الكلمة الثانية والثلاثون
التنقل
376. صفحة
الكلمة الثانية والثلاثون
هذه الكلمة ثلاثة مواقف
هذه الرسالة ذَيْلٌ يوضِّح “اللمعة الثامنة” من “الكلمة الثانية والعشرين” وتفسيرٌ لأول لسان من خمسة وخمسين لسانًا من ألسنة موجودات العالم التي تشهد على الوحدانية، والتي أشير إليها في رسالة “القطرة”. وهي حقيقة من الحقائق الكثيرة جدًّا للآية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَۤا ءَالِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ (سورة الأنبياء: ٢١/٢٢) قد أُلبِستْ لباسَ التمثيل.([1])
الموقف الأول
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَۤا ءَالِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا﴾
(سورة الأنبياء: ٢١/٢٢)
لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَإِلَيْهِ المَصِيرُ.
كنت قد قلت في ليلة من ليالي رمضان إن في كل جملة من الجمل الإحدى عشرة من هذا الكلام التوحيدي مرتبة توحيدية وبشارة، وبَسطتُ (من تلك المراتب) معنى
[1] أُلبِستْ لباسَ التمثيل: جاءت في صورة مثال.
؟
377. صفحة
“لاَ شَرِيكَ لَهُ” فقط بأسلوب بسيط يلائم فهمَ العوام، وبصورة محاوَرةٍ تمثيلية ومناظرة افتراضية باتخاذ لسان الحال على هيئة لسان المقال، وأُدرِجُ الآن تلك المحاورةَ بناءً على رغبة إخوتي الأعزاء الذين يخدمونني، وبناءً على رغبة أصدقائي في المسجد، على النحو التالي:
نفترض شخصًا يمثل الشركاءَ الذين يتوهمهم أهلُ الشِّرك والكفر والضلالة كالطبيعيين وعبدة الأسباب والمشركين بجميع أنواعهم.
ويريد أن يكون ذلك الشخص المفترَض “رَبًّا” لشيءٍ من موجودات العالم، ويدَّعي أن يكون مالكًا حقيقيًّا له.
فيلتقي هذا المدعي أوّلاً بالذرة التي هي أصغر شيء في الموجودات، ويقول لها بلسان الطبيعة والفلسفة أنه ربها ومالكها الحقيقي.
فتقول له الذرة بدورها بلسان الحقيقة والحكمة الربانية:
إنني أؤدي وظائف لا حد لها، وأَدخل كلَّ مصنوع فردًا فردًا، وأعمل فيه، فإن كان لك علمٌ وقدرةٌ يجعلانني أقوم بتلك الوظائف كلها...
وكذا إننا نتجول في ذراتٍ مثلي لا تعد ولا تحصى ونعمل([1]) معًا، فإن كان لك حكم واقتدار نافذ لاستخدام أمثالي من الذرات وتسخيرها...
وكذا إن استطعت أن تكون مالكًا ومتصرفًا حقيقيًّا للموجودات التي أنا جزء منها بكمال الانتظام - كالكريات الحمراء - فلك أن تدعي أن تكون ربًّا لي، وأن تُسنِد أمري
[1] نعم؛ كما أن كل شيء متحرك ابتداءً من الذرات وانتهاء إلى الكواكب السيارة يدل على الوحدانية، بما فيه من سِكَّة الصمدانية، فهو بحركاته كذلك يتحكم ويستولي لحساب الوحدة على كل موقع ومكان يتجول فيه، ويضمه إلى مُلك مالكه. أما المصنوعات الساكنة ابتداءً من النباتات وانتهاءً إلى النجوم الثابتة فهي بمنزلة أختام الوحدانية، حيث يُظْهِرُ كل منها أن المكان الذي يشغله هو رسالة من صانعه. أي إن كل نبات، وكل ثمر هو ختم وحدانية، وسكة وحدة؛ بحيث يدل باسم الوحدة على أن مواضعه وأوطانه رسالة لصانعه.
والحاصل: إن كل شيء يتحكم بحركته في جميع الأشياء باسم الوحدة، أي إن الذي لا يُمسك زمام جميع النجوم بيده لا يستطيع أن يكون ربًّا لذرة واحدة.ل؟
378. صفحة
إلى غير الحق تعالى، وإلا فاسكت؛ إذ إنك لا تقدر على أن تتدخل في أمري فضلاً عن أنك لا تستطيع أن تكون ربًّا لي، لأنه في وظائفنا وحركاتنا انتظام رائع بحيث إن من ليس له حكمة مطلقة، ولا يملك علمًا محيطًا لا يستطيع أن يتدخل فيه، ولو تدخَّل فيه لأفسده، والحال أن شخصًا جامدًا عاجزًا أعمى مثلك، ويداه بيَدَيْ عمياوين كالمصادفة والطبيعة؛ لا يمكنه البَتَّةَ أن يمد أصبعه.
فقال ذلك المدعي كما يقول المادِّيُّون:
إذن فكوني أنت مالكةً لنفسك، فلِمَ تقولين إنك تعملين لحساب غيرك؟ فأجابته الذرة قائلة:
إنْ كان لي عقل كالشمس، وعلم محيط كضيائها، وقدرة شاملة كحرارتها، وحواس محيطة كألوان الطيف السبعة التي في ضيائها، ووجه متوجه، وعين ناظرة، وكلمة مسموعة في كل مكان أسيح فيه وفي كل موجود أعمل فيه، فلربما أتحمَّق([1]) مثلك وأدعي أنني مالكة لنفسي. هيا انصرف عني، فليس لك شيء عندي.
وهكذا عندما يئس ممثل المشركين من الذرة، قابل إحدى الكريات الحمراء الموجودة في الدم؛ عَلَّه يجد عندها مبتغاه([2])، فقال لها باسم الأسباب وبلسان الطبيعة والفلسفة:
- أنا لك ربٌّ ومالكٌ.
فقالت له الكُرَيَّة الحمراء؛ بلسان الحقيقة، وبلغة الحكمة الإلهية:
إنني لست وحدي؛ فإن كنت تستطيع أن تملك كلَّ أمثالي في جيش الدم الذين يحملون نفس السكة، ونظام المأمورية والانتظام، وإن كانت لك قدرة عظيمة وحكمة دقيقة مالكة لخلايا الجسم التي نتجول فيها والتي نُستَخدَم فيها بكمال الحكمة؛ فأظهرها، فإن استطعت أن تظهرها فعندها سيكون لدعواك معنىً، بينما لا يستطيع أن يتدخل فينا أبلهٌ واحد مثلك ولو بمثقال ذرة بما في يده من قوة عمياء وطبيعة صماء، ناهيك عن أن يكون مالكًا لنا؛ لأن فينا انتظامًا رائعًا بحيث لا يستطيع أن يحكمنا إلا من يرى ويسمع
[1] أتحمق: أفكر بحماقة.
[2] مبتغاه: مطلوبه وهدفه.
،
379. صفحة
ويعلم كل شيء ويفعل ما يشاء، وإلا فاسكت؛ إن وظيفتى عظيمة ونظامي رائع إلى حد أنني لا أجد وقتا أضيعه معك للإجابة على هذيانك وهذرك([1]) هذا، وهكذا تطرده.
ولَمَّا لَمْ يستطع ذلك المدعي خداعها رَحَلَ، وإذا به يصادف منزلاً فى منتهى الصغر يسمَّى خَلِيَّة، فيقول لها بلسان الفلسفة والطبيعة:
إننى لم أستطع إقناع الذَّرة والكرية الحمراء، فلربما أنت تفهمين كلامي وتذعنين([2]) له، لأنك تتكونين من أشياء متعددة شبيهة بمنزل في غاية الصغر؛ لذا فأنا أستطيع أن أصنعك، فكوني أنت مصنوعي وملكي الحقيقي.
فتقول له تلك الخلية بلسان الحكمة والحقيقة.
على الرغم من أنني شيء صغير فإن لي وظائف عظيمة، ولي روابط دقيقة جدًّا، وعلاقات تربطنى بخلايا البدن كلها، وبالبدن نفسه مع أطرافه وأعضائه، فعلى سبيل المثال:
لي وظائف عميقة ورائعة تجاه الأَوْرِدَة والشَّرايين من العروق، وتجاه أعصاب الإحساس وأعصاب الحركة، وتجاه القوى،كالقوة الجاذبة، والدافعة، والمُوَلِّدة، والمصورة. فإن كانت لك قدرة وعلم يقدران على تشكيل وتنظيم واستخدام كل البدن، وكل العروق والأعصاب والقوى، وإن كانت لديك قدرة نافذة وحكمة شاملة تستطيعان التصرف في أمثالي من جميع الخلايا البدنية التي كل منها إخوة لي من حيث الصنعةُ والكيفيةُ؛ فَهَيَّا أَظْهِرْهَا، ثم ادَّعِ بأن: “إنني أستطيع أن أصنعكِ”، وإلا فانصرف، فإن الكريات الحمراء تأتيني بالأرزاق، والكريات البيضاء بدورها تدافع عني ضد الأمراض التي تهجم عليَّ، ولي واجبات فلا تشغلني عنها.
ثم إن من هو عاجزٌ جامدٌ أصمُّ وأعمَى مثلُك لا يستطيع أن يتدخل فينا بأي وجه من الوجوه؛ لأن فينا انتظامًا في غاية الدقة والرقة والروعة([3])؛ فإن لم يكن الذي
[1] الهذر: الكلام الذي لا فائدة منه ولا جدوى فيه.
[2] وتذعنين: تستسلمين وتنقادين وتخضعين.
[3] إن الصانع الحكيم قد خلق جسم الإنسان كمدينة منتظمة في غاية الانتظام. فقِسْمٌ من العروق يقوم بمهمة التلغراف والهاتف، وقِسْمٌ آخر مدارٌ لتجوال الدم الباعث للحياة، كأنابيب المواسير. وأما الدم فخُلِقَ فيه قسمان من الكُرَيَّات، قسم يطلق عليه الكريَّات الحمراء، وهي التي تقوم بتوزيع الأرزاق على خلايا الجسم وتُمِدُّ الخلايا بالأرزاق وفق قانون إلهي، كالتجار وموظفي توزيع الأرزاق. وقسم آخر هو الكريَّات البيضاء وهي قليلة بالنسبة للآخرى، فوظيفتها الدفاعُ عن الجسم ضد الأعداء - مثل الأمراض - كدفاع الجنود، بحيث تتخذ بسرعة وضعًا عجيبًا بحركتين دَوْرِيَّتَيْنِ كالمولوي كلما قامت بالدفاع، أمَا مجموع الدم فله وظيفتان عامتان، إحداهما تعمير خلايا الجسم المدمَّرة، والأخرى تنظيف الجسم بجمع كل أنقاض الخلايا، وهناك قسمان من العروق يسميَّان الأوردة والشرايين، أحدهما مجرى الدم الصافي ويقوم بنقله وتوزيعه، والقسم الآخر هو مجرى الدم الملوث الذي يجمع الأنقاض، والقسم الثاني هذا ينقل الدم إلى الرئة التي يرد منها النَفَسُ، فالصانع الحكيم قد خلق عنصرين اثنين في الهواء، أحدهما الآزوت والآخر مولد الحموضة، فمولد الحموضة عندما يلتقي بالدم في النَفَس يجذب إليه - مثل الكهرباء - الكربون الملوث للدم الذي هو عنصر كثيف، فيمتزجان معًا، ويحوِّل البخار إلى مادة هوائية سامَّة تسمى حامض الكربون ويمتزج بها، وبهذا يوفر وينظم الحرارة الغريزية، ويصفي الدم؛ لأن الصانع الحكيم وهب لمولد الحموضة والكربون علاقةً شديدة تسمى الألفة الكيميائية في علم الكيمياء، بحيث ما إن يقتربا حتى يمتزج ذلكما العنصران بذلكم القانون الإلهي، فتتولد الحرارة من هذا الامتزاج كما هو ثابت علمًا؛ لأن الامتزاج نوع من الاحتراق، وحكمة هذا السر كالآتي: إن لذَرَّاتِ ذلكما العنصرين حركاتٍ مختلفةً كل على حِدَةٍ، وفي أثناء الامتزاج تمتزج كِلتا الذَّرَّتَيْنِ أي ذرات هذه بذرات تلك، وتتحرك بحركة موحدة، وتبقى حركة واحدة معلقةً، إذ كانت هنالك حركتان قبل الإمتزاج، فالآن أصبحت الذرتان ذرةً واحدةً، واتخذت الذرتان طَوْرَ حركة واحدة كذرة واحدة، وأما الحركة الأخرى فتتحول إلى الحرارة وفق قانون للصانع الحكيم فقاعدة «الحركة تولد الحرارة» هي من القوانين المقررة. فبناءً على هذا السر؛ وكما تتولد الحرارة الغريزية في جسد الإنسان بهذا الامتزاج الكيميائي، فالدم يتصفى كذلك، إذ سُلب من الكربون، فعندما يدخل النَّفَسُ إلى الداخل ينظف ماء حياة الجسم، ويشعل نار الحياة، وعندما يخرج يثمر في الفم ثمار الكلمات التي هي من معجزات القدرة الإلهية. فسبحان من تحير في صنعه العقول.
380. صفحة
يحكمنا حكيمًا مطلقًا وقديرًا مطلقًا وعليمًا مطلقًا اختلّ انتظامنا وفسد نظامنا.
ثم يئس المدَّعي منها كذلك، فإذا به يصادف جسم إنسان، فيقول كما قال الطبيعيون([1])، بلسان الطبيعة العمياء والفلسفة الطائشة الضالة: أنت ملكي، وأنا الذي صَنَعَك، أو لي حظّ فيك، فرَدَّ عليه ذلك الجسم الإنساني بلسان الحقيقة والحكمة وبلسان حال انتظامه
[1] الطَّبيعيون: هم مَن يردّون الأشياء إلى الطبيعة وحدها، ويفسّرون كل شيء في ضوئها، ويَرجِعون الظواهرَ كلَّها إليها، ويَستبعدون كلَّ مؤثر يُجَاوِزُ عالَمَ الطبيعة.
381. صفحة
مجيبا:
إنْ كان لك علمٌ وقدرةٌ متصرفةٌ تصرفًا حقيقيًّا تتصرف في أمثالي وفي أجسام جميع الناس الذين يحملون سِكَّة القدرة وطُرَّة الفطرة ([1]) على وجوههم مثلنا، وإن كان لك حاكمية وثروة قادرة على امتلاك مخازن أرزاقي ابتداء من الماء والهواء وانتهاء إلى النباتات والحيوانات، وإن كان لك قدرة مطلقة وحكمة لا حد لها تستخدم اللطائف المعنوية الواسعة السامية كالروح والقلب
والعقل - التي أنا غطاء لها - بكمال الحكمة وتسوقها إلى العبادة مدرجة إياها في ظرف حقير ضيق مثلي؛ فأرنيها.
ثم قل بعد ذلك: أنا صَنَعْتُك، وإلا فاسكت.
فإن صانعي قدير على كل شيء، وعليم بكل شيء، ويرى ويسمع كل شيء بشهادة ما فيّ من الانتظام الأكمل، وبدلالة ختم الوحدة المختوم على وجهي؛ لذا لا يستطيع أن يَمُدَّ سَخيفٌ عاجزٌ مثلُك أصبعَه تجاه صنعته، ولا يستطيع أن يتدخل فيها ولو بمثقال ذرة. فلا يجد داعيةُ الشرك موضعًا في جسم الإنسان كذلك ليدخل يده فيه، وينصرف.
فإذا به يصادف نوع الإنسان فيهمس في نفسه قائلاً:
لعلني أنا كذلك أستطيع أن أتدخل في الأحوال الجسمية والفطرية لهذه الجماعة المتفرقة المتشابكة، وأجد موضعًا لأُدخِل يدي فيه، كما يتدخل الشيطان في أفعالها الاختيارية والاجتماعية، وبعدما أجد موضعًا فيه، أُجْرِي حُكْمِي على الجسم وعلى خلية الجسم اللذين طرداني. فيقول لنوع الإنسان بلسان الطبيعة الصماء، وبلسان الفلسفة الطائشة الضالة مرة أخرى: إنكم تَبْدُون في فوضى كبيرة، فأنا ربكم ومالككم، أو لي حظ في صنعكم، فحينئذ يقول نوع الإنسان بلسان الحق والحقيقة، وبلسان الحكمة والانتظام:
إنْ كانت لك قدرةٌ وحكمةٌ قادرةٌ على صنعِ القميصِ المُلْبَسِ على الأرض كلها، والمَنْسُوجِ بكمال الحكمة من خيوط ملونة بألوان زاهية مكونة من مئات ألوف أنواع جميع النباتات والحيوانات التي تشبه نوعنا، وعلى صنع البساط المفروش على الكرة
[1] طُرَّةُ سلطنة الألوهية: الطرةُ المرادُ بها هنا الطغراء العثمانية وهي الخاتم الخاص بالسلطان.
382. صفحة
الأرضية، والمنسوج نسجًا بديعًا بمئات ألوف أنواع ذوي الحياة، والمنقوش بأبدع نقش، إنْ كانت لك قدرةٌ وحكمةٌ قادرةٌ على تجديدهما (أي: القميص والبساط) بكمال الحكمة في كل وقت، علاوةً على ذلك إن كانت لك قدرة محيطة وحكمة شاملة قادرة على التصرف في العالم الذي نحن بُذُورُه، وفي الكرة الأرضية التي نحن ثمارُها، وعلى إرسال المواد الضرورية لحياتنا من بقاع العالم بميزان الحكمة، وإن كان لك اقتدار يَقْدِرُ على إيجاد جميع أمثالنا السالفين واللاحقين الذين يحملون سِكَّة القدرة نفسَها على وجوههم، إن كان لك ذلك كله؛ فلربما تستطيع أن تدعي الربوبيةَ عليّ؛ وإلا فاخرس، ولا تقل ناظرًا إلى الفوضى التي تبدو في نوعي: إنني أستطيع أن أتدخَّلَ في أوضاع هؤلاء؛ لأن الانتظام فينا مُتْقَنٌ وبديعٌ، فهذه الأوضاع التي تظنها في فوضى، إنما هي استنساخ([1]) بكمال الانتظام وفق كتاب القَدَر للقدرة، إذ إن الانتظام الرائع للنباتات والحيوانات التي هي في درجةٍ أدنى منا بكثير، والتي هي تحت نظارتنا، يُظهر ويدلُّ على أن الفوضى البادية([2]) فينا إنما هي كتابة نوعًا ما.
فهل من الممكن أن يكون واضعُ حَبْلِ البساط الممتدّ في أطرافه كلِّها وضعًا بديعًا دقيقًا هو غيرُ ناسجِ البساط؟
وهل من الممكن أن يكون موجد الثمرة هو غير مُوجِدِ الشجرة؟
وهل من الممكن أن يكون مُوجِدُ النواة هو غير صانع الجسم الذي يحمل النواة؟
ثم إنك أعمى العين، لا تبصر معجزات القدرة التي على وجهي ولا خوارق الفطرة التي في ماهيتنا، فلو كنتَ مبصرًا لفهمت حتمًا أن صانعي هو من لا يخفى عليه شيء، ولا يستطيع أن يتدلل عليه شيء فيصعب عليه، فخَلْقُ النجومِ وإدارتُها هين وسهل عليه كخلق وإدارة الذرات، ويُوجِدُ الربيعَ بسهولة كإيجاده الزهرة، وهو الذي أَدْرَجَ في ماهيتي فهرسَ الكونِ الكبيرِ بكمال الانتظام؛ فهل يمكن أن يُدْخِلَ جامد عاجز أعمى وأصم مثلُك إصبعه في صَنْعَةِ مَنْ يقوم بكل هذه الأمور؟!
[1] استنساخ: عمل نسخ متعددة.
[2] البادية: الظاهرة.
ي،
383. صفحة
ويقول له: اخرس إذن! انصرف! اغرب عن وجهي! ويطرده.
ثم يذهب ذلك المدَّعي إلى البساط الواسع الشاسع المفروش على وجه الأرض، وإلى القميص المزين المزركش في غاية الإبداع الذي تُغطّى به الأرض؛ ويقول له باسم الأسباب وبلسان الطبيعة والفلسفة: إنني أستطيع التصرف فيك، ويدعي قائلاً: إنني مالك لك، أو لي تأثير عليك!
وعندها يقول ذلك القميص([1]) والبساط لذلك المدعي باسم الحق والحقيقة وبلسان الحكمة:
إن كانت لديك قدرة وصنعة قادرة على إيجاد ونسج جميع القمصان والبُسُط التي أُلبسها وجهُ الأرض بعدد السنوات والقرون، ثم خُلعت بانتظام وعُلّقت على حبل الزمن الماضي، والتي ستُلبس من جديد، والتي وُضِعَتْ وعُيِّنَتْ برامجُها وتصاميمُها ضمن دائرة القَدَر بكمال الانتظام، وعُلّقت على شريط المستقبل، والتي لكل منها نقوش خاصة مميزة ذات إنتظام وحكمة، وإن كانت لك يدان معنويتان ذواتا حكمة وقدرة بإمكانهما أن تمتدا ابتداء من خلقة الأرض وانتهاء إلى خرابها، بل من الأزل إلى الأبد، وإن كانت لك حكمة واقتدار يمكنهما إيجاد جميع أفراد لُحْمَة([2]) بساطي فردًا فردًا، وإصلاحُها وتجديدُها بكمال الانتظام والحكمة، وإن كنت تقدر أن تمسك بيدك الكرةَ الأرضيةَ -التي هي موضتنا والتي لَبِسَتْنَا واتَّخَذَتْنا نقابًا وملاءةً لها- وتقدر أن توجدها؛ فادَّعِ الربوبية عليَّ. وإلا فاخرج؛ إذ ليس لك مكان هنا.
ثم إن فينا سكَّةَ الوحدانية وطُرَّة الأَحَدِيَّة بحيث لا يستطيع أن يمتلكنا ولا يستطيع أن يتدخل فينا مَنْ ليس الكونُ في قبضة تصرفه، ولا يرى كل شيء بجميع شئونه في آن واحد، ولا يقدر أن يعمل ما لا نهاية له من الأعمال معًا، ومن لا يكون حاضرًا وناظرًا في كل مكان، ولا يكون مُنَزَّهًا عن المكان، ولا يملك عِلْمًا وحكمةً وقدرةً لا نهاية لها.
[1] ولكن هذا البساط ذو حيوية، وفي اهتزاز منتظم، وتتبدل نقوشُه كل لحظة بحكمة وانتظام كاملين لكي يُظهِرَ تجلياتِ أسماء نَسَّاجه المختلفة كلا على حِدَةٍ.
[2] اللحمة: الخيوط العرضية في النسج.
.
384. صفحة
فينصرف ذلك المدعي، ويقول: فلعلني أخْدَعُ الكرةَ الأرضيةَ([1]) وأجد موضعًا فيها، فيخاطبها كذلك باسم الأسباب ولسان الطبيعة:
إن سَيْرَكِ سائبةً([2]) طليقةً يدل على أنك بدون مالك، إذن يمكن أن تكوني لي.
فتقول له الكرة الأرضية حينئذ باسم الحق وبلسان الحقيقة وبصدى مُدَوٍّ([3]) كالرعد: لا تهذر، كيف يمكن أن أكون سائبةً دون مالك، هل وجدت أن لباسي وأصغرَ نقطةٍ وأدقَّ خيط فيه دون انتظامٍ، وهل رأيت ذلك بغير حكمة وصنعة حتى تقول لي إنك سائبة وبدون مالك؟! فلو استطعت أن تكون مالكًا حقيقيًّا للدائرة العظيمة التي أسير فيها في سنة واحدة بحركتِي السنوية مسافة خمسة وعشرين ألف سنة([4]) تقريبًا والتي أؤدي فيها وظيفتي ومهمتي بكمال الميزان والحكمة، وإن كانت لك حكمة مطلقة وقدرة مطلقة تستطيع أن تملك بها إخوتي الكواكبَ العشرَ التي هي موظفة مثلي، وجميع مداراتها التي تسير فيها، وأن توجِد الشمسَ التي هي إمامُنا والتي نحن مرتبطين ومتعلقين بها بجاذبية الرحمة، وأن تضعها في مكانها وأن تربطني أنا والكواكب بها كأحجار المقلاع([5])، وتديرَها وتستخدمَها بكمال الانتظام والحكمة، فادَّعِ الربوبيةَ عليَّ، وإلا فانصرف عني، فَلْتَذْهَبْ إلى الجحيم، فلي وظائف أقوم بها.
[1] الحاصل: إن الذَّرَّةَ تُحِيلُ ذلك المدعي إلى الكُرَيَّاتِ الحمراء، وتُحيِلُه الكُرَيَّاتُ الحمراء إلى الخلية، والخلية بدورها إلى جسم الإنسان، وجسم الإنسان إلى نوع الإنسان، ونوع الإنسان إلى قميص الأرض الذي نُسِجَ من أنواع ذوي الحياة، وقميص الأرض إلى الكرة الأرضية، والكرة الأرضية إلى الشمس، والشمس إلى النجوم، ويقول كل واحد منها: انصرف إلى من هو فوقي؛ فإن استطعت أن تسيطر عليه فحاول أن تسيطر عليّ وتضبطني، فإن لم تستطع أن تغلبه فلن تستطيع أن تملكني، إذن إن الذي لا يستطيع أن يجري حكمه على النجوم، لا يستطيع أن يجري حكم ربوبيته على ذرة واحدة.
[2] سائبة: حرة طليقة غير مقيدة.
[3] مدوٍّ: مرتفع عالٍ.
[4] إذا كان نصف قُطْرِ دائرةٍ مائةً وثمانين مليون كيلو متر تقريبًا، فتلك الدائرة تكون بمسافة خمسة وعشرين ألف سنة تقريبًا.
[5] المقلاع: آلة للقذف كانت تستخدم في الحروب،وهي كالمدفع الآن.
