الكلمة الثلاثون
التنقل
303. صفحة
الكلمة التي كشفت عن طَلْسَم([1]) الكون
والتي حلَّت طلسمًا مهمًّا للقرآن الحكيم
الكلمة الثلاثون
ألِفٌ ونقطة عبارتان عن “أنا” و “الذرَّة”
لهذه الكلمة مقصِدان:
المقصد الأول يبحث في ماهية الـ“أنا” ونتائجِها.
والمقصد الثاني يبحث في حركة “الذَّرَّة” ووظائفِها.
المقصد الأول
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾
(سورة الأحزاب: ٣٣/٧٢)
سنشير إلى جوهرة واحدة من الخزينة العظيمة لهذه الآية، وهي: أن وجهًا واحدًا من وجوه متعددة للأمانة التي أَبَتْ([2]) تحملَّها وأشفقت منها السَّماواتُ والأَرْضُ وَالجبال، وفردًا واحدًا منها هو “أنا”.
[1] الطلسم: اللغز.
[2] أبت: رفضت.
.
304. صفحة
أجل؛ إن “أنا” بذرة ونواة لشجرة طوبى نورانية، ولشجرة زقوم([1]) رهيبة، أَرسلتا فروعهما وأغصانهما إلى أطراف عالم الإنسانية منذ زمن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا.
وقبل أن نخوض في هذه الحقيقة العظيمة نسوق([2]) مقدمة تُسهِّل فهم تلك الحقيقة، وذلك:
إن “أنا” ليست مفتاحًا للأسماء الإلهية التي هي كنوز مخفية فقط، وليست مفتاحًا لطلسم الكون المغلق فحسب، وإنما هي - أيضًا - معمًّى([3]) يَحُلُّ الأسرار والألغاز، وطلسمٌ محيِّر عجيب، وبمعرفة ماهية “أنا” ينحلّ وينكشف ذلك المعمَّى الغريب والطلسم العجيب “أنا” فتفتح هي بدورها طلسم الكائنات وكنوز عالم الوجوب.
وقد بحثنا هذه المسألة في رسالة مسماة “شَمَّة” ألّفناها باللغة العربية كالآتي:
إن مفتاح العالم بيد الإنسان، ومعلق على نفسه، فالكون يبدو وكأن أبوابه مفتَّحةٌ ظاهرًا إلا أنها منغلقة في الحقيقة. فالحق سبحانه وتعالى أودع - من جهة الأمانة - فى الإنسان مفتاحًا - يُسمَّى “أنا”- يفتح كل أبواب العالم، وأودعه أنانيةً ذات طلاسم يَفتَح ويَكشِف بها الكنوزَ المخفية لخلاَّق الكون، إلا أن “أنا” هي - في ذاتها - معمًّى في غاية الغموض، وطلسم مشكل فَتْحُهُ وكَشْفُه، فإذا عُرِفت ماهيتها الحقيقية، وسر خِلقتها؛ ينفتح الكون، كما تنفتح هي نفسُها، وذلك: أن الصانع الحكيم قد جعل بيد الإنسان - أمانةً - “أنا” جامعةً لإشاراتٍ ونماذج تُعرِّف وتظهر حقيقةَ صفاتِ وشئونِ ربوبيتِهِ؛ حتى تصبح “أنا” هذه وَحْدَةَ قِيَاسٍ وتُعرَف بها صفات الربوبية وشئون الألوهية، إلا أنه لا يلزم أن تكون وحدةُ القياسِ موجودًا حقيقيًّا، بل يمكن أن تُشكَّل وحدة قياس - بالفرض والتوهم لا بالعلم والتحقق- كالخطوط الافتراضية في الهندسة.
سؤال: لِمَ ارتبطت معرفةُ صفات الحق تعالى وأسمائه بالـ “أنانية”؟
[1] زقوم: شجرة في جهنم.
[2] نسوق: نُقَدِّم.
[3] معمى: مبهم.
ري
305. صفحة
الجواب: لأنه لا يمكن أن يُحدد شكلٌ لشيء محيط مطلق لا حدود ولا نهاية له، ولا يمكن أن يحدد في صورة أو شكل معينين، ولا يمكن أن تُفهَم وتُدرَك ماهيته. فمثلاً: لا يُدرَك ضياءٌ دائم مستمرّ ولا يُحَسّ به مالم تتخلله([1]) ظلمة، فمتى ما وُضِع له حد بظلمة حقيقية أو وهمية عُرِف الضياء عند ذلك.
وحيث إن صفات الحق تعالى وأسماءه كـ“العلم” و“القدرة” و“الحكيم” و“الرحيم” محيطة مطلقة، لا حدود لها، ولا شريك له فيها؛ فلا يمكن تحديدها وإحاطتها، ولا تعرف ماهيتها، ولا يُحَسُّ بها؛ لذا يجب وضع خطّ افتراضي ووهمي؛ إذ لا نهاية لها، ولا حدود حقيقية لها، وهذا ما تفعله “الأنانية”، أي “أنا”، فيَتصور - الإنسان - في نفسه ربوبيةً موهومةً، ومالكيةً وقدرةً وعلمًا، ويضع حدودًا، ثم يضع بها حدًّا موهومًا للصفات المحيطة، ويقوم بتقسيمات قائلاً: من هنا إلى هناك لي، وما بعده له؛ ويَفهم شيئًا فشيئًا ماهياتِها - أي الأسماء والصفات - بالموازين الصغيرة المودعة فيه.
يَفهم - مثلاً - بربوبيته الموهومة في دائرة ملكه، ربوبيةَ خالقه في دائرة الممكنات، ويدرك بمالكيته الظاهرية مالكيةَ خالقه الحقيقية، ويقول: كما أنني مالك لهذا البيت؛ فالخالق - جلَّ وعلا - كذلك مالك لهذا الكون. ويَفهم بعلمه الجزئي علمَ خالقه، ويفهم بصنعته القاصرة الناقصة الكسبية الصنعةَ البديعة لذلكم الصانع ذي الجلال، ويقول - مثلاً - كما أنني بنيت هذا البيت ونظَّمتُه، كذلك هناك من بنى ونظَّم دارَ الدنيا هذه.
وهكذا؛ فآلاف الأحوال والصفات والمشاعر ذات الأسرار التي تُعرِّف الصفات الإلهية وشئونها، وتشير إليها إلى حد ما،فكلها مندرجةٌ([2]) في “أنا”.
[1] تخلله: دخل بين أجزائه.
[2] مندرجة: مُتَضَمَّنة.
306. صفحة
فـ “أنا” إذن لا يحمل معنى في نفسه، بل يدل على معنى في غيرِه - كالمرآة، ووحدة القياس، وآلة الكشف، والمعنى الحرفي - وهو شعرة خيط ذات شعور من حبل سميك لجسم الإنسانية، وخيط رقيق من حُلّة([1]) ماهية البشرية، وحرف “الألف” في كتاب الشخصية الآدمية، بحيث إن هناك وجهين لحرف “الألف” هذا:
أحدهما متوجه إلى الخير والوجود، وهو بهذا الوجه قابل للفيض فقط، ويقبل الواهب، ولا يستطيع هو بنفسه إيجاد شيء، وليس فاعلاً في هذا الوجه، بل قاصر اليد عن الإيجاد.
والوجه الآخر متوجه إلى الشرّ، ويمضي نحو العدم، وهو في هذا الوجه فاعل وصاحب فعل.
ثم إن ماهيته حرفية تدل على معنىً في غيرِه، فربوبيته خيالية، وكنهه ضعيف ورقيق إلى درجة لا يستطيع معها أن يحمل في ذاته شيئًا، ولا يستطيع أن يتحمله، بل هو ميزان من نوع الموازين التي تُبين مقادير الأشياء ودرجاتها؛ كميزان الحرارة والهواء وغيرهما، يُعرِّف صفات الواجب الوجود المحيطة المطلقة التي لا حدود لها.
فالذي يعرف ويدرك ماهيته على هذا الوجه، ويعمل وفق ذلك وبمقتضاه؛ يدخل ضمن بشارة الآية الكريمة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّٰهَا﴾ (سورة الشمس: ٩١/٩) ويكون قد أدَّى أمانته بحق، ويرى ويدرك بمنظار “أنا” ماهية الكون وما يُؤدِّيه من الوظائف، وإذا وردت إلى نفسه معلوماتٌ آفاقية؛ فإنها تجد في “أنا” مصدِّقًا لها، وتبقى تلك العلوم نورًا وحكمة ولا تنقلب أو تتحول إلى الظلمة والعبثية.
فمتى ما أَدَّى “أنا” وظيفته على هذا الوجه يترك رُبُوبِيَّتَه الموهومة، ومالكيته الافتراضية، اللتين هما وحدة قياس، ويقول ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ (سورة التغابن: ٦٤/١) و ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (سورة القصص: ٢٨/٨٨) ويتَقلَّدُ عبوديته الحقيقية، ويرتقي إلى مقام “أحسن تقويم”.
ولكن إذا نسي “أنا” حكمةَ خلقته، ونظر إلى نفسه بالمعنى الاِسميِّ تاركًا وظيفته الفطرية، واعتقد في نفسه مالكية؛ فعندئذ يكون قد خان الأمانة، ودخل ضمن
[1] الحلة: الثوب الجديد الجيد.
ة.
307. صفحة
﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّٰهَا﴾ (سورة الشمس: ٩١/١٠) فمن أجل ذلك قد أشفقت السماوات والأرض والجبال من هذا الوجه للأنانية التي تولد كل أنواع الشرك والشرور والضلالة، وخافت من شركٍ افتراضي.
أجل؛ إن “أنا” مع أنه حرفُ “ألفٍ” رقيقٌ، وخيطٌ دقيقٌ، وخط افتراضي؛ فإنه إن لم تُعرَفْ ماهيته يَنْمُ وينشأْ تحت تراب التستر والاختفاء، ويغلظ شيئًا فشيئًا، ويسري في كل أطراف وجود الإنسان، ويبلعه بَلْعَ تنِّينٍ([1]) ضخمٍ، فكأن الإنسان بكامله وبكل لطائفه يصبح “أنا”، ثم تزيد أنانيةُ النوع تلك الأنانيةَ قوةً من حيث العصبية النوعية والقومية، فيعارض “أنا” كالشيطان مستندًا إلى تلك الأنانية أوامرَ الصانع ذي الجلال، ثم يقيس كل فرد كل شيء على نفسه - حسب ما تعوّد عليه من قياس الأمور على نفسه - فيقسّم ملك الحق تعالى على تلك الأشياء والأسباب، ويقع في شرك عظيم، وينطبق عليه معنى الآيةِ الكريمة ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة لقمان: ٣١/١٣)
أجل؛ فكما أنه قد يسرق شخص أربعين دينارًا من أموال الدولة ويعطي دينارًا لكل واحد من أصدقائه الموجودين معه حتى يطمئن إلى فعلته؛ فكذلك الذي يقول إنني مالك لنفسي يضطر إلى أن يقول ويعتقد أن كل شيء مالك لنفسه.
