اللمعة العاشرة
التنقل
58. صفحة
اللمعة العاشرة
حول صفعات الشفقة
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران:30)
هذه اللمعة تفسر سرًّا من أسرار هذه الآية ببيانها تَلقِّي أصدقائي العاملين في خدمة القرآن الكريم صفعاتِ الشفقة نتيجةَ سَهْوِهم وأخطائهم بِمُقتَضى بشريَّتهم.
ستَبُيَّن سلسلةُ كرامات للخدمة القرآنية، ونوعٌ من كرامات الغوث الأعظم الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي يرعى هذه الخدمةَ القدسية ويساعدها بِهِمّته ودعائه بإذنٍ إلهي؛ حتى يَثبُتَ العاملون في هذه الخدمة القدسية في جِدِّهم.
إن كرامة هذه الخدمة القدسية ثلاثة أنواع.
النوع الأول: إعداد تلك الخدمة وتهيئتها، وسوق من سيعملون فيها وسيخدمونها إليها.
النوع الثاني: دَرْءُ الموانع، ودفع شرور المضرين وصفعهم، وهناك حوادث كثيرة في هذين النوعين، يطول ذكرها؛ لذا نؤجل الحديث عنهما إلى وقت آخر، ونذكر قسمًا ثالثًا وهو أخف منها.
القسم الثالث: وهو:
عندما يعتري الفتورُ العاملين في الخدمة بإخلاص فإنهم يتلقون صفعةَ شفقةٍ، فيتنبهون ويلتحقون بالخدمة مرة أخرى، وهذا القسم حوادثه أكثر من مائة، ولكن
59. صفحة
لم يتلق صفعة شفقة من عشرين إلا ثلاثة عشر أو أربعة عشر منهم، وتلقى ستة أو سبعة صفعة الزجر.
أولهم: وهو هذا المسكين سعيد، فكلما فترتُ وسئمتُ من الخدمة، وانشغلتُ بأمور خاصة تعود إليّ وقلت: ما لي وللآخرين وأمورهم؛ تلقيتُ الصفعةَ، وحصلت عندي قناعةٌ تامة أنني تلقيتُ الصفعةَ من إهمالي؛ لأن أي مقصد من مقاصدي يسوقني إلى الغفلة أتلقى صفعةً بعكسه، وكلما تَتبَّعْنا صفعاتِ الشفقة التي تلقاها سائرُ أصدقائي المخلصين؛ وجدنا أنهم مِثلي، فإذا ما أهملوا في الخدمة الإيمانية تلقوا صفعةَ شفقةٍ بعكسِ مُرَادِهم ومَقْصِدِهم، فحصلت لدينا قناعة أن هذه الحوادث من كرامات الخدمة القرآنية.
فمثلا: عندما كنت -أنا المسكين سعيد- منشغلا بدروس الحقائق القرآنية في مدينة "وان"([1]) لم تمسَسْنِي الحكومة المُوَسْوَسَةُ المرتابة بسوء، ولم تستطع أن تَمَسَّني أبدًا أيامَ حادثة الشيخ سعيد([2])، ولكن حينما قلت مالي وللآخرين، وفكرتُ في نفسي فقط، واعتزلتُ في مكان خَرِبٍ مثل الكهف في جبل "أَرَك"([3]) لإنقاذ آخرتي؛ عند ذلك أخذوني بغير سبب، فنفوني؛ إذ أخذوني إلى بردور([4])، ولكنهم لم يمسوني بسوء هناك أيضًا إذ كنت أشتغل بالخدمة القرآنية.
وكان المنفيون يراقَبون مراقبةً شديدة آنذاك، وكان عليهم أن يُثبِتوا وجودَهم كلَّ مساءٍ لدى مخفر الشرطة، ولكني أنا وتلامذتي المخلصين استُثْنِينَا من ذلك، فلم أذهب قط لإثبات وجودي، ولم أعترف بالحكومة، وعندما جاء فوزي باشا([5]) إلى هذه المدينة اشتكى منا الوالي إليه، فقال فوزي باشا: احترموه ولا تمسوه بسوء، فالذي أنطقه بهذا الكلام إنما هو قدسية الخدمة القرآنية، وعندما غلبتني
[1] مدينة في أقصى شرق تركيا.
[2] سعيد بيران شيخ عشيرة في شرق تركيا خرج على الحكومة بعد إلغاء الخلافة، ثم قبض عليه وأعدم عام 1925.
[3] جبل في شرق تركيا.
