الكلمةالثالثة والثلاثون

460. صفحة

الكلمة الثالثة والثلاثون

 

اللوامع

 

من بين هلال الصوم وهلال العيد

البذورُ وأزاهيرها

 

مثنوي صغير لطلاب النور

وديوانٌ إيمانيٌّ لهم

 

مؤلفه

بديع الزمان سعيد النورسي


461. صفحة

تنبيه

 

  إن هذا الديوان الموسوم بـ “اللوامع” لا يجري مجرى الدواوين الأخرى على نمط واحد متناولاً عددًا من الموضوعات؛ ذلك لأن المؤلِّف الموقر ألفه بأسلوب النثر لإيضاح المقولات البليغة الوجيزة لأحد مؤلفاته القديمة المسماة بـ “نوى الحقائق” إلى حد ما، ولم يتطرق إلى الخيالات والأحاسيس العاطفية التي ليست لها ضوابط وموازين كما في سائر الدواوين، وإنما هو درس علمي وحقائق قرآنية وإيمانية مستند من أوله إلى آخره إلى المنطق، بل هو درس إيماني وقرآني ألقاه على ابن أخيه وأمثاله من الطلاب الذين لازموه. وليس لأستاذنا ميل إلى النَّظْمِ والشعر مطلقًا ولم يشتغل بهما كما بيّن في “إفادته”، وأدركنا نحن أيضًا منه هذا الأمر، وهذا يشير إلى نموذج من نماذج سر: ﴿وَمَا عَلَّمْنَٰهُ الشِّعْرَ﴾ (سورة يس: ٣٦/٦٩)

وقد أُلِّف هذا الديوان الطويل الشبيه بالمنظوم بعد سعيٍ متواصل لساعتين أو ساعتين ونصف في اليوم خلال عشرين يومًا في شهر رمضان مع كثرة المشاغل والوظائف في “دار الحكمة الإسلامية”، فلقد ورد وأُملِيَ بدون تصحيح أو تشذيب([1]) أو تدقيق، ومن ثَمَّ طُبِع، وفي نظرنا أنه خارقة من خوارق رسائل النور؛ لأن تأليف صفحة واحدة منظومة في مثل هذا الوقت القصير صعب كصعوبة تأليف عشر صفحات، فلا يُرَى إمكانية قراءة أي ديوان منظوم نثرًا مثله بدون تكلف. وسيكون هذا المؤلَّف يومًا ما بِمنْزلة المثنوي لطلاب النور نوعًا ما إن شاء الله، ثم إن هذا المؤلَّف بِمنْزلة فهرس ذي بشارة كإشارة غيبية إلى الأجزاء المهمة لرسائل النور التي ظهرت بعده بعشر سنوات، واكتملت في غضون([2]) ثلاث وعشرين سنة.

صنغور، ومحمد فيضي، وخسرو

 من طلاب النور

 


[1]   تشذيب: تهذيب.

 

[2]   في غضون: أي في خلال.

 


462. صفحة


إخطار

لم أكن أقدّر النظم والقافية لعدم معرفتي بهما حسب قاعدة “المرء عدوٌّ لما جهل”. ولم أكن أشأ قطُّ تغيير صورة الحقيقة لتُوافِق أهواء القافية، مثل “التضحية بصافية فداءً للقافية”([1]) فقد خلعتُ على([2]) أسمى الحقائقِ الملابسَ المُهَلْهَلَةَ الرَّثَّةَ([3]) في هذا الكتاب الخالي من القافية والنظم، وذلك لما يلي:

أولاً: لم أكن أعلم أفضل من ذلك، فكنت أحصر فكري في المعنى وحده.

ثانيًا: أردت أن أُبَيِّنَ نقدي لأولئك الشعراء الذين ينحتون الجسدَ ليوافق اللباس.

ثالثًا: لقد اختير أسلوبٌ طفولي كهذا، لإشغال النفس أيضًا بالحقائق مع القلب في شهر رمضان.

ولكن أيها القارئ، إنني أخطأت، وأعترف بذلك، فإياك أن تخطئ أنت. ولا تُسِئ الأدب إلى تلك الحقائق السامية بعدم الانتباه ناظرًا إلى الأسلوب المُهْتَرِئ([4]).

ســعيد النورسي

 

إفادة المرام

أيها القارئ، إنني أعترف سلفًا أنني أشكو من ضعف استعدادي في صنعة الخطّ وفن النظم؛ إذ لا أستطيع الآن حتى كتابة اسمي كتابةً جيدةً، ولم أتمكن طوال حياتي من نظم بيتٍ واحد.


[1]   مثل تركي: يحكى أن رجلاً كان يقرض الشعر ضحّى بزوجته المسماة “صافية” وطلَّقها كي تستقيم قافية شعره. (المترجم).

 

[2]   خلعت على: ألبستها.

 

[3]   الرثة : البالية القديمة.

 

[4]   المهترئ: الضعيف.

 


463. صفحة

ولكن وعلى حين غرّة([1]) ألحّتْ على فكري رَغْبةٌ قويةٌ في النظم، وكانت هنالك ملحمة منظومة باللغة الكردية حول غزوات الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - اسمها “قول نوالا سيسيبان” وقد كانت ترتاح روحي إلى نظمها الفطري في أثناء إنشادها على نمط مدائح، وأنا بدوري اخترتُ لنفسي طِرَازَ نظمها، وكتبت نثرًا شبيهًا بالنظم إلا أنني لم أتكلف قطُّ الوزنَ، فيستطيع كل واحد أن يقرأه بسهولة نثرًا إذا شاء دون أن ينتبه لنظمه، بل عليه أن يعتبره نثرًا حتى يَتَسَنَّى([2]) له فهْمُ المعنى؛ إذ هناك ترابط في المعنى في ثنايا كل قِطعة، وعليه ألاّ يتوقف عند القافية. فكما أنه يمكن أن تكون الطاقية والطربوش بلا شُرّابة([3]) فكذلك يمكن أن يكون الوزن أيضًا بلا قافية، والنظم بلا قاعدة، بل أعتقد أن اللفظ والنظم إذا كانا جاذبَيْنِ من حيث الصنعة شَغَلا نَظَرَ الإنسانِ وجذباه إليهما؛ لذا فالأَوْلَى أن يكون اللفظ والنظم بسيطًا رديئًا لئلا يصرف النظر عن المعنى.

إن أستاذي في ديواني هذا: القرآنُ الكريم.

وكتابي الذي أقرؤه: هو الحياة.

ومخاطبي: هو أنا.

أمَّا أنت أيها القارئ، فمستمع، ولا يحق للمستمع الانتقادُ، يأخذ ما يعجبه ولا يتعرض لما لا يعجبه.

 ولما كان ديواني هذا فيضًا([4]) من فيوضات شهر رمضان المبارك هذا، فإنني آملُ أن يؤثر في قلب إخوتي في الدين إن شاء الله، فَيُهْدِي إليَّ لسانُه دعاءً بالمغفرة، أو يقرأ سورةَ الفاتحة لروحي بعد رحيلي.

 


[1]   على حين غرة: فجأة.

 

[2]   يتسنى له: أي يتمكن من الشيء ويكون متاحًا له.

 

[3]   شرابة الطربوش: مجموعة من الخيوط تتدلى من أعلاه.

 

[4]   حتى ظهر تاريخ تأليفه في العبارة الآتية: (نجم أدب وُلِد لهلالَي رمضان) “مجموع أرقامه: ١٣٣٧”. المؤلِّف.

 :


464. صفحة

الداعي

 إنني([1]) قبر مُهَدَّمٌ تراكَمَ فيه تسعة وسبعون([2]) ميتًا من سعيد ذي الآثام والآلام.

 وأصبح الثمانون شاهدَ القبر وكلها تبكي([3]) معًا لضياع الإسلام.

 وأنطلق راحلاً إلى ساحة عُقْبايَ([4]) المقبلة مع قبري المليء بالأموات ومع شاهده وكلنا يتأوَّه.

 وأنا على يقينٍ أنّ سماء المستقبل وأرض آسيا يستسلمان ليد الإسلام البيضاء؛ إذ يمين يُمْن الإيمان تمنح الطمأنينة للأنام بالأمان.

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

برهانان عظيمان للتوحيد

إن هذا الكون كلَّه برهانٌ عظيم، ومسبِّح وموحد بلسانَي الغيب والشهادة.

أجل؛ إنه ذاكرٌ يوحد الرحمن بصوت هائل فيقول: (لا إله إلاّ هو).


[1]   هذه الفقرة هي توقيعه.

 

[2]   بمعنى أنه يموت سعيدان في كل سنة لأن الجسم يتجدد مرتين في كل سنة، وسعيد الآن في عام تسعة وسبعين، أي إنه مات سعيد في كل سنة وسيعيش سعيد إلى هذا التاريخ.

 

[3]   فلقد أحس بهذه الحالة الراهنة قبل عشرين سنة من وقوعها بحس “قبل الوقوع”.

 

[4]   عقباي: خاتمتي.

 

465. صفحة

فكل ذراته وخلاياه، وكل أركانه وأعضائه لسان ذاكر، يقول بذلك الصوت المدوي([1]): (لا إله إلاّ هو).

في تلك الألسنة تنوّعٌ، وفي تلك الأصوات مراتب، إلاّ أنها تجتمع في نقطة فذِكْرها وصداها ينطق بـ: (لا إله إلاّ هو).

هذا الكون “إنسانٌ أكبر” يذكر بصوت عالٍ، وكل أجزائه وذراته بأصواتها الرقيقة تقول معه: (لا إله إلاّ هو).

هذا العالمُ يتلو آياتِ القرآن في حلقة ذكره العظيمة، يتلو هذا القرآنَ المُشْرِقَ نورُه، ويتفكر كل ذي روح فيقول معه: (لا إله إلاّ هو).

هذا الفرقان الجليلُ الشأنِ برهانٌ ناطق لذلك التوحيد،كلُّ آياتِه صادقة اللسان، وشعاعاتها بارقة الإيمان،كلها تقول معًا: (لا إله إلاّ هو).

فإذا ما ألصقتَ الأذن بصدر هذا الفرقان؛ تسمع من أعمق الأعماق صدىً سماويًّا صريحًا يقول: (لا إله إلاّ هو).

فذلك الصوت في منتهى الرفعة والعلو، وفي منتهى الْجِدِّيَّة ونهاية الصدق والإخلاص، وفي غاية الإيناس، ومقنعٌ ومُدَعَّم بالبرهان، يقول مكررًا: (لا إله إلاّ هو).

هذا البرهان المنور، جهاتُه الست شفافة بحيث فوقه سكة الإعجاز المنقّشة المزهرة، ويقول نور الهداية اللامعُ فيه: (لا إله إلاّ هو).

وتحته منسوجٌ المنطقُ الهَفَّافُ([2]) والبرهانُ، وعلى يمينه استنطاق العقل، مُرَفرِفَةٌ كلُّ جهاته، وتصدّقه الأذهان، وتقول: (لا إله إلاّ هو).

وعلى شِماله - الذي هو يمين - استشهاد الوجدان، وأمامَه الحسن والخير. وهدفه السعادة، مفتاحه دائمًا: (لا إله إلاّ هو).


[1]   المدوي: العالي المرتفع.

 

[2]   الهَفَّافُ: المرفرف المتحرك.

 

466. صفحة

ومَسنَدُه من ورائه - الذي هو أمامٌ - سماوي؛ أي “الوحي الرباني المحض” فهذه الجهات الست منوِّرة مضيئة تتجلى في أبراجها: (لا إله إلاّ هو).

فأنّى للوسوسة السارقة، وأنّى للشبهة الطارقة الواهمة، وأنّى لذلك المارق([1]) أن يدخل ذلك القصر البارق الشارق([2])!

فأسوار سُوَرِهِ شاهقة، وكل كلمة منه مَلَك ناطق بـ: (لا إله إلاّ هو).

فذلك القرآن العظيم الشأن بحر للتوحيد. فها هي ذي سورة واحدة كقطرة من بحره مثلاً: رمز قصير مما لا حد له من رموزها يَرُدُّ الشركَ بجميع أنواعه، ويثبت سبعةَ أنواع من التوحيد في جملها الست: ثلاث منها مثبَتة وثلاث منفية.

الجملة الأولى: ﴿قُلْ هُوَ﴾ إشارة بلا قرينة، أي فيها تعيين بالإطلاق، وفي ذلك التعيين تعيُّن أي: (لا هو إلاّ هو).

وهذا إشارة إلى التوحيد الشهودي، فلو كان النظر النافذ إلى الحقائق استغرق في التوحيد لقال: “لا مشهود إلاّ هو”.

الجملة الثانية: ﴿الله أَحَدٌ﴾ تصريح بتوحيد الألوهية، إذ الحقيقة تقول بلسان الحق: “لا معبود إلاّ هو”.

الجملة الثالثة: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ صَدَفٌ لدُرَّتين من درر التوحيد.

دُرَّته الأولى: توحيد الربوبية، أجل؛ فلسان نظام الكون يقول: “لا خالق إلاّ هو”.

دُرته الثانية: توحيد القيومية؛ أي إن لسان الحاجة إلى مؤثر في الوجود والبقاء وفي الكون كله يقول: “لا قيوم إلاّ هو”.

الجملة الرابعة: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ يستتر فيها توحيد جلالي ويردّ أنواع الشرك، ويقطع الكفر بلا شك ولا شبهة؛ أي إن الذي يتغير ويتناسل ويتجزأ لاشك أنه ليس بخالق ولا قيوم ولا إله. و ﴿لَمْ﴾: يردّ مفهوم البنوة وكفر التولد، ويقطعه دفعة واحدة، فَمِنْ هذا


[1]   المارق: الخارج عن الطاعة.

 

[2]   البارق الشارق: اللامع المشرق.

 ن:

467. صفحة

الشركِ ضَلَّ كثيرٌ من الناسِ، بحيث يسيطر أحيانًا شرك بُنُوَّة عيسى وعزيرX والملائكة أو العقول على نوع البشر.

الجملة الخامسة: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ إشارة التوحيد السرمدي، وفيها الآتي:

لا يكون الإله إلهًا إن لم يكن واجبًا قديمًا أزليًّا.

أي: إن كان حادثًا زمانيًّا، أو متولدًا من مادة، أو منفصلاً عن أصل، فلا يمكنه أن يكون ملجأً وملاذًًا لهذا الكون.

 وكلٌّ مِن عبادة الأسباب وعبادة النجوم وعبادة الأصنام وعبادة الطبيعة نوع من الشرك، وكلها بئر معطَّلَةٌ([1]) في الضلالة.

الجملة السادسة: ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾ توحيد جامع؛ أي: لا نظير له في ذاته، ولا شريك له في أفعاله، ولا شبيه له في صفاته. كل ذلك مندرج تحت لفظ: ﴿لَمْ﴾.

فهذه الجمل الست كل منها نتيجة للأخرى ضِمنًا، وكل واحدة منها برهان للأخرى، فالبراهين مسلسلة فيها، والنتائج مرتبة، استقرت كلها في هذه السورة، إذن في “سورة الإخلاص” هذه؛ فى طولها وقامتها مندرج ثلاثون سورة متسلسلة مرتبة، أصبحت هذه مَبزغًا لها كلها.

 

لا يعلم الغيب إلا الله.

السبب ظاهري بحت

العزة والعظمة تقتضيان أن تكون الأسباب الطبيعية حُجَّابا ليد القدرة أمام نظر العقل.

والتوحيد والجلال يقتضيان أن تَنفُض الأسباب الطبيعية يدَها([2]) من التأثير الحقيقي في أثر القدرة.

 


[1]   بئر معطَّلَةٌ: لا ينتفع بمائها ولا يستقى منها.

 

[2]   تنفض الأسباب يدَها من التأثير: معناه: أن تسحب يدَها من التأثير الحقيقي، ولا تتدخل في الإيجاد.

 ن!

468. صفحة

الوجود غير منحصر في العالم الجسماني

إن أنواع الوجود المختلفة التي لا تعد ولا تحصى لا تنحصر في عالم الشهادة هذا، ولا يسعها هذا العالم.

فالعالم الجسماني شبيه بغلالة مُلْقاة على عوالم الغيب اللامعة المتلألئة.

 

وحدة قلم القدرة تعلن التوحيد

إن ظهور أثر إتقان الصنعة في كل زاوية من زوايا الفطرة ينفي عن أسباب تلك الصنعة الإيجادَ بالبداهة.

إن نقوش القلم المتعددة للقدرة الواحدة في كل نقطة من الخلقة ترفض بالضرورة وجودَ الوسائط.

لا يكون شيء بدون كل الأشياء

إن سر التساند مستَتِر ومنتشر في كل الكون، ويبدي تجاوبًا وتعاونًا في جوانبه، بحيث إن الذي يقوم بكل هذه الأمور إنما هو قدرة محيطة بالعالم كله، وهي التي تخلق الذرة وتضعها في موضعها المناسب مراعية كلَّ نِسَبها.

فكل حرف وكل سطر من كتاب العالم حيٌّ تسوقه الحاجة، ويعرّف بعضها بعضًا.

فتُلبي كل من تلك الحروف والسطور نداء الحاجة مهما كان مصدره، وتجعل الحاجةُ الآفاقَ كلها تتجاوب بسر التوحيد.

وتعطي كلَّ حرف حي وجهًا متوجهًا إلى كل جملة من جُمَلِ كتاب الكون وعينا ناظرة إليها.

 


469. صفحة

حركة الشمس للجاذبية، والجاذبية لاستقرار منظومتها

الشمس شجرة مثمرة، تنتفض لئلا تسقط ثمارها السيارة([1]) المنجذبة إليها.

فلو سكنتْ وصَمتت الجذبةُ، لانفلتت وبكت مجذوباتها المنتظمة في الفضاء.

 

الأشياء الصغيرة مربوطة بالأشياء الكبيرة

إن الذي خلق عين البعوضة هو الذي خلق الشمس ودرب التَّبَّانة.

وإن الذي نظّم معدة البرغوث هو الذي نظّم المنظومة الشمسية.

وإن الذي أدرج الرؤية في العين وغرز الحاجة في المعدة هو الذي كَحَّل عينَ السماء بكُحل النور، وبَسَطَ مَائِدَةَ الغِذَاءِ على وجه الأرض.

 

في نظم الكون إعجاز عظيم

انظر، إن في تأليف الكون إعجازًا، فلو أصبح كلُّ سبب من الأسباب الطبيعية فاعلاً مختارًا مقتدِرًا بفرض المحال لامتثلت ساجدة في منتهى العجز أمام ذلك الإعجاز قائلة: سبحانك لا قدرة فينا، ربنا أنت القدير الأزلي ذو الجلال.

 

كلُّ الأشياء سواءٌ بالنسبة للقدرة

﴿ما خَلْقُكُمْ ولا بَعْثُكُم إلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ﴾ (سورة لقمان: ٣١/٢٨) قدرةٌ ذاتيةٌ، وأزلية لا يستطيع العجزُ أن يتخللها.

فلا مراتب فيها، ولا تستطيع الموانع أن تتدخل فيها. فالكلّ والجزءُ سَوَاء بالنسبة لها، لا يتفاوتان أمامها؛ لأن كلَّ شيء مرتبط بكلّ الأشياء، فمَن لا يقدر على خلق كلّ شيء لا يقدر على خلق شيء واحد.


[1]   السيارة: أي الكواكب.

 ذا

470. صفحة

من لا يستطيع أن يمسك الكونَ في يدِهِ لا يقدرُ على خلقِ الذَّرَّةِ

إن من لا يملك يدًا قويةً تُنَظِّم أرضَنا والشموسَ والنجومَ التي لا يحصى عددها كتنظيم مسبحة، ثم ترفعها وتضعها على هامة الفضاء، وفوق صدره؛ لا يستطيع أن يدَّعِي خلقَ وإيجادَ أي شيء في الدنيا.

 

إحياءُ النوع كإحياء الفردِ

كما أنه ليس بعسير على القدرة الإلهية إحياء ذبابة غَطَّتْ في نومٍ([1]) شبيه بالموت في الشتاء، فكذلك إماتة هذه الدنيا وإحياؤها، فلا يتعذر عليها إحياء ذوي الأرواح قاطبة([2]).

 

الطبيعة صنعة إلهية

الطبيعة ليست طابعةً، وإنما هي مطبعٌ. ولا نقاشة، وإنما هي نقش، وليست فاعلة بل قابلة للفعل، ولا مَصْدَرًا، بل مِسطَرًا. ولا ناظمًا بل نِظامًا، وليست قدرة بل قانونًا، فهي شريعة إرادية وليست صاحبة حقيقة خارجية([3]).

 

الوجدان يعرف الله بوَجْده ونَشوته

مندمج في الوجدان انجذابٌ وجذبٌ. والانجذاب إنما يحصل دومًا بجذبِ جاذبٍ.

وينجذب وينتشي ذوو الشعور إذا تراءى ذو الجمال وتجلّى تجليًّا دائمًا ببهاء وعظمة دون حُجُب.

 هذه الفطرة ذات الشعور تشهد شهادة قاطعة على الواجب الوجود ذي الجلال والجمال.

 فأحد شاهدَيها ذلك الجذب، والآخَر الانجذاب.

 


[1]   غَطَّتْ في النوم: استغرقت في النوم.

 

[2]   قاطبة: أي كلها، جميعًا.

 

[3]   الشريعة الإرادية: حقيقة خارجية:

 ة.

471. صفحة

شهادة الفطرة صادقة

لا كذبَ في الفطرة، فكل ما تقوله صدق.

يقول ميل النموّ الذي هو لسان النواة: سأنمو وأثمر. فيظهر صدق قوله.

ويقول ميلان الحياة داخل البيضة بصوت عميق: “سأكون فرخًا”. ويظهر صدق لسانه إذا رافقه الإذنُ الإلهيُّ.

وإذا نَوَتْ غُرفةٌ من ماء داخلَ كرة من حديد التجمد في وقت البرودة، فإن ميلان الانبساط الكامن فيها يقول ويأمر بأمر لا يُقاوَم: توسَّع أيها الحديد، أنا محتاجة إلى مكان أوسع من هذا، فيحاول الحديد الصلب، ولا يكذّبه. بل ما فيه من إخلاص وصدق الجنان يصدّع ويفتت ذلك الحديد.

 

كلُّ ميلٍ من هذه الميول أمرٌ تكويني، وحُكْمٌ إلهي، وشريعة فطرية، وتَجَلٍّ للإرادة الإلهية.

وأوامر الإرادة الإلهية في إدارة الأكوان هي كل ميل وكل امتثال للأوامر الربانية.

فالتجلي في الوجدان تجلٍ مثل هذا تمامًا، بحيث إن الانجذاب والجذبة مُهْجَتاه الصافيتان ومرآتاه المجلوتان، ينعكس فيهما تجلّي الجمال الخالد ونور الإيمان.

 

النبوة ضـرورية للبشرية

إن القدرة الأزلية التي لا تترك النمل من دون أمير، والنحل من دون يعسوب([1])، لا تترك البشر حتمًا من دون شريعة، ومن دون نبي.

هكذا يقتضي سرُّ نظام العالم لا شك.

 


[1]   يعسوب: ملك النحل.

 


472. صفحة

المعراج عند الملائكة كانشقاق القمر في عالم الإنسان

رأت الملائكة معراجا حاصلا بالكرامة رؤيةً حقة؛ بحيث إن في نبوةٍ مسلَّمةٍ ولايةً عظمى.

ركب النبيُّ الباهرُ “البُراق” وغدا بَرقًا، فرأى كالقمر عالم النور من أقصاه إلى أقصاه.

فكما أن ما تشير إليه (وانشق القمر) معجزةٌ حسيّة عظمى للإنسان المنتشر في عالم الشهادة، فهذا المعراج أيضًا هو أعظم معجزة لساكني عالم الأرواح، تشير إليها: ﴿سُبْحَٰنَ الَّذِۤى أَسْرَىٰ﴾ (سورة الإسراء: ١٧/١)

 

برهان كلمة الشهادة مندرج فيها

كلمتا الشهادة: كل منهما شاهدة للأخرى، ودليل، وبرهان.

فالأُولى برهان لمِّيٌّ([1]) للثانية، والثانية برهان إنِّيٌّ للأولى.

 

الحياة طرز من تجلّي الوحدة

الحياة نور من أنوار الوحدة، فالتوحيد يتجلى في هذه الكثرة. نعم؛ إن تجلّيًا من تجليات الوحدة يوحد الكثرة الكاثرة ويجعلها وجودًا واحدًا.

 والحياة تجعل الشيء الواحد مالكًا لكل شيء، فكل شيء بالنسبة للشيء الذي لا حياة فيه عدمٌ.

 


[1]   اعلم أن البرهان إما “لمّيٌ” وهو الاستدلال بالمؤثِّر على الأثر. وإما “إنّيٌ” وهو الاستدلال بالأثر على المؤثِّر، كذا في تفسير “إشارات الإعجاز” في أثناء تفسير الآية: ٢١ من سورة البقرة.

 ل

473. صفحة

الروح قانون أُلبِس وجوداً خارجيًّا

الروح قانون نوراني، وناموس، لبِست وجودًا خارجيًّا، ووضعت على رأسها الشعور.

فهذه الروح الموجودة وذاك القانون المعقول أصبحا أخوين ورفيقين.

فالروح بدورها تأتي من عالم الأمر، ومن صفة الإرادة، كالقوانين الفطرية الثابتة الدائمة.

والقدرة تُلبِسها وجودًا حسيًّا وتضع على رأسها الشعورَ، فتجعل سيَّالة([1]) لطيفة صَدَفةً لذلك الجوهر.

ولو أَلبست قدرةُ الخالق القوانينَ الجارية في الأنواع وجودًا خارجيًّا، لأصبح كل منها روحًا.

ولو خَلَعَت الروحُ هذا الوجودَ، ولو نفضت الشعورَ عن رأسها؛ لأصبحت قانونًا لا يموت.

 

الوجود بلا حياة كالعدم

كل واحد من الضياء والحياة كشّاف للموجودات.

فانظر، إن لم يكن نور الحياة، فالوجود مشوب بالعدم، بل هو كالعدم.

نعم؛ إن ما لا حياة فيه غريب، ويتيم، حتى لو كان قمرًا.

 

النملة تكون أكبر من الكرة بسبب الحياة

إذا وزنتَ النملة بميزان الوجود، فلن تسع كرتُنا الأرضيةُ الكون الذي يتراءى في النملة.

فلو وضعتَ الكرة الأرضية - التي أراها حية ويراها بعضهم ميتة - في كفة والنملةَ في أخرى، فإنها لا تعدل نصف رأس هذا الكائن ذي الشعور.


[1]   سيَّالة: سائلة جارية.

 

474. صفحة

النصرانية سوف تستسلم للإسلام

النصرانية إما ستنطفئ وإما ستتصفى، وسوف تستسلم للإسلام وتلقي السلاح.

