الكلمة الثامنة عشرة

127. صفحة

الكلمة الثامنة عشرة

لهذه الكلمة مقامان، ولم يكتب المقام الثاني بعد، أما المقام الأول فهو ثلاث نقاط.

النقطة الأولى:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَۤا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (سورة آل عمران: ٣/١٨٨)

 

لطمة تأديب لنفسي الأمَّارة:

يا نفسي الحمقاء المفتونة بالفخر، والمغرمة بالشهرة، والمولعة بالمدح، والتي لا شبيه لها في الغرور والأنانية!

 إن كان ادعاء بُذَيْرَة التي هي منشأ شجرة التين المثمرة/التي تثمر ألوف الثمرات، وادعاء الساقِ النحيفة الصلبة السوداء للكَرْم التي تعلقت بها مئات العناقيد؛ أن جميع تلك الثمار والعناقيد كلها من مهاراتهما، وأنه يجب على الذين يستفيدون منهما مدحهما واحترامهما؛ ادعاءً حقًّا فلربما يكون لكِ كذلك - يا نفس - حق في الفخر والغرور بما حُمِّلتِ من النعم.

       والحال أنكِ تستحقين الذم دائمًا؛ إذ إنك لست كتلك البذرة والساق، فأنتِ بما لك 

128. صفحة

من الجزء الاختياري تنقصين قيمة تلك النعم بالفخر، وتخربينها بالغرور، وتبطلينها بالكفر، وتغتصبينها بالتملك، بيد أن وظيفتكِ هي الشكر وليس الفخر، والجدير بكِ هو التواضعُ والخجلُ وليس الشهرة، وحقكِ الاستغفار والندامة وليس المدح، وكمالُكِ في العبودية وليس في الأنانية والغرور.

 نعم؛ فأنت في جسمي تشبهين الطبيعة التي في العالم، فأنتما الاثنتان قد خلقتما قابلتين للخير، ومرجعين للشر؛ أي فأنتما لستما الفاعل والمصدر، بل الْمُنْفََعَل والمحل، إلا أن لكما تأثيرًا واحدًا فقط هو تسببكما في الشر بعدم قبولكما -بصورة حسنة- للخير الذي يأتي من الخير المطلق.

 وكذا فقد خلقتما حجابين لتُسنَد إليكما القبائح الظاهرية التي لا يظهر جمالها فتكونا وسيلتين لتنزيه الذات الإلهية المقدسة، ولكنكما قد لبستما صورة تخالف وظيفتكما الفطرية كليا، فبقلبكما الخير إلى شرٍّ - لعدم قابليتكما - أصبحتما كأنكما تشاركان خالقكما، إذن فالذي يعبد النفس والذي يعبد الطبيعة فهو في غاية الحمق وفي غاية الظلم.

 وكذا لا تقولي - يا نفسي -: إنني مَظهر الجمال؛ فالذي يكون مَظهرًا للجميل يتجمل؛ إذ لعدم تمثل الجمال فيكِ لا تكونين مظهرًا بل ممرًا. 

 ولا تقولي: إنني اصطُفيتُ من دون الناس وهذه الثمار تُظهَر بواسطتي إذن فلِيَ مزية، كلا وحاشا، بل أُعطيتِها قبل أي أحد؛ لأنكِ أفلس الناس وأكثرهم احتياجًا وتألمًا؛ لذا مُنِحتْ لك أوّلاً([1]).

النقطة الثانية: توضح سرًّا من أسرار الآية: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (سورة السجدة: ٣٢/٧) هكذا:

إن في كل شيء - حتى في الأشياء التي تبدو قبيحةً - جهة حسنٍ حقيقيٍّ.

[1]             )) إنني أعجبت حقًّا بإلزام سعيد الجديد نفسه الحجة، وإسكاتها في هذه المناظرة إلى هذا الحد، وقلت: بارك الله ألف مرة.

 ؟

129. صفحة

نعم؛ إن كل شيء وكل حادثة في الكون إما جميل بذاته ويسمى: “حسن بالذات” أو جميل من جهة نتائجه ويسمى “حسن بالغير”.

فهناك بعض الحوادث تبدو قبيحة ومشوشة ظاهرًا، إلا أن تحت هذا الستار الظاهري أنواعًا من الجمال الباهر والانتظام الذي في غاية الروعة. 