[4] مدينة في غرب تركيا.
[5] رئيس أركان الجيش آنذاك في تركيا.
60. صفحة
وهيمنت عليَّ فكرةُ إنقاذِ نفسي وإنقاذُ آخرتي فحسب؛ أصابني فتور مؤقت في الخدمة القرآنية، وتلقيتُ صفعةً بعكس مَقصِدي، فنُفِيتُ من منفَايَ إلى منفىً آخر، فأُرسِلت إلى إسبارطة([1]).
وهناك أيضًا بدأت أقوم بالعمل الدعوي، وبعد مُضِيِّ عشرين يومًا نبّهني بعضُ الخوَّافين، فقالوا لي "ربما لا تُعجِب هذه الأحوالُ الحكومةَ، ومن الأفضل أن تتأَنَّى قليلا"، فقَوِيَت لديّ مرة أخرى فكرةُ الاهتمام بنفسي فحسب، فطلبت من أصدقائي ألا يأتيني الناسُ، ولكن مرة أخرى نُفِيتُ من هذا المنفى إلى منفى ثالث وهو "بارلا"([2]).
وعندما أصابني فتور في بارلا، وقوِيَتْ لدَيَّ فكرةُ الاهتمام بنفسي فقط تَسلَّطَ عليّ أحد ثعابين أهل الدنيا ومنافقيهم، فحدثتْ لي في ثماني سنوات قضيتها في بارلا ثمانون حادثة، ويمكن أن أقصها كلها، ولكني أختصر خشية المَلَلِ والسأم.
فيا إخواني، لقد ذكرت ما أصابني من صفعات الشفقة، والآن سأذكر ما حدث لكم من صفعات الشفقة إن أَذِنْتم لي وسامحتموني، فلا تستاءوا، فإذا استاء أحد فلن أصرّحَ باسمه.
ثانيهم: وهو شقيقي عبد المجيد الذي هو أخلص تلاميذي وأكثرهم تضحية، وقد كانت له دار جميلة في "وان"، وكان معلمًا وميسور الحال، ولم يضُمَّ رأيه إلى رأي من أرادوا -من دون رغبتي- ذهابي إلى المناطق الحدودية التي هي أكثرُ المناطق نشاطًا في الخدمة القرآنية ظنًّا منه أن هذا من أجل مصلحتي، ولم يوافق على ذلك، كان يعتقد أنه لو ذهبت إلى الحدود فستشوب الخدمةَ القرآنيةَ السياسةُ، ولن تكون خالصةً، وقد يخرجونه من "وان"، فتَلَقَّى صفعةَ شفقةٍ بعكس مقصده، فغادر "وان" -بلده- وداره الجميلة، واضطر إلى الذهاب إلى "أرغاني"([3]).
[1] مدينة في غرب تركيا.
[2] قرية نائية تابعة لمدينة إسبارطة.
[3] محافظة تابعة لمدينة "ديار بكر" تبعد عن مدينة "وان" تقريبًا 500 كم غربًا.
61. صفحة
ثالثهم: وهو السيد خلوصي الذي هو عضو مهم بارز في الخدمة القرآنية، فعندما سافر من "أكيردير"([1]) إلى بلدته وجد أسباب السعادة الدنيوية كاملةً، وتهيَّأَت له الأسبابُ التي تؤدي به إلى حدّ ما إلى الفتور عن الخدمة القرآنية الأخروية الخالصة؛ لأنه التقى بوالديه اللذين لم يرهما منذ مدة طويلة، وتمتع برؤية بلدته، وأيضًا لأنه قد سافر وله عزة ورتبة، فابتهجت له الدنيا وبدت حلوة خضرة، مع أنه يجب على من يخدم القرآن أن تُعرِض الدنيا عنه، أو يُعرِض هو عنها؛ حتى يؤدي خدمة القرآن بإخلاص وجِدٍّ، وعلى الرغم من أن قلب خلوصي لا يتزلزل ولا يتزعزع؛ فإن هذا الأمر ساقه إلى الفتور في الخدمة، فتلقى صفعةَ الشفقة؛ حيث تسلط عليه بعض المنافقين خلالَ سنتين كاملتين، ونغَّصوا عليه لذةَ الدنيا ومُتعتَها، وتَسبَّبوا في إعراض الدنيا عنه وإعراضه عنها، عند ذلك اعتصم بالوظيفة المعنوية بقوة، واستمسك بها استمساكًا كاملا بمعنى الكلمة.
