الكلمة الثامنة والعشرون

247. صفحة

أجل؛ فكما أن الجنة هي مدار جميع اللذائذ المعنوية فهي كذلك مدار جميع اللذائذ الجسمانية.

سؤال: ما علاقة الجسمانية القاصرة الناقصة المتغيرة المضطربة المتألمة بالأبدية والجنة؟ ومادامت للروح لذائذها السامية وهي كافية لها؛ فما الحاجة إلى حشر جسماني للتلذذ بلذائذ جسمانية؟

الجواب: كما أن التراب كثيف ومظلم بالنسبة إلى الماء والهواء والضياء، وكما أنه تفوّق معنىً على جميع العناصر الأخرى لكونه منشأ ومدارًا لجميع أنواع المصنوعات الإلهية، وكما أن النفس الإنسانية الكثيفة تسمو على جميع اللطائف الإنسانية من حيث سرّ جامعيتها بشرط تزكّيها؛ فكذلك الجسمانية هي مرآة أكثر جامعية وإحاطة وغنىً لتجليات الأسماء الإلهية.

إن الآلات التي تزن مدخرات خزائن الرحمة كلها وتضعها في الميزان هي في الجسمانية.

فمثلاً إن لم تكن القوة الذائقة لِلِّسان منشأً لموازين بعدد أنواع المطعومات لتذوق الرزق؛ لما تسنّى لها أن تحس كلَّ واحد منها فتعرفه، ولَما تيسر لها أن تزنه وتتذوقه.

ثم إن الأجهزة التي تحسّ بتجلياتِ أكثر الأسماء الإلهية فتَعلَمُها والتي تتذوقها فتعرفها، هي في الجسمانية كذلك.

وكذا فإن الاستعدادات القادرة على الشعور باللذائذ المتنوعة للغاية والمختلفة اختلافًا لا نهاية له هي كذلك في الجسمانية.

وبما أنه يُفهَم يقينا - كما أثبت في “الكلمة الحادية عشرة” - من خلال أحوال الكون ومن خلال جامعية الإنسان أن صانع هذا الكون يريد بواسطة هذا الكون أن يعرّف خزائن رحمته كلّها، وأن يعلّمَ تجليات أسمائه جميعها، وأن يذيق أنواع إحساناته كلّها؛ فلا شك أن دار السعادة - التي هي حوض كبير لسيل هذا الكون، ومعرضٌ عظيم لعرض محصولات معمل هذا الكون، ومخزن أبديٌّ لمزرعة الدنيا هذه- ستشبه هذا الكون إلى حدّ ما، وستحافظ على جميع أصوله وأساساته الجسمانية والروحانية، ولا


248. صفحة

شك أن ذلك الصانع الحكيم والعادل الرحيم سيمنح الآلاتِ الجسمانيةَ لذائذَ تليقُ بها أجرةً لوظائفها ومكافأةً لخدماتها وثوابًا لعباداتها المخصوصة، وإلا فستحصل حالة مخالفة لحكمته وعدالته ورحمته بحيث لا تتناسب وجمالَ رحمته وكمال عدالته بأي وجه من الوجوه، ولا يمكن التوفيق بينهما.

سؤال: إن كان الجسم كائنًا حيًّا فأجزاءُ بدنه في تركيب وتحلل دائمين، والجسم معرّض للانقراض حتمًا، ولا يمكنه أن يحظى بالخلود، وأما الأكل والشرب فهما لبقاء الفرد، وأما العلاقة الزوجية فهي لبقاء النوع، بحيث أصبحا أساسين في هذا العالم، ولا حاجة لهذه الأمور في العالم الأبدي والأخروي؛ فلماذا إذن أصبحت هذه الأمور في عِدَاد اللذائذ الكبرى للجنة؟

الجواب: أولاً: إنَّ تَعرُّض جسم كائن حي في هذا العالم للانقراض والموت يكون بسبب عدم الموازنة بين الواردات والمصروفات، فالواردات والمصروفات كثيرة منذ الطفولة إلى سن الكمال، ثم بعد ذلك تزداد المصروفات، فتضيع الموازنة فيموت الكائن الحي.

أما في عالم الأبدية فذرات الجسم تظل ثابتةً ولا تتعرّض للتركيب والتحلل، أو تبقى الموازنة ثابتة([1]) في الجسم، فالواردات والمصروفات في توازن، ويكتسب الجسم الحي الأبديةَ من أجل التلذذ مع تشغيل معمل الحياة الجسمانية كالدورة الدائمة.