385. صفحة
ثم إن ما فينا من الانتظام الباهر العظيم، والحركات المذهلة، والتسخيرات الحكيمة، كلها تشير إلى أن صانعنا وبانينا؛ هو مَنْ جميع الموجودات - ابتداءً من الذرات وانتهاء إلى النجوم والشموس - مطيعةٌ ومسخرةٌ له، كأنها جندي متأهب لأوامره، وهو الحكيم ذو الجلال، والحاكم المطلق الذي ينظم الشمس مع الكواكب في غاية السهولة واليسر كتنظيمه وتزيينه شجرةً واحدةً مع ثمارها.
ثم يذهب ذلك المدَّعي إلى الشمس بعد ما لم يَجِدْ موضعًا في الأرض، يقول في قلبه: إن هذه ضخمة جدًّا، فلربما أجد فيها مَنْفَذًا وأشقُّ فيها طريقًا وبذلك أسخر الأرض كذلك، فيقول للشمس كما يقول المجوس باسم الشرك وبلسان الفلسفة المتشيطنة([1]): إنك ملكةٌ ومالكةٌ لنفسك وتتصرفين كما تشائين، فتقول له الشمس باسم الحق وبلسان الحقيقة وبلسان الحكمة الإلهية:
حاشا مائة ألف مرة، حاشا وكلا، إنما أنا موظفةٌ مسخرةٌ، ولست إلا بِمَنْزِلة شَمْعدَانٍ في مضيف سَيِّدي، فلا أستطيع أن أكون مالكة حقيقية لذبابة واحدة، بل حتى لجناح ذبابة واحدة؛ لأن في جسم الذباب جواهرَ معنويةً، وصنائعَ وتُحَفًا بديعةً كالعين والأذن، لا تُوجَدُ في دُكَّاني، وهي خارج دائرة اقتداري، تقول هكذا وتُؤَنِّبُ المُدَّعِيَ وتُوَبِّخُه.
ثم يعود ذلك المدعي، ويقول لها بلسان الفلسفة المتفرعنة([2]):
بما أنك لستِ مالكةً لنفسك، بل خادمة، إذن أنتِ لي باسم الأسباب ومملوكة لي، وعندها تقول له الشمس باسم الحق والحقيقة وبلسان العبودية:
إنني لا يمكن أن يَمْلِكَنِي إلاَّ مَنْ أوجد جميع النجوم العالية من أمثالي ووضعها في سماواته بكمال الحكمة ودوّرها بكمال العظمة وزينها بكمال الزينة.
فيُحدِّث المدَّعي نفسَه قائلاً: إن النجوم في منتهى العدد والكثرة، وتبدو متفرقةً مُبَعثَرةً، وفي اختلاط، ولربما أظفَرُ فيها بشيء لحساب مُوَكََِّليَّ، فيدخل بينها، فيقول
[1] الفلسفة المتشيطنة: التي كالشيطان.
[2] الفلسفة المتفرعنة: التي كالفرعون.
386. صفحة
لها باسم الأسباب ولحساب شركائه بلسان الفلسفة الطاغية وكما يقول الصابئة([1]) عُبَّاد النجوم:
إنكم تحت إمرةحكام مختلفين لما فيكم من تشتت وتفرق شديدين، فَيَرُدُّ عليه أحد النجوم نيابةً عن جميعها قائلاً:
كم أنت سخيف وأحمق أعمى! إذ لا ترى سِكَّةَ الوحدة وطُرَّةَ الأحدية في وجوهنا ولا تَعقِلُها، ولا تعلمُ أنظمتَنا الراقيةَ السامية، ولا قوانينَ عبوديتِنا، وتَظنُّنَا بلا انتظام، فنحن صَنْعَةُ وخدَّام مَن هو واحدٌ أحدٌ يُمسِك في قبضةِ تصرِّفِه السماواتِ التي هي بحرُنا، والكونَ الذي هو شجرتُنا، وفضاءَ العالم غير المحدود الذي هو مُنْتَزَهُنا ومسارُنا، ونحن شواهدُ نورانيةٌ تدل على كمال ربوبيته كمصابيح المهرجانات، وبراهينُ مضيئةٌ تُعلنُ عن سلطنة ربوبيته، وكل طائفة منا خدام نورانيون ومضيئون، وتدل على عظمة سلطنته في منازلَ عُلويَّةٍ وسُفليَّةٍ ودُنيويَّةٍ وبَرزخيَّةٍ وأُخرَويَّةٍ في دائرة سلطنته. أجل؛ إن كل واحد منا معجزةُ قدرةِ واحدٍ أحدٍ، وثمرةٌ موزونة بديعة لشجرةِ الخِلقةِ، وبرهانٌ مُنوَّرٌ للوحدانية، ومَنْزِل وطائِرَة ومسجدٌ للملائكة، ومصباحٌ للعوالم العلوية وشمسٌ لها، وشاهدٌ لسلطنة الربوبية، وزينةٌ لفضاء العالم وقَصْرٌ وزهرةٌ له، وسمكةٌ نورانيةٌ في بحر السماء، وعين جميلة([2]) للسماء.
فعلى الرغم مما في مجموعنا مِنْ سكوتٍ في هدوءٍ وسكونٍ، وحركةٍ في حكمةٍ، وزينةٍ في هَيْبَةٍ، وحُسْنِ خلقةٍ في انتظامٍ، وكمالِ صَنْعَةٍ في ميزانٍ، وإعلانِنا على الكون وحدةَ وأحديةَ وصمدية صانعِنا ذي الجلال وأوصاف جماله وجلاله وكماله بألسنة غير محدودة؛ على الرغم مِنْ كل ذلك تتهم خُدَّامًا مسخرين مطيعين مخلصين وأبرياء إلى
[1] الصابئة: أي الخارجة عن الدين، والصابئة هم عبّاد النجوم.
[2] نحن إشاراتٌ تشاهِد عجائبَ مصنوعاتِ الحَقِّ تعالى، ونجعل الآخرين يشاهدون كذلك؛ أي: تبدو السماواتُ وكأنها تشاهِد بعيون لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى غرائبَ الصنعة الإلهية المنتشرة على الأرض، والنجومُ تنظر بدورها - كما تنظر ملائكة السماوات - إلى الأرض التي هي محشر العجائب والغرائب، وتجعل ذوي الشعور كذلك ينظرون بدقة وإمعان.
387. صفحة
نهاية الحد مثلنا بأنهم سائبين في فوضى واختلاط، وبلا وظيفة، بل بلا مالك، إذن أنت مستحق للصفع.
تقول النجمة ذلك وتَصْفَعُه وكأنها ترجم الشيطانَ فتَطْرَحُه من فوق النجوم إلى قَعْرِ جهنمَ، وتَطْرَح الطبيعةَ([1]) معه إلى وديان الأوهام، وتَقْذِفُ التصادفَ إلى بِئْرِ العدم، وتُلقِي الشركاءَ في ظلمات الامتناع والمُحال، وتَقذِفُ الفلسفةَ في أسفل سافلينَ، وتتلو مع النجوم الأخرى الخطابَ القُدْسِي: ﴿كَانَ فِيهِمَۤا ءَالِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ (سورة الأنبياء: ٢١/٢٢) وتعلن هذه النجومُ أنه لا موضعَ لشريكٍ ولو بمقدار جناح ذبابةٍ ابتداءً من جَناح الذُّبابة وانتهاءً إلى قناديل السماء كي ُيدخِل أصبعه فيه.
سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سِرَاجِ وَحْدَتِكَ فِي كَثْرَةِ مَخْلُوقَاتِكَ، وَدَلاَّلِ وَحْدَانِيَّتِكَ فِي مَشْهَرِ كَائِنَاتِكَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
[1] إلا أن الطبيعة تابتْ بعد أن سقطتْ، وفهمت أن وظيفتَها ليست التأثيرَ والفعلَ، بل القبولَ والانفعالَ، وعَلِمتْ أنها دَفْتَرٌ للقَدَر الإلهي نوعًا ما، ولكنها دفتر قابلٌ للتبدل والتغيُّر، وبرنامجٌ للقدرة الربانية نوعًا ما، وشريعةٌ فطريةٌ ومجموعةُ قوانينَ نوعًا ما للقدير ذي الجلال، وتَقَلَّدَتْ وظيفةَ العبودية بكمال العجز والانقياد، وتَسَمَّتْ باسم الفطرة الإلهية والصنعة الربانية.
388. صفحة
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿فَانْظُرْ إِلَىٰۤ ءَاثَٰرِ رَحْمتِ الله كَيْفَ يُحْىِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَۤا﴾ (سورة الروم: ٣٠/٥٠)
هذه الفقرة تشير إلى زهرة واحدة من البستان
الأزلي لهذه الآية الكريمة
حَتىَّ كَأَنَّ الشَّجَرَةَ المُزَهَّرَةَ قَصِيدَةٌ مَنْظُومَةٌ مُحَرَّرَةٌ
وَتُنْشِدُ للفَاطِرِ المَدَائِحَ المُبَهَّرَةَ أَوْ فَتَحَتْ بِكَثْرَةٍ عُيُونَها المُبَصَّرَةَ
لتُنْظِرَ للصَّانِعِ العَجَائِبَ أَوْ زَيَّنَتْ لِعِيْدِهَا أَعْضَاءَهَا
المنَشَّرَةَ الْمُـخَـضَّرَةَ
لِيَشْهَدَ سُلطانُها آثارَهُ وَتُشْهِرَ فِي الـمَحْـضَرةِ
المُنَوّرَةَ مُرَصَّعَاتِ الجَوْهَرِ
وَتُعْلِنَ لِلْبَشَرِ حِكْمَةَ بِكَنْزِهَا المُدَّخَرِ مِنْ جُودِ
خَلْقِ الشَّجَرِ رَبِّ الثَّمَرِ.
سُبْحَانَهُ مَا أَحْسَنَ إِحْسَانَهُ ! مَا أَزْيَنَ بُرْهَانَهُ مَا أَبْيَنَ تِبْيَانَهُ!
خَيَالْ بِينَنْدَازِينْ اَشْجَارْ مَلاَئِكْ رَا جَسَدْ آمَدْ سَمَاوِي بَا هزَارَانْ نَىْ..
اَزِينْ نَيْهَا شُنِيدَتْ هُوشْ سِتَايِشْهَاىِ ذَاتِ حَيْ.. وَرَقْهَارَا زَبَانْ
دَارَنْدَ هَمَه هُو هُو ذِكْر آرَنْدْ بَدَرْ مَعْنَايِ حَيُّ حَيْ..چولاَ إِلَهَ اِلاَّ هُو بَرَابَرْ يذَنَدْ
هَرْ شَئْ. دَمَادَمْ جُويَدَنْد يَا حَقْ سَرَاسَرْ كُويَدَنْد يَا حَىْ
بَرَابَرْ مِيذَنَنْد اَلله.
أي:ترى عين الخيال أن الأشجار قد أصبحت أجسادًا للملائكة مع آلاف من النايات السماوية، وتسمع أذن العقل مدح وثناء الله الحي من ناياتها، وأصبحت أوراقها ألسنة تذكر دائمًا “هو” “هو” بمعاني “يا حي” “يا حي” وكأن كل شيء يذكر “لا إله إلا الله، ويطلب حق الحياة من الحي قائلا: يا حقّ، ويذكر كل شيء من أوله إلى آخره”يا حي“ يا الله”
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءً مُبَٰرَكًا﴾ (سورة ق: ٥٠/٩)
389. صفحة
ذيل صغير للموقف الأول
فاستمع للآية: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُۤواْ إِلىَ السَّمَۤاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا...﴾ (سورة ق: ٥٠/٦) إلى آخرها.
[ثُمَّ انْظُرْ إِلىَ وَجْهِ السَّمَاءِ كَيْفَ تَرَى سُكُوتًا فِي سُكُونَةٍ، حَرَكَةً فِي حِكْمَةٍ، تَلألُؤًا فِي حشْمَةٍ، تَبَسُّمًا فِي زِينَةٍ، مَعَ انْتِظَامِ الخِلْقَةِ، مَعَ اتِّزَانِ الصَّنْعَةِ. تَشَعْشُعُ سِرَاجِهَا، تَهَلْهُلُ مِصْبَاحِهَا تَلأْلُؤُ نُجُومِهَا، يُعْلِنُ لأَهْلِ النُّهَى([1])، سَلْطَنَةً بِلاَ انْتِهَاءٍ.]
ونبين هذه المعاني التي هي ترجمة للآية - نوعا ما -
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُۤواْ إِلىَ السَّمَۤاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا...إلخ﴾ (سورة ق٥٠/٦) كالآتي:
“ثُمَّ انْظُرْ إِلىَ وَجْهِ السَّمَاءِ كَيْفَ تَرَى سُكُوتًا فِي سُكُونَةٍ” أي؛ إن الآية الكريمة تلفت الأنظارَ إلى وجه السماء المزيَّنِ الجميل حتى ترى فيه بإمعان النظر سكوتًا في سكونٍ وهدوءٍ شديدَيْنِ، ومن ثَمَّ تَفهم أنه قد اتخذ هذا الوضع بأمر القدير المطلق وتسخيره، وإلا لو كانت تلك الأجرامُ([2]) الهائلة العظيمة التي لا تعد ولا تحصى والكُرات التي في غاية الضخامة وهي متداخلة بعضها ببعض ومتشابكة؛ لو كانت كلها سائبةً مفلوتةَ الزِّمام لكان يلزم أن تُحدِث تلك الأجرامُ بحركاتها المذهلة ضجيجًا وضوضاءَ تصمُّ([3]) آذانَ الكائنات، ولحدثت فوضى تتسبب في خراب الكون ودمارِه في زلزال مدمر، ومن المعلوم أنه لو تحركتْ عشرونَ جاموسة معًا في مكان واحد لتسببتْ في هَرْجٍ ومَرجٍ في ضجيج وضوضا، بينما يقول علم الفلك أن بين النجوم نجومًا أكبرَ من كرتنا الأرضية بألف مرة، وأسرعَ من القذيفة بسبعين مرة. فافهم من سكوتِ الأجرام في هدوءٍ مدى قدرةِ القدير ذي الكمال والصانع ذي الجلال وتسخيرِه، ومدى انقياد النجوم وإطاعتها له.
[1] النهى: العقول.
[2] الأجرام: الأجسام.
[3] تصم: تصيب بعد السمع.
و
390. صفحة
“حَرَكَةً فِي حِكْمَةٍ”: ثم إن الآية تأمر بمشاهدة حركةٍ تَحدُث في حكمة في وجه السماء. أجل؛ إن هذه الحركات العجيبةَ العظيمةَ جِدًّا، تحدث وتجري في حكمة واسعة ودقيقة للغاية.
كما أن صانعًا يدير تُرُوسَ المصنع ودواليبَه في حكمة يُظهر عظمة صنعته ومهارته بنسبة عظمة المصنع وانتظامه، كذلك يتجلى ويظهر أمام العين مدى حكمة وقدرة القدير ذي الجلال بنسبة صنعته التي تتجلى في إعطائه الشمسَ الهائلةَ مع منظومتها وضعَ مصنعٍ، وفي إدارتِه الكراتِ العظيمةَ الهائلةَ المذهلة حول الشمس، وكأنه يدير تروس المصنع وأحجار المقلاع.
“تَلأْلُؤًا فِي حشْمَةٍ تَبَسُّمًا فِي زِينَةٍ”: أي إن في وجه السماوات لَتَلأْلُؤًا في عظمة، وتَبَسُّمًا في زينة، بحيث يُظهران مدى سلطنة الصانع ذي الجلال العظيمة ومدى جمال صنعته.
وكما أن المصابيح الكهربائية الكثيرة المعلقة في أيام المهرجانات تُظهِر مدى عظمة السلطان، ومدى كماله في التقدم الحضاري، فكذلك السماوات العظيمة الهائلة تُظهر للأنظار المتأملة بنجومها المهيبة المزينة كمالَ سلطنة الصانع ذي الجلال وجمالَ صنعته.
“مَعَ اتِّزَانِ الصَّنْعَةِ{ مَعَ انْتِظَامِ الْخِلْقَةِ” : وتقول كذلك: فانظر وأبصر انتظام المخلوقات في وجه السماء، وموزونية المصنوعات في موازين دقيقة، وافهمها، حتى تعلم: كم أن صانعها قدير وكم أنه حكيم!
أجل؛ كما أنها تظهر مدى اقتدار وحكمة من يدوِّر الأجرام الصغيرة المختلفة أو يدير الحيوانات، ويسيِّر كل واحد منها لأجل وظيفة، ويسوقه في طريق معين بميزان مخصوص، ومدى إطاعة الأجرام المتحركة ومسخَّريتها له، كذلك عدم تجاوز السماوات الضخمة مع عظمتها المدهشة ومع ما فيها من النجوم غير المحدودة، وكذلك عدم تجاوز النجوم مع ضخامتها المدهشة مع حركاتها المذهلة، ولو بمقدار ذرة، أو بمقدار ثانية واحدة عن حدودها، وعدم تخلفها، وعدم تَلَكُّئِها([1]) عن وظائفها
[1] تلكؤها: تباطؤها.
؟
391. صفحة
ولو بمقدار عشر دقيقة. كل ذلك يشير إلى أن صانعها ذا الجلال يُجْري ربوبيته بميزان دقيق مخصوص.
وكما ورد في تلك الآية، وفي سورة “النبأ” وفي آيات كثيرة أخرى من تسخير الشمس والقمر والنجوم فـ “تَشَعْشُعُ سِرَاجِهَا، تَهَلْهُلُ مِصْبَاحِهَا، تَلأْلُؤُ نُجُومِهَا، يُُعْلِنُ لأَهْلِ النُّهَى، سَلْطَنَةً بِلاَ انْتِهَاءٍ” أي: تعليق مصباحٍ منير مضيء وسخَّانٍ كالشمس في سقف السماء المزين وجعْلها كحُقَّة([1]) نور لكي تُكتب بها المكتوباتُ الصمدانيةُ بخطوط الليل والنهار في صحيفة الشتاء والصيف، وجعْل القمر عقربًا لساعة الزمان الكبرى في قبة السماء مثل العقارب المتلألئة للساعات الكبيرة المعلَّقة على الأبراج العالية والمآذن المرتفعة، ووَضْع هلال خاص بكل ليلة على صورة أهلَّة متفاوتة كثيرة، ثم جمعه وردّه إلى شكله الأول، وتسييره وتدويرُه بميزان كامل وبحساب دقيق، وتزيين الوجه الجميل للسماء بنجوم مبتسمة ومتلألئة في قبة السماء. نعم؛ لاشك أن كل ذلك شعائر لسلطنة الربوية المطلقة، وإشارات للألوهية العظيمة تُشعر ذوي الشعور بسلطنة الربوبية المطلقة، وتدعو أهل الفكر إلى الإيمان والتوحيد.
استمع إلى النجوم، إلى خطبتها اللطيفة، وانظر كيف أن الحكمة قد نظَمت تلك النجوم المنوَّرةَ.
بدأن ينطقن جميعًا بلسان الحق فيقلن: كل واحدة منَّا برهان نير لعظمة سلطنة القدير ذي الجلال.
وشاهد على وجود الصانع وعلى الوحدة والقدرة.
ونحن للسماء آلاف العيون المدقِّقة الناظرة إلى الأرض([2]) والمدققة في الجنة،
[1] الحُقَّة: وعاء صغير ذو غطاء يصنع من عاج أو زجاج أو غيرهما.
[2] يعني: كما أن الملائكة الموجودة في عالم السماوات تشاهد معجزات القدرة وخوارقها على وجه الأرض الذي هو مشتل ومزرعة صغيرة لأزهار الجنة إذ هي عُرِضت عليها، كذلك فالنجوم التي بمنزلة عيون للأجرام السماوية كأنها هي الأخرى تنظر - كما تنظر الملائكة - إلى عالم الجنة كلما رأت وشاهدت المصنوعات اللطيفة على وجه الأرض، فتنظر تارة إلى الأرض وتارة إلى الجنة، وكأنها تشاهد تلك الخوارق المؤقتة في صورة باقية في الجنة، وهذا يعني أن لها إشرافًا على كلا العالَمَين.
.
392. صفحة
لتشاهد الملائكةُ المعجزاتِ اللطيفة المزيِّنة لوجهِ هذه الأرض.
نحن ثمراتٌ في غاية الجمال من طوبى الخلقةِ، معلَّقةٌ بِيَدِ حكمةٍ لجميلٍ ذي جلالٍ على شِقِّ السماوات وعلى أغصان درب التبّانة.
نحن طائرات لأهل السماوات، ومساجد سيارة، ومساكن دوَّارة، وبيوت عالية، ومصابيح نيِّرة وسفن جبارة.
ونحن عوالم نور لقدير ذي كمال، وحكيم ذي جلال، ومعجزةُ قدرةٍ، وخارقةُ صنعةٍ تليق بالخالق، ونادرةُ حكمةٍ، وإبداع خِلقة.
هكذا نُظهر مائة ألف برهان بمائة ألف لسان، ونُسمِعُ الإنسان الذي هو إنسان حقًا.
عَمِيَت عين الملحد أصبح لا يرى وجهنا، ولا يسمع كلامنا، فنحن آيات ناطقة بالحق.
سِكَّتنا واحدة، وطرَّتُنا واحدة، مسخَّرات لربنا مسبِّحات، نذكره بعبودية، ونحن مجذوبات منسوبات إلى حلقة درب التبانة الكبرى.
هكذا استمعتُ إلى ما تقوله خيالاً.
393. صفحة
الموقف الثاني
من الكلمة الثانية والثلاثين
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ { اللهُ الصَّمَدُ﴾
(سورة الإخلاص: ١١٢/١-٢)
لهذا الموقف ثلاثة مقاصد
المقصد الأول
إن ممثل أهل الشرك والضلالة الذي سقط على الأرض بلطمة نجمةٍ، رَجَعَ عن ذلك النوع من الادعاء؛ لأنه لم يجد موضعًا للشرك ولو مقدار ذرة في أي مكان ابتداء من الذرات وانتهاءً إلى النجوم، إلا أنه حاول - من أجل التشكيك في التوحيد مثل الشيطان - أن يوسوس لأهل التوحيد حول الأَحَدِيَّة والوَحْدَانِيَّة من خلال ثلاثة أسئلة مهمة.
السؤال الأول:
إنه يقول بلسان الزندقة:
يا أهل التوحيد؛ إنني لم أستطع أن أجد شيئًا لحساب موَكِّليَّ، ولم أستطع أن أحصل على حظٍّ في الموجودات، ولم أتمكن من إثبات صحة مسلكي، أما أنتم فبِمَ تثبتون وجود واحد أحد ذي قدرة مطلقة؟
394. صفحة
الجواب:
إنه قد أُثبِت في “الكلمة الثانية والعشرين” إثباتًا قاطعًا أن كل موجود من الموجودات، وكل ذرة من الذرات ونجم من النجوم برهانٌ نَيِّرٌ على وجوب وجود واجب الوجود والقدير المطلق، وأن كل سلسلة من السلاسل الموجودة في الكون دليل قاطع على وحدانيته، فالقرآن الحكيم يذكر أظهر البراهين بكثرة أمام نَظَر الجميع كما أثبت ذلك في براهينه الكثيرة جدًّا.
وعلى سبيل المثال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ (سورة لقمان: ٣١/٢٥)، ﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِ خَلْقُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ﴾ (سورة الروم: ٣٠/٢٢) يَعرِضُ القرآن الحكيم خَلْقَ السماواتِ والأرضِ في آياته الكثيرة كما في هذه الآية برهانًا باهرًا على الوحدانية، بحيث إن كل من يملك شعورًا مضطر - شاء أو أبى - إلى تصديق خالقه ذي الجلال في خَلْقِهِ السماواتِ والأرضَ حيث يقولُ ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾. وكما أظهرنا في “الموقف الأول” سكة التوحيد ابتداءً من ذرة واحدة وانتهاءً إلى النجوم في السماوات، كذلك فالقرآن الحكيم يَطْرُدُ الشركَ ابتداءً من النجوم والسماوات وانتهاءً إلى الذرات بمثل هذه الآيات، ويشير كالآتي، ويقول معنىً:
إن القدير المطلق الذي خلق السماوات والأرض بانتظام بديع، لابد أن تكون المنظومة الشمسية هي الأخرى في قبضة تصرفه بالبداهة وهي دائرة ضمن دوائر مصنوعاته.
وبما أن القدير المطلق يُمسِكُ الشمسَ مع كواكبها في قبضة تصرفه، وينظمها ويسخرها ويُدَوِّرها؛ فلا شك أن الكرة الأرضية التي هي جزء من المنظومة الشمسية والمرتبطة بها في قبضة تصرفه وتدبيره وتدويره أيضًا. وبما أن الكرة الأرضية في قبضة تصرفه وتدبيره وتدويره، فكذلك المصنوعات التي توجَد وتُكتَب على وجه الأرض والتي هي بمنزلة ثمار الأرض وغاياتها في قبضة ربوبيته وتربيته.
وبما أن كل المصنوعات المبسوطة والمنثورة على كافة وجه الأرض والتي تُزَيِّنه وتُجَمِّله، وتتجدد في كل وقت، والتي تأتيه وترحل عنه وتُملأ الأرض بها وتُفرغ
395. صفحة
منها، كلُّها بيد قبضة قدرته وعلمه، وتُوزَنُ وتُنظَّم بميزان عدله وحكمته.
وبما أن كل الأنواع في قبضة قدرته، فلا شك أن الأفراد الجزئية الدقيقة البديعة والرائعة لتلك الأنواع - وكل واحد منها بمنزلة مثال مصغر صغير للعالم وحصيلة لأنواع الكائنات، وكفهرس صغير لكتاب العالم - كل منها كذلك بالبداهة في قبضة ربوبيته وإيجاده وتدويره وتربيته.
وبما أن كل فرد من أفراد الأحياء في قبضة تدبيره وتربيته، فلا شك أن الخلايا والكريَّات والأعضاء والأعصاب التي تُكَوِّن جسم ذلك الفرد الحي بالبداهة في قبضة علمه وقدرته.
وبما أن كل خلية من الخلايا، وكل كرية من الكريات في الدم تحت أمره وفي دائرة تصرفه وتتحرك وفق قانونه؛ فلا شك أن الذرات التي هي مادة أساسية لها - أي للخلايا والكريات - والتي هي بمَنْزِلة المَكُّوكَاتِ([1]) والزنبركاتِ([2]) لنسج النقش ونقشِ الصنعة فيها؛ نقول لا شك أنها - الذرات - بالضرورة في قبضة قدرته ودائرة علمه، وتتحرك بأمره وإذنه وقوته، وتقوم بحركات متناسقة مُتَّزِنَةٍ، وتؤَدِّي وظائف ومهمات رائعة.
