الكلمة الثالثة والعشرون
التنقل
149. صفحة
الكلمة الثالثة والعشرون
لهذه الكلمة مبحثان
بسم الله الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَٰنَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ { ثُمَّ رَدَدْنَٰهُ أَسْفَلَ سَٰفِلِين َ{ إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ﴾ (سورة التين: ٩٥/٤-٦)
المبحث الأول: نبين فيه خمس محاسن فقط من بين آلاف محاسن الإيمان، في خمس نقاط.
النقطة الأولى:
إن الإنسان يسمو بنور الإيمان إلى أعلى عليين، فيكتسب قيمة تليق بالجنة، ويسقط بظلمة الكفر إلى أسفل السافلين، فيكون في وضع يجعله أهلاً([1]) لجهنم؛ لأن الإيمان ينسب الإنسان إلى صانعه ذي الجلال.
فالإيمان انتساب؛ لذا يكتسب الإنسان بالإيمان قيمة من حيث الصَّنعة الإلهية التي تظهر عليه، ومن حيث نقوش الأسماء الربانية التي تتجلى فيه.
أما الكفر فيقطع تلك النسبة، فتختفي من جرّاء ذلك القَطْعِ الصنعةُ الربانيةُ وتكون قيمته باعتبار المادة فحسب.
أما المادة لكونها حياةً حيوانيةً فانيةً وزائلةً ومؤقتةً فقيمتُها بحكم اللاشيء.
ونبيِّن هذا السر بتمثيل:
[1] أهلاً للشيء: مستحقًا له.
150. صفحة
فمثلاً: قد تختلف قيمة المادة عن قيمة الصنعة فيما يصنعه الإنسان من مصنوعات، فأحيانًا تكونان متساويتين، وأحيانًا تكون المادة أكثر قيمةً، وأحيانًا توجد صنعة بقيمة خمسمائة قرش في مادة من الحديد بقيمة خمسة قروش، بل أحيانًا تكتسب تحفةٌ فنية قيمةَ مليون مع أن مادتها لا تساوي حتى خمسة قروش.
وهكذا؛ فإذا أُخِذت تحفة فنية إلى سوق أصحاب التحف، وعُرضت بمسحة([1]) فنها منسوبة إلى فنانها المبدع الماهر العريق، فبذكر ذلك الفنان تباع هذه التحفة بسعر المليون، أما إذا أُخذت إلى سوق الحدَّادين، فقد تُشترى بقيمة حديد سعره خمسة قروش.
وهكذا فالإنسان تحفةٌ فنيةٌ للحق تعالى، وهو ألطف وأرق معجزة لقدرته؛ بحيث خلق الإنسان في صورة مَظهرٍ لتجليات جميع أسمائه، ومدارٍ لنقوشها، ومثالٍ مُصغَّر للكون، فإذا دخل نورُ الإيمان فيه تُقرأ عليه بذلك النور والضياء كلُّ النقوش ذاتِ المعاني، يَقرأ المؤمنُ ذلك بالوعي والإدراك ويُقرِئُها بذلك الانتساب، أي تتبدى الصنعة الربانيَّة في الإنسان بمعانٍ، مثل: إنني مصنوعُ الصانع ذي الجلال، ومخلوقُه ومَظهرُ رحمته وكرمِه.
إذن فالإيمان الذي هو عبارة عن انتساب الإنسان إلى صانعه يُظهر كلَّ آثار الصنعة الموجودة فيه، وتكون قيمة الإنسان بحسب تلك الصنعة الربانية وباعتبار كونه مرآةً صمدانية. وعليه فالإنسان الذي لا أهمية له يكون بهذا الاعتبار مخاطَبًا إلهيًّا فوق جميع المخلوقات، وضيفًا ربانيًّا لائقًا بالجنة.
أما إذا دخل الكفر الذي هو عبارة عن قطع الانتساب في الإنسان؛ فتبقى كل نقوش الأسماء الإلهية ذات المعاني في الظلمات، ولا تُقرَأ؛ إذ إنه إذا نُسي الصانعُ فلا تُفهم الجهاتُ المعنويةُ المتوجهةُ للصانع وكأنها تنقلب رأسًا على عقب، وتختفي معظم تلك الصنعة العالية ذات المعاني والنقوش المعنوية العالية، أما القسم الباقي الذي يُرَى بالعين فيُنسَب إلى الأسباب السفلية والطبيعة والتصادف ويسقط أخيرًا، فيصبح كلُّ واحد منها قطعةَ زجاج خامدة بعدما كانت ألماسة لامعة، وتبقى أهميته في المادة الحيوانية فقط.
[1] مسحة: أثر.
ِ.
151. صفحة
وأما غاية المادة وثمرتها - كما قلنا - فهي قضاء الإنسان وتمضيته حياةً جزئيةً في عمر قصير جدًّا، وهو أعجز الحيوانات، وأشدها احتياجًا، وأكثرها همومًا، ثم يتفسخ ويزول، وهكذا فإن الكفر يهدم ويخرب ماهية الإنسان ويحولها من الماس إلى الفحم.
النقطة الثانية:
كما أن الإيمان نورُ يضيء الإنسان ويستقرئ كل ما كُتب عليه من مكتوبات صمدانية؛ فهو يضيء الكون كذلك، ويخلص الزمن الماضي والمستقبل من الظلمات.
ونبين هذا السر بتمثيلٍ رأيته في واقعةٍ تدور حول سر الآية الكريمة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَٰتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ (سورة البقرة: ٢/٢٥٧) كالآتي:
رأيت في واقعةٍ خيالية جبلين شامـِخين متقابلين، قد نُصب عليهما جسرٌ عظيم، وأنه في أسفل الجسر وادٍ عميق، وأنا فوق ذلك الجسر، وكان قد استولى على جميع أنحاء الدنيا ظلامُ دامسُ كثيف، ونظرت يـَمْنةً فرأيت مقبرةً كبرى تقبع في ظلمات لا نهاية لها - أي: تخيلتها - ونظرت يَسْرةً فرأيت كأن عواصفَ هوجاءَ وأمواجًا متلاطمةً ودواهِيَ أُعِدَّت في أمواجِ ظلماتٍ مذهلة.
ونظرت أسفل الجسر فظننت أنني أرى هُوَّةً عميقة، وكان لي في مقابل هذه الظلمات المذهلة مصباحُ يَدَويٌّ خافتٌ، فاستخدمته ونظرت بضوئه الخافت فتراءى لي وضعٌ مذهل، تراءى لي على رأس الجسرِ الموجودِ أمامي وحولَهُ أفاعٍ وأُسُودٌ ووحوشٌ مذهلة مفزعة، جعلَتني أقول: ليت هذا المصباح اليدوي لم يكن معي، ولم أر هذه المفزعات، فأينما وجّهت هذا المصباح أخذني ذهولٌ ورُعب فقلت: ويلي! هذا المصباح مصيبة عليّ، فغضبت عليه وألقيته أرضًا وحطمته، وكأنني بتحطيمه قد ضغطتُ على زرٍ لمصباح كهربائي كبير يضيء الدنيا، فإذا بتلك الظلمات انقشعت، وامتلأت الأرجاءُ([1]) كلُها بنور ذلك المصباح، وأظهر حقيقةَ كلِّ شيء.
[1] الأرجاء : الأنحاء.
.
152. صفحة
ونظرتُ فوجدت أن الجسر الذي رأيته هو جادةٌ([1]) داخلَ سهلٍ في موقع منتظم للغاية، فشعرتُ أن المقبرة الكبرى التي رأيتها عن يميني هي من أقصاها إلى أقصاها مجالسُ عبادةٍ ودعوةٍ ومؤانسةٍ وذِكرٍ تحت رئاسة أناس نورانيين في حدائقَ خضراءَ جميلةٍ، ورأيت أن الهُوَّاتِ والشواهق التي ظننتها مضطربةً وذات العواصف الهوجاء؛ تتراءى لي كأنها دار ضيافة عظيمة، ورياضٌ جميلة، ومتنزهٌ سامٍ وراء الجبال المزينة اللطيفة المحببة الجذّابة.
وأما المخلوقات التي ظننتها وحوشًا ضارية وأفاعيَ مفزعةً فرأيت أنها حيوانات أليفةٌ مؤنسةٌ كالجِمال والأبقار والأغنام والماعز، فقرأت الآية الكريمة: ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَٰتِ إِلَى النُّورِ﴾ قائلاً: (الحمد لله على نور الإيمان)، فأفقت من تلك الواقعة.
وهكذا، فإن ذلكما الجبلين هما مبدأ الحياة وآخِرُها؛ أي: عالَم الأرض وعالم البرزخ، وذلك الجسر هو طريق الحياة، وأما الجهة اليُمنى فهي الزمن الماضي، وأما الجهة اليسرى فهي المستقبل، وأما المصباح اليدوي فهو الأنانية الإنسانية المعجَبة بنفسها والتي تَعْتَدُّ بما تعلَمُه، ولا تذعن([2]) للوحي السماوي، وأما الأشياء التي ظُن أنها وحوش فهي حوادث العالم ومخلوقاته العجيبة.
