ذيل اللمعة السادسة والعشرين

375. صفحة

 

 

ذيل اللمعة السادسة والعشرين

المكتوب الحادي والعشرون

أُدرِج هنا لمناسبة المقام

باسمه وإن من شيء إلا يسبح بحمده

 

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا { رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا(الإسراء:23-25)

أيها الغافل، الذي تقيم معه في بيته أمُّه العجوز، أو أبوه الشيخ، أو شخص مقعد من أقربائه أو إخوانه في الدين، أو شخص عاجز عليل، انظر إلى هذه الآية وأمعن النظر فيها، وانظر كيف أن آية واحدة تجلب الشفقة للوالدين العجوزين في خمس طبقات مختلفة!

أجل؛ إن أسمى حقيقةٍ في الدنيا هي شفقة الآباء والأمهات تجاه أولادهم ورأفتهم بهم، وإن أسمى الحقوق وأعلاها هو حق احترامهم وتوقيرهم مقابل شفقتهم والرأفة بهم؛ ذلك لأنهم يُضَحُّونَ بحياتهم ويبذلونها من أجل حياة أولادهم بكمال اللذة، إذن فإن إحدى الوظائف الواجبة على كل ولد لَمْ تَسْقُطْ إِنْسَانِيَّتُهُ، ولم ينقلب إلى وحش بَعْدُ، هي أن يحترمَ أولئك الأحبةَ المحترمين الصادقين الْمُضَحِّينَ احتراما خالصًا، وأن يخدمهم خدمة صادقةً، ويسعى لكسب رضاهم وإدخال السرور على قلوبهم.

376. صفحة

إن العم والعمة بمنزلة الأب، والخال والخالة بمنزلة الأم، فاعلم كيف أنَّ استثقالَ وجود هؤلاء العجائز والشيوخ الميامين المباركين والرغبةَ في موتهم هو انعدام للضمير، وكيف أنه خسةٌ ودناءةٌ، اعلم هذا وأفق!

أجل؛ افهم أن الرغبة في زوال من يُضَحِّي بحياتِهِ من أجل حياتك، ما أشدها من ظلم! وما أشنعها من انعدام للضمير!

فيا أيها الإنسان المبتلى بهموم المعيشة، اعلم أن عماد البركة في دارك، ووسيلة الرحمة لك، ودافعَ البليةِ والمصيبة عنك هو قريبك الشيخ أو الأعمى الذي تستثقله، ولا تقولَنَّ إن معيشتي ضنك، فَأُعَانِي من ضيقِها ولا أستطيعُ أن أُدَبِّرَها؛ لأنه لولا البركة التي تأتي بسببهم لكان ضنكُ وضيقُ معيشتك أكثرَ وأشدَّ، فاسمع مني هذه الحقيقة وصَدِّقْهَا، وإني لأعرف كثيرًا من أدلتها القاطعة، وأستطيع أن أقنعك، ولكني أختصرُها خشيةَ الإطالة، فاقتنع بكلامي هذا وصدقه؛ وإني أقسمُ باللهِ إنَّ هذه الحقيقةَ ثابتةٌ ثبوتًا قاطعًا، حتى إن نفسي وشيطاني قد استسلما لها، فلابد للحقيقة التي قَصَمَتْ ظهرَ عنادِ نفسي، وأفحمت شيطاني، وأسكتته أن تُقْنِعَكَ.

أجل؛ إن الخالق ذا الجلال والإكرام الذي هو الرحمن الرحيم واللطيف الكريم بشهادة الكائنات؛ كما أنه عندما يرسل الأطفال إلى الدنيا يرسلُ رزقَهم كذلك من ورائهم بمنتهى اللطف، ويُسيله من صنابير الأثداء إلى أفواههم؛ فكذلك يرسل في صورة بركة أرزاقَ الشيوخِ العجائز الذين صاروا بمنزلة الأطفال، والذين يَسْتَحِقُّونَ الرحمةَ ويحتاجونَ إلى الرأفة أكثر من الأطفال، ولا يَكِلُ إعاشتهم إلى أناس طمّاعين بخلاء.

إن الحقيقة الكريمة التي تبينها هذه الآيات ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات:58) و﴿وَكَأَيِّن مِّنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (العنكبوت:60) إلخ، تصرخ بها أنواع المخلوقات من جميع الأحياء بلسان حالها، وتنطق بها، حتى إنه ليس رزق الأقارب العجائز فقط الذي يُرسَل في صورة البركة، وإنما أرزاقُ بعض المخلوقات أيضا أمثال القطط التي وُهبت لمصاحبة الإنسان، والتي يُرسَل رزقها ضمن رزقِ الإنسان.