وبما أن حركة كل ذرة من الذرات وقيامها بوظائف إنما هي بقانونه وإذنه وأمره؛ فلا شك أن تشخصات الوجه ووجودَ علامات فارقة مميزة في وجه كل فرد، ووجودَ فروق متفاوتة في الأصوات وفي الألسنة، كما في الملامح؛ إنما هي بعلمه وحكمته بالبداهة. فانظر إلى هذه الآية التي تشير إلى تلك السلسلة مبينة مبدأها ومنتهاها: ﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِ خَلْقُ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لأَيَٰتٍ لِلْعَٰلِمِينَ﴾ (سورة الروم: ٣٠/٢٢)
[1] المكوك: بكرة من المعدن تستعمل في آلة الخياطة أو منوال النسج.
[2] الزنبرك: شريط من الفولاذ طويل مقوس يلف على محور الساعة ونحوها؛ فإذا انبسط حرك دواليها.
.
396. صفحة
فالآن نقول:
يا ممثِّلَ أهلِ الشرك؛ إن البراهين القوية التي هي مثل قوة سلسلة الكون تثبت مسلك التوحيد، وتدل على القدير المطلق.
وبما أن خلق السماوات والأرض يشير ويدل على صانعٍ قدير، وعلى القدرة المطلقة لذلك الصانع القدير، وعلى أن تلك القدرة المطلقة هي في كمالٍ مطلق، إذن فلا بدَّ مِن أن هناك استغناءً مطلقًا عن الشركاء، بمعنى أنه لا حاجة للشركاء بأي وجه من الوجوه؛ فمادام لا حاجة إلى الشركاء، فَلِمَ تسلكون هذا المسلكَ المظلمَ؟ وبما أنه لا حاجة إلى الشركاء، فما الذي يدفعكم ويضطركم إليه؟
وبما أنه لا حاجة إلى الشركاء أصلاً وأن الكون كذلك مستغنٍ عنهم استغناءً مطلقًا؛ إذن ممتنع ومحال أن يكون هنالك شركاء للربوبية والإيجاد.
لأننا أثبتنا أن قدرة صانع السماوات والأرض مطلقة وفي غاية الكمال، ولو كان هناك شركاء فسينبغي أن تكون هنالك قدرة أخرى متناهية تتغلب على تلك القدرة المطلقة التي هي في غاية الكمال، وأن تستولي على قسم من ملكها، وأن تنبهنا، وتجعلها في وضعِ عجْزٍ معنوي، وأن تضع لها حدًّا مع أنها مطلقة غير محدودة.
ويلزم كذلك أن يُنهي شيءٌ متناهٍ شيئًا آخر مطلقًا غَيْرَ متناهٍ وأن يَجْعلَه متناهيًا دون أية ضرورة إلى ذلك؛ وهذا أبعد المحالات عن العقل وممتنع امتناعًا ما بعده امتناع.
ثم إن الشركاء “مُسْتَغْنىً عنهم” و“ممتنعون بالذات” أي كما أنه لا حاجة إليهم أصلاً، وأنه محال وجودهم فادعاء الشركاء إذن ادعاء تحكُّمِيٌّ بحت؛ أي إنه ليس هنالك ما يُسَوِّغ ذلك الإدعاء عقلاً ولا منطقًا ولا فكرًا، فهو إذن بمنْزلة أقاويل لا معنى لها، ويُطلق عليه في علم الأصول “ادِّعَاءٌ تَحَكُّمِيٌّ”، بمعنى أنه مجرد دعوى بلا معنى. ومن دساتير علم الكلام وعلم الأصول أنه “لاَعِبْرَةَ لِلاِحْتِمَالِ غَيرِ النَّاشِيءِ عن دليلٍ، ولا يُنافِي الإمكانُ الذَّاتِيُّ اليَقِينَ العِلْمِيَّ” أي لا أهمية لاحتمالٍ لا ينشأ عن دليل وأمارةٍ، ولا يُلبِس شكًّا على العلم القطعي ولا يُزلزِل حُكمًا يقينيًّا.
397. صفحة
فمثلاً: من المحتمل والممكن أن تتحول بحيرة بَارْلاَ، أي بحيرة أَكِرْدِير في ذاتها إلى دِبْسٍ([1]) أو إلى دهن، ولكن بما أن ذلك الإمكان والاحتمال لا ينشأ عن أمارة فلا يؤثر في علمنا القطعي بأنها موجودة وأنها من ماء، ولا يلقي شكًّا ولا وسوسة في ذلك. وعلى غرار هذا المثال سأََلْنا كل موجود من الموجودات، وكل زاوية من زوايا الكون، فأي شيء سُئِل ابتداءً من الذرات وانتهاءً إلى النجوم - كما بين في الموقف الأول - ومن خلق السماوات والأرض إلى التشخصات الموجودة في الملامح - كما شوهد في الموقف الثاني - شَهِد بلسان حاله على الوحدانية وأظهر سكة التوحيد، وأنت بدورك رأيتَ ذلك. إذن ما من أمارة في موجودات الكون يُبنى عليها احتمال الشرك. بمعنى أن ادعاء الشرك محض جهل وعين بلاهة، إذ إنه تَحَكُّمِيٌّ بحت وأقاويل لا معنى لها، ومجرد دعوى.
وهكذا لا يبقى لممثل أهل الضلالة ما يقوله إزاء([2]) هذا، إلا أنه يقول:
إن الأمارة على الشرك هي ترتيب الأسباب في الكون، حيث يرتبط كل شيء بسبب من الأسباب، إذن للأسباب تأثيرات حقيقية، ولئن كانت لها تأثيرات حقيقية فيمكنها أن تكون شركاء.
والجواب: إن المسبَّبَاتِ قد رُبِطَت بالأسباب بمقتضى مشيئةٍ وحكمةٍ إلهية ولاستلزام ظهور كثير من الأسماء الحسنى، وكل شيء قد رُبِط بسبب من الأسباب، إلا أننا قد أثبتنا في أماكن كثيرة وفي كلمات متعددة إثباتا قاطعا أنه ليس للأسباب تأثير حقيقي في الإيجاد، والآن نكتفي بهذا القدر ونقول: إن أشرف الأسباب وأوسعها اختيارًا وأشملها تصرفًا هو الإنسان بالبداهة، وأظهر فعل من أظهر أفعال الإنسان الاختيارية هو الأكل والكلام والفكر، وهذا الأكل والكلام والفكر هو سلسلة في غاية البداعة
[1] الدبس: هو عصير مكثف مأخوذ من العنب أو الخروب.
[2] إزاء: تجاه.
ن.
398. صفحة
والتناسق وذات حِكَم غزيرة، والذي أُعطِي ليد اختيار الإنسان هو جزء واحد فقط من مائة جزء من تلك السلسلة، فمثلاً الذي أُعْطِي ليد اختيار الإنسان من سلسلة أفعال الأكل ابتداءً من تَغَذِّي خلايا البدن إلى تكوُّن الثمرات هو تحريكُ طاحونةِ الأسنان في الفم ومضغُ الطعام وليس غير ذلك، ومن سلسلة الكلام هو إدخالُ الهواء في قوالب مخارج الحروف وإخراجُه منها، إذ تصبح كلمة واحدة في فمك بمنْزلة الشجرة مع أنها كبذرة فيه، وتثمر في الهواء ملايين الثمراتِ، أي ثمراتِ الكلمات وتدخل في آذان ملايين السامعين، ولا يستطيع أن يصل إلى هذا السنبل المثالي إلا خيالُ الإنسان فكيف تصل يد الاختيار القصيرة؟!
وإذا كان الإنسان - الذي هو أشرف مخلوق في عالم الأسباب، وأكثرها اختيارًا - مغلولَ اليدين عن الإيجاد الحقيقي إلى هذا الحدِّ فكيف يمكن لسائر الجمادات والبهائم والعناصر والطبيعة أن تكون متصرفةً حقيقيةً؟!
وتلك الأسباب إنما هي ظرف وغلاف للمصنوعات الربانية وعارضًا للهدايا الرحمانية، فلا شك أن الغلاف أو الصحن الذي تُقدَّم فيه هديةُ السلطان أو المنديل الملفوف للهدية أو الموظف الذي ينقل إليك الهدية؛ لا شك أنه لا يمكن أن يكون أيٌّ من ذلك شريكًا لسلطنة ذلك السلطان، فمَنْ تَوَهَّمَ أنها شركاء له فقد هَذِيَ هَذَيَانًا سخيفًا، ولا حظّ للأسباب الظاهرية والوسائط الصورية في الربوبية الإلهية مطلقًا، ولا حظّ لها إلا خدمة العبودية.
399. صفحة
المقصد الثاني
ولَمَّا لَمْ يستطع ممثل أهل الشرك أن يُثبِت مسلك الشرك بأي وجه من الوجوه، وَيَئِسَ عن إثباته، وأراد أن يُخَرِّبَ مسلك أهل التوحيد بتشكيكاته وشبهاته؛ طرح سؤالاً ثانيًا كالآتي، وقال: يا أهل التوحيد إنكم تقولون: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ* أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ﴾ (سورة الإخلاص: ١١٢/١-٢)، أي إن خالق العالم واحد أحد صمد، وإنه خالق كل شيء، فمع أحديته الذاتية زمام كل شيء بيده مباشرة، وله مقاليد كل شيء، وناصية كل شيء بيده، ولا يمنعه فعلٌ عن فعلٍ ويمكنه أن يتصرف في آنٍ واحد في جميع الأشياء بجميع أحوالها، فكيف يمكن الإيمان بحقيقة عجيبة كهذه؟ هل يمكن لِذاتٍ مشخَّص واحد أن يقوم بأعمال لا تعد ولا تحصى في أماكن لا تعد ولا تحصى بلا صعوبة؟
الجواب: يُجاب عن هذا السؤال ببيان سر الأَحَدِيَّةِ والصَّمَدِيَّةِ الذي هو في غاية العمق والدقة، ومنتهى الرفعة والسَّعَةِ.
إنَّ فكر البشر لا يستطيع أن ينظر إلى ذلك السر إلا بمنظار تمثيل ومرصد مَثَلٍ، ولا مِثل ولا مثال لذات الحق تعالى وصفاته، إلا أنه يمكن النظر إلى شئونه بالْمَثَل والتمثيل إلى حد ما، فنحن بدورنا سنشير إلى ذلك السر بتمثيلات مادية.
التمثيل الأول: وهو:
كما أثبت في “الكلمة السادسة عشرة” أنه يكتسب ذاتٌ مشخَّص واحد كليةً بواسطة مرايا مختلفة، ويكتسب حكمَ “كليٍّ” مالِكٍ لشئون كثيرة مع أنه جزئي حقيقي.
أجل، وكما أنّ موادًّا كالزجاج والماء تصبح مرآة لأشياء جسمانية ويكتسب شيءٌ جسمانيٌّ كليةً في تلك المرايا، كذلك الهواء والأثير([1]) وبعضُ موجوداتِ عالمِ المثال
[1] الأثير: عند الطبيعيين سيال يملأ الفراغ يفترضون تخلله الأجسام.
وعند الكيميائيين سائل ذي لون, طيار يذيب المواد الدهنية و يستخدم في الطب.
400. صفحة
تتخذ حكم مرايا وصورةَ واسطةِ سيرٍ وسياحةٍ في سرعة البرق والخيال لأشياء نورانية وللروحانيات؛ بحيث يتجول أولئك النورانيون وتلك الروحانيات في تلك المرايا النظيفة والمنازل اللطيفة بسرعة الخيال، ويدخلون في آنٍ واحد في آلاف الأماكن ويَحكُمون في كل مرآة وكأنهم موجودون فعلا في كل مكان بخلاف الجسمانية؛ وذلك لأنهم نورانيون، ولأن صورهم في المرايا هي عينهم([1]) ومالكة لصفاتهم، وكما أن عكس الجسمانيات الكثيفة وصورها ليست عين تلك الجسمانيات وليست مالكة لأوصافها بل تعتبر ميتة.
فمثلاً تتخذ الشمس حكمَ “كليٍّ” بوساطة الأشياء اللامعة مع أنها جزئي مشخص، وتعطي عكسها وصورتها المثالية - أي الشمسَ المثاليةَ - لكل شيء لامع على وجه الأرض حتى لكل قطرة ماء وذرات زجاج حسب قابليات تلك الأشياء، وتوجد حرارة الشمس وضياؤها وألوان الطيف في ضيائها، وصورتها الذاتية في كل شيء لامع نوعا ما، فلو كان للشمس - افتراضًا محالاً - علم وشعور لكانت كل مرآة بمنزلة منزلٍ وتخت وكرسي لها، ولكانت تتعامل مع كل شيء تعاملاً مباشرًا، ولكانت تستطيع أن تتصل بكل ذي شعور بل حتى ببؤبؤ عينه بوساطة المرايا وكأنها تتصل اتصالاً هاتفيًّا، ولم يمنعها شيءٌ عن شيء ولم يحجب اتصالٌ اتصالاً آخر ولَمَا كانت في أي مكان مع أنها موجودةٌ في كل مكان.
فيا ترى إنْ كانت الشمس التي هي بمنزلة مرآة مادية وجزئية وجامدة لاسم النور فقط لمن له ألف اسم واسم تنال الأفعالَ الكلية في الأماكن الكلية مع أنها مشخَّصة، أفلا يستطيع الذات ذو الجلال أن يعمل أعمالاً لا حد لها في آن واحد مع أحديته الذاتية؟
[1] عينهم: أي ذواتهم بأنفسهم.
401. صفحة
التمثيل الثاني:
لما كان الكون بمنزلة شجرة فيمكن لكل شجرة أن تكون مثالاً لحقائق الكون، فنحن بدورنا نتخذ شجرة الدلب([1]) الضخمة العظيمة الباسقة([2]) التي أمام غرفتنا هذه مثالاً مصغرًا للكون، ونُظْهِرُ تَجَلِّيَ الأحدية في الكون بوساطتها، وذلك أن لهذه الشجرة عشرة آلاف ثمرة على الأقل، ولكل ثمرة من ثمارها ما لا يَقِل عن مائة من النوى الْمُجَنَّحَة، فكل هذه الثمار العشرة الآلاف والمليون من النوى؛ تحظى معًا بالصنعة والإيجاد في آن واحد بما يدل على أنه يوجد تجلٍ جزئيٌّ مُشَخَّصٌ من تجلياتِ الإرادة الإلهية التي يُعبَّر عنها بالعقدة الحياتية في النوى الأصلية لهذه الشجرة وفي جذورها وجذعها ويوجَد أيضًا مركزيةُ تَكَوُّنِ قوانين تلك الشجرة مع نواة من نوى الأمر الرباني على رأس كل غصن وفي كل ثمرة وعند كل نواة بحيث يُصنع ويُخلق كل من الأغصان والثمار والبذور من دون أن يُترك شيء من شئون أي منها ناقصًا، ودون أن يمنع شيءٌ شيئًا.
ولا ينتشر ذلك التجلي الوحيدُ للإرادة والقانون الأمري([3]) في كل الأماكن كانتشار الضياء والحرارة والهواء لأنهما لا يخلِّفان أثرًا في المسافات الطويلة التي يقطعانها في أواسط الأماكن التي يتجولان فيها، وفي مختلف المصنوعات التي يدخلان فيها ولا يُرَى أثرهما، ولو كان تجلي الإرادة والقانون الأمري يتصرف بالانتشار لَظَهَر أثره، بل يظل باقيًا بالذات دون تجزُّؤٍ وتبدد عند كل واحدة منها، ولا يتنافى ذلك مع أَحَدِيَّتِه وكونه فردًا لا يتجزأ، وحتى ليمكن القول إنه يوجد ذلك التجلي للإرادة وذلك القانون الأمري وتلك العقدة الحياتية عند كل واحدة منها في حين لا يوجد في أي مكان، وكأن لذلك القانون الأمري عيونًا وآذانًا بعدد الثمار والنوى في هذه الشجرة الضخمة الباسقة، بل إن كل جزء من أجزاء الشجرة بمنزلة مركز لمشاعر ذلك القانون الأمري بحيث لا تكون الوسائط الطويلة ستائر، ولا تشكل مانعًا، بل تكون وسائل تسهيل وتقريب كأسلاك الهاتف، ويكون الأبعدُ كالأقربِ.
وبما أن تجليًا جزئيًّا لصفة من صفات الأحد الصمد كالإرادة يصبح مظهرًا ومدارًا لملايينَ من الأعمالِ والإجراءات في ملايين من الأماكن دون وساطة بالمشاهدة؛ فلا شك
[1] شجرة الدُّلْب: شجرة عظيمة الورق لا زهر لها ولا ثمر.
[2] الباسقة : العالية المرتفعة.
[3] شجرة الدُّلْب: شجرة عظيمة الورق لا زهر لها ولا ثمر.
402. صفحة
أنه يلزم اليقين بدرجة الشهود أن الحق ذا الجلال يتصرف في شجرة الكون مع كل أجزائها وذراتها بتجلي قدرته وإرادته.
ونقول كما أُثْبِتَ وَوُضِّحَ في “الكلمة السادسة عشرة”:
بما أن المخلوقاتِ العاجزةَ المسخَّرَةَ كالشمسِ، والمصنوعات شِبْه النورانية المقيدة بالمادة كالروحانيات، والعقدة الحياتية التي هي بمنزلة روح ونور معنوي لشجرة الدلب هذه، والقوانين الأمرية والتجليات الإرادية التي هي مركز التصرف فيها؛ يمكن أن يقوم كل واحد منها (أي: المخلوقات والمصنوعات والعقدة الحياتية والقوانين الأمرية والتجليات الإرادية المذكورة أعلاه) بأعمال كثيرة جدًا في أماكن كثيرة جدًا بسر النورانية مع أنه موجود بالمشاهدة في موضع واحد، ومع أنه جزئي مشخَّصٌ، ويتخذ حكمَ “كُلِّيٍّ” مع أنه جزئيٌّ مقيد بالمادة ويباشر أعمالاً كثيرة مختلفة باختيار جزئي في آن واحد بالمشاهدة، وأنت بدورك ترى ذلك، إذن لا يمكنك إنكاره.
فيا ترى أي شيء يستطيع أن يتخفى ويتستر من توجه أحدية الفرد القدوس الذي يظهر توجهه ضمن تجلي صفاته وأفعاله بالعلم المحيط، والقدرة المطلقة، والإرادة الكلية والذي صفاته محيطة وشئونه كلية؟!
وأي شيء يستطيع أن يتخفى ويتستر ممن هو مجردٌ ومعلّى عن المادة ومبرأ ومنزه عن تحديد القيد وظلمة الكثافة بل ما جميع الأنوار وجميع هذه النورانيات إلا ظلال كثيفة لأنوار أسمائه القدسية.
بل ما هذا الوجود والحياة كلها وعالم الأرواح وعالم البرزخ وعالم المثال إلا مرآة شبه شفافة لجماله؟!
وأي شيء يصعب عليه؟!
وأي مكان يتستر ويتخفى منه؟!
وأي فرد يمكن أن يبقى بعيدًا عنه؟!
وأي شخص يستطيع أن يقترب منه دون أن يكتسب كلية؟!
403. صفحة
وهل يستطيع أن يتخفى منه شيء أصلاً؟!
وهل يمكن أن يمنعه فعل من فعل؟!
وهل يخلو موضع من حضوره؟!
أفلا يكون له بصر معنوي ينظر إلى كل موجود من الموجودات، وسَمْعٌ معنوي يسمع كل موجود كما قال ابن عباس رضي الله عنه؟!
أوَلا تكون سلسلة الأشياء بمنزلة الأسلاك والعروق لجريان أوامره وقوانينه بسرعة؟!
أفلا تكون الموانع والعوائق وسائلَ ووسائطَ لتصرفاته؟!
أوَلا تكون الأسباب والوسائط ستائرَ ظاهرية بحتة؟!
وأفلا يكون في كل مكان مع أنه منزه عن المكان؟!
وهل يحتاج إلى التَّحَيُّزِ والتَّمَكُّنِ([1]) أصلاً؟!
وهل يمكن أن يكون البُعْد والصِّغَر وحُجُب طبقات الوجود موانع لِقُرْبِيَّتِهِ وتصرفه وشهوده؟!
وهل يمكن أن يلحقَ التَّغَيُّر والتَّبَدُّل والتَّحَيُّز والتَّجَزُّؤُ التي هي خواصُّ الماديات والممكنات والكثيفات والكثيرات والمقيدات والمحدودات، والتي هي من الأمور اللازمة الضرورية الخاصة بالمادة والإمكان والكثافة والكثرة والتقيد والمحدودية؛ بالذات الأقدس الذي هو مجرد عن المادة وواجب الوجود ونور الأنوار والواحد الأحد والمنزه عن القيود والمبرأ من الحدود والمقدس عن القصور والمعلّى عن النقص؟!
وهل العجز يليق به؟!
وهل يستطيع القصور أن يقترب من إزار عِزَّتِهِ ورِدَاءِ كبريائه؟!
[1] التمكن: من المكان أي أن يحتويه مكان.
404. صفحة
خاتمة المقصد الثاني
بينما كنت مستغرقًا في التفكر في الأحدية نظرت إلى ثمرات شجرة الدلب القريبة من غرفتي، فخطر على القلب سلسلة تفكر، فكتبتُها كما وردت وسأذكر إيضاحًا مختصرًا لها، وهي كالتالي:
نعم؛
فالأثمارُ والبذورُ:
معجزاتُ الحكمة.
خوارقُ الصنعة.
هدايا الرحمة.
براهينُ الوحدة.
بشائر لطفِه في دار الآخرة.
شواهدُ صادقة بأن خلاّقها على كل شيء قدير
وبكل شيء عليم.
كل الأثمار والبذور
مرايا الوحدة في أطراف الكثرة،
إشاراتُ القَدَر،
رموزاتُ القُدْرَة
الدالة على أنّ تلك الكثرة من منبع الوحدة،
تصدُرُ شاهدةً لوحدِة الفاطر في الصنع والتصوير.
ثم إلى الوحدة تنتهي ذاكرةً لِحكمة القادر في الخلق والتدبير.
وكذا هن تلويحات الحكمة بأن صانع الكل
بكُلِّية النَظَر إلى الجزئي ينظُرُ ثم إلى جزئه،
405. صفحة
إذ إن كان ثمرًا فهو المقصود الأظهرُ مِن خلق هذا الشجر.
فالبشر ثمرٌ لهذه الكائنات، فهو المطلوب الأظهر لخالق الموجودات.
والقلبُ كالنواة، فهو المرآة الأنور لصانع الكائنات.
من هذه الحكمة صار الإنسان الأصغرُ في هذه المخلوقات هو المدار الأظهر للنشر والمحشر في هذه الموجودات، والتخريب والتبديل لهذه الكائنات.
ومبدأ هذه الفقرة هو:
فسبحان مَن جعل حديقةَ أرضِه مَشْهَر صَنعتِه، ومَحْشَرَ حكمتَه، ومَظْهَر قُدرته، ومَزْهَر رحمته، ومَزْرَع جنته، وممرَّ المخلوقات، ومَسيلَ الموجودات، ومَكيلَ المصنوعات. فمُزَيَّنُ الحيواناتِ، ومُنَقّشُ الطيورات، ومثمَّرُ الشجرات، ومزهَّرُ النباتات؛ معجزاتُ عِلمه، وخوارقُ صنعته، وهدايا جُودِه، وبشائر لطفه. تبسُّمُ الأزهارِ من زينةِ الأثمار، وتسجُّعُ الأطيارِ في نَسمةِ الأسحار، وتهزُّجُ الأمطارِ على خدودِ الأزهار، وترحُّمُ الوالدات على الأطفالِ الصغارِ؛ تعرُّفُ ودودٍ، وتودّد رحمن، وترحُّم حنّان، وتحنن منّان، للجن والإنسان، والروح والحيوان والملك والجان.
والتوضيح المختصر لهذا التفكر هو:
كما أن جميع الأثمار وما فيها من بذيرات هي معجزات الحكمة الربانية، وخوارق الصنعة الإلهية، وهدايا الرحمة الإلهية، وبراهين مادية للوحدة الإلهية، وبشائر الألطاف الإلهية في الدار الآخرة، وشواهد صادقة على إحاطة قدرته وشمول علمه فكُلُّها مرايا الوحدة في أقطار عالم الكثرة الذي انتشرت نُسَخه كهذه الشجرة نوعا ما، وتصرِف الأنظارَ عن الكثرة إلى الوحدة.
فكل منها يقول بلسان الحال: لا تتشتت و لا تغرق في هذه الشجرة الضخمة الممتدة الفروع والأغصان، فكل هذه الشجرة فينا، وكثرتُها موجودة ضمن وحدتنا، حتى إن كل بذرة من البذور التي هي بمنزلة قلب الثمرة، كما أنها مرآة مادية للوحدة، كذلك فهي تقرأ وتَذكر ذكرًا خفيًّا قلبيًّا كلَّ الأسماء الحسنى التي تقرأها الشجرة الضخمة وتذكرها ذكرًا جهريًّا.
406. صفحة
ثم تلك الأثمار والبذور كما أنها مرايا للوحدانية، فهي إشارات مشهودة للقدر، ورموزات مجسمة للقدرة، بحيث إن القدر يشير بها، وتقول القدرة بتلك الكلمات رمزًا: كما أن أغصان وفروع هذه الشجرة الكثيرة قد نمت من بذرة واحدة، وتدل على وحدانية صانع هذه الشجرة في الإيجاد والتصوير، ثم تجمع الشجرة حقيقتها كلها في ثمرةٍ واحدة بعد أن كبرت وانتشرت وأرسلت أغصانها وفروعها أَدرَجت معانيها كلَّها فى بذرة واحدة، وبذلك تدل على حكمة خالقها الجليل في الخلق والتدبير، فكذلك شجرة الكون هذه؛ فهي تأخذ الوجود من منبع الوحدة وتتربى به.
