الكلمات الصغيرة

1. صفحة

 

من موازين رسائل النور.. ومن براهين الآخرة

 

 

 

 

الكلمة الأولى

 

 





 

 

تأليف:

بديع الزمان سعيد النورسي

   

 


2. صفحة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَبِهِ نَسْتَعِينُ

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالمِينَ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.


 

أيها الأخُ؛ لقد سألتني بعضَ النصائحِ، فاستمع مع نفسي إلى بِضْعِ حقائقَ وثماني حكايات قصيرة، صيغت بأمثلة عسكرية باعتباركَ جنديًّا؛ وحيث إنني أرى نفسي محتاجةً إلى النصيحة أكثرَ من أي أحد؛ فإنني قد قلت لها ذات مرة “ثمانيَ كلمات” - بشيء من الإسهاب - أفدتُها من ثماني آيات.

فالآن سأذكرها لنفسي مُوجَزةً وبلسان العوامِّ، فمن شاء فليستمع معها.

 

 


3. صفحة

الكلمةُ الأولى

 

(باسم الله) رأسُ كلِّ خيرٍ، فنحن – أيضًا - نستهلُّ بها.

فاعلمي يا نفسُ؛ أنّ هذه الكلمة المباركة ليست شعارَ الإسلام فحسب وإنما هي- أيضًا - وِرْدُ([1]) جميع الموجودات بألسنة أحوالها.

فإن شئتِ أن تفهمي كيف أن (باسم الله) قوةٌ عظيمةٌ لا تَنْفَدُ([2])، وبركةٌ لا تفنى؛ فانظري إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة واستمعي لها:

إن رجلاً يسيح([3]) في صحارى العرب البَدَوِيِّينَ عليه أن ينتسب إلى سيد قبيلة ويحتمي به، حتى ينجوَ من شرور قُطَّاعِ الطُّرق ويدركَ حاجاتِهِ، وإلا بقي وحده تَعِسًا شقيًّا أمام أعدائه واحتياجاته التي لا حدّ لها.

وفي سياحة كهذه ضَرَبَ([4]) رجلان في الصحْراء، كان أحدهما متواضعًا والآخر مغرورًا. فانتسب المتواضع إلى سيِّد ما، أما المغرور فلم ينتسب، فتجوَّل المنتسب بسلامة في كل مكان، وكلما صادفَهُ قاطعُ طريقٍ قال له: إنني أتجول باسم السيد فلانٍ؛ فَيَنْثَنِي عنه([5]) ذلك الشقيُّ، ولا يستطيعُ مَساسَه بسوء، وكلما دخل خيمةً وجد - بفضل ذلك الاسم - احترامًا.


[1] وِرْدٌ: جمعُها أَوْرَادٌ، وهو الجزء من القرآن أو الذكر يتلوه المسلم.

[2] تَنْفَد: تنتهي وتفنى.

[3] يسيح: يتجول.

[4] ضَرَبَ في الأرض: ساح وسافر.

[5] ينثني عنه: ينصرف عنه ويبتعد.



4. صفحة


وأما الآخر المغرور: فعانى في كل سياحته من بلايا لا توصف، فكان يَرْتَجِفُ([1]) ويتسوّل دائمًا، وأصبح ذليلاً مهينًا.

فيا أيتها النفس المغرورة؛ إنكِ ذلك السائحُ، وهذه الدنيا هي الصحراءُ، ولا حَدَّ لعجزكِ وفقركِ، ولا نهاية لأعدائِكِ وحاجاتِكِ.

فمادام الأمر هكذا فانتسبي إلى المالك الأبديّ، والحاكم الأزليّ لهذه الصحراء، حتى تتخلَّصِي من تسوّل الكائنات، ومن الفَرَقِ([2]) من أية حادثة.

أجل؛ إن هذه الكلمة كَنْز مبارك، وإنَّ عجزَكِ وفقرَكِ غيرَ المحدودَيْنِ يربِطانكِ بقدرةٍ ورحمة لا نهاية لهما، فتجعل العجزَ والفقرَ شفيعَيْنِ مقبولَين أمام باب القدير الرحيم.

أجل؛ إن مَثل من يتحرك بهذه الكلمة كمَثل رجل يَنْخَرِطُ([3]) في العسكرية ويتحرك باسم الدولة، ولا يَهاب أحدًا أيًّا كان؛ فهو يتكلم باسم الدولة وباسم القانون، ويُنجِز كلَّ الأعمال ويَصْمُدُ أمام كلِّ شيء.

فقد قلنا في البداية: إن كل الموجودات تقول بلسان الحال: (باسم الله). أليس كذلك؟! بلى.

ولو أنك رأيت فردًا واحدًا جاء وساق جَبرًا جميعَ أهالي المدينة إلى مكان ما، وسخَّرهم قَسْرًا([4]) في الأعمال؛ فستُوقِنُ أن هذا الرجل لا يتحرك باسمه ولا بقوته الشخصية، وإنما هو جنديٌّ يتحرك باسم الدولة، ويستند إلى قوة سلطانٍ؛ فكذلك كل شيء يتحرك باسم الله حتى النوى والبُذيراتُ الصغيرةُ كالذرات تحمل أشجارًا ضخمةً فوق رءوسها، وترفع أثقالاً كالجبال، فكلُّ شجرة إذن تقول: (باسم الله) وتملأ أيديَها بثمرات خزينة الرحمة وتقدمها لنا وكأنها معرضُ بائع في السوق.

وكلُّ بستان يقول: (باسم الله) ويغدو قِدْرًا من قدور مطبخ القدرة؛ حيث تُطبَخ فيه - مجتمعة - أطعمةٌ لذيذةٌ متعددةٌ بكثرة ووفرة.


[1] يَرْتَجِفُ: يرتعش ويخاف. 

[2] الفَرَقُ: الخوف الشديد.

[3] ينْخرط: ينتظم.

[4] قَسْرًا: قهرًا.



5. صفحة


وكلُّ الحيوانات المباركةِ؛ كالبقر والجَمل والضأن والماعز تقول: (باسم الله) فتصبح ينبوعَ لَبَنٍ من فيض الرحمة، فتُقدم لنا باسم الرزاق الغذاءَ الألطفَ والأنظفَ كماءِ الحياةِ.

وإن جذورَ النباتات والأشجار والأعشاب وعروقَها الرقيقةَ اللَّيِّنةَ كالحريرِ تقول: (باسم الله) فتثقبُ الحجرَ الأصمَّ والترابَ اليابسَ وتنفذُ منهما، وتقول: (باسم الله) و(باسم الرحمن) فيصبحُ كلُّ شيء مسخَّرًا لها.

نعم؛ إن انتشارَ الجذورِ في الحجَر الأصمِّ ([1]) والتراب اليابس بكمال السهولة وإعطاءَها الثمار تحت الأرضِ كانتشار الأغصانِ في الهواء وإثمارَهَا، وكذا بقاءُ الأوراقِ الخضراء اللطيفةِ الرقيقةِ رطْبةً نَدِيَّةً تحت شدة الحرارة ولَفْحَتِها شهورًا؛ إن ذلك كله لَيَصْفَعُ الطَّبِيعِيِّينَ([2]) صفعةً قوية على وجوههم، ويضع إِصْبَعَه في أعينهم - عَمِيَتْ أعيُنُهم – ويقول: إنه حتى الصلابةَ والحرارةَ اللَّتَيْن تعتمدون عليهما لا تتحركان إلا بأمر؛ إذْ إن تلك العروقَ الرقيقةَ الليِّنةَ كالحرير تشُقُّ الأحجار كعصا موسى عليه السلام امتثالاً لأمر: ﴿اِضْرِبْ بِعَصَاكَ الحَجَرَ(سورة البقرة:٢ -٦٠) وإن الأوراقَ اللطيفةَ الرقيقةََ كورقة السيجارة تتلو كأعضاء إبراهيم عليه السلام - إزاءَ([3]) الحرارة اللافحة - الآيةَ: ﴿يٰنَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا(سورة الأنبياء: ٢١-٦٩)

ولأن كلَّ شيء ينطق بـ (باسم الله) معنىً؛ فيَجلِبُ نِعَمَ الله ويقدمها لنا باسم الله؛ فعلينا كذلك أن نقول: (باسم الله) وأن نعطيَ باسم الله وأن نأخذ باسم الله؛ إذن علينا ألاّ نأخذ من أناس غافلين لا يُعطون باسم الله.

سؤال: إننا نقدم ثمنًا للذين هم بمنزلة العارضين للبضائع، فيا تُرى أيُّ ثمن يطلبه الله تعالى الصاحبُ الحقيقيُّ للمال ؟


[1] الأصمِّ: الصُّلب الأمْلس.

 

[2] الطَّبيعيون: هم مَن يردّون الأشياء إلى الطبيعة وحدها، ويفسّرون كل شيء في ضوئها، ويُرجِعون الظواهرَ كلَّها إليها، ويَستبعدون كلَّ مؤثر يُجَاوِزُ عالَمَ الطبيعة.

 

[3] إزاء: تجاه.

 



6. صفحة


الجواب: إن الثمن الذي يطلبه منَّا ذلك المنعم الحقيقي مقابل تلك النعم والأموال الثمينة؛ ثلاثة أشياء:

أحدها: الذِّكْر.

وثانيها: الشُّكْر.

وثالثها: الفِكْر.

في البَدء (باسم الله) ذِكْرٌ، وفي الآخر (الحمد لله) شُكْرٌ، وفي الوسط التفكر في أن هذه النِّعمَ القيِّمةَ البديعةَ هي معجزةُ قدرةِ الأحدِ الصمدِ، وهدايا رحمتِه، وإدراكُ ذلك فكرٌ.

 وكما أن تقبيلَ قدمَيْ شخصٍ مسكينٍ أتى إليك بهدية ثمينة من سلطان مع تجاهُلِ صاحبِ الهدية؛ فيه مِنَ البلاهة ما فيه؛ فإن المدحَ والمحبةَ للمُنعِمِينَ الظاهِرينَ ونسيانَ المنعِمِ الحقيقيِّ أشدُّ بلاهةً مِن ذلك ألفَ مرة.

فيا نفس؛ إن شئتِ ألاّ تكوني بَلهاء كهذا:

فأعطي باسم الله..

وخذي باسم الله..

وابدئي باسم الله..

واعملي باسم الله..

والسلام.


7. صفحة


الكلمةُ الثانية

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ(سورة البقرة: ٢-٣)

إن شئتَ أن تدرك كم في الإيمان من سعادة ونعمة عظيمة، وكم فيه من لذة وراحة كبيرة؛ فانظر إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة واستمع لها:

خرج رجلان - ذات يوم - في سياحة من أجل الاستمتاع والتجارة، وكان أحدُهما أنانيًّا شقيًّا وقد سلك جهةً ما، والآخَرُ ربانيًّا سعيدًا وقد سلك هو الآخَرُ جهةً أخرى، وشَرَعَا([1]) يمضيان في سَيْرِهما.

فالرجل الأنانيُّ - لأنه معجَبٌ بنفسه محِبٌّ لِذَاِتِه ومتشائمٌ - قد وقع في بلدة غايةٍ في السوء - حسب نظره - جزاءً لتشاؤمه، فما نظر إلا ورأى في كل مكان عَجَزَةً بائسين لا حيلة لهم، يصرُخون ويُوَلْوِلُونَ من بطش رجال طغاة غاشِمِين([2]) ومن أعمالهم المخرِّبة، ورأى في كل مكان تجوَّل فيه حالةً حزينةً مؤلمةً كهذه الحالة،كأن البلدة كلَّها في مأتمٍ عامٍّ، ولكيلا يُحِسَّ بهذه الحالة الأليمة المظلمة ما وجد مخرَجًا إلا السُّكْرَ؛ لأن الجميعَ يَتَرَاءَوْنَ([3]) له أعداءً وأجانبَ. ويرى كذلك في كل مكانٍ جنائزَ مذهلةً وأيتامًا يبكون بكاءً يائسًا؛ فيتعذب ضميره أيَّما عذاب.