 لقد تمزقت عدة مرات، حتى آلت([1]) إلى “البروتستانتية” ولم تجد فيها منفذًا للصلاح، وتمزق الستار مرة أخرى، فوقعت في ضلالة مطلقة، إلاّ أن قسمًا منها اقترب من التوحيد فسيجد فيه الفلاح، وهي تستعد له([2]) من الآن. وبدأت تتمزق فستتصفّى وتلتحق بالإسلام إن لم تنطفئ. هذا سر عظيمٌ رَمَزَ وأشار إليه فخرُ الرسلِ # وقال: إن عيسى سيعمل بشريعتي وسيكون من أمتي.

 

النظر التبعيُّ يرى المحال ممكنًا

لقد اشتهرت حادثة أن جمعا غفيرا من الناس كانوا يراقبون هلال العيد، ولم يرَ أحد شيئًا، وإذا بشيخ هَرِم([3]) مسكين يحلف أنه قد رأى الهلال، ثم تبين أن ما رآه كان شعرةً بيضاءَ تقوّست من أهدابه، فأصبحت تلك الشعرة هلالاً له، فأين تلك الشعرة المقوسة من الهلال؟!

فإذا فهمت هذا الرمز فانظر، إن حركات الذرات أصبحت أهدابا للعقل، والتي أعمت البصرَ الماديَّ هي تلك الشعراتُ المظلمةُ.

أصبح العقل لا يستطيع أن يرى فاعلَ تكوين جميع الأنواع فيسقط الضلالُ على رأسه.

فأين تلك الحركات من نظّام الكون؟! فإسناد تكوين الأنواع إلى حركات الذرات محال في محال.

 


[1]   آلت: تحوّلت.

 

[2]   إشارة إلى الأوضاع في نهاية الحرب العالمية الأولى الرهيبة، بل يخبر عن الحرب العالمية الثانية إخبارًا تامًّا.

 

[3]   هرم: عجوز كبير السن.

 


475. صفحة

القرآن يتطلب مرآة، لا وكيلاً

إن ما في المصدر من قدسية هو الذي يحض جمهور الأمة وجميع العوامّ على الطاعة ويسوقهم إلى امتثال الأوامر أكثر من قوة البرهان.

إن تسعين بالمائة من أحكام الشريعة مسلَّمات شرعية، وضروريات دينية كلها أعمدة من الألماس.

أما المسائل الاجتهادية الخلافية الفرعية فلا تبلغ إلاّ عشرة بالمائة.

فمالِكُ عشرة أعمدةٍ من ذَهَبٍ لا يستطيع أن يضع في جيبه تسعين عمودًا من الألماس، ولا يستطيع أن يجعلها تابعة لها.

 إن منجم أعمدة الألماس هو القرآن والحديث؛ فهي ملكهما، فينبغي أن تُطلَب منهما في كل حين.

أما الاجتهادات والكتب الإسلامية الأخرى فينبغي أن تكون مرايا عاكسة للقرآن أو مناظير تنظر إليه، إذ إن تلك الشمس المعجزةَ البيان لا تقبل ظلاً ولا وكيلاً.

 

المبطل يأخذ الباطل ظنا منه أنه الحق

إن الإنسان ينشد الحق؛ إذ إن فطرته مُكَرَّمَةٌ.

وقد يقع في يده باطل أحيانًا فيظنه حقًّا ويحافظ عليه.

وقد يقع عليه الضلالُ من دون اختيار وهو ينقِّب عن الحقيقة، فيظنه حقيقة ويتوج بها رأسه.

 

مرايا القدرة كثيرة

إن لقدرة ذي الجلال مرايا كثيرة جدًّا، كل واحدة منها تفتح نوافذ أشفّ وألطف من التي تليها إلى عالم المثال، فتتمثل دائمًا في المرايا المختلفة المتنوعة الشئونُ 


476. صفحة

السيالة؛ من الماء إلى الهواء، ومن الهواء إلى الأثير، ومن الأثير إلى عالم المثال، ومن عالم المثال إلى الأرواح، ومن الأرواح إلى الزمان، ومن الزمان إلى الخيال، ومن الخيال إلى الفكر.

فأرهِف السمعَ ناظرًا به إلى مرآة الهواء ترَ الكلمةَ الواحدةَ تصبح مليونًا من الكلمات، فيَستنسخ قلمُ القدرة استنساخًا عجيبًا بسرّ هذا التناسل.

 

أقسام التمثلات مختلفة متنوعة

التمثل في المرآة ينقسم إلى أربع صور: إما تَمَثُّل الهوية فقط، وإما خاصية معها، وإما الهوية مع شعلة الماهية، وإما الماهية مع الهوية.

فإن تطلب مثالاً فدونك الإنسان والشمس والمَلَك والكلمة. إن تمثلات الكثيف تتراءى أمواتًا متحركة في المرآة.

وتمثلاتُ روح نورانية في مرايا ذاتها؛ تصبح كل منها حية مرتبطة بها ونورًا منبسطًا، إن لم يكن عينه فليس غيره.

فلو كانت الشمس ذات حياة لكانت حرارتُها حياتها، وضياؤُها شعورَها، ولكان تِمثالها في المرآة مالكا لهذه الخواص.

فتلك مفاتيح لأسرار ما يلي من أمور:

كتمثل جبرائيل [عليه السلام] في نفس الوقت في سدرة المنتهى، وفي المجلس النبوي في صورة دِحْيَةَ الْكَلْبِي([1]) وتمثله في أماكن كثيرة لا يعلمها إلا الله.

وإن عزرائيل يقبض الأرواح في وقت واحد في أماكن كثيرة لا يعلم عددها إلاّ الله.


[1]   دحية الكلبي: هو دحية بن خليفة الكلبي الذي كان جبريل [عليه السلام] يأتي في صورته، وكان من أجمل الناس وأحسنهم صورة.

 لى

477. صفحة

وإن النبي # يتراءى في وقت واحد في كشف الأولياء وفي الرؤى الصادقة لأمته، ويقابلهم جميعًا بشفاعته لهم يوم الحشر.

والأبدال من الأولياء يظهرون ويُشَاهَدون في أماكن كثيرة في آن واحد.

 

يمكن للمستعد أن يكون مجتهدًا، لا مُشَرِّعًا

كل مستعدٍّ حائزٍ على شروط الاجتهاد يجتهد لنفسه فيما لا نص فيه، وهذا الاجتهاد يُلزِمه هو ولا يلزم غيره، إذ لا يستطيع أن يشرع ويدعو الأمة إلى اجتهاده.

إذ فهمه يُعتبر من الشريعة، ولا يمكن أن يكون الشريعة نفسها، ويمكنه أن يكون مجتهدًا ولكن لا يمكن أن يكون مشرّعًا، فالإجماع والجمهور هما ختم شرعي على هذا الاجتهاد.

فالشرط الأول لدعوةٍ إلى فكرٍ ما هو ظنُّ قبولِ الجمهور لها، وإلاّ فهذه الدعوة بدعة مردودة، يُلقَم بها ولا يمكنها أن تخرج من فمه.

 

نور العقل يشعّ من القلب

على المنَوَّرين الذين غشيَهم ظلامٌ أن يدركوا هذا الكلام:

لا يتنور نورُ الفكر من دون ضياء القلب.

فإن لم يمتزج ذلك النور بهذا الضياء فهو ظلمة، يتفجّر من الفكر الظلمُ والجهلُ، فهو ظلمة مزوِّرة قد لبست لباس النور.

ففي عينه نهار لكنه بياض مظلم، وفيها سواد كأنه ليلٌ منوَّرٌ.

فإن لم يكن فيها ذلك - السواد - فلا تكون تلك القطعة من الشحم عينًا، ولا تستطيع الرؤيةَ بها، إذ لا فائدة لبصر دون بصيرة.


478. صفحة

 فإن لم تكن سويداء القلب في فكرة بيضاء؛ فحصيلةُ الدماغ لا تكون علمًا ولا بصيرة؛ إذ لا عقلَ دون قلب.

مراتب العلم في الدماغ مختلفة وملتبسة

في الدماغ مراتب، بعضها ملتبس ببعض، أحكامها مختلفة. فيحصل التخيل أولاً، ثم يأتي التصور، ثم يَرِدُ التعقل، ثم التصديق، ثم يحصل الإذعان، ثم يأتي الالتزام، ثم الاعتقاد.

فاعتقادك شيءٌ والتزامك شيءٌ آخر.

وعن كلِّ هذه المراتب تصدُر حالات؛ فالصلابة تصدر عن الاعتقاد، والتعصب عن الالتزام، والامتثال عن الإذعان، والالتزام عن التصديق.

ويحصل الحياد في التعقل، واللاَّحظِّيَّة في التصور، والسفسطة في التخيل إن عجز عن المزج.

إن تصوير الأمور الباطلة تصويرًا دقيقًا جرحٌ للأذهان الصافية وإضلال لها في كل وقت.

 

ينبغي عدم تلقين العلم الذي لم يُهضَم

إن العالِم المُرشِد الحقيقي يكون كالشاة لا كالطير، يُقدِّم علمه حسبة لله.

فالشاة تُطعم بَهْمتها([1]) لبنًا خالصًا سائغًا بعدما هضمت ما أكلته.

والطير تلقم فراخها قيئها المختلط باللعاب.

 


[1]   بهمتها: ولدها.

 

479. صفحة

التخريب سهل جدًّا، والضعيف يكون مخربا

إن وجود شيء يتوقف على وجود جميع أجزائه، بينما عدمه يحصل بانعدام جزءٍ منه، لذا يكون التخريب سهلاً جدًّا، ومن أجل ذلك لا يتطلع المرء العاجز إلى الأسباب المظهرة اقتدارَه في الأمور الايجابية فيتحرك تحركًا سلبيًّا ويكون مخرِّبًا دائمًا.

 

ينبغي للقوة أن تخدم الحق

إن لم تتساند دساتير الحكمة، ونواميس الحكومة، والقوانين الكامنة في الحق وقواعد القوة وإن لم يستمد كل منها من الآخر، فلن تكون مثمرة ولا مؤثرة لدى جمهور الناس، فتظل شعائر الشريعة مهمَلة ومعطلة، ولا تكون مستَندًا ولا معتمدًا في أمور الناس.

 

قد يتضمن ضدٌّ ضدَّه أحيانًا

قد يتضمن الضدُّ ضدَّه في بعض الأحايين، فاللفظ في لغة السياسة ضد المعنى، والظلمُ لَبِسَ قلنسوةَ([1]) العدالةِ([2])، ولبست الخيانةُ لباسَ الحَمِيَّة رخيصا، وأُطلِق على الجهاد والغزوة اسمُ البَغْي، وسُمِّيَ الأسرُ الحيوانيُّ والاستبداد الشيطاني حريةً.

وهكذا فقد تماثلت الأضداد وتبادلت الصور، وتقابلت الأسماء، وتبادلت المقامات.

 

السياسة المرتكزة على أساس المنفعة وحش مفترس

إن السياسة الحاضرة الدائرة رحاها على المنافع وحشٌ مفترس.

فإنَّ تَحَبُّبَكَ إلى وحشٍ كاسر جائع بالتودد لا يستثيرُ عطفَه بل يُهَيِّجُ شَهِيَّته.

 ثم يعود ويطلب منك أجرةَ أنيابِهِ وأظفاره.


[1]   قلنسوة: غطاء الرأس من الطاقية وغيرها.

 

[2]   يتحدث وكأنه قد شهد هذا الزمان.

 .


480. صفحة

كبرت جناية الإنسان، لأنه لم يوضَع حد لقواه

لم توضع حدود للقوى المغروزة في الإنسان فطرةً خلافًا للحيوان، فالخير والشر الصادران عنه لا يتناهيان.

فعندما تجمعت أنانيةٌ من هذا - الإنسان - مع الكِبْر والغرور والعناد الناشئ عن هذه الأنانية أصبح ذنبًا([1]) لم يستطع البشر أن يجدوا له اسمًا حتى الآن، وإن هذا دليل على ضرورة وجود جهنم، ولا جزاء له إلاّ هي.

فمثلاً: يتمنى أحدُهم من قلبه هلاكَ الإسلام لكي يظهر صدقُ كذبة واحدة له.

وقد أظهر هذا الزمان أن جهنم ليست زائدةً عن الحاجة، وأن الجنة ليست رخيصة.

 

قد يكون الخير واسطة للشر أحيانًا

إن المزية التي يتحلّى بها الخواص؛ في الحقيقة مدعاة للتواضع وإنكار الذات.

ولكن مع الأسف أصبحت وسيلة للتحكم في الآخرين والتكبر عليهم.

والعجزُ عند الفقراء والفقرُ عند العوام هما سببان في الحقيقة للإحسان والرحمة عليهم، ولكن مع الأسف أصبحا في الوقت الحاضر دافعين إلى الذل والأسر.

لو حصل شرف ومحاسن في شيء ما، فإنه يمنح للخواص والرؤساء. أما إن نشأت عنه السيئات والشرور فإنها تُوزَّع وتُقسَّم على الأفراد والعوام.

فالشرف الذي حصَلَتْ عليه العشيرة الغالبة يقابَل بـ: أحسنت يا حسن أغا!

ولكن لو حصل الشر فيقال لأفرادها: سُحقًا!

وهذا هو الشر المحزن في البشر!

 


[1]   وفي هذا كذلك إشارة غيبية.

 ن.

481. صفحة

إن لم يكن للمرء غاية ينشدها فالأنانية تقوى

إن لم يكن للمرء غاية ينشدها، أو إذا غلب النسيان، أو تنوسيت؛ فلا شك أن الأذهان تتحول إلى الـ “أنا” وتحوم حولها. فيتقوى الـ“أنا” ويتعصب أحيانا، فلا يمكن خرقه حتى يصبح “نحن”. فالذين يحبون الـ “أنا” لا يحبون الآخرين.

 

إن الاختلالات حَيَّت بموت الزكاة وحياة الربا

إن أصل ومعدن جميع الاختلالات والاضطرابات والفساد، ومحرك ومنبع الرذائل والسيئات وجميع الخصال الفاسدة؛كلمتان أو جملتان فحسب:

أولاهما: إذا شبعتُ أنا فما لي إن مات غيري من الجوع.

ثانيتهما: تحمّل أنتَ المشاق لأجل راحتي، اعمل أنت لآكل أنا. عليك المشقة وعليّ الأكل.

والدواء الوحيد الشافي الذي يستأصل شأفة السم([1]) القاتل في الكلمة الأولى هو: الزكاة الشرعية التي هي ركن من أركان الإسلام.

والذي يجتث جذور شجرة الزقوم المندرجة في الكلمة الثانية هو: تحريم الربا.

فإن كانت البشرية تريد صلاحًا، وتحب حياتها، فعليها أن تفرض الزكاة وتمنع الربا.

 

إن كانت البشرية تريد الحياة فعليها قتل جميع أنواع الربا

لقد تباعدت طبقة الخواص عن طبقة العوام، وانقطعت صلة الرحم بينهم.

فينطلق من الأسفل أصداء الاختلال وصرخات الانتقام وأَنَّات([2]) الحسد والحقد.

وينزل من الأعلى نار الظلم والإهانة وثقل التكبر وصاعقة التحكم.


[1]   شأفة الشيء: أصله.

 

[2]   أنَّات: جمع أنة، وهي التوجعات.

 

482. صفحة

ينبغي أن يصعد من الأسفل التودد والطاعةُ والاحترام والانقياد، وينبغي أن ينْزِل من الأعلى الرحمةُ والإحسان والشفقة والتربية.

فإن كانت البشرية تريد هذا؛ فعليها أن تستمسك بالزكاة وتطرد الربا.

إن عدالة القرآن واقفة بباب العالم تقول للربا: “الدخول ممنوع، لا حق لك فيه، فَلْترجِع”.

ولكن البشرية لم تذعن لهذا الأمر، فتلقّت صفعاتٍ([1]) قوية.

وعليها أن تستمع لهذا الأمر قبل أن تتلقى صفعاتٍ أخرى أقوى من الأولى.

 

ستحطم البشريةُ قيد الاستئجار كما حطمت قيدَ الأسر

لقد قلتُ في رؤيا ما: إن الحروب الطفيفة بين الدول والشعوب تترك مواضعها لِصِراعات شديدة بين طبقات البشرية؛ إذ إن البشرية رفضت الأسرَ في أدواره التاريخية فحطمته بدمها، والآن أصبحت أجيرةً تتحمل أعباء الاستئجار، ولكنها بدأت تحطمه، وقد شاب رأسُ البشرية ولها أدوار خمسة: الوحشية، والبداوة، والرِّق، والأسر، وهي الآن في الاستئجار ولكنه بدأ يزول.

الطريق غير المشروع يؤدي إلى خلاف المقصود

“القاتل لا يرث” دستور عظيم.

إن الذي يسير إلى مقصود بطريق غير مشروع، غالبًا ما يجازى بخلاف مقصوده. فمحبة أوربا وتقليدها والائتلاف بها غير مشروعة، فجزاؤها الجناية والعداء السافر للمحبوب!

نعم، فالفاسق الخائب لا يجد لذةً ولا نجاة.

 


[1]   هذه إشارة مستقبلية قوية، أجل؛ إن البشرية لم تَسمع هذا الأمر فتلقت هذه الصفعة القوية، أي؛ من يد الحرب العالمية الثانية.

 



483. صفحة

في الجبر والاعتزال حبة من حقيقة

يا طالب الحقيقة، إن الشريعة تنظر إلى الماضي وإلى المصيبة غير نظرتها إلى المستقبل وإلى المعصية.

فتنظر إلى الماضي وإلى المصائب بنظر القدر الإلهي، فالقول هنا للجبرية.

أما المستقبل والمعاصي فتنظر إليهما بنظر التكليف الإلهي، فالقول هنا للمعتزلة.

ففي هذين المذهبين الباطلين مندرج حبة من حقيقة، لها محلها الخاص بها، وتتصالح الجبرية والمعتزلة هنا، لكن الباطل هو التعميم.

العجز والجزع شيمة([1]) المساكين

إن أردت الحياة فلا تتشبث بالعجز فيما يمكن حلّه.

وإن رُمْتَ([2]) الراحةَ فلا تستمسك بالجزع فيما لا علاج له.

 

قد يقوم شيء صغير بعمل كبير

قد تسمو حركةٌ بسيطة بصاحبها إلى أعلى عليين ضمن شروط معينة.

وقد تُرْدِي حركةٌ بسيطة صاحبها في بعض الحالات إلى أسفل سافلين.

 

لحظةٌ واحدةٌ تَعدِل سنةً عند بعضهم

قسم من الفِطَر ينكشف في الحال، وقسم آخر ينكشف بالتدرج، وينطلق شيئًا فشيئًا. طبيعة الإنسان تشبه كليهما معًا، وهي تتبدل حسب الشروط والأحوال، فتتحرك


[1]   شيمة: صفة وخصلة.

 

[2]   رُمْتَ: طلبت.

 ي


484. صفحة

أحيانًا بشكل تدريجي، وأحيانا أخرى تصبح كالبارود المعتم؛ يتفجر فجأة فتتشظى نارٌ مضيئةٌ. ونظرة واحدة أحيانًا تحوِّل الفحم ألماسًا. ولمسة واحدة في أحايين أخرى تحوِّل الحجر إكسيرًا([1]).

فنظرة نبوية واحدة تَقلِب في الحال الأعرابِيَّ الجاهلَ عارفًا بالله منورًا.

فإن طلبت مثالا فدونك عُمَر قبل الإسلام وعُمَر بعد الإسلام، تشبه العلاقة بينهما العلاقة بين البذرة والشجرة المثمرة؛ إذ أثمر - دفعةً - استعداده بالنظرة الأحمدية. وتلك الهمةُ النبويةُ، حوّلتْ - دفعةً - الفطرَ المتفحمة إلى ألماسات في الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها.

وأذكَتِ([2]) الأخلاقَ وأشعلتها كالبارود فأصبح كل منهم نورًا منورًا.

 

الكذب لفظٌ كافرٌ

حبة واحدة من الصدق تحرق ملايينَ من الأكاذيب، وحبة من الحقيقة تدمر قصر الخيال، فالصدق أساس عظيم وجوهر ساطع متلألئ، يُفسِح المجالَ للسكوت إن كان فيه ضرر، ولا موضع للكذب قط ولو كان فيه فائدة.

فليكن كل حديثك صدقًا ولتكن أحكامُك كلُّها حقًّا.

ولكن ليس كُلُّ صدقٍ يحق لك أن تقوله، فعليك أن تدرك هذا جيِّدًا، وعليك أن تتخذ “خذ ما صفا دع ما كدر” دستورًا لك.

فانظر بنظرة إيجابية، وشاهدِ الأشياءَ جميلةً حتى يكون تفكيرُك جميلاً.

وظُنَّ ظَنًّا حسنًا، وفكّر تفكيرًا حسنًا، حتى تجد حياة لذيذة سعيدة.

فما في حسن الظن من أمل هو حياة نابضة بالحيوية.

وما في سوء الظن من يأس مخربٌ للسعادة وقاتلٌ للحياة.

 


[1]   إكسير: مادة مركبة كان الأقدمون يعتقدون أنها تحول المعدن الرخيص إلى ذهب.

 

[2]   أذكت: أشعلت.

 ر

485. صفحة

موازنة في مجلس مثالي

بين الشريعة وبين الحضارة الحاضرة

وبين الدهاء العلمي وبين الهدى الشرعي

في بدايات إعلان الهدنة([1]) وفي ليلة من ليالي الجمعة، في رؤيا صادقة في عالم المثال، سألوني في مجلس عظيم:

ماذا سيحدث للعالم الإسلامي عقب هذه الهزيمة؟

قلت بصفتي مبعوث العصر الحاضر، وهم بدورهم استمعوا إليّ:

إن هذه الدولة قد أخذتْ على عاتقها منذ القديم فريضةَ

الجهاد - ذلك الفرض الكفائي- مما يؤكد التزامها بالدين، وقد اعتبرت نفسها فدائيا لأجل بقاء استقلال العالم الإسلامي المتحد كالجسد الواحد ولأجل إعلاء كلمة الله، وحملِ لواء الخلافة، أقول إن كوارث ماضي هذه الأمة الإسلامية ستأتي حتمًا بالسعادة والحرية للعالم الإسلامي.

تُعوَّض المصائب الماضيةُ في المستقبل، فلا يخسر من دفع ثلاثة وكسب ثلاثمائة البتة. وذو الهمة يحوِّل حاضره إلى المستقبل.

إن هذه المصيبة أظهرت بصورة خارقة الشفقةَ النابعة من الأخوة والتساند بين المسلمين اللذين هما خميرة حياتنا فانكشفت الأخوة.

 ستتغير صورة الحضارة الحاضرة الدَّنِيَّة وسيَفسُد نظامها بسبب سرعة اهتزاز تخربها.

 وعندها ستظهر المَدَنِيَّة الإسلامية وسيدخلها المسلمون أولاً باختيارهم.

وإن أردت الموازنة بين المدنية الشرعية والمدنية الحاضرة؛ فأنعم النظر في أسس كلٍّ منهما، ثم انظر إلى نتائجهما.

إن المدنية الحاضرة أُسُسها سلبيةٌ منفيةٌ، والأسس الخمسة السلبية هي قاعدتها وقيمها وتدور رحاها عليها.

فنقطة استنادها القوة بدل الحق، والقوة شأنها الاعتداءُ والتجاوزُ والتعرضُ، وعن هذا تنشأ الخيانةُ.


[1]   الهدنة: توقف الحرب للتصالح. ويَقصد هنا هدنة الحرب العالمية الأولى.

 


486. صفحة

هدفها وقصدها المنفعة الوضيعة بدل الفضيلة، وشأنُ المنفعة التزاحمُ والتخاصمُ، وعن هذا تنشأ الجنايةُ.

دستورها في الحياة الصراع والخصام بدل التعاون، وشأنُ الصراع التنازعُ والتدافعُ، وعن هذا ينشأ الفقرُ والبؤس.

رابطتها الأساسية بين الأقوام العنصريةُ المتيقظة على حساب الغير حيث تتغذى وتتقوى بابتلاع الآخرين، وشأنُ القومية السلبيةِ والعنصريةِ التصادمُ المروِّعُ، والتلاطمُ المُفجِع دومًا، وعن هذا ينشأ الهلاكُ.

وخامستها: ما تقدمه للبشرية من مغريات هو تشجيعٌ وإثارةٌ للأهواء والنوازع وإشباعُ الرغبات والشهوات وتسهيلُها، وينشأ عن هذا السفاهةُ، وشأن الأهواء والنوازع دائمًا مسخُ الإنسان، وتغييرُ سيرتِه، حيث تمسخه معنويًّا، فتتغير الإنسانية.

إن معظم هؤلاء المدنيين لو قَلَبتَ باطنهم على ظاهرهم؛ لرأيت سيرتهم على صورة حيوانات وعلى رأسها القِرْد والثَّعلب والثُّعبان والدُّب والخِنْزِير. ولتمثل أمام خيالك فِراءُ تلك الحيوانات وجلودُها.

وبهذا الذي سبق تتراءى نتائج تلك الحضارة في الساحة.

وأن الشريعة هي الميزان لجميع الموازين في الأرض.

أما الرحمة الكامنة في الشريعة فهي من سماء القرآن.

إن أسس مدنية القرآن الكريم إيجابية مثبَتة؛ إذ تدور رحى السعادة فيها على خمسة أسس إيجابية.

 فنقطةُ استنادها الحقُّ بدل القوة، وشأنُ الحقِّ دائمًا العدالةُ والتوازنُ، وعن هذا ينشأ السلامُ ويزول الشقاءُ.

 وهدفُها الفضيلةُ بدل المنفعة، وشأنُ الفضيلة المحبةُ والتجاذبُ، وعن هذا تنشأ السعادةُ وتزول العداوةُ.


487. صفحة

ودستورُها في الحياة التعاونُ بدل الصراع والقتال، وشأنُ هذا الدستور الاتحادُ والتساندُ، وبهما تحيا الجماعاتُ.

وما تقدمه للبشرية الهدايةُ والهدى بدل الأهواء والنوازع، وشأنُ هذا الهدى الارتقاءُ بالإنسان ورفاهيتُه كما يليق به، وتنوُّرُ الروح وتكمُّلُها كما يلزم لها.

وأما فكرتها الجامعة للجماهير البشرية فطردُ العنصرية والقومية السلبية، ووضعُ رابطة الدين والانتساب الوطني والمهني والنوعي وأخوة الإيمان مكانها.

والأخوةُ الخالصة والسلامُ الشامل هما شأن هذه الرابطة. فإذا هاجمتْها وتعرَّضتْ لها قوةٌ خارجة فهي بدورها تدافع عن نفسها.

والآن؛ هل أدركت لِمَ هجر المسلمون المدنيةَ الحاضرة وأعرضوا عنها؟!

ولم يَدخُلوا بإرادتهم فيها حتى الآن.