وهكذا فـ“أنا” في جهل مطلق في حالته المليئة بالخيانة هذه، وهو أجهل الجهلاء بجهل مركب، ولو كان يعرف آلاف العلوم والفنون؛ لأنه تنطفئ عنده ما جلبته مشاعره وأفكاره من أنوار معرفة الكون؛ إذ لا يجد في نفسه مادة تصدقها وتضيئها وتديمها. وكل ما يَرِدُ إلى نفسه يتلوَّن بالألوان الموجودة في نفسه، حتى ولو وردت حكمة محضة تنقلب إلى عبثية مطلقة؛ لأن لون “أنا” في هذه الحالة شرك وتعطيل وإنكار لألوهية الله، فلو امتلأ الكون كلّه بآيات باهرة ساطعة لأطفأتها وأخمدتها ولم تُظهِرها نقطةٌ مظلمةٌ موجودة في “أنا”.
ولقد فُصّل في “الكلمة الحادية عشرة”- بصورة قاطعة - كيف أن ماهية الإنسان وما فيها من الأنانية ميزان حساس، ومقياس دقيق، وفهرس جامع محيط، وخريطة
[1] التنين: حيوان أسطوري يجمع بين الزواحف والطير.
.
308. صفحة
كاملة، ومرآة جامعة، ومفكرة وتقويم حسن للكون، فمن شاء فليراجع تلك الرسالة.
وختمنا المقدمة هنا مختصرين ومكتفين بالتفصيل الذي في تلك “الكلمة”، فإن فهمتَ المقدمة فتعال ندخل الحقيقة.
فانظر؛ إن في عالم البشرية تيارين عظيمين، وسلسلتين للأفكار أَرسلتا فروعَهما وأغصانهما - كشجرتين عظيمتين - في كل الأطراف وفي كل طبقة من طبقات الإنسانية منذ آدم عليه السلام إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله.
إحداهما سلسلة النبوة والدين.
والأخرى سلسلة الفلسفة والحكمة.
متى ما امتزجت واتحدت كلتا السلسلتين - أي التحقت سلسلةُ الفلسفة بسلسلةِ الدين وخَدَمَتْها مطيعةً إياها - قضى عالَمُ الإنسانية حياة اجتماعية سعيدة هنيئة، ومتى ما افترقتا اجتمع النور والخير كله حول سلسلة النبوة والدين، واحتشدت الشرور والضلالات حول سلسلة الفلسفة.
فعلينا الآن أن نجد منشأ هاتين السلسلتين وأساسهما.
فسلسلة الفلسفة التي لم تطع سلسلة الدين اتخذت صورة شجرة زقوم تنشر حولها ظلمات الشرك والضلالة؛ حيث إنها قدمت ليدِ عقل البشر ثمار الدهريين([1]) والماديين([2]) والطبيعيين([3]) في غصن القوة العقلية، وألقت على رأس البشر النماردةَ([4]) والفراعنة والشدادين ([5]) في غصن القوة الغضبية، وأثمرت ورَبَّت الآلهةَ والأصنام
[1] الدهريين:الذين يرجعون كل شيء إلى الدهر والزمن.
[2] الماديين: القائلين بأنه لا موجود إلا المادة.
[3] الطَّبيعيون: هم مَن يردّون الأشياء إلى الطبيعة وحدها، ويفسّرون كل شيء في ضوئها، ويَرجِعون الظواهرَ كلَّها إليها، ويَستبعدون كلَّ مؤثر يُجَاوِزُ عالَمَ الطبيعة.
[4] النماردة والفراعنة والشدادين: يقصد المتجبرين والطغاة المعاندين للحق.
[5] أجل؛ كما أن الذي ربّى النماردة والفراعنة والذي قام بدور المربِّية المرضع وأرضعهم هو الفلسفة المصرية والبابلية القديمة التي بلغت درجة السحر، أو اعتُبِرَت في الأوساط التي انتشرت فيها سحرًا لبقائها في دائرة خاصة، كذلك فالذي مكّن للآلهة في عقول اليونانيين القدامى وولّد الأصنام هو مستنقع الفلسفة الطبيعية. نعم، فالإنسان الذي لا يرى نور الله - أي نور معرفة الله - بسبب حجاب الطبيعة، يمنح كل شيء ألوهية ويسلطه على نفسه.
ل.
309. صفحة
ومُدَّعِي الألوهية في غصن القوة الشهوانية البهيميةِ.
منشأ شجرة الزقوم ومنشأ سلسلة النبوة التي هي بِمَنْزلة شجرة طوبى العبودية التي أثمرت أغصانُها المباركةُ في بستان الكرة الأرضية في غصن القوة العقلية ثمار الأنبياء والمرسلين والأولياء والصديقين، كما أثمرت في غصن القوة الدافعة حكامًا عادلين وملوكًا كالملائكة، وأثمرت في غصن القوة الجاذبة مَن قد اشتهروا بحسن السيرة، وجمال الصورة العفيفة، والسخاء والكرم، وأظهرت كيف أن الإنسان هو أكمل ثمرة لهذا الكون؛ أقول إن منشأهما - أي منشأ سلسلة الفلسفة ومنشأ شجرة طوبى سلسلة النبوة - هو في وَجهي “أنا” ووِجهتَيه.
وسنبين وَجهي “أنا” اللذين أصبحا منشأً ومدارًا لتلكما الشجرتين، وبذرة أصلية لهما؛ وذلك أن النبوة تمضي في طريقها وقد أمسكت وجهًا لِـ“أنا”. والفلسفة تُقبل وقد أمسكت وجهه الآخر.
الوجه الأول: وهو وجه النبوة:
هو منشأ العبودية المحضة؛ أي يعتقد “أنا” أنه عبد، ويدرك أنه يخدم غيره.
وماهيته حرفية؛ أي يفهم أنه يحمل معنى غيره.
ووجوده تبعي؛ أي يعتقد أنه قائم بوجود غيره، وثابت بإيجاده.
ومالكيته وَهْمِيَّةٌ؛ أي يعلم ويدرك أن له مالكية مؤقتة صورية بإذن مالكه.
وحقيقته ظِلِّيَّة؛ أي إنه ظلٌّ ممكنٌ مسكين يحمل تجلِّيًا من تجليات حقيقة حقة وواجبة.
وأما وظيفته فهي خدمة لصفات وشئون خالقه خدمة واعية؛ لكونه مقياسًا وميزانًا لها.
310. صفحة
فالأنبياء ومن هم في سلسلتهم من الأصفياء والأولياء قد نظروا إلى “أنا” بهذا الوجه ورأوه هكذا وأدركوا الحقيقة، وسلَّموا المُلك كله إلى مالك الملك، وأقرّوا بأنه لا شريك ولا نظير لذلك المالك ذي الجلال؛ لا في ملكه ولا في ربوبيته ولا في ألوهيته، وأنه لا يحتاج إلى مُعِين أو وزير، وبيده مقاليد كل شيء، وهو القادر المطلق على كل شيء، وأن الأسباب ما هي إلا حجب ظاهرية، والطبيعة شريعته الفطرية، ومجموعة قوانينه، ومِسطَرٌ لقدرته.
فهذا الوجه الوضيء المنوَّر الجميل أصبح بمنزلة بذرة ذات حياة ومعنى؛ بحيث خلق منها الخالق ذو الجلال شجرةَ طوبى العبودية، فزينت أغصانُها المباركة أنحاء عالم البشرية كلها بثمرات نورانية، وبددت كل ظلمات الزمان الماضي، وأظهرت وأثبتت أن الزمن الماضي المديد ليس مقبرة كبرى أو ميدان عدم كما تراه الفلسفة، بل هو مدارُ أنوار، ومعراجٌ منوَّرٌ ذو درجات متفاوتة للأرواح الآفلة([1]) لتقفز نحو المستقبل والسعادة الأبدية، وبستانُ وعالَمُ نور منوَّر للأرواح التي تركت أعباءها الثقيلة، وتحررت وانبسطت ورحلت عن الدنيا.
وأما الوجه الثاني: فقد سلكت فيه الفلسفة.
والفلسفة هذه قد نظرت إلى “أنا” بالمعنى الاسمي؛ أي إنها تقول إنه يدل على نفسه بنفسه.
وتقضي بأن معناه في نفسه وذاته، وأنه يعمل لأجل نفسه.
وتعتبر وجوده أصليًّا وذاتيًّا؛ أي تقول: إن له وجودًا أصليًّا قائمًا بذاته.
وتزعم أن له حقَّ حياة مستقلاًّ بذاته، وأنه مالك حقيقي في دائرة تصرفه، وتظن وجودَه وحياتَه ومالكيَّتَه حقيقة ثابتة.
وتعتبر أن وظيفته تكمُّلٌ ذاتيٌّ ناشئ عن حب ذاته.
وهكذا بنَوْا مسالكَهم على أسس فاسدة كثيرة، وقد أثبتنا إثباتًا قاطعًا مدى فساد هذه الأسس وسُقمها ([2]) في رسائلنا الأخرى، وخاصة في “الكلمات” ولاسيما في “الكلمة
[1] الآفلة: الغائبة.
[2] سقمها: مرضها وفسادها
ا.
311. صفحة
الثانية عشرة” و“الكلمة الخامسة والعشرين”، حتى إن أفذاذ سلسلة الفلسفة ودُهاتها([1]) كأفلاطون وأرسطو وابن سينا والفارابي قد قالوا:
إن غاية الغايات للإنسانية هي “التشبه بالواجب”، أي: التشبه بواجب الوجود، فأطلقوا حكمًا فرعونيًّا، وبإثارتهم الأنانيةَ وبجريهم أحرارًا طليقين في وديان الشرك فتحوا مجالاً لطوائف الشرك بأنواعه الكثيرة كعبدة الأسباب، وعبدة الأصنام، وعبدة الطبيعة، وعبدة النجوم، وبإغلاقهم أبواب العجز والضعف والفقر والاحتياج والنقص والتقصير المندرجة في جوهر الإنسانية سدُّوا طريق العبودية، ووقعوا في مستنقع الطبيعة، ولم يستطيعوا أن يتخلصوا من الشرك تمامًا، ولم يجدوا الباب الواسع للشكر.
أما الذين هم في سلسلة النبوة فحكموا - وهم يشعرون بعبوديتهم شعورًا تامًّا - أن غاية الإنسانية ووظيفة البشرية هي التحلي بالأخلاق الإلهية، وبالسجايا الحسنة، وأن يعلم الإنسان عجزَه فيلتجئ إلى القدرة الإلهية، وأن يرى ضعفَه فيستند إلى قوة الله، وأن يرى فقرَه فيعتمد على الرحمة الإلهية، وأن يشعر بحاجته فيَستَمِدَّ من الغِنَى الإلهي، وأن يرى تقصيرَه فيستغفرَ الله راجيًا عفوَه، ويرى نقصَه فيسبِّحَ الله ذا الكمال دائمًا.