أما الآخرُ الربانيُّ العابدُ للهِ ناشدُ الحقِّ فكان ذا خُلقٍ حَسَنٍ، إذ وقع في بلدة طيبة غايةٍ في الجمال -حسب نظره- فهذا الرجل الطيب يرى مباهج عامةً في البلدة التي

دخلها. ويتراءى له في كل طرف سرورٌ ومهرجاناتٌ ومجالسُ ذِكْر في جَذْبَةٍ([4]) ونَشْوَةٍ، ويبدو له الناسُ كلُّهم أصدقاءَ وأقرباءَ، ويرى في كل أنحاء البلدة حفلاتِ تسريحاتٍ عامةً تعلو فيها صيحاتُ الفرح وهتافاتُ الثناء، ويسمع أصواتَ الطُّبولِ والأناشيد مقترنةً بالتكبيرات والتهليلات في حفل تجنيد العساكر في جوٍّ من الفرح والسرور.


[1] شَرَعَ: بدأ.

[2] غاشِم: شديد الظلم.

[3] يَتَرَاءَوْنَ: يَظهَرون ويَبْدون.

[4] الجَذْبَةٌ: هي عند الصوفية حالٌ من أحوال النفس يغيب فيها القلبُ عن عِلْمِ ما يجري من أحوال الخلق ويتصل بالعالَم العلوي.



8. صفحة

أما الآخرُ الربانيُّ العابدُ للهِ ناشدُ الحقِّ فكان ذا خُلقٍ حَسَنٍ، إذ وقع في بلدة طيبة غايةٍ في الجمال -حسب نظره- فهذا الرجل الطيب يرى مباهج عامةً في البلدة التي

دخلها. ويتراءى له في كل طرف سرورٌ ومهرجاناتٌ ومجالسُ ذِكْر في جَذْبَةٍ([1]) ونَشْوَةٍ، ويبدو له الناسُ كلُّهم أصدقاءَ وأقرباءَ، ويرى في كل أنحاء البلدة حفلاتِ تسريحاتٍ عامةً تعلو فيها صيحاتُ الفرح وهتافاتُ الثناء، ويسمع أصواتَ الطُّبولِ والأناشيد مقترنةً بالتكبيرات والتهليلات في حفل تجنيد العساكر في جوٍّ من الفرح والسرور.

فبينما كان الرجلُ الأولُ الشقيُّ متألمًا بآلامه وآلام عامة الناس؛ كان الثاني السعيد يُسَرُّ بحاله وسرور عامة الناس، ويحصل على تجارة رابحة فيشكر الله، ثم يعود ويصادف الرجلَ الآخرَ ويدرك حالته؛ فيقول له: يا هذا؛ لقد صرت مخبولاً([2]) ويبدو أن ما في باطنك من القبائح انعكس على ظاهرك، بحيث إنك توهمت الضحكَ بكاءً والتسريحَ نهبًا وسلبًا، عُدْ إلى رشدك وطهّر قلبَكَ حتى تَنْزَاحَ عن بصرك هذه الغشاوةُ النَّكِدَةُ([3])، فتستطيعَ أن تُبصر الحقيقةَ.

لأنه لا يمكن أن تكون مملكةٌ تُظهِر هذا القدرَ من آثار التَرَقِّيَات والكمالات أمام الأعين بدرجة الكمال، لِمَلِكٍ في منتهى درجات العدل والرحمة وحماية الرعية والقدرة ومراعاة النظام والشفقة؛ في الصورة التي يُرِيكَهَا وهمُك.

وبعد ذلك يعود ذلك الرجلُ الشقيُّ إلى رشده وصوابه فيتندم ويقول: نعم؛ لقد أصبحتُ مخبولا جرّاء إدمان الخمر والسُّكْر، لِيرضَ الله عنك، إذ أنقذتَني من تلك الحالة الجهنَّمية.

فيا نفسُ؛ اعلمي أن الرجل الأول كافرٌ أو غافل فاسق، فهذه الدنيا دار مأتم عامٍّ في نظره، وكلّ ذوي الحياة أيتام يبكون من ضربات الفراق وصفعات الزوال.

وأما الحيوان والإنسان فمخلوقاتٌ سائبة([4]) شاردة تتمزق بمخالب الأجل، والموجوداتُ الضخمة الهائلة كالجبال والبحار في حكم جنائزَ مذهلةٍ بلا روح. وغيرُ


[1] الجَذْبَةٌ: هي عند الصوفية حالٌ من أحوال النفس يغيب فيها القلبُ عن عِلْمِ ما يجري من أحوال الخلق ويتصل بالعالَم العلوي.

 

[2] مخبولاً: معتوهًا، فاسدَ العقل.

 

[3] النَّكِدةُ: المشئومة، التعسة.

 

[4] سائبة: مهملة في رَعْيِهَا بدون قيد.

 



9. صفحة

ذلك من الأوهام الكثيرة المذْهلة الأليمة الساحقة كلُّها تنشأ عن كفره وضلاله، وتعذبه معنويًّا.

 أما الرجل الآخر فهو مؤمنٌ يعرف الخالق جلَّ وعلا ويصدّقه، وهذه الدنيا في نظره دارُ ذِكرٍ للرحمن، وساحةُ تعليمٍ وتدريبٍ للبشر والحيوان، وميدانُ امتحانٍ للإنس والجانِّ.

وأما الوَفَيَات الحيوانية والإنسانية فكلها تسريحاتٌ، والذين يُنهُون وظائف حياتهم ينتقلون مسرورين معنويًّا من هذه الدار الفانية إلى عالم هادئ؛ حتى ينفسح المجال للموظفين الجُدُدِ ليأتوا ويعملوا.

وأما المواليد الحيوانية والإنسانية فهي مجيءٌ إلى الجندية وتسلُّمٌ للسلاح ومباشرةٌ للوظيفة، وجميع ذوي الحياة عساكرُ موظفون مسرورون ومأمورون مستقيمون راضون.

وأما الأصداء كلها فهي إما ذكرٌ وتسبيح في بداية الوظيفة، وإما شكر وفرح بانتهائها، أو نغمات ناشئة عن نشوة العمل.

والموجودات كلها في نظر هذا المؤمن خُدَّامٌ مُؤنِسون، وموظفون أخلاَّء وكُتُب لطيفة لسيّدِه الكريمِ ومالِكه الرحيمِ، وغيرُ ذلك من الحقائق اللطيفة العُلويَّةِ واللذيذةِ الحلوةِ تتجلَّى وتظهر بإيمانه.

إذن؛ فالإيمان يحمل معنىً بَذْرةً لِطُوبَى الجنة، أما الكفر فيُضمِر معنىً بذرةً لِزَقُّومِ جهنمَ.

فالسلامة - إذن - والأمان إنما هما في الإسلام والإيمانِ ليس إلاَّ، فمادام الأمرُ هكذا فعلينا أن نقولَ دائمًا:

“الحمد لله على دين الإسلام وكمال الإيمان”


10. صفحة


الكلمةُ الثالثة

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

﴿يَٰآ أَيُّهَا النَّاسُ اعبُدُواْ رَبَّكُم....

(سورة البقرة: ٢-٢١)

إن أردتَ أن تدرك كيف أن العبادة تجارة وسعادة عظيمة، وكيف أن الفسق والسفاهة خسارة وهلاك جسيم؛ فانظر إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة واستمع:

يتلقى جنديان اثنان - ذاتَ يوم - أمرًا للذَّهاب إلى مدينة بعيدة، فيذهبان معًا حتى يصلا إلى موقع يفترق فيه الطريق حيث يوجد رجل، فيقول لهما:

هذا الطريق الأيمن، لا ضرر فيه، فضلاً عن أن تسعة أعشار سالكيه يجدون ربحًا وراحةً كبيرة، وذاك الطريق الأيسر، يُضَارُّ تسعةُ أعشارِ سالكيه مع عدم النفع فيه.

وكلاهما متساويان في الطول والقِصَرِ إلا أن بينهما فرقًا واحدًا، وهو:

أن سالك الطريق الأيسر الذي لا انتظام فيه ولا حكومة، يسير بلا حقيبة ولا سلاح، فيشعر خفةً ظاهريةً وراحة كاذبة.

أما سالك الطريق الأيمن الذي يخضع للنظام العسكري؛ فيجب عليه أن يحمل حقيبة مليئة بوزن أربع أَوَاقٍ([1]) من مستخلَصات غذائية، وأن يحمل سلاحًا حكوميًّا خارقًا بوزن أُوقِيَّتَيْنِ قادرًا على غَلَبَةِ أيِّ عدوٍّ وقهره.

وبعدما استمع هذان الجنديان إلى كلام هذا الرجل المعرِّف؛ سلك ذاك الجندي السعيد الجهةَ اليمنى، وحمل على كتفه وظهره رَطْلاً([2]) من الثِّقَلِ، إلا أن قلبَه وروحَهُ ينجُوَان من ثِقَلِ آلاف الأرطال من المِنَنِ والمخاوف.


[1] أَوَاقٍ: مفرده أوقية، وهي معيار من معايير الوزن يختلف باختلاف البلاد.

[2] رَطْلاً: مِعْيار يوزن به، يختلف باختلاف البلاد.



11. صفحة


أما ذلك الجندي الشقي فترك الجندية ورفض أن يتقيد بالنظام، وسلك جهةَ الشِّمال وتَخلَّص جسمه بمقدار ثِقْلِ رَطْلٍ؛ إلا أن قلبَهُ يَرْزَحُ([1])وينسحق تحت آلافِ الأرطال من أثقال المنن، وروحَهُ تحت مخاوفَ غيرِ محدودةٍ، وسار في سبيله سائلاً كلَّ واحد، ومرتجفًا من كل شيء وأَيَّةِ حادثةٍ، حتى بلَغ المحلَّ المقصودَ. وهناك لقي عِقابَ العُصاة والهاربين.

أما الجندي المحبُّ للنظام العسكري، والمحافظُ على حقيبته وسلاحه والسالكُ الطريقَ الأيمنَ فسار مرتاحَ القلبِ والوجدان دون أن يمتنَّ عليه أحدٌ ودون الخوفِ من أي أحدٍ؛ حتى بلغ المدينةَ المقصودةَ، وهناك لقيَ مكافأةً تناسب الجنديَّ الشريفَ الذي يؤدي وظيفتَهُ في أحسن صورة.

فيا أيتها النفس الجامِحَةُ([2])؛ اعلمي أن ذَيْنِك السالِكَيْنِ أَحدُهما يمثِّل المطيعين للقانون الإلهي، والآخَرُ يمثل العُصاةَ تابعي الهوى.

أما ذلك الطريق فهو طريق الحياة الذي يأتي من عالَم الأرواح فيمرُّ بالقبر ويمتد إلى الآخرة.

وأما تلك الحقيبةُ وذلك السلاح فهما العبادةُ والتقوى، فإن العبادة وإن كان لها ثِقَلٌ ظاهريٌّ فإنها في جوهرها راحةٌ وخِفَّةٌ لا توصَف؛ إذْ إن العابدَ يقول في صلاته: “أشهد أن لا إله إلا الله”؛ أي: لا خالقَ ولا رزَّاقَ إلا هو والضُّرُّ والنفعُ بيده هو، وهو حكيم لا يعمل عبثًا وهو رحيم كثير الإحسان والمرحمة.

وباعتقاده ذلك فإنه يجد بابَ خِزانَة الرحمةِ في كلِّ شيء فيطرقُهُ بالدعاء ويرى كذلك أنَّ كلَّ شيء مسخَّرٌ لأمر ربه فيلتجئ إليه، ويتحصَّن من كلِّ مصيبة بالاستناد إليه متوكلاً عليه، فإيمانه يمنحه أَمْنًا كاملاً.

أجل؛ إن منبع الشجاعةِ هو الإيمانُ والعبودية كما في الحسنات الحقيقية كلِّها، وإن منبع الجُبْنِ هو الضلالة كما في السيئات كلِّها.

نعم؛ إن عابدًا لله منوَّرَ القلبِ تنويرًا كاملاً لو أصبحت الكرةُ الأرضيةُ قنبلةً وانفجرت فلربما لا تخيفهُ، بل سيشاهِد القدرةَ الصمدانيةَ([3]) الخارقة بإعجاب باهر. بينما يرتجف


[1] يَرْزَحُ: يَضْعُفُ ويلتصق بالأرض من شدة التعب.