ثم كما أن الإنسان الذي هو ثمرة ذلك الكون يدل على الوحدة في كثرة هذه الموجودات فكذلك يرى قلبُه بعين الإيمان سرَّ الوحدة في الكثرة.
وكذا فإن تلك الثمار والبذور تلويحات الحكمة الربانية، فالحكمة تنطق بها، وتقول لأهل الشعور:
كما أن النظر الكلي والتدبير الكلي المتوجه إلى هذه الشجرة ينظر ويتوجه إلى ثمرة واحدة بكليته وشموله؛ لأن تلك الثمرة مثال مصغر لتلك الشجرة وهي المقصود منها.
ثم إن ذلك النظر الكليَّ والتدبير العمومي ينظر ويتوجه إلى كل بذرة في داخل الثمرة أيضًا؛ لأن البذرة فهرس لتلك الشجرة وتَحْمِل كلَّ معانيها، بمعنى أن الذي يدبّر أمور الشجرة متوجه بجميع أسمائه المتعلقة بذلك التدبير إلى كل ثمرة من ثمرات الشجرة التي هي المقصودة من وجودها، والتي هي غاية إيجادها.
ثم إنه قد تُقلَّم وتُقطع هذه الشجرة الضخمة أحيانًا لأجل تلك الثمرات الصغيرة، وتُخرَّب بعض جوانبها للتجديد، وتُلقَّح لتثمر ثمراتٍ باقية أجمل وألطف من ذي قبل، كذلك البشر الذي هو ثمرة شجرة الكون إنما هو المقصود من إيجاده ووجوده، وهو الغاية من إيجاد الموجودات، وقلب الإنسان الذي هو بذرة تلك الثمرة أجمعُ مرآة لصانع الكون وأنورها.
407. صفحة
فبناء على هذه الحكمة قد أصبح هذا الإنسان الصغير مدارًا لانقلابات عظيمة كالنشر والحشر ويتسبب في تخريب الكون وتبديله، ولمحاكمة هذا الإنسان يُغلق باب الدنيا ويُفتح باب الآخرة.
وإذ وصل الحديث إلى موضوع الحشر تكون قد جاءت المناسبة لبيان نكتة حقيقةٍ تشير إلى قوة تعابير القرآن المعجز البيان وبيان جزالته حول إثبات الحشر، وهي:
إن نتيجة هذا التفكر تبيّن أنه إذا اقتضى الأمر أن يُدمَّر الكون كله لأجل محاكمة الإنسان وفوزه بالسعادة الأبدية، فالقوة القادرة على التدمير والتبديل موجودة فعلاً وهي ظاهرة ومشهودة، إلاّ أن للحشر مراتب:
فقسم منه يلزم معرفته، والإيمان به فرض، والقسم الآخر يُفهَم حسب درجات التَّرَقِّيات الروحية والفكرية، ويلزم العلم والمعرفة به. فالقرآن الحكيم يظهر قدرة قادرة على فتح أوسع دائرة من دوائر الحشر وأعظمها، لأجل إثبات أبسط وأسهل مرتبة من مراتب الحشر، إثباتًا قاطعًا قويًّا.
فمرتبة الحشر - الذي يلزم الجميعَ الإيمان به - هي: أن أرواح الناس تذهب إلى مقامات أخرى بعد موتهم، وتَبْلَى أجسادُهم إلاّ جزء صغير وهو الذي سيكون بِمَنْزِلة نواة وبذرة من جسده، والذي يُطلق عليه “عَجْبُ الذَّنَبِ”([1]) فسيخلق الحق تعالى من هذا الجزء الصغير جسدَ الإنسان يوم الحشر، ويبعث إليه روحَه. فهذه المرتبة من الحشر سهلةٌ جِدًّا بحيث يُشاهَد في كل ربيع الملايينُ من أمثلتها.
ولأجل إثبات هذه المرتبة تشير الآيات القرآنية أحيانًا إلى دائرة تَظهَر فيها تصرفات قدرة قادرة على حشر جميع الذرات ونشرها.
وأحيانًا تبين آثار قدرة وحكمة تُفني جميع المخلوقات ثم تعيدها مرة أخرى من جديد.
وأحيانًا أخرى تبين آثار وتصرفات حكمة وقدرة قادرة على نثر النجوم وشق السماوات وفَطْرها.
[1] عجب الذنب: هو العظم الذي أسفل الصلب عند عجز الإنسان.
408. صفحة
وتشير أحيانًا إلى تجليات وتصرفات قدرة وحكمة قادرة على إماتة جميع ذوي الحياة وبعثها مرة أخرى دفعة واحدة بصيحة واحدة.
وتشير أحيانًا إلى تجليات قدرةٍ وحكمةٍ قادرة على حشر ونشر ذوي الحياة على وجه الأرض كافة؛ كلّ على حدة.
وأحيانًا تشير إلى آثار قدرة وحكمة قادرة على بعثرة وتسوية الأرض كليًّا ونسف الجبال، وتبديل صورة أحسن منها بها.
بمعنى أنه يَقْدِر بتلك القدرة والحكمة على أن يقوم بكثير من مراتب الحشر غير الحشر الذي فَرْضٌ على الجميع الإيمان به ومعرفته.
فإذا اقتضت الحكمة الربانية ذلك فلا شك أنها ستقوم بإيجاد جميع المراتب الأخرى للحشر والنشر مع حشر الإنسان ونشره، أو سيقيم بعضًا مهمًّا منها.
سؤال:
تقولون:
إنك تستعمل في كلماتك وفي رسائلك القياسَ التمثيليَّ كثيرًا بينما القياس التمثيلي لا يفيد اليقين حسب علم المنطق؛ إذ يلزم البرهان المنطقي في المسائل اليقينية، أما القياس التمثيلي فيُستعمل في المطالب التي يكفي فيها الظن الغالب، حسب ما قرَّره علماء أصول الفقه.
ثم إنك تذكر التمثيلات في أسلوب الحكاية أحيانا، والحكايةُ تكون خيالية، ولا تكون حقيقية، وقد تكون مخالفة للواقع.
الجواب:
لقد ورد في علم المنطق أن القياس التمثيلي لا يفيد اليقين القطعي، إلاّ أن للقياس التمثيلي نوعًا هو أقوى من البرهان اليقيني للمنطق وهو أكثر يقينًا من الضرب الأول للشكل الأول للمنطق.
409. صفحة
وذلك القسم يُظهِر جزءًا وطرفًا من حقيقة كلية بواسطة تمثيل جزئي، ويبني الحكم على تلك الحقيقة، ويبين قانون تلك الحقيقة في مادة خاصة حتى تُعرف تلك الحقيقة العظمى، وتُرجع إليها المواد الجزئية.
فمثلاً: “الشمس توجد عند كل شيء لـمّاع بسبب النورانية، مع أنها ذاتٌ واحدة” هذا تمثيل، بهذا التمثيل يشار إلى قانون حقيقة مفاده: لا يمكن أن يكون هنالك قيد للنور والنوراني فيتساوى البعيدُ والقريبُ والقليل والكثير، ولا يحدّه مكان.
ومثلاً: “إن تشكيل وتصوير ثمار الشجرة وأوراقها في آن واحد، بطراز واحد، بسهولة وعلى أكمل وجه، من مركز واحد، بقانون أمري” هو مثال واحد يظهر طرفًا من حقيقة عظيمة، ومن قانون كلي، وتُثبت تلك الحقيقةُ وقانونُ تلك الحقيقةِ - إثباتًا قاطعًا - أن هذا الكون العظيم الهائل كذلك مظهرُ وميدانُ تجوالٍ لقانون الحقيقة هذا، وسرِّ الأحدية ذاك، كهذه الشجرة.
فالقياسات التمثيلية في “الكلمات” - أي في رسائل النور- كلُّها من هذا النوع؛ بحيث إنها أقوى من البرهان القاطع للمنطق وأكثر يقينًا منه.
والجواب عن السؤال الثاني:
من المعلوم في فن البلاغة أنه إذا كان المعنى الحقيقي لِلَفظٍ أو لِكلامٍ أداةَ ملاحظةٍ بحتة لمعنى مقصود آخر، فإنه يُطلق عليه “اللفظ الكنائي”. والمعنى الأصلي لكلام كنائي لا يكون مدار صدق وكذب، وإنما معناه الكنائي هو الذي يكون مدار الصدق والكذب، وإن كان المعنى الكنائي صدقًا فالكلام صِدْقٌ، وحتى لو كان المعنى الأصلي كذبًا فلا يُخِل بصدقه، ولكن إن لم يكن المعنى الكنائي صدقًا وكان المعنى الأصلى صدقًا فالكلام كذب.
يقال مثلاً في أمثلة الكناية: “فلان طويل النجاد” أي: طويلٌ حزامُ سيفه، فهذا الكلام كناية عن طول قامة ذلك الشخص، فإن كان ذلك الشخص طويلاً فالكلام صدق وصواب حتى إن لم يكن له سيف ولا نجاد، ولكن إن لم يكن الرجل طويل القامة فالكلام كذب ولو كان له سيف طويل ونجاد طويل وحزام طويل، لأن المقصود ليس معناه الأصلي.
410. صفحة
فالحكايات الواردة في الكلمات كلها - أي في رسائل النور - كما في “الكلمة العاشرة” و“الكلمة الثانية والعشرين”، هي من قبيل الكنايات بحيث إن الحقائق الواردة في ختام الحكايات هي المعاني الكنائية لتلك الحكايات، والحكايات بحد ذاتها هي في منتهى الصدق والصواب والمطابقة مع الواقع، وما معانيها الأصلية إلا منظار تمثيلي.
ومهما كانت صورُ وأشكالُ المعانِي الأصليةِ لهذه الحكايات، فإنها لا تَضُرُّ ولا تُخِلُّ بصدقِ المعاني الكنائية لتلك الحكايات وصوابها.
ثم إن تلك الحكايات إنما هي تمثيلات، إلا أنه أُظهر فيها لسانُ الحال على صورة لسان المقال، وأُبرِز فيها الشخصُ المعنوي في صورة شخص مادي وذلك لأجل إفهام الجميع.
411. صفحة
المقصد الثالث
إن ممثل جميع أنواع أهل الضلالة يسأل سؤالاً ثالثًا بعدما تلقى الجواب القاطع المقنع الملزِم عن سؤاله الثاني([1]) فيقول:
إن ما في القرآن من كلمات: ﴿أَحْسَنُ الْخَٰلِقِينَ﴾ (سورة المؤمنون: ٢٣/١٤) و ﴿أَرْحَمُ الرَّٰحِمِينَ﴾ (سورة الأعراف: ٧/١٥١) وأمثالهما تُشعر بوجود خالقينَ وراحمينَ آخرين.
ثم إنكم تقولون: إن لخالق العالم كمالاً مطلقًا لا منتهى له، فهو جامع لأقصى نهاية مراتب أنواع الكمالات كلها، ولكن كمالات الأشياء تُعرَف بأضدادها، فلولا الألَمُ لما كانت اللذةُ كمالاً، ولولا الظلامُ لما تحقق الضياءُ، ولولا الفِراقُ لما أَوْرَثَ الوصالُ لذةً، وهكذا.
الجواب:
نجيب عن الشق الأول من السؤال بخمس إشارات:
الإشارة الأولى:
إن إثبات القرآن الكريم وبيانه من أوله إلى آخره التوحيدَ بحد ذاته دليل قاطع على أن تلك الأنواع من الكلمات في القرآن الحكيم ليست كما تفهمونها، بل قوله: ﴿أَحْسَنُ الْخَٰلِقِينَ﴾ (سورة المؤمنون: ٢٣/١٤) يعني أنه في أحسن مراتب الخالقية، فليس له أية دلالة أصلا على وجود خالق آخر، بل إن الخالقية لها مراتب كثيرة كسائر الصفات، فقوله: ﴿أَحْسَنُ الْخَٰلِقِينَ﴾ (سورة المؤمنون ٢٣/١٤) يعني أن الخالق ذا الجلال في أحسن مراتب الخالقية وأقصى منتهاها.
[1] أي؛ السؤال الوارد في بداية المقصد الثاني، وليس هذا السؤال الصغير الذي هو في نهاية الخاتمة.
)
412. صفحة
الإشارة الثانية:
إن ﴿أَحْسَنُ الْخَٰلِقِينَ﴾ (سورة المؤمنون: ٢٣/١٤) وأمثالها من التعابير لا تشير إلى تعدد الخالقين بل تشير إلى أنواع المخلوقية؛ أي إنه خالق يخلق كل شيء في أحسن صورة، وفي أكمل مرتبة؛ إذ قد بَيَّنَت: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (سورة السجدة: ٣٢/٧) وأمثالُها من الآيات هذا المعنى.
الإشارة الثالثة:
إن الموازنة الموجودة في التعابير: ﴿أَحْسَنُ الْخَٰلِقِينَ﴾ (سورة المؤمنون: المؤمنون ٢٣/١٤)، “اللهُ أَكْبَرُ”، ﴿خَيْرُ الْفَٰصِلِينَ﴾ (سورة الأنعام ٦/٥٧)، “خَيْرُ الْمُحْسِنِينَ” وأمثالها ليست موازنة وتفضيلاً بين صفات وأفعال واقعية للحق تعالى وبين المالكِينَ للنماذج الأخرى لتلك الصفات والأفعال؛ لأن جميع الكمالات الموجودة في الجن والإنس والملك وفي جميع الكون ظِلٌّ ضعيف بالنسبة لكماله تعالى، فكيف يمكن عقد موازنة بينهما؟ وإنما الموازنة هي بالنسبة لنظر الناس ولاسيما نظر أهل الغفلة منهم.
فمثلاً: كما أن جنديًّا يُبدِي كمال الطاعة والاحترام لعريفه في الجيش، ويرى أن كل الحسنات والخيرات تصدر عنه، ولا يفكر في السلطان إلاّ نادرًا، وحتى لو فكر فيه فإنه يقدم امتنانه وشكره أيضًا إلى عريفه، فيقال لمثل هذا الجندي: يا هذا، إن السلطان أكبر من عريفك، فقدّم شكرك إليه وحده.
فهذا الكلام ليس موازنة بين القيادة المهيبة الحقيقية للسلطان في الواقع وبين القيادة الجزئية الصورية للعريف؛ لأن هذه الموازنة وهذا التفضيل لا معنى لهما، وإنما هذه الموازنة حسب ما لدى الجندي من نظر الاهتمام والارتباط بعريفه بحيث يفضّله على غيره، فيقدم شكره إليه ويحبه وحده.
وعلى غرار هذا المثال؛ فالأسباب الظاهرية التي يُتوهَّم أنها خالق ومنعم، تكون حجابًا في نظر أهل الغفلة دون المنعم الحقيقي فيتشبثون([1]) بها ويرون أن النعمة والإحسان تأتي من تلك الأسباب فيقدمون ثناءهم ومدحهم إليها.
[1] يتشبثون: يتمسكون.
.
413. صفحة
أما القرآن الكريم فيقرر أن “الله أَكْبَر”، وهو ﴿أَحْسَنُ الْخَٰلِقِينَ﴾ (سورة المؤمنون: ٢٣/١٤) وهو “خَيْرُ الْمُحْسِنِينَ”، فتوجهوا إليه واشكروه.
الإشارة الرابعة:
كما أن الموازنة والمفاضلة تُعقد بين الأشياء الموجودة واقعيا، فكذلك تعقد بين الأشياء الممكنة وحتى الافتراضية منها. بما أنه توجد مراتب متعددة في أكثر الماهيات فكذلك يمكن أن توجد في ماهيات الأسماء الإلهية والصفات القدسية مراتب لا حد لها من حيث العقل بينما الحق تعالى في أكمل وأحسن جميع المراتب الممكنة المتصوَّرة لتلك الأسماء والصفات، والكون كله بكمالاته يشهد لهذه الحقيقة. وَوَصْفُ الآيةِ الكريمةِ: ﴿فَلَهُ الأَسْمَۤاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ (سورة الإسراء١٧/١١٠) جميعَ أسمائِهِ بالأحسنيةِ يفيدُ هذا المعنى.
الإشارة الخامسة:
هذه الموازنة والمفاضَلة ليست موازنة ومفاضَلة بين الحق تعالى وبين ما سواه، بل له جل وعلا نوعان من التجليات والصفات.
أولهما: تصرفاته بسر الواحدية وتحت ستار الوسائط والأسباب وفي صورة قانون عام.
ثانيهما: تصرفه بسر الأَحَدِيَّة وبتوجه خاص، تصرفًا مباشرًا. وهذا يعني أن إحسانه وإيجاده وكبرياءه الذي يَظهر ويتجلّى مباشرة بسر الأحدية هو أعظم وأحسن وأعلى من آثار إحسانه وإيجاده وكبريائه التي تتجلى بمظاهر الوسائط والأسباب.
فمثلاً: نفترض سلطانًا - ولكن سلطانًا وَلِيًّا - بيده الحكم والإجراءات كلها، وجميع موظفيه وقوّاده إنما هم حجب لا غير، فتصرفات ذلك السلطان وإجراءاته نوعان:
أوّلُهما: هو الإجراءات التي ينجزها والأوامر التي يُصدرها بقانون عام بوساطة الموظفين والقواد الظاهرين وحسب قابلية المقام.
ثانيهما: يمكن القول إن إحساناته الخاصة وإجراءاته المباشرة - التي تتم بدون استخدام قانون عام ودون استعمال الموظفين الظاهرين فيها حجبًا - هي الأحسن والأرفع.
414. صفحة
كذلك فإن خالق الكون الذي هو سلطان الأزل والأبد في الحقيقة قد جعل الوسائط والأسباب حجبًا وستائر دون إجراءاته، وأظهر عظمة ربوبيته، إلا أنه وضع هاتفًا خاصًّا في قلوب عباده؛ بحيث كلفهم بعبودية خاصة وأمرهم بأن يقُولُوا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (سورة الفاتحة: ١/٥) للتوجه إليه مباشرة تاركين الأسباب وراءهم، وبهذا يصرف وجوههم عن الكون إليه، فمعاني ﴿أَحْسَنُ الْخَٰلِقِينَ﴾ (سورة المؤمنون: ٢٣/١٤) و ﴿أَرْحَمُ الرَّٰحِمِينَ﴾ (سورة الأعراف: ٧/١٥١) و“اللهُ أَكْبَرُ” تتضمن وتشير إلى هذا المعنى كذلك.
الجواب عن الشِّقّ الثاني لسؤالِ ممثّل أهل الضلالة في خمسة رموز:
الرمز الأول:
يقول في السؤال:
كيف يمكن أن يكون لشيء كمال إن لم يكن له ضد؟
الجواب: إن صاحب هذا السؤال يجهل الكمالَ الحقيقيَّ؛ إذ يظنه كمالاً نسبيًّا، بينما التفوق والمزايا والفضائل الحاصلة بالنسبة للآخرين والمتوجهة إلى الغير ليست حقيقية بل نسبية وضعيفة. وإذا سقط الغير من الاعتبار سَقَطَت هي كذلك.
مثلاً: فاللذة النسبية للحرارة ومزاياها هي بالتأثير المؤلم للبرودة، واللذةُ النسبية للطعام هي بتأثير ألم الجوع، فإذا زالت هذه قَلَّت تلك.
فاللذة والمحبة والكمال والفضيلة الحقيقية إنما هي التي لا تُبنى على تصور الغير، بل تكون كامنة في ذاتها وتكون حقيقة ثابتة وراسخة بالذات. فَلَذَّةُ الوجود ولذة الحياة ولذة المحبة ولذة المعرفة ولذة الإيمان ولذة البقاء ولذة الرحمة ولذة الشفقة، وحُسن النور وحسن البصيرة وحسن الكلام وحسن الكرم وحسن السيرة وحسن الصورة، وكمال الذات وكمال الصفات وكمال الأفعال وأمثالها من المزايا الذاتية لا تتبدل سواء كان الآخرون موجودين أو غير موجودين.
415. صفحة
فكمالات الصانع ذي الجلال والفاطر ذي الجمال والخالق ذي الكمال كلها كمالات حقيقية وذاتية، فلا يؤثر فيها الغير أو ما سواه تعالى، إلا أنه يمكنهم أن يكونوا مظاهر.
الرمز الثاني:
لقد قال السيد الشريف الجرجاني في “شرح المواقف”:
إن سبب المحبة إما اللذة أو المنفعة وإما الْمُشَاكَلَةُ بين بني الجنس أو الكمال، لأن الكمالَ محبوبٌ لذاته؛ أي إنك إذا أحببت شيئًا فإما تحبه لِلَّذّة أو للمنفعة وإما للمشاكلة الجنسية كالميل إلى الأولاد وإما لكونه كمالاً، فإن كان السبب كمالاً فلا يلزم وجود سبب آخر أو غرض آخر فإنه محبوب لذاته. فيحب الجميعُ أصحابَ الكمالات من القدماء السالفين، فهم يحبونهم معجبين بهم مع أنه ليست هنالك علاقة تربطهم بهم، فجميع كمالات الحق تعالى، وجميع فضائل ومزايا أسمائه الحسنى محبوبة لذاتها لأنها كمالات حقيقية.
والحق تعالى ذو الجلال هو محبوب بالحق وحبيب حقيقي يُحِبُّ كمالاتِهِ التي هي كلها حقيقية، ويحب جمالَ صفاته وأسمائه بمحبة تليق به، ويحب أيضًا صنعته ومصنوعاتِهِ ومحاسن مخلوقاته التي هي مظاهر كمالاته ومراياها، ويحب أنبياءه وأولياءه وخاصة حبيبه الأكرم الذي هو سيد المرسلين وسلطان الأولياء؛ أي لمحبته لجماله يحب حبيبَه الذي هو مرآة ذلك الجمال، ولمحبته لأسمائه يحب حبيبَه وإخوانَ حبيبه الذين هم مظهرٌ جامع وشاعر لتلك الأسماء، ولمحبته صنعتَه يحب حبيبَه وأمثاله؛ إذ هو الداعي إلى صنعته تلك والمعلن عنها، ولمحبته لمصنوعاته يحب حبيبَه وَمَنْ هم خَلْفَه إذ هم الذين يقدّرون قيمة المصنوعات ويستحسنونها بـ: ما شا ءالله! ما أجمل صنعَتَها! ولمحبته لمحاسن مخلوقاته يحب حبيبه الأكرم الجامع لجميع مكارم الأخلاق، ومن تبعه وإخوانه.
الرمز الثالث:
إن جميع الكمالات الموجودة في جميع الكون هي آيات كمال لِذاتٍ ذي جلال وإشارات إلى جماله، بل الحسن والكمال والجمال الظاهر على جميع الكون ظل ضعيف بالنسبة لكماله الحقيقي.
416. صفحة
نشير إلى خمسة حجج لهذه الحقيقة إجمالاً:
الحجة الأولى:
إن قصرًا فخمًا رائعًا منقشًا مزينًا يدل بالبداهة على المهارة الفائقة للبناء والمعمار، فالفعل المتقَن الرائع وهو فن البناء والعمارة والنقش يدل بالضرورة على فاعل وبنَّاء ومهندس مع عناوينه وأسمائه كالنقَّاش والمصوِّر، وتلك الأسماء البديعة تدل - بلاشك - على صفة الصنعة البديعة لذلك البنَّاء، وكمال الصنعة والصفة يدل بالبداهة على كمال استعداد ذلك البنَّاء وقابليته، وكمال الاستعداد والقابلية ذلك يدل بالضرورة على كمال ذات ذلك البَنَّاء وعلو ماهيته.
كذلك فإن قصر هذا العالم، ذلك الأثر المزيّن البديع؛ يدل بالبداهة على أفعالٍ في غاية الكمال؛ لأن الكمالات الظاهرة على الأثر ناشئة عن كمال تلك الأفعال وتدل عليها، وكمال الأفعال يدل بالضرورة على فاعل بديع وعلى كمال أسمائه؛ أي يدل - بالنسبة للآثار - على كمال الأسماء كـ “المدبر” و“المصور” و“الحكيم” و“الرحيم” و“المزيّن”.
وأما كمال الأسماء والعناوين فإنه يدل - بلا شك ولا شبهة - على كمال أوصاف ذلك الفاعل؛ إذ إن لم تكن الصفات بديعةً كاملة فالأسماء والعناوين الناشئة عنها كذلك لا تكون بديعة كاملة.
وكمال تلك الأوصاف يدل بالبداهة على كمال الشئون الذاتية، لأن مبادئ الصفات هي تلك الشئون الذاتية.
أما كمال الشئون الذاتية فإنه يدل بعلم اليقين على كمال يليق بالذات ذي الشئون جل وعلا حيث إن ضياء ذلك الكمال قد أَظْهَرَ إلى هذا الحد من الحسن والجمال والكمال في هذا الكون على الرغم من مروره من حجب الشئون والصفات والأسماء والأفعال والآثار.
فهل تبقى قيمةٌ وأهميةٌ لكمالات نسبية تتوجه إلى الغير وتَظهَر بالتفوق على الأقران والأضداد بعدما ثَبَتَ ببراهين قاطعة وجود الكمالات الذاتية الحقيقية ثبوتًا قاطعًا إلى حد تدرك معه كم تكون خافتة باهتة؟!
417. صفحة
الحجة الثانية:
إذا نُظِر إلى هذا الكون بنظر العبرة؛ يشعر الوجدان والقلب - بحدسٍ صادق - أن الذي جمّل هذا الكون وزيّنه بأنواع المحاسن إلى هذا الحد له جمال وكمالات لا منتهى لهما، ولهذا يَظهر الجمال والكمال في فعله.
الحجة الثالثة:
من المعلوم أن الصنائع الموزونة المنسَّقة والبديعة الجميلة تستند إلى برنامج في غاية الحسن والإتقان، والبرنامج المتقن البديع يدل على علم غزير وعلى ذهن متفتح وعلى قابلية روحية كاملة. إذن فجمال الروح المعنوي يتجلى ويظهر في صنعته بوساطة العلم، فهذا الكون مع ما فيه من محاسن مادية لا حد لها هو ترشحات محاسن معنوية وعلمية، وتلك المحاسن والكمالات العلمية والمعنوية لاشك أنها تجليات حسن وجمال وكمال سرمدي مطلق.