إنها لم تنفعهم وكبَّلتهم([1]) بأغلال الأسر القوية القاسية، بل صارت سُمًّا زُعافًا للبشرية بدلاً من أن تكون لها ترياقًا([2]) شافيًا؛ إذ ألقت ثمانين بالمائة من البشرية في عناء وشقاء، وأخرجت عشرة بالمائة منها إلى سعادة مزخرفة مزيفة.

أما العشرة بالمائة الباقية فتركتهم بين هؤلاء وهؤلاء.

وأصبحت الأرباح التجارية في يد الأقلية الظالمة.

ولكن السعادة الحقيقية هي السعادة الشاملة للجميع.

أو على الأقل ينبغي أن تكون مبعث نجاة للأكثرية.

والقرآن الكريم النازل رحمة للبشرية لا يقبل إلاّ طرازًا واحدًا من المدنية التي تمنح السعادة للجميع أو الأغلبية.


[1]   كبلتهم: قيدتهم.

 

[2]   الترياق: علاج السم.

 ).

488. صفحة

أما الطريقة الحالية في الحياة؛ فأصبحت الأهواءُ فيها حرَّةً حرية بهيمية وانطلقت الرغباتُ والنوازعُ، وتحكّمَت واستبدّت حتى جعلتِ الحاجاتِ غيرَ الضرورية في حكم الحاجات الضرورية، فأزالت الراحةَ؛ فبينما كان الإنسان في البداوة محتاجًا إلى أربعة أشياء، جعلته المدنية فقيرًا محتاجًا إلى مائة شيء حتى لم يعُدْ يكفي السعيُ الحلالُ لتغطية الكماليات، فدفعت البشر إلى الخداع والحرام وأفسدت أسس الأخلاق من هذه النقطة، وأضفت على المؤسسات وبعض الفئات الهيبة والثروة ولكنها أبقت الفرد فقيرا وفاسد الأخلاق.

والشواهد على هذا كثيرة.

استفرغت وتقيأت هذه المدنية الخبيثة - دفعةً واحدة - كلَّ ما في القرون الأولى من مظالم وجرائم وجنايات وغدر وخيانات، ولا تزال تشعر بالغثيان([1]).

ولاستنكاف([2]) العالم الإسلامي منها مغزى يلفت النظر، فهو متحرج من قبولها ويتعامل معها تعاملاً باردًا.

نعم؛ فالاستغناء الناشئ عن الاستقلال هو ميزة مميزة للنور الإلهي الكامن في الشريعة الغَرَّاء.

وهذه الميزة هي التي لا تسمح لدهاء روما - الذي هو روح هذه المدنية - أن يتحكم في نور الهداية هذا.

والهداية الموجودة في ذاك لا تمتزج مع الفلسفة الموجودة في هذا، ولا تُطعَّم بها، ولا يمكن أن تكون الشفقةُ وعزة الإيمان -اللتان غذتهما الشريعة في روح الإسلام - تابعتين لهذه الفلسفة.

وقد أخذ القرآن المعجز البيان بيده البيضاء حقائقَ الشريعة، كل حقيقة منها عصا موسى في تلك اليد البيضاء، وستَسْجُدُ له المدنيةُ السحَّارةُ سجدةَ إعجابٍ في المستقبل.


[1]   بمعنى أنها ستتقيأ قَيْئًا أشد من ذلك وأفظع منه. نعم؛ لقد قاءت واستفرغت حربا عالمية ثانية حتى لطَّختْ بالدم البَرَّ والبحرَ والهواءَ.

 

[2]   الاستنكاف: الامتناع والتأفف.

 ).

489. صفحة

والآن دقق النظر في هذا:

كان لروما القديمة واليونان دهاءان كانا توأمين من أصل واحد، كان أحدهما مشوبا بالخيال والآخر عابدًا للمادة.

ولكنهما لم يمتزجا كما لا يمتزج الدهن بالماء.

واقتضى مرور الزمن ذلك الامتزاج، فحاولتِ المدنيةُ محاولةً وسعتِ النصرانية سعيًا، ولم تُوفَّق أيُّة واحدة منها لمزجهما، فحافظ كل منهما على استقلاله إلى حد ما.

فكأنهما بدّلا جسديهما حتى الآن، فأصبح أحدهما “أَلْمَانِيًّا”، والآخر من تلكما الروحين “فَرَنْسِيًّا” وكأنه قد مرّ عليهما نوع من التناسخ.

أيها الأخ المثالي، لقد أظهر الزمان: أن ذلكما الدهاءين التوأمين قد ردَّا أسبابَ المزج بشدة وعنف، ولم يتصالحا حتى الآن.

فبما أنهما كانا توأمين وكانا أخوين وصديقين وكانا رفيقين في الرقيِّ والتقدم، وتصارعا وتنازلا([1]) ولم يتصالحا قط، فكيف تتصالح وتمتزج هداية الشريعة التي هي نور القرآن مع دهاء روما الذي هو روح تلك المدنية، وكل منهما من أصل ومَعدِن مُغايِر للآخر، ومَطْلع مختلف؟!

فمنشأ ذلك الدهاء ومنشأ هذا الهدى مختلفان؛ فالهدى نزل من السماء، والدهاء خرج من الأرض.

الهدى فعّال في القلب ويحرك الدماغ.

أما الدهاء ففعال في الدماغ ويشوش على القلب.

الهدى ينور الروح ويجعل حباتها تتسنبل، فتتنور به الطبيعة المظلمة، ويقطع استعدادُه للكمال المسافاتِ بسرعة. ويجعل النفس الجسمانية خادمةً مطيعةً؛ فيضع في سيماء الإنسان([2]) ذي الهمة العالية صورة المَلَك.


[1]   تنازلاَ: أي تقاتلاَ وتصارعَا.

 

[2]   سيماء: هيئة وشكل وملامح.

 ا


490. صفحة

أما الدهاء فيحصر النظر في النفس والجسم أولاً، ويخوض في الطبيعة ويجعل النفس مزرعةً فينمو فيها الاستعداد النفساني ويتَرَعْرَعُ.

ويجعل الروح خادمةً، فتَيْبَس حباتُها، ويضع صورةَ الشيطان في سيماء الإنسان.

وبينما الهدى يمنح السعادة لحياة الإنسان وينشر في الدارين الضياء ويرفع الإنسان ويسمو به؛ فإن الدهاء الأعور كالدجال([1]) يعرف حياة واحدة ودارًا واحدة فحسب، وشيمته عبادة المادة وعشق الدنيا ويجعل الإنسان وحشًا مفترسًا.

نعم؛ إن الدهاء يعبد الطبيعة الصماء ويأتمر بأمر القوة العمياء.

أما الهدى فإنه يعرف الصنعةَ المالكة للشعور، وينظر إلى القدرة الحكيمة.

الدهاء يُسدِل([2]) على الأرض ستار الكفر، والهدى ينثر عليها نور الشكر والامتنان.

ومن هذا السر، فالدهاء أعمى وأصم، والهدى سميع وبصير.

إذ إن النعم المبثوثة في الأرض هي في نظر الدهاء غنائم لا مالك لها.

فالدهاء يوحي بأحاسيس وحشية قاسية كالغصب والسرقة والاقتناص والاختطاف من الطبيعة دون امتنان وشكر.

أما في نظر الهدى فإن النعم المبثوثة على صدر الأرض وعلى وجه الكون هي ثمرات الرحمة الإلهية، ويرى تحت كل نعمة يدًا مُحسِنَةً تَحُضُّ الإنسان على تقبيلها بالشكر والامتنان.

ولا أنكر أن للمدنية محاسنَ كثيرةً، ولكنها ليست ملكًا للنصرانية، ولا من إيجاد أوربَّا، ولا من صنع هذا العصر فقط، بل هي ملك الجميع، إذ هي بضاعةٌ نشأت عن تلاحق الأفكار وعن الشرائع السماوية وعن الحاجة الفطرية، ولا سيما الشريعة الأحمدية وعن الانقلاب الإسلامي. فليس لأحد ادعاءُ التَملُّك على مثل هذه البضاعة.

وهنا عاد رئيس المجلس المثالي فسأل مرة أخرى قائلاً:


[1]   وفي هذا كذلك إشارة دقيقة.

 

[2]   يُسدِل: يرخي الستار وينزله.

 .

491. صفحة

يا رجلَ هذا العصر، إن المصيبة نتيجة للخيانة وسببٌ للثواب دومًا. ولقد صفع([1]) القدر صفعته ونزل القضاء بكم.

إن خطأ الأكثرية هو سبب نزول المصائب العامة دومًا؛ فبأيِّ عمل من أعمالكم قد أفتيتم للقضاء والقدر حتى حكم القضاء الإلهي عليكم بالبلاء ومسّكم([2]) الضرّ؟

قلت:

إن ضلال البشرية الفكري وعنادَها النمرودي([3]) وغرورها الفرعوني تضخَّم وانتفخ في الأرض حتى بلغ السماء ومس سرَّ الخلقة بالسوء، وأنزل من السماوات زلزالَ هذه الحرب الشبيهة بالطوفان والطاعون، وبها صفع وجه الكفرة صفعة سماوية قوية.

إذن هذه المصيبة كانت مصيبة عامة نزلتْ على البشرية قاطبة ؛ فكان أحد أسبابها التي يشترك فيها الكل - حيث تشمل النوعَ البشري كله - هو فكر الضلال الناشئ عن المادية، والحرية الحيوانية وتحكّم الهوى.

أما سبب تعرضنا لها:

فإهمالنا وتركنا أركان الإسلام؛ إذ طلب منَّا الخالقُ تعالى ساعةً واحدةً فقط من أربع وعشرين ساعة. طلب منا من أجل منفعتنا نحن تلك الساعة الواحدة لأداء الصلوات الخمس، وأمرنا بها، فتركناها بالتكاسل وأهملناها بغفلتنا فعوقبنا بتدريب شاقٍّ واستنفار دَائم وتعب وعناء لمدة أربع وعشرين ساعة يوميا طوال خمس سنوات، أي أرغمنا على الصلاة بوجه ما!

وطلب منا صيامَ شهرٍ واحد فقط من السنة، فأشفقنا على أنفسنا فأَرْغَمَنا على صوم طوال خمس سنوات كفّارةً على ذلك.


[1]   صفع: لطم.

 

[2]   مسَّكم: أصابكم.

 

[3]   النمرودي: أي الذي في عناد النمرود الذي عاند إبراهيم X.

 .


492. صفحة

وطلب منا زكاةً واحدًا من أربعين أو واحدًا من عشرة من ماله الذي أعطانا إياه، فظلمنا وبَخِلْنا وخَلطْناه بالحرام، فلم نُعطِها باختيارنا طوعًا، فأَخذ منا زكاة متراكمةً بآلام ومصائب الحرب، وخلَّصَنا من الحرام، فالعمل من جنس الجزاء، والجزاء من جنس العمل.

إن العمل الصالح نوعان:

أحدهما: إيجابي واختياري.

والآخر: سلبي واضطراري.

فالآلام والمصائب كلها أعمال صالحة، ولكنها سلبية اضطرارية، فقد منحَنا الحديث الشريف سلوانًا.

فهذه الأمة المُذنِبَةُ توضأت بدمها وتابتْ توبة فعلية.

وكان ثوابها العاجل رفع أربعة ملايين - وهي خُمس هذه الأمة - إلى درجة الولاية ومرتبة الشهادة ورتبة المجاهدين ومحو الذنوب.

استحسن المجلس الرفيع المثالي هذا الكلام.

واستيقظتُ فجأة، بل قد نِمْتُ مجددًا باليقظة.

وفي رأيي أن اليقظة رؤيا والرؤيا نوع من اليقظة.

هناك: ممثل العصر

هنا: سعيد الكردي

 

إذا تسلَّم الجهلُ المجازَ حوّله إلى حقيقة

إذا وقع المجاز من يد العلم في يد الجهل انقلب إلى الحقيقة وفتح أبوابًا إلى الخرافات. فلقد رأيتُ أيام صباي أن القمر قد خُسف، فسألتُ والدتي عن السبب، فقالت: ابتلعه الثعبان. قلت: فلِمَ يشاهَد إذن؟ قالت: الثعابين هناك نصف شفافة.


493. صفحة

وهكذا قد ظُنَّ مِثل هذا المجاز حقيقة؛ إذ ينخسف القمر بأمر إلهي بحيلولة([1]) الأرض بين الشمس والقمر عند نقطتي تقاطع مدارهما وهما الرأس والذَّنَب([2]).

وقد أُطلق على ذينك القوسين الموهومين اسم “التِّنِّينَيْنِ” أي الثعبانين ولكن الاسم الذي أطلق حسب تشبيه خيالي، تحوّل إلى مسمى حقيقي.

المبالغة ذم ضمني

إذا وصفتَ أي شيء فصِفْهُ بما هو عليه. فالمبالغة في المدح ذمٌّ ضِمنِي حسب اعتقادي؛ إذ الإحسان أكثر من الإحسان الإلهي ليس بإحسان.

 

الشهرة ظالمة

الشهرة مستبدةٌ؛ إذ تنسب لصاحبَها ما للآخرين.

فما تصح نسبته إلى جحا من طرائف ونكات لا يتجاوز مقدار الزكاة على جملة ما ينسب إليه.

والشهرة الخيالية لرستم السيستاني([3]) قد نهبت مفاخر عصر كامل في إيران.

 وانتفخت بالغصب والنهب تلك الشخصية الخيالية المشهورة حتى ألقت بالناس في دوامة من الخرافات.

 

الذين يظنون إمكانية التفريق بين الدين والحياة يتسببون في الكارثة

إن خطأ “جُونْ تُرْك”؛ هو عدم معرفتهم بأن “الدين أساس الحياة” عندنا - المسلمين -، وظنُّهم أن الأمة شيء والإسلام شيء آخر.


[1]   حيلولة الأرض: اعتراضها ووقوعها بينهما.

 

[2]   الذَّنَب: الذيل.

 

[3]   رستم السيستاني: أحد القواد المشهورين في الدولة الساسانية في إيران قديما، وقد نُسجت حوله أساطير كثيرة.

 ب.

494. صفحة

توهموا أن المدنية مستمرة ومسيطرة، وكانوا يرون أن سعادة الحياة فيها، إلاّ أن الزمان أظهر الآن أن نظام المدَنِيَّة([1]) فاسد ومضر.

والتجارب القاطعة أظهرت لنا أن الدين حياة الحياة ونورها وأساسها، وأن إحياء هذه الأمة إنما هو بإحياء الدين، أدرك عالَمُ الإسلام هذا.

إن رقي أُمَّتِنا - بخلاف الأديان الأخرى - هو بقدر تمسُّكها بالدين، وتَدَنِّيها هو بمقدار إهمالها له، هذه حقيقة تاريخية قد تُنُوسِيَتْ.

 

الموت ليس مرعبًا كما يُتوهم

إن أوهام الضلالة هي التي تجعل الموت مُرْعبًا، فالموت تبديلُ لباس، أو تحويل مكان، وخروج من سجن إلى بستان.

من كان يريد الحياة فليطلب الشهادة، والقرآنُ الكريمُ يشير إلى حياة الشهيد.

فكل شهيد لا يذوق ألم السكرات يظن ويعتقد أنه حي، إلا أنه يجد حياته الجديدة نزيهة طاهرةً أكثر من ذي قبل فيعتقد أنه لم يمت.

فانتبه، المقارنة بين الأموات والشهداء شبيهة بالمثال الآتي:

رجلان يتجولان معًا في الرؤيا في حديقة غناء جامعة لأنواع اللذائذ، أحدهما يعرف أنه في رؤيا فلا يتلذذ ولا يستمتع بل يتحسر، والآخر يظن أن الرؤيا عالمُ اليقظة فيتلذذ تلذذًا حقيقيًّا، ويصبح ذلك بالنسبة له حقيقة.

الرؤيا ظلُّ عالَمِ المثال، وعالَمُ المثال ظلُّ عالَمِ البرزخ، ومن هنا تتشابه دساتير هذه العوالم.

 

السياسة الحاضرة شيطان في عالم الأفكار ينبغي الاستعاذة منه

إن سياسة المدنية الحاضرة تضحي بالأقلية في سبيل راحة الأكثرية، بل تجعل قلةٌ قليلة من الظلَمة جمهورَ العوام قربانا تضحي به عن نفسها.


[1]   إشارة غيبية محضة تشير إلى المدنية المحتضرة الظالمة الملحدة.

 .

495. صفحة

أما عدالة القرآن الكريم، فلا تستطيع أن تستهين بحياةِ وبدَمِ بَرِيء واحد، ولا تضحي به لا في سبيل الأكثرية ولا لأجل البشرية قاطبة.

إذ الآية الكريمة: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ (سورة المائدة: ٥/٣٢) تضع سِرَّيْنِ عظيمين أمام الأنظار: أحدهما العدالة المحضة؛ ذلك الدستور العظيم بحيث يتساوى أمام العدالة الإلهية الفردُ والجماعةُ والشخصُ ونوع البشر، كما يتساوى الكل أمام نظر القدرة، وهذه سُنَّةٌ دائمة.

نعم، إن الشخص الواحد يستطيع أن يضحي بحقوقه، ولكن لا يُضحى بحقوقه حتى للبشرية عامة، لأن تضييع حقوقه وإراقةَ دمه وإزالةَ عصمته كتضييع حقوق النوع وإزالة عصمة البشر كلهم.

أما السِّرُ الثاني فهو: لو قَتَل رجل مغرورٌ أناني بريئًا تحقيقًا لحرصه وإشباعًا لنزواته وهواه، فإنه إن استطاع فسيدمر الدنيا ويبيد بني آدم، إذا كانا يحولان دون رغباته ونزواته.

 

الضعف يشجع الخصم.

 الله يختبر عبده وليس للعبد أن يختبر الله.

أيها الخائف الضعيف؛ إن خوفك وضعفك لا جدوى منهما، فهما يشجعان التأثيرات الخارجية ضدك ويجلبانها عليك.

أيها الموسوس والوهّام، إنه لا يُضحَّى بمصلحة محققة في سبيل مضرة موهومة.

فعليك بالسعي، والنتيجةُ موكولة إلى الله تعالى.

ولا ينبغي التدخل في شئونه، فالله يختبر عبده ويمتحنه، ويقول له: إن فعلتَ كذا فسأفعل كذا.

ولكن ليس للعبد أن يختبر اللهَ أبدًا، فإن قال: “فلْيوفقْني الله تعالى في هذا لأعمل هذا” فقد تجاوز حدّه.

وقد قال الشيطان يومًا لعيسى عليه السلام : “بما أنه هو الذي يفعل كل شيء، وأن القدر ثابت لا يتغير، فارمِ نفسك من ذروة الجبل، وانظر ماذا يفعل بك؟”

فقال له عيسى عليه السلام : يا ملعون ليس للعبد أن يختبر ويمتحن ربه!

 


496. صفحة

لا تُفْرِطْ([1]) فيما يعجبك

قد يزيد دواءُ داءٍ ما داءً آخر ويتحول ترياقُه إلى سُمٍّ؛ إذ لو جاوز الدواءُ حدَّه لأمرض وقَتل.

 

عَيْنُ العنادِ تَرَى المَلَك شيطانًا

من شأن العناد أنه إذا ما ساعد الشيطانُ امرأً قال عن ذلك الشيطان “إنه مَلَك” وشكر له وترحّم عليه.

بينما إذا رأى مَلَكًا في الطرف المخالف له ظنه شيطانا في ثوب مَلَك؛ فيعاديه ويلعنه.

 

لا تُثِر الخلافَ لأجل الأَحَقِّ بعد ما وجدتَ الحق

 يا طالب الحقيقة!

إذا كان هنالك اتفاق في الحق، واختلاف في الأحق فالحقُّ أَحَقُّ حينئذ من الأحقِّ، والحسنُ أحسنُ من الأحسن.

 

الإسلام سِلْم ومسالمة، يرفض النـزاع والخصام في الداخل

أيها العالمَ الإسلامي، إن حياتك في الاتحاد. إن كنت تريد الاتحاد فليكن هذا دستورك:

لابد أن يكون “هو حَقٌّ” بدلاً مِن “هو الحقُّ”. و “هو الأَحْسَنُ” بدلاً من “هو الحَسَنُ”.

إذ ينبغي لكل مسلم أن يقول في مسلكه ومذهبه: إن هذا “حقٌّ” ولا أتعرض لما عداه([2]). فإن كانت المسالكُ الأخرى جميلةً، فمسلكي أجملُ.


[1]   لا تفرط: لاتتجاوز الحد.

 

[2]   لما عداه: لما سواه أو غيره.

 ر.

497. صفحة

بينما لا يحق له القول: “إن هذا هو الحقُّ وما عداه باطل، الحَسَن والجميل هو ما عندي فحسب، وغيره خطأ وقبيح”؛ فإن فكرة الحصر تنشأ عن حب النفس، ثم تتحول إلى داءٍ، وعنه ينجم النِّزَاع. تعدُّد الأدواء والأدوية حقٌّ، وهكذا يتعدد الحق. وتنوع الحاجات والأغذية حقٌّ، وهكذا يتنوع الحق، وتكاثُر الاستعدادات ووسائل التربية حق، وهكذا يتكاثر الحق. فالمادة الواحدة قد تكون سُمًّا وفي نفس الوقت ترياقا حسب مزاجين اثنين.

إن الحقيقة في المسائل الفرعية ليست ثابتةً بل إضافية ومركبة، فإنها تتلون حسب طبائع المكلفين وتتحقق وتُدوَّن بحسبها ومن ثم فصاحب كل مذهب يحكم حكما مطلقا مهمَلا فيدع تعيين حدود مذهبه لميول الطبائع.

إن التعصب المذهبي يتسبب في التعميم، والالتزام بالتعميم يتسبب في النزاع.

استوجبتِ الهُوَّاتُ السحيقة([1]) بين طبقات البشر قبل الإسلام والتباعدُ العجيب بينهم تعددَ الأنبياء وتنوعَ الشرائع واختلاف المذاهب في وقت واحد.

فإن الإسلام قد أحدث انقلابًا في البشرية، فتقارب الناس، واتحد الشرع وأصبح الرسول واحدًا فتعددت المذاهب؛ إذ لم تَتَساوَ المستوياتُ، فمتى ما غَدَتِ التربية الواحدةُ تفي بالغرض، فعندئذ تَتَّحِدُ المذاهب.

 

في إيجاد الأضداد وجمعِها حكمة عظيمة.

فالشمس والذرة سواء في يد القدرة.

يا أخي ذا القلب اليقظ، إن تجلي السيادة والحكم من جمع الأضداد.

أتعرف سر وجود الألم في اللذة، وسر وجود الشر في الخير، وسر وجود القبح في الحُسن، وسر وجود الضُّر في النفع، وسر وجود النِّقمة في النعمة، وسر وجود النار في النور؟


[1]   الهُوَّات السحيقة: المسافات المتباعدة جدًّا بينها.

 ل.

498. صفحة

إن ذلك كلَّه من أجل أن تَثبُتَ الحقائقُ النسبية وتتقرر، وتَحدثَ الأشياءُ الكثيرة في شيء واحد وتنالَ الوجود وتظهر.

فالنقطة تتحول إلى خطٍّ بحركة سريعة، وسرعة التدوير تجعل اللمعةَ دائرةً من نور. فوظيفة الحقائق النسبية في الدنيا هي أن تصبح الحبّاتُ سنابل؛ إذ هي التي تشكل طينة الكون، وروابط نظامه وعلائق نقوشه.

فهذه الأوامر النسبية تصبح في الآخرة حقائق حقيقية. فمراتب الحرارة بسبب تخلل البرودة، ودرجات الحسن بسبب تداخل القبح.

والضوءُ مَدِينٌ للظلام، واللذةُ مَدينةٌ للألم، ولا تُحَس الصحة إذا لم يكن مرض، وربما لولا الجنة لما عَذّبتْ جهنم، ولا بد من الزمهرير([1])، فلولاه لما أحرقتْ.

فذلك الخلاّقُ الباقي الذي لم يَزَل أظهر حكمته في خلق الأضداد، فظهرت هيبتُه وجلالُه.

وذلك القدير السرمدي أظهر قدرته في جمع الأضداد، فظهرت العظمةُ.

فبما أن تلك القدرة الإلهية لازمةٌ ذاتية للذات الأزلية وضرورة ناشئة عنها، فلا ضد لها في تلك الذات الأزلية، ولا يتخللها العجزُ، ومن ثم فلا يمكن أن تكون فيها مراتب، وكل شيء بالنسبة لها سواء، ولا يثقل عليها شيء.

وقد أصبحت الشمس مشكاةً لضوء تلك القدرة، ووجهُ البحر مرآةً لنور تلك المشكاة، بل حتى عيون الندى أصبحت مرَايَا لها.

إن الشمسَ التي يُظْهِرُها الوجهُ الواسعُ للبحر، تُظهرها كذلك القطرات الموجودة على تجاعيد وجهه، والعين الصغيرة للندى تلمع كالنجم.

ففي نظر الشمس يتساوى البحر والندى، كل منهما يظهِر الهوية نفسها.

فهذا نظير القدرة؛ إذ بؤبؤ عين الندى شُمَيْسٌ صغيرة، وتلك الشمس الهائلة المهيبة هي ندى صغير، فبؤبؤ عينها نور آتٍ من شمس القدرة الإلهية فيصبح قمرًا لتلك القدرة.


[1]   الزمهرير: البرد الشديد القاتل.

499. صفحة

والسماوات بحر تتماوج القطرات -التي هي الشموس والنجوم- على تجاعيد وجهه بأمر الرحمن.

وهكذا تجلت القدرةُ ونَثَرتْ على تلك القطرات اللمعاتِ النورانيةَ.

فكلُّ شمس قطرةٌ، وكل نجم ندًى، وكل لمعة صورةٌ.

فتلك الشمس الشبيهة بالقطرة انعكاس صغير لتجلي ذلك الفيض، وتلك اللمعة الزجاجية تُجلي نفسها فتتلألأ كدُرٍّ، وذلك النجم الشبيه بالندى يفسح مكانًا للمعة في عينه اللطيفة، وتصبح اللمعةُ سراجًا، وعينُ النجم تصبح زجاجةً، ويتنور مصباحُه.

 

إن كانت لك مزية فلْتبقَ تحت تراب الخفاء

حتى تنبت وتنمو

يا ذا الخاصية المشهورة، لا تَظلِم بالتعيّن، فإن بقيتَ تحت ستار الخفاء، أعطيتَ إخوانك إحسانًا وبركةً.

إذ إمكان واحتمال ظهورك في كل أخٍ لك، وأن يكون هو أنت بالذات؛ يجلبُ نظر الاحترام إلى كل منهم.