 

[2] الجامحة: الفرس الجامح هي التي تعصي أمرَ صاحبها، والرجل الجامح هو الذي يركب هواه.

 

[3] الصمدانية: نسبةٌ إلى الصمد، والصمد هو الذي يُقصَد وحده ويُلتجأ إليه وحده.

 


12. صفحة


فيلسوفٌ مشهور يقال عنه إنه منوَّرُ العقل لكنه فاسقٌ ميّتُ القلبِ إذا رأى مُذَنَّبًا([1]) في السماء وهو على الأرض، ويتساءل ويقول: يا تُرى! ألا يصطدم هذا النجم الشارد بكرتنا الأرضية؛ فيقع في الأوهام. (حقًّا إن أمريكا قد ارتعدت في زمن ما من نجم كهذا، وكثير منهم تركوا بيوتهم في الليل).

نعم؛ على الرغم من أن الإنسانَ محتاجٌ إلى ما لا نهايةَ له من الأشياء؛ فإنَّ رأسَ مالهِ في حُكْم اللاَّشَيْءِ، وعلى الرغم من أنه مُعَرَّضٌ لمصائبَ لا نهاية لها؛ فإن دائرةَ اقتدارِهِ في حُكْمِ اللاَّشَيْءِ، فكأن دائرةَ رأسِ مالهِ واقتدارِهِ بمقدارِ ما تصل إليه يدُه، بينما دائرةُ آمالِهِ ورغباتِهِ وآلامِهِ وبلاياهُ واسعةٌ سَعَةَ ما يَمْتَدُّ إليه بصرهُ وخيالُه.

وهكذا فإنَّ مَن لم يكن أعمى البصر والبصيرة كليًّا فإنه يرى ويدرك أن العبادة والتوكل والتوحيد والتسليم أعظم ربحًا وسعادةً ونعمةً لروح البشر المحتاجة العاجزة الضعيفة الفقيرة إلى هذا الحد.

ومن المعلوم أن الطريق الآمن يُرَجَّحُ على الطريق الخَطَرِ ولو كان احتمال الضرر في الطريق الخطر واحدًا من عشرة، وبالإضافة إلى أن طريق العبودية - التي هي قضيتنا هنا - عديم الضرر فإن كنْزَ السعادة الأبدية موجود فيه بنسبة تسعة من عشرة. وأما طريق الفسق والسفاهة فإنه لا نفع فيه - باعتراف الفاسق نفسه - فوجودُ هلاكِ الشقاءِ الأبدي فيه موجودٌ بنسبة تسعة من عشرة بدرجة الإجماع والتواتر بشهادة من لا يُعَدّون من أهل الاختصاص([2]) والمشاهدة، وحق وحقيقة بإخبار أهل الذوق والكشف.

الحاصل: إن سعادة الدنيا هي في العبادة والجندية لله، كما هو الحال في سعادة الآخرة؛ لذا علينا أن نردد دومًا:

“الحمد لله على الطاعة والتوفيق”

وعلينا أن نشكر الله دائمًا على أننا مسلمون.


[1] مُذَنَّبًا: جِرْمٌ سماوي له ذنب مضيء يدور حول الشمس في فَلَكٍ بيضاوِيٍّ.

 

[2] أهلُ الاختصاص: العلماء وأهل الذكر.

 



13. صفحة

الكلمةُ الرابعة

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

﴿الصَّلاَةُ عِمَادُ الدِّينِ

إذا أردت أن تدرك يقينًا – كضرب الاثنين في اثنين يساوي أربعًا – كيف أن الصلاة ذاتُ قيمة عالية وذاتُ أهمية بالغة، وكيف أنه سهل أداؤُها وقليلُ الكُلْفَةِ، وكيف أن تارك الصلاة إنسانٌ مخبول خاسر؛ فانظر إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة وتأمَّل:

يرسل حاكم عظيم في زمن ما اثنين من خدّامِه إلى مزرعتِه الخاصَّةِ الجميلة التي تبعد عنه مسافةَ شهرين؛ ليُقِيمَا فيها بعد أن يمنح كلَّ واحد منهما أربعًا وعشرين ليرةً ذهبيةً، ويأمرهما بإنفاق هذه النقود على مستلزَمات الطريق والتذكرة، وشراءِ بعضِ ما يلزم مسكنَهما من أشياء، وتوجد محطة على بعد يومٍ واحدٍ؛ فيها سيارة وسفينة وقطار وطائرة يُركَبُ كلٌّ منها حسب القدرة المالية.

 وينطلقُ الخادمان بعدما تَلَقَّيَا الدرسَ، وكان أحدُهما سعيدًا؛ حيث أنفق اليسيرَ من النقود لحين وصوله إلى المحطة، ومع ذلك نال تجارة رابحة تُعجِب سيدَه وارتفع بها رأسُ ماله من الواحد إلى الألف.

أما الخادم الآخر: فكان شقيًّا طائشًا، فقد أنفق ثلاثةً وعشرينَ مما عنده من الذهب لحين وصوله إلى المحطة، وبدّدَه في القِمار واللَّهو وأضاعه، وتبقَّت عنده ليرةٌ ذهبيةٌ واحدةٌ فقط، وهنا يقول له صاحبه: 


14. صفحة


يا هذا؛ أَنْفِقْ لِيرَتَك هذه في تذكرة سفر؛ حتى لا تبقى في هذا الطريق الطويل راجلاً([1]) جائعًا، فسيّدُنا كريمٌ لعله يرحمك ويعفو عمّا ارتكبتَهُ من تقصير ويحملك على طائرةٍ فنَصِلَ إلى محلِّ إقامتنا في يوم واحد، وإلا فستضطر إلى أن تذهب وحدَك سَيْرًا على الأقدام جائعًا في صحراءَ تقطعها خلال شهرين.

فيا تُرَى! لو عاند هذا الرجل ولم ينفق ليرتَهُ الذهبيةَ الوحيدة من أجل تذكرةٍ هي بمنزلة مفتاحِ كَنْزٍ، بل أنفقَها في السفاهة من أجل لذةٍ مؤقّتة، ألا يدرك ذلك - حتى أغبى إنسان - أنه رجل في غاية الحماقة، خاسرٌ شقيٌّ؟!

فيا تارك الصلاة، ويا نفسي المتضجرةَ من الصَّلاة!

إن ذلك الحاكمَ هو ربُّنا وخالِقُنا.

أما ذلكما الخادمان المسافران فأحدهما دَيِّنٌ يُؤَدِّي صَلاتَه بشوق، والآخر يمثل الغَفَلَةَ تاركي الصلاة.

وأما تلك الليراتُ الذهبيةُ الأربعةُ والعشرونَ فهي الأربعُ والعشرونَ ساعةً من كل يوم من العمر.

وأما تلك المزرعة الخاصة فهي الجنة.

وأما تلك المحطة فهي القبر.

وأما تلك السياحة فهي سفر البشر الذي يسير إلى القبر فإلى الحشر ثم إلى الأبد، وكلٌّ يقطع ذلك الطريق الطويلَ بدرجات متفاوتةٍ حسب عمله وقوَّةِ تقواهُ، فقِسمٌ من أهل التقوى يقطعون مسيرةَ ألف سنة في يوم واحد كالبرق، وقسم آخر يقطعون مسافة خمسين ألف سنة في يوم واحد كالخيال، والقرآن العظيم الشأن يشير إلى هذه الحقيقة في آيتين من آياته([2]).


[1] راجلاً: يسير على رجليه.

 

[2] إشارة إلى الآية الأولى في سورة الحج ﴿...وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (سورة الحج: ٤٧).

والآية الثانية في سورة المعارج ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (سورة المعارج: ٤) 


15. صفحة

 وأما تلك التذكرة فهي الصلاة؛ إذ تكفي ساعة واحدة لأداء خمسِ صلوات مع وُضوئِها.

فيا تُرَى كم يخسر وكم يظلم نفسه من يُنفق ثلاثًا وعشرين ساعةً من أجل هذه الحياة الدنيا القصيرةِ جدًّا ولا يُنفق ساعة واحدة فقط من أجل الحياة الأبدية الطويلة؟! وكم يكون سلوكُه هذا مُخَالََفةً للعقل؟!

وإن كان العقلُ يقبل إنفاقَ نصفِ مالِه في قِمار اليانصيب الذي يشترك فيه ألف شخص مع أن احتمال الربح فيه واحد من الألف.. إن كان العقلُ يقبل هذا فكم يكون سلوك هذا الشخص خلافًا للعقل والحكمة إن لم ينفق واحدا من أربعةٍ وعشرين من ماله لخزينة أبديةٍ مصدَّقٌ كسبُها باحتمال تسعةٍ وتسعين بالمائة؟! وكم يكون بعيدًا عن العقل؟ أفلا يَعقل هذا من يحسب نفسه عاقلاً؟

بيد أن الصلاة فيها راحةٌ كبيرةٌ للرُّوح والقلب والعقل، فضلاً عن أنها ليست بعمل ثقيل على الجسم، وبِنِيّة حسنة تأخذ الأعمالُ الدنيويةُ المباحة الأخرى حُكمَ عبادةٍ لمن يؤدي الصلاة، وبذلك يستطيع أن يجعل جميع رأسِ مال عمره مكاسب أخرويةً، ومن جهة يجعل عمرَه الفاني باقيًا.


16. صفحة


الكلمةُ الخامسة

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الّذِينَ اتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ

(سورة النحل: ١٦-١٢٨)

إذا أردت أن تدرك كيف أن إقامةَ الصلاةِ واجتنابَ الكبائرِ وظيفةٌ إنسانية حقيقية، وكيف أنها نتيجة فطرية مناسِبةٌ لِخِلْقَةِ البشر؛ فانظر واستمع إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة:

كان يوجد في أحد الكتائب في أثناء استنفار([1]) عامٍّ جنديان اثنان معًا أحدُهما مدرَّبٌ محِبٌّ للوظيفة والآخَرُ عديمُ الخبرة محب لنفسه.

كان المحب لوظيفته يهتم بالتدريب والجهاد، ولا يفكر مطلقًا في معيشته ووجبات طعامه؛ لأنه قد أدرك أن إطعامَهُ وتزويدَهُ بالعتاد والْمُؤَن ومعالجتَهُ إذا مرض وحتى وَضْعَ اللُّقمةِ في فمه عند الحاجة؛ كلُّ ذلك من وظيفة الدولة، كما أدرك أن وظيفته الأصليةَ هي التدريبُ العسكري والجهادُ، إلا أنه كان يقوم ببعض أمور الإعاشة وتجهيز العتاد، فيطبخ الطعامَ ويغسل الأوانيَ ويعدُّها، فإذا سُئِل: ماذا تعمل؟ يقول: أشتغل بالأعمال القَسْرية([2]) للدولة، ولا يقول: أعمل من أجل معيشتي.

أما الجندي الآخَرُ، عديمُ الخبرة، الأَكُولُ الشَّرِهُ([3])، فلم يكن يهتمُّ بالتدريب العسكريِّ والحرب، وكان يقول: ما لي أنا ؟ إنما ذلك من واجب الدولة.

وكان يفكر دائما في معيشته ويلهث وراءَها، ويترك الكتيبةَ ويذهب إلى الأسواق ليتسوق، وذات يوم قال له صاحبه المدرَّبُ:


[1] الاستنفار: الدعوة إلى النفير والخروج إلى القتال.

 

[2] القَسْريَّة: القهرية الإجبارية.

 

[3] الشَّرِه: النَّهِمُ شديد الحرص على الطعام والشهوة إليه.

 


17. صفحة


يا أخي؛ إن وظيفتَكَ الأصليةَ هي التدريبُ العسكريُّ والمحاربةُ، ولقد جِيءَ بك إلى هنا من أجل ذلك، فاعتمِدْ على السلطان فهو لن يدعَكَ جائعًا؛ إذ إنَّ ذلك واجبُهُ ووظيفتُه، وأنت عاجز وفقير لن تستطيع أن تجد من يطعمك في أي مكان، والوقت وقتُ جهاد واستنفار، وإن لم تفعلْ يعتبروكَ عاصيًا ويعاقبوكَ.

نعم؛ تبدو أمامنا وظيفتان اثنتان:

إحداهما: وظيفة السلطان؛ وهي القيام بإطعامنا ونحن بدورنا نقوم بخِدْمات له أحيانًا..