 والأكل والشرب والمعاشرة الزوجية وإن كانت ناشئة عن الاحتياج في هذه الدنيا وتؤدي وظيفةً، فإنه قد أدرجت في تلك الوظيفة - كأجرة معجلة - لذائذُ حلوةٌ متنوعةٌ تترجح على سائر اللذائذ.


[1]    )) إن جسم الإنسان والحيوان في هذه الدنيا كأنه مَضيَفٌ ومعسكرٌ ومدرسة بحيث تدخله الذرات الجامدة فتكتسب لياقةً تؤهلها لتصبح ذرات لعالم البقاء الحي ثم تخرج منه. أما في الآخرة فنور الحياة هناك عامٌّ بسرّ ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الأَخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ﴾ (سورة العنكبوت: ٢٩/٦٤)، فلا داعي لذلك السير والسفر، وتلك التدريبات والتعليم من أجل التنور، ويمكن أن تبقى الذرات ثابتة كأشياء أساسية.

 

ام

249. صفحة

فبما أن مدار اللذائذ العجيبة المتنوعة إلى هذا الحدّ في دار الألم هذه هو الأكل والنكاح، فلا شك أن هذه اللذائذ تكتسب صورة سامية للغاية في الجنة التي هي دار لذة وسعادة، وتضاف إلى تلك اللذائذ الأجرةُ الأخروية للوظائف الدنيوية - كَلذّةٍ - ويضاف إليها كذلك الاحتياجُ الدنيوي على صورة اشتهاء أخروي حلو، فتصبح بذلك معدن لذة ذا حياة في غاية الجامعية، يليق بالجنة، ويناسب الخلود.

أجل؛ إن المواد الجامدة التي لا شعور لها ولا حياة فيها في دار الدنيا هذه؛ ذات شعور وحياة هناك بسرّ ﴿وَمَا هَٰذِهِ الحَيَوٰةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الأَخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ(سورة العنكبوت: ٢٩/٦٤) فالأشجار هناك كالناس هنا، والأحجار هناك كالحيوانات هنا، تفهم الأوامر وتنفذها.

فإن قلت لشجرة: أحضري لي الفاكهةَ الفلانية، تُحضرها، وإن قلت لحجر ما: أَقبلْ، يُقبل.

فمادامت الأحجار والأشجار تكتسب صورة سامية إلى هذا الحدّ؛ فلا شك أنه ينبغي أن يتخذ الأكل والشرب والنكاح كذلك صورة سامية رفيعة - مع الحفاظ على حقيقتها الجسمانية - تفوق درجاتِها الدنيوية بنسبة درجة تفوّق الجنة على الدنيا.

سؤال: سيكون الخليل مع خليله في الجنة بسرّ: [المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ]، وبما أن بدويًّا بسيطًا يكتسب في دقيقة واحدة من الصحبة النبوية محبةً في الله تجاه الرسول عليه الصلاة والسلام، إذن سيكون ذلك البدوي بتلك المحبة بجوار النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة، فكيف يجتمع فيض الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام الذي حظي بفيض غير متناهٍ مع فيض بدوي بسيط؟

الجواب: نشير إلى هذه الحقيقة السامية بمثال كالآتي: لقد أعدّ شخص عظيم في حديقة جميلة غنّاء مأدبةً فاخرةً كبيرةً ومتنَزَّهًا مزيَّنًا في غاية التزيين، وهذه المائدة تجمع كل لذائذ المطعومات التي تحسّها القوة الذائقة، وتشمل كلَّ المحاسن التي تعجَب بها القوة الباصرة، وتشتمل على كل الغرائب التي تلاطف القوة الخيالية، وهكذا وضع كل الأشياء التي تلاطف وترضي الحواس الظاهرة والباطنة جميعها.


250. صفحة

فهناك حبيبان يذهبان معا إلى هذه المأدبة ويجلسان على مائدة في مقصورة إلا أن أحدهما لكون قوته الذائقة ضعيفة يتذوق تذوّقًا جزئيًّا، ولا يرى كثيرًا من الأشياء لضعف بصره، وليس له نصيب من قوة الشمّ، ويجهل المصنوعات الغريبة، ولا يعرف الأشياء البديعة ولا يستطيع أن يستفيد بالتذوق من هذا المتنَزَّه إلا واحدًا من الألف بل من المليون حسب قابليته.