الحجة الرابعة:
من المعلوم أن الذي يضيء يلزم أن يكون ذا ضياء، والذي ينور ينبغي أن يكون نورانيًّا، والإحسان ينبعث من الغنى، واللطف يظهر من اللطيف.
وبما أن الأمر هكذا فإضفاء الحسن والجمال على الكون إلى هذا الحد ومنح كمالات مختلفة للموجودات يدل على جمال سرمدي كدلالة الضوء على الشمس.
وبما أن الموجودات تلتمع بلمعات الكمالات على وجه الأرض ثم تمضي مثلها كمثل نهر كبير. وكما أن ذلك النهر يلتمع بتجليات الشمس؛ فكذلك سيل الموجودات هذا يلتمع مؤقتًا بلمعات الحسن والجمال والكمال ثم يمضي، حيث يُفهم من إظهار الآتين من خلفهم نفسَ اللمعاتِ ونفسَ التلمع أن تجليات فقاعات الماء الجاري وجمالها ليست من عندها بل هي تجليات جمال ضياء شمس منورة، كذلك فالمحاسن والكمالات التي تلتمع مؤقتًا على سيل الكون إنما هي لمعات جمال أسماء شمس سرمدية. [نعم؛ تفاني المرآةِ زوالُ الموجوداتِ مع التجلّي الدائم مع الفيـض الملازمِ مِن أظهر الظواهر أن الجمال الظاهر وأن الكمال الظاهر ليس مُلْكَ المظاهر، مِن
418. صفحة
أفصح تبيانٍ من أوضحِ برهانٍ، للجمال المجرَّدِ للإحسان المجَدَّدِ للواجب الوجودِ للباقي الودود.]
الحجة الخامسة:
من المعلوم أنه إذا أخبر أشخاص أَتَوْا من طرق مختلفة بوقوع حادثة معينة، فإن هذا يدل دلالة قطعية على وقوع الحادثة بالتواتر الذي يفيد اليقين.
فلقد اتفق جميع أهل الكشف والذوق والشهود والمشاهدة المختلفين إلى حد كبير من حيث المشرب والمسلك والاستعداد والعصر - من الطبقات المختلفة للمحققين، والطرق المختلفة للأولياء، والمسالك المختلفة للأصفياء، والمذاهب المختلفة للحكماء المحققين - بالكشف والذوق والشهود على أن المحاسن والكمالات الظاهرة على الكون وعلى مرايا الموجودات هي تجليات كمال الذَّاتِ الواجب الوجود الواحد الأحد وتجليات جمال أسمائه، فإجماع هؤلاء جميعًا حجة قاطعة لا تتزعزع.
وإنني إخال([1]) أن ممثل أهل الضلالة مضطر إلى الفرار، صامًّا أذنيه، لئلا يسمع حقائق هذا الرمز؛ فلا تتحملُ رءوس هؤلاء المظلمة - كالخُفَّاش - رؤيةَ هذه الأنوار؛ إذن نحن لا نقيم لهم وزنًا بعد هذا كثيرًا.
الرمز الرابع:
إن لذةَ شيءٍ وحسنه وجماله يرجع إلى مظاهره أكثر من رجوعه إلى أضداده وأمثاله، فمثلاً: الكرم صفة حسنة لطيفة، فالكريم يتلذذ بتلذذ وفرح مَن يُكرمهم تلذذًا أطيب بألف مرة من لذة نسبية يحصل عليها بتفوقه على المُكْرِمين الآخرين، وكذا الشفيق والرحيم يتلذذ لذة حقيقية بقدر راحة من يرحمهم ويشفق عليهم من المخلوقات.
فمثلاً: اللذة التي تحصل عليها الوالدة - بواسطة الشفقة - من راحة أولادها ومن سعادتهم قوية شديدة بحيث تجعلها تضحي بروحها لأجل راحتهم، حتى إن اللذة الناشئة عن تلك الشفقة تدفع الدجاجة إلى الهجوم على الأسد حمايةً لأفراخها.
[1] إخال: أظن وأحسب.
419. صفحة
فبما أن اللذة والحسن والكمال والسعادة الحقيقية التي في الأوصاف العالية لا تعود ولا تنظر إلى الأقران والأضداد، بل تتوجه وتنظر إلى مظاهرها ومتعلقاتها؛ فلا شك أن الجمال الكامن في رحمة الذات ذي الجمالِ والكمالِ الذي هو الحيُّ القيّومُ، والحنّانُ المنّانُ، والرحمنُ الرحيمُ ينظر ويتوجه إلى المرحومين.
ولِذَات الرحمن الرحيم معانٍ علويةٌ قدسية جميلة مُنَزَّهة - والتي يعبَّر عنها بشئون تليق به - كالمحبة والودّ بطرز لائق به، وله شئون منزهة ومقدَّسة للغاية يعبَّر عنها باللذة المقدسة والعشق المقدس والفرح المنزّه والسرور القدسي - والتي لا نستطيع أن نعبر عنها لعدم وجود إذن شرعي - تحصل حسب سعادة وتنعم وفرح من حَظِي برحمته ولاسيما مَن نالوا أنواع رحمته وشفقته غير المحدودة في الجنة الخالدة الباقية. حيث إننا أثبتنا في مواضع كثيرة أن كلاً منها أسمى وأعلى وأقدس وأنزه بما لا يتناهى من الدرجات مما نشاهد في الكون وما نشعر به بين الموجودات من العشق والفرح والسرور.
وإن شئت أن تنظر إلى لمعة من لمعات تلك المعاني فانظر بمنظار هذه التمثيلات الآتية:
فمثلاً: هنالك شخص سخي كريم شفوق يُعِدّ مأدبةً عامرة فاخرة للفقراء والمساكين والمحتاجين جدًّا، فيبسطها على إحدى سفنه الجميلة الجوالة، ويشاهدهم من أعلى السفينة. وتشعر بدورك كم يجعل هذا الشخصَ الكريمَ مسرورًا وفَرِحًا وكم يسعده تَنَعُّمُ هؤلاء الفقراء بامتنان، وتلذذ هؤلاء الجياع شاكرين، ورِضَى هؤلاء المحتاجين بالثناء عليه؟
فإذا كان يشعر الإنسان بالسرور إلى هذا الحد وهو ليس مالكًا حقيقيًّا لمائدة صغيرة بل هو موظف توزيع، فكيف بالذي يُسيِّر الجن والإنس والحيوانات ويسيح بهم في بحر فضاء العالم ويُركبهم على متن الأرض الضخمة التي هي سفينة ربانية، ويبسط على وجه الأرض مائدة جامعة لما لا حد له من أنواع المطعومات ودَعا جميع ذوي الحياة إلى تلك الضيافة وكأنه يدعوهم إلى تناول فطور بسيط؟!
420. صفحة
ويمكنك أن تقيس ما نعجز عن وصفه من المعاني المقدسة لمحبة الرحمن الرحيم ونتائج رحمته التي تجعل كل جنة من الجنان مائدة نعمة في دار البقاء الكاملة البديعة السرمدية الأبدية، والجامعة لكل أنواع اللذائذ، ويبسط ضيافة جامعة للذائذ ولطائف لا حد لها في عالم الأبد والخلود لعباده غير المحدودين المحتاجين أشد الاحتياج والمشتاقين في غاية الاشتياق ليأكلوا أكلاً حقيقيًّا.
ومثلاً: لو كان هنالك صَنَّاع ماهر يحب إظهار صنعته، واخترع فونوغرافًا([1]) بديعًا متقنًا ينطق من دون حاجة إلى إسطوانة ثم وضعه للتجربة وعرضه أمام الآخرين، فإذا عَمِل الجهاز على أفضل وجه كما كان يفكر ويرغب فيه ذلك الصنّاع، فكم يفتخر به، وكم يكون مسرورًا، وكم يتلذذ حتى إنه يردد في نفسه: بارك الله.
فإذا كان إنسان صغير عاجز عن الإيجاد فرح إلى هذا الحد بتشغيل فونوغراف على أفضل وجه وبصنعته الصورية البحتة، فكيف بالصانع ذي الجلال الذي أوجد هذا الكون الهائل على صورة موسيقى وحاك عظيم وجعل الأرض وجميع ذوي الحياة فيها ورأس الإنسان خاصة على صورة حاكٍ رباني وموسيقى إلهية بحيث تقف حكمة البشر وعلومه أمام تلك الصنعة في ذهول وحيرة.
فإن إظهارَ جميعِ تلك المصنوعات جميعَ النتائج المطلوبة منها في منتهى الجمال والكمال، وإطاعتَها الأوامرَ التكوينيةَ التي يعبَّر عنها بـ “العبادات المخصوصة” و“التسبيحات الخصوصية” و“التحيات المعينة”، والمعاني المقدسة والشئون المنزهة -التي لا نستطيع أن نصفها بأنها افتخار وامتنان وفرح- الحاصلة من حصول تلك المقاصد الربانية المطلوبة منها عالية ومقدسة بدرجة لو اتحدت جميع عقول البشر وصارت عقلاً واحدًا لعجزت عن بلوغ كُنْهِهَا والإحاطةِ بها.
ومثلاً: كما أن حاكمًا عادلاً يحب إحقاق الحق ويجد لذة ومتعة فيه، ويتلذذ ويفرح بإعطاء المظلومين حقَّهم، ومِن تلقي شكرهم وامتنانهم ومن انتقامه لهم بعقابه الظالمين،
[1] الفونوغراف: جهاز آلي يخرج الأصوات المسجلة على اسطوانات خاصة بإبرة وسماعة، ويدعى الحاكي.
421. صفحة
فإذن يمكنك أن تقيس على هذه الأمور المعانيَ المقدسةَ النابعة من إحقاق الحكيم المطلق والعادل الحقِّ والقهار ذي الجلال الحقَّ - أي مِن منح حق الوجود وحق الحياة لكل شيء - ليس فى الجن والإنس فقط بل في جميع الموجودات، ومِن حفظ حياة المخلوقات ووجودها من المتجاوزين، ومن إيقاف مخلوقات مذهلة مروعة عن تجاوزاتها، ومن التجلي الأكبر للعدل والحكمة على جميع ذوي الحياة في المحشر ودار الآخرة فضلاً عن محاكمة الجن والإنس فيه.
وهكذا على غرار هذه الأمثلة الثلاثة؛ إن في كل اسم من ألف اسم واسم من الأسماء الإلهية الحسنى مراتب كثيرة للمحبة والافتخار والعزة والكبرياء كما أن فيها طبقات كثيرة للحُسن والجمال والفضل والكمال.
ولذا فإن الأولياء المحققين الذين حظوا باسم الودود قالوا: إن خميرة جميع الكون هي المحبة، وإن حركات جميع الموجودات تتحقق بالمحبة، وإن قوانين الانجذاب والجذب والجاذبية في جميع الموجودات إنما هي من المحبة.
وقد قال أحد هؤلاء:
فلك مست، ملك مست، نجوم مست، سموات مست، شمس مست، قمر مست، زمين مست، عناصر مست، نباتات مست، شجر مست، بشر مست، سرا سر ذي حيات مست، همه ذرات موجودات برابر مست در مستست.
أي: إن الأفلاك نشوى من محبة الله.
والملائكة نشوى من محبة الله.
والنجوم نشوى من محبة الله.
والسماوات نشوى من محبة الله.
والشمس نشوى من محبة الله.
والقمر نشوان من محبة الله.
والأرض نشوى من محبة الله.
422. صفحة
والعناصر نشوى من محبة الله.
والنباتات نشوى من محبة الله.
والأشجار نشوى من محبة الله.
والإنسان نشوان من محبة الله.
والأحياء من أوّلها إلى آخِرها نشوى من محبة الله.
وذرات جميع المخلوقات نشوى من محبة الله معًا ومتداخلة.
أي: إن الكل نشوان - حسب استعداده - في تجلي المحبة الإلهية ومن ارتشاف([1]) شراب المحبة. ومن المعلوم أن كل قلب يحب مَن يحسن إليه، ويحب الكمال الحقيقي، ويُفتَتن ويولع بالجمال السامي، ويحب حبًّا جمًّا من يحسن إليه وإلى من يحبهم ويشفق عليهم.
ألا يُفْهَمُ من هذا مدى أحقية الجميل ذي الجلال والمحبوب ذي الكمال الذي في كل اسم من أسمائه آلاف من كنوز الإحسان والذي يُسعِد بإحساناته كلَّ من نحبهم، والذي هو مسمى لألف اسم واسم تلك الأسماء التي هي منبع ألوف الكمالات ومدار ألوف طبقات الجمال؛ نقول ألا تفهم مدى أَحَقِّيَّته بالعشق والمحبة وأن تكون الأكوان نشوى وسكرى بمحبته؟
ولأجل هذا السر فإن قسما من الأولياء الذين نالوا شرف الحظوة باسم “الودود” قالوا: إننا لا نطمع في الجنة، بل لمعة من محبة الله تكفينا إلى الأبد. ومن ذلك السر أيضًا، إن دقيقة واحدة من رؤية جمال الله في الجنة تفوق كل لذائذ الجنة، كما ورد في الحديث الشريف.
فكمالات المحبة غير المتناهية هذه تحصل بأسماء الحق تعالى ذي الجلال وبمخلوقاته في دائرة الواحدية والأَحَدِيَّة. إذن إن ما يُتوهم من كمالات خارج تلك الدائرة ليس بكمالات.
[1] الارتشاف: مَصّ السائل بالشفتين.
ال
423. صفحة
الرمز الخامس:
وهو خمس نقاط:
النقطة الاولى:
يقول ممثل أهل الضلالة:
لقد لُعِنَت الدنيا في أحاديثكم وذُكرت بأنها جيفة([1])، ثم إن جميع أهل الولاية وأهل الحقيقة يُحَقِّرون الدنيا ويقولون: إنها قبيحة قذرة، بينما تذكرها أنت مدارًا للكمالات الإلهية كلها وحجة لها، وتتحدث عنها حديثا ملؤه العشق والحب.
الجواب:
إن للدنيا ثلاثة وجوه:
وجهها الأول:
ينظر إلى أسماء الله الحسنى ويُظهر نقوش تلك الأسماء، وتؤدي وظيفة المرآة بالمعنى الحرفي، فهذا الوجه للدنيا مكتوبات صمدانية غير محدودة، وهذا الوجه للدنيا جميل جدًّا يستحق العشق لا النفور.
ووجهها الثاني: ينظر إلى الآخرة، فهي مزرعة الآخرة، مزرعة الجنة، مزهرة الرحمة، ووجهها الثاني هذا جميل كذلك كالوجه الأول يستحق المحبة لا التحقير.
ووجهها الثالث: وجه ينظر إلى أهواء الإنسان وهو ستار الغفلة وملعب أهواء أهل الدنيا، وهذا الوجه قبيح لأنه فانٍ، وزائلٌ، ومؤلم، وخادع.
فالتحقير الوارد في الحديث الشريف والنفور الذي لدى أهل الحقيقة هو من هذا الوجه.
أما ذكر القرآن الحكيم الكون والموجودات مُولِيًا لها الاهتمامَ ومستحسنًا إياها فهو متوجه إلى الوجهين الأَوَّلَيْن، وإن الدنيا المرغوب فيها لدى الصحابة الكرام وسائر أولياء الله في الوجهين الأَوَّلَيْن.
[1] جيفة: جثة الميت إذا أنتنت.
424. صفحة
فالذين يحقرون الدنيا هم أربعة أصناف:
أولها: هم أهل المعرفة؛ يحقرونها لأنها تحجب عن معرفة الحق تعالى ومحبته وعبادته.
ثانيها: هم أهل الآخرة؛ فإنهم يستقبحون الدنيا، إما لأن الأمور الضرورية للدنيا تمنعهم من الأعمال الأخروية، وإما لأنهم يرون الدنيا قبيحة - بإيمان في درجة الشهود - بالنسبة لكمالات الجنة ومحاسنها.
نعم؛ فكما أنه إذا قورن رجل جميل بسيدنا يوسف عليه السلام فسيبدو قبيحًا فكذلك تبدو جميع محاسن الدنيا القيمة تافهة بالنسبة لمحاسن الجنة.
ثالثها: مَنْ يحقّر الدنيا لأنه لا يحصل عليها وهذا التحقير لا ينشأ عن النفور من الدنيا بل عن محبتها.
الرابع: يحقّر الدنيا من يحصل عليها لكنها لا تبقى عنده بل ترحل عنه، فهو بدوره يغضب ويسخط عليها، يحقرها حتى يجدَ سُلوانًا ([1]) وعزاء فيقول: إنها قذرة. فهذا التحقير أيضاً ناشئ عن محبة الدنيا، بينما التحقير المقبول هو الذي ينشأ عن حب الآخرة وعن حب معرفة الله؛ بمعنى أن التحقير المقبول هو القسمان الأولان.
نسأل الله أن يجعلنا منهم آمين بحرمة سيد المرسلين.
[1] السلوان: الصبر والعزاء.
ك
425. صفحة
الموقف الثالث
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَإِنْ مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
هذا الموقف الثالث عبارة عن نقطتين وهي مبحثان:
المبحث الأول
إن في كل شيء وجوهًا كثيرةً متوجهة إلى الحق تعالى كالنوافذ بسر: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ (سورة الإسراء: ١٧/٤٤) وتستند حقائق جميع الموجودات وحقيقة كل الكون إلى الأسماء الإلهية، فحقيقة كل شيء تستند إلى اسم من الأسماء الحسنى، أو إلى كثير من الأسماء، وكل صنعة في الأشياء تستند إلى اسم من الأسماء.
حتى إن علم الحكمة الحقيقي يستند إلى اسم الله “الحكيم”، وعلم الطب ذا الحقيقة يستند إلى اسم الله “الشافي”، وعلم الهندسة يستند إلى اسم الله “المقدّر”.
وهكذا؛ فكما أن كل علم من العلوم يستند إلى اسم من الأسماء الحسنى وينتهي إليه؛ فكذلك حقائق كل العلوم البشرية وكمالاتها وحقائق طبقات الكاملين للإنسانية تستند إلى الأسماء الإلهية، حتى قال قسم من الأولياء المحققين: إن الحقائق الحقيقية للأشياء إنما هي الأسماء الإلهية، أما ماهية الأشياء فهي ظلال تلك الحقائق، حتى إنه يمكن ظهور تجلي نقوش ما يقرب من عشرين اسم من الأسماء على كل ذي حياة ظاهرًا عيانًا.
سنحاول تقريب هذه الحقيقة الدقيقة العظيمة الواسعة إلى الفهم بتمثيل، وسنحللها بغربلتها بغربالين أو ثلاثة، فمهما أطلنا في بيانها فسيكون قصيرًا، فينبغي عدم الملل، وهو كالآتي:
426. صفحة
إذا أراد رسّامٌ نَحَّاتٌ ماهر بارع رسْمَ صورةِ زهرة فائقة الجمال، وعَمَلَ صورة وتمثال حسناء رائعة الحسن والجمال من الجنس اللطيف للبشر، فإنه يعيّن أولاً الشكل العام لكل منهما ببعض الخطوط، فتعيينه هذا إنما يتم بتنظيم وتقدير؛ حيث يعيّن الحدود مستندًا إلى علم الهندسة. أجل؛ فهذا التنظيم وذلك التقدير يدلان على أنهما فُعلا بـ“علمٍ” و“حكمة”؛ أي إن فِعْلَي التنظيم والتحديد يتمان وفق بَرْجَلِ العلم والحكمة، إذن تَقف معاني العلم والحكمة وراءَ التنظيم والتحديد، لذا سيُظهر بَرْجَل العلم والحكمة نفسَه.
نعم؛ وها هو ذا أظهر نفسه؛ إذ قد بدأ بتصوير العين والأذن والأنف للحسناء، وبتصوير أوراق الزهرة وخيوطها اللطيفة الدقيقة وفق تلك الحدود.
والآن نشاهد أن تلك الأعضاء التي عُيّنت وفق حركات برجل يعمل به أخذت صيغة الصنعة المتقنة والعناية الدقيقة، إذن فهناك معاني “الصنع” و“العناية” تحكم وتدير بَرْجَلَ العلم والحكمة في الخلف، وستظهر نفسها.
وها هو ذا يُبْدِي قابلية للحسن والزينة، إذن فالذي يحرك الصنعة والعناية هو “إرادة التحسين” و“قصد التزيين”.
إذن فإن إرادة التحسين وقصد التزيين قد بدآ يحكمان فيه؛ لذا بدأ بالتزيين والتنوير؛ وأظهر حالةَ التبسم، ومَنَحه أوضاعًا حياتية، فلاشك أن الذي يحرك معنى التحسين والتنوير هو معنى “اللطف” و“الكرم”.
نعم؛ إن هذين المعنيين يحكمان إلى درجة كأن تلك الزهرة لطفٌ مجسم وذلك التمثال كرمٌ متجّسد، والذي يحرك معاني الكرم واللطف هو معاني “التودد” و“التعرف”.
أي إن معاني “تعريفِ ذاتِه” بمهارته و“تحبيبه إلى الخلق” تحكم في الخلف، فلا شك أن هذا التعريف وذلك التحبيب ينبعثان من “ميل الرحمة” و“إرادة النعمة”.
وبما أن الرحمة وإرادةَ النعمةِ تحكمان من وراء الستار، فستملآن إذن نواحي التمثال بأنواع النعم وستُزيِّنانها، وستعلقان صورة تلك الزهرة على هَدِيَّةٍ. وها هو ذا قد ملأ يَدَيْ ذلك التمثال وحِجره وجيوبه بنعمٍ قيمة، وعلّق صورةَ تلك الزهرة على جوهرة
427. صفحة
حمراء، بمعنى أن الذي يحرك الرحمة وإرادة النعمة هو “الترحم” و“التحنن”، أي إن معنى الترحم والشفقة يحرك الرحمة والنعمة.
فلا شك أن الذي يحرك معنى الترحم والتحنن لدى ذلك المستغني عن الناس ويسوقهما إلى الظهور هو “جمال” و“كمال” معنويان لذلك المستغني عن الناس بحيث يريدان الظهور.
أما “المحبة” التي هي أجمل وألطف جزء لذلك الجمال، و“الرحمة” التي هي أعذب وأحلى قسم فيه، فتريدان الظهور بمرآة الصنعة، وتريدان رؤية نفسيهما بعيون المشتاقين، أي لأن الجمال والكمال محبوبان لذاتهما، يحبان نفسيهما أكثر من أي شيء آخر.
ثم إنهما - أي الجمال والكمال - حُسن وعشق، فاتحاد الحسن والعشق آتٍ من هذه النقطة.
وبما أن الجمال يحب نفسه، فلابد أنه يريد أن يرى نفسه في المرايا، فالنعم المحبوبة والثمرات اللطيفة الموضوعة على التمثال والمعلقة على الصورة تحمل - كل حسب قابليته - لمعةً من لمعات ذلك الجمال المعنوي فتعرض تلك اللمعاتِ على صاحب الجمال وعلى الآخرين الذين معه.
وعلى غرار هذا المثال: ينظم الصانع الحكيم جميع الأشياء كليَّها وجزئيَّها؛ الجنةَ والدنيا والسماوات والأرض والنباتات والحيوانات والجن والإنس والملَك والروحانيات، ويحدد أشكالها بتجليات أسمائه ويجعل لكل شيء قدرًا معينًا. وبهذه الأفعال (أي:التنظيم والتحديد والتقدير) يجعل كل شيء يقرأ أسماء “المقدر”، “المنظم”، “المصور”، ويعيِّن حدود الشكل العام لكل شيء فيُظهر اسمي “العليم” و“الحكيم”.
ثم يبدأ بتصوير ذلك الشيء ضمن تلك الحدود بمسطرة العلم والحكمة بِطرْزٍ يُظهر معاني الصنع والعناية واسمي “الصانع” و“الكريم”.
ثم يضفي باليد البيضاء للصنعة وبفرشاة العناية ألوان الحسن والزينة على أعضاء تلك الصورة كالعين والأذن والأوراق والخيوط الرقيقة لها إن كانت الصورة إنسانًا أو زهرة، وإن كانت الصورة أرضًا أضفى على معادنها ونباتاتها وحيواناتها ألوان حسن
428. صفحة
وزينة، وإن كانت الصورة جنة أسبغ([1]) على رياضها وقصورها وحورها ألوان حسن وزينة. وهكذا فقس النقاط الأخرى على هذا المنوال.
ثم يزين ذلك الشيءَ وَيُنَوِّرُهُ بطرازٍ تحكُمه معاني اللطف والكرم إلى حد ما؛ كأن ذلك الموجود المزيَّن وذلك المصنوع المنوَّر يصبحان بمنزلة لطف مجسم وكرم متجسد، ويذكران اسمَي “اللطيف” و“الكريم”.
ثم إن الذي يسـوق ذلك اللطف والكرم إلى هذا التجلي هو التودد والتعرّف، أي شئونُ تحبيب ذاته إلى ذوي الحياة وتعريف ذاته إلى ذوي الشعور، حتى ستُقرِئ اسمَي “الودود” و“المعروف” وراء اسمَي “اللطيف” و“الكريم”، وتُسمَع هذه القراءةُ من لسان حال المصنوع نفسه.
ثم يُزَيِّنُ ذلك الموجودَ المزيَّن وذلك المخلوق الجميل بثمرات لذيذة وبنتائج محبوبة، فيحوّله من الزينة إلى النعمة ومن اللطف إلى الرحمة، ويقرئ اسمي “المنعم” و“الرحيم”، ويظهر تجليات ذينك الاسمين من وراء الحجب الظاهرية.
ثم إن الذي يسوق اسمي الرحيم والكريم عند من هو المستغني على الإطلاق إلى هذا التجلي إنما هي شئون الترحم والتحنن؛ حيث تستقرئ اسمي “الحنان” و“الرحمن” وتظهرهما. ولا شك أن الذي يسوق معانيَ الترحم والتحنن إلى التجلي جمالٌ وكمالٌ ذاتيان يريدان الظهور ويستقرآن اسمَ “الجميل” واسمَي “الودود” و“الرحيم” المندرجين في اسم الجميل؛ إذ الجمال محبوب لذاته.