والأخرى وظيفتنا نحن، وهي التدريب والحرب، والسلطان بِدَوْرِهِ يساعدنا بالتسهيلات.

 فيا تُرَى كم يكون في خطر ذلك الجنديُّ الطائشُ([1]) إن هولم يُصْغِ إلى الجندي المجاهد المدرَّب؟! ستفهم ذلك.

فيا نفسيَ الكسول:

إن ميدانَ الحربِ المائجَ([2]) الهائجَ هو هذه الحياة الدنيا المضطربةُ الأحوالِ.

أما ذلك الجيش الذي قُسِّمَ إلى كتائبَ فهو الجمعيةُ البشريةُ.

وأما تلك الكتيبة فهي الجماعة الإسلامية لهذا العصر.

وأما ذلكما الجنديان:

فأحدهما: المسلمُ المتقي العالمُ بفرائضهِ الدينيةِ، والعاملُ بها وهو الذي يجاهد النفسَ والشيطانَ من أجل تَرك الكبائر وعدمِ ارتكاب الذنوبِ.

وأما الآخر: فهو الفاسقُ الخاسر الغارقُ في هموم عيشِه إلى درجة اتهامِ الرزّاق الحقيقي، وهو الذي يترك الفرائض، ويرتكب كلَّ ما يصادفه من ذنوب في سبيل تحصيل لقمة عَيْشه.


[1] طائشًا: منحرِفًا عن السلوك القويم.

 

[2] المائج: المضطرب.

 



18. صفحة


 وأما تلك الأوامر والتدريبات فهي العبادة وعلى رأسها الصلاة.

وأما تلك الحرب فهي مجاهدة النفسِ والهوى وشياطينِ الجنِّ والإنسِ؛ لإنقاذ القلب والروح من الذنوب والأخلاق الرذيلة والهلاك الأبديّ.

 أما تلكما الوظيفتان: فإحداهما مَنْحُ الحياة والإطعامُ، والأخرى تَعَبُّدٌ بحبٍّ وامتنانٍ لواهب الحياة الرزاقِ، والتضرعُ إليه، والتوكلُ والاعتمادُ عليه والثقةُ به.

أجل؛ إن مَن خلقَ ووهب الحياة - التي هي أسطع معجزة للصنعة الصمدانية وأروع حكمة ربانية - إنما هو وحدَه الذي يُدِيمُها ويغذّيها بالرزق ولا أحدَ غيرُه.

أتريد دليلاً؟

إن أضعفَ حيوانٍ وأبلَدَه([1]) ليُغَذَّى أحسنَ غذاءٍ كما هو حالُ ديدان الفواكه والأسماك، وإن أعجزَ مخلوقٍ وأَرَقَّه ليأكل أطيب رزق كما هو حال الأطفال والصغار.

 نعم؛ لكي تفهم أن وسيلة كَسْبِ الرزق الحلالِ ليست بالاقتدار والاختيار، وإنما هي بالعجز والضعف؛ يكفيك أنْ تُوازِنَ وتُقارِن بين الأسماك والثعالب، وبين الصغار والوحوش، وبين الأشجار والحيوانات.

إذن؛ فالذي يترك صلاتَه في سبيل هموم المعيشة مَثَلُه كمثل الجندي الذي يترك تدريباتِه وخَنْدَقَهُ، ويتسوَّلُ في الأسواق. ولكنَّ السعيَ وراءَ الرزق في مطبخِ رحمة الرزَّاقِ الكريم - لِئَلاَّ يكون الإنسان عالةً([2]) على الآخَرين – بعد قضاء الصلاة سعي جميل، بل هو شهامة ورجولة، وهو في الوقت نفسه عبادة.

ثم إن فطرة الإنسان واستعداداتِهِ المعنويةَ تدلان على أنه إنما خُلق للعبادة؛ إذ لا يبلغ الإنسانُ شأنَ أدنى عصفورٍ من جهة العمل والاقتدار الضرورِيَّيْن لحياتِه الدنيوية، ولكنه بعلمه وافتقاره من جهة العبادة والتضرُّع الضرورِيَّيْن لحياته المعنوية والأخروية يُعَدّ سلطانَ الحيوانات وقائدَها.


[1] أبلد: البليد هو قليلُ النشاط قليلُ الذكاء.

 

[2] عَالةً: عِبْئًا.

 



19. صفحة

إذن فيا نفس:

 لو جعلتِ الحياةَ الدنيويةَ غايةَ المقصِدِ، وسعيتِ من أجلها دائمًا؛ تكونِين في حُكْمِ أدنى عصفور.

أما إذا جعلتِ الحياةَ الأخرويةَ غايةَ المقصد، وجعلتِ هذه الحياةَ الدنيويةَ مزرعةً ووسيلةً لها، وعملتِ بمقتضى ذلك؛ فعندئذ تكونِين في حُكم قائدٍ عظيم للحيوانات، وتكونِين عبدًا مدلَّلاً متضرِّعًا، وضيفًا مكرَّمًا ومحترمًا لله جل وعلا في هذه الدنيا.

فدُونَكِ طريقيْنِ فَلَكِ أن تختاري أيَّهما شئتِ، واطلبي الهدايةَ والتوفيقَ مِن أرحم الراحمينَ.

 


20. صفحة


الكلمةُ السادسة

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾

(سورة التوبة: ٩-١١١)

إن بيعَ النفسِ والمالِ للحق تعالى، والعبوديةَ والجنديةَ له ما أربحَه من تجارة وما أشرفَه من رتبة، وإن أردت أن تدرك ذلك فاستمع إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة:

أعطى سلطانٌ - ذات يوم - مزرعة على سبيل الأمانة لاثنين من رَعيَّته كُلٍّ على حِدَةٍ، فيها كلُّ شيء من مصانعَ وآلاتٍ وخيولٍ وأسلحة، ولكن الوقت كان وقتَ حربٍ عاصفةٍ؛ لذا لا يستقر شيء في قراره([1])، فإما أَنْ يزولَ وإما أن يتبدلَ.

ولقد أرسل السلطان إليهما - من كمال رحمته - رسولاً خاصًّا كريمًا من رُسُله، فكان يخاطبهما بأمر سلطاني ملؤه الرحمة:

بِيعَا لي أمانتي التي تحت أيديكما حتى أحفظَها لكما كي لا تضيع هباءً منثورًا، وسأُعِيدُها لكما بعد انتهاء الحرب على صورةٍ أفضل، وكأن تلك الأمانة مِلكُكُما، وسأدفع لكما مبلغًا كبيرًا، وكلُّ تلك الآلات والأدوات التي في المصنع ستعمل باسمي أنا وفي معملي، وسترتفع أجرتُها وثَمَنُها من الواحد إلى الألف، وسأُعطي كلَّ الربح لكما، فأنتما عاجزان وفقيران لا تستطيعان أن تقوما بتكاليف تلك الأعمال الكبيرة، وسأتكفل أنا بكل التكاليف واللوازم، وسأُعطيكما كلَّ الواردات والمنافع، وسأُبْقِيها تحت أيديكُما حتى وقتِ التَّسريح. فهاكُما أرباحًا مضاعفة في خمس مراتب.


[1] قراره: مُسْتَقَرّه.

 

21. صفحة


وإن لم تبيعا لي فستزول عنكما كما تزول عن أيِّ شخص - وكما هو واضح لكما بالعيان لا أحد يستطيع المحافظةَ على ما في يده - وستذهب هباءً منثورًا وستُحرَمان من ذلك الثمنِ الغالي، وإن تلك الآلاتِ والموازين الدقيقةَ الحساسةَ القيّمةَ ستَفقِد قيمتها بالكُلِّيَّةِ لعدم وجود معادنَ وأعمالٍ نفيسةٍ للاستخدام وستقع مشقة الإدارةِ وكُلفتُها والمحافظة عليها على عاتقِكُما، وستعاقَبان عقاب مَن خان الأمانة، فها هي ذي خسائرُ مضاعَفةٌ في خمس مراتب.

أما البيع لي فيعني الانتسابَ العسكريَّ لي، والتصرفَ باسمي أنا، فبدلاً من أن تكونا أسيرَيْنِ عادِيَّيْنِ وشخصيْنِ مُهمَلَيْنِ متشرِّدَيْن؛ تصبحان حاجبيْنِ خاصَّيْنِ حُرَّيْنِ لسلطان عظيم.

وبعدما سمعَا هذا الخطاب السلطاني الذي فيه إكرام لهما، قال العاقل الرشيد منهما: على الرأس والعين، وأنا أبيع بكل فخر، وأتقدم بألف شكر.

أما الآخر المغرور، المُتَفَرْعِنَةُ([1])نفسُه، الأنانيُّ السِّكِّيرُ؛ فكأنه سيبقى خالدًا أبديًّا في تلك المزرعة؛ فقال وهو غافلٌ عن الزلازل الدنيوية واضطراباتها: لا، أيُّ سلطانٍ هذا؟ فإنّي لن أبيعَ مِلكي، ولن أُفسِدَ راحتي ونشوتي.

وبعد فترة وجيزة تَرَقَّى الرجل الأول إلى مرتبة جلعت كلَّ الناس يَغْبِطُونَه([2])، فنال لُطفَ السلطانِ، وأصبح يعيش في سعادةٍ في قصره الخاص.

أما الآخَرُ فقد ابتُلِيَ بحالةٍ جَعلَتِ النَّاس يَرْثُون([3]) لها، وفي الوقت نفسه يقولون: إنه مستحِقّ لهذا؛ إذ زالت سعادتُه وذهب مِلْكُه نتيجةَ خطئه فهو يُعَاني العذابَ والعقوبةَ.

فيا أيتها النفسُ الكثيرةُ الآمالِ والهوى؛ انظري إلى وجه الحقيقة

بمنظار هذا المثال.

أما ذلك السلطان فهو ربُّكِ وخالقُكِ الذي هو سلطان الأزلِ والأبدِ.

وأما تلك المزارع والآلات والأدوات والموازين فهي ما تملِكِينه في دائرة حياتِكِ، وما فيما تملِكِينه من جسم وروح وقلب، وما فيها من الحواس الظاهرة والباطنة كالعين واللسان والعقل والخيال.


[1] المُتَفَرْعِنَةُ: المتجَبِّرَةُ كالفرعون في تجبّره وبطشه.

 

[2] يَغْبِطُونه: يحسدونه على النعمة التي هو فيها دون أن يتمنّوا زوالها

 عنه.

 

[3] يَرْثُون له: يحزنون ويبكون عليه.

 

22. صفحة


أما ذلك الرسول الكريم فهو الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم.

وأما ذلك المرسومُ السلطاني([1]) الأحكمُ فهو القرآن الحكيم حيث يعلن ما نحن بصَدَدِه من تجارة عظيمة بآيته الكريمة هذه: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾(سورة التوبة: ٩-١١١)

وأما ميدان الحرب المائجُ الهائجُ فهو وجهُ هذه الدنيا العاصفُ حيث لا يستقر، بل يتقلَّب ويتغير ويَفْسُد ويوحِي لعقلِ كلِّ إنسانٍ بالتساؤل الآتي:

“بما أن كل شيء سيُفلِت من أيدينا فيَفنى ويغيب، فيا تُرَى؛ ألا توجد هناك وسيلةٌ لإبقائه وإدامته؟”

فبينما هو يتساءل ويفكر هكذا وإذا بصدىً سماويٍّ للقرآن الكريم يُسمَعُ ويقول: نعم توجد، إنها وسيلة طيبة مريحة وبصورة مربحة في خمسِ مراتبَ.

سؤال: ما هي تلك الوسيلة؟

الجواب: بيعُ الأمانة لصاحبها الحقيقيِّ، ففي هذا البيع ربح مضاعف لخمسة أرباح.

الربح الأول: المال الفاني يكتسب البقاءَ؛ لأن هذا العمر الزائل إذا بُذِل وصُرِف من أجل القيوم الباقي ذي الجلال؛ ينقلب عمرًا باقيًا ويثمر ثمارًا باقيةً، فحينئذ تَفنى كل دقائق العمر وكأنها في حُكم البذور والنوى، وتتفسخ ظاهريًّا ولكنها تُزهر أزاهيرَ سعادةٍ في عالم البقاءِ وتُنبِت سنابل وتكون منظرًا منيرًا مؤنِسًا في عالم البرزخ.