أما الآخر فقد انكشفت كلُّ حواسه الظاهرية والباطنية وعقله وقلبه وحسه ولطائفه انكشافًا كاملاً مكملاً؛ بحيث إنه يحسّ بكلّ ما في ذلك المتنَزَّه من الدقائق والجمال واللطائف والغرائب كل على حدة، ومع تذوقه للذَّاتها المختلفة فهو يجاور صديقه جنبًا إلى جنبٍ، فما دام الأمر هكذا في هذه الدنيا المشوشة المؤلمة الضيقة؛ حيث يحصل فرق بين الأصغر والأكبر مثلما هو بين الثَّرَى والثُّرَيَّا في حين أنهما معًا جنبًا إلى جنب؛ فلا شك أنه -وبالأولى - يأخذ كل واحد منهما حظّه من مأدبة الرحمن الرحيم حسب استعداده؛ حيث يكون الحبيب مع حبيبه في الجنة التي هي دار السعادة والأبدية، فاختلاف الجنان التي يوجَد الحبيبان فيها لا يمنع وجودهما معًا؛ لأن سقف طبقات الجنان الثمانية كلّها هو العرش الأعظم مع أن بعضها أعلى من بعض، فكما أنه إذا وُجِدت حول جبل مخروطي الشكل من قاعدته إلى قمته دوائر ذات سور متداخلة فيما بينها؛ فتلك الدوائر تعلو بعضها بعضًا إلا أنه لا يمنع بعضها بعضًا من رؤية الشمس؛ إذ إن نور الشمس ينفذ من خلالها، فهي تتقابل وتتداخل بعضها مع بعض، فهناك روايات مختلفة لأحاديث تشير إلى أن الجنان على هذا النمط إلى حدّ ما.

سؤال: قد ورد في الأحاديث أنه يُرى مخّ عظام سيقان الحور العين مع أنهن يلبسن سبعين حُلّة([1])، فماذا يعني هذا؟ وما معنى ذلك؟ وأيّ جمال هذا؟

الجواب: معناه جميل جدًّا، وجماله لطيف للغاية، وذلك أن الحسن والجمال في هذه الدنيا القبيحة الميتة الجامدة التي أغلبها قشور يُعَدُّ حسنًا وجمالاً بمجرد ظهوره أمام الأعين جميلاً ولم يمنع من أن يُقبَلَ ويُؤْلَفَ؛ بينما في الجنة التي هي جميلة وذات حياة


[1]          )) الحلة: الثياب الجديدة الجيدة.

 م.

251. صفحة

ورونق وكلها لبّ محض لا قشر له، تَطلب حواسُّ الإنسان ولطائفه كلّها - كما تطلب عينه - أَخْذَ حظوظها المتنوّعةِ من التذوق، ولذائذها المتعددة من الحور العين وهن الجنس اللطيف، ومن نساء الدنيا اللائي دخلن الجنة وهن أجمل من الحور العين.

 إذن فالحديث الشريف يشير إلى أن لكل حسّ ولطيفة ذوقا ابتداء من جمالِ أعلى حلّة وحتى ما في العظام من المخّ.

أجل؛ يشير الحديث الشريف بتعبير “إن الحور العين يلبسن سبعين حلّة ويُرى مخّ عظام سُوقِهن” إلى أن الحور جامعة لكل نوع من الزينة والحسن والجمال المادّي والمعنويّ وترضي وتشبع كل ما في الإنسان من مشاعر وحواسّ وقوى ولطائف عاشقة للحسن، ومولعة بالذوق، ومفتونة بالزينة، ومشتاقة إلى الجمال، وتلاطف كلاًّ منها على حدة وتُسعدها.

بمعنى: كما أن الحور العين يلبسن سبعين طرزًا من أقسام زينة الجنة دون أن يستر أحدها الآخر لكونها ليست من جنس واحد؛ فهنّ يُظهِرن أكثر من سبعين مرتبة من أقسام الحسن والجمال المتنوعة بأجسادهن وأنفسهن وأجسامهن، ويظهرن حقيقةَ إشارةِ: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ(سورة الزخرف: ٤٣/٧١)

وكذا يبين الحديث الشريف أنه لا توجد فضلات لأهل الجنة بعد أكلهم وشربهم؛ لأنه لا توجد في الجنة مواد زائدة عن الحاجة ذات قشر لا طائل منها، فبما أن الأشجار التي هي أدنى ذوي الحياة مرتبةً في هذه الدنيا السفلية لا فضلات لها على الرغم من أنها تتغذى كثيرًا؛ فلِم لا يكون أهل الجنة بلا فضلات وهم في أعلى طبقات الحياة؟!