377. صفحة

وأذكر حادثةً عشتها بنفسي كمثالٍ يؤيدُ هذه الحقيقةَ:

يعلم أصدقائي القريبون مني أنه كان لي طعام معين قبل ثلاث سنوات تقريبًا، وهو نصف رغيف كُلَّ يوم، وكان رغيف تلك القرية صغيرًا، ولم يكن يكفيني في أغلب الأحايين، ثم جاءتني أربع قطط ضيوفًا عليَّ([1])، فكفاني وكفاهم ذلك الطعام نفسه، بل كان يزيد في مرات كثيرة، وتكررت هذه الحال كثيرًا حتى أعطتني قناعة أني أستفيد من بركة القطط، وأُعْلِنُ إعلانًا قاطعًا أن تلك القطط ليست ثقلا وعبئًا عليَّ، وما كانت لي منة عليها، بل أنا الذي كنت تحت مِنَّتِها وفضلها!!

فيا أيها الإنسان، بما أن حيوانًا في صورة الوحش يكون وسيلة للبركة عندما يحل ضيفًا في منْزل الإنسان؛ إذن فالإنسان الذي هو أكرم المخلوقات، وأهل الإيمان الذين هم أكمل الناس، والعجائز والشيوخ المرضى الذين هم أكثر من يستحقون الاحترام والرحمة من بين أهل الإيمان، والأقارب الذين هم أكثر من يستأهلون الشفقة والخدمة والمحبة ويستحقونها من بين الشيوخ المرضى، والآباء والأمهات الذين هم أخلص الأصدقاء وأصدق الأحباب وأوفاهم بين الأقارب إذا ما وُجدوا في حالة الشيخوخة في بيت من البيوت؛ فيمكنك أن تقيس مدى كونهم وسيلة للبركة والرحمة، وسببًا لدفع البلية والمصيبة بسرّ "لَوْ لاَ الشّيُوخُ الرّكَّعُ لَصُبّ عَلَيْكُمُ البَلاَءُ صَبًّا"([2]).

فيا أيها الإنسانُ، عُدْ إلى رُشْدِكَ، إنك سوفَ تَشِيخُ حَتْمًا إِنْ لَمْ تَمُتْ، فإنْ لَمْ تحترمْ والدَيْك فإنَّ أولادك لن يخدموك بِسِرِّ "الجزاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ".

وإن كنت تحب آخرتك فعندك دفينة وكنز عظيم؛ فاخدمهما، واكسب رضاهما.

وإن كنت تحب الدنيا فأَرضِهما، وأدخلِ السرورَ على قلبيهما كذلك، حتى يمضي عمرك في راحة، ويأتي رزقك في بركة بسببهما؛ وإلا فإذا استثقلتهم

[1]  اسم إحدى تلك القطط عبد الرحيم؛ لأنها كانت تذكر الله بـ" يا رحيم، يا رحيم، يا رحيم" بصورة فصيحة واضحة بدلا من الْهَرير، وكانت تُسمِع الناس أذكار جميع القطط. (المؤلف)

 

[2]  رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم 7085، ومسند أبي يعلى برقم 6402، والسنن الكبرى للبيهقي برقم 6183.

 



378. صفحة

وتمنيت موتهما وجرحت قلبيهما الرقيقين اللذين يتأثران سريعًا، فسيصيبك سرّ ﴿خَسِرَ الدّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾.

وإن كنت تريد رحمة الرحمن، فارحم ودائعَ ذلك الرحمن وأماناته في بيتك.

كان لي أخ من إخواني في الله اسمه مصطفى جاويش، وكنت أراه موفقًا في أمور دينه ودنياه، وكنت أجهل سبب ذلك، ثم علمت أن سبب توفيقه هو أنه أدرك حقوق والديه العجوزين، ورَاعَى تلك الحقوق رعاية تامًّة، فوجد الراحة والرحمة بسببهما، وعمّر آخرته كذلك إن شاء الله وبإذنه تعالى، فمن أراد أن يسعد فليَتَأَسّ وليَتَشَبّهْ به.



اللهم صلِّ وسلم على من قال "اَلْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الأُمَّهَاتِ"([1]) وعلى آله وصحبه وأجمعين.


سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ


[1]  ورد بهذا اللفظ في مسند الشهاب برقم 119، والحديث له شواهد أخرى بألفاظ مختلفة، فعن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها، فإن الجنة عند رجليها، رواه النسائي في السنن الكبرى برقم 4312، وفي سننه برقم 3104، والحاكم في المستدرك برقم 2502، و7248.

 



379. صفحة

 

اللمعة السابعة والعشرون

وهي دفاع أمام محكمة "أسكي شهر"، ولم يدرج هنا.