والربح الثاني: يُعطَى ثمنٌ مثلُ الجنة.

والربح الثالث: ترتفع قيمةُ كلِّ عضوٍ وحاسةٍ من الواحد إلى الألف فمثلاً العقل آلة، إن تستعملْه لحساب النفس ولم تَبِعْهُ لله، فسيصبح حينئذ آلةً مشئومة مزعجة معجِّزة؛ حيث يهوي إلى دَرَكِ آلةٍٍ مشئومة مضرة تُحمِّل رأسَك العاجزَ المسكينَ آلامَ الماضي المحزنةَ، وأهوالَ المستقبلِ المخيفةَ، فلذلك غالِبًا ما يَهرُب الرجلُ الفاسق إلى السُّكْر،


[1] المرسوم السلطاني: الفرمان والقرار الصادر عن السلطان.

 



23. صفحة


أو إلى اللهو، للتَّخلص من إزعاج العقل وتعجيزه، وأما إذا بعته إلى مالكه الحقيقي، واستعملته لحسابه فإنه يكون مفتاحًا ذا طلسمٍ([1])يفتح خزائن الرحمة اللانهائية وكنوزَ الحكمة غير المحدودة في هذا الكون، ويرقى بذلك إلى درجة مرشدٍ رباني يهيئ صاحبَه للسعادة الأبدية.

فحاسَّةُ العين - مثلاً - نافذةٌ؛ تُشاهِد الروحُ من خلالها هذا العالمَ، فإن تستعملْها لحسابِ النفس ولم تبعْها لله تعالى، فإنها بمشاهدتها الجمالَ وبعضَ المناظرِ المؤقتةِ التي لا دوام لها، تصبح خادمًا في دَرَكَةِ([2]) قَوّادٍ([3]) للشهوةِ والهوى النفساني، ولكنك إذا بعت العينَ لصانعِ العين البصيرِ، واستعملتها في سبيله وتحت دائرة إذنه؛ عندئذ ترقى تلك العين إلى درجة مُطالعٍ لذلك الكتاب الكبير للكون ومُشاهدٍ لمعجزات الصنعة الربانية في هذا العالم ونحلةٍ مباركةٍ تستمدّ رحيقها من أزاهير الرحمة في حديقة الكرة الأرضية.

ومثال ثالث: إن لم تبِعْ القُوَّةَ الذَّائِقَةَ للِّسان إلى فاطرها الحكيم واسْتَعملتَها لحساب النفس وباسم المعدة، فسَتَنْحَطُّّ وتسقط إلى دركة بوّاب مصنع المعدة وإِسْطَبْلِها([4])، ولكنك إن بعتها للرزّاق الكريم، فسترقى القوة الذائقة في اللسان إلى رتبة ناظٍر ماهرٍ لخزائن الرحمة الإلهية ومفتشٍ شاكرٍ لمطابخ القدرة الصمدانية.

فيا أيها العقل انتبه! أين دركة الآلةِ المشئومةِ من درجة مفتاح الكون.

ويا أيتها العين؛ أحسني النظرَ، أين دَرَكة القوّاد العاديِّ من درجة الناظر المتفَنِّنِ للمكتبة الإلهية.

ويا أيها اللسان أحسن التذوقَ، أين دركةُ بوّابِ الإسطبلِ وحاجِبِ([5]) المصنع من درجة ناظرٍ لخزينةٍ خاصة للرحمة.


[1] طلسم: لغز أو شيء غامض.

 

[2] دَرَكَة: مقابلُ الدرجة، وهي المنزلة السفلى.

 

[3] القَوّاد: سِمسار الفاحشة.

 

[4] إسطبل: حظيرة الخيل.

 

[5] حاجب: الحارس والمانع من الدخول بدون إذن.

 


24. صفحة


وإذا قِستَ بقيةَ الأعضاء والحواس الأخرى على هذا فإنك ستُدرك أن المؤمن يكتسب حقًا ماهِيَّةً([1]) لائقة بالجنة، ويكتسب الكافرُ حقًّا ماهيةً موافقةً لجهنم وأن سببَ كسبِ كلٍّ منهما تلك القيمةَ، هو استعمالُ المؤمن بإيمانه أمانةَ خالقِه باسمه تعالى وفي دائرة إذنه، واستعمالُ الكافرِ أمانةَ خالقِه خيانةً لحساب النفس الأمَّارة.

الربح الرابع: إن الإنسان ضعيف، كثيرةٌ بلاياه، وهو فقيرٌ كثيرُ الاحتياجات، وهو عاجز وعبءُ حياتِه ثقيل جدًّا، فإن لم يستندْ إلى القدير ذي الجلال ولم يتوكل عليه، ولم يعتمد عليه ولم يستسلم له، يبقَ وجدانه في عذاب دائم، وتُغرِقه المشقاتُ والآلامُ والحسراتُ والأحزانُ دون فائدة أو ثمرة؛ وتجعلُه إما سِكِّيرًا ثَمِلاً([2]) أو حيوانًا مفترسًا متوحشًا.

الربح الخامس: لقد اتفق أهلُ الذوقِ والكشف، وأهلُ الاختصاصِ والمشاهدةِ، على أن عبادةَ كلِّ تلك الأعضاءِ والحواسِّ وتسبيحاتِها وأثمانَها الغاليةَ ستُعطىَ لك في صورة ثمرات الجنة في وقت أنت فيه في أَمَسِّ الحاجة إليها.

وهكذا إن لم تُزَاوِلْ هذه التجارةَ المربحة في خمس مراتب - فضلا عن أنك تُحرَم من تلك الأرباح - فستَسقُط في خمس دركات من الخسائر.

الخسارة الأولى: سيضيع ويزول ما أحبَبْتَه من مال وأولاد حبًّا جمًّا، وما أحببته من نفس وهوى بدرجة العبودية وما فُتِنْتَ به من شباب وحياة. كل ذلك سيزول عنك، مع أنه سيَترُك لك آثامَها وآلامَها وسيحمِّلُها على عاتقك.

الخسارة الثانية: ستَنال عقابَ خيانة الأمانة؛ لأنك ظلمت نفسك باستخدامك الأعضاءَ والحواسَّ الثمينةَ في أَحقَر الأمور وأبخسها.

الخسارة الثالثة: ظَلمت وافتريت على الحكمة الإلهية بإسقاطك جميعَ تلك الأعضاء والحواسّ الإنسانية القَيِّمَةِ إلى دركةٍ أسفلِ من الحيوانية بكثير.

الخسارة الرابعة: ستُوَلْوِلُ وتصرخ دومًا تحت صفعات الزوال والفراق بتحميل كاهلِك الضعيفِ - مع عجزك وفقرك - عبءَ الحياة الثقيل.


[1] الماهيَّة: الحقيقة وَالْكُنْهُ.

 

[2] ثَمِلاً: سكرانَ مخمورًا.

 

25. صفحة

الخسارة الخامسة: تبديل الهدايا الرحمانيةِ، كالعقل والقلب والعين واللسان، تلك الهدايا التي وُهِبت لك للحصول على أساسات الحياة الأبدية ولوازم السعادة الأخروية، وتحويلُها إلى صورة قبيحة تفتح لك أبوابَ جهنم.

والآن.. فلننظر إلى البيع، فيا ترى هل هو ثقيل وصعب إلى هذه الدرجة بحيث يهرب كثيرون من ذلك البيع؟ لا، ليس له ثِقَلٌ وصعوبة مطلقًا؛ إذ إن دائرة الحلال واسعةٌ تكفي للراحة والرغبات، فلا داعي للوقوع في الحرام أصلاً.

وأما الفرائض الإلهية فخفيفة قليلة، وأمّا الجندية والعبودية لله فهي شرف ذو لذة لا توصف.

وأما الوظيفة فينبغي أن يعمل المرءُ ويبدأَ باسم الله كجندي فحسب، وأن يعطي ويأخذ في سبيل الله، وأن يتحرك ويسكن في حدود إذنه وقانونه، وأن يستغفرَ إذا أخطأ، وأن يتضرع إليه ويقولَ: يا ربِّ؛ اعْفُ عن تقصيرنا، واقْبَلْنَا عبادًا لك، واجعلنا أمناءَ على أمانتك إلى وقت قبضها.

آمين.

 


26. صفحة


الكلمةُ السابعة

 

إذا أردت أن تدرك كيف أن: “آمَنْتُ بِاللهِ” و “بِالْيَوْمِ الآخِرِ” الكاشفَيْنِ للطَلْسَمِ([1]) المُغلَقِ لهذا الكون والفاتِحَيْنِ أبوابَ السعادة لروح البشر؛ طَلْسَمَانِ قَيِّمَانِ يَحُلاَّنِ المعضِلات([2])، وكيف أن توكل الإنسان على خالقه والتِجاءَه إليه صابرًا، وأن سؤاله ودعاءه لرزاّقِه شاكرًا نافعانِ وأنهما علاجَان ناجِعَان([3]) كالترياق. وإذا أردت أن تدرك كيف أن الإنصاتَ للقرآن الكريم والانقيادَ لحُكمه وإقامةَ الصلاة وتركَ الكبائر تذكرةٌ وزاد للآخرة ونورٌ للقبر في رحلة أَبَدِ الآبَادِ، تذكرةٌ لها أهميةٌ وقِيْمَةٌ وإشراق، فانظر إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة واستمع:

ذاتَ مرة وقع جندي في وضع مذهل بميدان الحرب والامتحان في أثناء تداوُل الربح والخسارةِ، فقد جُرح بجُرحَين غائرَين([4]) في طرَفَيْه الأيمن والأيسر، ووقف خلفه أسدٌ جسيم([5]) كأنه سيهجم عليه، ونُصِبَت أمام عينيه مِشْنَقَةٌ تَشْنُقُ كلَّ أحبائه وتَمحوهم وتنتظره هو الآخرَ، وفضلاً عن ذلك وهو في هذه الحالة فإن له رحلةً طويلةً سيُنْفَى فيها.

فبينما كان هذا المسكين يفكر في هذه الحالة المذهلة يائسًا؛ إذْ برجل نُورانيٍّ خيّرٍ - كالخِضر عليه السلام - يظهر على جِهَتِه اليُمنىَ ويقول له: لا تيأس سأعطيك طَلْسَمين وأُعلِّمُكَهُما، إذا استعملتَهما استعمالاً حسنًا يصبح ذلك الأسدُ فرسًا مُسَخَّرًا


[1] الطَّلْسَم: لُغْز أو شيء غامض.

 

[2] المعضِلات: المشكلات.

 

[3] نَاجع: مفيد، نافع.

 

[4] غائرَيْن: عميقين.

 

[5] جسيم: عظيم.

 


27. صفحة


لك، وتتحول تلك المِشنقةُ إلى أُرجُوحةٍ([1]) مريحة لك للتمتع والتنَزُّهِ، وسأعطيك كذلك علاجين إذا استعملتهما استعمالاً حسنًا ينقلب ذلكما الجُرحانِ المُتَعفِّنانِ إلى زَهرتين شَذِيَّتين([2]) لطيفتين من الزهر الذي يُسمَّى بالوَرد المحمديِّ على صاحبه الصلاة والسلام، وسأعطيك تذكرة تقطع بها مسافة سنة في يوم واحد كأنك تطير، فإن لم تصدق فجرب قليلاً؛ حتى تعلمَ أنَّني على صدق.

والجندي قد جرَّب قليلاً فعلاً فوجد أنه على حق. نعم؛ وكذلك أنا - المسكين - سعيد، أصدق ذاك، لأنني جربته قليلاً ورأيته حقًّا تمامًا.

ثم فجأة رأى رجلاً دسَّاسًا([3]) سِكِّيرًا ماكرًا كالشيطان، جاء وبِحَوْزَتِهِ([4]) مُزيَّناتٌ كثيرة وصورٌ مزَخرَفةٌ، وقف أمامه، وقال له: أيها الصَّدِيق؛ تعال، تعال لِنتناولِ الخمرَ ونَلْهُ([5]) معًا، ولْنَنْظُرْ إلى صُوَر الحَسْناواتِ هذه، ولْنستمعْ إلى هذه الأغاني اللطيفة، ولْنأكُل هذه الأطعمةَ اللذيذةَ.