فالإنسان الذي يعتمد على أنانيته ويقع في ظلمات الغفلة، والذي يُبتلى بظلام الضلالة يشبه حالتي الأولى التي في تلك الواقعة؛ حيث إنه يرى الزمن الماضي بمعلوماته الناقصة والمشُوبة بالضلالة التي هي في حكم المصباح اليدوي كمقبرة كبرى في ظلمات مشوبة بالعدم، وتُظهر - تلك المعلومات الناقصة - المستقبلَ عالَمًا موحشًا مليئًا بالعواصف الهوجاء ومرتبطًا بالتصادف، وتُصوِّرِ الحوادث والموجودات - التي كل واحد منها موظفٌ مسخر لحكيم رحيم - وحوشًا كاسرةً؛ نقول: هذا الإنسان ينطبق عليه حكم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَٰتِ﴾ (سورة البقرة: ٢/٢٥٧)
[1] جادّة : طريق.
[2] تذعن : تستسلم.
ك
153. صفحة
أما إذا أغاثته الهداية الإلهية، ودخل الإيمانُ في قلبه، وانكسرت فرعونية نفسه وأَصغى إلى كتاب الله؛ فسيشبه حالتي الثانية في تلك الواقعة، فعندئذ يصطبغ([1]) الكون بلون النهار، ويمتلئ بالنور الإلهي، فيقرأ العالَمُ آية: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَٰوَٰتِ﴾ وحينئذ لا يرى - هذا الإنسان - الزمنَ الماضي كمقبرة كبرى، بل يرى كلَّ عصر منه بعين القلب جماعات الأرواح الصافية التي أدت وظيفة العبودية تحت رئاسة نبي أو ولي، ثم صعدت إلى المقامات العالية، وعَبَرَت إلى ناحية المستقبل بإتمام وظائف حياتها قائلة: “الله أكبر”.
وعندما ينظر إلى يساره يدرك بنور الإيمان - عن بُعد - أن ما وراء الانقلابات البرزخية والأخروية التي في ضخامة الجبال ضيافةٌ رحمانيةٌ نصبت في قصور السعادة الموجودة في حدائق الجنة، ويعرف أن الحوادث من مثل العاصفة والزلزلة والطاعون إنما هي موظفات مسخرات، ويرى أن عواصف الربيع وأمطاره ومثلها من الحوادث - التي تظهر بصورة خَشِنَة قاسية- هي في حقيقتها مدار لِحِكَم لطيفة للغاية معنىً، وحتى إنه يرى الموتَ مقدمةً للحياة السرمدية، والقبرَ بابًا للسعادة الأبدية، وقِسْ على هذا المنوال سائر الجهات، وطَبِّق الحقيقة على التمثيل.
النقطة الثالثة:
إن الإيمانَ نورٌ وقوة. أجل؛ فالإنسان الذي يحصل على الإيمان الحقيقي يستطيع أن يتحدى الكون، ويستطيع أن يتخلص من مضايقات الحوادث بحسب قوة الإيمان، ويقول: “توكلت على الله” فيسير بكمال الأمان بين أمواج هائلة للحوادث كالجبال وهو في سفينة الحياة، ويُودِعُ كلَّ أثقاله بيدِ قدرةِ القدير المطلَقِ، ويمضي ويمر في الدنيا بأمن واطمئنان، ويستريح في البرزخ، ثم يستطيع أن يطير إلى الجنة كي ينال السعادة الأبدية، وإن لم يتوكل جرّتهُ أثقال الدنيا إلى الأسفل، ناهيك عن عجزه عن الطيران.
إذن، فالإيمان يقتضي التوحيدَ، والتوحيدُ يقتضي التسليمَ، والتسليمُ يقتضي التوكلَ، والتوكلُ يقتضي سعادةَ الدارين، ولكن لا تفهم خطأً؛ ليس التوكلُ ردَّ الأسباب كليًّا، بل هو عبارة عن طلب المسبَّبات من الحق تعالى وحده، والعلمُ بأن النتائج منه، واظهارُ
[1] يصطبغ: يتلون.
154. صفحة
الامتنان له، وعبارة عن فهم أن التشبث([1]) بالأسباب - مع معرفة أن الأسباب حجاب([2]) ليد القدرة ومراعاتها - نوع من الدعاء الفعلي.
ومَثَلُ المتوكل وغير المتوكل يشبه هذه الحكاية:
قطع رجلان تذكرة في وقت من الأوقات، ودخلا سفينة كبيرة حاملَين أثقالاً ثقيلة على رأسيهما وعاتقيهما([3])، فأحدهما - فَوْرَ دخوله - وضَعَ أثقاله على السفينة وجلس عليها يرقُبها.
وأما الآخر - ولأنه كان أحمقَ ومغرورًا - لم يضع حملَه على أرض السفينة، فقيل له ضعْ حملَك الثقيلَ عنك واسترح.
فقال: كلا؛ لن أضعَه فلعله يضيع، أنا قوي سأحتفظ بمالي على رأسي وعاتقي.
فقيل له: إن هذه السفينة السلطانية الآمنة التي تُقِلُّنا وتقلُّكم أقوى منا، وتحافظ على الحمل أكثر منا، فلربما تدور رأسك([4]) فتسقط مع حملك في البحر، وكذا تفقد قُوّتَك شيئًا فشيئًا، فعاتقُك المُحْدَوْدِبُ([5]) ورأسك الأخرقُ([6]) لا يُطيقان هذه الأثقال التي تزداد ثقلاً شيئًا فشيئًا، فإن رآك الرُّبان([7]) وأنت في هذه الحالة فإما أن يَعتبركَ مجنونًا فيطردك، أو يأمر بحبسك قائلاً: إن هذا خائن يتهم سفينتنا ويستهزئ بنا! فتكون هزوًا([8]) بين الناس، إذ بتكبرك الدال على الضعف، وبغرورك الذي ينم عن العجز، وبتصنّعك الذي يشف([9]) عن الرياء والذلة - في نظر أهل الدقة - جعلت نفسك أُضحُوكةً للناس، فيضحك عليك الكلّ.
[1] التشبث: التمسك.
[2] حجاب: ستار.
[3] العاتق: ما بين العنق والمنكب.
[4] تدور رأسك: تصاب بدوار ودوخة.
[5] المحدودب: المنحني.
[6] الأخرق: الأحمق.
[7] الربان: قائد السفينة.
[8] هزوا: سخرية.
[9] يشف: ينمّ ويكشف.
155. صفحة
فبعد أن قيل هذا عاد المسكين إلى رشده، فوضع أثقاله على الأرض وجلس عليها وقال: أوه! ليرض الله عنك، تخلصت من المشقة والحبس والسخرية.
فهكذا أيها الإنسان الذي لا توكل له، عُدْ إلى رشدك - أنت كذلك - مثل هذا الرجل، فتوكل حتى تتخلص وتنجو من تسول الكائنات، ومن الارتجاف([1]) والارتعاد أمام كل حادثة، ومن التصنّع والرياء ومن السخرية، ومن الشقاوة الأخروية ومن سجن التضييقات الدنيوية.
النقطة الرابعة:
إن الإيمان يجعل الإنسان إنسانًا حقًّا، بل يجعله سلطانًا؛ لذا فوظيفة الإنسان الأصلية هي: “الإيمان والدعاء”، وإن الكفر يجعل الإنسان حيوانًا مفترسًا في غاية العجز.
الفرق بين الإنسان والحيوان عند مجيئهما إلى الدنيا يكفي- وحده - دليلاً واضحًا وبرهانًا قاطعًا - من بين آلاف الدلائل الواضحة - على هذه المسألة.
أجل؛ إن الفرق بين مجيء الحيوان والإنسان إلى الدنيا يشير ويدل على أن الإنسانية إنما تكون بالإيمان إنسانيةً حقًّة، وذلك أن الحيوان حين يأتي إلى الدنيا يأتي مكتملاً حسب استعداده وكأنه قد اكتَمَل فى عالم آخر، أي يُرسَلُ، فيتعلم فى خلال ساعتين أو فى يومين أو فى شهرين شرائطه الحياتية كلّها وعلاقته مع الكائنات وقوانين حياته فيكون صاحب مَلَكَة([2]).
والقدرة الحياتية والملكة العملية التي يكتسبها الإنسان في غضون([3]) عشرين سنة يتحصل عليها حيوان - كالعصفور والنحلة - في عشرين يومًا؛ أي: يُلهَم ذلك.
إذن فوظيفةُ الحيوانِ الأصليةُ ليست هي التكمل بالتعلم ولا الترقي بكسب المعرفة ولا الاستمداد والدعاء بإظهار عجزه، بل وظيفته السعي والعمل حسب استعداده والعبودية الفعلية.
[1] الارتجاف: الخوف والاضطراب الشديد.
[2] المَلَكة: صفة راسخة بالنفس، أواستعداد عقلي خاص لتناول أعمال معينة بحذق ومهارة.
[3] غضون: أثناء.
.