فمن أجل ضلال الفلسفة التي لم تطع الدين قد أخذ “أنا” زمام نفسه بيده وجرى وراء كل نوع من أنواع الضلالة، فنشأت ونمت شجرة زقوم على رأس “أنا” الذي في هذا الوجه، حتى شملت أكثر من نصف عالم الإنسانية.
وأما ما أثمرته تلك الشجرة من ثمار في غصن القوة الشهوانية البهيمية أمام أنظار البشر فهو الأصنام والآلهة؛ لأن القوة هي المستحسَنة في أساس الفلسفة، حتى إن “الحكم للغالب” دستور من دساتيرها، وتقول:
إن للغالب قوةً وإن الحقَّ([2]) في القوة، وقد صفّقت للظلم - ضمنًا - وشجعت الظالمين، وساقت الجبابرة إلى ادعاء الألوهية. ثم إنها تنسب الجمال في المصنوع
[1] دهاتها: جمع داهية، والداهية هو البصير بالأمور، جيد الرأي فيها.
[2] إن دستور النبوة يقول: إن القوة في الحق وليس الحق في القوة، وبهذا يقطع الظلم، ويضمن العدالة.
ي:
312. صفحة
والحسن في النقش إلى المصنوع والنقش، ولا تنسبه إلى تجلي الجمال المجرد المقدس للصانع والنقَّاش، وتقول “ما أجمَلَهُ” بدلاً من “ما أجمَلَ صُنْعَهُ” فتجعله بمنزلة صنم يستحق العبودية.
ثم إنها استحسنت الحُسْن المزخرف المرائي المحب للشهرة والظهور؛ لذا صفَّقت للمرائين، وجعلت الشبيهين بالأصنام نُصُبًا([1]) لعابديها.
وأما ما أثمرته تلك الشجرة من ثمار في غصن القوة الغضبية على رأس البشر المساكين فهو ثمار النماردة والفراعنة والشدادين صغارًا وكبارًا، وأعطت في غصن القوة العقلية ثمارًا كالدهريين والماديين والطبيعيين لدماغ عالم الإنسانية، ومزقت عقول البشر إلى آلاف الأجزاء.
وسنذكر الآن لتنوير هذه الحقيقة ثلاثة أو أربعة أمثلة من آلاف الأمثلة من المقارنات بين النتائج التي نشأت عن الأسس الفاسدة لمسلك الفلسفة، وبين النتائج الناشئة المتولدة من الأسس الصادقة لسلسلة النبوة:
فمثلاً: أين دستور الفلسفة المفعم([2]) بالأنانية والتكبر القائل: “اِسعَوا إلى التشبه بواجب الوجود” حسب قاعدة “إن غاية الكمال للإنسانية هي التشبه بالواجب”؛ من نتائج دستور النبوة في حياة الإنسان الشخصية القائل: “كونوا عبادًا للحق تعالى متصفين بأخلاق الله” حسب قاعدة “تخلقوا بأخلاق الله” ومتوجهين إلى الله تعالى بالتذلل مدركين عجزكم وفقركم وتقصيركم”؟
أجل؛ فأين الماهية الإنسانية التي عُجنت بما لا حد له من العجز والضعف والفقر والاحتياج؛ من ماهية واجب الوجود القدير الغني القوي المستغني الذي لانهاية لقدرته وغناه وقوته واستغنائه؟
[1] أي أولئك الشبيهون بالأصنام يُظهِرون - مرائين - أوضاعًا شبيهة بالعبادة لكي يحببوا أنفسهم للمعجبين بهم إلى حدّ العبودية ولكي يكسبوا إقبالهم وتوجههم.
[2] المفعم: المليء.
:
313. صفحة
المثال الثاني:
من نتائج دستور النبوة في الحياة الاجتماعية دستور التعاون، وقانون الكرم، وناموس الإكرام الذي يجعل الشمس والقمر يسعيان لإمداد النباتات والحيوانات، والذي يجعل الحيوانات تجري لإمداد الإنسان، والذي يجعل حتى ذرات الطعام تجري لإمداد خلايا البدن ومعاونتها.
فأين دستور الصراع - الذي هو من دساتير الفلسفة في الحياة الاجتماعية - الناشئ عن سوء استعمال قسم من أناس ظالمين مفترسين وحيوانات وحشية لِفِطْرَتِهم؛ من دستور التعاون وقانون الكرم وناموس الإكرام للنبوة في الحياة الاجتماعية؟
أجل؛ إنهم اعتبروا دستور الصراع دستورًا أصيلاً أساسيًّا وكليًّا؛ بحيث حكموا وقرروا ببلاهة أن الحياة ما هي إلا صراع.
المثال الثالث:
إن من النتائج العالية للنبوة، ومن دساتيرها الغالية في التوحيد الإلهي أن “الواحد لا يصدر إلا عن الواحد” بمعنى أن كل ما له وحدة إنما يصدر عن الواحد، وبما أن في جميع الأشياء وحدة؛ إذن فهي من إيجاد الذات الواحد الأحد.
بينما دستورٌ من الدساتير الاعتقادية للفلسفة القديمة يقول “الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد” أي لا يصدر عن فرد واحد إلا شيء واحد، أما الأشياء الأخرى فتصدر عنه بواسطة الوسائط، ويصف الغني المطلق والقدير المطلق بالاحتياج إلى الوسائط العاجزة، ويمنح كل الأسباب والوسائط نوعًا من الشراكة في الربوبية، ويسند إلى الخالق ذي الجلال خلقَ مخلوق يُسمَّى “العقل الأول” كأنه بذلك يقسم ملكه بين الأسباب والوسائط، فيفتح بابًا لشرك عظيم.
فأين هذا الدستور للفلسفة الملوثة بالشرك، والملطخة بالضلالة من ذلك الدستور التوحيدي القائل بأن كل شيء فيه وحدة؛ فهو إذن من إيجاد الذات الواحد الأحد؟
314. صفحة
فإذا كان الإشراقيون - الذين هم الطبقة العليا للحكماء- تشدقوا([1]) بمثل هذه الهذيانات والتُّرَّهات([2])، فيمكنك أن تقدر مدى تشدق الطبقة السفلى من أمثال الماديين والطبيعيين بالهذيانات والترَّهات.
المثال الرابع:
أين دساتير الفلسفة الخالية من الحكمة -وهي حكمة مزخرفة- والتي تقول إن نتيجة كل ذي حياة تتوجه إلى نفسه أو تعود إلى مصالح الإنسان ومنافعه، والتي ترى أن نتيجة كل ذي حياة هي عبث لا معنى لها أصلاً، كَوَضْعِ نتيجة وثمرة كالخردل على شجرة كالجبل الضخم العالي؛ من دستور الحكمة الذي هو حقيقة محضة والذي هو من الدساتير الحكيمة للنبوة القائل: إنْ كانت النتيجة والحكمة التي تَعُود إلى كلّ شيء وكل ذي حياة واحدةً؛ فإن النتائج التي تعود إلى صانعه والحكم التي تتوجه إلى فاطره هي آلاف، وإن لكل شيء وحتى لكل فاكهة ولكل شجرة بعدد ثمراتها حكمًا ونتائج بسرّ: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ (سورة الإسراء: ١٧/٤٤)
لقد اقتصرنا على هذه الحقيقة هنا؛ إذ إنها بُيِّنَت إلى حد ما في “الحقيقة العاشرة” من “الكلمة العاشرة”، وعليه فيمكنك أن تقيس آلاف الأمثلة على هذه الأمثلة الأربعة، وقد أشرنا إلى قسم منها في رسالة مسماة بـ “لمعات”.
وإنه لمن أسس الفلسفة الفاسدة ونتائجها الوخيمة أن قد افتُتِن دهاة من حكماء الإسلام كابن سينا والفارابي بمظهرها المزخرف البرَّاق، ودخلوا ذلك المسلك منخدعين به، فلم ينالوا إلا درجة مؤمنٍ عاديٍّ، بل إن حجة الإسلام الإمام الغزالي لم يمنحهم حتى تلك الدرجة.
وكذا أئمة المعتزلة الذين هم من علماء الكلام المتبحرين، فلأنهم افتتنوا بزينتها الصورية الظاهرية جاعلين العقل حاكمًا مسيطرًا متصلين بذلك المسلك اتصالاً وثيقًا؛ لم يرتقوا إلا إلى درجة مؤمن فاسق مبتدع.
[1] تشدق: المراد هنا تكلموا مظهرين فصاحتهم، وصحة كلامهم.
[2] الترهات: جمع ترهة، وهي البواطل من الأمور.
ي
315. صفحة
وكذا أمثال أبي العلاء المعري الذي هو من مشاهير أدباء عالم الإسلام، والمعروف بالتشاؤم، وعمر الخيام الموصوف ببكائه اليتيمي، تلقوا صفعات تحقير وتكفير بسبب تلذذهم بمتع ولذات ذلك المسلك الذي يلاطف النفس الأمارة بالسوء ويُهَدْهِدُها، وتلقَّوا صفعات تأديب زاجرة من أهل الحقيقة والكمال، قائلين لهم: إنكم تُسِيئون الأدب، وتسلكون سبيل الزندقة([1])، وتُرَبُّون الزنادقة.
ثم إنه من أسس الفلسفة الفاسدة : أن “أنا” الشبيه بالبخار كأنه يتميع - مع أن له ماهيةً ضعيفةً في ذاتها كالهواء - بسبب نظره بمنظار الفلسفة المشئومة، ومن جهة المعنى الاسمي، ثم وكأنه يتصلب من جراء الألفة، وبسبب التوغل في الماديات، ثم تتجمد تلك الأنانية بسبب الغفلة والإنكار، ثم تتكدر بالعصيان وتفقد شفافيتها، ثم تكتسب غلظة شيئًا فشيئًا، فتبتلعُ صاحبَها، وتنتفخ بأفكار نوع الإنسان، ومن ثَمَّ تقيس الآخرين من الناس - وحتى الأسبابَ - على ذاتها، وعلى نفسها فتمنحهم فرعونية بالرغم من أنهم يرفضونها ويتبرأون منها، فعندئذ تتخذ طور المبارز لأوامر الخالق ذي الجلال، وتقول: ﴿مَنْ يُحْيِي العِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (سورة يس: ٣٦/٧٨) وتتهم القدير المطلق بالعجز وكأنها تتحداه، وتتدخل حتى في صفات الخالق ذي الجلال، فتردُّ ما لا يلائم هواها وما لا يعجِب فرعونية النفس الأمارة، أو تنكره أو تُحرِّفُه.
