وجه السماء فم، وكيف أن النجوم كلها فردًا فردًا كلمات حكمةٍ ونور حقيقةٍ، وأن الأرض رأسٌ، والبرّ والبحر لسان، وأن كل حيوان ونبات كلمة تتفجر بالتسبيح! وأنت لا تستطيع أن ترى دقائق هذا الذوق المذكور إذا نظرت إلى ذلك العصر من هذا الزمان.

أجل؛ إذا نظرت من خلال الوضع الذي نشر نوره منذ ذلك العصر، وصار بمرور الزمن من العلوم المتعارَفة، وتلألأ بأنوار الإسلام، وتلوَّن بلون النهار بشمس القرآن، أو نظرت من خلال ستار الألفة السطحي البسيط؛ فلا تستطيع أن ترى رؤيةً حقيقية كيف أن كل آيةٍ تبدد الظلمات ضمن نغمات الإعجاز اللطيف، ولا تستطيع أن تتذوق نوعًا من الإعجاز من بين أنواع إعجازه الكثيرة.

53. صفحة

وإذا أردت أن ترى وتتذوق كيف أن كل آية من آيات القرآن تبدد ظلمات الكفر والغفلة بنشرها نور الإعجاز والهداية كالنجم الثاقب؛ فافترض نفسك في ذلك العصر الجاهلي وتلك الصحراء ذات البداوة، وبينما كل شيء ملفوف بستار الجمود والطبيعة تحت ظلمات الجهل والغفلة؛ فاستمع فجأةً على لسان القرآن إلى ﴿يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمٰوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾( سورة الجمعة:1) وأمثالها من الآيات، وانظر كيف أن موجودات العالم الميتة أو النائمة تبعث من جديد وتستيقظ بصدى "يُسَبِّحُ" في أذهان السامعين، وتقوم إلى الذكر، وكيف أن النجوم التي كل منها كشواظ جامدة من نار في السماء المظلمة، وأن المخلوقات المسكينة في الأرض؛ تتحول بصيحة ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمٰوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ﴾( سورة الإسراء:44) إلى مشهدٍ تتراءى معه أمام الأعين والأبصار؛ وكأن وجه السماء فم، وكيف أن النجوم كلها فردًا فردًا كلمات حكمةٍ ونور حقيقةٍ، وأن الأرض رأسٌ، والبرّ والبحر لسان، وأن كل حيوان ونبات كلمة تتفجر بالتسبيح! وأنت لا تستطيع أن ترى دقائق هذا الذوق المذكور إذا نظرت إلى ذلك العصر من هذا الزمان.

أجل؛ إذا نظرت من خلال الوضع الذي نشر نوره منذ ذلك العصر، وصار بمرور الزمن من العلوم المتعارَفة، وتلألأ بأنوار الإسلام، وتلوَّن بلون النهار بشمس القرآن، أو نظرت من خلال ستار الألفة السطحي البسيط؛ فلا تستطيع أن ترى رؤيةً حقيقية كيف أن كل آيةٍ تبدد الظلمات ضمن نغمات الإعجاز اللطيف، ولا تستطيع أن تتذوق نوعًا من الإعجاز من بين أنواع إعجازه الكثيرة.

وإذا أردت أن تنظر إلى أعلى درجةٍ من إعجاز القرآن المعجز البيان؛ فانظر بمنظار هذا المثال الآتي:

نفترض شجرةً عجيبة سامقة غريبة باسقة في منتهى الانتشار والامتداد، قد تخفّت تحت ستارٍ واسع للغيب في طبقة مخفية، ومن المعلوم أنه لابد من علاقةٍ وتناسب وتوازن بين جميع أعضاء الشجرة من أغصانٍ وثمار وأوراق وأزهار كما هو عند أعضاء الإنسان، وأن كل جزء من أجزاء تلك الشجرة يتخذ شكلا معينًا ويُمنح صورةً معينة حسب ماهيته، فإذا انبرى شخصٌ ورسم لكل عضوٍ من أعضاء تلك الشجرة -التي لم تُشاهَد وما تزال لا تُشاهَد- صورةً على ستار السماء، ووضع له حدودًا، ورسم خطوطًا من الأغصان إلى الثمار ومن الثمار إلى الأوراق في انسجامٍ وتناغم، وملأ بين مبدئها ومنتهاها البعيدين بعضهما عن بعض بعدًا لا نهاية له بخطوطٍ تُظهِر أشكال أعضاء الشجرة وصورها بذاتها؛ فلا تبقى شبهةٌ في أن هذا الرسام يرى هذه الشجرة الغيبية بنظره المطَّلع على الغيب، ويحيط بها علمًا، ثم يصورها.