156. صفحة
أما الإنسان فهو محتاج لتعلم كل شيء عند مجيئه إلى الدنيا، وجاهلٌ بقوانين الحياة، حتى إنه لا يستطيع أن يتعلم شرائط الحياة كلها في عشرين سنة، بل هو محتاج إلى التعلم حتى آخر عمره.
وكذا فهو يرسَل إلى الدنيا في غاية العجز والضعف فلا يستطيع أن يقف على رِجليه إلا بعد سنة أو سنتين، ولا يدرك الفرقَ بين الضُّر والنَّفع إلا في خمس عشرةَ سنة، ولا يستطيع أن يجلب منافعه أو يحتمي من الأضرار إلا بالتعاون مع المجتمع البشري.
وظيفةُ الإنسانِ الفطريةُ إذن هي التكملُ بالتعلّم والعبوديةُ بالدعاء - أي أن يَعلْمَ: برحمة من أُدارُ هكذا إدارةً حكيمةً؟! وبكرم من أُرَبَّى هكذا تربيةً شفوقةً؟! وبأي لطف أُغَذَّى وأُرْعَى هكذا رعايةً لطيفةً؟! - وهي الطلب والدعاء والتضرّع إلى قاضي الحاجات بلسان العجز والفقر لحاجاته التي لا تصل يده إلا إلى واحد من الألف منها، أي: الطيران إلى مقامات العبودية العالية بأجنحة العجز والفقر.
إذن فالإنسان جاء إلى هذا العالم للتكمل بواسطة العلم والدعاء، وكل شيء مرتبط بالعلم من حيث الماهية والاستعداد، وإن أساس كلِّ العلوم الحقيقية ومعدنَها ونورَها ورُوحَها هو معرفةُ الله، وأسُّ أساسها - أي المعرفة - هو الإيمان بالله.
وكذا إن الإنسان متعرض لبلايا لا نهاية لها، ومبتلىً بهجوم أعداءٍ لا حصر لهم مع أنه عاجز عجزًا مطلقًا، وإنه مبتلى بحاجات لا نهاية لها، ومحتاج لمطالب لا نهاية لها مع أنه فقير لا حد لفقره؛ لذا فوظيفته الأصلية الفطرية هي الدعاءُ بعد الإيمان، والدعاء هو أساس العبودية.
وكما أن الطفل يحصل على ما لا تصل إليه يده من مرام ورغبات إما بالبكاء وإما بالطلب، بمعنى أنه يدعو بلسان العجز إما فعلا وإما قولا فيوَفَّق لمقصوده؛ كذلك الإنسان فهو في حكم طفل ضعيف رقيق في عالم الأحياء كلها، فينبغي عليه إما البكاءُ بالضعف والعجز، وإما الدعاءُ بالفقر والاحتياج بين يدي الرحمن الرحيم، حتى تُسَخَّر له مقاصدُه، أو يكون قد أدى شكر ذلك التسخير.
157. صفحة
وإلا فإذا قال - كطفل أحمق غَرِير([1]) يبكي ويصرخ من ذبابة -: “إنني أُسَخِّرُ بقوتي الشخصية هذه الأشياء العجيبةَ التي لا تقبل التسخيرَ بل الأشياء التي تفوقها بألف درجة وأجعلها بفكري وتدبيري مطيعة لي”، وانحرف إلى الكفران بالنعمة؛ فإن هذا يكون منافيًا لفطرة الإنسان الأصلية، فضلاً عن أنه يجعل نفسه مستحقًّا لعذاب شديد.
النقطة الخامسة:
كما أن الإيمان يقتضي الدعاء كوسيلة قطعية، وكما أن الفطرة الإنسانية تطلبه بشدة؛ فإن الحق تعالى أيضًا يقول فيما معناه: لا أهمية لكم عند الله لولا دعاؤكم ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُاْ بِكُمْ رَبِّى لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ﴾ (سورة الفرقان: ٢٥/٧٧) ويأمر بِـ ﴿ادْعُونِۤى أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (سورة غافر: ٤٠/٦٠)
إن قلت: إننا ندعو كثيرًا ولا يُقبَل، مع أن الآية عامة وتفيد أن لكل دعاء جوابًا.
الجواب: إن الاستجابةَ شيءٌ والقبول شيء آخر، فلكل دعاء استجابة ولكن القبولَ وإعطاءَ المطلوب نفسه تابع لحكمة الحق تعالى.
فمثلاً: ينادي طفل مريض: يا طبيب، أَقْبِلْ، فيقول الطبيب: لبيك، و يسأله ماذا تريد؟
فيقول الطفل: أعطني هذا الدواءَ.
فإما أن يعطِيَه ما يطلبه بِعَيْنِهِ، وإما أن يعطيه أحسن مما يطلبه بناءً على مصلحته، أو يعلَم أنه مضرٌّ لمرضه فلا يعطيه البتة.
فالحق تعالى لأنه حكيم مطلق وحاضر وناظر؛ فهو يستجيب لدعاء العبد، ويحوِّل ذهول الوحدةِ والوحشةِ إلى أُنسٍ بوجوده واستجابته، ولكن ليس بحسب تحكم الإنسان المَشُوبِ([2]) بالهوى والهوس، بل يعطيه مطلوبه أو أحسن وأولى منه حسب ما تقتضيه الحكمة الربانية، أو لا يعطيه البتة.
[1] الغرير: صغير السن الذي لا تجربة له.
[2] المشوب: المخلوط.
158. صفحة
وكذا، فإن الدعاء نوع من العبودية، فالعبودية ثمراتها أخروية، وأما المقاصد الدنيوية فهي أوقات ذلك النوع من الدعاء والعبادة، وهذه المقاصد ليست بغايات لها.
مثلاً: إن صلاة الاستسقاء([1]) ودعاءه عبادةٌ، أما انحباس المطر فهو وقت تلك العبادة، وليست تلك العبادة وذلك الدعاء لجلب المطر، وإذا كانا بتلك النية فحسب؛ فإن ذلك الدعاء وتلك العبادةَ لا يليقان بالقبول لأنهما لَيْسَا بخالِصَينِ.
وكما أن غروب الشمس هو وقت صلاة المغرب؛ فإن كسوف الشمس وخسوف القمر هما كذلك وقت عبادة مخصوصة تسمى بصلاة الكسوف والخسوف.
أي: ولأن ذلك مدار لإعلان العظمة الإلهية بتنقب([2]) آيتي الليل والنهار النورانيتين؛ فكأن الحق تعالى يدعو عباده إلى العبادة في هذا الوقت، وإلا فإن هذه الصلاة ليست لانكشاف خسوف القمر وكسوف الشمس اللذين محددٌ ومعروفٌ انكشافُهما ومدةُ استمرارهما بحساب الفلكيين.
كذلك فإن انحباس المطر هو وقت صلاة الاستسقاء، وإن استيلاء البلايا وتسلط الأشياء المضرة هي أوقات مخصوصة لقسم من الأدعية؛ بحيث إن الإنسان يدرك ويفهم عجزه في تلك الأوقات فيلتجئ إلى ديوان القدير المطلق وبابه بالدعاء والتضرع، فإذا لم تُدفَع البلايا مع كثرة الدعاء فلا ينبغي أن يقال: إن الدعاء لم يقبل، بل يقال: إن وقت الدعاء لم يَنْقَضِ بعدُ؛ فإذا رفع الحق تعالى البليَّةَ بفضله وكرمه فنُورٌ على نور، فعندئذ ينتهي وقت الدعاء وينقضي. إذن فالدعاء سر من أسرار العبودية.
وأما العبودية فينبغي أن تكون خالصة لوجه الله، وينبغي الالتجاء إليه بالدعاء بإظهار العجز فقط، مع عدم التدخل في ربوبيته، وينبغي تفويض التدبير إليه والاعتماد على حكمته، وعدم اتهام رحمته.
أجل؛ ففي الحقيقة كما أن كل فرد من أفراد الموجودات يقوم بتسبيح مخصوص وبعبادة مخصوصة وبسجود خاص وهو ثابت ببيان الآيات البينات، فإن كل ذلك دعاءٌ
[1] صلاة الاستسقاء: صلاة خاصة للتضرع إلى الله تعالى لنزول المطر.
[2] تنقب: اختفاء واستتار.
.
159. صفحة
يصعد من الكائنات إلى الباب الإلهي، إما بلسان الاستعداد، كأدعية جميع النباتات والحيوانات؛ بحيث إن كل واحد منها يطلب صورةً من الفيَّاض المطلق بلسان استعداده، ويريد كل واحد أن يكون مَظهرًا مُنْكشفًا لأسمائه تعالى.
وإما بلسان الاحتياج الفطري، كأدعية جميع ذوي الحياة لاحتياجاتها الضرورية التي ليست تحت قدرتها؛ بحيث يطلب كل واحد منها من الجواد المطلق بلسان احتياجه الفطري - لإدامة حياته- بعضًا من المطالب التي في حكم رزقٍ نوعًا ما.
وإما دعاء بلسان الاضطرار؛ بحيث إن كلَّ ذي روح مضْطَرّ يدعو ملتجئا الْتِجَاءً كاملاً إلى حاميه المجهول لديه، بل يتوجه بالدعاء إلى ربه الرحيم.