وعلى سبيل المثال؛ قد قال طائفة من الفلاسفة عن الحق تبارك وتعالى إنه الموجِب بالذات، ونفَوْا اختياره وإرادته، وكذّبوا شهادات جميع الكائنات غير المتناهية التي تُثبت اختيارَه وإرادتَه.
فيا سبحان الله! لا تَرى عين الفلسفة هذه - أعمى الله بصرها - اختيار الصانع مع أن كل الموجودات في هذا الكون من الذرة إلى الشمس تُظهره وتدل عليه بتعيّناتها وانتظاماتها وحكمها وموازينها.
ثم إن قسمًا من الفلاسفة نفوا الإحاطة العظيمة للعلم الإلهي قائلين: إن العلم الإلهي لا يتعلق بالجزئيات، فرَدُّوا بذلك الشهادات الصادقة لكل الموجودات.
[1] الزندقة: الإلحاد، والشك في الله، والضلالة.
تي
316. صفحة
ثم إن الفلسفة تمنح الأسباب تأثيرًا، وتعطي يدَ الطبيعة إيجادًا. وكما أُثبت إثباتًا قاطعًا في “الكلمة الثانية والعشرين” فإنها لا ترى في كل شيء الخاتمَ الساطع الخاص بخالق كل شيء وتعطي مصدريةً للطبيعة العاجزة الجامدة العمياء التي لاشعور لها، والتي يداها بيَدَيْ أعمَيَيْنِ هما المصادفةُ والقوة، وتنسب إلى الطبيعة قسمًا من الموجودات التي تفيد آلافًا من الحكم العالية، والتي كلٌ منها في حُكم مكتوباتٍ صمدانية.
ثم إن الفلاسفة - كما أُثبِت في “الكلمة العاشرة” - لم يهتدوا إلى باب الحشر والآخرة الذي يظهره ويشير إليه الحق تعالى بكل أسمائه الحسنى، ويدل عليه الكونُ بكل حقائقه، وسلسلةُ النبوة بكل تحقيقاتها والكتبُ السماوية بكل آياتها، ونَفَوْا الحشر، وادَّعَوا أن الأرواحَ أزليةٌ.
وهكذا يمكنك أن تقيس على هذه الخرافات بقية مسائلهم.
أجل؛ كأن الشياطين قد أخذوا عقول الفلاسفة الملحدين بمنقار ومخالب “الأنا” ورموْها في أودية الضلالة، فمزقوها شر ممزق. إن “أنا” في العالم الأصغر هو من الطواغيت كالطبيعة في العالم الأكبر. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة: ٢/٢٦٥) وبهذه المناسبة سأذكر هنا معنى حادثةٍ تمثيليَّةٍ تنور الحقيقة المذكورة آنفًا، قد كتبتها في رسالة “لمعات” شبيهة بالنظم بصورة سياحة خيالية وهي:
كنت قد رأيت واقعة خيالية وحادثة مثالية شبيهة بالرؤيا في أثناء تأملي للمسالك الثلاثة التي أشارت إليها أواخر سورة الفاتحة الشريفة بِـ ﴿صِرَٰطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّآلِّينَ﴾ وذلك قبل ثماني سنوات من تأليف هذه الرسالة في شهر رمضان الكريم بإسطنبول، وكان سعيد القديم الذي ينشغل نوعًا ما بالفلسفة، وكان على وشك الانقلاب إلى سعيد الجديد:
رأيتني في صحراء شاسعة كبيرة، وقد خيمت على جميع وجه الأرض طبقة من السحب المظلمة المضجرة الخانقة، فلا نسيم ولا ضياء ولا ماء باعثًا للحياة،كل ذلك
317. صفحة
لا أثر له، وتوهمت أن كل الأطراف والنواحي مليئة بالضواري([1]) والمخلوقات المضرة المتوحشة، فخطر على قلبي أن في الطرف الآخر من هذه الأرض ضياءً ونسيمًا وماءً باعثًا للحياة، وينبغي الانتقال إلى هناك، وإذا بي أساق دون اختيار، وأدخل إلى مغارة تحت الأرض شبيهة بالنفق، وهكذا أتجول رويدًا رويدًا في باطن الأرض، وأرى أن كثيرًا من الناس قد مروا قبلي في هذا الطريق الذي تحت الأرض، فسقطوا مختنقين هنا وهناك، وكنت أرى أثار أقدامهم، وأسمع أصوات بعضهم مدة من الزمن، ثم كانت تنقطع أصواتهم.
فيا أيها الصديق الذي يشاركني بخياله في سياحتي الخيالية؛ إن تلك الأرض هي الطبيعة والفلسفة الطبيعية.
وأما النفق فهو المسلك الذي فتحه أهل الفلسفة بأفكارهم بغية أن يفتحوا طريقًا إلى الحقيقة.
أما آثار الأقدام التي رأيتها فهي للمشاهير مثل أفلاطون وأرسطو([2]).
وأما الأصوات التي سمعتها فهي للدُّهاة مثل ابن سينا والفارابي.
أجل؛ كنت أرى بعض أقوال ابن سينا وقوانينه في بعض الأماكن، ثم كانت تنقطع كلية وهو لم يستطع أن يتقدم أكثر، أي اختنق.
وعلى كل حال فإنني أوضحت لك زاوية من الحقيقة الكامنة في الخيال كي أخلصك من شغف([3]) الاستطلاع، والآن أعود إلى سياحتي.
[1] الضواري: الحيوانات المفترسة آكلة اللحوم.
[2] إن قلت: من أنت حتى تنازل وتبارز هؤلاء المشاهير؟ وكيف تتدخل في طيران الصقور وأنت مثل الذبابة؟ قلتُ لك: لما كان لي أستاذ أزلي كالقرآن الكريم فأنا لست مضطرًا لأن أبالي - ولو بمقدار جناح ذبابة - في طريق الحقيقة والمعرفة بأولئك الصقور الذين هم تلاميذ الفلسفة الملوثة بالضلالة وتلاميذ العقل المشوب بالأوهام. ومهما كنت أدنى منهم درجةً فإن أستاذهم أدنى من أستاذي بألف مرة. فبإمداد أستاذي فإن المادة التي أغرقتهم لم تستطع أن تبلل حتى قدميّ. أجل؛ إن فردًا عاديًّا بسيطًا يحمل أوامر سلطان عظيم وقانونه يستطيع أن ينجز أعمالاً أكبر مما ينجزه مشيرٌ تابع لسلطانٍ صغيرٍ قليلِ الشأنِ.
[3] شغف: حب.
ا
318. صفحة
فكلما تقدمت رأيت أنه قد وُضِع شيئان في يدي، أحدهما مصباح كهربائي يبدد ظلمات الطبيعة التي هي تحت الأرض، والآخر آلة تُفتَّت بها الصخور الكبيرة والأحجار الضخام كالجبال، فينفتح لي الطريق، وهُمس في أذني: إن هذا المصباح الكهربائي وتلك الآلة أُعطيا لك من خزينة القرآن، وعلى كل حال سِرت على هذه الحالة مدة مديدة، فوجدتني وصلت إلى الطرف الآخر، فرأيت عالمًا مشمِسًا في سماء صافية بلا سحاب، ذا نسيم منعش، وذا ماء لذيذ باعث للحياة في فصل ربيع رائع بهيج، فقلت الحمد لله.
ثم نظرت فرأيت أنني لست مالكي، وأن أحدهم يختبرني، ومرة أخرى رأيتني في تلك الصحراء العظيمة تحت سحب خانقة وأنا على حالتي الأولى، وأن هناك سائقًا يسوقني في طريق آخر، وهذه المرة كنت أمضي سيرًا وسياحة على وجه الأرض، وليس تحتها، لكي أعبر وأنتقل إلى الجهة الأخرى، وكنت أرى في سيري هذا عجائب وغرائب لا تكاد توصف؛ فالبحر غاضب عليّ، وتهددني العواصف، وكل شيء يصبح عقبة أمامي ويلقي العوائق قدّامي، إلا أنني كذلك كنت أمرّ وأعبر بواسطة سياحتي التي وُهِبتُها من القرآن، وأتغلب بها على تلك العقبات والعوائق. وكلما تقدمت في السير كنت أرى جنائز السيّاح في كل الأماكن، ولم يُكمِل هذه السياحة إلا واحدٌ من الألف. فعلى كل حال قد تخلصت من ذلك السحاب وانتقلت إلى الطرف الآخر من الأرض، وقابلت الشمس الجميلة، وقلت الحمد لله متنفسًا النسيم المنعش، وشرعت أشاهد ذلك العالم الشبيه بالجنّة.
ثم نظرت فرأيت أن هنالك واحدًا لا يريد أن يتركني هناك، ومرةً أخرى أخذني فجأةً إلى تلك الصحراء المهيبة، وكأنه سيدلني على طريق آخر، ورأيت أن هناك أشياء بأنواع وأشكال مختلفة كالطائرات والسيارات والمناطيد([1])، وكأنها متدلية من الأعلى كالمصاعد، فكل من يركب عليها تصعد به إلى أعلى حسب قوته واستعداده. فركبت أحدها فإذا به صَعد بي - في دقيقة واحدة - إلى ما فوق السحب، فوجدتني فوق جبال
[1] المناطيد: جمع منطاد، وهو جسم ضخم يطير بسبب امتلائه بغاز الهيدروجين أو غيره وتلحق به سلة تستعمل للركوب.
319. صفحة
جميلة رائعة مزيّنة خضراء، ولم تبلغ طبقةُ السُّحبِ تلك منتصفَ الجبال، فيُحَسُّ ويُشعَر بألطف نسيم ويُرى ألذ وأعذب ماء، ويشَاهَد ألطف ضياء في كل الأماكن.
ثم رأيت أن هناك منازلَ نورانيةً كتلك المصاعد في كل الأماكن، وكنت قد رأيتها في أثناء سياحتَيَّ السابقتين وفي الجهة الأخرى للأرض، ولكن لم أفهمها. والآن فهمت أنها تجليات لآيات القرآن الحكيم.
وهكذا، فالطريق الأول الذي أُشير إليه بِـ ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ هو مسلك الذين وقعوا في مستنقع الطبيعة، والذين يحملون أفكار الطبيعيين؛ حيث أحسستم مدى ما فيها من مشكلات للوصول والانتقال إلى الحقيقة والنور.
أما الطريق الثاني الذي أُشير إليه بِـ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ﴾ فهو مسلك عبدة الأسباب، ومسلك الذين يسندون التأثير والإيجاد إلى الوسائط، ومسلك الذين يفتحون طريقًا إلى حقيقة الحقائق، وإلى معرفة واجب الوجود بالعقل والفكر فقط كحكماء المشَّائيين([1]).