سؤال: إنه قد ورد في الأحاديث الشريفة: أنه يُعطى لبعض أهل الجنة مكان بقدر الدنيا، ويُمنحون مئات الآلاف من القصور ومئات الآلاف من الحور العين، فلِم تُعطى هذه الكثرة من الأشياء لرجل واحد، وما حاجته إليها؟ وكيف يمكن أن يكون ذلك؟ وما معناه؟

الجواب: لو كان الإنسان عبارةً عن جسد جامد فقط أو مخلوقًا نباتيًّا([1]) عبارة عن معدة فحسب، أو كان عبارة عن جسم حيواني وعن كائن جسماني مقيد ثقيل مؤقت


[1]          )) مخلوقًا نباتيًّا: يعيش على النباتات وحدها ولا يأكل اللحوم.

 .


252. صفحة

بسيط؛ لَمَا كان لائقًا ومالكًا لمثل هذه القصور والحور العين الكثيرة، ولكن الإنسان معجزة جامعة للقدرة الإلهية بدرجة لو أعطي سلطنة الدنيا كلّها وثرواتها ولذائذها - من حيث احتياجات بعض لطائفه التي لم تنكشف بعد- في هذه الدنيا الفانية وفي هذا العمر القصير لما شبع حرصُه.

والإنسان الذي يملك استعدادات لا نهاية لها في دار السعادة الأبدية، ويطرق بابَ الرحمة غير المتناهية بلسان الاحتياجات غير المتناهية وبأيدي الرغبات غير المتناهية؛ لا شك أن نيله للإحسانات الإلهية المبيّنة في الأحاديث معقول وحق وحقيقة.

وسنرصد هذه الحقيقة السامية بمنظار التمثيل الآتي:

يستطيع كلّ طيرٍ وكلّ عصفورٍ وكلّ نحلةٍ تملك حفنة قوت فقط لغذائها أن يقول: “إن جميع حدائق وبساتين بارلا([1]) هذه متنَزَّهي وميدان تجوالي على الرغم من وجود مالك لكل واحد من تلك الحدائق والبساتين كما هو الحال في بستان الوادي هذا([2])، فهو بهذا يضمّ بارلا كلها لملكه ولا يخلّ اشتراكُ الآخرين معه في ملكيتها بحكمه هذا”.

وكذا فالإنسان الذي هو إنسان حقًّا يستطيع أن يقول: “إن خالقي قد جعل هذه الدنيا بيتًا لي، والشمس سراجي والنجوم مصابيحي ووجه الأرضِ مهدي المفروش ببُسط الورود والأزهار، ويشكر الله، ولا ينقضُ اشتراك المخلوقات الأخرى معه في ذلك حكمه هذا، بل العكس يكون، فالمخلوقات تزيّن بيته كمزيّنات البيت.

 فيا ترى إن كان الإنسان في هذه الدنيا الضيقة من حيث إنسانيته - بل حتى الطير - يمكنه أن يدّعى تصرفًا - نوعًا ما - في دائرة كبيرة مثل هذه، وينال نعمة عظيمة، فكيف يُستبعَد أن ُيْمنَح مُلكًا بمسافة خمسمائة سنة في دار السعادة الفسيحة الأبدية؟

وكما أنه معلوم ومشهود وجود الشمس بعينها في مرايا كثيرة جدًّا في آن واحد في هذه الدنيا الكثيفة المظلمة الضيقة؛ كذلك وجود شخص نوارني بعينه في أماكن كثيرة


[1]    )) قريةٌ تابعةٌ لولاية إسبارطة وهي المنفى الثاني للإمام بديع الزمان سعيد النورسي والتي بقي فيها تسع سنوات ونيِّفا، وأََلَّف فيها معظمَ رسائل النور.