بينما إذا خرجت من تحت الستار وظهرتَ بالتعيّن، أصبحتَ ظالِمًا فوقه بعد أن كنت مكرَّمًا تحته، وتُظْلِم هنا بعد أن كنت شمسًا هناك، فتحطُّ من شأن إخوانك في نظر الاحترام. إذن التعيّن والتشخص أمران ظالمان، فلئن كان الصحيح والصواب هكذا، فأنت هكذا تراه.فأين كسب تشخص الشهرة بالرياء والتصنع الكاذب؟

فهذا إذن سر عظيم وحكمة إلهية، ونظام أفضل، حيث إن فردًا فذًّا([1]) يُسدِل الستار على نفسه في نوعه، فيَمنَح القيمةَ لنوعه بذلك، ويجعله مستحسَنًا، وإليك مثاله:

الوَلِيُّ في الإنسان، والأجلُ في العمر، قد ظلاَّ مَخفِيَّيْنِ ومجهولَين، وهنالك ساعة مخفية ومستترة في يوم الجمعة فإن دعوت فيها استجيب لك وليلة ذات قدر مخفية بين ليالي رمضان، والاسم الأعظم الذي هو إكسير مُضْمَرٌ في الأسماء الحسنى.


[1]   فذًّا: فريدًا متفردًا، ذكيًّا لدرجة التفرد.

500. صفحة

فعظمة كل هذه الأمثلة وذلك السر الحسن هو؛ إنه جل وعلا يُظْهِر بالإبهام ويُثْبِتُ بالإخفاء، فمثلاً؛ في إبهام الأجل ما يجعلك في موازنة بين كِفَّتَيْ الخوف والرجاء في خدمة العقبى والدنيا مهما اتخذت من أطوار في كل دقيقة من دقائق عمرك.

وَتَوهُّمُ البقاء يُورِثُ لذّة الحياة، فعمرٌ مجهولُ النهاية يدوم عشرين سنةً، أفضل من عمر معلوم النهاية يدوم ألف سنة؛ لأنه إذا انقضى نصف عمرك تقترب من مِنَصَّة الإعدام خطوة فخطوة، وساعة بعد ساعة، وتحزن شيئًا فشيئًا، ولا يمنحك ذلك العمر المديد سلوانًا([1]) ولا ترتاح أصلاً.

 

الرحمة والغضبُ أكثر من رحمة الله وغضبِه خطأٌ

لا رحمةَ تفوق رحمةَ الله، ولا غضبَ يفوقُ غضبَه.

إذنْ فَدَعِ الأمرَ لذلكم العادلِ الرحيمِ؛ إذ الإفراط في الشفقة أَلَمٌ، والإفراط في الغضب مذمومٌ.

 

الإسرافُ بابُ السفاهةِ، والسفاهةُ بابُ البُؤْسِ والشقاءِ

يا أخي المسرف، لقمتان؛ إحداهما بقرش واحد والأخرى بعشرة قروش، سِيَّانِ من حيث التغذيةُ قبل دخولهما الفمَ، وسِيَّانِ أيضًا بعد مرورهما من الحلقوم، إلا أن هناك فرقا ذوقيا في الفم لعدة ثوان إذ يورث في خلالها نشوةً للقوة الذائقة الحمقاء، وهذا الفرق الموجود في الذوق يخدعها دومًا.

فالقوة الذائقة بوابة تفتيش للجسم والمعدة، وتأثير القوة الذائقة سلبي، ووظيفتها ليست إيجابية، ولكنك إذا أرضيت تلك البوابة وقدمت لتلك الغبية البليدة أذواقا ولذائذ شوشت عليها وظيفتها الأصلية.

إذ إعطاؤها أحد عشر قرشًا بدلاً من قرش واحد يُصبح فعلا شيطانياً، وهذا أَسْفَهُ أنواع الإسراف وأَسْقمُ أشكال التبذير، فلا تمل إليه.

 

[1]   سلوانًا: عزاء وصبرًا.

501. صفحة

حاسة الذوق موظف البرق

لا تجعل اللذة همها فتفسدها

لقد أسَّسَتْ ربوبيةُ([1]) الله سبحانه وحكمتُه وعنايتُه مركزين كمَخْفَرِ حدود في فم الإنسان وأنفه، ووضعت فيهما المخبرين. وجعلت العروق في هذا العالم الصغير في حكم الهاتف، والأعصابَ بمنزلة البرق. وجعلت عنايتُه تعالى حاسَّةَ الشَّم موظف المكالمات الهاتفية، وحاسَّةَ الذوق موظفَ إرسالِ البرقيَّات. ووضع ذلك الرزَّاق الحقيقي - من رحمته - قائمةَ الإرشادات على الأرزاق. تلك هي: الطَّعْمُ، واللَّوْنُ، والرائحةُ.

فهذه الخواص الثلاثة بمنْزِلَة إعلان ودعوة وسماح من قبل الرزَّاق، ودلاّل؛ بحيث إن الزبائن والمحتاجين يُجْذَبون بتلك الخواص دومًا.

وقد منح الحيواناتِ المرزوقة آلاتٍ للذوق والرؤية والشَّمِّ، وزيَّن الأطعمة بمختلف أنواع الزينة، وسلَّى بها القلوب اللاهية وجَذَبَ غيرَ المبالين([2]) إلى تلك الأطعمة بإثارة شوقهم إليها.

فحالما يدخل الطعام الفمَ، تُرْسِلُ حاسةُ الذوق إلى أنحاء الجسم برقيةً، وتتصل حاسةُ الشم هاتفيًّا وتخبر عن نوع الطعام الوارد وأصنافه.  

فالمسترزقون المتباينون المختلفةُ حاجاتهم، يتصرفون وفق تلك الأخبار وَيَتَهَيَّئُون حسبها، أو يرفضونها فيلفظ الفمُ الطعام خارجًا ويمجّه.

وبما أن حاسة الذوق مأمورة من قبل العناية الإلهية؛ فلا تُغْرِها ولا تخدعها باللذائذ فتنسى هي ما الشهية المعتدلة الحقة، وتصيبها الشهية الكاذبة، ويجازَى بسبب خطئها بالأمراض والعلل.


[1]   هذا القسم نواة رسالة الاقتصاد. فقد عرض المؤلف في عشرة سطور رسالةَ الاقتصاد - التي تقع في عشر صفحات - قبل تأليفها. (هذه الأرقام حسب مقاييس النسخة الأصلية. المترجم.)

 

[2]   غير المبالين: غير المهتمين.

 ب.

502. صفحة

تنشأ اللذة الحقيقية عن شهية حقيقية، وتأتي الشهية الصادقة من حاجة صادقة. ففي هذه اللذة الكافية يتساوى السلطان والشحاذ، ويتساوى دينار ودرهم، فتلك اللذة تكفي للحاجة وتكون مرهمًا لِلألم.

 

طرز النظر يَقْلِبُ العادات إلى عبادات كما تفعل النية

أمعن النظر في هذه النقطة:

كما أن العادات المباحة تصبح بالنية عبادات، فكذلك تصبح العلوم الكونية بذلك النوع من النظر معارف إلهية ويصبح التدقيق تفكرًا، أي لو نظرت إليه نظرًا حرفيًّا، وقلت من حيث الصنعة: “ما أجمل صُنْعَ الصانع!” “كيف أبدع ذلك الجمال؟!” بدلاً من قولك: “ما أجمله!”.

أجل؛ إذا ما نظرت إلى الكون من هذه الزاوية تجد أن نقش النقاش الأزلي بالنظام والحكمة يظهر لمعة القصد والإتقان وتزيل هي بدورها الشبهات وتبددها، وعندها تتحول العلوم الكونية إلى معارفَ إلهية.

 ولكن لو نظرت إلى الكون بالمعنى الاسمي، ومن حيث الطبيعة، وقلتَ كيف حدثت بذاتها؟ فعندها تتحول دائرة علومك إلى دائرة الجهل. فالأيدي الوضيعة تُحوِّل الحقائق المسكينةَ إلى توافه، وما أكثر أدلَّتَها وشواهدها.

في مثل هذا الزمان لا يأذن الشرع لنا باختيار الترفّه

كلما نادت اللذائذ ينبغي أن تكون الإجابة: “كأنني أكلتُ”. والذي جعل “كأنني أكلتُ” دستورًا له وفَّر تكلفة بناء المسجد([1]).


[1]   هنالك مسجد في إستانبول يسمى بـ“كأنني أكلتُ” وقد بناه الرجل الذي كان يقول: “كأنني أكلتُ” بالأموال التي أنقذها من يد هواه ونزواته ورغباته.

 ه.

503. صفحة

لم يكن أكثر المسلمين في السابق جياعًا، فكان التنعم جائز الاختيار إلى حدٍّ ما.

 أما الآن فمعظمهم باتوا جياعًا، فلم تعد لنا رخصة شرعية لاختيار التلذذ. إذ إن معيشة السواد الأعظم([1]) وغالبية الأبرياء بسيطة، فالاقتداء بهم في الطعام البسيط أرجح بألف مرة من الاقتداء والتشبه بأقلية مسرفة أو ثُلَّة([2]) من السفهاء في ترفههم في التغذي.

 

قد يكون عدم النعمة نعمةً أحيانًا

قوة الذاكرة نعمة، ولكن يرجَّح عليها النسيانُ عند شخص سَيِّئِ الأخلاق في زمن البلاء.

والنسيان نعمة كذلك، لأنه لا يذيق إلاّ آلام يوم واحد، ويُنسي الآلام المتراكمة.

 

في كل مصيبة جهة من نعمة

أيها المبتلى ببلية، إن نعمةً ما مندرجةٌ في مصيبتك، فتَنَبَّهْ حتى تراها.

 إذ كما توجد درجة حرارةٍ في كل شيء، فكذلك في كل مصيبة درجة من النعمة.

وفكّر في مصيبة أكبر مما أصابتك، واشكر الله كثيرًا مشاهدًا وملاحظًا درجة النعمة هذه في صِغَر بليَّتك.

أما إذا فزعت منها مستعظمًا إياها ونفخت منها متأففًا بـ “أُفٍّ” “أُفٍّ” فستنتفخ هي بدورها - غصبا عنك - شيئًا فشيئًا فتزداد شدةً وهولاً.

 وإذا ما ازددت قلقًا ووهمًا تصبح مصيبتين بعد أن كانت واحدة؛ إذ تنقلب صورتها التي في القلب إلى حقيقة، فتتلقى درسًا من الحقيقة ثم تعود تنزل بالصفعات على قلبك.

 


[1]   السواد الأعظم: أي الغالبية.

 

[2]   ثُلَّة: العدد القليل.

 ر!

504. صفحة

لا تتكبر فتصغر

يا قوي الـ “أنا”، ويا متكبر العقل،

ينبغي معرفة هذا الميزان: إنه لا شك أن لكل شخص نافذة تُسَمَّى مرتبةً في مبنى المجتمع وسط جموع البشر، يطل منها للرؤية والإراءة. فإذا كانت تلك النافذة أطول من قامة قيمته، فسيتطاول بالتكبر.

أما إذا كانت النافذة أقصر من قامة همته فسينحني ويتقوس بالتواضع.

إن التصاغر مقياس العظمة عند الكاملين، أما التكابر فميزان الصِّغر عند الناقصين القاصرين.

 

تتغير ماهية الخِصال بتغير أماكنها

خَصلة واحدة في مواضع متباينة وصورة واحدة تكون تارة غولاً وتارة مَلَكًا ومرةً شيئًا صالحًا ومرة أخرى شيئًا طالحًا([1])، وأمثلة ذلك كالآتي:

إن صفةً كعزة النفس لدى الضعيف تجاه القوي، لو كانت في القوي لكانت تكبرًا وغرورًا.

وكذا صفةٌ كالتواضع لدى القوي تجاه الضعيف، لو كانت في الضعيف لكانت تذللاً ورياءً.

وإن جدّيةَ ولي الأمر في مقامه وقارٌ، أما لينه فَذِلَّةٌ، كما أن لينَه في بيته تواضع وَجِدِّيَّتَهُ كِبْرٌ.

وإذا كان السماح عند من يتكلم بصفته الشخصية فهذه شهامة، وتنازله عن الحقوق خصلة ممدوحة وعمل صالح.


[1]   طالحًا: أي فاسدًا.

 .

505. صفحة

أما إذا كان متكلمًا عن غيره فسماحه خيانة، وتنازله عن حقوق ذلك الغير عمل طالح.

وإن التَّوَكُّل في ترتيب المقدِّمات كسل، بينما التفويض في ترتّب النتيجة تَوَكُّلٌ شرعي.

وأما الرضا عن ثمرة السعي والقسمة فقناعةٌ ممدوحة، وقوة دافعة لرغبة السعي.

بينما الاكتفاء بالموجود ليس قناعة مرغوبة، وإنما انعدام همة.

والأمثلة على هذا كثيرة.

فالقرآن الكريم يذكر الأعمال الصالحات والتقوى ذكرًا مطلقًا، ويرمز إليهما بالإبهام، ويرمز في إبهامهما إلى تأثير المقامات([1]). فإيجازه تفصيل وسكوته كلام واسع.

الحق يعلو بذاته

والعاقبة هي المراد

أيها الصديق، قال أحدهم ذات يوم:

بما أن “الحق يعلو” دستورٌ حقٌّ، فلِمَ ينتصر الكافرُ على المسلم، وتتغلب القوة على الحق؟

قلت: تأمل في النقاط الأربع الآتية تنحل هذه المعضلة([2]).

النقطة الأولى: لا يلزم أن تكون كلُّ وسيلةٍ من وسائل كل حقٍّ حقًّا، كما لا يلزم أن تكون كلُّ وسيلةٍ من وسائل كلِّ باطلٍ باطلاً، فالنتيجة إذن: إن وسيلة حقة غالبةٌ على وسيلةٍ باطلة. وعليه؛ فحقٌّ مغلوب من باطل يكون مغلوبًا مؤقتًا بالواسطة، ولكن ليس مغلوبًا بالذات وليس دائمًا، لأن عقبى العاقبة للحق دومًا. أما القوة فلها من الحق نصيبٌ، وفي خلقتها سرٌّ.


[1]   يقصد هنا مقامات الكلام؛ أي السياق الذي قيل فيه الكلام. (المترجم)

 

[2]   المعضلة: المشكلة.

 ة.

506. صفحة

النقطة الثانية: بينما يجب أن تكون كلُّ صفةٍ من صفات المسلم مسلمةً، إلا أن هذا ليس أمرًا واقعًا وقوعا خارجيا وثابتًا دائمًا؛ فكذلك لا يلزم أن تكون صفات الكافر كلها كافرةً ونابعةً من كفره، ولا يلزم أيضًا أن تكون جميعُ صفات الفاسق فاسقة وناشئة عن فسقه دائمًا.

إذن صفةٌ مسلمةٌ لكافر تتغلب على صفةٍ غير مشروعة لدى المسلم، ويكون ذلك الكافر غالبًا على ذلك المسلم بالواسطة.

 ثم إن حقّ الحياة في الدنيا شامل وعامٌّ، وينطوي على سر الحكمة في الخلق، والكفر ليس مانعًا لذلك الحق الذي هو تجلٍّ للرحمة العامة.

النقطة الثالثة: للذات الإلهية تجليان شرعيان صادران عن صفتين من صفات كماله جل وعلا، وهما: الشرع التكويني الذي هو المشيئة والتقدير الإلهي الصادر عن صفة “الإرادة الإلهية”، والشريعةُ المعروفةُ الصادرة عن صفة “الكلام”.

فكما أن هناك طاعةً وعصيانًا تجاه الأوامر التشريعية، كذلك هناك طاعةٌ وعصيانٌ تجاه الأوامر التكوينية. وغالبًا ما يرى الأول عقابه وثوابه في الدار الآخرة، والثاني غالبًا ما ينال عقابه وثوابه في دار الدنيا.

فمثلاً كما أن ثواب الصبر الظَّفرُ([1]) وجزاء البطالة البؤسُ والشقاءُ، فكذلك ثواب السعي الغِنَى والثروةُ، وثواب الثبات التغلبُ، وعقاب السُّمِّ المرضُ، وثواب الترياقِ الصحةُ والعافية.

وتجتمع أحيانًا أوامر الشريعتين معًا في شيء واحد، فلكلٍ جهته. إذن فطاعةُ الأمر التكويني هي في حد ذاتها حق، هذه الطاعة غالبة على عصيان الأوامر الذي هو في حد ذاته طور باطل.

إنّ وسيلة حقّةً لباطل إذا ما انتصرت على وسيلة باطلة لحقٍّ، فسيكون الحق مغلوبا بالواسطة، ولكن ليس مغلوبًا بذاته.


[1]   الظَّفرُ: الفوز.

 

507. صفحة

إذن فـ “الحق يعلو” يعني أنه يعلو بالذات، والمراد هو العاقبة والمقصود هو قيد الحيثية.

النقطة الرابعة: إنْ ظَلَّ حقٌّ “بالقوة” أو ظَلَّ بدون قوة أو مخلوطًا أو مغشوشًا يلزم إخراجه من القوة إلى الفعل والحركة وتزويده بقوة جديدة، فيُسلّط عليه باطلٌ - مؤقتًا - ليصير مُهَذَّبًا ومُذَهَّبًا ليظهر مدى ضرورة سبيكة الحق، حتى يظهر الحق خالصًا محضًا.

فإذا ما انتصر الباطل في البدايات في الدنيا فإنه لا يكون قد كسب الحربَ؛ إذ “العاقبة للمتقين” تضربه ضربا، وهكذا الباطل مغلوب، وسر “الحق يعلو” يعاقبه، فالحق غالب.

 

باقة([1]) من دساتيرَ اجتماعية

إن شئت دساتير في المجتمع فدونك:

العدالة بلا مساواة ليست عدالة.

التماثُل سبب مهم للتضاد، وأما التناسب فهو أساس التساند.

صِغَرُ النفس منبع التكبر.

وضعف القلب منبع الغرور.

والعجز منشأ المعارضة.

أما حب الاستطلاع فهو أستاذ العلم.

والحاجة أم الاختراع.

والضيق والكآبة هما معلِّما السفاهة. فمنبع السفاهة إذن هو الضيق والكآبة، وأما معدن الضيق والكآبة؛ فاليأسُ وسوءُ الظن والضلالةُ الفكريةُ والظلماتُ القلبيةُ والإسرافُ الجسديُّ.

 


[1]   باقة: أي مجموعة.

 ة.

508. صفحة

أَضَلَّت الإناثُ البشريةَ بخروجهن من أعشاشهن،

 فعليهن العودة إليها([1])

“إِذَا تَأَنَّثَ الرِّجَالُ السُّفَهَاءُ بِالأَهْوَاءِ والنَّزَوَاتِ تَرَجَّلَتْ النِّسَاءُ النَّاشِزَاتُ بِالْوَقَاحَاتِ”.

لقد أطارت المدنيةُ التي في حقيقتها بلا ميم ([2]) النساءَ من أعشاشهن، وامتهنت كرامتهن، وجعلتهن متاعًا مبتذلاً. بينما شرعُ الإسلام يدعوهنَّ إلى أعشاشهن السابقة رحمة بهنّ. فكرامتهن في أعشاشهن، وراحتهن في بيوتهن وفي حياتهن العائلية.

الطهر زينتهن، وحسن الخُلق هَيْبَتُهُنّ، والعفة والحشمة لطافتهن وجمالهن، والشفقة حسنُ كمالهن، والأطفال لَهوُهن.

ولا تصمد إزاء جميع هذه الأسباب المفسدة إلاّ إرادة من حديد. كلما دخلتْ حسناء فاتنة في مجلس من مجالس الأصدقاء والأحباء أثارت فيهم عروق الرياء والمنافسة والحسد والأنانية، فتستيقظ الأهواء الراقدة فجأة.

إنّ تَكَشُّفَ النساء تكشفًا سافرا ودون قيد أصبح سببًا لتزايد الأخلاق السيئة في البشر.

إن الجنائز المصغرةَ، والأمواتَ المتبسمة التي تطلق عليها الصور، لها دور خطير جدًّا في الروح الرعناء الشرسة للإنسان المتمدن، وتأثيرها مرعب([3]).

والتماثيل والصور الممنوعة شرعًا إما أنها ظلم متحجر، أو رياء متجسد، أو هوى متجمد، أو طلسم يجلب الأرواح الخبيثة.


[1]   هذه القطعة أساس “رسالة الحجاب”. والمحكمة التي علَّلَتْها وأبرزتها بعد عشرين سنة سببًا لإدانة مؤلفها أدانت نفسَها وقُضَاتها إدانة أبدية، وأخجلتهم ووصمتهم بالعار.

 

[2]   أي هي في الحقيقة (الدنية) وليست (المدنية)

 

[3]   كما أن النظر إلى جثة امرأة ميتة نظرة شهوانية دليل على دناءة النفس وخستها، كذلك فإن النظر بشهوة إلى صورة جميلة لحسناء مسكينة ماتت محتاجةٍ إلى الرحمة يُخمِد المشاعر السامية للروح.

 ُ.

509. صفحة

سَعَةُ تَصَرُّفِ القدرة تردّ الوسائط والمُعِينِينَ

إن شمسنا تصبح كالذرة إزاء تصرف قدرة القدير ذي الجلال وسَعَةِ تأثيرها.

إن مساحة تصرفه العظيم في النوع الواحد واسعة جدًّا، خذ الجاذبة الموجودة بين ذرتين، ثم اذهب فضعها بجانب الجاذبة الموجودة بين شمس الشموس وبين درب التبانة.

وخذ المَلَك الذي يحمل حبة الثلج وهاته إلى جانب المَلَك الشبيه بالشمس الذي يمسك الشمس.

وضع سمكة صغيرة صِغَرَ الإبرة بجوار الحوت العظيم، وبعد ذلك تصوَّر دفعة واحدة التجلي الواسع للقدير الأزلي ذي الجلال وإتقانه المحكم الكامل في أصغر شيء و أكبره.

والأوامر العرفية كالجاذبية والنواميس والوسائل السيالة كلها أسماء لتجلي القدرة وتصرف الحكمة، فهذا هو التفسير الوحيد لا غير.

فكّر في هذه الأمور معًا تَعْلَمْ بالضرورة أن الأسباب الحقيقية والوسائط الظاهرة والمُعِينين والشركاء ما هي إلاّ أمور باطلة وخيال محال في نظر تلك القدرة.

إن الحياة كمال الوجود، ومقامها عظيم عالٍ وسامٍ.

 فبناء على هذا أقول: لِمَ لا تكون كرتنا وعالمنا مسخَّرًا مطيعًا كالحيوان؟

فسلطان الأزل له كثير من أمثال هذه الحيوانات الطائرة العظيمة المهيبة المفعمة بالجمال منتشرة في ميدان الفضاء، أطلقها في بستان خلقته يديرها ويسيّرها.

فلهؤلاء نغمات ولأولئك حركات؛ فأقوال أولئك تسبيحات وأحوال هؤلاء عبادات للقديم الذي لم يزل، وللحكيم الذي لا يزال.

إن كرتنا الأرضية كبيرة الشبه بالحيوان؛ إذ تُبرز آثار الحياة فلو صَغُرت صِغَر البيضة، بفرض محال، فمن المحتمل احتمالاً كبيرًا أن تتحول إلى حيوان صغير لطيف جدًّا.

ولو كبر حيوان كرويٌّ صغير كِبَر الكرة الأرضية، فتحوُّلُه إلى مثل هذه احتمال قريب جدًّا.


510. صفحة

فلو صَغُر عالمنا صغر الإنسان وانقلبت نجومه إلى ما يشبه الذرات، فمن الجائز أن يتحول إلى حيوان ذي شعور، والعقل بدوره يستسيغ هذا.

فالعالَم إذن بكل ركن من أركانه عابدٌ مسبّح، ومسخَّر مطيع للخالق الذي لم يزل، والقدير الذي لا يزال.

فليس من الضروري أن يكون الكبيرُ كمًّا كبيرًا كيفًا دومًا.

إذ الساعة الصغيرة صغر الخردل أبدع صنعة وأعظم جزالة من الساعة الكبيرة كبر آيا صوفيا.

وخلق الذبابة اللافقرية أعجب من خلق الفيل.

لو كُتب قرآنٌ بقلم القدرة بـ“الجواهر الفرد” للأثير على “جزءِ فردٍ”، فإن صفحة صغيرة منه تعادل في إتقان الصنعة القرآنَ الكريمَ المكتوب بالنجوم في صحيفة السماء، فهما سيّانِ في الجزالة والإبداع.

فصنعة النقاش الأزلي مليئة ومفعمة بالجمال والكمال هكذا في كل ناحية في درجة الكمال، ووحدة القلم تعلن التوحيد.

خذ هذا الكلام المليءَ بالمعاني بعين الاعتبار.

 

الملائكة أمة مأمورة لتنفيذ الشريعة الفطرية

الشريعة الإلهية اثنتان:

وهما آتيتان من صفتين إلهيتين، والمخاطب إنسانان وهما مكلفان بهما.

فهاتان الشريعتان هما:

الشريعة التكوينية الآتية من صفة الإرادة الإلهية، وتلك المشيئةُ الربانية هي الشرع الذي ينظّم أحوال العالم الذي هو الإنسان الأكبر وحركاته التي هي ليست اختيارية.

ويطلُق عليها خطأً مصطلحُ الطبيعة. 


511. صفحة

أما الأخرى فهي الشريعة الآتية من صفة الكلام الإلهي، فهي الشرع الذي ينظم الأفعال الاختيارية للإنسان الذي هو العالم الأصغر.

وتجتمع الشريعتان أحيانًا معًا في موضع واحد.

أما الملائكة فهم أمة عظيمة، وجنود الله سبحانه وتعالى، وحَمَلةٌ للشريعة الأولى ممتثلون لها وعمال يمثلونها؛ فقسم منهم عباد مسبّحون لله، وقسم منهم مستغرقون في قربيته فهم مُقَرَّبو العرش الأعظم.

 

كلما رقّت المادة اشتدت الحياة فيها

الحياة هي الأصل والأساس والمادة تابعة لها وقائمة بها.

فإذا ما قارنت بين الحواس الخمس للكائن الدقيق وبين حواس الإنسان؛ ترى أن حواس الإنسان أدنى من حواس الكائن الدقيق بمقدار كبره عنه، فذلك الكائن الدقيق يرى رزقَه ويسمع صوت أخيه.

فلو كَبُر كِبَرَ الإنسان لتوسعت حواسه إلى حدّ محيّر للألباب، ولتفجرت حياته نورًا وضياءً ولَشَعَّت رؤيته كالبرق الساطع والنور السماوي.

والإنسان ليس كائنًا ذا حياة مركّبًا من كتلة من مَوَات، وإنما كل خلية حية من خلاياه مركبة من مليارات من الخلايا الحيّة الأدق والأصغر.

إن الإنسان كلوحة “يس” كُتب فيها سورة “يس”، فتبارك الله أحسن الخالقين.

 

الفلسفة المادية طاعون معنوي

الفلسفة المادية طاعون معنوي تسبّب في عدوى حمّى مهلكة في البشرية([1])، وعرّضها للغضب الإلهي.