وأما الطريق الثالث الذي أُشير إليه بِـ ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ فهو الجادَّة النورانية لأهل القرآن الذين هم أهل الصراط المستقيم؛ إذ هي أقصر وأسهل وأسلم مسلك سماوي رحماني نوراني، وهي مفتوحة للجميع.
[1] الحكماء المشائيين: هو لقب لقب به أرسطو أتباعه لأنه كان من عادته إلقاء دروسه على تلاميذه وهو يمشي وهم يسيرون من حوله، وأصبح يطلق على من يعتمدون على العقل والفكر فقط في معرفة الحقيقة ويشقون طريق الإلحاد.
”.
320. صفحة
المقصد الثاني
للكلمة الثلاثين
حول
تحولات الذرات
وهو سيشير إلى ذرة من خزينة هذه الآية:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَٰلِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي الأَرْضِِ وَلآَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلآَ أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ﴾ ل (سورة سبأ: ٣٤/٣)
يُظهر هذا المقصد مثقال ذرة من الجوهر الموجود في الخزينة الكبرى لهذه الآية؛ أي يشير إلى الجوهر الكامن في صنيديق الذرة. ويتناول نبذة عن حركة الذرة ووظيفتها.
فهذا المقصد عبارة عن مقدمة وثلاث نقاط.
المقدمة:
إن تحولات الذرات هي اهتزازاتُ قلمِ قدرة النَّقَّاش الأزلي، وجولانه في أثناء كتابته الآيات التكوينية في كتاب الكون، وليست بلعبة تصادف كما يتوهمها الماديون والطبيعيون، وليست بحركة عشوائية بلا معنى؛ إذ إن الذرة الواحدة تقول “باسم الله” عند بدء حركتها - كما تقولها جميع الموجودات والذرات - لأنها تحمل أثقالاً تفوق قوتها إلى درجة لا نهاية لها، كحمل بذرة - بقدر حبة القمح - ثقلاً بقدر شجرة الصنوبر على عاتقها، وتقول في ختام وظيفتها “الحمد لله”.
321. صفحة
لأن جمال الصنعة المليء بالحكمة المحير المبهر جميعَ العقول يظهر ويبرز أثرًا كقصيدة مدح في الثناء على الصانع ذي الجلال بإظهاره حسن نقش مفيد. فأمعن النظر مثلاً في ثمرتي الرمّان والذُّرة الشامية.
نعم؛ إن تحولات الذرات([1]) عبارة عن اهتزازات ذات مغزى، وعن حركة ناشئة
[1] حاشيةُ لما ورد في المقصد الثاني من جملة طويلة حول تعريف تحولات الذرات: لقد ذُكر “إمام مبين” و“كتاب مبين” في القرآن الحكيم في أماكن كثيرة. وقال أهل التفسير: إنهما بمعنى واحد، وقال بعض منهم إنهما مختلفان، وإيضاحاتهم حول حقيقتهما مختلفة، وخلاصة ما قالوه: إنهما عنوانان للعلم الإلهي. إلا أنه قد حصلت عندي قناعة بفيض القرآن الكريم، هي: أن “الإمام المبين” هو عنوان لنوعٍ من العلم الإلهي وأمرِه، حيث ينظر ويتوجه إلى عالم الغيب أكثر من عالم الشهادة؛ أي إنه ينظر ويتوجه إلى الزمن الماضي والمستقبل أكثر من الزمن الحالي؛ أي ينظر ويتوجه إلى أصل كل شيء ونسله وجذوره وبذوره أكثر من كيانه الظاهري، وهو سجلٌّ للقدر الإلهي. وقد أُثبِت وجود هذا السجلِّ في “الكلمة السادسة والعشرين” وفي “حاشية الكلمة العاشرة”.
أجل؛ إن “الإمام المبين” هذا عنوان لنوع من العلم الإلهي وأمره، أي إن إنتاجَ مبادِئِ الأشياء وجذورِها وأصولِها كيانَ الأشياء بكمال الانتظام وبغاية الإبداع والصنعة يدل بلا شك على أن هذه الأمور تُنظَّم وفق سجلٍّ لدساتير العلم الإلهي. وإن تضَمُّن نتائجِ الأشياء ونسلِها وبذورِها برامجَ الموجوداتِ القادمةِ وفهارسها يخبر -بلا شك- عن وجود سجلٌّ صغير للأوامر الإلهية. فمثلاً يمكن أن يقال إن بذرة واحدة هي عبارة عن البرامج والفهارس التي تنظم أنظمة الشجرة كلها، وهي بمنزلة مجسَّم مصغَّر للأوامر التكوينية التي تُعيِّن وتحدد تلك الفهارس والبرامج.
الحاصل: بما أن “الإمام المبين” هو في حكم برنامج وفهرست لشجرة الخلقة التي أرسلت فروعها وأغصانَها حول الماضي والمستقبل وعالم الغيب، فهو بهذا المعنى سجل القدر الإلهي ومجموعة دساتيره، فبإملاء تلك الدساتير وبِحُكمها تساق الذرات إلى خدماتها وحركاتها في أجسام الأشياء.
أما “الكتاب المبين” فهو ينظر ويتوجه إلى عالم الشهادة أكثر من نظره وتوجهه إلى عالم الغيب، أي يتوجه إلى الزمن الحاضر أكثر من توجهه إلى الماضي والمستقبل، وهو عنوانٌ للقدرة الإلهية وإرادتِها وسِجِلُّ وكتاب لها أكثر من كونه عنوانًا للعلم الإلهي وأمره، فإن كان “الإمام المبين” سجل القدر فـ “الكتاب المبين” هو سجل القدرة، أي ظهور كمال الصنعة والانتظام الكامن في كيان كل شيء وماهيته وصفاته وشئونه يدل على أنه إنما يُلبَسُ كلُّ شيء الجسمَ بدساتير القدرة الكاملة وقوانين الإرادة النافذة، وتُعيَّنُ وتُشخَّص صورها، فيعطى شكل خاص ومقدار معيَّن. إذن إن لتلك القدرة والإرادة سجلاًّ كبيرًا ومجموعة قوانين كلية وعامة بحيث يفصَّل ويخاط الجسم الخاص بكل شيء ويلبس عليه ويعطى له صوره المخصوصة له. فقد أُثبِت وجودُ هذا السجل في مباحث القدر والاختيار الجزئي كما أثبت فيها “الإمام المبين”. وانظر إلى حماقة أهل الغفلة والضلالة والفلسفة حيث أحسوا بذلك اللوح المحفوظ للقدرة الفاطرة وشعروا بذلك الكتاب البصير للحكمة والإرادة الربانية وتجليهما في الأشياء وانعكاسهما ومثالهما، وأطلقوا عليه - حاشا - اسم الطبيعة فجعلوه خامدًا عقيمًا.
فهكذا؛ إن القدرة الإلهية عند خلق الأشياء تَكتُب وتُوجد في الصحيفة المثالية للزمان التي تسمى “لوح المحو والإثبات” سلسلةَ الموجودات التي كل منها آية بإملاء “الإمام المبين” أي بحكم القدر ودستوره، وتُحرِّك الذرات؛ أي إن حركات الذرات هي حركة واهتزاز من تلك الكتابة وذلك الاستنساخ عند انتقال الموجودات من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ومن العلم إلى القدرة.
أما لوح المحو والإثبات فهو سجل متبدل، ولوحة كتابةٍ ومحوٍ للَّوح المحفوظ الأعظم الثابت الدائم في دائرة الممكنات، أي في الأشياء المعرضة دائمًا للموت والحياة، والوجود والفناء، فحقيقة الزمان هي ذلك.
نعم؛ فكما أن لكل شيء حقيقة؛ فإن حقيقة النهر العظيم الذي يجري في الكون والذي نسميه بالزمان هي في حكم صحيفة ومداد لكتاب القدرة الذي في “لوح المحو والإثبات”. لا يعلم الغيب إلا الله..
322. صفحة
عن كتابة ورسم كلمات القدرة في “لوح المحو والإثبات” الذي هو حقيقة الزمان السيال، وصحيفته المثالية بالاستنساخ من “الكتاب المبين” - الذي هو محور التصرف في خلق الأشياء وإيجادها من الزمن الحاضر وعالم الشهادة، والذي هو عنوان القدرة الإلهية وإرادتها - وتحت إملاء ودستور “الإمام المبين” الذي هو محور انتظام الأصل الماضي والنسل القادم لكل شيء آتٍ من عالم الغيب، والذي هو عنوان العلم الإلهي وأمرِه.
323. صفحة
النقطة الأولى
وهي مبحثان.
المبحث الأول:
إن في كل ذرة - في حركتها وسكونها - نورين للتوحيد يلمعان للتوحيد كشمسين؛ لأنه كما أثبت إجمالاً في “الإشارة الأولى” من “الكلمة العاشرة” وتفصيلاً في “الكلمة الثانية والعشرين” فإن كل ذرة إن لم تكن موظَّفًا إلهيًّا، ولم تتحرك وفق إذنه وتصرفه، ولم تتحول بعلمه وقدرته، فينبغي أن يكون لكل ذرةٍ عِلم مطلق وقدرةٌ غير محدودة، وعينٌ ترى كل شيء، ووجهٌ ينظر إلى كل شيء، وكلمة نافذة في كل شيء؛ لأن كل ذرة من ذرات العناصر تعمل - أو تستطيع أن تعمل - بانتظام في جسم كل كائنٍ حي. وحيث إن أنظمة الأشياء وقوانين تشكلاتها تختلف بعضها عن بعض؛ فإن لم تُعرف أنظمتُها لا يمكن العمل فيها، ولو عُمل فيها فلن يخلو العمل من الخطأ، والحال أن الأعمال تُنجَز بلا خطأ، إذن إن تلك الذرات التي تقوم بذلك العمل إما أن تعمل بإذن صاحب علم محيطٍ وأمره وعلمه وإرادته وإما أن يكون لها في ذاتها علمٌ محيطٌ وقدرةٌ مطلقةٌ.
أجل؛ إن كل ذرة من ذرات الهواء تستطيع أن تدخل جسم كل كائن حي، وثمرةَ كلِّ زهرةٍ، وبناءَ كل ورقة في كلِّ شجرةٍ، وتستطيع أن تعمل فيها، بَيْدَ أن تشكلات كل منها مختلفةُ الطراز، ولكل منها أنظمةٌ مختلفةٌ ومتباينةٌ.
فإذا افتُرِض أن مصنع ثمرة تين هو بمثل ماكينة نسيج، فيكون مصنع ثمرة الرمان كماكينة للسكر، وهكذا؛ فبرامج هذه الأبنية والأجسام مختلفة بعضها عن بعض؛ بحيث إن ذرة الهواء تدخلها جميعًا أو تستطيع أن تدخلها، وتعمل فيها بلا خطأ، وبحكمة فائقة، وبمهارة عالية، وكأنها أستاذ معلم، وتتخذ أوضاعًا متناسبةً معها، وعندما تنتهي وظيفتها تتركها وتمضي إلى شأنها.