فهذه الأنواع الثلاثة من الأدعية مقبولة دائما إن لم يكن هنالك مانع.
أما النوع الرابع - وهو أشهرها- فدعاؤنا نحن، وهو على قسمين: أحدهما فِعْليٌّ وحاليٌّ، والآخر قلبي وقولي.
فمثلاً: التشبُّثُ بالأسباب دعاء فعليٌّ، فاجتماع الأسباب ليس لإيجاد المسبَّب، بل هو اتخاذ وضعية مُرْضِية لطلب المسبَّب من الحق تعالى بلسان الحال، حتى حراثة الأرض هي طَرقُ بابِ([1]) خزينة الرحمة، وهذا النوع من الدعاء الفعليّ أقرب إلى القبول في أكثر الأحيان؛ لأنه متوجه إلى اسم الجوَّاد المطلق وعنوانه.
أما القسم الثاني فهو الدعاء باللسان والقلب، وهو طلب بعض المطالب التي لا تصل إليها اليد، وأهم خواصه وأجمل غاياته وألذّ ثمراته هو أن الرجل الذي يدعو يفهمُ ويدرك أن هناك مَن يسمع خواطرَ قلبِه، وتصلُ يدُه إلى كل شيء، ويمكن أن يحقق له كلّ رغباتِه، ويرحَم عجزه، ويعينه على فقره عونًا.
فيا أيها الإنسان العاجز ويا أيها البشر الفقراء، لا تترك ولا تتخلَّ عن وسيلة كالدعاء التي هي مفتاح خزينة الرحمة ومدار قوة لا تنفد([2])، وتَمَسَّكْ بها، وارقَ([3]) إلى أعلى عليّي
[1] طَرَق الباب: دَقّه.
[2] تنفد : تنتهي.
[3] ارْقَ: اصعد وارتفع.
.
160. صفحة
الإنسانية، وضُمَّ - كسلطانٍ - أدعيةَ جميع الكائنات إلى دعائك أنت، وقل كعبد كلّيّ ووكيل عمومي:
﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وكن أحسن تقويم للكون.
161. صفحة
المبحث الثاني
هذا المبحث عبارة عن خمس نكات تدور حول سعادة الإنسان وشقاوته.
إن الإنسان قد أرسل إلى هذه الدنيا كمعجزة للقدرة ونتيجةٍ للخلقة وأعجوبةٍ للصنعة، أُلْقِي به في ميدان امتحان وفُتِحَ أمامه طريقان يؤدِّيان إلى ما لا نهاية له من السقوط والصعود؛ بحيث يمكن أن يتأرجح بين مقامات ومراتب ودرجات ودركات رُصَّتْ وَاصْطَفَّتْ من أسفل سافلين إلى أعلى عليين ومن الفرش إلى العرش، ومن الذرة إلى الشمس؛ لأنه خُلق في أحسن تقويم، وأُعطي استعدادًا جامعًا للغاية.
وسنبين سر ترقي الإنسان وتدنيه المذهلين في خمس نكات:
النكتة الأولى:
إن الإنسان محتاج إلى أنواع كثيرة من الكائنات ومتعلق بها، وقد انتشرت احتياجاته في كل أنحاء العالم، وامتدَّتْ رغباتُه إلى الأبد، فمثلما يطلب زهرة واحدة يطلب كذلك ربيعًا بأكمله، وكما أنه يرغب في حديقة؛ يرغب كذلك في الجنة الأبدية، وكما أنه يشتاق إلى رؤية صديق له؛ يشتاق كذلك إلى رؤية الجميل ذي الجلال، وكما أنه محتاج إلى فتح باب منزل لزيارة محبوب ساكن فيه، فكذلك محتاج للالتجاء إلى ديوان قدير مطلق يغلق باب الدنيا الكبيرة ويفتح باب الآخرة محشر العجائب، ويرفع ويزيل الدنيا، ويضع ويؤسس مكانها الآخرةَ لزيارة تسعة وتسعين بالمائة من أحبابه الذين رحلوا إلى عالم البرزخ، وللتخلص من الفراق الأبدي.
فلذا لا يمكن أن يكون معبودًا حقيقيًّا لإنسان هذا وضعه إلا مَن هو قدير ذو جلال، ورحيم ذو جمال، وحكيم ذو كمال، بيده زمام كل شيء، وعنده خزائن كل شيء، وناظر إلى كل شيء، وحاضرٌ في كل مكان، ومنَزَّهٌ عن المكان، ومُبَرَّأٌ من العجز، ومقدس عن العيوب والتقصير، ومعلّى عن النقص؛ لأنه لا يمكن أن يحقق حاجات
162. صفحة
الإنسان التي لا نهاية لها إلا من له علم محيط وقدرة لا نهاية لها، إذن فإنما هو وحده الذي يستحق المعبودية.
فيا أيها الإنسان؛ إنك إن صِرْتَ عبدًا له وحده، اكتسبتَ موقعًا فوق جميع المخلوقات، وإن استَنْكَفْتَ عن العبودية تصبح عبدًا ذليلاً للمخلوقات العاجزة، وإن اعتمدت على أنانيتك وقدرتك وتركت التوكل والدعاء وانحرفت إلى التكبر والادعاء؛ فعندئذ تسقط إلى منزلة أدنى من منزلة النحلة والنملة، وتصبح أضعفَ من العنكبوت والذبابة من حيث الخير والإيجاد، وتغدو أثقلَ من الجبل وأضرَّ من الطاعون من حيث الشر والتخريب.
أجل أيها الإنسان، إن فيك جهتين:
إحداهما: جهة الإيجاد والوجود والخير والثبوت والفعل.
والأخرى: جهة التخريب والعدم والشر والنفي والانفعال.
فمن حيث الجهة الأولى أنت أدنى من النحلة والعصفور، وأضعفُ من الذبابة والعنكبوت، وأما من حيث الجهة الثانية فأنت تتجاوز الجبال والأرض والسماوات وتحمل ما أشفقن منه وأظهرن عجزًا عن حمله، وتكتسب دائرة أوسع وأكبر منهن؛ لأنك عندما تقوم بالخير والإيجاد فإنما تستطيع أن تقوم بهما حسب وسعك وطاقتك، وإلى درجة ما تصل إليه يدك، وإلى مرتبة ما تبلغه قوتك فحسب، أما إذا قمت بالشر والتخريب فعندئذ يتجاوز شَرُّك وينتشر تخريبك.
فمثلاً: الكفر شر وتخريب وعدم تصديق، إلا أن تلك السيئة الواحدة تتضمن تحقير جميع الكائنات، وتزييف جميع الأسماء الإلهية، وإهانة الإنسانية كافة؛ لأن لهذه الموجودات مقامًا عاليًا ساميًا ووظيفة مهمة؛ إذ إنها مكتوبات ربانية، ومرايا سبحانية، وموظفات ومأمورات إلهية، والكفر يُسقِطها من مقام كونها مرايا وموظفات ودالة على معانٍ ومغازٍ جمة([1])، كما أنه يُنْزِلها إلى دركة لعبة العبثية والتصادف وإلى مواد فانية تتفسخ وتتغير سريعًا بتخريب الزوال والفراق وإلى مرتبة التفاهة والحقارة والعدم، كذلك يُزَيِّف بالإنكار الأسماء الإلهية التي تَظهر وتتراءى نقوشها وتجلياتها وجمالها على كل
[1] جمة: كثيرة.
:
163. صفحة
الكائنات ومرايا الموجودات، ويقذف بمن هو صاحب مرتبة الخلافة الأرضية التي تسمى بالإنسانية، ومن هو قصيدة حكمة منظومة تعلن عن تجليات كل الأسماء القدسية الإلهية بأحسن صورة، ومَن هو معجزة باهرة للقدرة كبذرة جامعة لأجهزة شجرة باقية، ومَن تفَوَّقَ على الأرض والسماء والجبال بتحمله الأمانة الكبرى، ومَن اكتسب رجحانا على الملائكة؛ يقذفه - الكفرُ - إلى دركةٍ أذل وأضعف وأعجز وأفقر من دركةِ أذل حيوان فانٍ زائلٍ، ويهوي به إلى دركة لوحة بسيطة مُشَوَّشَة لا معنى لها، تَفسُد وتَخرُب سريعًا.
الحاصل:
إن النفس الأمارة يمكنها أن تقترف جناية لا نهاية لها من حيث التخريب والشرّ، بينما قدرتها على الإيجاد والخير ضئيلة جدًّا وجزئية.
أجل؛ إنها تهدم بيتًا في يوم واحد ولا تستطيع أن تبنيه في مائة يوم، ولكن إذا تخلت عن الأنانية وطلبت الخير والوجود من التوفيق الإلهي، وتخلت عن الشر والتخريب وعن الاعتماد على النفس، وأصبحت عبدًا حقيقيًّا بالاستغفار؛ فحينئذ تصبح مظهرًا لسر: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَٰتٍ﴾ (سورة الفرقان: ٢٥/٧٠)، وينقلب ما فيها من قابلية الشر غير المحدودة إلى قابلية الخير غير المحدودة، فتكتسب قيمة: ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، وتسمو إلى أعلى عليين.