والجمال وذو الجمال يحب نفسه بنفسه فهو حُسن وَهو محبة، وكذا الكمال محبوب لذاته، أي محبوب بلا سبب، فهو مُحِبٌّ ومحبوب.
فبما أن جمالاً في كمال لا نهاية له، وأن كمالاً في جمال لا نهاية له، محبوبان حبًّا غير متناه ويستحقان المحبة والعشق، فلابد أنهما يريدان الظهور برؤية وإرائة لمعاتهما وتجلياتهما في المرايا حسب قابلية المرايا.
إذن إن الجمال الذاتي والكمال الذاتي للصانع ذي الجلال والحكيم ذي الجمال والقدير
[1] أسبغ: أضفى وأنعم.
429. صفحة
ذي الكمال يريدان الترحم والتحنن فيسوقان اسمي “الرحمن” و“الحنان” إلى التجلي.
وأما الترحم والتحنن فيسوقان اسمَيْ “الرحيم” و“المنعم” إلى التجلي بإظهار الرحمة والنعمة.
وأما الرحمة والنعمة فتقتضيان شئون التودد والتعرف، وتسوقان اسمي “الودود” و“المعروف” إلى التجلي فتَعرضانهما على ستار من ستائر المصنوع.
وأما التودد والتعرف فيحركان معنى اللطف والكرم وسيُقرِآن اسمي “اللطيف” و“الكريم” على بعض ستائر المصنوع.
وشئون اللطف والكرم تحرك فِعْلَي التزيين والتنوير، فتستقرئ اسمَي “المزيِّن” و“المنوِّر” بلسان حُسن المصنوع ونورانيته.
وشئون التزيين والتحسين تلك تقتضي معانيَ الصنع والعناية، وتستقرئ اسمي “الصانع” و“المحسن” بالملامح الجميلة لذلك المصنوع.
وذلك الصنع وتلك العناية يقتضيان العلم والحكمة فيستقرآن اسمي “العليم” و“الحكيم” بالأعضاء المتناسقة الحكيمة لذلك المصنوع.
وأما ذلك العلم وتلك الحكمة فيقتضيان أفعال التنظيم والتصوير والتشكيل فيستقرآن اسمي “المصوّر” و“المقدّر” بهيئة المصنوع وشكله ويظهرانهما.
وهكذا فقد صنع الصانع ذو الجلال مصنوعاته كُلَّها بحيث يستقرئ معظمُها ولا سيما ذوو الحياة منها كثيرًا من الأسماء الحسنى، وكأنه قد ألبس كل مصنوع من مصنوعاته عشرين حلّة([1]) متنوعة مختلفة متراكبة، أو لفّ مصنوعه ذلك بعشرين ستارًا، وكتب على كل حلة وعلى كل ستار أسماءه المختلفة.
فهنالك - مثلاً - صحائف كثيرة جدًّا تَظْهَر عيانًا في خلق زهرة واحدة جميلة فقط، وفي خلق حسناء من الجنس الثاني للإنسان كما وُضِّح في المثال.
فقس المصنوعات الأخرى العظيمة الكلِّية على هذين المثالين الجزئيين.
[1] الحلة: الثوب الجيد الجديد.
430. صفحة
الصحيفة الأولى: هيئة الزهرة والإنسان التي تُظْهِر شكله العام ومقداره، حيث تَذْكُرُ أسماءَ: “يا مُصَوِّر”، “يا مُقَدِّر”، “يا مُنَظِّمُ”.
الصحيفة الثانية: الهيئة البسيطة للزهرة والإنسان الحاصلة من ظهور أعضاء مختلفة في صورتهما، حيث تُكتَب في تلك الصحيفة أسماء كثيرة: كـ “العليم” و“الحكيم”.
الصحيفة الثالثة: تُكْتَب في تلك الصحيفة أسماء كثيرة كـ “الصانع” و“البارئ” بإضفاء حسن وزينة مختلفة على الأعضاء المختلفة لذينك المخلوقين.
الصحيفة الرابعة: توهب الزينة والحسن إلى ذينك المصنوعين، فكأن اللطف والكرم قد تجسدا على هيئتهما، وظهرا على صورتهما، فتلك الصحيفة تذكر وتَقرَأُ أسماء كثيرة مثل: “يا لطيف”، “يا كريم”.
الصحيفة الخامسة: بتعليق ثمرات لذيذة على تلك الزهرة، ومنح أولاد محبوبين وأخلاق فاضلة لتلك الحسناء، تجعل تلك الصحيفةَ تستقرئ أسماء كثيرةً أمثال: “يا ودود”، “يا رحيم”، “يا منعم”.
الصحيفة السادسة: تُقرَأ على صحيفة الإنعام والإحسان أسماء مثل: “يا رحمن”، “يا حنان”.
الصحيفة السابعة: تَظهر لمعاتُ حُسْنٍ وجمالٍ في تلك النعم وتلك النتائج حتى تكون أهلاً لشكر خالص، ومحبةٍ صافية عُجنا بشوق وشفقة حقيقيين، وتُقرَأ على تلك الصحيفة أسماء: “يا جميل ذا الكمال”، “يا كامل ذا الجمال” مكتوبة عليها.
نعم، إن كانت زهرة جميلة واحدة، وامرأة حسناء جميلة تُظهران - إلى هذا الحدّ - الأسماء الحسنى في صورتهما الظاهرية المادية فقط، فيا ترى إلى أي حد تستقرئ جميع الأزهار، وجميع ذوي الحياة والموجودات العظيمة الكلية الأسماءَ الساميةَ والكلية!! يمكنك أن تقيس ذلك بنفسك.
ويمكنك أن تقيس أيضًا مدى ما يقرأه الإنسان، وما يستقرئه من الأسماء القدسية النورانية مثل: الحي والقيوم والمحيي من حيث الروح والقلب والعقل، وما له من صحائف الحياة واللطائف.
431. صفحة
فالجنة زهرة، وطائفة الحور العين زهرة، وسطح الأرض زهرة، والربيع زهرة، والسماء زهرة، والنجوم نقوش تلك الزهرة المزينة، والشمس زهرة، وألوان طيف ضيائها السبعة هي الأصباغ المنقوشة لتلك الزهرة.
والعالم إنسان جميل عظيم، وكما أن الإنسان عالم صغير؛ فنوع الحور، وجماعة الروحانيات، وجنس الملك، وطائفة الجن، ونوع الإنسان، كل من هؤلاء قد صُوّر ونُظّم وأُوجد في حكم فرد جميل.
وكما أن كلاً منهم بنوعه وبذاته كفرد يدل على أسماء صانعه ذي الجمال ويظهرها، فكذلك كل منهم بنوعه مرايا متنوعة مختلفة لجماله وكماله ورحمته ومحبته، وشاهد صدق على جماله وكماله ورحمته ومحبته التي لا منتهى لها.
وكل منهم آيات لذلك الجمال والكمال والرحمة والمحبة وأمارات لها. إذن فهذه الأنواع من الكمالات التي لا نهاية لها إنما تحصل ضمن دائرة الواحدية والأَحَدِيَّة، بمعنى أن ما يُتوهم من كمالاتٍ خارجَ هذه الدائرة ليس بكمالات.
فافهم من هذا أن حقائق الأشياء تستند إلى الأسماء الإلهية، بل الحقائق الحقيقية إنما هي تجليات تلك الأسماء، وأن كل شيء يذكر ويُسبِّح صانعه بأوجه كثيرة، وبألسنة كثيرة، واعلم معنىً واحدًا من معاني: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ (سورة الإسراء: ١٧/٤٤) وقل: سبحان من اختفى بشدة ظهوره!
وافهم كذلك سرًّا من أسرار ذكر وتكرار: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة العنكبوت: ٢٩/٤٢)، و ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (سورة الأحقاف: ٤٦/٨)، و ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (سورة الروم: ٣٠/٥٤) في خواتيم الآيات.
فإن لم تستطع أن تقرأ الأسماء على زهرة واحدة، ولم تستطع أن تراها واضحة؛ فانظر إلى الجنة وتأمل في الربيع وشاهد سطح الأرض، عند ذلك يمكنك أن تقرأ بوضوح الأسماءَ المكتوبةَ على الجنة، وعلى الربيع، وعلى سطح الأرض التي كل منها زهرة كبيرة للرحمة، وتفهم وترى تجلياتها ونقوشها.
432. صفحة
المبحث الثاني
من النقطة الثانية
إن ممثل أهل الضلالة عندما لا يجد ما يتشبث به، ويبني عليه ضلالته، ويصبح ملزَمًا يقول:
إني أرى أن سعادة الدنيا ولذة الحياة وترقيات الحضارة وكمالَ الصنعة في عدم تذكر الآخرة، وفي عدم المعرفة بالله، وفي حب الدنيا، وفي الحرية، وفي الاعتماد على النفس؛ لذا سقتُ أكثر الناس بهمة الشيطان إلى هذا الطريق، وما زلت أسوقهم.
الجواب: ونحن بدورنا نقول باسم القرآن:
أيها الإنسان البائس المسكين، ارجع إلى صوابك وعُد إلى رُشدك وكن عاقلاً؛ لا تُصْغِ([1]) إلى داعية أهل الضلالة، ولئن استمعت إليه لَيَكوننّ خسرانك عظيمًا بحيث يقشعر من تصوره الروحُ والعقلُ والقلبُ. فأمامك طريقان:
أحدهما: طريق مليء بالشقاء الذي يريه ممثل أهل الضلالة.
والآخر: طريق مليء بالسعادة الذي يدلك عليه القرآن الحكيم.
ولقد رأيتَ كثيرًا من الموازنات بين ذينك الطريقين في كثير من الكلمات - أي في رسائل النور - ولا سيما في “الكلمات الصغيرة” وفهمتها، ولمناسبة المقام الآن أبصر موازنة واحدة من ألف موازنة لهما وافهمها، وهي كالآتي:
إن طريق الشرك والضلالة والسفاهة والفسق يهوي بالإنسان إلى منتهى السقوط، ويُلقي على كاهلك([2]) الضعيف العاجز عبئًا ثقيلاً في منتهى الثقل في غمرة آلام غير محدودة، ذلك لأن الإنسان إن لم يعرف الحق تعالى، ولم يتوكل عليه، يكن حيوانًا
[1] لا تصغ : لا تستمع.
[2] الكاهل : ما بين الكتفين.
.
433. صفحة
فانيًا متألمًا ومغتمًّا في منتهى العجز والضعف، وفي منتهى الحاجة والفقر، ومتعرضًا لما لا حد له من مصائب، ويقاسي آلام الفراق دومًا مما يحبه ويرتبط ويتعلق به من كل الأشياء، ويترك في النهاية ما بقي من أحبائه بفراق أليم، ويمضي إلى ظلمات القبر وحيدًا، ويسعى ويكافح طوال حياته دون فائدة باختيار جزئي ضئيل، واقتدار بسيط، وحياة قصيرة جدًّا، وعمر قصير، وفكر باهت مع آلام وآمال لا نهاية لهما. ويسعى لتحقيق رغباتٍ ومقاصد لا حد لها عبثًا دون ثمرة، ويحمّل عاتقَه وهامته المسكينة أعباء الدنيا الضخمة مع أنه عاجز عن حمل أعباء نفسه، فيقاسي عذابَ جهنم قبل أن يدخلها.
أجل؛ إن أهل الضلالة لا يشعرون ولا يُحِسُّون بهذا الألم المرير والعذاب المعنوي الرهيب مؤقتًا، إذ إنهم يبطلون شعورهم وأحاسيسهم بسُكر الغفلة. ولكن عندما يحسونه، أي عندما يكونون قريبين من القبر يُفَاجَئُون به، ذلك لأنه إن لم يكن المرء عبدًا حقيقيًّا للحق تعالى فسيظن أنه مالكٌ نفسَه، في حين أنه باختياره الجزئي واقتداره الضئيل عاجز عن إدارة نفسه في هذه الدنيا المضطربة الأحوال، إذ يرى آلاف الطوائف من الأعداء - ابتداءً من الميكروبات المضرة وانتهاء إلى الزلازل - في وضع هجوم على حياته، فينظر - كل وقت - في رعب وفزع أليم إلى باب القبر الذي يبدو له مروِّعًا مرعبًا.
زد على ذلك أنه في هذه الحالة تزعجه أهوال الدنيا وأحوال الإنسان دومًا؛ ذلك لأنه لا يتصور أن الدنيا والإنسان - وهو يرتبط بالنوع الإنساني والدنيا ويتعلق بهما من جهة الإنسانية - في قبضة تصرف من هو حكيم وعليم وقدير ورحيم وكريم، بل يحيل أمرهما إلى التصادف والطبيعة فيقاسي مع آلامه هو آلام الناس كذلك، وتعذبه الزلازل والطاعون والطوفان والقحط والغلاء والفناء والزوال في صورة مصيبة في غاية الإزعاج والظلمة.
فلا يستحق الإنسان وهو في هذا الوضع الرحمة والشفقة عليه، إذ هو الذي أوقع نفسه بنفسه في هذه الحالة المروِّعَة المرعبة.
فنقول وكما قيل في موازنة أحوال الشقيقين اللذين دخلا في البئر في “الكلمة الثامنة”:
434. صفحة
كما أنه إن لم يقنع رجل بلذة ونشوة نزيهة حلوة شريفة بريئة لطيفة مشروعة في روضة فيحاء وسط ضيافة كريمة بين أحبة لطفاء، فَرَاحَ يتعاطى الخمر النجسة القذرة لأجل لذة ملوثة غيرِ مشروعة، فسكر حتى بدأ يتخيل أنه في مكان قذر وسط شتاء بل حتى بين ضوارٍ([1]) مفترسة، وبدأ يرتجف ويصرخ ويولول؛ فكما أن هذا الرجل لا يستحق الرحمة ولا الشفقة؛ لأنه يتصور أصدقاءه الشرفاء الطيبين حيوانات شرسةً فيحقرهم، ويتصور الأطعمة اللذيذة والأوانيَ النظيفة في الضيافة أحجارًا ملوثة قذرة فذهب يكسرها، ويتصور الكتب القيمة والرسائل النفيسة نقوشًا عادية لا معنى لها فيمزقها ويطرحها تحت الأقدام؛ نقول فكما أن رجلاً كهذا لا يستحق الرحمة بل الصفع؛ فكذلك أهل الضلالة، لا يستحقون الرحمة والشفقة، بل يستحقون عذابًا شديدًا، وليسوا أهلاً للرحمة بأي وجه من الوجوه؛ لأنهم بسُكر الكفر وهذيان الضلالة النَاشِئَيْن عن سوء اختيارهم يتوهمون الدنيا التي هي دار ضيافة للصانع الحكيم لعبة المصادفة والطبيعة، ويتصورون انتقال المصنوعات - التي تجدد تجليات الأسماء الحسنى - إلى عالم الغيب بعد انتهاء وظائفها بمرور الزمان عدمًا وإعدامًا، ويتخيلون صدى التسبيحات أنه أنين وعويل الزوال والفراق الأبدي، ويتصورون صحائف الموجودات هذه التي هي مكتوبات صمدانية فوضى لا معنى لها، ويتصورون باب القبر الذي يشق الطريق إلى عالم الرحمة فوهة([2]) ظلمات العدم، ويتصورون الأجَل الذي هو دعوة الوصال واللقاء بالأحباب الحقيقيين أوانَ فراق الأحبة جميعهم، فيجعلون أنفسهم في عذاب أليم شديد، وينكرون ويزيفون ويحقرون الموجودات، وأسماءَ الحقِّ تعالى، ومكتوباته الصمدانية.
فيا أهل الضلالة والسفاهة التعساء، أيُّ تقدمكم وأي علومكم وأي كمالكم وأي حضاراتكم وأي ترقياتكم يستطيع المقاومة مقابل هذا السقوط الرهيب، وحيال هذا اليأس الساحق القاتل؟ وأين تستطيعون أن تجدوا السلوان الحقيقي الذي تحتاج إليه روح البشر أشد الاحتياج؟ وأي طبيعتكم وأي أسبابكم وأي شريككم وأيّ اكتشافاتكم وأي قومكم وأيّ قوميتكم وأي معبودكم الباطل الذي تعتمدون عليه وتتشبثون به وتسندون
[1] الضواري: الحيوانات المفترسة آكلة اللحوم.
[2] فوهة الشيء: أوله وفمه.
ا.
435. صفحة
إليه الآثارَ الإلهية والإحسانات الربانية يستطيع أن ينقذكم من ظلمات الموت الذي هو بالنسبة لكم إعدام أبدي، ويجتاز بكم حدود القبر والبرزخ والمحشر والصراط مسيطرًا عليها ويجعلكم تنالون السعادة الأبدية؟ وإنكم لا محالة أبناء هذا السبيل، وتسيرون في هذا الطريق، لأنكم لا تستطيعون أن تغلقوا باب القبر، ولابد من أن يستند مسافر كهذا إلى مَنْ كُلُّ هذه الدوائر العظيمة وهذه الحدود الشاسعة تحت أمره وتصرفه.
فيا أهل الضلالة والغفلة التعساء الأشقياء، إنكم تصرفون لأنفسكم وللدنيا بصورة غير مشروعة ما في فطرتكم من استعداد المحبة والمعرفة وأجهزة الشكر والعبادة التي ينبغي أن تصرف للحق تعالى وصفاته وأسمائه، فتتعذبون مستحقين ذلك بسر قاعدة: “إن نتيجة محبة غير مشروعة عذاب أليم بلا رحمة”. لأنكم وَهبتم أنفسكم المحبة التي تخص الحق تعالى، فتعانون بلايا لا حد لها من جراء أنفسكم التي هي محبوبتكم، لأنكم لم تدعوها وشأنها، ولم تمنحوها اطمئنانًا حقيقيًّا، ولا تسلمون أمرَها بالتوكل إلى القدير المطلق الذي هو المحبوب الحقيقي فتتألمون دومًا.
ثم إنكم قد أوليتم الدنيا المحبةَ التي تعود إلى أسماء الحق تعالى وصفاته، ووزعتم آثار صنعته بين أسباب العالم فتعانون شقاءها، لأن قسمًا من أحبائكم غير المحدودين يُوَلِّي الأدبار ويترككم ويرحل عنكم دون وداع، وقسمًا آخر لا يعرفكم أصلاً، وحتى إذا عرفكم لا يحبكم، وحتى إذا أحبكم لا ينفعكم، فتتعذبون دومًا مما لا حد له من الفراق، ومن زوال يائس من العودة.
فهذه هي حقيقة وماهية ما يسميه أهل الضلالة بسعادة الحياة، وترقي وتقدم الإنسان ومحاسن الحضارة ولذة الحرية، فالسفاهة والسكر ستار وحجاب يحول دون الشعور بذلك مؤقتًا، ألا فقُلْ: تبًّا لعقول هؤلاء!
أما الْجَادَّةُ([1]) النورانية للقرآن فهي أنه يداوي بالحقائق الإيمانية جميعَ تلك الجروح التي يعاني منها أهل الضلالة، ويبدد كل تلك الظلمات في الطريق السابق ذكرُه، وَيَسُدُّ جميع أبواب الضلالة والهلاك.
[1] الجادة: الطريق.
436. صفحة
وذلك: أنه يداوي ضعفَ الإنسان، وعجزه، وفقره واحتياجَه بالتوكل على القدير الرحيم، ويُسَلِّمُ أثقال الحياة وأعباء الوجود لقدرته ورحمته ولا يُحَمِّل على الإنسان، بل يجعله يجد مقاما مريحا وكأنه يَركب على حياته ونفسه، ويُعَلِّمه أنه ليس حيوانًا ناطقًا بل هو إنسان بحق، وضيف عزيز عند الرحمن.
ويداوي بصورة ناجعة([1]) أيضًا الجروحَ الإنسانية الناشئة عن فناء الدنيا وزوال الأشياء، وعن حب الفانيات، مُظهرًا أن الدنيا دار ضيافة الرحمن، ومُبَيِّنًا أن ما فيها من الموجودات هي مرايا الأسماء الإلهية، وأن ما فيها من المصنوعات هي مكتوبات صمدانية تتجدد كل حين، وينقذ الإنسان من ظلمات الأوهام.
ويداوي كذلك الجروح الناشئة عن الموت الذي يتلقاه أهل الضلالة على أنه فراق أبدي عن جميع أحبتهم مبينًا أن الموت والأجل مقدمة وصالِ وملاقاةِ الأحباب الذين رحلوا إلى عالم البرزخ، والذين هم في عالم البقاء، ويثبت أن ذلك الفراق هو عين اللقاء.
ويزيل كذلك أعظم خوف للبشر بإثباته أن القبر باب مفتوح إلى عالم الرحمة، وإلى دار السعادة، وإلى رياض الجنان، وإلى بلاد النور للرحمن، مبينًا أن سياحة البرزخ التي هي أشد ألماً وقسوة وضيقًا للبشر هي أمتع سياحة وآنسها وأَسَرُّها، ويغلق بالقبر فمَ الأفعى، ويفتح بابًا إلى روضة بهيجة، بمعنى أنه يبين أن القبر ليس فم أفعى، بل هو بابٌ يُفتَح إلى عالم رياض الرحمة ويقول للمؤمن:
إن كان اختيارك جزئيًّا ففوِّضْ أمرك لإرادة مالكك الكلية.
وإن كان اقتدارك قاصرًا ضعيفًا فاعتمد على قدرة القدير المطلق.
وإن كانت حياتك قصيرةً ففكّر في الحياة الباقية.
وإن كان عمرك قصيرًا فلا تَقْلَقْ فإن لك عمرًا أبديًّا.
وإن كان فكرك خافتًا فادخل تحت نور شمس القرآن الحكيم، وانظر بنور الإيمان فإن كل آية من آيات القرآن الحكيم تمنحك نورًا وضياء مثل النجوم بدلاً من فكرك الشبيه باليراعة.
[1] ناجعة: مفيدة وفعالة.
437. صفحة
وإن كانت لك آمال وآلامٌ غير محدودة فإن ثوابًا لا نهاية له ورحمة لا حد لها ينتظرانك.
وإن كانت لك رغبات ومقاصد لا تُحَد فلا تقلق متفكرًا بها لأن هذه الدنيا لا تسعها، بل موضعها ديار أخرى، ومانحها ليس الناس بل مانحًا آخر.
وكذا يقول:
أيها الإنسان، أنت لستَ مالكاً لنفسك، بل أنت مملوكٌ لمن هو ذو جلال قديرٌ مطلق القدرة، ورحيم مطلق الرحمة، إذن فلا تُرهِق نفسَك بتحميل حياتك عليها؛ لأن الذي وهب الحياة هو الذي يديرها.
ثم إن الدنيا ليست بلا مالِكٍ؛ إذن لا تقلق متلهفًا عليها مُحَمِّلاً فوق رأسك حِمْلَ أعبائها مُفَكِّرًا في أهوالها، لأن مالكها حكيم وعليم، أمَّا أنت فلستَ إلاّ ضيفًا لديه، فلا تتدخل بفضولٍ في الأمور ولا تَخلطها.
ثم إن الموجودات، كالإنسان والحيوان، ليست سائبة طليقة بل كل واحد منها مأمور، له وظائفه وكلها تحت رقابة حكيم رحيم، وتحت رعايته؛ فلا تُجرِّع([1]) روحَك ألماً بالتفكر في مشقات أولئك وآلامهم، ولا تقدّم شفقتك عليهم على رحمة خالقهم الرحيم.
ثم إن زمام كل شيء ابتداء من الميكروبات التي اتخذت طور العداء معك إلى الطاعون والطوفان والقحط والزلازل بيد ذلك الرحيم الحكيم، فهو حكيم لا يفعل شيئًا عبثًا، ورحيم واسع الرحمة، فكل ما يفعله فيه نوع من لطف.
ويقول أيضًا:
إن هذا العالم مع أنه فانٍ، فإنه يهيئ لوازم عالم أبدي، ومع أنه زائل ومؤقت فإنه يؤتي ثمراتٍ باقية، ويظهر تجليات الأسماء الباقية للباقي سبحانه، ومع أن لذائذه قليلة وآلامه كثيرة فإن ألطاف الرحمن الرحيم لذات حقيقية لا تزول، أما الآلام فهي تولِّد لذّاتٍ معنويةً من جهة الثواب. فما دامت الدائرة المشروعة كافية لكل لَذَّاتِ ونشوةِ ومتعِ
[1] تجرع روحك: تسقيها كما تسقيها الدواء.
438. صفحة
روحك وقلبك ونفسك التي بين جنبيك، إذن فلا تدخلِ الدائرةَ غير المشروعة، لأن لذةً واحدة من تلك الدائرة لها ألف ألم أحيانًا، فضلاً عن أنها سبب الحرمان من ألطاف الرحمن التي هي اللذة الدائمة الحقيقية.
ثم إن طريق الضلالة كما بينا سابقًا يُردي([1]) الإنسان إلى أسفل سافلين، إلى حد لا تستطيع معه أية مدنية وأية فلسفة إيجاد حل له، ولا تستطيع إخراجَه من بئر الظلمات السحيقة أيةُ ترقيات بشرية وأيةُ تقدمات علمية.
بينما القرآن الحكيم ينقذ الإنسان بالإيمان والعمل الصالح من السقوط إلى أسفل سافلين، ويرفعه إلى أعلى عليين، ويثبت ذلك بالدلائل القطعية ويملأ تلك البئر العميقة بمراتب الترقيات المعنوية وبأجهزة التكملات الروحية.
ثم إنه يُيَسِّرُ - إلى حد كبير - رحلةَ البشر الطويلةَ الشاقة المضطربة العاصفة في العالم الأبدي ويسهلها عليه، ويدله على الوسائط التي يمكن أن يقطع بها مسافة ألف سنة بل خمسين ألف سنة في يوم واحد.