 فمثلاً: يختفي تحت ستار الأمطار ذات العواصف، وتحت التراب الطيني في فصل الربيع ما لا حد له من ابتسامات الأزهار الزاهية والنباتات المنتظمة.

ومثلاً يختفي -وراء التخريبات الْخَشِنَة وحُجُب الفراق الحزينة لفصل الخريف- جمال في تسريحِ الحيوانات الصغيرة اللطيفة التي هي صديقة الأزهار الرقيقة من وظيفة الحياة، من أجل الحفاظ عليها من تضييق وتعذيب حوادث الشتاء التي هي مظهر التجليات الجلالية السبحانية، وفي تهيئة مكان لربيع جديد جميل لطيف تحت حُجُب ذلك الشتاء.

فهناك تفتُّح لأزهار معنوية كثيرة للغاية تختفي تحت حجب حوادث مثل العواصف والزلازل والأوبئة، وتتسنبل وتتجمل من جراء الحوادث التي تبدو قبيحة في الظاهر نوى الاستعدادات الكثيرة التي بقيت بلا تفتح وانكشاف كالبذور، كأن جميع الانقلابات والتحولات الكلية هي بمنزلة أمطار معنوية، إلا أن الإنسان لكونه مفتونًا بالظواهر ومغرورًا بنفسه، فإنه يوجه أنظاره إلى الظاهر ويحكم بالقبح، فلأنه مغرور بنفسه فهو يزن الأشياء بحسب النتائج المتوجهة إلى ذاته فيحكم عليها بالشر، بينما إذا كانت تتوجه غاية واحدة من غايات الأشياء إلى الإنسان فتتوجه آلاف منها إلى أسماء صانعها.

فمثلاً: يحسب الإنسان أن الأعشاب والأشجار الشائكة - التي هي من المعجزات العظيمة لقدرة الفاطر - مضرةٌ ولا جدوى منها، بينما الأشواك حماة وحراس مسلحون لتلك الأعشاب والأشجار.

وتسليط العُقاب على العصافير مثلاً لا يناسب الرحمة في ظاهره، في حين أن استعدادات العصفور تنكشف وتظهر بذلك التسليط.

130. صفحة

ومثلاً: يعتقد ويظن الناس أن الثلج بارد شديد قاسٍ وغير حُلوٍ ويتضايقون منه؛ بيد أن تحت ستار برودته والضيق منه غايات دافئة كثيرة ونتائج حُلوة كالعسل، لا توصف.

وكذا لأن الإنسان يزن كل شيء بوجهه المتوجه إلى نفسه مع غروره وافتتانه بالظواهر؛ فإنه يحسب الأشياء التي هي محض أدبٍ مخالفةً للأدبِ.

فمثلاً: التحدث عن عضو تناسل الإنسان مُخْجِلٌ في نظره، ولكن ستار الخجل هذا هو في الوجه المتوجه إلى الإنسان، أما الوجوه التي تنظر إلى الخلقة والصنعة وغايات الفطرة فحجب متعددة؛ بحيث لو نظر إليها بعين الحكمة لظهر أنها عين الأدب، ولا يمسه الخجل من أية ناحية.

وهكذا ترد بعض تعبيرات القرآن الحكيم - الذي هو منبع الأدب - بحسب هذه الوجوه والحجب.

فكم من وجوه جميلة من حيث صنعتها وخلقتها الحكيمة الجميلة وراء الوجوه الظاهرة للمخلوقات، وتحت الحوادث التي تبدو لنا قبيحة؛ تتوجه وتشير إلى صانعها،

فكم من وجوه صبوحة من حيث الصنعة والخلقة الحكيمة الجميلة للغاية تحت ما نرى من الوجوه الظاهرة لمخلوقات وحوادث قبيحة، تتوجه وتشير إلى صانعها!!

وكم من حجبٍ وستائرَ كثيرةٍ جميلةٍ تُخفي كثيرًا من الحِكَم!! وكم من اضطراباتٍ صوريةٍ وفوضى ظاهريةٍ في حقيقتها ما هي إلا كتابةٌ قدسيةٌ في غاية الانتظام!!