[1]   تشير إلى الحرب العالمية الأولى.

 .


512. صفحة

يتوسع وينتشر ذلك الطاعون حسب توسع قابليته للتلقين والتقليد والانتقاد.

 قد تَلَقَّى التلقين من العلوم والتقليد من المدنية الحاضرة، نفخت فيه الحريةُ الانتقادَ فَتَوَلَّدَ الضَّلالُ من غرورها.

 

لا كسل ولا خمول في عالم الوجود.

فالعاطل يسعى في الوجود لحساب العدم.

إن أشد الناس شقاءً وقلقًا وضجرًا وضيقًا هو العاطل عن العمل، إذ الكسل والخمول والبطالة عدمٌ في الوجود وموت في حياة.

أما السعي فلا شك أنه حياة الوجود ويقظة الحياة.

 

الربا ضَرَرٌ مَحْضٌ للعالم الإسلامي

الربا يؤدي إلى البطالة، وَيُطْفِئُ جذوة([1]) الشوق إلى العمل.

أما نفع هذه البنوك التي هي أبواب الربا وأوعيته، فإنما يعود إلى أفسد البشر وأسْوَئِهم دومًا وهم الكفار الإفرنج.

وأما نفعها في الإفرنج فيعود إلى أسوئهم وهم الظلمة منهم، ونفعها عند الظلمة يعود إلى أسوئهم دومًا وهم السفهاء منهم. وهذا ضرر محض للعالم الإسلامي.

والشرع لا يرى تحقيق رفاهية البشر قاطبة في كل حين، إذ الكافر المحارِب لاحرمة ولا حصانة له، ودمه مهدر كلَّ وقت.

 


[1]   الجذوة: الشعلة والنار المشتعلة.

 ك.

513. صفحة


القرآن يحمي نفسه بنفسه ويُديم حُكْمَه([1])

رأيت شخصًا مُدْمِنَ اليأس، ومصابًا بالتشاؤم يقول:

لقد قلّ العلماء كَمًّا وكَيْفًا، نخشى أن ينطفئ دينُنا في يوم من الأيام.

قلت: كما لا يمكن إزالة الكون، ولا يمكن إطفاء الإيمان الإسلامي، فكذلك سيسطع الإسلام دومًا إنْ لم تُطفأ شعائر الإسلام ومنارات الدين والمعابد الإلهية ومعالم الشرع التي هي بِمَنْزِلَة المسامير المثَبَّتَة الراسخة في الأرض. فلقد أصبح كل معبد من معابد الله معلِّمًا بطبعه يعلّم الطبائع في كل آنٍ.

وصار كلّ مَعْلَم من معالم الشرع أستاذًا، فلسان حاله يلقن الدين بلا خطأ ولا نسيان. وكل شَعيرة من شعائر الإسلام عالِمٌ حكيمٌ بذاته يدرّس للأنظار روح الإسلام دومًا.

فكأن أنوار الإسلام قد تجسدت في شعائره بمرور العصور واستمرار الزمان.

وكأن زُلاَل الإسلام قد تصلب في معابده كأنها أعمدة للإيمان، وكأن أحكام الإسلام قد تجسدت في معالمه، وكأن أركان الإسلام قد تَحَجَّرَت في عوالمه كأنها أعمدة من الألماس تربط الأرض بالسماء. ولا سيما هذا القرآن الخطيب المعجز البيان يردد دومًا خطابًا أزليًّا،لم تبقَ في أقطار عالم الإسلام ناحية ولا مكان إلاّ وسمع لخطابه وتعاليمه، حتى صار حفظُه رتبةً عظيمةً جِدًّا بسِرِّ ﴿وإِنَّا لَهُ لَحَٰفِظُونَ﴾ (سورة الحجر: ١٥/٩) وأصبحت تلاوته عبادة الإنس والجانّ.

ففيه تعليم وتذكير بالمسلّمات؛ فقد أصبحت الضروريات الدينية ضرورياتٍ بعدما خرجت من طور النظريات؛ إذ بمرور الزمان تنقلب النظريات إلى مسلّماتٍ وبديهياتٍ، فلا تحتاج بعد ذلك إلى بيان.

فالتذكير بها إذَن كافٍ والإخطار بها وافٍ، والقرآن شافٍ للإخطار والتذكير في كل وقت وآن.


[1]   هذا البحث الذي كتب قبل خمس وثلاثين سنة، كأنه قد كتب هذه السنة، فهو إذن إشارة غيبية نوعا ما أُمْلِيَتْ ببركة شهر رمضان.

 ً:

514. صفحة

هذه الصحوة الإسلامية واليقظة الاجتماعية تقدم لكل فرد الدلائلَ والموازين التي تصلح للجميع.

وبما أن الحياة الاجتماعية بدأت بين المسلمين، فإيمان كل شخص لا يستند فقط إلى دليله الخاص، ولا إلى ضميره وحده، بل يستند كذلك إلى أسباب لا تُحَدُّ في قلب الجماعة.

ومن اللافت للنظر أنه كلما مرّ الزمن على مذهب ضعيف يصعب إبطاله.

فكيف بالإسلام الذي استند إلى أساسين قويين عظيمين؛ الوحي الإلهي والفطرة، والتحم بنصف المعمورة بأسسه الراسخة وآثاره الباهرة التي هيمنت على العصور هيمنة تامة، وأصبح روحًا فطرية، فأنّى يحجبه كسوفٌ وقد انقشع عنه الكسوف تمامًا.

ولكن للأسف يحاول بعض الكفرة الثرثارين ذوي السفسطة أن يتعرضوا للأسس المتينة لهذا القصر الشاهق العظيم، ويهزوها ويزعزعوها كلَّما وجدوا إلى ذلك فرصة، ولا جدوى من التعرض لهذه الأسس، ولا يمكن العبث بها أبدًا.

فليخرس الإلحاد الآن، ولقد أفلس ذلك الدَّيُّوث القَوَّاد. كفى تجربة الكفران ومزاولة الكذب.

كانت دار الفنون([1]) هذه في طليعة المخافر لهذا العالم الإسلامي تجاه عالم الكفر، وبسبب لامبالاتها وغفلتها شقّت الطبيعةُ تلك العدوُّ الثعباني فُرجةً خلف الجبهة فهاجم منها الإلحاد، واهتزت الأمة أيّما اهتزاز.

ولا بد أن يكون المخفر الذي في الطليعة ذلك الجَنَانُ الذي تنوَّر بروح الإسلام أكثَرَ صلابةً وأشدها حذرا وانتباها، وإلا فعلى تلك الدار ألا توجد في الساحة وألا تخدع المسلمين.

إن مَحلَّ الإيمان القلبُ، وأما الدماغ فمَعْكسٌ لنور الإيمان، وقد يكون أحيانًا مجاهدًا، وأحيانًا أخرى كنّاسًا.


[1]   دار الفنون: يقصد الجامعة.

 .


515. صفحة

فإن لم تدخل القلبَ الوساوسُ والاحتمالاتُ الكثيرةُ في الدماغ فلن يتزلزل الإيمان والوجدان.

وإلا لو كان الإيمان في الدماغ،كما هو ظن بعض الناس، لأصبحت الاحتمالات الكثيرة خصمًا وعدوًّا لدودًا لحقِّ اليقين الذي هو روح الإيمان.

إن القلب والوجدان محل الإيمان.

والحدس والإلهام دليل الإيمان.

والحسّ السادس طريق الإيمان.

والفكر والدماغ حارس الإيمان.

 

الحاجة إلى التذكير بالمسلّمات أكثر من الحاجة إلى تعليم النظريات

إن الضروريات الدينية والمسلّمات الشرعية مستقرة في القلوب. 

ويحصل الغرض باستحضارها بالإخطار وبشعورها بالتذكير، والعبارة العربية تجعل التذكير والتنبيه أسمى وأعلى؛ لذا فخطبة الجمعة باللغة العربية كافية للتنبيه على الضروريات والتذكير بالمسلّمات؛ إذ ليس المقصود من الخطبة تعليم النظريات.

ثم إن هذه العبارة العربية هي نقش الوحدة في سيماء الإسلام الموحَّد، وهو نقش يرفض الكثرة.

 

الحديث يقول للآية: بلوغُكِ مُحالٌ

إذا قارنت بين الحديث والآية ترى بالبداهة أن أبلغ البشر ومبلّغ الوحي لا يبلغ شأوَ بلاغة الآية، ولا يشبهها الحديثُ.

بمعنى أنه لا يمكن أن يكون كلُّ ما يصدر عن اللسان الأحمدي على صاحبه الصلاة والسلام كلامَه هو دائمًا.

 


516. صفحة

بيان موجز لإعجاز القرآن

رأيت ذات يوم فيما يرى النائم أنني تحت جبل آرارات([1]) فانفلق ذلك الجبل فجأة، وقذف صخورًا كالجبال إلى أنحاء العالم وهزّ العالم.

وفجأة ظهر رجل بجانبي فقال لي:

بَيِّنْ بإيجاز وأوجز بإجمال ما تعرف من أنواع إعجاز القرآن.

فكرتُ في تعبير الرؤيا وأنا ما زلت فيها وقلت:

إن هذا الانفلاق هنا مثالٌ لما يحدث في البشرية من انقلاب، وسيعلو وسيهيمن هَدْيُ القرآن على كل مكان بلا ريب في هذا الانقلاب. وسيأتي زمان بيان إعجازه.

قلت لذلك السائل مُجيبًا:

إن إعجاز القرآن يتجلى في سبعة منابع كلية ويتكون من سبعة عناصر.

المنبع والعنصر الأول: فهو بارقة بيانية تتولد من امتزاج فصاحة اللفظ وسلاسته، وجزالة النظم، وبلاغة المعنى، وبداعة المفاهيم، وبراعة المضامين، وغرابة الأساليب، فهو قد امتزج بهذه الأوصاف، وظهر في خاصية إعجازه نقشٌ بيانيٌ عجيبٌ وفي لسانه صنعةٌ بديعةٌ، فتكرارُه يجعل الإنسانَ لا يَمَلُّ أبدًا.  

أما المنبع والعنصر الثاني: فهو خزينة علم الغيوب السماوي ولسان عالَمِ الغيب السماوي الذي يتضمن -جملة- الأساسات الغيبية السماوية في الأمور الكونية، والأسرار الغيبية السماوية في الحقائق الإلهية، والأمور الغيبية السماوية المنطوية في الماضي، والأحوال المستترة الغيبية السماوية في المستقبل.

يتكلم مع عالَم الشهادة ويبين الأركان بالرموز، والمستهدف هو نوع الإنسان. وهذا لمعة نورانية من الإعجاز.

أما المنبع والعنصر الثالث فهو: إن للقرآن جامعية خارقة من خمس نواحٍ: في لفظه، وفي معناه، وفي أحكامه، وفي علمه، وفي ميزان مقاصده.


[1]   جبل آرارات: جبل في شرق تركيا.

 



517. صفحة

فلفظه: يتضمن احتمالاتٍ واسعة ووجوهًا كثيرة، بحيث إن كل وجهٍ منها مُسْتَحْسَنٌ في نظر البلاغة، وصحيح حسب علم اللغة العربية، ومن ثم فسرُّ التشريع يستسيغ تلك الظاهرة.

وأما معناه: فلقد أحاط ذلك البيانُ المعجزُ بمشارب الأولياء، وأذواقِ العارفين ومذاهبِ السالكين، وطرقِ المتكلمين، ومناهج الحكماء، وتضمنها جميعها. ففي دلالاته شمولٌ، وفي معناه سعة.

فلو نظرت من خلال هذه النافذة لرأيت مدى سَعَةِ ميدانه.

الاستيعاب في الأحكام: هذه الشريعة الغراء الرائعة قد استُنبطتْ منه؛ إذ قد تضمَّنَ أسلوبُ بيانه جميعَ دساتير سعادة الدارين وأسبابَ الأمن والاطمئنان فيهما، وكلَّ روابط الحياة الاجتماعية، ووسائل التربية وحقائق الأحوال.

استغراق علمه: لقد أحاط سُورُ سُوَرِه بالْجِنانَ، ففيه دلالات ورموز وإشارات العلوم الكونية والعلوم الإلهية كل حسب مرتبته.

لقد راعى مراعاة تامة الموازنةَ والاطرادَ والاتحاد والمطابقة مع دساتير الفطرة في المقاصد والغايات فحافظ على الميزان.

فهذه هي الجامعية ذات الشأن العظيم تتجلى في إحاطة اللفظ، وسَعَة المعنى، واستيعاب الأحكام، واستغراق العلم، وموازنة الغايات.

أما المنبع والعنصر الرابع: فإنه يُفيض إفاضة نورانية على كل عصر حسب درجة فهمه، ومستوى أدبه، وعلى كل طبقة من طبقاته بدرجة استعدادها، ورتب قابليتها.

فبابُه مفتوح لكل عصر ولكل طبقة من طبقاته، فكأن ذلك الكلام الرحماني ينـزل طَرِيًّا نَدِيًّا في كل زمان وفي كل مكان.

فكلَّما شابَ الزمانُ وشاخَ، شبَّ القرآنُ واتضحتْ رموزُه. فذلك الخطاب الإلهي يمزق ستار الطبيعة والأسباب، ويتفجّر نورُ التوحيد من كل آية في كل وقت، ويزيح حجاب الشهادة عن الغيب.


518. صفحة

فإن علو خطابه يَلْفِتُ نَظَر الإنسان إلى التفكر والتأمل؛ إذ هو لسان الغيب يتكلم بالذات مع عالم الشهادة.

 

نخلُص من هذا العنصر: بأن نداوته الخارقة محيطة كالبحر المحيط، إذ فيه تنزلات إلهية إلى عقول البشر لتألفه الأذهان، وهذا التنوع في أسلوبها هو ما جعل التنزيل مأنوسا فأصبح محبوب الإنس والجان.

 

أما المنبع والعنصر الخامس: فهو ينبّه ويوقظ البشر مسْتخدما أسلوبًا بديعًا غزيرَ المعاني في ذكره النقاط الأساسية لأخباره الصادقة ضمن نُقولِه وقصصه كالشاهد الحاضر.

ومنقولاته هي: سرده وحكايته أخبار الأولين، وأحوال الآخرين، وأسرار الجِنان وجهنم، والحقائق الغيبية، وأسرار عالم الشهادة، والأسرار الإلهية والروابط الكونية. فتلك الأخبار المشاهَدة عيانًا لم يردّها الواقع ولم يكذّبها المنطق، بل لا يستطيع ردّها أبدًا، ولو لم يقبلها.

 أما عن حديثه عن هذه المنقولات فإنه ينقلها مصدِّقًا الكتب السماوية - التي هي مطمح العالم - في مظان الاتفاق، ويبحث فيها مصحِّحًا لها في مواضع الاختلاف.

أليس صدورُ مثل هذه الأمور النقلية عن “أُمِّيٍّ” خارقةَ الزمان!

أما المنبع العنصر السادس: فإنه مؤسس دين الإسلام ومتضمن له. فلو تحريت الزمان والمكان لرأيت أنه لا يستطيع أن يأتي الماضي ولا المستقبلُ بدين مثل الإسلام. إنه خيط سماوي يمسك كرتنا الأرضية، ويديرها في مدارها السنوي واليومي، ويسيطر على الأرض ويركبها ويَحُولُ بينها وبين العصيان.

أما المنبع والعنصر السابع: فإن كل الأنوار الستة المنتشرة من هذه المنابع الستة يمتزج بعضها ببعض، فيصدُر عن هذا حُسنٌ، ويتولد من ذاك حَدْسٌ، وهو الوسيلة النورانية. 


519. صفحة

ويصدر عن هذا ذوق، وهو ذوق الإعجاز، الذي يُحَسُّ ولكن يعجز لساننا عن التعبير عنه، ويقصر فكرنا دونه.

فتلك النجوم السماوية تُشاهَد ولا تُمسَك.

فطوال ثلاثة عشر قرنًا([1]) من الزمان كان أعداءُ القرآن يحملون رغبة للتحدي، بينما استيقظ شوق التقليد في نفوس أوليائه. 

وهذا برهان من براهين الإعجاز؛ إذ ظهرت من جراء هاتين الرغبتين الشديدتين ملايين الكتب بالعربية في مكتبة الوجود.

فإن قورنت تلك الملايين من الكتب بالقرآن الكريم وُوزِنَتْ بميزان، فسيقول العالم الفذ الفريد، بل حتى الرجل العامي بعينه وسمعه: إن هذه الكتب بشريةٌ، وهذا سماوي.

وسيحكم حتمًا: بأن هذه الكتب لا تشبه هذا القرآن، ولا يمكن أن تكون في مستواه البتَّةَ.

فإما أنه أدنى من الكل وهذا معلوم البطلان بالبداهة؛ وإما عكس ذلك.

إذن فهو فوق الكل.

ولقد فَتح أبوابَ مضامينه على مصاريعها للبشر ووقفها لهم طوال هذه المدة الطويلة ودعا الأرواحَ والأذهان إلى نفسه، فتصرف البشر في تلك المضامين وتملكوا ما تصرفوا فيه، ومع هذا لم يستطيعوا معارضته([2])، ولا يمكنهم ذلك أبدًا، فلقد انتهى زمن اختباره.

إن القرآن لا يشبه سائر الكتب ولا يقاس بها؛ إذ نزل خلال ثلاث وعشرين سنة نزولاً مُنَجَّمًا([3]) لحكمة ربانية، متفرقًا متقطعًا حسب الاحتياج.


[1]   هذا بالنسبة لزمن تأليف هذه الرسالة. المترجم.

 

[2]   معارضته: أي تقليده.

 

[3]   مُنَجَّمًا: أي متفرقًا وليس جملة واحدة.

 



520. صفحة

وأسباب نزوله مختلفة متباينة، والأسئلة مكررة والحادثات متفاوتة في موضوع واحد، وأحكامه متعددة متغايرة، وأزمنة نزوله مختلفة متفرقة.

 وحالات تَلَقّيه متنوعة مختلفة، وأقسام مخاطبيه متعددة متباعدة، وفي غايات إرشاداته تدرُّج وتفاوُت. بناؤُه وبيانه وجوابه وخطابه مستند إلى هذه الأسس المذكورة آنفًا.

وإلى ذلك فقد أظهر كمال السلاسة والسلامة والتناسب والتساند.

والدليل على ذلك والشاهد هو علم البيان وعلم المعاني.

وفي القرآن خاصية لا توجد في أي كلام آخر: وهي أنك إذا سمعت كلامًا من أحدٍ فإنك ترى صاحبَ الكلامِ الحقيقيَّ خلفه أو تجده فيه، إذ الأسلوبُ مرآة الإنسان، وأما القرآن الكريم فليس هكذا.

أيها السائل المثالي([1])، لقد طلبتَ الإيجاز، وأنا بدوري قد أشرتُ إليه. 

وإن طلبتَ التفصيلَ فذلك فوق حدّي وطوقي، فالذبابة لا تستطيع أن تشاهد السماوات.

وقد بيّن كتاب (إشارات الإعجاز) واحدًا فقط من أربعين نوعًا من إعجاز القرآن، وهو جزالة النظم، فلم يَسَعْهُ الكتاب ولم تَفِ مائة صفحة من تفسيري ببيانه.

وأنا بدوري أريد ممن هو روحاني وله إلهامات كثيرة مثلك([2]) تفصيلَه وبيانه.

 

لن تستطيع أن تبلغ يدُ الأدب الغربي ذي الأهواء

 والنـزوات والدهاء

شأنَ أدب القرآن الخالد ذي النور والهدى والشفاء.

الحالة التي ترضي الأذواق الرفيعة للكاملين من الناس لا تَسُرُّ ولا تروق أصحاب الأهواء الصبيانية وذوي الطبائع السفيهة، ولا تمتعهم.

وبناءً على هذه الحكمة، فإن ذوقًا سفيهًا سافلاً غُذِّىَ بالأهواء النفسانية والشهوانية وترعرع في أجوائها، لا يعرف الذوق الروحي.


[1]   معارضته: أي تقليده.

 

[2]   يقصد مخاطبه المثاليَّ المذكور في الحوار من بدايته.

 



521. صفحة

فالأدب الحاضر المترشح من أدب أوروبا لا يستطيع أن يرى من خلال نظرته الروائية اللطائفَ العاليةَ والمزايا الرائعةَ في القرآن الكريم، ولا يستطيع أن يتذوقها؛ لذا لا يستطيع أن يجعل مِحَكَّهُ معيارًا له.

وللأدب ثلاثة ميادين يجول فيها ولا يستطيع أن يخرج عنها:

إما ميدان العشق والحسن.

وإما ميدان الحماسة والشهامة.

وإما ميدان تصوير الحقيقة.

 

فالأدب الأجنبي

 في ميدان الحماسة:

لا ينشد الحق، بل يلقّن ويشجع شعور الافتتان بالقوة مصفقًا لبطش البشر الظالمين وَجَوْرِهم([1]).

 وفي ميدان الحسن والعشق:

لا يعرف العشقَ الحقيقِيَّ، بل يلقي ويبعث ذوقًا شهوانيًّا عارمًا في النفوس.

وفي ميدان تصوير الحقيقة:

لا ينظر إلى الكون على أنه صنعة إلهية، ولا يستطيع أن يرى أنه صبغة رحمانية، بل يصفه ويصوره من زاوية الطبيعة، ولا يَقْدِرُ على التجرد والفِكاك منه؛ لذا يلقن عشقَ الطبيعة ويغرز حب المادة وعبادتها في قرارة القلب، فلا ينجو المرء منه بسهولة.

ثم إن ذلك الأدب غير المتأدب المهدئ المنوِّم لا يغني شيئًا في حقيقته عن اضطرابات الروح وقلقها الناشئة عن الضلالة الناجمة عن عشق الطبيعة وعبادة المادة.


[1]   الجور: الاعتداء والظلم.

 



522. صفحة

فلم يجد إلا علاجًا واحدًا وهو رواياته وهي حي ميت كالكتاب، وأموات متحركة كالسينما، والميت لا يقدر أن يهب الحياة، وأشباح شبه متناسخة للمقبرة الواسعة المسماة بالماضي كالمسرح، فلا يخجل من هذه الأنواع الثلاثة من رواياته.

ولقد وضع لسانًا كاذبًا في فم البشر، وركّب عينًا فاسقة في وجه الإنسان، وألبس الدنيا فستان راقصة ساقطة، فلا يعرف الحسنَ المجرد.

حتى لو أراد أن يُري الشمسَ فإنه يذكِّر القارئ بممثلة شقراء حسناء.

وهو في الظاهر يقول: إن السفاهة قبيحة سيئة لا تليق بالإنسان، ثم يشير إلى نتائجها المضرة، إلاّ أنه يصورها تصويرًا مثيرًا يسيل بسببه اللعاب، فالعقل يَفقِد سيطرتَه وزمامَه؛ إذ يثير الشهواتِ ويهيِّج الأهواءَ، إلى حد تُفقَد معه السيطرة على الأحاسيس.

أما أدب القرآن الكريم

فإنه لا يفسح المجال للهوى، بل يمنح الإنسانَ الشعورَ بنشدان الحق وحبه، وعشق الحسن المجرد، وتذوّقَ عشق الجمال، والشوقَ إلى محبة الحقيقة، ولا يخدع أبدًا.

ولا ينظر إلى الكون من زاوية الطبيعة، بل يذكره بأنه صنعة إلهية وصبغة رحمانية، فلا يُحيِّر العقولَ، فيلقّن نور معرفة الصانع، ويُري آياتِه في كل شيء.

والأدبان كلاهما يورثان حزنًا رقيقًا، إلاّ أن حزنيهما لا يتشابهان؛

أما الأدب الغربي وليد أوروبا فيورث حزنًا مهمومًا ناشئًا عن الوحشة وعن فقد الأحباب، وفقدان الأصدقاء. ولا يَقدر على أن يورث حزنًا طاهرًا ساميًا.

إذ يرى الأدب الغربي - بشعور الحزن المهموم الذي يستلهمه من طبيعة صماء وقوة عمياء - أن العالم مكان موحش ولا يُظهر العالَم إلا بهذه الصورة.

ويلقي بهذا الإنسان المحزون وسط أجانب وغرباء وحيدًا بلا حامٍ أو مالك، ولا يمنحه أملاً.


523. صفحة

فيمضي بدافع هذه العواطف العارمة - التي أثارها في كيانه - إلى أن يصل إلى الإلحاد وإلى التعطيل شيئًا فشيئًا، حتى تصعب عليه العودة، بل ربما لا يستطيعها أصلاً.

أما أدب القرآن الكريم

فيورث حزنًا ساميًا وهو حزن العشاق، لا حزن الأيتام، ينبعث من فراق الأحباب لا من فقدانهم.

ينظر إلى الكون ويبحث فيه على أنه صنعة إلهية ذات شعور ورحمة، بَدَلَ النظر إليه على أنه طبيعة عمياء، ولا يَذكُر الطبيعة ولا يشتغل بها أصلاً.

ويُظهر القدرةَ الإلهية الحكيمة ذات العناية الشاملة بدلاً من القوة العمياء، لذا لا يلبسُ الكونُ لباسَ الوحشة في نظره، بل يتحول في نظرِ المخاطب المحزونِ - للقرآن - إلى جماعة من الأحباب؛ في كل زاوية من زواياها تجاوب، وفي كل جانب من جوانبها تحابٌّ فلا يورثه ضِيقًا، وفي كل زاوية استئناسٌ بحيث يضع المحزونَ وسط هذه الجماعة.

ويورث حزنًا مشوقًا وشعورًا ساميًا عاليًا لا حزنًا مريرًا مليئًا بالهموم.

والأدبان كلاهما يعطيان بهجةً وفرحًا أيضًا.

فتقع النفس في الشوق الطَّرِب وتهيج بما يورثه ذلك الأدب الوحشي من شوق وينبسط الهوى، ولكنه لا يقدر على أن يمنح الروح الفرح والسرور والبهجة.

بينما الشوق الذي يهبه القرآن الكريم شوق يهزّ الروح، فيمنحها شوقًا إلى المعالي.

وبناءً على هذا السر لا ترضى الشريعة الأحمديةُ باللهوِ، فتحرّم بعض آلات اللهو وتبيح أخرى وتسمح بها.

بمعنى أن الآلة التي تورث حزنًا قرآنيًّا وشوقًا تنزيليًّا لا تضرّ.

ولكنها إذا كانت تورث في الإنسان حزنًا يتيميًّا وشوقًا نفسانيًّا؛ فإنها تُحَرَّمُ.

إلا أن هذه الحالة تتبدل حسب الأشخاص، فالناس ليسوا سواء.

 


524. صفحة

الأغصان تقدم الثمرات باسم الرحمة الإلهية

إن أغصان شجرة الخلقة تُقَدِّم ثمرات النعم ظاهريًّا في كل مكان إلى ذوي الأرواح.