فيا أيها الإنسان الغافل؛ انظر إلى فضل الحق تعالى وكرمه، ففي الوقت الذي تقتضي العدالة أن يكتب السيئة الواحدة ألف سيئة، والحسنة الواحدة حسنة - أو لا يكتبها أصلاً - فإنه يكتب السيئة سئية واحدة والحسنة عشر حسنات، وأحيانًا سبعين، وأحيانًا سبعمائة، وأحيانًا سبعة آلاف حسنة.
ثم افهم من هذه النكتة أنّ دخول جهنمَ الْمُذهلة المرعبة هو جزاء العمل وهو عين العدالة، ولكن دخول الجنة محضُ فضلٍ.
النكتة الثانية:
إن في الإنسان وجهين: أحدهما ناظر ومتوجه إلى هذه الحياة الدنيوية من جهة الأنانية، والآخر ينظر ويتوجه إلى الحياة الأبدية من جهة العبودية.
164. صفحة
فإنه باعتبار الوجه الأول مخلوق مسكين بائس؛ بحيث إن رأس ماله من الاختيار ليس إلا اختيارا جزئيا ضئيلا كالشعرة، ومن القدرة كسبا ضعيفا، ومن الحياة شعلةً تنطفئ سريعًا، ومن العمر مدةً بسيطةً تمضي وتمرّ سريعًا، ومن الوجود جسمًا صغيرًا يتفسخ سريعًا، فهو يوجَد بحالته هذه كفرد ضعيف رقيق من أفراد لا عد لهم لأنواع لا حد لها منتشرة في طبقات الكون.
وأما باعتبار الوجه الثاني وخاصة من جهة العجز والفقر المتوجهين إلى العبودية؛ فإن له سعة عظيمة وأهمية كبيرة؛ لأن الفاطر الحكيم قد أدرج في الماهية المعنوية للإنسان عجزًا عظيمًا لا نهاية له، وفقرًا جسيمًا لا حد له؛ حتى يكون مرآةً جامعة واسعةً لتجليات لا حد لها لِذاتِ قدير رحيم لا نهاية لقدرته، وغَنِيٍّ كريمٍ لا نهاية لغناه.
نعم؛ إن الإنسان يشبه بذرة، فكما أن لتلك البذرة أجهزةً معنويةً ومهمةً من لدن القدرة، وبرنامجًا دقيقًا قيّمًا من لدن القدر، وتجد كمالاً لائقًا لها حتى تعمل وتتفاعل تحت التراب إلى أن تخرج من ذلك العالم الضيق وتدخل عالم الهواء الفسيح، وتطلب من خالقها بلسان الاستعداد أن تكون شجرة.
فأما إذا صرفت تلك البذرة - لسوء مزاجها - أجهزتها المعنوية التي مُنحتها لجلب بعض المواد المضرة تحت التراب؛ فإنها ستتفسخ وتتعفن بلا فائدة في ذلك المكان الضيق في مدة قصيرة.
وأما إذا استعملت هذه البذرة تلك الأجهزة المعنوية استعمالاً حسنًا بامتثالها للأمر التكويني لِـ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوٰى﴾ (سورة الأنعام: ٦/٩٥) فستخرج من ذلك العالم الضيق، وتكون شجرة مثمرة ضخمة وبذلك تأخذ حقيقتُها الصغيرة الجزئية وروحها المعنوية صورةَ حقيقةٍ كليةٍ عظيمةٍ.
فكما في هذا المثال؛ قد أُودِعت كذلك في ماهية الإنسان أجهزة مهمة من لدن القدرة، وبرامج قيِّمة من لدن القدر، فإذا صرف الإنسان أجهزته المعنويةَ هذه في سبيل هوى النفس في هذا العالم الأرضي الضيق تحت تراب الحياة الدنيوية؛ فإنه سيتفسخ ويتعفن - مثل تلك البذرة المتفسخة - في عمر قصير في مكان ضيق وفي
165. صفحة
حالة حرجة من أجل تلذذ جزئي، وتتحمل روحه الشقية المسئولية المعنوية، ثم يرحل عن هذه الدنيا.
أما إذا ربّى بذرةَ الاستعداد هذه تحت تراب العبودية بماء الإسلام وبضياء الإيمان، ووجّه أجهزته المعنوية إلى غاياتها الحقيقية بامتثال الأوامر القرآنية؛ فلا شك أنه سيُصبح بَذْرة قيمة جامعة لأجهزةِ حقيقة دائمة ولشجرة باقية تنبت فروعًا وأغصانًا في عالم المثال والبرزخ، ويكون مدارًا لكمالاتٍ ونعمٍ لا حد لها في عالم الآخرة والجنة، ويصبح ماكينة رائعة وثمرة مباركة منوّرة لشجرة هذا الكون.
أما الترقي الحقيقي فإنما هو بتوجيه وجوه ما مُنِحه الإنسان من القلب والسر([1]) والروح والعقل وحتى الخيال وسائر القوى إلى الحياة الأبدية، واشتغال كل منها بوظيفة عبودية خاصة تليق بها، وإلا فإن ما يظنه أهل الضلالة تقدما وترقيا من تسخير كل لطائف الإنسان وقلبه وعقله للنفس الأمارة، وجعلها معينة لها لتذوق كل أنواع الأذواق حتى السُّفلى منها من أجل الانغماس والتعمق في جميع دقائق الحياة الدنيوية، فهو ليس بترقٍّ بل سقوط، ولقد رأيت هذه الحقيقة في واقعة خيالية وفي تمثيل هكذا:
دخلتُ مدينةً كبيرةً فرأيت فيها قصورًا فخمةً، ونظرت إلى أبواب بعضها فوجدتها تلفت الأنظار كمهرجانات مبهجة، ومسارح جاذبة تلهي كلَّ الناس وتجذبهم، فأمعنت النظر، فرأيت أن سيد ذلك القصر جاء إلى الباب يلاعب الكلب ويداعبه، والسيدات في مؤانسة حلوة مع شباب أجانب، والبنات البالغات ينظّمن لعب الأطفال، والبوّاب اتخذ طور الممثل كأنه قائدهم ورئيسهم، أدركت حينها أن داخل ذلك القصر الفخم خالٍ تمامًا، وقد توقفت الوظائف الدقيقة الحساسة كلها وتعطلت، وتهاوت وسقطت أخلاقهم حتى وصلوا إلى هذه الصورة عند الباب.
ومضيت فوجدت قصرًا فخمًا آخر فرأيت أن كلبًا وَفِيًّا قد تَمَدَّدَ أمام الباب، وكان هناك بوّاب مهيب هادئ، وكانت هناك حالة من الهدوء والسكون، وثار انتباهي وتعجبت
[1] السِرُّ: لطيفة مودعة في القلب كالروح في البدن، وهي محل المشاهدة، كما أن الروح محل المحبة، والقلب محل المعرفة.
166. صفحة
لماذا كان الأول كذلك وهذا هكذا؟ ودخلته فرأيت فيه ابتهاجاتٍ وأفراحًا، ورأيت أهل القصر منشغلِينَ في طوابق بعضها فوق بعض بوظائف دقيقةٍ حساسةٍ مختلفة؛ فالرجال في الطابق الأول يقومون بإدارةِ وتدبيرِِ القصر، وفي الطابق الذي يليه يتلقى الأولادُ والبنات الدروسَ، وفي الطابق الذي يليه تشتغل السيداتُ بفنون في غاية اللطافة ونقوش بديعة، ورأيت في الطابق الأعلى أن السيد يُجري اتصالاتٍ بالسلطان، ويشتغل بوظائف علويةٍ خاصة به من أجل توفير راحة الشعب، ومن أجل كمالاته الشخصية وترقياته.
ولأنني لم أَظْهَر لهم؛ فقد تجولت في القصر دون أن يقولوا لي: ممنوع، ثم خرجت.
ورأيت أن في كل أنحاء هذه المدينة هذين القسمين من القصور، فسألت، فقالوا: إن القصر الذي ببابه المهرجاناتُ والاحتفالاتُ والذي خلا من أهله هو لأكابر الكفار ولأهل الضلالة، والآخَر هو لأكابر المسلمين الشرفاء.
ثم صادفت قصرًا في زاوية ورأيت عليه اسم (سعيد) فأثار انتباهي، وأنعمتُ النظرَ وكأني أرى صورتي عليه، فصرخت من شدة تعجبي، وثاب([1]) إليّ رشدي فأفقت.
فسأَعْبُرُ وأفسر لك هذه الواقعة الخيالية، جعلها الله خيرًا:
فأما تلك المدينة فهي الحياة الاجتماعية للبشرية ومدينة الحضارة الإنسانية.
وأما كل واحد من تلك القصور فهو إنسان.
وأما أهل القصر فهم ما في الإنسان من لطائف؛ كالعين والأذن والقلب والسر والروح والعقل، وما فيه من أشياء؛ كالنفس والهوى والقوة الشهوانية والقوة الغضبية.