 

[2]    )) وهي حديقة سليمان الذي قام بخدمة هذا الفقير بصدق كامل لمدة ثماني سنوات؛ حيث إن هذه الكلمة قد كتبت هناك في ظرف ساعة أو ساعتين.

 

ة.

253. صفحة

- كما أثبت في “الكلمة السادسة عشرة”- كوجود سيدنا جبريل عليه السلام - مثلاً - في آن واحد في ألف نجم وفي العرش وفي الحضرة النبوية وفي الحضرة الإلهية في وقت واحد، وكذا مقابلة النبي عليه الصلاة والسلام أكثر أتقياء أمته في آن واحد في الحشر، وظهورُه في مقامات لا حد لها في الدنيا في آن واحد، ورؤية “الأبدال” - الذين هم نوع غريب من الأولياء - في أماكن متعددة في وقت واحد، وقيام العوام في الرؤيا في دقيقة واحدة بأعمال كثيرة تستغرق سنة كاملة ومشاهدتهم إياها، وارتباط كل واحد بأماكن كثيرة ووجوده مرتبطًا بها من حيث الروح والقلب والخيال، كل ذلك معلوم ومشهود؛ فلا شك أن وجود أهل الجنة الذين أجسامهم في قوة الروح وخفتها وفي سرعة الخيال في الجنة - التي هي نورانية وغير مقيدة وواسعة فسيحة أبدية - في مئات الآلاف من الأماكن في وقت واحد مؤانسين مائة ألف من الحور العين وتذوقهم مائة ألف نوع من اللذائذ؛ لا شكّ أنه يليق بالجنة الأبدية وتلك الرحمة غير المتناهية، وأنه حق وحقيقة كما أخبر المخبر الصادق عليه الصلاة والسلام.

ومع ذلك فإن هذه الحقائق العظيمة لا توزن بميزان عقولنا الصغيرة هذه، ولا العقل الصغير ينبغي له إدراك هذه المعالي.

إذ إن هذا الميزان لا يتحمل ثقلاً بهذا القدر.

 

 

سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَۤا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ

﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَۤا إِن نَّسِينَۤا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾..

اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى حَبِيبِكَ الَّذِي فَتَحَ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ بِحَبِيبِيَّتِهِ وَبِصَلاَتِهِ وَأَيَّدَتْهُ أُمَّتُهُ عَلَى فَتْحِهَا بِصَلَوَاتِهِمْ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.. اَللَّهُمَّ أَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ مَعَ الأَبْرَارِ بِشَفَاعَةِ حَبِيبِكَ الْمُخْتَارِ.. آمين


254. صفحة

ذيل صغير لمبحث الجنة

حول جهنّم

إن الإيمان يحمل بذرة معنوية للجنّة، وإن الكفر يخفي نواة معنوية لجهنم كما أثبت في الكلمتين “الثانية” و“الثامنة”، فكما أن الكفرَ بذرةٌ لجهنم فجهنم كذلك ثمرة له، وكما أن الكفر سبب لدخول جهنم فهو سبب لوجودها وإيجادها؛ إذ لو كان هناك حاكم صغير ذو عزة صغيرة وغَيرة صغيرة وجلال بسيط، وقال له رجل سيء الأدب بسخافة: “إنك لن تؤدبني ولن تستطيع”؛ فلا شك أنه سيبني سجنًا لذلك الرجل وحده - حتى ولو لم يكن هناك سجن - ويلقيه فيه.

بينما الكافر بإنكاره جهنم يكذّب مَن له عزة وغيرة وجلال لا نهاية لها، ومَن هو في غاية الكبرياء والعظمة ولا نهاية لقدرته، ويسند إليه العجز، ويتهمه بالكذب والعجز، ويمس عزّته بشدة ويتعرض لغيرته بقوّة ويطعن في جلاله بعصيان؛ فلا شك أنه ستُخلق جنهم لهذا الكفر الذي يتضمن تكذيبًا وإسناد عجزٍ بهذا الحد، حتى لو لم يكن هناك سبب لوجود جهنم بفرض المحال، وسيُلْقَى الكافرُ فيها.

رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذا بَٰطِلاً سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴿

 


255. صفحة

من موازين رسائل النور.. ومن براهين الإيمان بالآخرة

 

 

 

الكلمة التاسعة والعشرون

 

 

 

تدور حول

بقاء الروح والملائكة والحشر

 

 

 

 

سعيد النورسي.. بديع الزمان