وكما ينبغي أن تعلم الذرات المتحركة للهواء المتحرك كيفيةَ وتصاميمَ الصور والمقادير التي تُخْلع على الحيوانات أو النباتات، بل حتى على ثمارها وأزهارها، أو أن
324. صفحة
تكون الذرات مأمورات تحت إمرة عليم وإرادته؛ كذلك فإنّ أيَّةَ بذرة دخلت في التراب تجد مصنعًا خاصًّا لها، وتجد كلَّ الأجهزة اللازمة لجميع لوازمها، ولجميع تشكلاتها في تلك الذرة؛ أي في حفنة من التراب التي هي بحكم ذرة باعتبار المثلية؛ لأن كل ذرَّةٍ ساكنةٍ للتراب الساكن تستطيع أن تكون مدارًا ومنشأً لنوى وبذور كلِّ النباتات المزهرة، ولكلّ الأشجار المثمرة؛ فلذا ينبغي أن تجد البذرة في تلك الذرة أو في حفنة التراب التي هي مأوىً لها ماكيناتٍ ومصانعَ معنويةً منتظمةً بعدد أنواع الأشجار والنباتات والأزهار والثمار، أو ينبغي وجودُ علمٍٍ ذي معجزات، وقدرة ذات معجزات يوجِدان كلَّ شيء من العدم، ويَعلَمان كلَّ شيء بكل أحواله وأوضاعه،
أو أنها تنجز تلك الوظائف وتقوم بها بأمر قدير مطلق، وعليم بكل شيء، وبإذنه وحوله وقوته.
نعم؛ فكما أنه لو سافر رجل عادي أعمى جاهل عديم الخبرة والمهنة إلى أوربا، ودخل جميع المصانع والمعامل، وأنجز فيها بمهارة فائقة وبكمال الانتظام أعمالا عظيمة في كل مهنة، وفي كل بناء، وكأنه من الأعلام فيها، فيحير أصحاب المهن والفنون؛ فلا شك أن من له ذرة من العقل والشعور يدرك أن ذلك الرجل لا يقوم بذلك العمل من عنده ومن تلقاء نفسه، بل هناك أستاذ في جميع تلك العلوم والفنون والمهارات يُدرِّس له ويستخدمه.
وكما أن هناك رجلاً أعمى عاجزًا مُقْعَدًا قد جلس في كوخه البسيط، وأُدخِل في ذلك الكوخ حَجَرٌ صغير بحجم درهم، ومادةٌ تشبه العظام والقطن، فإذا خرجت من هذا الكوخ الصغير أطنانٌ من السكّر، وأطوالٌ من النسيج، وآلاف من المجوهرات، وملابسُ جميلةٌ زاهية قشيبة([1]) مزينة، وأطعمة لذيذة كثيرة؛ أفلا يقول من له ذرة من عقل: إن ذلك الرجل مزلاج([2]) لمصنع عظيم هو منشأ معجزات لشخص ذي معجزات، أو بوّاب مسكين عاجز ضعيف فيه.
[1] قشيبة: بيضاء نظيفة جميلة.
[2] المزلاج: هو الذي يغلق به الباب ويفتح به، بلا مفتاح.
.
325. صفحة
كذلك فإن حركات وخدمات كل ذرة من ذرات الهواء في النباتات والأشجار والأزهار والثمار التي كل واحد منها مكتوبات صمدانية، وتحفة صنعة ربانية، ومعجزة قدرة، وخارقة حكمة تدل على أن الذرة تتحرك بأمر وإرادة الصانع الحكيم ذي الجلال، والفاطر الكريم ذي الجمال، وإن كون ذرات التراب - التي كل منها على حدة ماكينة ومعمل مستقل، ومطبعة مستقلة، وخزينة مستقلة، وتحفة مستقلة، ولوحة إعلان تعلن أسماء الصانع ذي الجلال، وقصيدة مستقلة تنشد كمالاته - منبتًا ومنشأ لسنابل البذور والنوى وأشجارها بأمر وإذن وإرادة وقوة الصانع ذي الجلال، المالكِ لأمر “كن فيكون”، والمسخَّرِ لأمره كلُّ شيء؛ نقول إن ذلك قطعي كحاصل ضرب اثنين في اثنين يساوي أربعًا، آمنَّا([1]).
[1] آمنا: أي صدقنا وسلمنا بهذا الكلام السابق ذكره.
”.
326. صفحة
المبحث الثاني:
إشارة صغيرة إلى ما في حركات الذرات من وظائف وحكم.
نعم؛ إن الماديين الذين سقطت عقولهم إلى عيونهم يرون - بحكمتهم الخالية من الحكمة؛ وفلسفتهم المستندة إلى أسس العبثية - أنًَّ تحولات الذرات التي لا علاقة ولا ارتباط لها بالمصادفة أصلاً هي مصدر المصنوعات الإلهية، متخذين هذه الفكرة أس الأساس لدساتيرهم، فمن له مثقال ذرة من شعور يدرك مدى مخالفتهم للعقل في إسنادهم المصنوعات المزينةَ بحِكَمٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى إلى شيء عشوائي ليس له حكمة ولا معنى في ذاته، بينما تحولات الذرات لها غايات وحكم ووظائف كثيرة جدًّا في نظر حكمة القرآن الكريم، ويشير إلى حكمها ووظائفها كثير من الآيات كـ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (سورة الإسراء: ١٧/٤٤) وسنشير إلى بعضها كنماذج:
أولها: إن الواجب الوجود، والفاطر ذا الجلال قد حرَّك ووظَّف الذرات بقدرته، لكي يجدد ويعيد تجليات إيجاده، ولكي يلبس الروح كل سنة أجسادًا جديدة من معجزات قدرته، متخذًا كل واحدة من الأرواح نموذجًا، ولكي يستنسخ بحكمته من كل كتاب آلافًا من الكتب المختلفة المتباينة، ولكي يظهر الحقيقة الواحدة على صور وأشكال مختلفة، ولكي يفسح المجال ويُعِدَّ المكان لمجيء الكائنات والعوالم والموجودات طائفة بعد طائفة.
ثانيها: إن مالك الملك ذا الجلال قد خلق هذه الدنيا - ولاسيما مزرعة وجه الأرض - على صورة مُلْك؛ أي هيأها لتكون قابلة للنشوء والنمو، ولإنتاج محصولات طازجة طرية ندية، حتى يزرع ويحصد فيها معجزات قدرته التي لا حد لها.
ففي مزرعته على وجه الأرض، يحرك الذرات بحكمة ويوظفها في دائرة الانتظام، وبذلك يظهر ويعرض كائنات جديدة متجددة من معجزات قدرته في كل عصر، وفي كل فصل، وفي كل شهر، بل في كل يوم وكل ساعة، ويجعل ساحة وجه الأرض تعطي محصولات أخرى جديدة، ويُظهر بحركات الذرات هدايا خزائن رحمته غير المتناهية ونماذج ومعجزات قدرته غير المحدودة.
327. صفحة
ثالثها: إن النَّقَّاش الأزلي قد حرّك الذرات بكمال الحكمة، ووظّفها بكمال الانتظام، مُظهِرًا نقوش التجليات غير المتناهية للأسماء الإلهية للتعبير عن تجليات تلك الأسماء؛ كي يُظهِرَ نقوشًا غير محدودة في أرض محدودة، ويكتبَ آيات غير محدودة تعبر عن المعاني غير المتناهية في صحيفة صغيرة.
نعم؛ إن ماهية محاصيل السنة الماضية، وماهية محاصيل هذه السنة تُعتبَرُ واحدة، إلا أن معانيهما مختلفة ومتباينة، وتتغير معانيهما بتغيير التَّعَيُّنات الاعتبارية وتَكْثُرُ، وعلى الرغم من التعيُّنات الاعتبارية والتشخصات المؤقتة التي تُبَدَّل وتَفنى في الظاهر؛ فإن معانيها الجميلة تظلُّ محفوظةً وباقيةً ثابتةً، ولأنه لا روح لأوراق هذه الشجرة وأزهارها وثمارها التي كانت في الربيع الماضي؛ فإنها في هذا الربيع كأمثالها تمامًا من حيث الحقيقة، فلا فرق بينها إلا في التشخصات الاعتبارية إلا أن هذه التشخصات الاعتبارية في هذا الربيع جاءت - وهي تشخصات مختلفة لتحل محل تلك التشخصات الاعتبارية السابقة - للتعبير عن معاني شئون الأسماء الإلهية التي تتجدد تجلياتها في كل حين.
رابعها: إن الحكيم ذا الجلال يحرك الذرات في مزرعة الدنيا الضيقة، وفي معمل ومزرعة وجه الأرض؛ لكي ينشئ وينبت ما يناسب لعالم الملكوت الواسع الشاسع جدًا - كعالم المثال الذي لا حد له، وعوالم أخرى أخروية غير محدودة - من المحاصيل أو أشياء مناسبة لها كالتزيينات أو اللوازم، فينشئ وينبت - جاعلاً الكائنات سيالةً، والموجودات سيارةً - في هذه الأرض الصغيرة الضيقة محاصيل معنوية كثيرة جدًّا لتلك العوالم الكبيرة الواسعة جدًا، ويُجري من خزائن قدرته غير المتناهية سيلاً لا نهاية له عبر الدنيا، ويصبه في عالم الغيب، ويصب بعضه في عوالم الآخرة.
خامسها: يحرك الحكيم ذو الجلال والجمال الذراتِ بكمال حكمته وقدرته، ويوظفها بكمال الانتظام؛ كي يُظهر الكمالات الإلهية غير المتناهية، والتجليات الجمالية غير المحدودة، والتجليات الجلالية التي لا منتهى لها، والتسبيحات الربانية غير المتناهية في أرض محدودة ضيقة وفي زمان قصير ومتناه؛ فيجعل الذرات تسبح بتسبيحات غير متناهية في وقت متناه وفي أرض محدودة، وبهذا يظهر تجلياته الجمالية والجلالية والكمالية غير المحدودة، ويوجِد من الحقائق الغيبية الكثيرة، ومن الثمرات
328. صفحة
الأخروية الكثيرة، ومن هُوِيَّاتِ وصور الفانين الباقية نقوشًا مثاليةً كثيرةً ونُسجًا لوحية ذات معانٍ غزيرة.
إذن؛ فالذي يحرك الذرة هو الذي يظهر هذه المقاصد العظيمة، وهذه الحكم الجسيمة، وإلا فسيلزم وجود دماغ كالشمس لدى كل ذرة.
وقد ظنّ أولئك الفلاسفة الحمقى الأغبياء أن تحولات الذرات التي تُحرَّك بمثل هذه النماذج الخمسة، بل بخمسة آلاف من الحكم خاليةٌ من الحكمة.