ولكل لطيفة لدى كل إنسان وظيفة عبودية مختلفة، ولها لذائذها وآلامها المختلفة، فالنفس والهوى والقوة الشهوانية والغضبية بحكم بوّاب وكلب حراسة، وإنَّ جَعْلَ اللطائف السامية مسخّرةً للنفس والهوى، وجعْلها تنسى وظائفها الأصلية هو - بلا شك - سقوطٌ وليس ترقِّيًا.
فيمكنك أن تَعْبُر وتفسر سائر الجهات.
[1] ثاب: عاد ورجع.
.
167. صفحة
النكتة الثالثة:
إن الإنسان من جهة الفعل والعمل وباعتبار السعي المادي حيوانٌ ضعيف ومخلوقٌ عاجز، ودائرة تصرفاته ومالكيته من هذه الجهة ضيقةٌ؛ بحيث إنه لو مدَّ يده يستطيع أن يصل إليها، حتى الحيوانات الأليفة التي سلّمتْ زمامَها ليد الإنسان قد تأثرتْ بضعفه وعجزه وكسله؛ بحيث إنه إذا قورنت بأمثالها من الحيوانات الوحشية ظهر فرق عظيم، كما هو بين الماعز والثور الأليفين، وبين التيس والثور الوحشيين.
ولكن هذا الإنسان من جهة الانفعال والقبول والدعاء والسؤال مسافر عزيز في خان([1]) الدنيا، وهو ضيف لِذَاتٍ كريمٍ؛ بحيث إنه قد فتح له خزائن رحمته غير المتناهية، وسخَّر له مصنوعاته البديعة غير المحدودة وخدّامه الذين لا حد لهم، وفتح وهيأ - كي يشاهد هذا الضيفُ ويستفيد منها ويتنزه فيها - دائرةً واسعةً؛ بحيث إن نصف قطر تلك الدائرة - أي من المركز إلى المحيط - هو بقدر ما يصل إليه البصر، بل هو واسع وطويل بطول ما يصل إليه الخيال.
فإذا استند الإنسان إلى أنانيته، واتخذ الحياةَ الدنيا غايةَ الآمال، وسعى واجتهد في همّ المعيشة من أجل بعض اللذائذ المؤقتةِ؛ فإنه يغرق في دائرة ضيقة للغاية، وستشتكي منه وستقاضيه كلُّ الأجهزة والآلات واللطائف التي مُنحها وستَشْهَدُ عليه يوم الحشر.
أما إذا علم أنه ضيف، وصرف رأس مال عمره وفق إذن الذات الكريم الذي هو ضيف عنده؛ فيعمل بأحسن صورة في دائرة واسعة لأجل حياة أبدية طويلة، ويتنفس الصعداء، ويستريح، ثم يمكنه أن يسمو إلى أعلى عليِّين، ويشهد له في الآخرة - برضًا - كل ما مُنحه من أجهزة وآلات.
نعم؛ إن كل الأجهزة العجيبة التي مُنحها الإنسان لم تُمنح من أجل هذه الحياة الدنيوية التافهة، بل مُنحها من أجل حياة باقية مهمة للغاية؛ لأننا إذا قارنَّا بين الإنسان والحيوان رأينا أن الإنسان غني جدًّا باعتبار الأجهزة والآلات، ويفوق الحيوان مائة مرة،
[1] الخان: الفندق، أو ما ينزل فيه المسافرون في طرقهم للاستراحة والنوم وما شابه ذلك.
168. صفحة
إلا أنه من ناحية لذة الحياة الدنيوية، ومن ناحية حياته الحيوانية يسقط أسفل منه مائة درجة؛ لأن في كل لذة يتلذذها آثار آلاف الآلام.
ثم فضلاً عن ذلك فإن آلام الماضي، ومخاوف المستقبل، وآلام زوال كل لذة؛ تنغص عليه أذواقَه وتترك أثرًا على لذته، ولكن الحيوان ليس كذلك، فهو يتلذذ دون ألم، ويتمتع بدون كدر، فلا تؤذيه آلام الزمن الماضي، ولا ترعبه مخاوف المستقبل، ويعيش وينام براحة ويشكر خالقه.
إذن فالإنسان الذي خلق في أحسن تقويم إذا حصر فكره في الحياة الدنيوية فإنه يسقط إلى أسفل من حيوانٍ كالعصفور مائة درجة، مع أنه أرفع منه مائة درجة من حيث رأس المال. وكنت قد بينت هذه الحقيقة بمثال، ولمناسبة المقام أكرر هذا المثال مرة أخرى وهو:
إن رجلاً أعطى خادمه عشر ليرات ذهبية، وأمره بأن يُفَصِّل له بزَّة من أجود أنواع الأقمشة، وأعطى خادمه الآخر ألف ليرة ذهبية ووضع في جيبه مذكرةً صغيرةً مكتوب فيها بعض الأشياء، ثم أرسلهما إلى سوق.
فالخادم الأول يشتري بعشر ليرات ذهبية بزَّة رائعة من أجود أنواع الأقمشة، وأما الخادم الثاني فقد أعطى بائع الأقمشة - بحماقة - ألف ليرة ذهبية مقتديًا بالخادم الأول، دون أن يقرأ ما كُتب في المذكرة التي وُضِعت في جيبه، وطلب منه بزَّةً، فأعطاه بائع الأقمشة عديمُ الإنصاف بدوره بزَّةً من أرْدَأ أنواع القماش.
ثم قَدِمَ هذا الخادم الشقي إلى حضرة سيده، فوجد تعنيفًا شديدًا وتعذّب عذابًا أليمًا، فالذي يملك أدنى شعور يدرك أن الألف الليرة الذهبية التي أعطيت للخادم الثاني ليست لشراء بزَّة واحدة فقط، بل هي لتجارة مهمة.
كذلك فإن كل جهاز من أجهزة الإنسان المعنوية وكل لطيفة من لطائفه لتنبسط بمائة درجة إذا ما قورنت بما في الحيوان.
فمثلاً: أين عين الإنسان التي تُمَيِّز بين جميع مراتب الجمال؟ وأين قوته الذائقة التي تميز بين الطعوم الخاصة المتنوعة لجميع الأطعمة؟ وأين عقله الذي يَنْفُذُ إلى جميع دقائق
169. صفحة
الحقائق؟ وأين قلبه الذي يشتاق إلى جميع أنواع الكمالات؟ أين هذا كله وسائر أجهزته من أجهزة وآلات الحيوان البسيطة للغاية التي لا تنكشف إلا لحد مرتبةٍ أو مرتبتين فقط؟
إلا أن هناك ميزة واحدة لأجهزة الحيوان وهي أنه ينكشف جهازٌ مخصوص لنوع معين من الحيوانات انكشافًا أكثر في عمل خاص به، ولكن هذا الانكشاف خاصٌّ.
أما غنِى الإنسان من جهة الأجهزة فيتأتى من السرِّ التالي:
إن حواس الإنسان ومشاعره انكشفت وانبسطت إلى حد بعيد بسبب العقل والفكر، وظهرت لديه حواس متنوعة متعددة فى غاية الكثرة بسبب كثرة الاحتياجات، وتنوعت حواسه كثيرًا، وأصبح مدارًا لرغبات متوجهة إلى مقاصد كثيرة للغاية بسبب جامعية فطرته، واكتسبت آلاته وأجهزته انبساطًا كبيرًا بسبب وظائفه الفطرية الكثيرة المتنوعة، ومُنح استعدادًا جامعًا لبذور جميع الكمالات؛ لأنه خُلق على فطرة ذات استعداد لجميع أنواع العبادات.
فغنى أجهزته إلى هذا الحد، وكثرة رأس ماله، لم يُمنَحْهما البتة لتحصيل هذه الحياة الدنيوية المؤقتة التى لا أهمية لها، بل الوظيفة الأصلية لمثل هذا الإنسان هي القيام بالوظائف المتوجهة إلى المقاصد غير المتناهية، والإعلان عن عجزه وفقره وتقصيره في صورة العبودية، والشهادة لتسبيحات الموجودات بمشاهدته لها بنظره الكلي، والشكر بمشاهدة الإمدادات الرحمانية في ثنايا النعم، والتفكر بنظر العبرة بمشاهدة معجزات القدرة الربانية فى المصنوعات.
فيا أيها الإنسان الغافل العابد للدنيا، والعاشق للحياة الدنيوية، والغافل عن سر “أحسن تقويم”؛ قد رأى سعيدٌ القديم حقيقة هذه الحياة الدنيوية في واقعة خيالية، فاستمع إلى هذه الواقعة الثمثيلية التى قد حولته إلى سعيدٍ الجديد:
قد رأيتُني مسافرًا أسافر سفرًا طويلاً؛ أي أُرسَل، فسَيِّدِي قد كان يعطيني تدريجيًّا بضعةَ نقود مما كان قد خصص لى من ستين ليرة ذهبية، وأنا بدوري أنفقتُها حتى وصلت إلى خانٍ به ملهى، فأنفقتُ الليرات الذهبية العشرة في ليلة واحدة في القمار واللهو وفي سبيل الشهرة، وفي الصباح لم يبق فى يدي أيَّة نقود، ولم أستطع أن أقوم
170. صفحة
بأيَّة تجارة، ولم أستطع أن أتَبَضَّع أية بضاعة للمكان الذي أقصِده، ولم يتبق عندي من تلك النقود إلا الآلام والآثام وما ينشأ عن اللهو من جروح وقروح وهموم.