سؤال: ها، ها، فما الذي تقوله سِرًّا في فمك؟

الجواب: طَلْسَمٌ.

 - : دَعْكَ من هذا الشيء الغامض، فلا نُُعَكِّر صَفْوَنَا، ولا نُفسد نَشْوَتَنا.

السائل: ها، وما هذا الذي في يديك؟

الجواب: علاجٌ.

السائل- : اِرْمِهِ، فأنت سليم، ما بك؟ فالوقت وقت طَرَبٍ.

 - ها، وما هذه الورقة ذاتُ العلامات الخمس؟


[1] أُرْجُوَحَةٌ: الجمع أراجيح وهي أداة تترجح براكبها وهي حبل يُشَدّ رأساه في مكان مرتفع ويَقعد فيه الصِّبْيانُ فيجيء ويذهب معلَّقًا في الهواء.

 

[2] شَذِيَّتَيْنِ: عَطِرتين.

 

[3] دساسا: من يسعى بين الناس بالدَّسِّ والوَقِيعَة.

 

[4] بِحَوْزَتِه: عنده، ومعه.

 

[5] لِنَلْهُ: فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذفُ حرف العلة، فأصله:

 نلهو.

 

28. صفحة


الجواب: تذكرةٌ، سندٌ([1]) للمُخصَّصاتِ.

السائل: مزِّقْها، ما لنا ولهذا السفر في فصل الربيع الجميل هذا.

 ويحاول إقناعَه بكل دَسِيسَةٍ([2])، حتى مال إليه ذلك المسكينُ قليلاً.

أجل؛ إن الإنسان لَيَنخَدِع [وأنا كذلك كنت قد انخدعتُ لدسَّاس كهذا] وفجأة سُمع صوت كالرعد من جهته اليُمنىَ يقول: إياك وأن تنخدع وقُلْ لذاك الدَّسَّاسِ: إذا كانت لديك حِيلة بحيث تَقتلُ الأسدَ الذي خلفي، وترفعُ المِشْنَقَةَ التي أمامي وتُضَمِّدُ([3]) الجروح التي على يميني وشِمالي، وأن تَحُول([4]) بيني وبين الرحلة التي أمامي، وإن كنت تستطيع أن تجدها - الحيلةَ - فهيا افعل وأَرِنَا لنرَى، ثم بعد ذلك قل لي: تعال لِنَلْهُ، وإلا فاخرَس أيها الأحمق؛ حتى يقولَ ما قالَه ذاك الرجلُ السماويُّ الشبيهُ بالخِضر عليه السلام.

فيا نفسي التي ضحكَت في شبابها؛ والتي تبكي الآن على ضَحِكها؛ اعلمي أن ذلك الجندي المسكين هو أنتِ؛ أي الإنسان.

وأما ذلك الأسد فهو الأجَل.

وأما تلك المِشْنَقَةُ فهي الزوال والفراق؛ إذ مع تعاقُب الليل والنهار يُوَدِّعُنَا كلُّ رفيقٍ ويغيب عنا.

وأما ذلكما الْجُرحان فأحدهما هو العجز البشريُّ المزعج الذي لا حد له والآخر الفقرُ الإنسانيُّ المؤلم الذي لا نهاية له.

 وأما ذلك النفي وتلك الرحلة فسَفَرٌ امتحانيٌّ طويلٌ يمر بعالَم الأرواح ورَحِمِ الأمِّ والطفولةِ والشيخوخةِ والدنيا والقبرِ والبَرْزَخِ([5]) والحشرِ والصراطِ.


[1] سَنَدٌ: وثيقة.

 

[2] دَسيسَةٌ: اَلْمَكِيدة أو الحِيلةُ الخفيَّة.

 

[3] تُضمِّد: تعالج وتطبِّب.

 

[4] تَحُول: تمنع.

 

[5] البَرْزَخُ: ما بين الموت والبعث.

 


29. صفحة


وأما ذلكما الطَّلْسَمانِ فهما الإيمانُ بالله وبالآخرة.

نعم؛ فإن الموت بهذا الطَّلْسمِ القُدْسِيِّ يتخذ صورةَ فرس مسخَّرٍ وبُراقٍ([1]) يحمل الإنسانَ المؤمنَ من سجن الدنيا إلى روضات الجِنان وإلى حضرة الرحمن ومن أجل ذلك فإن الناس الكاملِين الذين رَأَوْا حقيقةَ الموت قد أَحَبُّوا الموتَ، بل تمنَّوْا الموتَ قبل أن يأتِيَهم.

ثم إن الزوالَ والفراقَ والموتَ والوفاةَ ومرورَ الزمانِ الذي بِمَنْزِلة المشنقة يتخذ بطَلْسَم الإيمان ذلك صورةَ واسطةٍ لتأمُّلِ ومشاهدة نقشِ معجزاتِ الصانعِ ذي الجلال وخوارقِ قدرتهِ وتجليات رحمته النضِرَة النَّدِيَّةِ الملوَّنةِ الزاهية المتنوعةِ الكثيرة بكمال اللَّذةِ.

أجل؛ إن تبدل وتجدد المرايا التي تعكس الألوانَ الموجودة في نور الشمس وتَغَيُّرَ الصورِ في شاشة السينما لَتشكِّلُ مناظرَ لطيفةً وجميلةً.

وأما ذلكما العلاجان:

فأحدهما: التوكّلُ مع الصبرِ والاستنادُ إلى قدرة الخالق والاعتمادُ على حكمتِه، أهو كذلك؟

نعم؛ أيُّ خوفٍ يبقى لدى الإنسان الذي يستند بوثيقة العجز إلى سلطان الكونِ المالِكِ لأمر ﴿كُنْ فَيَكُونُ(سورة يس: ٣٦-٨٢)

إذ إنه حِيالَ أَفْزَعِ مصيبة يعتمد على ربه الرحيم باطمئنان القلب قائلاً: ﴿إِنَّا لِلَّهِِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ (سورة البقرة: ٢-١٥٦)

أجل؛ إن العارفَ بالله يتلذذ بالعجز ومخافة الله، نعم؛ إن في الخوف

لذةً، لوكان لطفل في السَّنَة الأولى من عمره عقلٌ فسُئِل: ما هي ألذّ حالاتك وأحلاها؟ لعله سيقول: هي تلك الحالةُ التي ألتجئ فيها مرة ثانية عند شعوري بعجزي وضعفي إلى صدر والدتي الشفوقِ خائفًا من لطمتها اللطيفةِ، مع أن شفَقَةَ كلِّ الوالداتِ ليست


[1] البُراقُ: دابَّة يركبها الأنبياء عليهم السلام، وقيل فَرَسُ جبريل عليه السلام.

 



30. صفحة


إلا لَمْعَةً([1]) لتجلي الرحمة الإلهية، من أجل ذلك فإن أهل الكمال من البشر قد وجدوا لذةً - وأية لذة- في العجز أمام الله والخوفِ منه؛ حيث لاَذُوا بعجزهم إلى الله واستعاذوا به مُتَبَرِّئِين بشدة من حولهم وقوّاتهم وجعلوا العجزَ والخوفَ شفيعًا لهم.

أما العلاج الآخر: فهو الطلبُ والدعاءُ مع الشكرِ والقناعةِ والاعتمادُ على رحمة الرزاق الرحيم، أهو كذلك؟

نعم، وكيف يكون الفقر والاحتياج مُؤْلِمَيْن ثقيلَين لِضَيْفِ جوَّادٍ كريمٍ جعل وَجْهَ الأرضِ كلَّه مائدةَ نعمةٍ، وجعل فصل الربيع باقَةَ([2]) زهر، ووضعها إلى جنب تلك المائدةِ ونثرها عليها؟ بل إن فقره واحتياجه يتخذان صورةَ شهيةٍ لطيفةٍ، ويعمل لزيادة الفقر كالشهية، من أجل ذلك فإن أهل الكمال افتخروا بالفقر.

إياك وأن تفهم خطأً! فإن المرادَ التضرعُ إلى الله شاعرًا بالفقر، فليس المرادُ من الفقر اتخاذَ وضع التسوّل بإظهاره أمام الخلق.

وأما تلك التذكرة وذلك السند فهو أداء الفرائض، وعلى رأسها الصلاةُ واجتنابُ الكبائر، أهو كذلك؟

نعم؛ إن الحصول على الزادِ والذخيرةِ والنورِ والبُراقِ في سَفَر أَبَدِ الآبَاِد المظلم الطويل - باتفاق جميع أهل الاختصاص([3]) والمشاهدة وكلِّ أهلِ الذوق والكشف - إنما هو بامتثال أوامر القرآن الكريم واجتناب نواهيه ليس إلا.

وإلا فإن العلوم والفلسفة والفن والحكمة لا تساوي فِلسًا واحدًا في ذلك الطريق؛ حيث إن أضواءَها تنتهي عند باب القبر.


[1] اللَّمْعَةُ: البريق والنور الزاهي.

 

[2] باقَةٌ: الجمع باقات، وهي الحُزْمَةُ من الزهور.

 

[3] أهل الاختصاص: أهل العلم والذكر.

 .


31. صفحة


فيا نفسي الكسول:

ستفهمين - إن كان لكِ عقل ولم يفسد بَعْدُ - أنه ما أيسرَ وأَرْوَحَ وأخفَّ أداءَ الصلواتِ الخمسةِ واجتنابَ الكبائر السبع، وما أجدى وأعظمَ نتيجتَهما وثمرتَهما وفائدتَهما، وتقولين لذلك الرجل والشيطان اللَّذَيْنِ يَحُثَّانِكِ([1]) على الفسق والسفاهة: إن كان هناك حيلةٌ([2]) لِقَتْل الموت وإزالة الزوال من الدنيا ولِرَفْع الفقر والعجز عن البشر، ولإغلاق باب القبر؛ فقُولا ولنستمع، وإلا فاخرَسا، فإنه في مسجد الكون الكبير يُتلَى القرآنُ الكريمُ، فَلْنُصْغِ إليه وَلْنَتَنَوَّرْ بذلك النور وَلْنَعملْ بهدايته وَلْنجعلْهُ ذِكرًا على ألسنتنا.

أجل؛ إنه هو الكلام، فهو حقٌّ آتٍ من الحق، يقول الحقَّ ويُظهِر

الحقيقةَ، وينشر الحكمةَ النورانيَّةَ.

 

اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَالقُرْآنِ، اللَّهُمَّ أَغْنِنَا بِالاِفْتِقَارِ إِلَيْكَ وَلاَ تُفْقِرْنَا بِالاِسْتِغْنَاءِ عَنْكَ، تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مِنْ حَوْلِنَا وَقُوَّتِنَا، وَالْتَجَأْنَا إِلىَ حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ، فَاجْعَلْنَا مِنَ المُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ، وَلاَ تَكِلْنَا إِلىَ أَنْفُسِنَا، وَاحْفَظْنَا بِحِفْظِكَ وَارْحَمْنَا وَارْحَمِ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ.

وَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ وَصَفِيِّكَ وَخَلِيلِكَ، وَجَمَالِ مُلْكِكَ وَمَلِيكِ صُنْعِكَ، وَعَيْنِ عِِنَايَتِكَ وَشَمْسِ هِدَايَتِكَ، وَلِسَانِ حُجَّتِكَ وَمِثَالِ رَحْمَتِكَ، وَنُورِ خَلْقِكَ وَشَرَفِ مَوْجُودَاتِكَ، وَسِرَاجِ وَحْدَتِكَ فِي كَثْرَةِ مَخْلُوقَاتِكَ، وَكَاشِفِ طَلْسَمِ كَائِنَاتِكَ وَدَلاَّلِ سَلْطَنَةِ رُبُوبِيَّتِكَ، وَمُبَلِّغِ مَرْضِيَّاتِكَ وَمُعَرِّفِ كُنُوزِ أَسْمَائِكَ، وَمُعَلِّمِ عِبَادِكَ وَتَرْجُمَانِ آيَاتِكَ، وَمِرْآةِ جَمَالِ رُبُوبِيَّتِكَ وَمَدَارِ شُهُودِكَ وَإِشْهَادِكَ، وَحَبِيبِكَ وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ رَحْمَةً لِلْعَالمَِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلىَ إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ، وَعَلَى مَلاَئِكَتِكَ المُقَرَّبِينَ، وَعَلَى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ. آمِين.