ولكن التي تقدم إليكم تلك الثمرات بتلك الأغصان هي - في الحقيقة - يد الرحمة ويد القدرة.

فقبِّلوا أنتم يد الرحمة تلك بالشكر، وقدّسوا يد القدرة تلك بالامتنان.

بيان الطُّرق الثلاث المشار إليها في آخر سورة الفاتحة

يا أخي، يا من امتلأ صدره بالأمل، أمسكْ خيالك في يدك وتعال معي، وها نحن أولاءِ الآن في أرض ننظر إلى أنحائها فلا يرانا أحد.

وقد أُلقيت طبقة غيوم مظلمة على جبال شاهقة كأنها أعمدة خيمة وغطَّتْ وجهَ أرضنا فأصبحت سقفًا متجمدًا.

إلاّ أن الجهة السفلية لهذا السقف منقشعة تَرى الشمس.

وها نحن أولاءِ تحت تلك الغيوم فتضايقنا الظلمة ويخنقنا الضجر والضيق، ففقدان الهواء - هناك - مميت.

فلنا ثلاثة طرق إلى عالم مضيء، وكنت قد شاهدت هذه الأرض المجازية ذات مرة. أجل؛ كنتُ قد أتيتُ هنا مرةً، فمضيت من ثلاثتها، واحدا فواحدا:

فالطريق الأول:

معظم الناس يسلكونه، فهو سياحة حول العالم، ويشدّنا إلى السياحة.

فها نحن أولاء نسير في الطريق مشيًا على الأقدام، فانظر إلى بحار الرمال في هذه الصحراء كيف تنشر الغضب وتهددنا، وانظر إلى أمواج هذه البحار وهي كالجبال، هي كذلك تغضب علينا، وها نحن أولاء وصلنا إلى الجهة الأخرى والحمد للّه. ونرى وجه الشمس، ولكن لا أحد يدرك مدى ما قاسينا من أتعاب وآلام.


525. صفحة

ولكن للأسف! قد رجعنا مرة ثانية إلى هذه الأرض الموحشة التي سقفها الغيومُ المظلمةُ، ونحن أحوج ما نكون إلى عالم مضيء يجَلِّي بصر قلوبنا.

إن كانت لك شجاعةٌ فلنسلك معًا طريقًا ثانيًا مليئًا بالمخاطر، وهو:

طريقنا الثاني:

نثقب ونخرق أرض الطبيعة لننفذ ونبلغ الجهة الأخرى، أو نمضي في نفق طبيعي في ارتعاش.

فقد سرتُ ومضيت في زمن ما في هذا الطريق، ومضيت فيه متضرعًا وبلا دلال.

ولكن كانت في يدي آنذاك آلة أو مادة قادرة على إذابة أرض الطبيعة وتفتيتها، تلك المادة هي الدليل المعجزُ للطريق الثالث، وكان قد أعطانيها القرآن الكريم.

يا أخي، لا تتركني واتبعني، ولا تخف أبدًا، انظر فهنا كهوف كالأنفاق ومجارٍ جوفية تحت الأرض تنتظرنا وستعبر بنا إلى الجهة الأخرى.

لا يََهُولَنّك جمود الطبيعة الهائل؛ فإنني قد أدركت بواسطة ذلك النور القرآني الشبيه بمادة كالراديوم([1]) أن وراء ذلك الوجه العبوس وجهَ مالكها الباسم ذي الرحمة.

بشراك يا أخي! فلقد خرجنا إلى العالم المنور، انظر إلى الأرض المعبَّدة اللطيفة والسماء اللطيفة المزينة، ارفع رأسك يا هذا لتشاهد هذا الذي بلغ منتهى السماوات وخرق الغيومَ وخلفها في الأسفل وسَمَا عليها، يدعونا إليه، ألا وهو القرآن الكريم، إنه شجرةُ طوبى امتدت أغصانها إلى كل الأرجاء، وعلينا التشبث بهذا الغصن المتدلي ليأخذنا إلى هناك.

إن الشرع الأنور يمثل تلك الشجرة السماوية في الأرض.

إذن باستطاعتنا بلوغ ذلك العالم المضيء بتلك الطريق من دون تعب ومشقة.

وبما أننا ضللنا الطريق؛ فلنرجع إلى الموقع القديم ونجد الطريقَ المستقيمَ.


[1]   الراديوم: عنصر أبيض لامع ذو نشاط إشعاعي، تعالج به الأمراض.

 



526. صفحة

فانظر فها هو ذا:

طريقنا الثالث:

يقف السلطان الأبيّ المغوار على هذه الجبال الشاهقة، إنه يؤذن على مسامع العالم أجمع.

انظر فها هو ذا المؤذن الأعظم محمد الهاشمي عليه الصلاة والسلام يدعو البشرَ إلى عالم النور الأنور ويُوجب الدعاء والصلاة. إنه قد اخترق حتى السحب فانظر إلى جبال الهدى هذه، إنه بلغ منتهى السماوات.

وانظر إلى جبال الشريعة الشاهقة كيف أنها زيَّنت وجه أرضنا وكحَّلت عينيها، وعلينا أن نرتفع ونحلّق بطائرة الهمة؛ إذ ضياء النسيم هناك، ونور الجمال هناك.

نعم؛ فهنا أُحُد التوحيد، ذلك الجبل العزيز.

وهناك، جودي([1]) الإسلام ذلك الجبل، جبل السلامة، وها هو ذا القرآن الأزهر الذي هو جبل القمر، يسيل زلال النيل من ذلك المنبع العظيم، فاشرب ذلك الماء العذب.

فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَٰلِقِينَ. وءَاخِرُ دَعْوَيٰهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمَِينَ.

فيا صاحبي، اخلع الخيال الآن، وَاطْرَحْهُ، وتقلّد العقلَ.

إن في الطريقين الأولين وهما طريقا “المغضوب عليهم والضالين” مخاطر كثيرة، فخريفهما وصيفهما شتاء دائمًا.

 وربما لا ينجو فيهما إلاّ واحد من مائة كأفلاطون وسقراط.

أما الطريق الثالث: فهو طريق سهل وقريب ومستقيم، الضعيف والقوي فيه سيّان، ويستطيع الكل أن يسلكه.

أما أسلم الطرق فهو: إما الشهادة أو شرف الغزو.


[1]   الجودي: جبل بالجزيرة استوت عليه سفينة نوح X والمراد هنا أن الإسلام بمنزلة أرض النجاة.

 



527. صفحة

فها نحن أولاء الآن وصلنا إلى النتيجة.

أجل؛ فإن الطريقين الأولين هما مسلك ومذهب الدهاء العلمي.

 أما الْهَدْي القرآنيُّ فهو الطريق الثالث، وهو يوصلنا إلى الصراط المستقيم.

 

اللّهُمَّ اهْدِنَا الصِّرَٰطَ المُسْتَقِيمَ. صِرَٰطَ الذِّينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ. آمِين.

 

الآلام الحقيقية كلها في الضلالة، واللذائذ الحقيقية

 كلها في الإيمان

حقيقة عظمى لبست لباس الخيال

أيها الرفيق الفَطِن، إن شئت - أيها العزيز - أن ترى الفرق الواضح بين الصراط المستقيم ذلك المسلك النوراني وبين طريق المغضوب عليهم والضالين ذلك الطريق المظلم فخُذْ إذن وهْمَك بيدك واركب متن الخيال.

سنذهب معًا إلى ظلمات العدم، تلك المقبرة الكبرى والمدينة المليئة بالأموات لنَزُورها.

إن القدير الأزلي قد أخرجنا من قطع الظلام هذه بيد قدرته، وأركبنا هذا الوجودَ، وأرسلَنا إلى هذه الدنيا، إلى هذه المدينة الخالية من اللذة الحقيقية.

فها نحن أولاء قد أتينا إلى عالم الوجود هذا وإلى الصحراء الشاسعة الموحشة هذه، وأعيُننا قد انفتحت فنظرْنا إلى الجهات الست، وصوّبنا نظرنا إلى الأمام مستعطفين، ولكن البلايا والآلام تهاجمنا كالأعداء ففزعنا وخفنا منها.

ثم نظرنا إلى اليمين وإلى الشمال حيث عناصرُ الطبائع مستغيثين بها مسترحمين إياها، فرأيناها قاسية القلوب لا رحمة فيها، تكشِّر عن أنيابها وتنظر إلينا بنظرات غاضبة حانقة، ولا تبالي بالاستغاثات ولا بالتوسلات.

 فرفعنا أبصارنا إلى الأعلى في يأس كالمضطرين ننظر إلى الأجرام العلوية مستمدين منها العون، ولكنها تتراءى مرعبة مروِّعة، تهددنا وكأنها أصبحت قذائف وقنابل منطلقة 


528. صفحة

تمر بسرعة فائقة في أنحاء الفضاء، ولا تتعارض ولا يصطدم بعضها ببعض فهي في كيفية عجيبة محيرة.

ولو خرج أحدها عن مجراه سهوا أو خطأ وانحرف لانْخَلَع هلعًا فؤادُ عالم الشهادة هذا، والعياذ بالله.

يبدو أن هذا الأمر كذلك مرتبط بالمصادفة، ولا فائدة منه كذلك.

فصرفنا أنظارنا عن هذه الجهة يائسين ووقعنا في حيرة أليمة، وأطرقت رءوسنا وانطوينا على أنفسنا ننظر إلى نفوسنا ونطالع ما فيها، فسمعنا ألوف صيحات الحاجات وألوف أنّات الفاقات تنطلق من نفوسنا البائسة المسكينة. فاستوحشنا منها في الوقت الذي توقعنا منها السلوان فيه، إذن لا جدوى منها كذلك.

ولجنا([1]) في ضميرنا لائذين به نلقي نظرة فيه وننتظر منه دواءً، ولكن واأسفاه! لم نجده كذلك، إذن علينا أن نَمُدّه ونغيثه، إذ فيه آلاف الآمال وقد امتدت الرغبات الجياشة وآلاف المشاعر الهائجة إلى أطراف الكون، نرتعش منها ونعجز عن إغاثته فلقد تزاحمت الآمال بين الوجود والعدم، لها من السعة ما امتدت أطرافها من الأزل إلى الأبد، حتى لو ابتلع الضمير الدنيا كلها لما شبع.

وهكذا أينما ولّينا وجوهنا([2]) في هذا الطريق المليء بالآلام وجدنا بلاء، هكذا شأن طريق “المغضوب عليهم” و“الضالين” لأن النظر فيه موجه إلى المصادفة والضلال.

وحيث إننا تقلّدنا ذلك المنظار وقعنا في هذه الحالة، ونسينا مؤقتًا المبدأ والمعاد والصانع والحشر. إن هذه الحالة أشد وأسوأ وأقسى من جهنم حرقًا تسحق روحنا.

فما جنينا من تلك الجهات الست التي طلبنا منها العون والإمداد إلاّ حالة ناشئة عن خوف وذهول وعجز وارتعاش، حالة مركبة من قلق واستيحاش ويُتْمٍ ويأس، تحرق الوجدان.


[1]   ولجنا: دخلنا.

 

[2]   ولى وجهه: اتجه وتَوَجَّه.

 



529. صفحة

فنتخذ الآن حالة المجابهة لكل الجهات، ونحاول أن ندفعها عنا؟

فنبدأ بالنظر إلى قدرتنا ونرجع إليها.

واأسفاه! نجدها عاجزة ضعيفة.

ثم نتوجه ثانيًا إلى النفس لإسكات حاجاتها.

واأسفاه! نراها لا تسكت بل تواصل الصراخ والعويل.

ثالثًا: نستصرخ ونستغيث لعَلَّنَا نجد منقذًا، ولكن ما من سامع وما من مجيب، فظننا أن كل شيء عدو لنا، كل شيء غريب، فلا يسلي قلبَنا شيء، ولا شيء يبعث الاطمئنان والأمن، ولا شيء يورث متعة ولا لذة حقيقية.

رابعًا: كلما نظرنا إلى الأجرام العلوية أورثتنا خوفًا وهلعًا وأتت منها وحشة تؤلم الضمير، وتزعج العقل وتبعث الأوهام.

فيا أخي، هكذا طريق الضلال، وهكذا ماهيته، فلقد رأينا فيه ظلام الكفر الحالك.

هيا الآن يا أخي، لنرجع إلى العدم، ثم لنعد منه مرة أخرى فطريقنا هذه المرة الصراط المستقيم ودرب الإيمان، ودليلنا وإمامنا العناية الإلهية والقرآن الكريم الذي هو المرشد المحلِّق فوق كل العصور.

نعم؛ لما أراد سلطان الأزل برحمته وعنايته أن يخلقنا، أخرجتنا قدرتُه من العدم، وأركبنا قانونَ المشيئة الإلهية لطفًا بنا وتفضلاً علينا، وسيّرنا على الأطوار بالنظام، وقد أتى بنا، وخلع علينا خلعة([1]) الوجود بالشفقة علينا، وقدم لنا رتبة الأمانة التي شارتُها الصلاة والطاعة والدعاء والتضرع.

كل أطوارك ومراحلك منزل رجاء وتضرع في طريقنا الطويل هذا حيث قد كَتب الرب على جباهنا مرسوما سلطانيا من “القدر” من أجل سيرنا بسهولة في ذلك الطريق فحيثما حللنا ضيفًا عند أية طائفة من طوائف المخلوقات رأينا استقبالاً ملؤه الأخوة، ونتبادل الأموال، نعطيهم ونأخذ منهم.


[1]   خَلَعَ عَلَيْهِ خِلْعَةً: أي أنعم عليه بالشيء، وتفضل عليه به.

 



530. صفحة

هكذا يجري تبادل تجاري، وهم يغذّوننا ويزينوننا بالهدايا، ويودعوننا ويشيعوننا، هكذا سرنا في الطريق شيئا فشيئا، فها نحن أولاء على أبواب الدنيا، نسمع منها الأصوات العالية.

فدخلنا هذه الأرض، ووَطِئَتْ أقدامُنا عالمَ الشهادة، معرض الرحمن، ومهرجاناته، وموضع صخب الإنسان وضجيجه، دخلناها ولا نعلم شيئًا، دليلنا وإمامنا مشيئة الرحمن، ووكيل دليلنا هو عيوننا اللطيفة.

وقد فتحنا عيونَنا وأرسلناها في أقطار الدنيا، أتذكر مجيئنا السابق إلى هنا؟ كنا غرباء أيتامًا، وكان لنا كثير من الأعداء ولم نكن نعرف من هو حامينا.

أما الآن فبمنظار نور الإيمان نرى أن ركننا المتين تجاه الأعداء ونقطة استنادنا وحصننا وملاذنا وما يدفع عنا الأعداء هو الإيمان بالله الذي هو ضياء روحنا، ونور حياتنا، وروح أرواحنا.

فقلوبنا مطمئنة الآن، لا تعبأ بالأعداء، بل لا تعرف عدوًّا أصلاً.

في طريقنا الأول، كنا قد دخلنا الضمير وسمعنا منه آلاف الصيحات وأصوات البكاء والعويل فوقعنا في البلاء؛ إذ الآمال والرغبات والاستعدادات والمشاعر تريد الأبد والخلود دائما، ولم نكن نعرف سبيلها، فكان الجهل والعجز منا، والبكاء والصراخ والطلب المُلِحُّ منها.

أما الآن، فللّه الحمد، فقد وجدنا في مجيئنا هذه المرة نقطة استمداد تبعث الحياة في الآمال والاستعدادات دومًا، وتجعلها تُحَلِّقُ إلى أبد الآباد. ويرشدها ويقودها ذلك الاستعداد من هذه النقطة، فترتشف نقطة الاستمداد هذه - تلك النقطة التي هي الرمز المشبع بالشوق والدلال - الماء الباعث للحياة وتسعى نحو كمالها.

أما القطب الثاني من الإيمان فهو التصديق بالحشر، والسعادة الأبدية هي درّة ذلك الصدف.

إن برهان الإيمان هو القرآن والضمير الذي هو سر إنساني. 


531. صفحة

ارفع رأسك الآن، وانظر إلى الكون وحاوره، كان يتراءى مفزعًا في طريقنا الأول، والآن هو مبتسم ينشر البِشر والسرور في لطافة ويرسل النغمات ويبعث التضرعات في رقة.

ألا ترى، قد أصبحت عيوننا كالنحلة تطير إلى كل جهة، والكونُ بستانها، وفي كل مكان أزهار تمنحها رحيقًا لذيذًا، وتورث أُنسًا وسلوانًا ومحبة، فهي تأخذها وترتشفها وتصنع شهد الشهادة، ويَقْطُر ذلك البطل ذو الأسرار عسلاً لذيذًا في العسل.

وكلما وقعت أنظارنا على حركات الأجرام أو النجوم أو الشموس؛ سَلَّمَتْ كلُّها ليد أنظارنا حكمةَ الخالق، واقتبست أنظارُنا جواهرَ العبرة وتجلي الرحمة وطارت.

كأن الشمس تتكلم معنا قائلة:

يا إخوتنا، لا تستوحشوا مني، ولا تضجروا، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بكم، فقد حللتم أهلاً ونزلتم سهلاً. أنتم أصحاب المنزل، وما أنا إلا شمعدان أنيق جميل. أنا كذلك مثلكم ولكني خادمة مخلصة مطيعة، والذي جعلني نورًا مسخرًا أخدمكم بمحض رحمته وفضله هو الذات الأحد الصمد، فعَليَّ الإضاءةُ والحرارة وعليكم العبادة والتضرع والصلاة.

فيا هذا، هلاّ نظرت إلى القمر، وإلى النجوم، وإلى البحار، كل يرحب بلسانه الخاص ويقول: أهلاً وسهلاً ومرحبًا بكم، على الرُّحْب وَالسَّعَة، ألا تعرفوننا؟

فانظر بسر التعاون، واستمع برمز النظام، كل منها يقول: نحن كذلك خدّام مسخرون ومرايا رحمةِ الرحمن ذي الجلال. لا تحزنوا، ولا تتضايقوا منا، فلا تخيفنَّكُم نعرات الزلازل وصيحات الحوادث، ولا تورثنكم الوساوسَ؛ إذ فيها ترنمات الأذكار ونغمات التسبيحات، وأصوات التضرعات.

نعم؛ إن زمام كل ذلك بيد ذي الجلال الذي أرسلكم إلى هنا، وتقرأ عين الإيمان في وجوهها آياتِ الرحمة، وكلُّ آية منها تصرخ وَتُظْهِر نفسها.

أيها المؤمن ذا القلب اليقظ، فَلْنَدَع عيوننا تستريح قليلاً، ولنسلّم بدلاً منها آذاننا الحساسة إلى اليد المباركة للإيمان ونرسلها إلى الدنيا حتى تستمع إلى نغمات لذيذة. 


532. صفحة

فالأصوات التي ظنناها أصوات مآتم عامة، ومراثي الموت وعويله في طريقنا السابق هي الآن أصوات الصلوات اللطيفة، وأصدية الأدعية، ونغمات التسبيحات في هذا الطريق.

فاستمع وأصغِ إلى نسمات الهواء وأغاريد الطيور ونغمات الأمطار وزمزمة البحار وهزيم الرعد وطقطقة الأحجار وهزيز الرياح، فكلها توحي معانٍ لطيفة، وإلى ترنمات الهواء ونعرات الرعود ونغمات الأمواج، فكل منها أذكار العظمة. وهزجات الأمطار وسجعات الطيور، فكلها تسبيحات الرحمة ومجاز للحقيقة.

إن كل صوت من أصوات الأشياء صوت الوجود، يقول: أنا هنا! أنا كذلك موجود!

والكائنات الساكتة تبدأ دفعة واحدة بالنطق وتقول: لا تحسبَنَّنا جامدات أيها الإنسان الثرثار الهاذي.

دافع النطق عند الطيور إما تلذذ نعمةٍ وإما نزول رحمةٍ، فتُصَفِّقُ الرحمةَ بأصوات عذبة من أفواه دقيقة، وتَنْزل على النعمة فتطير وتحلق بالشكر وهي تقول رمزًا لإخوتها الكائنات:

“ما أطيب حالنا! نُربّى بالشفقة والرأفة، نحن راضون على ما نحن عليه من أحوال” وتنشر نغماتها اللطيفة الرقيقة في الفضاء بمناقيرها الدقيقة الحادة، حتى لكأن الكائنات برمتها جوقة([1]) موسيقى مقدسة سامية.

إنه بنور الإيمان تُسمَع أذكارها وتسابيحها؛ إذ الحكمة تَرُدُّ وجودَ المصادفة، والنظامُ يطرد الاتفاقَ الذي يورث الوهمَ.

أيها الرفيق، ها نحن أولاء نخرج الآن من هذا العالم المثالي، وننـزل من الوهم الخيالي، ونقف في ميدان العقل لنذرع الطرق بالمقاييس والموازيين والمحكات.

فطريقنا الأول المؤلم، طريق “المغضوب عليهم والضالين”، ذلك الطريق يُورث حسًّا أليمًا وألَمًا شديدًا في الوجدان، وفي أعمق أعماقه؛ إذ يُظهِر الوعيُ ذلك، إلا أننا قد أصبحنا نخالفه؛ فنحن مضطرون ومحتاجون إلى التخلص منه - أي الألم - إذ إما أن


[1]   الجوقة: الجماعة، والمجموعة.

 



533. صفحة

يُسَكَّنَ ويُهَدَّأَ، وإما ألا يُحَسَّ ولا يُشعرَ به، وإلاّ فلن نستطيع تحمل ذلك حيث لا يمكن لأحد أن يصغي طويلا للعويل والصرخات المستمرة دون انقطاع.

أما الهدى فشفاء، والهوى إبطال للحس، وهذا الهوى الساحر يطلب السلوان والتغافل والْمَشغلةَ واللهوَ كي يَخدعَ الضميرَ، ويُنوِّمَ الروح حتى لا يُحَسَّ بالألم.

وإلا لأحرق ذلك الألمُ الأليمُ الضميرَ فلا يطاق الصراخ والعويل، ولا يُتَحَمَّلُ ألم اليأس.

إذن كلما ابتعد المرء عن الصراط المستقيم اشتد تأثير هذه الحالة عليه، فجعلت الضميرَ يصرخ وَيُعْوِل([1])، إذ في كل لذة أثر من الألم.

إذن ما زينة المدنية البراقة الممزوجة بالنزوات واللهو والهوى والسفاهة إلا مرهم كاذب مزيف لمعالجة الضيق الشديد الناشئ عن هذا الضلال وهو يسمم الإنسان أو على الأقل ينوّمه.

فيا صديقي العزيز، لقد شعرنا بحالة في طريقنا الثاني ذلك الطريق المنور، بتلك الحالة تصبح الحياة منبع اللذات، وتتحول الآلام إلى لذائذ، عَرَفْنا بها هذه الحقيقة؛ وهي أن قوة الإيمان تُورث الروحَ حالة متفاوتة الدرجات بحسب قوتها، والجسد يتلذذ مع الروح، والروح تتلذذ مع الضمير.

إن سعادة عاجلة مندرجةٌ في الضمير، وإن فردوسا معنويًّا مندمج في القلب؛ أما التفكر فيكشفهما، والوعي يجليهما، فتزداد اللذة بمقدار إيقاظ القلب وتحريكِ الضمير وإشعارِ الروح، وتنقلب نارُه نورًا وشتاؤُه صيفًا.

وتنفتح أبواب جنات الفردوس في الضمير، وتغدو الدنيا جنة تُحَلِّقُ أَرْوَاحُنَا فيها، بل تحلق تحليق الصقور باتزان بجناحَي الصلاة والدعاء والتضرع.

فيا رفيقي العزيز، الآن أستودعك الله، تعال الآن ندعو الله معًا. ثم نفترق على أن نلتقي مرة أخرى.

اللّهُمَّ اهْدِنَا الصِّرَٰطَ المُسْتَقِيمَ، آمين.


[1]   يعول: يصرخ ويبكي بصوت مرتفع.

 



534. صفحة

لمعات إعجاز تظهر في تكرار قصة موسى [عليه السلام]      

إِنَّ قِصَّةَ مُوسَى [عليه السلام]  أَجْدَى مِنْ تَفَارِيقِ العَصَا،

أَخَذَهَا القُرْآنُ بِيَدِهِ البَيْضَاءِ فَخَرَّت سَحَرَةُ البَيَانِ سَاجِدِينَ لِبَلاَغَتِهِ الزَّهْرَاءِ.

 

إن هذه القصة يتكرر ذكرُها في القرآن؛ لأن لها قيمةً عظيمةً، وحقيقتُها عظيمةٌ رفيعة، ولها أسرار كثيرة، وكان لها دور في تأسيس بناء الإسلام وتبليغ الرسالة، وَالصبر على الَمَشَاقِّ والصعوبات، فهي أنسب نموذج ومثال لتلقين الأمة وأسوة حسنة في إفهامها، وفيها أساسات الرسالة، وهي تتضمن دساتير مهمة.

وفي وجوهها تنوع، وجوانبها كثيرة ولها جهات ثانوية تبعية؛ أنها جامعة لدساتير الحياة الاجتماعية المتأصِّلة العريضة التي تمتد بين الماضي والمستقبل، والحاجةُ إلى الحقيقة كالاحتياج إلى الضياء والغذاء؛ فإذا تكرر دستورها فالدرس كذلك يتكرر.

وإليك بعض الأمثلة على دساتيرها وجهاتها الثانوية التبعية التي تبلغ الآلاف.

فهذه الجمل العظيمة التي تخاطب فرعون

مثلاً: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ (سورة يونس: ١٠/٩٢) هذا الدستور الغريب لفراعنة مصر الذي هو نقل أجساد الأموات من الماضي إلى المستقبل بالتحنيط يورث اندهاشًا وهلعًا مذكرًا بالحياة المليئة بالموت، حتى إنه نُجِّيَ بدنُ فرعون موسى فألقَاه سيلُ الزمان على ساحل هذا العصر الشبيه بخشبة مومياء وجعله الله عبرة وذكرى محفوظة عتيقة.

ومثلاً: ﴿يَٰهَٰمَٰنُ ابْنِ لِي صَرْحًا (سورة غافر: ٤٠/٣٦) هذا الكلام يقول لنا: إنه كان الحِسُّ الحاكم المسيطر في السلاطين الطاغية لهذه الأرض السهلةِ المستوية ميلاً ورغبة غريبة عجيبة إلى العظمة والأبهة حيث ساقهم إلى بناء هذه الأهرامات.

فهذه الجملة تلقن درسًا حكيمًا وتُذكِّر دستورًا كان قد تسبب في بنائهم الأهرامات الشاهقة وممارستهم الظلم وأمور العبث.


535. صفحة

ومثلاً: ﴿إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ (سورة القصص: ٢٨/٧٦) هذا الحكم يقول للبشر: إنَّ بِيَدِ أفراد قوم بني إسرائيل من بين أقوام العالم ثروةً ضخمةً جدًّا ومضرةً وحرامًا، ولا سيما تذكِّر هذه الجملة وتخبر أن هناك دستور الحرص ومفادُه أنهم يكسبون الثروات والأموال ويجمعونها بوسائل الربا، ويسمع البشر هذا الحكم. 