وبينما كنت فى تلك الحالة الحزينة؛ إذ ظهر رجل، فقال لي: قد ضيَّعتَ رأس مالك كليًّا، ولقد أصبحت مستحقًّا للصفع، وستذهب إلى المكان الذي تريده مفلسًا صفر اليدين، ولكن إن كنت عاقلاً فدونك باب التوبة، احتفظ بنصف ما سيُعطَى لك من الليرات الذهبية الخمسة عشرة الباقية كلما أُعطيت لك كاحتياط؛ أي: اشتر بعض الأشياء التي ستحتاج إليها في المكان الذي تقصده، فوجدت نفسي لا ترضى، فقال: احتفظ بثلثه إذن، فلم تطعه نفسي كذلك، ثم قال: ربعه، فوجدت نفسي لم تترك عادتها التي أدمنتها، فولىَّ الرجل وجهه عني بحدة وانصرف.
وتَغَيَّرَت تلك الحالة فجأة، وإذا بي في قطار يسير بسرعة مذهلة في نفق كأنه يسقط فيه، فشعرت بقلق واضطراب، ولكن ما الحيلة؟! حيث لا يمكن الفرار إلى أية جهة.
ومن الغرابة أنه كانت تظهر على جانبَي القطار أزهارٌ جذابة جدًّا وفواكهُ لذيذة، وأنا بدوري نظرت إليها كعديمي الخبرة الأغبياء ومددت يدي إليها، وحاولت أن أَقتطف تلك الأزهار والفواكه، إلا أن تلك الأزهار والفواكه كانت شائكة ينغرز شوكها في يدي ويُدميها، ويمزق يدي بذهاب القطار وابتعاده عنها، فكانت غالية الثمن بالنسبة لي.
وفجأة قال لي أحد الخدام بالقطار: أعطني خمسة قروش وسأعطيك كل ما تريد من تلك الأزهار والفواكه؛ إذ إنك تخسر مائة قرش بتمزق يدك بدلاً من خمسة قروش، وهناك عقاب كذلك، فإنك لا تستطيع أن تقتطفها دون إذن.
فمِن جَرَّاءِ هذا الضيق والكرب نظرت فجأة إلى الأمام مُخرِجًا رأسي لأرى متى ينتهي هذا النفق، فرأيت فتحات كثيرة تتراءى بدلاً من مخرج النفق، ويُقذف من هذا القطار الطويل رجال إلى تلك الفتحات، ورأيت في قبالتي فتحة قد نُصب على طرفيها حجران كشاهدَيْ قبر، فأمعنت فيهما النظر فرأيت أنه قد كتب على ذينك الحجرين اسم (سـعيد) بحروف بارزة، فتأوهت من أسفي وحيرتي، وفجأة سمعت صوت ذلك الشخص الذي نصحني في باب ذلك الخان، يقول: أَعُدْتَ إلى رشدك؟
171. صفحة
قلت: نعم؛ عدت، ولكنني انتهيت ولم تبق لي طاقة.
قال: وليس هناك حل، فتب وتوكل.
قلت: تبت وتوكلت.
فأفقت، وقد اختفى سعيد القديم ورأيت نفسي سعيدًا الجديد.
فسأفسر قسمًا أو قسمين من هذه الواقعة الخيالية جعلها الله خيرًا، وفسر أنت سائر جهاتها:
أما ذلك السفر فهو سفر يبدأ من عالم الأرواح ويمر برحم الأم وبالشباب وبالشيخوخة، وبالقبر وبالبرزخ وبالحشر والصراط إلى ناحية أبد الآباد.
وأما تلك الليرات الذهبية الستون فهي العمر البالغ ستين عامًا؛ بحيث كنت أحسب أنني في الخامسة والأربعين عندما رأيت هذه الواقعة وليس لي وثيقة ضمان، ولكن أرشدني تلميذ خالص للقرآن الحكيم لكي أصرف للآخرة نصف ما تبقى من الخمس عشرة سنة الباقية.
وأما ذلك الخان فهو بالنسبة لي إسطنبول.
وأما ذلك القطار فهو الزمان، وكل سنة عربة من عرباته.
وأما ذلك النفق فهو الحياة الدنيوية.
وأما تلك الأزهار والفواكه الشائكة فهي اللذائذ غير المشروعة واللهو المحرم، بحيث يدمي ألمُ تصور زوالها القلبَ في أثناء الملاقاة ويمزقه عند المفارقة، ويعاقبه أيضًا.
وكان قد قال أحد خدام القطار: أعطني خمسة قروش وسأعطيك منها ما تريده، فتعبير ذلك وتفسيره هو: أن اللذائذ والأذواق التي يجدها الإنسان بسعيه الحلال ضمن الدائرة المشروعة كافية لتلذذه وراحته، ولا تترك احتياجًا للولوج في الحرام.
ويمكنك أن تعبر سائر أقسامها وتفسرها.
172. صفحة
النكتة الرابعة:
إن الإنسان في هذا الكون يشبه طفلاً ضعيفًا رقيقًا للغاية، له قوة كبيرة في ضعفه وقدرة عظيمة في عجزه؛ لأن هذه الموجودات قد سُخِّرت له بقوة الضعف وقدرة العجز.
فلو أدرك الإنسان ضعفه، ودعا قولاً وحالاً، وعرف عجزه فطلب المدد فإنه مع أداء شكره لذلك التسخير يُوَفَّق لمطلوبه وتُسخَّر له مقاصدُه بدرجة لا يمكن أن يكون موفَّقًا إلى عُشْرِ معشارها بقدرته الذاتية، إلا أنه في بعض الأحيان ينسب خطأً إلى قدرته الذاتية ما يتحصل عليه من مطلوب بدعائه بلسان الحال.
مثلاً: إن القوة الكامنة في ضعف فرخِ الدجاج هي التي تجعله يهجم على الأسد، والشبل الذي ولد حديثًا يُسخِّر الأسد المفترس الجائع لنفسه فيشبع هو ويتركه جائعًا.
فانظر إلى القوة العجيبة الكامنة في الضعف، وما فيه من تجلي الرحمة الجدير بالملاحظة:
كما أن طفلاً ضعيفًا يُوَفَّقُ إلى مطالبه ببكائه أو بطلبه أو بحالته الحزينة، ويُسخَّر له أقوياء؛ بحيث لا يستطيع أن يبلغ بقوته الضئيلة واحدًا من الألف من تلك المطالب ولو تضاعفت قوته ألف مرة؛ أي: لأن الضعف والعجز حرَّكا الشفقة عليه والحماية له؛ فإنه يسخر الأبطال لنفسه بتحريك أصبعه الصغير. فالآن إن قال طفل كهذا - منكِرًا تلك الشفقة ومتَّهِمًا تلك الحمايةَ بغرور أحمق -: “إنني أسَخِّر هؤلاء بقوتي”، فلابد أن يقابل بلطمة.
فكذلك الإنسان إن قال كقارون، منكرًا رحمة خالقه ومتهمًا حكمته وكافرًا بنعمه: ﴿إِنَّمَۤا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ (سورة القصص: ٢٨/٧٨) أي اكتسبته بعلمي الذاتي وقدرتي الذاتية؛ فلاشك أنه يستحق لطمة العذاب.
إذن إن ما يشاهد من السلطنة الإنسانية والترقيات البشرية والكمالات المدنية الحضارية ليست بالجلب ولا بالغلبة ولا بالجدال، بل قد سُخِّرت له من أجل ضعفه، وقد أُعِين بها من أجل عجزه، وقد أُحسِن بها إليه من أجل فقره، وقد أُلْهِمَها من أجل جهله، وقد أُكرِم بها من أجل احتياجه.
173. صفحة
وإن سبب تلك السلطنة ليس القوة والقدرة العلمية بل هو الشفقة الربانية ورأفتها، والرحمة الإلهية وحكمتها بحيث سَخَّرَتْ له الأشياء.
نعم؛ إن الذي يُلبس الإنسانَ - الذي يُغلَب من حشرات كعقرب أعمى وثعبان بلا أرجل - الحريرَ من دودة صغيرة ويطعمه العسلَ من حشرة سامة ليس قدرته هو، بل هو التسخير الرباني والإكرام الرحماني اللذان هما من ثمرة ضعفه.
أيها الإنسان؛ ما دامت الحقيقة هكذا فاترك الغرور والأنانية، وأعلن عجزَك وضعفَك أمام الحضرة الإلهية بلسان الاستمداد، وفقرَك وحاجاتك بلسان التضرع والدعاء، وأَظهر أنك عبد، وقل: ﴿حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (سورة آل عمران: ٣/١٧٣) وارتق واسمُ.