النقطة الثالثة: ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ(سورة آل عمران: ٣/٣١) ما دام حسن الصنعة موجودًا في الكائنات بالمشاهدة ولا شك فيه؛ فلابد من ثبوت الرسالة الأحمدية بقطعية في درجة الشهود؛ إذ إن ما في المصنوعات الجميلة من حسن الصنعة وزينة الصورة يُظهر أن لدى صانعها إرادة تحسين مهمة جادة، وطلبُ تزيين قوي، وهذه الإرادة وذلك الطلب يدلان على أن لدى الصانع محبة علوية ورغبة قدسية تجاه كمالات الصنعة التي أظهرها في مخلوقاته، وهذه المحبة وتلك الرغبة تتطلبان أن تتوجها بصورة أكثر إلى الإنسان الذي هو أكمل المصنوعات وأكثرها تنوُّرًا، وتتمركزا فيه.

131. صفحة

 والإنسان هو ثمرة ذات شعور لشجرة الخلقة، والثمرة هي جزء أكثر جامعية وأكثر بعدا، وذو نظر أكثر عمومية وذو شعور أكثر كلية، وإن الشخص الذي هو ذو نظر عامٍّ وشعور كلي لا يمكن أن يكون إلا فردًا فذًّا رائعًا يقابل ويخاطب ذلك الصانع ذا الجلال، ويصرف شعوره الكلي ونظره العام - تماما - في سبيل عبودية صانعه واستحسان صنعته وشكر نعمته.

والآن تظهر وتتراءى دائرتان ولوحتان:

إحداهما: دائرة ربوبية في غاية الانتظام والروعة، ولوحة صنعة مصنّعة مرصّعة للغاية.

والأخرى: دائرة عبودية منورة مزهرة للغاية، ولوحةُ تفكُّرٍ واستحسانٍ وشكرٍ وإيمانٍ واسعةٌ جامعةٌ للغاية.

فالدائرة الثانية تتحرك بكل قوتها باسم الدائرة الأولى، فيُفهَم بالبداهة مدى درجة ارتباط رئيس تلك الدائرة - الذي يخدم جميع مقاصد الصنعة المحبوبة لذلك الصانع - ومدى محبوبيته ومقبوليته لديه.

فيا ترى! هل يقبل العقل أن صانعَ هذه المصنوعات الجميلة ومتقنها إلى هذه الدرجة والمنعمَ -المراعي حتى لأذواق الفم المتنوعة - لا يبالي بأجمل مصنوعاته الذي يتوجه إليه بعبودية في همهمة استحسان وإعجاب، تُجَلجِل في العرش والفرش، وَبِزَمْزَمَةِ شكرٍِ وتكبيرٍ تجعل البر والبحر في جذبة، وأنه لا يتكلم معه، ولا يجعله رسولاً مبديًا اهتمامه وعلاقته به، ولا يطلب سريان أحواله الجميلة إلى الآخرين؟!

﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَٰٰمُ(سورة آل عمران: ٣/١٩) ﴿مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (سورة الفتح: ٤٨/٢٩)


132. صفحة

أنّاتٌ باكيةٌ لقلبٍ باك في وقت الفجر في أثناء أَسْرٍ مليء بالفراق والغربة.

تهب نسمات التجليات في الأسحار،  فاستيقظي -أي عيني- وقت الأسحار

ويا من تسأل العناية من الباب الإلهي! إن وقت التوبة لأهل الذنب هو السَّحَر/إن وقت السَّحَر وقت التوبة لأهل الذنب

استيقظ -أي قلبي- وقت الفجر بَكُنْ تَوْبَه بَجُو غُفْرَانْ زَدَرْكَاهِ إِلَهي

سَحَرْ حَشْرِيسْت دَرُوهُشْيَارْ دَرْ تَسْبِيحْ هَمَه شَيْ.. بَخَوابِ غَفْلَتْ سَرْسَمْ نَفْسَمْ حَتَّى كَيْ..

عُمُرْ عَصْرِيَسْتْ سَفَرْبَا قَبْرِمِي بَايَدْ زِهَرْ حَيْ.. بِبَرْ خِيزْ نَمَازِي ونيازي كوبكن اوازي جون ني..

بكو يارب بشيمام خجليم شرمسارم ازكناه بي شمارم بر يشانم ذليلم اشك بارم..

از حيات بي قرارم غريبم بي كسم ضعيفم ناتوانم عليلم عاجزم اختيارم بي اختيارم الامان كويم عفو جويم مدد خواهم زدركاهت إلهي.

 

لم تدرج الكلمة التاسعة عشرة و الكلمة العشرون في هذا الكتاب لأنهما أدرجتا في كتاب “ذو الفقار”.