[1] يَحُثَّانِك: يشجِّعانك.

 

[2] حِيلَةٌ: وسيلة وطريقة.

 



32. صفحة


الكلمةُ الثامنة

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

﴿اَللهُ لاَ إِلَٰٰـهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ الْقَيُّومُ﴾

(سورة آل عمران: ٣-٢)

﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَٰمُ﴾

(سورة آل عمران: ٣-١٩)

إذا أردت أن تدرك حقيقةَ هذه الدنيا وما فيها من الروح الإنسانية وماهيَّةَ الدين وقيمتَه عند الإنسان، وأنه لولا الدينُ الحقُّ لكانت الدنيا زنزانةً وأن الشخص المنكر الملحد أشقى مخلوقٍ، وأن [يَا اَللهُ] و [لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللهُ] تكشف وتَحُلُّ طَلْسَمَ([1]) هذا العالَم؛ وتنقذ روح البشر من الظلمات؛ إن أردت أن تفهم كل ذلك فانظر إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة واستمع إليها:

في قديم الزمان خرج شقيقان معًا لِسِياحة طويلة، فسارا شيئًا فشيئًا؛ حتى افترقت الطريق إلى طريقين، ورأيا على رأس الطريقين رجلاً وقورًا([2]) فسألاه: أيُّ الطريقين أفضل؟

فقال لهما: إن في الطريق الأيمن التزامًا إجباريًا للقانون والنظام، ولكنْ في ثنايا ذلك التكليف أمانٌ وسعادةٌ، وأما الطريق الأيسر ففيه حرية وتحرر، ولكنْ في تلك الحرية وذلك التحرر خطرٌ وشقاوةٌ، فالآن لكما الخيار في الاختيار.

فبعدما سمعا ذلك سلك الأخُ الطيبُ الخلُقِ الطريقَ الأيمنَ قائلاً: “توكلت على الله” ورضي باتباع النظام والانتظام، أما الأخ الآخر السيئ الأخلاقِ الطائشُ، فرجَّح الطريقَ


[1] طلسم: لغز أو شيء غامض.

 

[2] رجلاً وقورًا: ذا هَيْبَةٍ.

 



33. صفحة


الأيسرَ لمجرد التحرُّر. فلنتابع بالخيال هذا الرجلَ الذي يسير خفيفًا في ظاهره، ثقيلاً في حقيقة أمره، أخذ يسير ويَعْبُر واديًا مرةً، ومرتفَعًا مرة أخرى، حتى وَلَجَ([1]) صحراءَ خاليةً.

وفجأة سمع صوتًا مُفْزِعًا، ونظر، وإذا به يرى أسدًا ضاريًا([2]) يخرج من الأحْراش([3]) ويهجم عليه، ففرّ الرجل بدوره؛ حتى صادف بئرًا جافة عُمْقها ستون ذراعًا، ومن خوفه ألقى بنفسه فيها، فسقط، فصادفت يداهُ شجرةً وسط البئر فتمسك بها، وكان لهذه الشجرة التي نبتت على جدار البئر جِذران وتسلطت فأرتان على قَطْعِ هذين الجذرين، إحداهما بيضاءُ اللونِ والأخرى سوداءُ، ونظر الرجل إلى الأعلى فرأى الأسدَ ينتظر على حافَّة البئر كالحارس ونظر إلى الأسفل فرأى فيها أفعى مرعبةً رفعت رأسَها وقد اِقتربت من قدميه اللتين كانتا على بُعد ثلاثين ذراعًا، وفَمُها واسع سعة فُتْحةِ البئر، ونظر إلى جدران البئر فرأى حشراتٍ مضرةً لادِغةً([4]) قد أحاطت به، ونظر إلى أعلى الشجرةِ فرأى أنها شجرةُ تينٍ ولكنها تحمل - على غير المعتاد - ثمارَ أشجارٍ مختلفةٍ كثيرةٍ بدءًا بالجَوْزِ وانتهاء إلى الرُّمَّانِ.

فهذا الرجل لسوء فهمه وحماقته لا يدرك أن هذا الأمر ليس طبيعيًّا، ولا يمكن أن تَحدُث تلك الأمور تصادفًا، وأَنَّ في هذه الأمور العجيبة أسرارًا غريبة، ولا يدرك كذلك وجود متصرِّفٍ عظيمٍ جدًّا يتصرف في هذه الأمور فالآن وعلى الرغم من صراخ وعويل قلب وروح وعقل هذا الرجل من هذا الوضع المؤلم سِرًّا؛ فإن نفسَه الأمّارةَ بالسوء بدأت تأكل من ثمار تلك الشجرة وكأنها توجد في حديقة، متجاهلة ما يدور حولها - وكأن شيئًا لم يكن - صامَّةً([5]) أذنيها عن بكاء الروح والقلب، وخادعة نفسها بنفسها مع أن بعضًا من تلك الفواكه مسموم ومضر. وفي الحديث القدسي قال الحق جل جلاله: [أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي] أي: أنا أعامل عبدي


[1] وَلَجَ: دخل.

 

[2] ضاريًا: كاسرًا متوحّشًا.

 

[3] الأحراش: الغابات.

 

[4] لادِغة: اسم فاعل من لَدَغَ واللَّدْغُ هو العَضُّ.

 

[5] صامَّةً: سادّةً.

 



34. صفحة


حسبما يعرفني ويرجو مني، وهكذا ظن هذا الرجل - الشقيُّ بسوء ظنه وحماقته - ما شاهده أمرًا عاديًّا، وأنه عينُ الحقيقة، فعُومِل ويُعامَل وسيُعامَل بناءً على ظنه، فهو ما مات فتَخَلَّصَ مما فيه وما عاش فتنعَّمَ بعيشه، وهكذا يتقلب في العذاب.

ولنترك هذا المشئوم في عذابه ولنذهب نَطَّلِع على حال الأخ الآخر.

فهذا الرجل المباركُ العاقل يسير، ولكنه لا يعاني الضيقَ كأخيه؛ لأنه ذو أخلاق حسنةٍ، فهو يفكر في الأشياء الحسنة ويعيش متفائلاً في أحلام وآمال جميلة، ويُؤْنِسُ نفسَه بنفسه، ولا يعاني التعبَ والمشقةَ كأخيه؛ لأنه يعرف النظامَ ويعترف به ويتبعه؛ فيجد بذلك تسهيلاتٍ؛ ويسير حرًّا في أمن وأمان، وهكذا إلى أن صادف بستانًا، فيه أزهار وثمارٌ جميلة لطيفة، وإضافة إلى ذلك كان فيه أشياءُ نجسةٌ وقبيحة؛ لعدم رعايته رعايةً كافية، وكان أخوه قد دخل ذلك البستان من قبل إلا أنه حَدَّقَ([1]) في الأشياء النجسة القبيحة فقط وانشغل بها فأفسد معدته، فقام وخرج دون أن يستريح ولو قليلاً. أما هذا الرجل فإنه لم ينظر قط إلى الأشياء النجسة القبيحة مراعاةً لقاعدة: (انظر إلى الأحسن من كل شيء) بل استفاد من الأشياء الحسنة استفادة حسنة، فاستراح استراحة تامة، ثم خرج ومضى في سبيله.

ثم تابع سيرَه شيئًا فشيئًا حتى دخل هو الآخر صحراء عظيمة - مثل أخيه- وفجأة سمع زئيرَ أسد يهْجُم عليه فخاف، ولكنه لم يخف بقدر ما خاف أخوه؛ لأنه وجد سُلْوَانًا([2]) بفضل حسن ظنه وجمالِ تفكيره في أن لهذه الصحراء حاكمًا ومن المحتمل أن يكون هذا الأسد خادمًا تحت إِمرَةِ([3]) ذلك

الحاكمِ، ولكنه مع ذلك هرب حتى صادف بئرًا جافَّةً لا ماء فيها، على عمقِ ستينَ ذراعًا فرمى نفسه فيها، وكأخيه أمسكت يداه بشجرة في منتصف البئر، فأصبح معلقًا في الهواء، فإذا به يرى حيوانَيْنِ يقطعان جِذْرَيْ تلك الشجرةِ، فنظر إلى الأعلى فرأى أسدًا ونظر إلى أسفل فرأى أفعى، وكأخيه - تمامًا - رأى عَجبًا، فاندهش هو الآخرُ إلا أن دهشتَه كانت أقلَّ من دهشة أخيه بألف


[1] حَدَّقَ: دقَّق النظر.

 

[2] سُلْوانًا: عزاءً.

 

[3] تحت إمرة: تحت أمره.

 ف


35. صفحة


درجة، لأنَّ خُلُقَه الحَسَنَ ألهمه فكرًا حسنًا، والفكرُ الحسنُ أراه الجوانبَ الجميلةَ من كل شيء.

ولهذا السبب؛ فكر في أن هذه الأمور العجيبةَ مرتبطةٌ بعضها ببعض، ويبدو أنها تجري بأمرِ واحدٍ، إذن ففي هذه الأمور طَلْسَمٌ.

نعم؛ هذه الأمور إنما هي تدور بأمر حاكم خفي، فإنني إذن لست وحيدًا وهذا الحاكم الخفي ينظر إليّ ويراقبني ويختبرني، ويدعوني ويسوقني إلى جهة ما من أجل غرض ما، وينشأ عن هذا الخوف اللذيذِ والفكر الجميل حبُّ استطلاعٍ، وهو: يا ترى من الذي يختبرني ويريد أن يعرّفني نفسه ويسوقني إلى غرض خاص بهذه الطريقة العجيبة؟ ثم نشأت محبةُ صاحبِ الطَّلْسَمِ بسبب حُبِّ الاستطلاع هذا، ثم نَمَتْ من تلك المحبة رغبةُ كشفِ الطَّلْسَمِ، ومن ثَمَّ تولَّد من تلك الرغبةِ اتخاذُ حالةٍ حسنةٍ تُرضي صاحب الطلسم وتعجبه.

ثم نظر إلى أعلى الشجرة فرأى أنها شجرةُ تينٍ، ولكنها تحمل على رأسها ثمارًا لآلافِ الأشجارِ، وحينها ذهب خوفُه وزال كليَّةً؛ لأنه تَيَقَّنَ أنه لابدَّ وأنْ تكون شجرةُ التين هذه قائمةً وفِهرسًا ومعرضًا، وأن ذلك الحاكم الخفيَّ قد قَلَّدَ([1]) بطَلْسَمٍ وبمعجزةٍ نماذجَ الثمارِ التي في جِنانهِ وبساتينهِ ووضَعها على تلك الشجرةِ، ويبدو أنه زيّن تلك الشجرةَ إشارةً لما أعدّه من أطعمة لضيوفه، وإلا فلا تثمر شجرةٌ واحدة ثمارَ آلافٍ من الأشجار المتنوعة، ثم بدأ بالتضرع حتى أُلهِم مفتاحَ الطلسم فصاح قائلاً:

يا حاكم هذه الأرْضِين؛ طرقت بابك، ودخلت حِماك، وإني لَخَادمُكَ فأبتغي رضاكَ وأبحث عنك وأنشدك([2]).

وبعد هذا التضرع انشق فجأة جدار البئر فانفتح بابٌ إلى حديقةٍ جميلة ورائعة خالية من المفاسد، بل انقلب فم الأفعى إلى هذا الباب وتَلَبَّسَ([3]) الأسدُ والأفعى صورةَ


[1] قَلََّد: وضعها في عنقها وجعلها كقِلادةٍ لها.

 

[2] أَنْشُدُكَ: أَبْغِيكَ وأطلبك.

 

[3] تَلَبَّسَ: ارتداه ولبسه.

 



36. صفحة


خادمَيْن، ودعواه إلى الدخول، حتى إن ذلك الأسد تحوَّل إلى فرسٍ مُسَخَّرٍ له.