ومثلاً: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا (سورة البقرة: ٢/٩٥) إن هذه الجملة تخبر وتُذكِّر البشر ضِمنًا أن لليهود دستورًا غريبًا ونوعًا من الحرص على الحياة ونوعًا من الخوف من الموت.

وبينما جماعة منهم طلبوا مناظرة في المجلس النبوي عرض واقترح الرسول الأكرم # عليهم أن من كان على حقٍّ فَلْيَتَمَنَّ الموتَ ويأْتِ بحُجَّة، فلم يجد أحد جسارة في نفسه قط بلسان المقال، ولم يستطع ذلك القوم بدافع الحرص على الحياة حتى الآن كما هو مشاهَد في لسان حالهم، فما يزالوان يستنكفون، ولا يَتَمَنَّوْنَ الموتَ. 

فليعلم كل جبان أن الخوف من الموت يجلب الموت، وأن الحرص على الحياة يجلب الذل، وهذا هو إعجاز الآية.

ومثلاً: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَۤاءَهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَۤاءَهُمْ (سورة القصص ٢٨/٤) إن هذه الجملة تتضمن دستورًا حياتيًّا مدهشًا، ومصيبة دائمة كتبت على جبين قوم اليهود الأشقياء التعساء بقلم القدر، مفادها أن أولئك القوم التعساء الأشقياء قد استُهدِفوا وتعرضوا لقتل جماعي عام مرات عديدة إلى وقتنا الحاضر في أقطار العالم، وقد كان لبَنَاتِهم دور كبير في الحياة في عالم السفاهة.

فهذا الكلام يقول إن تلك المصيبة في ذلك العصر دستور لجميع العصور وينبه البشر إليها ويذكرهم بها، إذ أصبحت تلك الحادثة دستورًا، وأظهرت الشخصيةُ المعنوية لأولئك القوم جماعةً مشخَّصةً.  

ومثلاً: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ (سورة البقرة: ٢/٦١) نعم؛ إن الخوف من الموت سبب للموت، والحرص على الحياة سبب للذُّلِّ، فهاتان الجملتان من الآية قد تضمنتا هذين الدستورين الحكيمين. 


536. صفحة

ثم إن هذه الجملة تنبه البشر ضمنًا بنوع من إخبار غيبي عن دستور قَدَري كالدستور السابق، وتشير إلى أن العناد والحرص على الحياة جرَّعهم الذُّل والأسرَ على الرغم من أنه كان لأؤلئك القوم تاريخ شامخ من الحكم في قديم الزمان.

ومثلاً: ﴿وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (سورة الأعراف: ٧/٧٤) ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ (سورة الإسراء: ١٧/٤)

هاتان الآيتان بهذا المعنى تنبهان إلى الدستور المستنتَج من الحالة الروحية التي جعلت أولئك القوم يلعبون ذلك الدورَ العنيد، الدورَ المفسد الذي لعبوه إلى وقتنا الحاضر على البشر بالإفساد والربا والْحِيَل والغدر والخيانة والانتقام العميق.

فهذه الجمل نماذج، وهي سبع قطرات من بحر، فإنْ تكرَّر وقوع الحادثة انقلب إلى دستور، فالتكرار في القرآن يرمز إلى هذا السر، ويدل عليه.

 

      التكرار سر من أسرار القرآن

تتراءى نار في نور في بعض الأحايين، فالتكرارُ في التحقيق، والتقريرُ بالتذكير، والتنبيهُ بالترديد، كل ذلك جميل عند البلغاء والخطباء.

فكما أن الإنسان محتاج ومفتقر في كل آن إلى الهواء، وفي كل يوم إلى الغذاء، وفي كل أسبوع إلى الضياء، وفي كل شهر إلى المرأة، وفي كل سنة إلى الدواء، فبتكرر الأسباب تتجدد المسببات من جديد، ولا يعتبر ذلك تكرارًا، كذلك الإنسان الذكي حيث إن عقلَه وروحَه وقلبَه وسِرَّه وضميرَه محتاج إلى الحقيقة في كل آن، ومشتاق إلى الحق في كل دقيقة، وعاشق للتجليات في كل زمان، ومفتقر إلى الذكر في كل ساعة، وطالب للمعرفة في كل يوم. فتتكرر هذه الحاجات دومًا؛ لذا فالقرآن كذلك بالتكرارات يسوق إلى الضياء، إذن فتكراره تذكير قوي.

أجل؛ إن التكرار عيب في بعض الأحيان وذلك في اللذائذ والأمور الزائدة التي هي زينة للأشياء؛ ففي الطعام مثلاً إن كان قوتًا أو غذاء فتكراره يورث الألفةَ، ويسبب التعود.

فالفطرة مشتاقة دائمًا إلى الغذاء المألوف، وإن كان من نوع التَّفَكُّهِ فلذته في تجدده، وتكراره يورث السأم والملل.


537. صفحة

 ومثلاً: إن تكرار الحقيقة الثابتة القابلة للنمو في حديث ما تقريرٌ، وإعادتها تحقيقٌ، والقلب كذلك يريد تكرارها، أما الأسلوب اللفظي فيلزم تنوّعُه عند البلغاء، هذا مستحسَن لهم، فالصورة تحتاج إلى التجدد؛ لأنها تَبلى وتفقد جِدَّتَهَا، والقرآن من أوله إلى آخره قوت للقلوب وقوة للضمير، وهو عالٍ وسامٍ سُمُوَّ السماوات، وهو غذاء للأرواح ودواء للأذهان.

أما التكرار والترديد فتقرير بالتحقيق، وتكميل بالتنوير، يزيد الهدى قوة، وقسم منه خلاصة تلك القوة ويكثر الاحتياج إليه كثرة بقدرها يُحتاج إلى تكراره.

وقسم من ذلك القسم خلاصة للخلاصة وجوهر للحقائق، ونور متجسد بجسد سَرْمَدِيٍّ كالبسملة، فالحاجة إليها دائمة في كل آن كهواء النسيم الباعث للحياة.

وبما أن القرآن حق وحقيقة نورانية، فالحقيقة لا يمكن مصُّها، بل هي تبعث الضياء ولا يمكن هضمها بل توصل إلى الشفاء.

لكل من خواص الروح الأربعِ غاية الغايات

للضمير أربعة عناصر وهي أربعة خواص للروح، وهي: الإرادةُ والذهنُ والحِسُّ واللطيفةُ الربانية.

 ولكل من تلك الأربع غاية الغايات، فغاية الإرادة عبادة الرحمن، وغاية الذهن معرفةُ الله، وغاية الحس محبةُ الله، وغاية اللطيفةِ الشهودُ. وكل هذه الأربعة إحسان إلهيُّ وتجمعها العبوديةُ المطلقةُ والعبادةُ الكاملةُ، ويطلَق عليها اسم التقوى التي هي تعبير قرآني.

وأساس الشريعة تربية هذه الأربعة وتنميتها وتهذيبها، والشريعة ميزانها وسائقها إلى غاية الغايات.

 

لا مؤثر في الكون إلا الله

الواسطة في إيجاد الكون وخلقه ظاهرية بحتة، ولو كانت الواسطة حقيقيةً ولها تأثير حقيقي للزم أن تُمنحَ وعيًا كليًّا، ولكان أثر الإتقان وكمال الصنعة متفاوتا، في حين أنه 


538. صفحة

لم تر العين فتورًا ولا قصورًا قط، ابتداءً من أبسط شيء وانتهاء إلى أعظمه، ومن أصغر شيء إلى أكبره، بل رأت الإتقانَ الكامل في كل شيء، والاهتمامَ في كل شأن، ورأتِ الماهياتِ أن مُوجِدهَا ألبسها الوجودَ حسب قامتها.

إذن فلا يقال في حق الواجب الوجود الذي هو المؤثر الحقيقي من حيث تأثيره: إن بعض الأشياء قريبة منه وبعضها بعيدة عنه أو أَكثر بعدًا.

ويرفض الإتقانُ بلا شكٍّ فكرةَ أن إيجاد بعضها لم يكن بالواسطة، وبعضها بواسطة واحدة، وبعضها بوسائط متعددة، بل كلها بلا واسطة.

وللإنسان اختيار؛ إذ في آثاره نقصان، ويرينا عدم الإتقان في أعماله أنه لا جَبْر هنالك بل اختيار، وذلك عمادُ التكليف.

إن اختيار الإنسان واسطة، ولكن في الأمور الاعتبارية والشئون النسبية، فالوَحْدَة وافقت على هذا، والحكمة اقتضت هكذا.

وجدير بالمشاهدة أن أفراد المدينة البشرية التي هي أثر العقل والذكاء بتوسط اختيار جزئي أقل شأنًا من كِوَارة([1]) النحل التي هي ثمرة وحي وإلهام من حيث انتظام الجماعة، ولم يبلغ درجتها أصلاً ولن تبلغ.

 

ثم إن الكوارة التي هي معرض صنعة النحل أقل شأنًا - من حيث الانتظام - من مدينة خلايا الرُّمَّان ومن زهرته، والسبب هو الاختيار، إذن فالجاذبية الصغيرة الموجودة في جواهر فردٍ تَقََطَّرت من نفس القلم الذي كتب الجاذبيةَ العامة، وانتثرت وسرت في الذرات.

 

الموازنة بين نظرة الإسلام إلى أوليائه وبين نظرة النصرانية إلى قديسيها

شعار الإسلام: “لاَ خَالِقَ إِلاَّ هُوَ” لا يقبل وجود تأثير حقيقي للوسائط والأسباب، ولا يعترف به، وينظر إلى الوسائط بـ “النظر الحرفي” فعقيدة التوحيد علّمت المسلمين هكذا، ووظيفة التسليم ساقتهم إلى هذه الفكرة. ومرتبة التوكل تدرِّس درسه هذا، وإخلاص العبودية منح لهم النور هكذا.


[1]   كوارة النحل: بيته وخَلِيَّته.

 



539. صفحة

أما النصرانية فهي تمنح الوسائط والأسباب تأثيرًا حقيقيًّا وتنظر إليها بـ“المعنى الاسمي” وتظن أن لها تأثيرًا ذاتيًّا، فتضل بهذه الفكرة، ومذهب الولدية وعقيدة التولد يرشد إلى هذا، وقد ساقته الوظيفة الرهبانية ومسلك الرهبانية هكذا.

وفلسفة الطبيعة قد غلبت على ذلك الدين، حيث تتدخل في شئونه، وقد درَّستها النصرانية على هذا النحو بحيث تنظر إلى قديسيها بـ “المعنى الاسمي” وتراهم كالمصابيح، والمصباح قد اقتبس نورَه من الشمس ولكنه تَمَلَّكَهُ حسب فكرة ما، بمعنى أن كل واحد من القديسين يصبح منبعَ فيضٍ في نظر هؤلاء ومعدنَ النور بالذات، وَتَرَشُّحُ الشرك من هذه النظرة ظاهر.

وأما الإسلام فينظر إلى أوليائه ويراهم بـ “المعنى الحرفي” ويعتبرهم مستضيئين استضاءة مستعارة كالمرايا، فنورهم يأتي من الشمس أصلاً، وليس من ذواتهم، يقتبسون من ضياء شمس الأزل وينشرونه.

إذن ينظر الإسلام إلى الأنبياء والأولياء على أن كل واحد منهم معكس التجليات، ومرآة الفيوضات ونحلة شهد الشهود.

فرابطة النقشبندية مؤسسة على هذا السر، وإن لم يكن عند الشيخ “التَّشَخُّصُ” فلا ضرر فيه، وإن كان موجودًا فالمريد يعتقد أنه فانٍ، ومن هذا السر يبدأ سلوك الطريقة عندنا من التواضع ويمر من المحوية حتى يبلغ مقام “الفناء في الله” شيئًا فشيئًا، ثم يبدأ السير والسلوك في مراتب لا نهاية لها، ومن هذا السر ينكسر الـ “أنا” والنفس الأمارة بالسوء بكبرها وتنطفئ بغرورها.

وأما في النصرانية الحاضرة([1]) فتتقوى الـ“أنا” بجميع لوازمها، ولا ينكسر الغرور. والمرء “المتشخص” القوي الأنانية في النصرانية يكون متصلبًا.

أما إذا كان من المسلمين فغير مكترث وغير مبالٍ بشيء، ومن هذا السر فعوامنا أكثر تديُّنًا من الخواص، ويبقى ملتزمًا به على عكس النصرانية.

 


[1]   أي النصرانية المحرفة جدا والتي ابتعدت عن الدين الحقيقي لعيسى X.

 



540. صفحة

فرق مهم بين العاشقين والعارفين من الأولياء

إن العاشق الحقيقي يصل إلى المعشوق مهما سلك في طريقه سلوكًا خطأً، أو أخطأ في تعبيراته أو حَادَ عن الصواب في توصيفاته؛ إذ المعشوق هو الذي يجذبه ويمنعه من الانحراف عن الطريق.

لأن العشق جذبة تجذب القلوب المنجذبة نحو جمال جذَّاب.

وأحيانًا تكون النتيجة حقًّا ومتحققًا إلا أن الدليل يكون باطلاً والوسيلةَ خطأً، فهذه الظاهرة لا تضر بالعاشق.

إنْ سلك الولي العارف في طريقه سلوكًا خطأً أو رأى صورًا خطأً أو أخطأ في الكلام، فلا يصل إلى مطلوبه ولا يبلغ مقصوده؛ لأن الطريق الفاسد لا يوصل إلى المقصِد أبدًا، وإذا لم يتوفر الشرط فلا يحصل المشروط، ولا يشبه ذلك العاشقَ، لأنه مقيد وليس حرًّا.

إن على العارف الدقة والانتباه حين يضع أقدامه على الدرجات؛ لأنه يصعد إلى العُلا بنفسه، ولكن العاشق يجذبه واحد إلى الأعلى، فهو يغدو حرًّا ولا يكون مقيدًا؛ بمعنى أن الوليّ العاشق إن كان مخطئًا فهو مهتدٍ بنفسه، ومضل لغيره. ولكن العارف إذا كان مخطئًا يكون ضالاًّ ومُضِلاًّ فلا يُقتدى به؛ فإنه من هذا السر قد أُعدم قسم من العارفين واتُّهِموا بالضلال لسبب رموز من الشطحات التي لا يمكن تأويلها.

ورفع زمرة العاشقين الشطحات من درجة الرموز إلى درجة الإشارات وصرَّحوا بها.

ومع ذلك نظرُ الأمة عظَّمهم ولَمَّا يتَعَرَّضْ لهم.

ومن هذا السر يتشابه كل من محيي الدين وجامي وابن الفارض وابن السبعين في إشارات الشطحات ولا يتشابهون في نظر الأمة إليهم.

ولما غلب عرفان “محيي الدين” على عشقه تسببت إشاراته في إمطار السهام الوبيلة عليه حتى كُشف الرمز للسلطان سليم. 


541. صفحة

ولكن “الجامي” كان عاشقًا صرَّح بوضوح، فعاش محترَمًا وسلِمَ من السهام ولذلك لا يُنتقَد.

أما “ابن الفارض” ذلك الأعشق فهو ذهب أبعد من محيي الدين الأعرف، ولكنه من حيث التعرض لانتقادات الأمة دون محيي الدين، ولا يُنظر إلى تقصيراته.

وأما “ابن السبعين” فلا يظهر في كلامه عشق صاف كثيرًا في الحقيقة، ولكن كلامه الشبيه بالفكر والنظر أصبح سببًا لإسناد الإلحاد إليه، ولم يستطع إنقاذ نفسه منه.

فإن قلتَ: إن في كلام محيي الدين اختلافًا بل تناقضًا.

فإني أقول: فلا شك أنه قال ما رآه، ولم يقل ما لم يره أصلاً، إلا أنه لا ينبغي أن يكون الشيء المُشاهَد مطابقًا تمامًا لما هو عليه في نفس الأمر دائمًا. والأبصار تراه رؤية سليمة صادقة إلا أنها تحكم عليه حكمًا خطأً، والبصيرة لا تستطيع أن تراه تمامًا كاملاً أحيانًا.

وإذا قال محيي الدين: إنني رأيت، فهو صادق وقد رآه، وإن تلك الروح عالية بدرجة لا يدنو منها الكذب المتعمد أبدًا، بل تأنف منه.

إن فيصل هذا السر هو:

إنه كان كوكبا سيارة روحه، فأصبح تجلي التجليات السيالة غير الثابتة حقائقَ ثابتة وثوابت الحقائق([1]) له، والحبة لا تكون بلا سنبل، إلا أن الحقيقة الثابتة والتجلي السيار كليهما كتجلي البذرة والزهرة، ليسا الأصل ولا الغير.

إن ميزان الحق والحقيقة هو القرآن الكريم ليس إلا.

وإن قلتَ: إن في كلام محيي الدين أقوالاً لا مجال لها في الشرع أصلاً، حتى قال بعض أئمتنا: إن تلك الأقوال كفر.

فأقول جوابًا: يلزم بيان قاعدة عامة؛ فمثلاً إذا قالت الشريعة عن صفة أو كلام إنه كفر لا يليق بالمؤمنين؛ فمرادها ومعناها أن تلك الحالة لا تنشأ عن الإيمان، وتلك الصفة


[1]   ثوابت الحقائق: نجوم الحقائق.

 



542. صفحة

كافرة، وذلك الكلام كافر، وهذا يعني أن ذلك الرجل استعمل هذا الكفر، ولا يُقال - بسبب تلك الألفاظ - إن ذلك الرجل كافرٌ مطلَقًا ؛ لأن له صفاتٍ كثيرة جدًّا ناشئة عن الإيمان تدل دلالة واضحة على إيمانه، ولا يمكن أصلا أن تَجرحَ هذه الصفاتِ الكثيرةَ حالٌ من أحواله أو كلمة من كلامه الذي يحتمل التأويل.

إذن لا يجوز تكفير ذلك الرجل إلا بشرط واحد وهو الاقتناع يقينًا بأن كلامه مترشح من الكفر، وأن الصفة - أي صفة الكفر- ناشئةٌ عنه، وليسا ناشئين عن سبب آخر. ولمثل هذه الصفات والكلمات الكفرية أسباب كثيرةٌ، إذن إن في دلالة مثل هذه الصفات والكلمات على الكفر شكًّا، وليست قاطعة، إذ دلالة الصفات الأخرى على الإيمان وشهادة الدستور الأصلي القائل “البقاء على الإيمان” يثبتان يقينًا أن ذلك الرجل مؤمن.

ولا يمكن أن يكون سوء الظن أساسًا وأصلاً، ولا يستطيع أن يزيل الشكُّ حكمَ اليقين دومًا، ولا يُستعجل بالتكفير من جراء كلام يحتمل النسيان والسهو والخطأ والالتباس.

أما إذا قلت: إن في الطرق المختلفة طقوسًا مختلفةً قد تقمصت شكل العبادة.

فأقول: إنه ربما لا تضر هذه الظاهرة بشروط ثلاث مع نية حسنة؛ فالشرط الأول: ألا تكون منافية أبدًا لوقار الذكر وآداب الحضور الإلهي.

والثاني: ألاّ تدخل فيها أفعال منهيٍّ عنها؛ إذ لا تجوز بالمنهيات أبدًا.

والثالث: ألا يؤتى بتلك الأفعال والحركات بنية العبادة المقصودة.

أجل؛ ينبغي أن تكون الأحوال والحركات بصورة لا إرادية وإنما انجذابية واضطرارية، أكثر من كونها اختيارية وقصدية، ولا يليق أن تكون بطريقة أخرى؛ إذ كما أن أصل العبادة هو نفس “الذكر”، فتلك الأحوال المباحة هي وسائل مشوِّقة، فالآيات الكريمة أعطتْ حريةً لاختيار الذاكر في تعيين الحركات ولا تقيده في الأمور المباحة، وتلك الأفعال لا تشبه أصلاً أفعالَ العبادات المعيَّنة شرعًا؛ إذ الأفعال الشرعية تشبه جوز الهند، فَقشره الأبيض لُبٌّ كلُبّه الشبيه باللبن، ولا يشبه جوزَنا، ولكن الأفعال والأحوال الموجودة في حلقات الذكر تشبه جوزنا، فقشره غلاف لا يؤكَل أبدًا، ولا يشبه جوز الهند ولا يمكن أن يقارن به.


543. صفحة

إن في النشاطات التي في الكون لذةً كبيرةً

إن الحكمة الأزلية قد أَدرجت في الفطرة فعاليةً لتُخرِج يدُ القدرة الاستعدادات من “القوة” إلى “الفعل”، وأوجدت لذة شديدة في ثنايا تلك الفعالية، وجعلت اللذة المستترة الكامنة في كل شيء خميرة مهمة لتغيرات العالم، وجعلت تلك الخميرة نواة لقانون التكامل والنمو، فالقدرة تمنح تلك النواة وجودًا، والحكمة تُلبِسها صورةً، والرحمة تغذيها وتطعمها.

وكما أن الخروج من الزنزانة إلى الحديقة الواسعة لذةٌ للإنسان، فكذلك الانتقال من طور الحبة إلى طور السنبل لذة منبسطة لتلك الحبة المنقبضة، يتسبب الامتزاجُ الكيمياوي في التحول في الحبة، والضياء يلقي فيها حرارةً، كذلك إذا انتقلت الفعالية إلى التحول تزايدت اللذة وانتشرت هنا وهناك. إن الذي يجعل المخلوقات تتحمل مشاقَّ الحياة؛ هو ذلك الطعم، والذي يورث الشوق هو تلك اللذة.

يا لجاذبية الكمال الكامنة في الغايات لدى ذوي الشعور!

إن لتلك الفعالية نفسها جاذبيةً خاصةً بحيث تسوقهم إلى السعي والعمل فيشكرون بالتسبيح؛ لأنه يعرف خالقه، ومن أجل هذا السر فإن الراحة في المشقة، كما أن المشقة في الراحة، فإن العاطل شاكٍ والساعي شاكرٌ، وإن العاطل عاصٍ للنظام الصادر عن المشيئة الإلهية، والساعي مطيعٌ.

 يحترق الأقل بنار الأكثر

وإلا فلو كُشِفَ سرُّ التكليف لضاعت حكمة الامتحان

للأقلية البريئة حصة من العذاب الناشئ عن مصيبة الأكثرية المذنبة، إذ لو بقي التكليف نظريًّا لظل الاختيار باقيا ويتحقق قطعًا سر التكليف الشرعي وحكمة الابتلاء. ولو كانت هنالك بداهة وضرورة في تلقين التكليف فهو اضطرار، ويزول الاختيار وتضيع حكمة التكليف والابتلاء. 


544. صفحة

احترق بيت لعاصٍ مذنب وكان فيه بريءٌٌ، فلو بقي ذلك البريء مصونًا محفوظًا بيد غيبية لما تميزت وسَمَتْ الروح المصَفَّاةُ - التي أصبحت كالألماس بسبب امتثال الأوامر واجتناب النواهي اللذين هما سبب لِصَهر معادن الأرواح وتهذيبها - لأبي بكر المشهور والصَّديق في الغار والصِّدّيق الصادق عن روح أبي جهل المتفحمة المظلمة بسبب عدم امتثال الأوامر واجتناب النواهي.

أحدهما ظُلمة حالكة والآخر نجم زاهر، أحدهما سُمٌّ خبيث والآخر قائد القواد. إن هذا السر هو سر نظرية التكليف، والمشقة في التلقي، والجهاد والتسابق. إنه نار في نور؛ فالنار تهذيب وتذهيب، وتَصفية للأرواح العالية من الأرواح السافلة، فالحبة أصبحت شجرةً والشجرةُ أصبحت مثمِرةً.

قد يكون الضعف ظالمًا في بعض الأحيان

ينشأ عن اليأس وسوء الظن ضعفُ القلب، والمرء الضعيف حين يرى ظالمًا يضرب مظلومًا بريئًا وينهال عليه بضربات أليمة تنعكس آلام هذا البريء على قلب ذلك الضعيف وتؤلمه بالطبع، والآلام تحزنه وتوجعه فلا يستطيع ضعفُه التحملَ ويحاول أن يتخلص منها.

ولكي يرتاح قلبيًّا يرغب في أن يكون ذلك المظلوم مستحقًّا للضرب، ثم يجد مبررات وربما يقول: “إنه مستحقٌّ”.

بما أن هذا الدنيء لا يمنح له الضياء فلِمَ يحول بين هذا وبين الشمس ويحجبها عنه؟!

وهو بهذا يصبح - معنى - ظالمًا يعين الظلمَ. 

إذا مزَّق نمرٌ رجلاً مسكينًا لا حول له ولا قوة ولم يستطع الهروب، فسبب هذه الكارثة التوحشُ عند الوحش، أما ضعف ذلك المسكين العاجز فذريعة للوحش.

فهذا الضعيف يحكم على الضعف بجناية التوحش، فبذنب العدم يُحكَم على الوجود.

 


545. صفحة

الذي يجدر بالمسلمين هو الإنصاف وليس الانتقاد بالغرور والأنانية

إن أشد مرضنا ومصيبتنا المعنوية هو الانتقاد المستنِد إلى المغالطة والغرور.

أما إذا كانت يد الإنصاف هي التي تحرك ذلك الانتقاد فيصقل الحقيقةَ.

وأما إذا كان الغرور قد استخدم ذلك الانتقاد فيخرب ويمزق.

أما ما هو أفظع وأسوأ من هذا فهو إذا دخل انتقاد في العقائد الإيمانية وفي المسلَّمات الدينية فهذه طامة كبرى؛ إذ الإيمان إذعان مع التصديق، واستسلام والتزام مع الإذعان، وهو امتثال معنوي مع التزام إن لم يكن لديه ضعف، والانتقاد كهذا يُضعِّف الاستسلام والامتثال والإذعان والالتزام وإن لم يورث شكًّا وشبهةً، وفي التصديق يبقى محايدا.

إن على كل فرد من أهل هذا الزمان التدقيق والنظر بحسن الظن في الآثار الصافية التي تقوي وتُنَمِّي الإذعان والالتزام، والأفكار السليمة الخالية من الوساوس، والبيانات المشجِّعة الصادرة عن القلوب النورانية المحترقة.

التفكير والمحاكمة بحياد كلمة تلوكها ألسن أذناب أوربا، ولكن هذه الكلمة إلحاد مؤقت قد يقوم به قريب عهد بالهداية أو الذي يقترب من الدين.

أجل؛ يمكن لواحد في المائة أن يتقلد ذلك الطور إن شاء مؤقتًا، وفرضًا كفائيًّا، لإلزام خصوم الدين، أو لإقناع المستقنع([1]) ولكن تربية تسعين في المائة على هذه الفكرة يتسبب في التضحية بأربعين مسلمًا بدلاً من كسب خصم واحد؛ إذ يقع كل واحد منهم في وساوس.