رابعهم: وهو الحافظ أحمد المهاجر، ويحكي هو عن نفسه فيقول:
أجل؛ إنني أعترف بأنني أخطأت في اجتهادي في الخدمة القرآنية من حيث آخرتي، ورغبت في شيء يُفتّرني عن الخدمة، فتلقيت صفعةَ شفقةٍ ولكنها كانت شديدة وكفارة لي، والقصة هي:
كان أستاذي (بديع الزمان سعيد النورسي) لا يناصر المحدثات -أي البدع المخالفة للشعائر الإسلامية مثل الأذان باللغة التركية- ولا يوافق عليها، فقلت في نفسي: إن أستاذي مجاور للمسجد الذي أصلي فيه بالناس، وتقترب الشهور الثلاثة المباركة رجب وشعبان ورمضان، وإن تركت المسجد فسأفقد ثوابًا كثيرًا، وسيتعوَّد الحي على ترك الصلاة، وإن لم أقم حسب النظام الجديد فسيمنعونني من ذلك، فرغبت بحسب هذا الاجتهاد في ذهاب أستاذي الذي هو أحبُّ إليَّ من نفسي وروحي إلى بلدة أخرى مؤقتًا، ولم أكن أَدْرِي أنه إذا غيَّر مكانه وذهب إلى بلدة أخرى فسيصيب الخدمة القرآنية فتورٌ مؤقت، فتلقيتُ في هذه الأثناء بالضبط صفعةَ شفقةٍ، ولكنها كانت شديدة، ولم أُفِقْ من شدتها مدة ثلاثة شهور،
[1] محافظة تابعة لمدينة إسبارطة.
62. صفحة
ولله الحمد فقد أُلهم الأستاذ كما أخبرني بإخبار قاطع أن كل دقيقة من دقائق تلك المصيبة كعبادة يوم كامل، ولنا رجاء وأمل في رحمة الله أن يكون ذلك كذلك؛ لأن خطئي ذلك لم يكن مبنيًّا على نية سيئة وغرض سيء، بل نجم عن تفكيري في آخرتي فقط.
خامسهم: هو حقّي أفندي، وحيث إنه غير موجود هنا حاليًّا؛ فسأنوب عنه كما نُبْتُ عن خلوصي وأقول:
بينما كان حقي أفندي يؤدي وظيفته حق الأداء؛ عُيِّن للبلدة قائمقام جديد فاسد الأخلاق، فأخفى ما استَنْسَخَه من رسائل النور حتى لا يصيبه هو وأستاذَه سوءٌ، وترك الخدمة النورية مؤقتًا، وإذا بدعوى بمنزلة صفعةِ شفقةٍ له أُقِيمتْ ضده تكلّفه ألف ليرة، فظل تحت هذا التهديد سنة كاملة، ثم جاءني والتقينا هنا، فعاد إلى وظيفته تلميذًا للخدمة القرآنية، فارتفع عنه حكمُ صفعة الشفقة وبُرئت ساحته.
ثم عندما أتيحت للتلاميذ وظيفة جديدة في كتابة القرآن الكريم بخط جديد؛ أي بصورة تُظهر معجزة التوافق بين آيات القرآن؛ كان له نصيب وحصة في هذا العمل، والحق أنه تولى وظيفته فأحسن كتابة جزء واحد بخط جميل، ولكنه رأى نفسه في حالة ضرورة من حيث همّ المعيشة وكسب الرزق، فدخل في المحاماة من دون علمنا، وإذا به يتلقَّى صفعةَ شفقةٍ مرة أخرى؛ إذ التوى أصبعه الذي يمسك به القلم مؤقتًا، ثم أُخطر بلسان المعنى أنه لا يمكن أن يشتغل بهذا الأصبع في المحاماة وفي كتابة القرآن الكريم معًا، وكنا في حيرة من أمر أصبعه لعدم علمنا بدخوله في المحاماة، ثم تبين لنا أن الخدمة القرآنية القدسية الخالصة لا تريد أن تُدخل تلك الأصابع الطاهرة الخاصة بها في أمور أخرى.
وعلى كل حال فإني قد وضعت السيد خلوصي موضع نفسي وتحدثت بدلا منه، والسيد حقي أيضًا مثله، فإن لم يرض بوكالتي عنه فليكتب بنفسه صفعة الشفقة التي تلقاها.