فيا نفسي الكَسول، ويا صاحبي في الخيال؛ تعاليا لنقارن بين حالَيْ هذين الأخوين؛ لنرى ونعلم كيف تأتي الحسنةُ بالحسنةِ والسيئةُ بالسيئةِ:

فانظرا كيف أن الشقيَّ سالكَ الطريق الأيسر ينتظر دخول فم الأفعى في كل لحظة وهو يرتجف، وأما ذلك السعيد، فهو يُدعَى إلى بستان زاهٍ جميل عامر بالثمار.

وكيف أن ذلك الشقيَّ يتمزقُ قلبُهُ في خوفٍ عظيم ودهشة أليمة، بينما ذلك السعيد يشاهد أشياءَ عجيبة غريبةً بعبرة لذيذة وخوف لطيف ومعرفة محبوبة.

وكيف أن ذلك الشقيَّ يتعذب في وحشة ويأس وانفراد، بينما السعيد يتلذذ في أُنْس وأمل واشتياق.

وكيف أن ذلك الشقي يرى نفسه وكأنه محبوس معرَّض لهجمات الوحوش الضارِيَة([1])، بينما السعيد كان ضيفًا عزيزًا يطرَبُ ويتمتع ويأنس بالخَدَم العجيبين للمُضيفِ الكريم الذي حلَّ به.

وكيف أن ذلك الشقيَّ يُعجِّل عذابَهُ بأكلِه ثمارًا لذيذةً في ظاهرها مسمومةً في حقيقتها، إذ إن تلك الثمار ما هي إلا نماذجُ يُسمَح للمرء بتذوُّقها؛ حتى يطلبَ أصولَها ومنابعَها ويكونَ زبونًا لها ولكن لا سماح بابتلاعها كالحيوان، وأما هذا السعيد فيتذوقُها ويقف على الحقيقة ويؤخِّر أكلَها ويتلذَّذُ بالانتظارِ.

وكيف أن ذلك الشقيَّ لفقده البصيرة قد ظلم نفسه بنفسه وحوَّل الحقيقة الباهرة الجلية كالنهار، والحالةَ المُشرِقةَ إلى صورةِ أوهامٍ وجهنمَ مظلمةٍ قاتِمَةٍ([2]) فلا هو مستحِقٌّ للشفقةِ ولا حقَّ له في الشكوى من أي أحد.

فمثلاً: إنْ لَم يقتنعْ رجلٌ بمتعة ضيافةٍ كريمةٍ في بستان جميل بين أحبائه في فصل الربيع، وأَسكر نفسَهُ بمُسْكِرات خبيثة، وتخيل نفسَهُ في قلب الشتاء وسطَ الوحوش


[1] الضارِية: الكاسرة المتوحشة.

 

[2] قاتِمةٌ: شديدُ السواد.

 


37. صفحة


الضواري عاريًا جائعًا، فبدأ يصرخ ويبكي؛ فهو لا يستحق الشفَقة فهو الذي ظلم نفسه بنفسه ورأى أحباءه وحوشًا ضارية واحتقرهم، ومَثَلُ ذاك الرجل الشقيِّ كَمَثَلِ هذا الرجلِ، أمَّا السعيد فيرى الحقيقة، والحقيقةُ في حد ذاتها جميلةٌ، وبإدراكه حُسنَ الحقيقة يحترم كمال صاحب الحقيقة، ويستحق بذلك رحمته، ومن هنا يظهر سرُّ الحُكْمِ القرآني القائل: ﴿مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (سورة النساء: ٤-٧٩) ا

فإذا وازَنْتَ بين الرجلين معتبِرًا كلَّ هذه الفروق وغيرِها فستدرك أن النفس الأمّارة([1]) للرجل الأول قد أحضرت وهيأت له جهنمَ معنويةً، بينما حُسْنُ نية الرجل الآخَر وحسنُ ظنه وحسن خصاله وحسن تفكيره كلُّ ذلك قد جعلَه يحظى بإحسان كبير وسعادة عظيمة وبفضائل وفيوضات نَيِّرَةٍ.

فيا نفس ويا من تستمع مع نفسي إلى هذه الحكاية؛ إن لَم تُرِيدا أن تكونا الأخَ الشقيَّ وأردتما أن تكونا ذلكما الأخ السعيد فأَصْغِيا([2]) إلى القرآن الكريم وأَطيعا حُكمَهُ، وتَمَسَّكا به واعمَلا بأحكامه. فإذا فهمتما الحقائقَ الواردةَ في هذه الحكاية التمثيلية؛ فإنه بإمكانكما أن تطبقا عليها حقيقةَ الدينِ والدنيا والإنسانِ والإيمانِ، وأنا سأذكر لكما أهمَّها، واستخرِجا بنفسَيْكُما دقائقَها:

فأما ذلكما الأخوان: فأحدهما روح المؤمن وقلب الصالح، والآخر روح الكافر وقلب الفاسق.

وأما الطريقان: فالأيمن منهما طريق القرآن والإيمان، والأيسر طريق العصيان والكفران.

وأما البستان الذي في ذلك الطريق: فهو الحياة الاجتماعية المؤقتة للمجتمع البشري والحضارة الإنسانية؛ بحيث يوجَد بها الخير والشر، والحَسن والقبيح، والطيب والخبيث


[1] النفس الأمّارة: هي التي تميل إلى الطبيعة البدنية وتأمر باللذات والشهوات الحِسيَّة

 وتجذب القلب إلى الجهة السفلية فهي مأوى الشرور ومنبع الأخلاق الذميمة.

[2] أَصْغِ: استمع وأنصت.

 

38. صفحة


من الأمور معًا، فالعاقل هو من يعمل بقاعدة:

[خُذْ ما صَفَا وَدَعْ ما كَدَرَ([1])] ويمضي بسلامة القلب.

وأما تلك الصحراء؛ فهي هذه الأرض وتلك الدنيا.

وأما الأسد؛ فهو الموت والأجل.

وأما تلك البئر؛ فهي جسم الإنسان وزمن الحياة.

وأما العُمقُ البالغُ ستينَ ذراعًا؛ فهو إشارةٌ إلى الستينَ السنة التي هي متوسِّطُ عمرِ الإنسان.

وأما تلك الشجرة؛ فهي مدةُ العمر ومادةُ الحياة.

وأما ذلكما الحيوانان الأَسْودُ والأبيضُ؛ فهما الليل والنهار.

وأما تلك الأفعى؛ فهي الطريق البرزخي؛ والرِّوَاقُ([2]) الأخرويُّ الذي فَمُه القبرُ؛ إلا أن ذلك الفمَ هو للمؤمن بابٌ ينفتح من السجن إلى روضة.

وأما تلك الحشرات المضرة فهي المصائب الدنيوية، ولكنها للمؤمن في حكم إيقاظات([3]) إلهيَّةٍ حلوة والتِفَاتَاتٍ([4]) رحمانيَّة؛ حتى لا يَغرقَ في نوم الغفلة.

وأما تلك الثمار التي على الشجرة فهي نِعَمٌ دنيوية جعلَها الكريم المطلق جل وعلا في صورة قائمةٍ لنِعم الآخرة وجعلها شبيهة بها ومشعرةً لها، وجعلها في صورة نماذج تدعو الزبائن إلى ثمرات الجنة.

وأما إثمار تلك الشجرة ثمارًا مختلفة ومتنوعة - على الرغم من أنها شجرة واحدة -


[1] دَعْ ما كَدَرَ: اترك ما تَعكَّر.

 

[2] الرِّواق: مُقَدَّم البيت وساحته الخارجية.

 

[3] إيقاظات: تنبيهات وإشارات.

 

[4] التفاتات رحمانية: إكرامات وإنعامات وألطاف من الرحمن الرحيم.

 


39. صفحة


فهو إشارة إلى سِكَّةِ([1]) القدرة الصمدانية، وإلى خاتم الربوبية الإلهية، وإلى طُرَّة([2])سلطنة الألوهية؛ لأن [خلْقَ كلِّ شيء من شيء واحد] أي خلق كل النباتات والثمار من تراب واحد وخلق كل الحيوانات من ماء واحد، مع إيجاد كل الأجهزة الحيوانية من طعام واحد بسيط، ومع ذلك فإن [جعلَ كلِّ شيء شيئًا واحدًا] أي صنعَ لحمٍ مخصوص ونسجَ جلدٍ بسيط لذي حياة من الأطعمة المختلفة الأجناس التي أكلها إنما هو – أي مثل هذه الصنائع والبدائع- سكة خاصة لسلطان الأزل والأبد الذي هو الذَّاتُ الأحدُ الصمدُ، وخاتمه المخصوص وطُرَّتُه التي يستحيل تقليدها.

أجل؛ إنَّ جَعْلَ شيءٍ واحدٍ كلَّ شيء، وجَعْلَ كلِّ شيءٍ شيئًا واحدًا إنما هو علامة وآية خاصة ومخصوصة لخالق كل شيء وللقادر على كل شيء.

 وأما ذلك الطَّلْسَمُ؛ فهو سر حكمة الخلق الذي يُكشَف ويُحَلّ بسرِّ الإيمان.

 وأما ذلك المفتاح فهو: يَا اَللهُ { لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللهُ  { اللهُ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ.

وأما انقلاب فَمِ الأفعى إلى باب الروضة؛ فيشير إلى أن القبر مع أنه لأهل الضلالة والطغيان خانِقٌ مزعج كزنزانةٍ في الوحشة والنسيان، وباب ينفتح إلى حفرة ضيقة كبطن أفعى؛ فهو لأهل القرآن والإيمان بابٌ ينفتح من سجن الدنيا إلى بستان البقاء، ومن ميدان الامتحان إلى روضات الجنان، ومن مشقَّة الحياة إلى رحمة الرحمن.

وأما تحوُّلُ الأسد المتوحشِ إلى خادم مؤنِس، وانقلابُه إلى فرس مسخَّر فيشير إلى أن الموت مع أنه لأهل الضلالة فِراقٌ أبديٌّ أليم عن كل محبوباتهم وإخراجٌ من جنتهم الدنيوية الجذابة، وإدخالٌ وحبس لهم في زنزانة القبر مع الوحشة والوحدة والعُزلة؛ فهو أيضًا لأهل الهداية ولأهل القرآن وسيلةٌ لوصال أحِبَّائهم القدماءِ الذين رحلوا إلى العالم الآخَر، وواسطة لدخول وطنهم الحقيقي ومَقامِ سعادتهم الأبدية، ودعوةٌ من سجن الدنيا


[1] سكة القدرة: السكة، حديدة منقوشة تُضرَب عليها النقودُ، والمقصود هنا إشارة أو خاتم مميَّز للقدرة الصمدانية.

 

[2] طُرَّةُ سلطنة الألوهية: الطرةُ المرادُ بها هنا الطغراء العثمانية وهي الخاتم الخاص بالسلطان.

 


40. صفحة

إلى بساتين الجنان، وانتظارٌ لأخذ الأُجْرة من فضل الرحمن الرحيم مقابل خدماتهم، وتسريحٌ من كُلفة وظائف الحياة، وانتهاءٌ من تدريبات العبودية والامتحان وتمريناتهما.

 الحاصل: إن كلَّ من يجعل الحياةَ الفانيةَ مقصِدًا أساسيًّا فهو في جهنم معنوية، ولو كان في جنة ظاهرية، وإنَّ كل من كان متوجهًا إلى الحياة الباقية بجدية فسينال سعادة الدارين، ومهما كانت دنياه في سُوءٍ وضِيقٍ فهو يتقبَّلُها ويتحملُّها ويشكر الله في صبرٍ لكَوْنِه يرى دنياه في حكم ساحة انتظارٍ للجنّة.

 

 

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالسَّلاَمَةِ وَالقُرْآنِ وَالإِيمَانِ آمين.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ بِعَدَدِ جَمِيعِ الحُرُوفِ المُتَشَكِّلَةِ فِي جَمِيعِ الكَلِمَاتِ المُتَمَثِّلَةِ بِإِذْنِ الرَّحْمَنِ فِي مَرَايَا تَمَوُّجَاتِ الهَوَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْ القُرْآنِ مِنْ كُلِّ قَارِئٍ مِنْ أَوَّلِ النُّزُولِ إِلىَ آخِرِ الزَّمَانِ، وَارْحَمْنَا وَوَالِدَيْنَا وَارْحَمِ المُؤْمِنِينَ بِعَدَدِهَا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ آمِين. وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ.


جدول المحتويات