ولا تقل: إنني لست بشيء، فما أهميتي حتى تُسخَّرَ لي عن قصد هذه الكائناتُ من قِبل حكيمٍ مطلقٍ، ويُطلبَ مني شكرٌ كليّ؟ لأنك في الحقيقة باعتبار نفسك وصورتك في حكم اللاشيء، ولكنك ومِن حيث الوظيفة والمرتبة في حكم مشاهد فطن لهذه الكائنات العظيمة الهائلة، وفي حكم لسان ناطق بليغ لهذه الموجودات الحكيمة، وفي حكم مطالع متفهم لكتاب العالم هذا، وفي حكم ناظر ومشرف متحير لهذه المخلوقات المسبحة، وفي حكم معلِّم خبير مُبجَّل([1]) لهذه المصنوعات المتعبدة.
نعم أيها الإنسان، إنك من ناحية جسمانيتك النباتية ونفسك الحيوانية جزء صغير، وجزئي حقير، ومخلوق فقير، وحيوان ضعيف؛ بحيث إنك تترنح وتتماوج في أمواج جميع هذه الموجودات السيّالة المذهلة، ولكنك من ناحية الإنسانية التي تتكمل بنور الإيمان الذي يتضمن ضياء المحبة الإلهية، وبالتربية المنوّرة للإسلام سلطانٌ في عَبديتك، وكليٌّ في جزئيتك، وعالمٌ في صغرك، وناظرٌ ومشرفٌ في حقارتك، دائرة نظارتك وإشرافك واسعة، ولك مقام عظيم؛ حيث يمكنك أن تقول: إن ربي الرحيم قد جعل الدنيا مسكَنًا ومأوىً لي، وجعل الشمس والقمر مصباحًا لمسكني هذا، والربيعَ باقة ورد، والصيفَ مائدة نعمة، والحيوانات خدمًا، والنباتات لوازمَ مزينةً لمسكني هذا.
[1] مُبجَّل: معظم.
.
174. صفحة
ونتيجة الكلام: إنك إن أصغيت إلى النفس والشيطان؛ فستسقط إلى أسفل السافلين، أما إن استمعت إلى الحق والقرآن؛ فستَسْمُو إلى أعلى عليين، فتكون أحسن تقويم للكائنات.
النكتة الخامسة:
إن الإنسان قد أرسل إلى هذه الدنيا موظفًا وضيفًا، وأعطي استعدادًا مهما للغاية، وأودِعَت فيه وظائفُ مهمة حسب تلك الاستعدادات، وقد رُهِّب بتهديدات مرعبة ورُغِّب بترغيبات مغرية؛ من أجل أن يؤدي تلك الوظائف، وأن يبلغ تلك الغايات.
وسنُجمِل هنا أساس وظيفة الإنسانية والعبودية التي أوضحناها في مكان آخر؛ حتى يُفهم سر أحسن التقويم؛ فالإنسان بعد مجيئه إلى هذا الكون له عبودية من جهتين اثنتين.
الجهة الأولى: عبودية وتفكر بصورة غيابية.
والأخرى: عبودية ومناجاة بصورة مخاطبة حاضرة.
الوجه الأول: نظارته وإشرافه بإعجاب على كمالات ومحاسن سلطنة الربوبية التي تُرى في الكون، وتصديقها بإطاعة، ثم الإعلان عن بدائع الصنعة التي هي عبارة عن نقوش الأسماء الإلهية القدسية والدلالة عليها بإظهارها أمام نظر عبرة بعضهم بعضًا، ثم وزن جواهر الأسماء الربانية - التي كل منها بحكم كنز مخفي معنوي على حِدَةٍ - بميزان الإدراك، وتقييمها بالتقدير والإعجاب بعرفان الجميل النابع من القلب، ثم المطالعة والتفكر بالإعجاب والحيرة في صحائف الموجودات وأوراق الأرض والسماء التي كل منها بحكم مكتوبات قلم القدرة، ثم محبة معرفةِ الفاطر ذي الجمال لهذه الموجودات بمشاهدة تزييناتها وصنائعها اللطيفة باستحسان، والاشتياق إلى المثول بين يدي صانعها ذي الكمال وإلى نيل التفاتاته.
الوجه الثاني: وهو مقام الحضور والخطاب؛ حيث ينتقل من الأثر إلى المؤثر، فيرى أن صانعًا ذا جلال يريد أن يُعَرِّفَ نفسَه بمعجزات صنعته، وهو بدوره يقابله بالإيمان والمعرفة.
175. صفحة
ثم يرى أن رَبًّا رحيمًا يريد أن يحبب نفسه بثمرات رحمته الجميلة، وهو بدوره يحبب نفسه إليه تعالى بحصر المحبة وتخصيص العبودية له.
ثم يرى أن مُنعِمًا كريمًا يحيطه بنعمه اللذيذة المادية والمعنوية، وهو بدوره يقابله بالشكر والحمد والثناء بفعله وحاله وقوله، بل حتى - لو استطاع - بكل حواسه وأجهزته.
ثم يرى أن جليلاً جميلاً يظهر كبرياءه وكماله وجلاله وجماله في مرايا هذه الموجودات، ويجلب إليها الأنظار، وهو بدوره يسجد له في فناء بالحيرة والمحبة قائلاً: “الله أكبر”، “سبحان الله”.
ثم يرى أن غنِيًّا مطلقًا يُظهر ثرواته وخزائنه غير المحدودة في سخاوة مطلقة، وهو بدوره مقابل ذلك يسأله ويطلب منه بكمال الافتقار في تعظيم وثناء.
ثم يرى أن ذالك الفاطر ذا الجلال قد جعل وجه الأرض كمعرض يعرض فيه كل صنائعه العتيقة النادرة، وهو بدوره تجاه ذلك يقابله بالتقدير قائلاً: “ما شاء الله” وبالتحسين قائلاً: “بارك الله” وبالإعجاب قائلاً: “سبحان الله” وبالاستحسان قائلاً: “الله أكبر”.
ثم يرى أن واحدًا أحدًا يضعُ ختمَ الوحدة ودمغتها على الموجودات كلها في قصر الكون هذا بسككه التى لا تقلّد، وبأختامه المخصوصة به، وبطُررهِ الخاصة به، وبمنشوراته السلطانية الخاصة به، وينقش عليها آيات التوحيد، ويَنصِب عَلَمَ الوحدانية على آفاق أقطار العالم، فيُعلن ربوبيته، وهو بدوره يقابله بالتصديق وبالإعلان وبالتوحيد، وبالإذعان وبالشهادة وبالعبودية.
فبهذا النوع من العبادة والتفكر يصبح إنسانًا حقًّا، ويُظهر أنه فى أحسن تقويم، ويصبح بيُمن الإيمان خليفةَ الأرض الأمينَ الجدير بالأمانة.
فيا أيها الإنسان الغافل الذي خُلق في أحسن تقويم، والذي يسير ويمضي نحو أسفل السافلين بسوء اختياره، اسمعني:
انظر إلى لوحَتَيْ الحقيقة (اللتين كتبتا في صفحتي ١١٩ - ١٢٠ من المقام الثاني للكلمة السابعة عشرة) وأبصر كيف أنني كنت أرى عند ساعة إفاقتي وصحوتي من سُكر الشباب في صبح المشيب وجهَ الدنيا غير المتوجه إلى الآخرة قبيحًا، والذي كنت
176. صفحة
أظنه جميلاً، ووجهَها الحقيقيَ المتوجهَ إلى الآخرة جميلاً عندما كنت أرى الدنيا لطيفةً جميلةً وأنا غافل بنشوة الشباب وسكره مثلك.
فاللوحة الأولى تصور وتصف حقيقة دنيا أهل الغفلة التي قد رأيتها قديمًا بحجاب الغفلة كما يراها أهل الضلالة ولكن دون أن أَسْكَرَ.
واللوحة الثانية تشير إلى حقيقة دنيا أهل الهداية والطمأنينة، تركتهما كما كُتِبتا قديمًا، تشبهان الشعر إلا أنهما ليستا بشعر.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي.
اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّةِ اللَّطِيفَةِ الأَحْمَدِيَّةِ شَمْسِ سَمَاءِ الأَسْرَارِ وَمَظْهَرِ الأَنْوَارِ وَمَرْكَزِ مَدَارِ الجَلاَلِ وَقُطْبِ فَلَكِ الجَمَالِ.
اَللَّهُمَّ بِسِرِّهِ لَدَيْكَ وَبِسَيْرِهِ إِلَيْكَ آمِنْ خَوْفِي، وَأَقِلْ عَثْرَتِي، وَأَذْهِبْ حُزْنِي وَحِرْصِي، وَكُنْ لِي، وَخُذْنِي إِلَيْكَ مِنِّي، وَارْزُقْنِي الفَنَاءَ عَنِّي، وَلاَ تَجْعَلْنِي مَفْتُونًا بِنَفْسِي مَحْجُوبًا بِحِسِّي، وَاكْشِفْ لِي عَنْ كُلِّ سِرٍّ مَكْتُومٍ، وَارْحَمْنِي وَارْحَمْ رُفَقَائِي، وَارْحَمْ أَهْلَ الإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ.
آمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَاحِمِينَ، وَيَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ
وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالمَِينَ.
جدول المحتويات
جدول المحتويات