وقد زعموا أن تلك الذرات - التي هي في الحقيقة تذكر وتسبح الله، وتدور بنشوة وجَذْبة كالمولوي في حركتين إحداهما أَنْفُسية([1]) والأخرى آفاقية([2]) - ترقص وتدور من تلقاء نفسها كالمذهول.
فنخلص من هذا إلى أن علم هؤلاء ليس بعلم بل هو جهل، وأن حكمتهم عبث خالية من الحِكمة.
ستُذْكَرُ في النقطة الثالثة حكمةٌ سادسةٌ أخرى طويلةٌ.
النقطة الثانية:
إن في كل ذرة شاهدَينِ صادقَينِ على وجود واجب الوجود ووحدته.
أجل؛ كما أن الذرة تشهد شهادة قاطعة على وجود واجب الوجود بقيامها بوظائف كبيرة وكأنها واعية شاعرة، وبرفعها أثقالاً هائلةً مع أنها عاجزة وجامدة، فهي تشهد كذلك على وحدة واجب الوجود، وعلى أحدية من هو مالك الملك والملكوت بمراعاتها الأنظمةَ العامَّةَ في حركاتها، وبمراعاتها للنظام الخاص بكل مكان تدخله، وباستيطانها في كل مكان تحل فيه كأنها في وطنها الأصلي.
بمعنى أن من كانت الذرة ملكًا له فإن جميع الأماكن التي تتجول فيها كذلك ملك له.
إذن فالذرة تشير بعجزها وبأعبائها التي في غاية الثقل وبوظائفها غير المحدودة إلى أنها قائمة ومتحركة باسم قدير مطلق وبأمره.
[1] أنفسية:نسبة إلى النفس.
[2] آفاقية: نسبة إلى الآفاق.
329. صفحة
ثم إن تَحَرُّكَها بحركات موافقة للأنظمة الكلية للكائنات وكأنها تعرفها برمتها، ودخولَها في كل الأماكن دون مانع؛ يشير إلى أنها تعمل بقدرةِ وحكمةِ عليم مطلق واحد أحد.
نعم؛ وكما أن للجندي نسبًا في فصيلته وسريته وكتيبته ولوائه وفرقته، وهكذا له في كل دائرة نسبة، وله وظيفة حسب تلك النسبة، وأن التحرك وفق تلك النسب والوظائف وبمعرفتها إنما يتم بتلقي التدريبات والأوامر تحت النظام العسكري، وباتِّباع أمر وقانون القائد الأعلى يقود تلك الدوائر كلها؛ فكذلك - ولأن لكل ذرة وضعية مناسبة في المُركّبات المتداخلة، ولها نسب مختلفة ذات مصالح، ولها وظائف مختلفة منتظمة، ولها نتائج مختلفة ذات حِكم - لا شك أن توطين تلك الذرة بشكل لا يُفسِد تلك النتائج والحِكم محافظًا على كل نسبها ووظائفها في تلك المركبات؛ خاص بمن له مقاليد السماوات والأرض.
فمثلاً: إن اتخاذ الذرة التي استقرت في بؤبؤ عين “توفيق”([1]) وضعية مناسبة تجاه أعصاب الإحساس، وأعصاب الحركة، والشرايين والأوردة، ووجود نسب لها ووظيفة وفائدة بكمال الحكمة في الوجه ثم في الرأس والجسد، وفي الهيئة الإنسانية من بعد، يدل على أن الذي أوجد كل أعضاء ذلك الجسم بأكملها هو الذي يستطيع أن يُوطِّن تلك الذرة في ذلك المكان، خاصة تلك الذرات التي تأتي للرزق، فتلك الذرات التي تسير وتجول في قافلة الرزق إنما تسير وتجول بانتظام وحكمة عجيبين محيرين، وتدخل وتنتقل في الأطوار والطبقات في غاية الانتظام، وتخطو خطوات واعيةً فلا تخطئ، وتصل شيئًا فشيئًا إلى جسم كائن حي، وتتصفّى فيه بأربعة مصاف، ثم تَرْكَب كريات الدم الحمراء، وذلك لإمداد الأعضاء والخلايا المحتاجة إلى الرزق وإغاثتها فتغيثها وتسرع إلى إمدادها بقانون الكرم.
فيُفهَم من هذا بالبداهة أن الذي ينقل هذه الذرات ويَعبُرُ بِها من خلال آلاف المنازل المختلفة ويسوقها؛ لا شك ولا ريب أنه رزاق كريم، وخلاّق رحيم؛ بحيث إن الذرات والنجوم متساوية بالنسبة إلى قدرته جنبًا إلى جنب.
[1] هو أحد تلاميذ الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي.
330. صفحة
ثم إن كل ذرة تعمل في نقش صنعة بحيث:
إما أن لها علاقةً وارتباطًا بكل الذرات الموجودة فيها، بمعنى أنها تعلم وتُوجِد ذلك النقش الباهر البديع، وتلك الصنعة ذات النقش المليئة بالحكمة بوجودها فيه، وهي حاكمة مسيطرة على كل ذرة من ذراتها واحدة فواحدة وعلى مجموع ذراته، وهي في الوقت نفسه محكومة ومأمورة لكل ذرة من الذرات واحدة فواحدة ولجميعها، وهذا محال في ألف محال.
وإما أنها نقطة مأمورة خاضعة للحركة الصادرة عن قانون قَدَرِ صانعٍ حكيم، وعن قلم قدرته.
فمثلاً: كما أنه إن لم تكن الأحجار الموجودة في قبة جامع آياصوفيا([1]) تابعة لأمر بانيها وصنعته، فينبغي أن يكون لكل حجر منها مهارةٌ في فنّ البناء والتسقيف، كمهارة المعمار سِنَان([2]) المشهور النابغ، وأن يكون محكومًا بالأحجار الأخرى، وحاكمًا عليها في الوقت نفسه، أي: ينبغي أن يكون له حكم، فيقولَ لها: هَيَّا تَعَالَيْ نتكاتف ونتساند كي لا نقع ولا نسقط؛ فكذلك الذرات في المصنوعات التي هي أكثر صنعة وأكثر حكمة وإثارة للدهشة والإعجاب من قبة آياصوفيا بآلاف المرات؛ إن لم تكن تابعة لأمر باني هذا الكون وصانعه ينبغِ أن يُنسَبَ لكل منها صفاتُ كمالٍ بقدر صفات الكمال لصانع هذا الكون.
فيا سبحان الله! إن هؤلاء الكفار الإفرنج ولأنهم لا يقبلون واجب الوجود؛ فإنهم يضطرون لأن يقبلوا آلهة باطلة بعدد الذرات حسب مذهبهم، فالكافر من هذه الناحية مهما أصبح فيلسوفًا عالمًا فهو في جهل عظيم لا منتهى له، بل هو جاهل جهلاً مطلقًا.
النقطة الثالثة:
هذه النقطة إشارة إلى الحكمة السادسة العظيمة التي وُعد بها في آخر النقطة الأولى، وهي كالآتي:
[1] مسجد آيا صوفيا: من أشهر مساجد إستانبول.
[2] المعمار سِنَان: هو من أكبر المعماريين الأتراك حيث بنى مساجد وآثار كثيرة.
331. صفحة
لقد ذُكِر في حاشية جواب السؤال الثاني من “الكلمة الثامنة والعشرين” أن حكمة واحدة من آلاف الحِكم لتَحَوُّلاتِ الذرات وحركاتها في الأجسام الحيّة هي تنوير الذرات، وأن تكون هذه الذرات ذات حياة ومعنى؛ لتصبح ذرات مناسبة لبناء العالم الأخروي، فكأن جسم الحيوان والإنسان وحتى النباتات مَضِيفٌ ومعسكر ومدرسة للذرات التي تأتي لتلقِّي التربية والتعليم، بحيث تَدخُله الذرات الجامدة فتتنور وكأنها تحظى بالتدريب، وتتلقى الأوامر فتكتسب لطافة. وبأدائها وظيفة خاصة تكتسب لياقةً وجدارةً لتصبح ذراتٍ لعالم البقاء والدار الآخرة التي هي ذات حياة بجميع أجزائها.
سؤال: بماذا يُعرَف وجود هذه الحكمة في حركات الذرات؟
الجواب:
أولاً: يُعرَف بحكمة الصانع الثابتة بكل انتظامِ وحِكَمِ المصنوعاتِ جميعِها. لأن الحكمة التي عَلَّقت وقَلَّدت الحكم الكُلِّيَّةَ على أصغر شيء جزئي لا تترك حركات الذرات - التي تُظهِر أعظمَ فعالية وأكبرها في سيل الكائنات، والتي هي محور النقوش الحكيمة - بلا حكمة، وكذا الحكمة والحاكمية اللتان لا تتركان أصغر مخلوق بلا أجر ولا راتب ولا كمال في وظائفها؛ لا تتركان موظفيهما وخدامهما الأكثر عددًا وأصالة بلا نور وأجر.
ثانيًا: وإنه يُعرف ويُفهم - وجودُ هذه الحكمة في حركات الذرات - مِنْ رفع الصانع الحكيم العناصرَ إلى مرتبة المعدنيات بتحريكها وتوظيفها، فكأن ذلك أجرةُ كمالٍ لها، وبإعلامها التسبيحات الخاصة بالمعدنيات، ومِنْ مَنْحِهِ تعالى المعدنياتِ مقامَ ومرتبة الحياة النباتية بتحريكها وتوظيفها، ومن إحسانه تعالى إلى النباتات بمرتبة اللطافة الحيوانية بتحريكها وتوظيفها جاعلاً إياها رزقًا، ومن رفعه وترقيته ذراتِ الحيوانات إلى مرتبة الحياة الإنسانية عن طريق الرزق بتوظيفه إياها، ومن منحه ذرات جسم الإنسان مقامًا في أكثر الأماكن حساسية ولطافة من الدماغ والقلب بتنقيته وتصفيته وتلطيفه إياها؛ يُعرَف من كل ذلك أن حركات الذرات ليست خالية من الحكمة، بل تُجرَى وتُساق سَوْقًا إلى نوعٍ من الكمالات اللائقة بها.
332. صفحة
ثالثًا: إن بعض الذرات - كما في البذور والنوى - تحظى من بين ذرات الأجسام الحية بنور ولطافة ومزية معنوية؛ بحيث تصبح بمنزلة روح وسلطان على الذرات الأخرى وعلى تلك الشجرة الضخمة، فصعود بعض الذرات إلى هذه المرتبة من بين جميع الذرات لشجرة ضخمة تتم بأدائها وظائفُ حساسةٌ وأدوارٌ كثيرة في طبقة حياة تلك الشجرة؛ مما يدل على أن تلك الذرات حينما تؤدي وظيفتها الفطرية بأمر الصانع الحكيم تنال لطافة معنوية، ونورًا معنويًّا، ومقامًا ودرسًا معنويًّا حسب أنواع حركاتها، ووفق ما يتجلى عليها من تجليات الأسماء الحسنى وسموِّ تلك الأسماء.