63. صفحة
سادسهم: وهو السيد بكر، فأقول نيابة عنه لغيابه الآن كما نبت عن شقيقي عبد المجيد مستندًا إلى ثقتي بصدقه وثقته بي وإلى أقوال جميع أحبتي الأعزاء المقرَّبِين مثل الحافظ الشامي والسيد سليمان:
كان السيد بكر قد طبع "الكلمة العاشرة"، ثم أرسلنا إليه "الكلمة الخامسة والعشرين" التي تَخصُّ إعجازَ القرآن ليطبعها قبل ظهور الحروف الجديدة([1])، وكتبنا إليه أننا سنرسل تكلفة طباعة هذه الرسالة كما أرسلنا للكلمة العاشرة، ولكنه غلب على ظنه أنني فقير، وبعدما قدَّر أن تكلفة الطباعة أربعمائة ليرة، خدعته نفسه بأني ربما لا أرضى أن يدفع هو من جيبه، فلم تُطبع الرسالة، فأصاب الخدمة القرآنية بذلك ضرر كبير، وبعد شهرين سرق اللصوصُ منه تسعمائة ليرة، فتلقى بذلك صفعة شفقة مذهلة، فلعلَّ هذه الليرات الضائعة صدقةٌ بإذن الله.
سابعهم: وهو الحافظ توفيق الشامي ويحكي قصته بنفسه:
نعم؛ إنني أعترف أني قد تلقيت صفعَتَيْ شفقة بسبب تصرفاتي التي تُعرّض الخدمة القرآنية للفتور، ولم تبق لدَيَّ شبهةٌ في أن هاتين الصفعتين جاءتا بسبب ذلك.
إحداهما: قد وهب لي الله تعالى -وله الحمد- حسن خط يناسب إلى حدٍّ ما كتابةَ القرآن الكريم، وقد كان أعطاني أستاذي الأجزاء الثلاثة الأولى من المصحف لأكتبها، ووزع بقية الأجزاء على سائر إخواني كذلك، ولكن حماستي في كتابة المصحف ثَبَّطَتْ حماستي في عمل تبييض رسائل النور وتسويدها، واغتررت أيضًا بأني سأتفوق على سائر إخواني الذين لا يجيدون الخط العربي، وحتى عندما أخبرني أستاذي بأمر يخص الكتابة، قلت في غرور إن هذا الأمر من عملي ويعود لي، وأنا الكفء له، وأنا خبير فيه، ولست في حاجة إلى تلقي درس في هذا، فمن جراء هذا الخطأ تلقيت صفعة شفقة من حيث لا أحتسب، حيث إنني لم أستطع أن أبلغ شأنَ أقل إخواني معرفةً بالخط العربي -وهو "خُسْرَوْ"([2])- وتعجبنا جميعًا، ولكن أدركنا الآن أن فشلي في هذا الأمر إنما هو صفعة شفقة لي.
[1] أي الحروف اللاتينية التي كان الإمام النورسي يطلق عليها اسم الحروف اللادينية.
[2] من أكبر تلاميذ الإمام النورسي، وهو الذي كتب "مصحف التوافقات" على الرغم من أنه لم يكن يجيد الخط العربي.
64. صفحة
الأخرى: إنني أعترف أنه كانت لي حالتان تخلان بما نقوم به من عمل وخدمة للقرآن التي هي خدمة خالصة لله تعالى وفي سبيله وحده، فتلقيت بسبب ذلك صفعة شفقة شديدة؛ لأني في هذا البلد شبه غريب، بل غريب فعلا، ثم إنني لم أُرَاعِ دستورَ الاقتصاد والقناعة الذي هو أهم دستور لشيخي وأستاذي فتعرضت لحالة فقر، ولا أشكو والحمد لله، وحيث إنني كنت أُضطَرُّ إلى الاختلاط بالمغرورين المعجبين بأنفسهم من الناس، فكنت أضطَرُّ إلى الرياء والتزلف ظنًّا مني أنني أعاشرهم بشهامة وكرم، ومع الأسف لم أستطيع إنقاذ نفسي من هذا الأمر، مع أن أستاذي كان ينبهني ويذكرني ويوبخني كثيرًا، أسأل الله العفو، فحالتي هذه المنافية لروح الخدمة القرآنية كان يستغلها شياطين الجن والإنس، كما أنها تسببت في برود وجمود وفتور في عملنا ودعوتنا هذه، ومن أجل تقصيري هذا تلقيت صفعة شديدة، ولكني أرجو أن تكون بإذن الله صفعة شفقة ورأفة، ولم تبق لدَيَّ شبهةٌ في أن هذه الصفعة جاءت بسبب تقصيري هذا، وتلك الصفعة هي:
إنني كنت طوال ثماني سنوات مخاطَبًا لأستاذي، ومسوِّدًا ومبيضًا له، إلا أنني لم أستطع أن أستفيد من أنوار رسائل النور طوال ثمانية أشهر، وكنا قد استغربنا هذه الحالة كثيرًا، وكنا نبحث أنا وأستاذي عن سبب ذلك، والآن علمنا يقينًا أن حقائق القرآن نور وضياء، ولا تجتمع مع ظلمات التصنع والتملق والتذلل، ولذلك كانت معاني حقائق هذه الأنوار تغدو غريبة عني، وتظل جافية، وكأنها تبتعد عني، أضرع إلى الله تعالى أن يرزقني بعد هذا إخلاصًا يليق بهذه الخدمة، وأن يُنْجِيَني من الرياء وتملق أهل الدنيا، وأرجو من إخواني وفي مقدمتهم أستاذي الدعاءَ.