 

الغرور ينطلق من الضعف وينتهي إلى الضلالة.

 الغرور إلحادٌ في الداخل، صلابةٌ حيال الخارج تجاه أفكار الكفار.

الغرور الفكري منبع الضلالة، والغرور يخرج المرء عن جادة الجمهور فيتركه في الخلاء ويَجْبُرَه على إيجاد جادة له.


[1]   المستقنع: طالب الاقتناع.

 



546. صفحة

 إنه قد حاد عن منهج الجمهور ويرى أن الشكوك والأوهام قد انتشرت في كل الأطراف.

إنْ فتَحَ امرؤٌ خارجٌ عن منهج الجمهور جادةً مليئة بالشكوك والأوهام فسيضْطَرُّ إلى مواجهة تلك الأوهام.

إن ذلك المغرور الطائش يتعرض لأوهام جمهور الناس دومًا كما أنه يُحرَم من حسنات الجمهور، ويواجههم ولا يتخلص من مواجهتهم إلا واحد من الألف.

فيا طالب الهداية، اِطْرَحْ الغرور تحت الأقدام، واسحق رأسه، تعال ادخل باستسلامٍ في منهج الجمهور وهو حصن حصين للإيمان وعايِشه وعايِنْهُ.

المرء المذنب العابد للهوى لا يرضى بوجود جهنم لراحة قلبه ويصفق لكل شيء معادٍ لجهنم، وبهذه الرغبة ينساق شيئًا فشيئًا إلى الإنكار.

 

شدة شناعة الغِيبة

﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً

(سورة الحجرات:٤٩/١٢)

إن هذه الآية الكريمة تقبِّح بشدةٍِ الغِيبةَ بهذه الكلمات الست في ست درجات، وتَذمُّ الذمَّ وتوبخ الإنسان.

فتقول بهمزة الاستفهام التي سرت سريان الماء في الكلمات الست: اسْتَفْتِ عقلك، هل يجيز ويأذن لشرٍّ كهذا؟

وإن لم يكن لك عقل مستقيم فاسْتَفْتِ قلبك، هل يحب قلبك - إن كان موجودًا - شيئًا أليمًا كهذا؟

وإن لم يكن لك قلب سليم فاسْتَفْتِ ضميرك، يا ترى هل يرضى ضميرك بإفساد الحياة الاجتماعية كعض وتمزيق يدك بأسنانك وأنت تتألم من هذا؟ 


547. صفحة

وإن لم يكن لديك ضمير اجتماعي فاستفت إنسانيتك، هل تشتهي وترغب في مثل هذا الافتراس الشبيه بافتراس المفترسين؟          

وإن لم تكن لديك إنسانية فاستفتِ رأفتك لبني جنسك، وصِلَةَ رحمك، هل تميلان بوحشية إلى حركة تقصم ظهرك؟

وإن لم تكن لديك رأفة ببني جنسك وصِلَةُ رحم، أَوَ لَيْسَت لك سليقة سليمة وفطرة مستقيمة حتى تنهش وتمزق بأسنانك ميتًا ذا حرمة؟

إذن إن مرض الذَّم المزمن مذموم في نظر العقل والقلب والضمير والإنسانية وصلة الرحم والرأفة ببني الجنس والفطرة والشريعة، فالغِيبةُ المردودة مطرودة.

وهل يشرب الإنسان دم إنسان آخر كل حين؟

 

حقيقة اجتماعية مهمة:

فاسق المسلمين لا يشبه فاسق الآخرين.

أخلاقنا قائمة بديننا

إن كان أحدنا فاسقًا فغالبًا ما يكون فاسد الأخلاق، وفي أغلب الأحوال يكون عديم الضمير؛ إذ لا يمكن انكشاف رغبة سيئة لديه إلا بإسكات صدى الإيمان في ضميره.

إذن فهذا الرجل الفاسق بدون زعزعة ضميره وقلبه بغتة([1]) ودون أن يَسْتَخِفَّ ويُسكت معنوياته لا يرتكب شرًّا بحرية وباختيار تام.

لذا يعتبر الإسلام الفاسقَ خائنًا وجانيًا ويردّ شهادته، ويعتبر المرتدّ سُمًّا بل سُمًّا زعافًا، لذا يُعدمه ويُهْدِر دمه، ولكنه يُبقي الذميَ والمعاهِدَ بشروط، وإن النية هي التي تجعل الخيرَ خيرًا.

ثم إن إجراء العدالة يجب أن يتم باسم الدين حتى يتأثّر بها العقل والقلب والضمير والروح معًا، وتمتثل كلها لها، وإلاَّ فإذا كان باسم النظام والقانون يتأثر بها الوهم الإنساني فقط، ثم إنها لا تؤثر إلا على العقل الإنساني المشوب بالأوهام.


[1]   بغتة: فجأة.

 



548. صفحة

فإذا مال - الإنسان - إلى الشر فكَّر وَهْمُهُ في عقاب العدالة وسَوْط التأديب، ولا يخاف إلا منه متوقعا حصوله، وإذا شكَّ في تحقق العقاب فإن ذلك يشجع وهمَه.

أو لا يستحيي إلا من عتاب الناس، فينفض يده من شره خشية انكشاف أمره، إلا أن أمره لا ينكشف كل مرة فيأنس بذلك.

إن هذا السر هو السبب في غياب حرمة العدالة.

إن العدالة التي لا تقام باسم الشرع الشريف - وإن كانت عدالة محضة - تشبه صلاة باطلة تقام بلا نية أو دون استقبال القبلة أو بدون وضوء.

أما إذا كانت باسم الدين فوازعُ الإيمان - ذلك الوازع الموجود في فكر كل فرد - يمنعه، ويتحقق الأمن إذا صادف شرًّا. 

ومن هذا السر أصبح آلاف من الجواسيس والموظفين الحكوميين عِبْئًا على الشعب، ولو كان تطبيق العدالة باسم الدين لكفى لمنع الشرور موظفٌ واحدٌ.

 

وظيفة المؤمن تجاه المؤمنين احترام الكبار ورحمة الصغار ومحبة الأتراب ومعاملتهم بالمروءَة.

لا تُغرَقُ سفينةٌ تَحوي الأبرياء لأجل جانٍ مجرم، كذلك لا يُعادَى أبدًا مؤمنٌ يتسم بصفات بريئة كثيرة لأجل صفة وحركة مجرمة.

لاسيما الصفات المكرمة التي هي سبب المحبة كالتوحيد والإسلام، كجبل أحد.

أما الأمور الخطأ والصفات المذمومة التي هي أسباب العداوة، فهي كَالْحُصَيَّات([1]).

أجل؛ كما أن اعتبار الْحُصَيَّات أثقل من جبل أحد حماقةٌ وجِنَّةٌ محمومة؛ فلا شك أن عداوة المؤمن تجاه المؤمن قساوة قلب مثلها.


[1]   الحصيات: الحصوات الصغيرة.

 



549. صفحة

ثم إن العداوة بين المؤمنين تخالف سلامة الإسلام حسب موازين الأحاسيس اللهم إلا أن تكون على صورة إشفاق.

الحاصل: إن الإسلام يطلب الأخوة، أما المحبة فهي من لوازم الإيمان، وإن سوء الخلق عذابُه في ثناياه، وإن حسن الخُلق ثوابه في طياته؛ إذن فوِّض الأمور إلى العادل الحكيم.

إنه يتخفى جهل محض في العلوم الحاضرة؛ إذ إنها تسجل آثار الخالق القدير لحساب الأسباب وباسم الوسائط، وهكذا تُلَقِّنها للعالم.

 

هذه الزلزلة في البشر والتزلزل في عالم الإسلام([1]) ستمنحه الاستقلال والاستقرار مزيلا الذل والاستكانة، بل ستجعل الغرب غاربًا والشرق شارقًا

قال لي أحدهم ذات يوم: إن حضارة الكفار أصبحت مصيبة على الإسلام وظهرت الآن الاشتراكية فقلَّبَتِ العالم، ومتطرفوها مفزعون أشداء.       

وكنت قد قلت له: لا تخافنّ، إن حضارة العوام هي الحضارة التي تهدف إليها الاشتراكية، وتلك لا تُفسِدُ مبادئُها الأساساتِ الإسلاميةَ؛ لذا فلْيَقلَقِ الأوربيون.

أما الحضارة السفيهة التي تَخُصُّ الخواصَّ فإنها تحاول إفساد أساسات الإسلام، وكانت كارثةً وشؤما على العالم الإسلامي، ودفع الإسلام ثمنًا باهظًا، وأخذت رشوة كبيرة، إذ إن هذه الحضارة الحاضرة الجذابة المغرية عُجنت بخميرة المادية والمحكمة الكاثوليكية. هذه الفتَّانةُ السحَّارةُ ذات مغالطات ومجهَّزة بوسائل مغرية مثيرة، تبيع نفسَها للمسلمين مقابل الدين والعرض والفضيلة والمشاعر العالية، تَعرض وتقدِّم حياةً براقة باهرة، فتأخذ منهم رشوة أضعافًا مضاعفة من الدين والعِرْض.

أما الاشتراكية فإنها تعرض وتقدم حياة بسيطة للجمهور، ومقابل هذا لا تجبر ولا تستطيع أن تجبر أحدًا على إعطاء حصة كبيرة من الدين والعرض أو على التنازل عنهما كليا، ثم إنه لا يشعر أحد أنه مدين لها.


[1]   هذا الإيماء الغيبي لم يظهر في الحرب العالمية الأولى بل في الحرب العالمية الثانية.

 



550. صفحة

وكما أن في كل إنسان حاجة إلى الغذاء فكذلك له حاجة إلى الأذواق، وإنْ لم تُشبَع أذواقه السفلية الذليلة في سبيل النفس والهوى فسيتحرى أذواقه في جانب الروح والهدى.

فمثلاً لو دعاك رجل دعوة حارة إلى ضيافة ومأدبة فاخرة جاذبة باهرة وسط لهويات ترفيهية ممتعة تلاطف عواطفك، وصادفت تلك الدعوة وقت الصلاة، فلربما تركت الصلاة والجماعة والسنة، وذهبت إلى تلك المأدبة والضيافة لما فيها من جواذب باهرة.

أما لو دعاك آخر إلى تناول شربة عادية في مكان متواضع بسيط جدًّا مع آخرين، وصادفت دعوته أيضا وقت الصلاة فإنك لن تذهب وتترك لذتك الروحية الخالدة التي في عبادتك، ولن تترك صلاة الجماعة والسنة؛ لخلو تلك الدعوة من اللذائذ الجاذبة والباهرة لك.

فالضيافة الأولى هي الحضارة الحاضرة، والثانية هي حضارة العوام وهي أكثر عدالة.

إن العدالة الخالصة تنبع من الإسلام، وتبعث حياةً في الروح، ولا تقتل حياتها، ولا ظلمة في حياتها، وكمالُها الحقيقةُ.            

إن المسلمين أخذوا عبرة إذ كانوا غفلوا وهجروا المدنية والعلوم في الماضي، وأما النصارى فغلبونا باستعمالهم ذينكما السلاحين متَّخِذِين خصميْهم الشديديْن ذلكما خليليْن لهم متملكين إياهما بالحيلة.

والآن بدأ صنع سلاح في الشرق، سلاح قد اقترب إنتاجه، والقسم الأعظم منه حقٌّ وملكُنا، يجب أن نراعي مالنا؛ إذ القسم الحق منه حقُّنا، وأما القسم النجس القذر منه فنتركه لهم ونضربه على رءوسهم، وإن هجرناه مستغنين عنه كما فعلنا سابقًا فهؤلاء النصارى المحتالون يتخذونه خليلاً لهم ويستعملونه على حسابنا ويستخدمونه على حساب العالم الإسلامي، فمقاومتهم بالعداوة والخصام تغدو صعبةً جدًّا.

هذا - أي: السلاح الجديد - فكر جديد وذو مَضرة وشآمة، وله فوائد، فهو متوجه إلى الجمهور، ومخاطبه العوامُّ؛ فإن لم يَحْظَ فكرٌ متوجهٌ إلى جمهور العوام بقدسية، فهو يزول في وقت قصير، ويخبو ويموت سريعًا. 


551. صفحة

فهناك دينان عظيمان يستطيعان أن يضفيا القدسية على تلك الدساتير الجديدة. فهذا الفكر يكون منوَّرًا لهذا ومظلمًا لذاك أو على العكس.

وقتما فتح هذا الفكر الشرقي الحادُّ عينَه فإذا به وجد دينَ النصرانيةِ خصمًا واقفًا على رأسه، فالسلاح الذي بيد الخصم هو هذا الدين.

إذن هذا الفكر لا يصالحه أبدًا، ولا شك أن هذا الفكر وهذا المسلك يريد البقاء والحياة، وأما عيشه فمتوقف على التقرر عند الجمهور، وينبغي أن يقبله القلب.

فأما التقرر في قلوب العوام فيستلزم قدسية، ودينا اجتماعيا يضفي القدسية، وشريعةً رحيمة تحمي العوام وتحسن إليهم.

إذن ينبغي أن يُعلَم جيدًا أنه - أي ذلك الفكرُ الجديد - سيلتحق بالإسلام ويستسلم له شاء أم أبى، وإلا فسيموت.

وإن قلت: لِمَ أصبح الإسلام غريبًا وضعفت عزَّتُه، وزالت سعادتُه، غربنا وأفلت شمسه، ولَمْ تطلُع نجمة طالعنا؟

قلتُ: إن سبب ذلك هو محبتنا واستحساننا للغرب؛ إذ توجهنا إليه بمحبة منحوسة وتسببنا في ميل شمس الإسلام إلى الغروب.

ومتى ما أعرضنا عن الغرب بنفوه شديدة؛ وتوجهنا إلى الشرق بمحبة يشرق قمر شوكة عالم الإسلام ويقتبس النورَ من شمس الإسلام وينشره ويبثه، ويتعالَ هلاله.

ولكننا انخدعنا وأخطأنا إذ صرفنا المحبة إلى الخارج، والعداوة إلى الداخل، وسقطنا، وأدركنا بعدما أخطأنا أنه للقيام ينبغي استبدالهما.

 

جواب على سؤال الكنيسة الأنكليكية([1])

سأل ذات يوم قسيس موسوس متكبر متعال سياسي دساس عدوّ لدود للإسلام عن أربعة أمور، سألها بنية الدسيسة وبشماتة مستنكرة في وقت عصيب أليم، حيث


[1]   مائة مرة ماشاء الله لهذا الجواب.

 



552. صفحة

كان يشد الخناق علينا بمخالبه([1])، وطلب منا إجابة في ستمائة كلمة لا أقل من ذلك ولا أكثر منه.

فكان ينبغي القول تجاه شماتته: تبًّا لك، باصقين في وجهه، والسكوتُ بسخط واستياء تجاه دسيسته، والإجابة على إنكاره بجواب مسكت ينزل عليه كالْمِطْرَقَة.

فأنا لا أتخذه مخاطَبًا، ولا أضعه موضع خطابي، بل أجوبتنا لمن ينشد الحق وهي كالآتي:

فلقد قال في السؤال الأول: ما دين محمد #؟

قلت: إنه القرآن الكريم، ومقصده الأساس أركان الإيمان الستة، وأركان الإسلام الخمسة.

ويقول في الثاني: ماذا قدّم للفكر وللحياة؟

قلت: قَدَّمَ التوحيدَ للفكر والاستقامةَ للحياة، وشاهدي على هذا: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (سورة الإخلاص: ١١٢/١) و ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (سورة هود: ١١/١١٢)

ويقول في الثالث: كيف يعالج الصراعات الحاضرة؟

قلت: بتحريم الربا وفرض الزكـاة، وشاهـدي حول هذا: ﴿يَمْحَقُ اللّهُ الرِّبَوٰاْ (سورة البقرة: ٢/٢٧٦)

و ﴿وَأحَلَّ اللهُ البَيْـعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوٰاْ﴾ (سورة البقرة: ٢/٢٧٥) و ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ الزَّكََوٰةَ﴾ (سورة النور: ٢٤/٥٦)

ويقول في الرابع: كيف ينظر إلى فوضى البشرية واختلالاتها؟

قلت: السعي هو الأصل والأساس، ويجب ألاّ تتكدَّسَ وتتجمعَ ثروة الإنسان بيد الظالمين، ويجب ألاّ تُكْنَزَ في أيديهم، وشاهدي على هذا: ﴿لَيْسَ لِلإنْسَٰنِ إِلاَّ مَا


[1]   يشير إلى استيلاء الانكليز على مضيق اسطنبول.

 



553. صفحة

سَعَىٰ﴾ (سورة النجم: ٥٣/٣٩) و ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (سورة التوبة: ٩/٣٤)

 

إن جاذبية القرآن المعنوية هي التي تحفظ كرتنا الأرضية

 أكثر من الجاذبية العامة.

 إن هذا الخيط السماوي هو الذي يمسك كرتنا الأرضية ويدوّرها في مدارها السنوي واليومي، ويسيطر عليها ويركبها ويقودها ويحول بينها وبين العصيان.

     فالشريعة نزلت من العرش ورفعت عبادةً نورانية من البشر وخاصة الصلوات الخمس والأذان على رأسها.

إن الصلوات والأذان قد اتصل بعضها ببعض واحدًا فواحدًا كمسبحة.

ثم إن تلك الخيوط النورانية الخمسة قد رَبَطَتْ وأوثقت العُرَى بين الإنسان والأرض، وبين عالم الغيب والعرش الأعظم، بدايتها الأوقات الخمسة ونهايتها العرش والغيب.

وأصبحت تلك الخيوط النورانية رابطةَ اتصال تربط عالمَ الشهادة بعالم الغيب، والأرضَ بالإنسان، والإنسانَ بالسماء.

وأصبحت تلك الخمسة خمسة أحزمة للكرة الأرضية وفي نفس الوقت حزاما واحدًا، منفصلة ومتصلة، وهي حزام وقميص في نفس الوقت، وقطباها كيدَيْن، مجردان ليس لهما سكان.

فخمستها موحدة معًا في آن واحد كضياء الشمس، وفي نفس الوقت مختلفة بعضها عن بعض كقوس قُزَح.

وترتبط ألوانها النورانية بالعرش عند نقطة واحدة، وفي نفس الوقت تربط الكرةَ الأرضية وتبعث فيها الحياةَ وتدوِّرُها.

 


554. صفحة

لو تمزق قميص لأصبحت الكرة الأرضية دائخة الرأس، أو لو انقطع حبلها لرأيت الطامة الصاخبة([1])، حيث يخيم برود الظلمة فتتجمد هي بدورها ويجيء أجلها حينئذ وتقوم قيامتها، تلك الزلزلة المذهلة المفزعة للكون.

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ

قال أحدهم: لِمَ كُرِّم بنو آدم وحدهم دون غيرهم بالمرتبة العظمى وهي حمل الأمانة، وأصبح الإنسان خليفة بها؟

وأقول: لأن الإنسان أوسط، ولأن خير الأمور أوسطها، فشكل الكون مخروطي، وقف في ذروته “جزء لا يتجزأ”، وله قطر نوراني في قاعدته العريضة الجسيمة ينتهي إلى شمس الشموس، وفي وسط القطر تمامًا كان ينتظر الإنسانُ الأمانةَ واقفًا، والمسافتان بين الإنسان والذرة وبين الإنسان وتلك الشمس كانتا متساويتين، وكان جوهر واحد فريد في قلادة الخِلقة؛ إذ ذلك الجوهر الفريد صدف لطيف للدُّر اليتيم وهو محمد الهاشمي # إن الإنسان نموذج جامع قد احتوى عوالم الغيب والشهادة، وله نوافذ مُطِلَّةٌ على العوالم كلها ينظر إليها من خلالها، وله حواسٌّ كثيرة غير حواسه العشرة الظاهرة والباطنة المعروفة، فالسائقة حسٌّ كالشَّامَّةِ والذائقة، والشائقة كذلك حس آخر، فكلاهما - السائقة والشائقة - حساستان جدًّا، فتتجولان في أماكن كثيرة لم يَدخلها العقل والنظر.

 إذ كلتا الحاسَّتَيْن تُمسكان بمفاتيح كثير من الأمور التي تُدرَك بحس ما قبل الوقوع والرؤيا الصادقة، والكشف الصحيح.

ظنُّ اللُّبِّ قشرًا ضياعٌ لِلُّب

إن خمسة أشياء أصبحت ستائر لأشياء خمسة؛ أصبحت الشهادةُ ستارا للغيب، والطبيعةُ للمشيئة الإلهية، والقوةُ العمياءُ للقدرة الإلهية، واللفظُ للمدلول الذهني.


[1]   أجل؛ إن مجرَّد انقطاع الأذان وحده عن اللغة العربية وفي بلد واحد فقط تسبب في طامة كبرى دوَّخت رأس كرة الأرض بزلزلة مذهلة وحرب طاحنة.

 



555. صفحة

والمدلولُ للمعنى، و حصر النظر في الستار مَدْعاة أخطار كثيرة دوما؛ إذ تتولد الوسوسةُ منه؛ فمثلاً الذهن مقرٌّ للمدلول، والمدلول متعةٌ للذكاء.

إذا اشتغلتَ قصدًا وبالذات بالمدلول الذهني واسمِه أصبح ذلك المدلول الذهني صورة متلونة لا نموَّ لها ولا معنى وأصبح ذلك الاسم لفظا خياليا لا نموَّ له ولا معنى كذلك، ومن ثم فانشغالك بهذا -بالمدلول الذهني واسمِه- خارج عن المعنى المقصود.

هذه الصورة المتلونة أو اللفظ الخيالي هما سيالتان ضيقتان دقيقتان رقيقتان جوَّالتان. وولدُ ذلك المدلول هو صورة لا دواءَ ولا شفاء فيه ولا يُشبِع الهمةَ ولا يسكِّن الشوق ولا يلاطف الذوقَ.

إذن فينبغي أن نجعل ذلك المدلول كالزجاج، أو نثقب كل أطرافه ونجعله ينظر إلى الخارج حتى يَطْلع الذكاء على الضياء، إذ الخارج واسع شاسع وميدان تجوال وحقائق ثابتة.

البيت العنكبوتي الذي نسجتَه في الذهن الصغير جدًّا من جزء المدلول هو للوهم والهوى.

فلا تأت بقميص يضيق بذبابة وتحاول أن تلبسه على العرش والكرسي.

إنك ترسم في ذهنك في صحيفة المدلول خريطة بقدر جناح ذبابة هي رأس مال للوسوسة ثم تعود فتفقد نفسك فيها وتظن أنها ميدان واسع شاسع، وأعظِم بذلك مصيبةً!

فيا عابد المادة والملطخ بالطبيعة، ويا من أَعْمَتْه القوة العمياء([1])، وخدعه اللفظ والصورة، اترك دهاء العلوم حتى تسمو إلى الهدى.          

بينتُ لك ستارًا واحدًا من خمس ستائر وهو خامسها وأصغرها كمثل حتى تقيس النقاط الأخرى عليه.

إن سفسطة الماديين تلقي بك في الغي، فتمسّك أنت بسلسلة السماء إذ هي توصلنا إلى الجنة الأعلى.

 


[1]   ولجنا: دخلنا.

 



556. صفحة

يجب ألا يكون الدعاءُ محالاً ومعصية

إن كان الدعاء خالصًا صادقًا حقًّا يُقبل حتما كما هو أو معنىً، ولكنَّ شرطَ الطلب دومًا هو الأدبُ، فينبغي التزام الأدب دومًا.

إن لم يكن هنالك أدب فلا يكون هذا التضرع تضرعا ولا يكون الدعاء حسب هوى الإنسان والدلال وبطور المعاتب، ولا يليق طلبُ المحال أو أمورٍ تشبه المحال وتُخالف النظام والحكمة، ولا يكون عدد غير متناه في أمور متناهية، فالسؤال بـ: “أعطني أقصى الغايات” دَلاَل تُشَمُّ منه رائحةُ تجاوزِ الحدود وليس دعاء تضرعيًّا.

ولا يَقبل مقياسُ الدعاء عددَ معلومات الله أو مقدار المقدورات، اللهم إلا إذا كان كناية عن الكثرة وهذا بدوره يتطلب النية، ونية كهذه يعزّ وجودها في كل الأوقات.

 

نكتة في ﴿حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ

(سورة يس: ٣٦/٣٩)

قال أحدهم: إن القرآن الكريم شبَّه الهلال بـ ﴿الْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ وهذا لا يطيب للذوق الظاهر ولا تتراءى فيه لطافة.

قلتُ: يا هذا، إن الثريا ذلك العنقود السماوي مَنزل من منازل القمر، كلما وقع عليه القمرُ ذلك الضيفُ العزيز حسب: “قَدَّرْنَاهُ مَنَٰزِلَ” أظهر مع الهلال شكلَ عنقود ثريا شبيه بلؤلؤ رُبِط بغصن صغير أبيض متقوسٍّ، وأظهر خطًّا رقيقًا كأن شجرة ضخمة عالية تقف وراء السماوات، ومزَّق وجهَ السماء غصن حادّ منها بطريقة ما، وهذا المنظر لطيف جدًّا يسر الناظرين.

وأطل برأسه من تلك الفرجة يبسم لأهل الأرض، ويقول: يا بني آدم انظروا إليَّ أنا كذلك! أأنا ألطف أم نخيلكم وأغصانكم المليئة بالعناقيد؟      

فالصف الأول من المخاطبين وهم أبناء النخل والصحراء ينظرون حينًا إلى الأرض وحينًا إلى السماء، ويرون الأزهار والثمار هنا والهلال والنجوم هناك.

 

سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ

 

سعيد النورسي


557. صفحة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

يا اَللهُ يا رَحْمنُ يا رَحِيمُ يا فَرْدُ يا حَيُّ يا قَيُّومُ يا حَكَمُ

 يا عَدْلُ يا قُدُّوسُ

بحق الاسم الأعظم، وبحرمة القرآن المعجز البيان، وبكرامة وشرف الرسول الأكرم # أَدخِلْ خُسْرَوْ الذي كتب خمسمائة نسخة بقلم واحد وأَدخِلْ مساعديه المباركين، مصطفى جول ورفقاءه وأصدقاءه النوريين في السعادة الأبدية في جنات الفردوس. آمين. ووفّقهم في خدمة الإيمان والقرآن دومًا. آمين. واكتب في صحيفة حسناتهم ألف حسنة لكل حرف من حروف كتاب الكلمات.آمين. وأحسن إليهم بالثبات والدوام والإخلاص في نشر الأنوار “رسائل النور”. آمين.

يا أرحم الراحمين، أسعِد جميع طلاب النور في الدنيا والآخرة، واجعلهم سعداء. آمين.

واحفظهم وَقِهِمْ شرَّ شياطين الجن والإنس. آمين.

وتجاوز عن تقصيراتِ هذا العبد المسكين سعيد. آمين.

 

باسم جميع طلاب النور

ســعيد النورسي