ثم إنه يُعرِّفُ الإنسانَ بالحق تعالى ذي الجلال الذي هو سلطان الأزل والأبد، وبذلك يجعله عبدًا مأمورًا، وضيفًا موظفًا له، ويضعه موضع ضيف موظف، ويُمَكِّنُه من سياحته بكمال الراحة في الدنيا التي هي مَضِيفُه، وفي المنازل البرزخية والأخروية. فكما أن موظفًا مستقيمًا مخلصًا لسلطان يتجول في دائرة مملكة ذلك السلطان، ويتنقل ويمر بسهولة من حدود كل ولاية من ولاياته بوسائط سريعة كالطائرة والباخرة والقطار، فكذلك الإنسان الذي ينتسب إلى سلطان الأزل بالإيمان، ويطيعه بالعمل الصالح يمر بسرعة البَرق والبُراق من منازل الدنيا دار الضيافة، ومن دوائر عَالَمَيْ البرزخ والمحشر، وهكذا يمر من الحدود الواسعة الشاسعة لكل العوالم بعد القبر حتى يجد السعادة الأبدية، فيثبت القرآن الحكيم هذه الحقيقة إثباتًا قاطعًا، ويُجَلِّيهَا للأصفياء والأولياء.
وكذا تقول حقيقة القرآن:
أيها المؤمن، لا تَصرف ما فيك من قابلية غير محدودة للمحبة إلى نفسك الأمَّارة بالسوء، والقبيحة والناقصة والشريرة والْمُضِرَّةِ لك، ولا تتخذها محبوبة لك، ولا تجعل
[1] يردي: يهلك.
439. صفحة
هواها معبودًا لك، بل اصرف ما فيك من قابلية غير محدودة للمحبة إلى من هو أهلٌ لمحبةٍ غيرِ متناهيةٍ، وإلى من يَقْدِرُ أن يُحسن إليك إحسانًا لا نهاية له، والقادرِ على إسعادك في المستقبل سعادةً لا منتهى لها، ويُسعد بإحساناته جميع مَن ترتبط بهم بعلاقات ومَنْ تَسْعَدُ بسعادتهم، وإلى من له كمالاتٌ مطلقة وجمالٌ في غاية القدسية والسمو([1])،جمالٌ مُنَزَّهٌ عن النقص والقصور والزوال، ومَنْ كل أسمائه في غاية الجمال، ومَنْ في كلّ اسم من أسمائه أنوار حُسْنٍ وجمال كثيرة، ومن تدل الجنة بجميع جمالها ونعمها على جمال رحمته ورحمة جماله، ومن يدلّ ويشير جميعُ الحسنِ والجمالِ والمحاسنِ والكمالاتِ المحبوبةِ والمحببةِ في الكون كلِّه إلى جماله وكماله.
وتقول أيضًا:
أيها الإنسان، لا تَمْنَحِ الموجوداتِ الأخرى غيرَ الباقية استعدادَ المحبة التي تخص أسماء الحق تعالى وصفاته، ولا تُوَزِّعْهَا على المخلوقات بلا فائدة، لأن الآثارَ والمخلوقاتِ فانيةٌ، بينما الأسماء الحسنى التي تُشَاهَد تجلياتُها ونقوشُها على تلك الآثار والمصنوعات باقيةٌ دائمةٌ، وفي كل اسم من الأسماء الحسنى وفي كل صفة من الصفات المقدسة آلافٌ من مراتب الإحسان والجمال، وآلافٌ من طبقات الكمال والمحبة. فانظر إلى اسم “الرحمن” فحسب؛ تجد أن الجنة تجلٍّ واحدٌ من تجلياته، والسعادة الأبدية لمعةٌُ واحدةٌ من لمعاته، وجميع الأرزاق والنعم الموجودة في الدنيا قطرةٌ واحدة من قطراته.
فأنعم النظر في الآيات ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَٰنَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ { ثُمَّ رَدَدْنَٰهُ َسْفَلَ سَٰفِلِينَ { إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (سورة التين: ٩٥/٤-٦) التي تشير إلى هذه الموازنة بين ماهية أهل الضلالة وأهل الإيمان، من حيث الحياةُ والوظيفة.
وَتَمَعَّنْ في الآية ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَۤاءُ وَالأَرْضُ﴾ (سورة الدخان:٤٤/٢٩) التي تشير إلى نهايةِ وعاقبةِ كلٍّ منهما؛ كيف أنهما تُعَبِّرَان بأسلوب في غاية الإعجاز والسمو عن الموازنة التي بَينَّاها.
[1] السمو: الرفعة والعلو.
440. صفحة
نحيل بيان الحقيقة التي تفيدها الآية الأولى بأسلوب معجز ووجيز إلى “الكلمة الحادية عشرة” إذ بُيِّنَتْ في تلك الكلمة مفصلة.
وأما الآية الثانية فسنشير إشارة فحسب إلى مدى إفادتها حقيقة سامية، وذلك:
إن هذه الآية تُعلن بالمفهوم الموافق أن السماوات والأرض لا تبكيان على أهل الضلالة بعد موتهم، وتدل بالمفهوم المخالف على أن السَّماوات والأرض تبكيان على أهل الإيمان بعد رحيلهم عن الدنيا.
أي بما أن أهل الضلالة ينكرون وظائف السماوات والأرض ولا يدركون معانيَهما، ويبخسون حقهما، ولا يعرفون صانعهما، ويحتقرونهما ويعادونهما؛ فلا شك أن السماوات والأرض لا تبكيان عليهم، بل ستدعوان عليهم وترتاحان لموتهم وهلاكهم.
وتقول كذلك بالمفهوم المخالف: إن السَّماوات والأرض تبكيان على موت أهل الإيمان، لأنهم يعرفون وظائفهما، ويصدقون حقائقهما الحقيقية، ويدركون بالإيمان المعانِيَ التي تفيدانها ويقولون: “ما أجمل صنعهما!” و“ما أحسن ما تؤديان من خدمات!”، ويقدرونهما حق قدرهما، ويحترمونهما، ويحبونهما ويحبون في الله الحق تعالى الأسماءَ، لكونهما مرايا عاكسة لها. فلهذا السر تحزن السَّماوات والأرض على زوال أهل الإيمان وكأنهما تبكيان عليهم.
سؤال مهم:
تقولون: إن المحبة ليست اختياريةً، وبناء على الاحتياج الفطري فأنا بمقتضى حاجتي الفطرية أحب الأطعمة والفواكه اللذيذة، وأحب والديّ وأولادي ورفيقة حياتي، وأحب أصدقائي وأحبائي، وأحب الأنبياء والأولياء، وأحب حياتي وشبابي، وأحب الدنيا والربيع وكل الأشياء الجميلة، وكيف لا أحب كل هذه؟ وكيف أستطيع أن أوجه جميع هذه الأنواع من المحبة إلى الله وأسمائه وصفاته؟ ماذا يعني هذا؟
الجواب:
استمع إلى النكات الأربع الآتية:
441. صفحة
النكتة الأولى:
إن المحبة - وإن لم تكن اختيارية - فإنه يمكن أن يُحوَّل وجهُها بالاختيار من محبوب إلى آخر؛ فمثلاً يمكن أن يُصرف وجه المحبة من محبوب مجازي إلى المحبوب الحقيقي بإراءة([1]) وإيضاح قبح محبوب أو كونه حجابًا وستارًا لمحبوب آخر يستحق المحبة، أو مرآةً عاكسةً لذلك المحبوب الحقيقي.
النكتة الثانية:
نحن لا نقول لك: لا تحبّ كل محبوباتك التي عَدَّدْتها، وإنما نقول: اجعل محبتك لما ذكرته لحساب الحق تعالى وفي سبيل محبته.
فمثلاً: حُبُّ الأطعمة الشهية والفواكه اللذيذة مع التذكر بأنها إحسانٌ من الحق تعالى وإنعام من ذلكم الرحمن الرحيم يعني محبة اسْمَيِ “الرحمن” و“المنعم” وهو في الوقت ذاته شكر معنوي.
والذي يدل على أن هذه المحبة لم تكن لحساب النفس، بل باسم “الرحمن” هو كسبُ الرزق مع القناعة ضمن الدائرة المشروعة، وتناولُه متفكرًا وشاكرًا له.
ثم إن محبة الوالدين واحترامهما لحساب الحكمة والرحمة اللتين غرسَتَا فيهما الشفقةَ وجعلتاهما يربِّيَانِك بأيديهما الحنون، تعود إلى محبة الحق تعالى.
وعلامة كون تلك المحبة والاحترام والشفقة لله تعالى هي:
أن تكثر المحبة والاحترام لهما والشفقة عليهما، عندما يبلغان الكبر، ولا يستطيعان مساعدتك في شيء، ويشغلانك بالمشكلات، ويثقلان كاهلك بالمشقة، فدعوة الآية الكريمة: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُمَۤا أَوْ كِلاَهُما فَلاَ تَقُلْ لَّهُمَا أُفٍِّ﴾ (سورة الإسراء: ١٧/٢٣) الأولادَ إلى الاحترام لهما والشفقة عليهما في خمس مراتب، تدل على مدى أهمية حقوق الوالدين، ومدى قُبْح وشناعة عقوقهما([2]) في نظر القرآن الكريم.
وبما أن الوالد لا يقبل أن يَفْضُله أحد سوى ابنه، فالولد مقابل ذلك لا يستطيع أن يَدَّعِي حَقًّا على الوالد، إذن ليس هنالك ما يدعو إلى المنازعة والمنافسة بين الوالدين
[1] إراءة: إظهار.
[2] عقوقهما: عصيانهما والإساءة إليهما.
ا.
442. صفحة
والولد فطرة، إذ المنازعةُ إما تنشأ عن الغبطة([1]) والحسد، وهما غير موجودين أصلاً عند الوالد تجاه ولده؛ وإما تنشأ عن الظلم، وليس من حق الولد أن يَدَّعِيَ على والده حَقًّا، ولا يستطيع أن يَعْصِيَه، حتى لو وجده غير محق؛ إذن فالذي يعصي والده ويؤذيه، إنما هو حيوان مفترس مُسخ([2]) عن إنسان.
ثم إن محبة الأولاد بكمال الشفقة والرحمة على أنهم هدايا الرحيم الكريم ورعايتهم وحمايتهم تعود إلى الحق تعالى أيضًا. فالعلامة التي تدل على أن تلك المحبة في الله تعالى هي الصبر والشكر عند وفاتهم، وعدم العويل والنواح كاليائس. بل يجب الاستسلام لما قَدَّرَ الله قائلاً: “الحكم لله؛ إذ كان هذا مخلوقًا محبوبًا لخالقي ومملوكًا له، وقد جعله تحت رعايتي، فالآن اقتَضَتْ حكمتُهُ سبحانه استردَادَه فاسترده مني وَأَخَذَهُ إلى مكان أفضل، وإن كانت لي حصة ظاهرية واحدة في ذلك المملوك فإن ألف حصة حقيقية تعود إلى خالقه”.
أما محبة الأصدقاء والأحباب فإن كانوا من أولياء الحق تعالى بسبب الإيمان والعمل الصالح فإن تلك المحبة تعود إلى الحق تعالى بسر “الحب في الله”.
وأَحبب كذلك رفيقة حياتك باعتبار أنها هدية مؤنِسة لطيفة من الرحمة الإلهية، ولا تربط محبتك بحسن صورتها التي تزول سريعًا، إذ إن أجمل جمالِ المرأة وأكثره جاذبيةً هو حسن سيرتها الذي ينضوي([3]) تحت لطفٍ وحِشمة ورقةٍ خاصة بالمرأة. وأغلى وألطف وأجمل جمالها هو شفقتها النورانية السامية الخالصة الصادقة.
فجمال الشفقة وحسن السيرة يدومان ويزدادان إلى آخر عمرها، ولا تُحفظ حقوق حرمة هذه المخلوقة الضعيفة واللطيفة إلا بتلك المحبة، وإلاّ تفقد هذه المخلوقة المسكينة حقوقها بزوال حسن صورتها في وقت هي أحوج ما تكون إليها فيه.
أما محبة الأنبياء والأولياء؛ فهي أيضًا لوجه الله وفي سبيله من حيث إنهم عباد مقبولون لديه، فهذه المحبة كذلك للّه من هذه الزاوية.
[1] الغبطة: غبط فلانا أي تَمَنَّى مثل ما له مع عدم تَمَنِّي زواله عنه.
[2] مُسِخ: حُوّلت صورتُه إلى أخرى أقبح.
[3] ينضوي: ينضم إلى الشيء ويدخل تحته.
!
443. صفحة
وأما الحياة؛ فمحبتها والحفاظ عليها من حيث إنها أغلى ما وهبه الله لك وللبشر وإنها رأس مال وكَنْزٍ يُكسِب الحياة الباقية، وخزينةٌ جامعةٌ لأجهزة الكمالات الباقية وتوظيفها في خدمة الحق تعالى، فهذه المحبة كذلك تعود من جهة إلى المعبود جلّ وعلا.
ثم إن محبةَ جمالِ ولطافة شبابك واستحسانَه وحسنَ استعماله من حيث إنه نعمة لطيفة حلوة جميلة من الحق تعالى؛ هي نوع من محبة مشروعة ملؤها الشكر.
ثم محبة الربيع بالتفكر من حيث كونه صحيفة لألطف وأجمل نقوش الأسماء النورانية للحق تعالى، وكونه مَعْرِضًا بديعًا مزينًا لبدائع صنعة الصانع الحكيم هي محبة لأسماء الحق تعالى.
ومحبة الدنيا من حيث كونها مزرعة الآخرة ومرآة الأسماء الحسنى ومكتوبات الحق تعالى، ودار ضيافة مؤقتة له، فهذه المحبة كذلك تعود إلى الحق تعالى بشرط عدم تدخل النفس الأمَّارة.
الحاصل:
أَحِبَّ الدنيا وما فيها من مخلوقات بـ“المعنى الحرفي” ولا تحبها بـ“المعنى الاسمي” وقل: “ما أجمل صُنْعَهُ” ولا تقولن: “ما أجملَه”، ولا تُفْسِحِ المجالَ لمحبةٍ أخرى لتَدخل باطن قلبك؛ لأن باطن القلب مرآة الصمد وخاص به، وقل: اللّهم ارزقنا حُبَّكَ وحبَّ ما يقرّبنا إليك.
وهكذا فإن جميع ما عددناه من أنواع المحبة إن كانت على الصورة المذكورة آنفًا فإنها تُورِثُ لذةً بلا ألم، وهي - من جهةٍ - وِصالٌ بلا زوال، فضلاً عن أنها تَزِيدُ محبة الله، وهي في الوقت نفسه محبة مشروعة، وشكر هو عين اللذة، وفكر هو عين المحبة.
فمثلاً: إذا أهدى إليك سلطان([1]) عظيم تفاحة فإنك تحب تلك التفاحة بوجهين، وتجد فيها لذتين اثنتين:
[1] لقد دخل رئيسا عشيرتين اثنتين في زمان مضى إلى حضرة سلطان فكان حالهما كما ذُكِر في المثال.
444. صفحة
إحداهما: إنها تُحَبُّ لكونها تفاحةً وفيها لذة خاصة بها وبقدر حجمها، فهذه المحبة لا تعود إلى السلطان، ومَن يأكلها بشراهة([1]) أمامه لا يحب السلطان بل يحب التفاحة ويحب نفسه، وربما لا تعجب السلطانَ تلك المحبةُ التي تعود إلى النفس، وينفر منها، ثم إن لذة التفاحة هي بدورها جزئية؛ حيث تزول لذتها بمجرد الانتهاء من أكلها، وتورث الأسفَ.
وأما المحبة الثانية: فهي الْتِفاتَةُ السلطان وإكرامه الذي يتجلى ويظهر بإهدائه التفاحةَ، فكأنَّ تلك التفاحةَ مثالٌ مُجَسَّمٌ للالتفاتِ السلطاني، فالذي يتسلم هديةَ السلطان بهذا الشعور ويتقبلها على الرأس والعين يكون قد أظهر أنه يحبّ السلطان. ثم إن في تلك الفاكهة التي هي غلاف للالتفات السلطاني لذةًَ تفوق لذة ألف تفاحة، فتلك اللذة هي الشكران بعينه، وتلك المحبة هي محبةٌ ذاتُ احترام للسلطان.
وهكذا فإذا وَجَّهَ الإنسان محبته إلى النِّعمِ والفواكه كلها لأجل لذاتها فحسب، وتَلَذَّذَ بلَذَّاتها المادية وحدها بالغفلة، فتلك محبة نفسانية، وتلك اللذات زائلةٌ تورث الآلام، وإذا أحبها لكونها التفاتة رحمة من الحق تعالى وثمراتٍ لإحساناته، وتَلَذَّذَ بكمال الشهية مقدِّرًا درجة ألطاف ذلك الإحسان والالتفات فهذا شكرٌ معنويٌّ ولذة بلا ألم.
النكتة الثالثة:
إن المحبة المتوجهة إلى أسماء الحق تعالى لها طبقات، فيحب الإنسان أحيانًا - كما بيّنا سابقًا - الأسماء الحسنى بمحبة الآثار الإلهية، ويحبها حينًا آخر لكونها عناوين كمالات إلهية، ويكون الإنسان أحيانًا أخرى محتاجًا ومشتاقًا إلى الأسماء الحسنى من حيث احتياجاته غير المحدودة لكونه يحمل ماهية جامعة، ويحب تلك الأسماء بدافع الحاجة إليها.
فمثلاً: بينما تشعر تجاه جميع أقربائك والفقراء والمخلوقات الضعيفة المحتاجة الذين تشفق عليهم - مع عجزك - بحاجة الإمداد والإعانة، وإذا بشخص يُحْسِنُ إليهم ويُسَاعِدُهم كما ترغب أنت، فكم يعجبك عنوان “المنعم” لهذا الشخص، واسمه “الكريم”! وكم تحبه بهذا العنوان!
[1] شراهة: نهم.
.
445. صفحة
وكما في هذا المثال فتَفَكَّر في اسمي “الرحمن” و“الرحيم” للحق تعالى فحسب؛ لتفهم كم أن اسم “الرحمن” وعنوان “الرحيم” جديران بالمحبة من حيث إنه يُسْعِدُ بهذين الاسمين جميعَ آبائك وأجدادك، وجميع أقربائك وأحبائك المؤمنين الذين تحبهم وتشفق عليهم بأنواع النعم في الدنيا، وضروب اللذائذ في الجنة، ويريكهم في دار السعادة الأبدية ويظهر لهم ذاتَه.
فيمكنك أن تقيس مدى احتياج روح البشر إلى ذلكما الاسمين، وتدرك كم أن عبارة (اَلْحَمْدُ للهِ عَلَى رَحْمَانِيَّتِهِ وَعَلَى رَحِيمِيَّتِهِ) جديرة بالذكر.
وكذلك إذا تنبهت وأنعمت النظر تدرك مدى احتياج روحك واشتياقها إلى اسم “الحكيم” وعنوان “المربي” لمن ينظم ويدبر ويربي بكمال الحكمة ما ترتبط وتتعلق به وتتألم بشقائه وبؤسه من المخلوقات والدنيا التي هي بيتُك - نوعًا ما - وما فيها من الموجودات التي هي أثاثات مؤنسة ومزينات محبوبة لبيتك هذا نوعا ما.
وتفهم كذلك - إذا تنبهت وأنعمت النظر - مدى احتياج روحك إلى اسمي “الوارث الباعث” وإلى عناوين “الباقي” و“الكريم” و“المحيي” و“المحسن” لمن ينقذ الناس - الذين تتعلق بهم وتتألم بزوالهم - من ظلمات العدم في أثناء موتهم ويُسكنهم في مسكن أفضل من هذه الدنيا.
وهكذا فلأن ماهية الإنسان عالية، وفطرته جامعة فهو محتاج بفطرته - بآلاف أنواع الحاجة - إلى ألف اسم واسم من الأسماء الإلهية وإلى مراتب كثيرة جدًّا من كل اسم، فالحاجة المضاعفة هي الاشتياق، والاشتياق المضاعف هو المحبة، والمحبة المضاعفة هي العشق، فحَسبَ تكمّل الروح تنكشف مراتبُ المحبة وفق مراتب الأسماء، ومحبة جميع الأسماء أيضًا تتحول إلى محبة ذاته الجليلة سبحانه، إذ إن تلك الأسماء عناوين وتجليات ذاته جلّ وعلا.
والآن سنبين على سبيل المثال مرتبة واحدة فقط من بين ألف مرتبة ومرتبة لاسم “العدل” و“الحَكَم” و“الْحَقِّ” و“الرحيم” من بين ألف اسم واسم من الأسماء الحسنى وذلك كالآتي:
446. صفحة
إن شئت أن ترى وتشاهد أسماء “الرحمن” و“الرحيم” و“الحق” ضمن “الحكمة والعدل” في دائرة عظمى فانظر إلى هذا التمثيل:
نفترض جيشًا يضم أربعمائة طائفة من طوائف متنوعة، ولكل طائفة منها ملابس خاصة تعجبها، وأطعمة خاصة تلذُّها، وأسلحة خاصة تستعملها بسهولة، وأدوية خاصة تناسب فطرتها.
إن وُجِد سلطان لا مثيل له وزَّع بذاته ومِن دون أن يكون له معين ملابس وأطعمة وأدوية وأسلحة تليق بكل الطوائف واحدة واحدة دون تفريق بين كل هذه الطوائف الأربعمائة أوتمييز - مع أنها متداخلة ومتشابكة - سواء كانت فرقة أو فوجًا، ودون أن يخطئ أحدًا ودون أن ينسى أحدًا، بكمال شفقته ورحمته واقتداره الخارق للعادة، وإحاطته وعلمه المعجز، وعدالته وحكمته الخارقة للعادة؛ فإنك تفهم مِن كل هذا كم أنه سلطان مقتدر مشفق عادل وكريم!
لأنه إن وُجِد في طابور واحد أفراد من عشرة أمم فإنه يتم تجهيزهم بالضرورة بطرز واحد مهما كان جنسهم، لأن تجهيزهم وإلباسهم بطُرُزٍ متفرقة - كل واحد على حدة - صعب وعسير جدًّا، كذلك فإن شئت أن ترى وتشاهد تجليات أسماء “الحق” و“الرحمن” و“الرحيم” ضمن “العدل والحكمة” فانظر إلى جيوش النباتات والحيوانات الجرَّارة والمركبة من أربعمائة ألف أمة، نُصِبَت خيامه على سطح الأرض في فصل الربيع فَسَتَرَى وتُشَاهِد عناوين “الحق” و“الرحمن” و“الرزاق” و“الرحيم” و“الكريم” بميزان وانتظام ضمن دائرة “الحكمة والعدل” مع أن تلك الأمم والطوائف كلها متداخلة ومتشابكة، ومع أن ألبسة كل طائفة منها مختلفة، وأطعمتها مختلفة، وأسلحتها مختلفة، ونمط حياتها مختلف، وتعليماتها مختلفة، وتسريحاتها مختلفة، ولا تملك اقتدارا لتوفير احتياجاتها، ولا تملك ألسنة تطلب بها تلك المطالب، وإنك ترى ببصرك كيف أنه يربيها ويدبرها ويديرها دون أن يخطئ أحدًا منها ودون أن ينسى أويلتبس عليه شيء.
فهل يمكن أن تتدخل أصابع الآخرين في عمل كهذا الذي يُؤَدَّى بانتظام وميزان محيط عجيب باهر؟! ومن الذي يستطيع أن يتدخل بمد يده إلى هذا الوضع وإلى هذا
447. صفحة
التدبير وإلى هذه الربوبية وإلى هذا التدوير غير الواحد الأحد والحكيم المطلق والقادر على كل شيء؟! وأي سبب من الأسباب يستطيع أن يتدخل؟!
النكتة الرابعة:
إنك تقول: ما نتيجة وفائدة محبتي المتعددة الكثيرة المتنوعة والمتعلقة بالأطعمة وبنفسي ورفيقة حياتي ووالديّ وأولادي وأحبابي والأولياء والأنبياء والأشياء الجميلة والربيع والدنيا، إذا كانت وفق ما يأمر به القرآن؟
الجواب:
لبيان كل النتائج ينبغي تأليف كتاب كبير، والآن نكتفي بالاشارة بإجمال إلى نتيجة أو نتيجتين فقط، وسنبين أولا النتائج المعجلة الحاصلة في الدنيا، ثم بعد ذلك سنذكر النتائج التي ستظهر في الآخرة وذلك كالآتي:
إن المحبة التي تنبعث لحساب النفس كما هي عند أهل الغفلة وأهل الدنيا لها مصائب وآلام ومشقات كثيرة، أما مُتَعُهَا ولذَّاتها وراحتها فقليلة، فمثلاً: تنقلب الشفقة إلى مصيبة أليمة بسبب العجز، وتتحول المحبة إلى حرقة مفجعة([1]) بسبب الفراق، وتصبح اللذة شرابًا مسمومًا بسبب الزوال، ولا فائدة منها في الآخرة لأنها لم تكن لوجه الله، أو هي عذاب إن كانت قد دخلت في الحرام.
سؤال: كيف تبقى محبة الأنبياء والأولياء بلا فائدة؟
الجواب: مثلما تبقى محبة أهل التثليث([2]) لعيسى عليه السلام، ومحبة الرافضة([3]) لعلي رضي الله عنه بلا فائدة.
وأما إذا كانت تلك المحبة وفق إرشاد القرآن وفي سبيل الله تعالى وفي سبيل محبة الرحمن فهي تثمر نتائج حسنة وجميلة في الدنيا وفي الآخرة.
[1] مفجعة: مؤلمة.
[2] أهل التثليث: النصارى الذين يدعون وجود ثلاثة أقانيم في الذات الإلهية.
[3] الرافضة: فرقة من الشيعة تجيز الطعن في الصحابة، سموا بذلك لأنهم رفضوا نصح زيد بن علي حين نهاهم عن الطعن في الشيخين أبي بكر وعمر.
.
448. صفحة
أما نتائج هذه المحبة في الدنيا:
فمحبتك للأطعمة اللذيذة والفواكه الطيبة هي نعمة بلا ألم، ولذة عين الشكر.
وأما محبتك لنفسك فهي تعني الإشفاق عليها، وتربيتها، ومنعها من الأهواء المضرة، عندئذ لا تَرْكَبُكَ النفسُ ولا تجعلك أسيرًا لأهوائها، بل تركب أنت نفسَك وتسوقها إلى الْهُدَى لا إلى الهوى.