الحاصل:
1- بما أن الصانع الحكيم يحدد ويعيِّن لكل شيء نقطةَ كمالٍ تناسبه ومرتبةَ فيضِ وجودٍ تليق به، ثم يسوق ذلك الشيء إلى نقطة الكمال تلك، مانحًا إياه استعدادًا حتى يسعى إليها. ومثلما أن قانون الربوبية هذا جارٍ في جميع النباتات والحيوانات فهو جارٍ كذلك في الجمادات، بحيث يَمنحُ ذلك القانونُ الترابَ البسيطَ ترقيًّا للصعود إلى درجة الألماس ومرتبة الجواهر الثمينة.
ويَظهَر في هذه الحقيقة طرفٌ من قانونٍ عظيمٍ هو “قانون الربوبية”.
2- وبما أن الخالق الكريم يمنح لذةً جزئيةً - كأجرة ورَاتبٍ - للحيوانات التي يستخدمها في قانون التناسل العظيم، ويمنح أجرةَ كمالٍ
للحيوانات -كالنحل والبلبل- التي تُستخدَم في خدمات ربانية أخرى؛ فإنه يعطيهم مقامًا يورث الشوق واللذة.
ويَظهَر في هذه الحقيقة طرفٌ من قانون عظيم هو “قانون الكرم”.
3- وبما أن حقيقة كل شيء تتوجه وتنظر إلى تجلي اسم من أسماء الحقّ تعالى، وترتبط به، ومرآة له، فكلما اتخذ هذا الشيء وضعية جميلة حسنة فهي تعود إلى شرف ذلك الاسم؛ إذ هكذا يقتضيه ذلك الاسم، فتلك الوضعية الجميلة مطلوبة في نظر الحقيقة سواء علم ذلك الشيءُ أو لم يعلم.
ويَظهَر من هذه الحقيقة طرفٌ من قانون عظيم هو “قانون التحسين والجمال”.
333. صفحة
4- وبما أن الفاطر الكريم لا يستردُّ - بمقتضى دستورِ كرمِهِ - المقامَ والكمال الذي منحه لشيء معين بانتهاء مدته وعمره، بل يُبقي ثمرات ذلك الشيء ذي الكمال ونتائجَه ومعناه وهويتَه المعنوية، وحتى روحه إن كان ذا روح، فمثلاً؛ يُبقيِ معاني وثمرات الكمالات التي مُنحها الإنسان في هذه الدنيا، حتى إنه يُعطِي شكرَ وحمدَ الثمرات الزائلة التي أكلها مؤمنٌ شاكرٌ ويعيدهما إليه كثمرةٍ مجسَّمةٍ في الجنة.
ويَظهَر في هذه الحقيقة طَرَفٌ من قانونٍ عظيمٍ هو “قانون الرحمة”.
5- وبما أن الخلاق الذي ليس كمثله شيء لا يُسرِف ولا يعمل عبثًا، حتى إنه يستعمل أنقاضَ المخلوقاتِ الماديةَ التي ماتت في الخريف وانتهت وظيفتُها في مصنوعات الربيعِ، ويُدرِجها في بناء تلك المصنوعات؛ فلا شك أن إدراج واستعمال الذرات الأرضية الجامدة عديمة الشعور - التي تؤدي وظائف مهمة - بسرِّ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ (سورة إبراهيم: ١٤/٤٨) وبإشارة ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الأَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (سورة العنكبوت: ٢٩/٦٤) في بعض أبنية الآخرة التي أحجارُها وأشجارُها وكلُّ شيء فيها ذو حياة وشعور؛ لهو من مقتضى الحكمة؛ لأن ترك ذرات الدنيا - المدمرة - في الدنيا أو إلقاءها في العدم إسرافٌ.
ويظهر من هذه الحقيقة طَرَفٌ من قانون عظيم هو “قانون الحكمة”.
6- وبما أن كثيرًا من آثار هذه الدنيا ومعنوياتها، وثمراتها، ومنسوجات أفعالِ المكلّفين من الجنّ والإنس وصحائفِ أعمالِهم وأرواحهم، وأجسادهم تُرسَل إلى سُوق الآخرة؛ فلا شك أن إدراج الذرات الأرضية التي خَدَمَتْ ورافقت تلك الثمرات والمعاني بعد تكمُّلها حسب استعدادها من حيث الوظيفة؛ أي بعد أن خدمت نور الحياة، وحظيت به كثيرًا، وأصبحت مدارًا للتسبيحات الحياتية؛ لا شك أن إدراج تلك الذرات في بناء عالم الآخَرة - بين أنقاض الدنيا التي ستُدَمَّر - لهو من مقتضى العدل والحكمة.
ويظهر من خلال هذه الحقيقة طرف من قانون عظيم هو “قانون العدل”.
334. صفحة
7- وكما أن الروح مسيطِرة على الجسم، فكذلك الأوامر التكوينية التي كتبها القدر مسيطرةٌ على المواد الجامدة، فيمكن أن تَتَّخذ تلك الموادُّ مواقعَ وأنظمةً حسب كتابة القدر المعنوية، فمثلاً: تصبح في أنواع البيض، وأقسام النُّطَف، وأصناف النوى، وأجناس البذور؛ ذاتَ مقام ونور - كل على حدة - من حيث الأوامر التكوينية التي كتبها القدر في كل واحد كتابة خاصة، وتصبح هذه المواد التي تحمل نفس الماهية([1]) من حيث المادة منشأً لموجودات مختلفة لا حد لها، وتصبح ذات مقام ونور مختلف، وإنَّ ذرة واحدة إن كانت قد أدت الخدمات الحياتية والتسبيحات الربانية في الحياة كثيرًا وخَدَمَتْ فعلاً، فلا شك أن تسجيل الحق تعالى وكتابته حِكَمَ تلك المعاني على الجبين المعنوي لتلك الذرات بقلم القدر الذي لا يعزب عنه شيء لهو من مقتضى إحاطة علمه.
ويظهر في هذه الحقيقة طرف من قانون عظيم هو “قانون العلم المحيط”.
فالذرات إذن ليست سائبة طليقة حرة([2]).
نتيجة الكلام
إن أطراف القوانين السبعة الظاهرَة؛ أي “قانون الربوبية” و“قانون الكرم” و“قانون الجمال” و“قانون الرحمة” و“قانون الحكمة” و“قانون العدل” و“قانون العلم المحيط” السابق ذكرها، وغيرها من القوانين العظيمة الكثيرة؛ كلها تشف عن اسمٍ عظيمٍ من أسماء الله الحسنى، والتجلي الأعظم لذلك الاسم.
ويُفهَم من ذلك التجلي أن تحولات الذرات كذلك في هذه الدنيا تجول بميزان علمي حساس، مثل الموجودات الأخرى، حسب ما تُصدِره القدرة من أوامر تكوينية على ما خطه القدر، ورَسَمَه من حدودٍ من أجل حِكَم عالية سامية جدًا، وكأنها تستعد وتتهيأ للرحيل إلى عالم آخر أسمى وأعلى.([3])
[1] نعم؛ إن كل تلك المواد مركبة من أربعة عناصر وهي: مولد الماء، ومولد الحموضة، والآزوت والكربون. ويمكن أن تُعتَبر كلُّها متشابهةً تشابهًا تامًا من حيث المادة؛ إلا أن الفرق بينها في كتابة القدر المعنوية فقط.
[2] هذا الجواب يعود إلى كلمة “بما أن” التي ذكرت سبع مرات.
[3] لأن نشر نور الحياة بكثرة كاثرة، وإشعاله في هذا العالم الكثيف والسفلي بفعالية في منتهى الجود بالمشاهدة، حتى إضاءة وتنوير نور الحياة الجديد بكثرة في أخس المواد وفي الأجسام المتعفنة، وجعل تلك المواد الكثيفة الخسيسة لطيفة، وجِلاءَها وصقلها بنور الحياة؛ يشير إشارة أقرب إلى الصراحة أن الله سبحانه وتعالى يَجْلي ويصقل ويذيب ويجمل هذا العالم الكثيف الجامد بحركات الذرات ونور الحياة بحساب عالم آخر في غاية اللطافة والسموّ، والنظافة والحيوية، وكأنه يزينه للرحيل إلى عالم لطيف. فالذين لا يستطيعون أن يستوعبوا بعقولهم الضيقة حشرَ البشر لو رصدوا بنور القرآن لرأوا أنه يظهر ويتراءى بالمشاهدة قانون القيومية المحيطُ؛ يستطيع أن يحشر جميع الذرات كحشر الجيش ويتصرف فيها.
ه؟
335. صفحة
إذن إن الأجسام الحية هي بِمنْزلة مدرسة ومعسكر ومَضِيف تربويّ لتلك الذرات السَّيَّاحة، ويمكن أن يُحكَم بحدس صادق أنها كذلك.
الحاصل:
إن كل شيء يقول: “باسم الله” كما ذُكر وأثبت في الكلمة الأولى، فكل ذرة، وكل طائفة لها، وكل جماعة خاصة بها تقول بلسان حالها: “باسم الله” مثل جميع الموجودات، وتتحرك وفقها.
نعم؛ إن كل ذرة تقول بلسان حالها في مبدأ حركتها: “بسم الله الرحمن الرحيم” بسر النقاط الثلاث المذكورة؛ أي: إنني أتحرك باسم الله، وبحسابه، وإذنه وقوته. ثم إن كل ذرة وكل طائفة لها تقول بلسان حالها - بمثل ما يقوله كل مصنوع - في ختام حركتها: “الحمد لله رب العالمين” وتُبدي نفسها وكأنها سنٌّ صغير لقلم القدرة يعمل في نقش مخلوق بديع هو بمنزلة قصيدة مدحية لله. بل كل واحدة منها تُظهر وتُبدي نفسَها كإبرة تدور على المصنوعات - التي كل منها بمنزلة إسطوانة لفونوغراف([1]) معنوي رباني عظيم له أذرع غير معدودة - وتجعلها تنطق بقصائد تحميدات ربانية وتُنشد أناشيد تسبيحات إلهية.
[1] الفونوغراف: جهاز آلي يخرج الأصوات المسجلة على اسطوانات خاصة بإبرة وسماعة، ويدعى الحاكي.
336. صفحة
دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللّهُمَّ، وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ {
وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ
رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلاَةً تَكُونُ لَكَ رِضَاءً، وَلِحَقِّهِ أَدَاءً، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَإِخْوَانِهِ وَسَلِّمْ، وسَلِّمْنَا وَسَلِّمْ دِينَنَا، آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.