كذلك القرآن، فإن بياناته الفرقانية حول حقيقة الممكنات التي تخص شجرة الخلق الممتدة من بدء خلق الدنيا حتى الآخرة، والمنتشرة من الفرش إلى العرش، ومن الذرة إلى الشمس؛ قد حافظت على الانسجام، وأعطت كلَّ عضو من الأعضاء وكل ثمرة من الثمرات صورة تليق بها، حتى قال جميع المحققين في نهاية تحقيقاتهم عن تصوير القرآن: "ما شاء الله، بارك الله، إنك أنت وحدك أيها القرآن الحكيم الذي تكشف طلسم الكون، وتفتح مُعَمَّى الخلق!".

"ولله المثل الأعلى" فلنمثل -ولا مشاحّة في التمثيل- الأسماء والصفات الإلهية والشئون والأفعال الربانية بشجرةٍ طوبى نورانية تمتد دائرة عظمتها من الأزل إلى الأبد، وحدود كبريائها تصل إلى الفضاء المطلق وتحيط به، وحدود إجراءاتها تمتد من حدود ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾( سورة الانفال:24) و﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾( سورة الانعام:95) و﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾( سورة آل عمران:6) إلى حدود ﴿وَالسَّمٰوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾( سورة الزمر:67) و﴿خَلَقَ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾( سورة الحديد:4)

54. صفحة

 و﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ (سورة فاطر:13)، والقرآن الكريم بيّن تلك الحقائق النورانية للأسماء والصفات والشئون والأفعال بجميع أغصانها وفروعها، وغاياتها وثمراتها، في منتهى الانسجام والتوافق والتناغم، بحيث لا تجرح حقيقةٌ حقيقةً أخرى، ولا يفسد حكمُها حكمَ حقيقةٍ أخرى، ولا تستوحش بعض الحقائق من بعضها الآخر، حتى قال جميع أهل الكشف والحقيقة، وجميع أصحاب المعرفة والحكمة الذين يجولون في دائرة الملكوت عن تلك البيانات الفرقانية: "سبحان الله"، ويصدقونها بقولهم: "ما أصوبها، ما أجملها، ما أليقها، ما أكثر انسجامها!".

فمثلا: إن أركان الإيمان الستة التي تتوجه إلى دائرة الإمكان ودائرة الوجوب كلها، والتي هي بمنزلة غصنٍ واحد لهاتين الشجرتين العظيمتين، وجميع أغصان وفروع تلك الأركان يصورها القرآن الكريم مراعيًا الانسجام بين أدق الفروع والأزهار، ويعرّف هذا الانسجام في منتهى التوازن، ويظهره في منتهى التناغم، بحيث يعجز عقل البشر عن إدراكه ويُعجَب من حسنه.

والدليل على أن القرآن الكريم قد حافظ على حسن التناغم وكمال الانسجام والتوازن التام بين أركان الإسلام الخمسة التي هي فرعٌ من غصن الإيمان، بل بين أدق تفاصيل هذه الأركان، وأصغر آدابها، وأبعد غاياتها، وأعمق حِكمها، وأصغر ثمراتها أيضًا؛ هو: أن كمال الانتظام والتوازن وحسن الانسجام والرصانة في الشريعة الإسلامية الغراء الصادرة عن نصوص القرآن الجامع ووجوهه وإشاراته ورموزه؛ لهو شاهد عدلٍ لا يقبل الجرح، وبرهانٌ قاطع لا يقبل الشك.

إذن؛ إن البيانات القرآنية لا يمكن أن تستند إلى علم البشر الجزئي، وبخاصةٍ إلى علم أميٍّ، وإنما تستند إلى علمٍ محيط، وهي كلام من يستطيع أن يرى جميع الأشياء معًا دفعةً واحدة، ويشاهد جميع الحقائق بين الأزل والأبد في آنٍ واحد. و﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾( سورة الكهف:1) تشير إلى هذه الحقيقة.

اللهم يا منزل القرآن بحق القرآن وبحق من أنزل عليه القرآن نوّر قلوبنا وقبورنا بنور الإيمان والقرآن، آمين يا مستعان.