أما محبتك لرفيقة حياتك فبما أنها مبنية على حُسن سيرتها، ولكونها معدن الشفقة، وهدية الرحمة الإلهية، فإن أحببت تلك الرفيقة حبًّا خالصًا، وأشفقت عليها شفقة صادقة فهي كذلك تحترمك احترامًا حقيقيًّا، وتحبك حبًّا جادًّا، وكلما تقدمتما في السن زادت تلك الحالة فتقضي حياتك سعيدًا مسرورًا.
ولكن لو كانت تلك المحبة محبة نفسانية متوجهة إلى جمال الصورة فإنها تزول سريعًا وتفسد الحياة الزوجية.
وأما محبتك للوالد والوالدة فلأنها في سبيل الحق تعالى فهي عبادة، لذا تزداد احترامًا وحبًّا لهما كلما تقدما في السن، ثم إن تمنِّيَ طولِ عمرِهما والدعاءَ لبقائهما بصدق وبشهامة وهمة عالية وتقبيلَ أيديهما باحترام خالص لأجل كسب ثواب أكثر بسببهما؛ فذلك لذة روحانية سامية.
وإلا لو كان حبا لهوى النفس ولأجل منافع الدنيا، فهو ألم روحي وحشي قاتل كاستثقال وجودهما بحس دنيء وشعور منحط عندما يتقدمان في السن ويثقلان عليك، وذلك كَتَمَنِّي موت هذين المحترمين اللذين كانا سببًا لحياتك.
أما محبتك لأولادك؛ أي لهؤلاء المخلوقين المؤنسين المحبوبين الذين جعلهم الحق تعالى أمانة تحت رعايتك وتربيتك فهي محبة ونعمة مفعمة بالسعادة. فضلاً عن أنك لا تتألم كثيرًا بما أصابهم من المصائب، ولا تجزع ولا تبكي يائسًا على وفاتهم، بل تقول - كما ذُكر سابقًا - إن الموت لهؤلاء سعادة لأن خالقهم حكيم ورحيم، فتتفكر من جانبك في رحمة مَنْ وهبهم لك وتنجو من ألم الفراق.
449. صفحة
أما محبتك للأحباء والأصدقاء فلأنها لوجه الله تعالى فإنك تستفيد من تلك المحبة المعنوية والعلاقة الروحية، لأن فراقهم وحتى موتهم لا يحول([1]) دون صحبتكم ومحادثتكم وأخوتكم، وتكون لذة اللقاء دائمة دون انقطاع، وإن لم تكن هذه المحبة في سبيل الله فإن لذة لقاء يوم واحد تورث آلام الفراق لمائة يوم.([2])
وأما محبتك للأنبياء والأولياء فإنها لا تورث التوحش والتخوف من الرحيل إلى عالم البرزخ، بل تورث ميلاً واشتياقًا إليه، ولا تعكر صفو التمتع بالحياة الدنيا، لأن عالم البرزخ الذي يتراءى لأهل الغفلة مكانًا موحشًا مظلمًا، يتراءى لك كمنازل تَنَوَّرَتْ بوجود أولئك النورانيين.
فإن كانت محبة أولئك - أي الأنبياء والأولياء - من نوع محبة أهل المتمدِّنين التنويريِّين لمشاهير الإنسانية، فإنها تضيف أَلَمًا إلى حياتهم المليئة بالآلام بتفكرهم في فناء أولئك الأناس الكاملين وزوالهم، وتعفنهم في المقبرة الكبرى المسماة بالماضي؛ أي إنه يفكر ويقول: إنني كذلك سأدخل القبر الذي يرمم هؤلاء الأناس الكاملين، فينظر إلى المقبرة جَزِعًا([3]) قَلِقًا ويتأوه ويتحسر.
أما في وجهة النظر الأولى، فيفكر في أنهم في راحة كاملة في عالم البرزخ الذي هو ساحة الاستقبال، بعدما تركوا لباس الجسم في الماضي، فينظر إلى المقبرة نظرة من يأنس بها.
ثم إن محبتك للأشياء الجميلة، بما أنها في سبيل صانعها وبطرز: “مَا أَجْمَلَ صُنْعَهَا” فهذه المحبة تَفَكُّرٌ لَذِيذٌ في حد ذاتها، فضلاً عن أنها تَشُدُّ أنظار أذواقك التي تعشق الحسن وتُولَعُ([4]) بالجمال إلى كنوز مراتب جمال أسمى وأقدس وأجمل من ذلك الجمال بآلاف المرات، وتفتح لها آفاقًا لتتطلع إليها، لأنها تنتقل بك من تلك الآثار الجميلة إلى جمال
[1] يحول: يمنع.
[2] إن لقاء ثانية واحدة في سبيل الله يُعَدُّ سنة من العمر، أما إن كان لأجل الدنيا، فلِقَاءُ سنة كاملة يساوي ثانية واحدة.
[3] جزعا: خائفا.
[4] تولع: تغرم.
ة
450. صفحة
أفعال الله وتفتح للقلب طريقًا من تلك الأفعال إلى جمال الأسماء الحسنى، ومنها إلى جمال الصفات، ومنها إلى جمال الحق تعالى ذي الجلال الذي لا مثيل لجماله؛ نقول فهذه المحبة على هذه الصورة ذات لذة، وفي الوقت نفسه عبادة وتفكر.
أما محبتك لعهد الشباب؛ فبما أنك أحببته لكونه نعمة جميلة من الحق تعالى؛ فلا شك أنك ستصرفه في العبادة، ولن تقتله غرقًا في السفاهة. إذن إن ما كسبته من عبادات في ذلك العهد، هو ثمرات باقية للشباب الفاني، وكلما تقدَّمْتَ في السن حصلت على مزيد من ثمراتها الباقية التي هي إيجابياتها وخيراتها، وتخلصت من شرورها وطيشها، وفكرت في أنك ستوفق للعبادة في الشيخوخة أكثر فأكثر، وستنال الرحمة الإلهية أكثر فأكثر، ولن تبكِيَ مثلما يبكي أهل الغفلة خمسين سنة خلال شيخوختهم تأسفًا وتحسرًا على زوال الشباب مقابل لذة خمس أو عشر سنوات مضت في عهد الشباب، كما قال واحد من أمثال هؤلاء:
أَلاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَ المَشِيبُ
أما محبتك للمَعارض المزينة كالربيع، فبما أنها لأجل مشاهدةِ بدائعِ صنعة الله، فلا تزول لذة المشاهدة بذهاب ذلك الربيع؛ إذ تستطيع أن تشاهد كل وقت ما أودع فيه من المعاني، وكأنه رسالة مُنَمَّقَة مُذهَّبة([1])، فخيالك والزمن الشبيهان بالشريط السينمائي يجددان جمال ذلك الربيع وما أودع فيه من المعاني مع إدامتهما لك لذة المشاهدة هذه، فلن تكون محبتك عندئذ محبة مؤقتة مليئة بالأسف والآلام، بل لذيذة صافية خالصة لا شائبة فيها.
أما محبتك للدنيا، فبما أنها باسم الله وفي سبيله، فعندئذ تتحول موجوداتها المرعبة المفزعة إلى أصدقاء مؤنسين لك، وبما أنك تحبها لكونها مزرعة للآخرة، فإنه يمكنك في كل أمر من أمورك الدنيوية أن تجني ثمارًا وتكسب رأس مال تنتفع بهما في
[1] مذهبة: مطلية بالذهب.
451. صفحة
الآخرة، فلا مصائبها تفزعك، ولا زوالها يضجرك([1])، ولا فناؤها يضايقك، وتقضي فترة إقامتك في دار الضيافة هذه بهدوء وهناء؛ وإلا فإن أحببتها كما يحبها أهل الغفلة فستغرق - كما قلنا لك مائة مرة - في محبة عقيمة مضجرة ساحقة خانقة محكوم عليها بالفناء.
وهكذا فقد بيّنا لك إلى ههنا لذةً واحدةً فقط من مائة لذة تَذُوقُها من حبك لبعض محبوباتك، إن كانت محبتك وفق إرشاد القرآن الكريم، وأشرنا إلى واحدة من مائة من مضراتها إن لم تكن وفق إرشاد القرآن الكريم.
فإن كنت تريد أن تسمع وتفهم ثمرات حب هذه المحبوبات في دار البقاء وعالم الآخرة كما أشار إليها القرآن الحكيم بآياته البينات، فسنبين لك بيانًا مجملاً واحدةً فقط من مائة نتيجة وفائدة لكل واحد من تلك الأنواع المشروعة من المحبة في دار الآخرة بمقدمة وتسع إشارات:
المقدمة:
إن الحق تعالى بألوهيته الجليلة ورحمته الجميلة وربوبيته الكبيرة ورأفته الكريمة وقدرته العظيمة وحكمته اللطيفة، قد جهّز وزيّن وجود هذا الإنسان الصغير إلى هذا الحد من الحواس والمشاعر، وإلى هذه الدرجة من الجوارح والأجهزة ومختلف الأعضاء والآلات وتنوع اللطائف والمعنويات، حتى يُشْعِرَ الإنسانَ ويعلِّمه ويذيقه ويعرّفه بواسطة آلات متنوعة كثيرة جدًّا بما لاحد له من أنواع نعمه وأقسام إحساناته وطبقات رحمته، وحتى يُعَلِّمَهُ بتلك الآلات أنواع تجلياتٍ غير محدودة لألف اسم واسم من أسمائه الحسنى، ويجعله يزنها ويقيسها، ويحببها إليه.
فكما أن لكل آلة من تلك الآلات ولكل جهاز من تلك الأجهزة خِدْمَاتِها وعباداتِها الخاصة المختلفة؛ فكذلك لها لذائذها وآلامها ووظائفها ومكافأتها الخاصة المتباينة.
فمثلاً: العين تشاهد الجمال في الصُّوَرِ، وترى أنواعَ معجزات القدرة الجميلةَ في عالم المبصرات، فوظيفتها الشكر لصانعها من خلال نظرتها المعتبرة، وأما اللذة والألم المناسبان لفطرتها والناشئان عن النظر؛ فمعلومان لا يحتاجان إلى الوصف.
[1] يضجرك: يجعلك تضجر وتتضايق.
ير
452. صفحة
ومثلاً: الأذن تُحِسُّ أنواع الصدى ونغماته اللطيفة، وتشعر بلطائف رحمةِ الحق تعالى المنتشرة في عالم المسموعات، فلها عبادتها ولذتها ومكافأتها الخاصة بها.
ومثلاً: حاسة الشم تحس بلطائف رحمة الحق تعالى في عالم الروائح والعطور، ولها لذتها الخاصة بفطرتها، ووظيفة الشكر الخاصة بطبيعتها، ولا شك أن لها كذلك مكافأة خاصة بها.
ومثلاً: حاسة الذوق التي في اللسان تؤدي وظيفتَها بتلذذها بلذائذ جميعِ الأطعمة من خلال شكر معنوي في غاية التنوع.
وهكذا فلكل جهاز من أجهزة الإنسان، ولكل لطيفة من لطائفه المهمة العظيمة كالقلب والروح والعقل وظائفُها ولذائذُها وآلامُها الخاصة بطبيعتها وفطرتها، فلا شك أن الحق تعالى الحكيم المطلق سيعطي لهذه الأجهزة التي استخدمها في هذا الإنسان أجرةً تناسبها كل على حدة.
إن كل إنسان يشعر في قرارة نفسه بالنتائج الدنيوية العاجلة - المذكورة سابقًا - للأنواع المتعددة من المحبة، وتُثْبَتُ تلك النتائج بالحدس الصادق، أما نتائجها الأُخروية فكما أُثبت وجودُها إثباتًا قاطعًا وتحقُّقُها إجمالاً بـ “الحقائق الاثنتي عشرة” القاطعة الساطعة “للكلمة العاشرة” وبـ “الأسس الستة” الباهرة “للكلمة التاسعة والعشرين”، فإن وجودها ثابت قطعًا وتفصيلاً بتصريح وتلويح ورموز وإشارات الآيات البينات للقرآن الحكيم الذي هو أصدق الكلام وأبلغ النظام وكلام الله الملك العزيز العلاَّم، فلا داعي لإيراد مزيد من البراهين الطويلة علمًا بأنه وردت براهين كثيرة في سائر “الكلمات” - أي في رسائل النور - وفي “المقام الثاني” المُؤَلَّفِ باللغة العربية لـ“الكلمة الثامنة والعشرين” التي تخص الجنة.
الإشارة الأولى:
إن النتيجة الأُخروية للمحبة المشروعة المكللة([1]) بالشكر نحو الأطعمة اللذيذة والفواكه الطيبة في الدنيا هي بنص القرآن الكريم الأطعمةُ اللذيذة والفواكه الطيبة
[1] المكللة: المتوجة
ن.
453. صفحة
اللائقة بالجنة والمحبة المليئة بالاشتهاء تجاه تلك الأطعمة والفواكه، حتى إن كلمة “الحمد للّه” التي ذكرتَها بعدما أكلتَ فاكهة في الدنيا تُخلَق كفاكهة مجسمة وتُقدَّم إليك في الجنة، تأكل هنا فاكهة وهناك “الحمد للّه”. وثابت بنص الحديث الشريف وبإشارات القرآن الكريم وبمقتضى الحكمة والرحمة أن الشكر المعنوي اللذيذ سيقدَّم لك على صورة طعام لذيذ جدًّا في الجنة؛ إذ إنك ترى الإنعام الإلهي والالتفات الرحماني في النعم والأطعمة.
الإشارة الثانية:
إن نتيجة المحبة المشروعة تجاه النفس في الدنيا - أي المحبة غير المبنية على محاسنها بل المحبة المبنية على تكميل نقائصها بعد رؤيتها وتربيتها بالشفقة وسوْقها([1]) إلى سبيل الخير- هي إعطاءُ المحبوبات المناسبة لتلك النفس في الجنة.
وبما أن النفس قد أحسنت استعمال هواها ورغباتها في الدنيا، وأحسنت استخدام أجهزتها وأحاسيسها ومشاعرها في سبيل الحق تعالى؛ فإنه قد صُرِّح وأُثبت بكثير من الآيات القرآنية؛ أن الكريم المطلق سيعطيها في الجنة دارِ البقاء - نتيجة محبة مشروعة مُكَلَّلَة بالعبودية في الدنيا - الحورَ العين التي كل واحدة منها بمَنْزِلة جنة صغيرة ذات روح، بعدما يُلْبِسُها سبعين حُلّة([2]) مختلفة هي نماذجُ سبعين من أنواع الزينة واللطف المختلفة للجنة، وَيُزَيِّنُها بسبعين من أنواع الحسن الذي يُشْبِعُ ويلاطفُ كلَّ الحواس في النفس.
ثم إن نتيجة المحبة نحو الشباب في الدنيا؛ أي نتيجة صرف قوة الشباب في العبادة؛ هي شباب أبدي في دار السعادة.
الإشارة الثالثة:
أما النتيجة الأخروية لمحبتك رفيقةَ حياتك ضمن الدائرة المشروعة، أي نتيجة صونِها عن النشوز([3]) وتجنيبها سائر الخطايا والذنوب بالمحبة الصادقة المبنية على
[1] سوقها: دفعها.
[2] الحلة: الثياب الجديدة الجيدة.
[3] النشوز: نشزت المرأة أي اسْتَعصتْ على زَوْجِها وارْتفعَتْ عليه وأَبْغَضَتْه وخَرَجَتْ عن طاعته.
454. صفحة
لطيف شفقتها وجميل خصلتها وحسن سيرتها فهي:
أن الرحيم المطلق وعد بأنه سيعطيك رفيقة الحياة تلك في دار السعادة وهي أجمل من الحور العين وأزين وأفتن منهن، كصديقة أنيسة لطيفة أبدية مُحبّة ومحبوبة، تتجاذب معك أطراف الحديث بتلذذ وتُذَكِّرك بالذكريات الماضية في أيام خلت، ولا شك أنه جل وعلا سيفي بما وعد قطعًا.
الإشارة الرابعة:
أما نتيجة المحبة المشروعة تجاه الوالدين والأولاد؛ فهي أن أرحم الراحمين جل وعلا يُحسن إلى تلك العائلة السعيدة على الرغم من تفاوت مراتب أفرادها في الجنة لذة اللقاء الصافية التي لا يشوبها كدر فيما بينهم بما يليق بالجنة ودار البقاء من حسن المعاشرة مع اللقاء الأبدي، كما هو ثابت بنص القرآن الكريم، أما الأولاد الذين توفوا قبل سن الخامسة عشرة أي قبل سن البلوغ فيضعهم الحق تعالى في الجنة في أحضان والديهم في ألطف وضع وأحبّه على صورة أطفال تليق بالجنة كما عبر عنهم بتعبير: ﴿وِلْدَٰنٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ (سورة الواقعة: ٥٦/١٧) ويُرضي حسّ مداعبة الأولاد لديهم ويمنحهم ذلك الذوقَ وتلك اللذةَ الخالدةَ.
ولأن الأطفال لم يبلغوا سن التكليف فسيُخلَّدون كأولاد خالدين محبوبين لطيفين.
إن كل ما في الدنيا من الأشياء اللذيذة يوجد في الجنة على أفضل وأحسن وأكمل وجه، وقد كان يُظن أن متعة مداعبة الأطفال الحلوة لا توجد في الجنة، لأنها ليست محلاً للتوالد، إلا أن ملاطفة الأطفال ومداعبتهم موجودة فيها بأفضل صورها وأجمل أشكالها كما أوضحنا.
فيا بشرى لمن تُوُفِّيَ أطفالهم قبل سن البلوغ!
الإشارة الخامسة:
إن نتيجة المحبة تجاه الأحباء والأصدقاء الصالحين حسب حكم “الحب في الله” هي تمتعهم بنقلهم ما جرى لهم من أمور الدنيا والذكريات القديمة بصورة حلوة طيبة لطيفة
455. صفحة
جميلة وتحاورهم مع أحبابهم بمحبة وحوار صَافِيَيْن دون فراق، وَهُمْ جلوس على سُرُرٍ([1]) متقابلة في مرافئ([2]) الجنة والتي يُعبَّر عنها بـ ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَٰبِلِينَ﴾ (سورة الحجر: ١٥/٤٧) كما هو ثابت بنص القرآن الكريم.
الإشارة السادسة:
أما نتيجة محبة الأنبياء والأولياء كما بينها القرآن الكريم فهي الاستفادة من شفاعة أولئك الأنبياء والأولياء في البرزخ والحشر فضلاً عن الاستفاضة من المقام والفيوضات العالية السامية اللائقة بهم بواسطة تلك المحبة.
أجل؛ إن شخصًا بسيطًا عاديًّا يستطيع أن يدخل في أعلى مقام بانتسابه إلى مَن له مقام عال بسر “المرء مع من أحبّ”.
الإشارة السابعة:
أما نتيجة المحبة المشروعة للأشياء الجميلة وللربيع؛ أي محبتك إيَّاها بنظر “ما أجمل خَلْقَه وصُنعه” لجمال وانتظام الأفعال الموجودة وراء تلك الآثار، ولتجليات الأسماء الحسنى التي وراء انتظام الأفعال، ولتجليات الصفات الكامنة وراء تلك الأسماء الحسنى؛ فهي رؤية تجليات الأسماء الحسنى ورؤية الجمال والصفات في تلك الأسماء في دار البقاء على هيئةٍ أجمل من المصنوعات التي تعتبرها جميلةً بآلاف المرات، حتى قال الإمام الرباني رضي الله عنه: “إن لطائف الجنة هي تمثلات تجليات الأسماء الحسنى” فتأمل.
الإشارة الثامنة:
أما النتيجة الأخروية للمحبة الموسومة([3]) بالتفكر تجاه وجهي الدنيا الجميلين اللذين هما مزرعة الآخرة ومرآة التجليات للأسماء الحسنى فهي: إعطاء جنة باقية بسعة الدنيا، لكنها ليست فانية مثل هذه الدنيا الفانية. ثم إن الأسماء الحسنى التي
[1] سرر: جمع سرير
[2] مرافئ: جمع مرفأ، وهو الشاطئ أو الميناء.
[3] الموسومة: المُعَلَّمة بعلامة.
456. صفحة
أُظهرت على الظلال الضعيفة في الدنيا، ستُظهَر بأزهى جمالها وَأُبَّهَتِها في مرايا تلك الجنة.
ثم إن محبة الدنيا في وجهها الذي هو مزرعة للآخرة ستنتج جنةً؛ الدنيا بالنسبة لها لا تعدو أن تكون إلا مشتلاً صغيرًا يُنبِت الشتلات إلى حد ما؛ إذ ستنكشف حواس الإنسان وحسياته في أكمل وجه في الجنة مع أنها كانت كشتلات صغيرة في الدنيا، وستُعطى استعداداته الشبيهة ببذيرات ونوى قابلةً للتسنبل أنواعَ اللذائذ والكمالات، وهذا ثابت بنصوص الحديث الشريف وإشارات القرآن الكريم، كما أنه من مقتضى الرحمة والحكمة.
وبما أن الإنسان لم يحب ذلك الوجه المذموم الذي هو رأس كل خطيئة، بل يحب وجهي الدنيا اللذين يتوجهان إلى الأسماء والآخرة من أجل الأسماء والآخرة، وعمّر ذينك الوجهين بالعبادة الفكرية بما يجعله وكأنه أدّى عبادة بكل دنياه؛ فلا شك أن حصوله على مكافأة بِسَعَةِ الدنيا لهو من مقتضى الرحمة والحكمة.
ثم بما أنه أحبَّ مزرعة الآخرة بمحبة الآخرة، وأحب مرآة الأسماء الحسنى للحق تعالى بمحبة الحق تعالى؛ فلاشك أنه يريد محبوبًا بِسَعَةِ الدنيا وما هي إلا جنة بسعة الدنيا.
سؤال:
ما الحاجة إلى الجنة الخالية الواسعة إلى هذا الحد؟ وما فائدتها؟
الجواب:
لو كان من الممكن أن تتجول بسرعة الخيال في أقطار الأرض كلها وأغلب النجوم، لكان يإمكانك أن تقول: إن العالم كله لي، فلا يُبطِل حُكمَكَ هذا وجودُ الملائكة والناس الآخرين والحيوانات، وكذلك يمكنك أن تقول: إن تلك الجنة لي حتى لو كانت مليئة، وقد بُيِّن في “الكلمة الثامنة والعشرين” سرُّ إعطاء الجنة لبعض أهل الجنة بسعة خمسمائة سنة كما ورد في الحديث الشريف.
457. صفحة
الإشارة التاسعة:
إن نتيجة الايمان بالله ومحبته سبحانه هي:
مشاهدة الحق تعالى ذي الجلال وهو ذو الجمال والكمال المقدس الْمُنَزَّه ورؤيته([1]) كما هي ثابتة بالحديث الصحيح ونص القرآن الكريم.
وهذه الرؤية لا تساوي ألفُ سنة من حياة الجنة ساعةً منها، وحياة الجنة لا تساوي حياةُ ألف سنة من الدنيا السعيدة ساعةً منها، باتفاق أهل الكشف والتحقيق.
كل إنسان يشعر في قرارة نفسه بلهفة شديدة لرؤية مَن اشتهر بكمالٍ كسيدنا سليمان ويشعر أيضًا بشوقٍ عظيم عارم لرؤية من امتاز بجمالٍ كسيدنا يوسف عليه السلام.
فيا ترى كم يكون الشوق واللهفة لرؤية الذات الذي جميعُ محاسن الجنة وكمالاتها - التي تفوق جميعَ محاسن الدنيا وكمالاتها بآلاف الدرجات - تجلٍ من تجليات جماله وكماله، وكم تكون الرغبة والطلب لمشاهدته!
اللّهم ارزقنا في الدنيا حبَّك وحبَّ ما يقرّبنا إليك والاستقامة
كما أمرتَ وفي الآخرة رحمتَك ورؤيتك.
سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ
اللَّهُمَ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَنْ أَرْسَلْتَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ آمِين.
[1] تلك الرؤية تفوق جميعَ لذائذ الجنة إلى حد ينسيهم لذائذ الجنة، ويزداد حسنُ جمالِ أهل الرؤية بعد هذه الرؤية إلى حد أنْ لا يعرفهم أهلهم في قصورهم عندما يرجعون إلا بصعوبة بعد إمعان النظر،كما ورد في الحديث الشريف.
ون
458. صفحة
تنبيه
لا تَعتَبِرْ التفصيلات الطويلة الواردة في ختام هذه الكلمة طويلةً، فهي قصيرة بالنسبة لأهميتها؛ إذ تحتاج إلى نفصيل أكثرمن هذا.
والمتكلم في “الكلمات” - أي في رسائل النور كلها - ليس أنا، بل الحقيقة هي التي تتكلم باسم “الإشارات القرآنية” وإن الحقيقة تنطق بالحق وتقول الصدق.
لذا إن رأيتم خطأً فاعلموا يقينًا أن فكري قد خالط البحثَ وعكّر صفوه وأخطأ دون إرادة مني.
مناجاة
يا رب، كما أن مَنْ يَطْرُقُ باب قصرٍ عظيم ولم يُفتح له؛ يدق باب ذلك القصر بنداء وصدى مَن هو مقبول مأنوس في القصر حتى يُفتح له، فأنا العاجز كذلك أدق باب رحمتك بصدى عبدك المحبوب لديك أويس القرني([1]) وبمناجاته، فافتح لي برحمتك يارب باب رحمتك كما فتحتَ له.
[1] أويس القرني: أويس بن عامر بن جزء بن مالك المرادي القرني الزاهد سيد التابعين قتل يوم صفين مع علي بن أبي طالب W سنة سبع وثلاثين، أسلم على عهد رسول الله،# ومنعه من القدوم عليه بره بأمه وأخبر رسول الله # وأمر من أدركه من الصحابة أن يطلبوا منه الاستغفار لهم وقال هو خير التابعين وقال لعمر W اقرأه مني السلام وقال لو أقسم على الله لأبرَّه.
459. صفحة
أقول كما قال
فَاغْفِرْ لي ذنوبي، وتجاوز عني، واشف أمراضي يا الله يا كاف،
يا رب يا واف، يا رحيم يا شاف، يا كريم يا معاف، فَاعْفُ عني عن كل ذنب، وعافني من كل داء، وَارْضَ عني أبدًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
﴿ وءَاخِرُ دَعْوَيٰهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمَِينَ ﴾