(الحافظ توفيق الشامي)
ثامنهم: وهو سَيْرَاني، وقد كان تلميذًا لي مشتاقًا إلى الأنوار وذا دراية مثل "خسرو"، استطلعت آراء تلاميذي في إسبارطة حول التوافق الذي هو مفتاح مهم للأسرار القرآنية ولعلم الجفر، فاشتركوا جميعًا بكمال الحماسة، إلا هو؛ إذ كان له رأي آخر، ولديه ما يثير اهتمامه بأمور أخرى، ومع هذا فقد أراد أن يصرفني عن
65. صفحة
تلك الحقيقة التي أعلمها يقينًا، فكتب إلَيَّ رسالةً، فجَرَحَتْ هذه الرسالةُ مشاعري كثيرًا، فقلت واحسرتاه! وا أسفاه! لقد فقدت تلميذي هذا، فمع أني أردت أن أنوِّر فكره؛ فإن معنى آخر دخل في الأمر، فتلقَّى صفعةَ شفقة، حيث لبث ما يقرب من سنة في خلوة؛ أي في السجن.
تاسعهم: وهو الحافظ زهدي الكبير، فهذا الأخ عندما كان مشرفًا على تلاميذ رسائل النور في آغراس([1])؛ لم يكتف بالشرف المعنوي للتلاميذ الذين اتخذوا اتباع السُّنّة السَّنِيَّة واجتناب البدع مسلكًا لهم، فتولى تعليم بدعة خطيرة([2]) عَلَّهُ يكسب منزلةً عاليةً في نظر أهل الدنيا، فارتكب خطأ منافيًا منافاة تامّة لمسلكنا، فتلقى صفعة شفقة رهيبة، حيث تعرض لحادثة كادت تتسبب في هدم شرفه وشرف أهله، ولكن الحادثة الأليمة مَسَّتْ مع الأسف الحافظ زهدي الصغير، واتصلت به أيضًا مع أنه لم يكن يستحق صفعة الشفقة، ولعل هذه الحادثة تنقذ قلبه من الدنيا بإذن الله، وتكون بمنزلة عملية جراحية نافعة؛ ليصرف قلبه إلى القرآن وحده.
عاشرهم: وهو رجل يسمى بـ"الحافظ أحمد"، فلقد اشتغل هذا الرجل في حماسة باستنساخ "رسائل النور" سنتين أو ثلاث سنوات، وكان يستفيد منها أيضًا، ثم استغل أهل الدنيا نقطة ضعف لديه، وكلَّت حماسته، حيث اتصل بأهل الدنيا، عَلَّهُ لا يصاب بضرر منهم، وليسمعوا كلامه، فيكسب بذلك منزلة عندهم، وكان يرغب في أن يوسّع ضيق معيشته، فتلقى صفعتين بسبب الفتور والضرر الذي أصاب الخدمة القرآنية من جراء تصرفه هذا:
الأولى: مع ضيق معيشته أضيف خمسة أشخاص إلى عائلته، فأصبح ضيقه شديدًا مضاعفًا.
أما الصفعة الثانية: فهي أن هذا الرجل الحساس جدًّا في أمر الكرامة والعزة، والذي لم يكن يتحمل انتقاد أحد واعتراضه، اتخذه بعض الدساسين من الناس
[1] محافظة تابعة لمدينة إسبارطة، واسمها الحالي: آتَابَكْ.
[2] وهي تعليم الحروف اللاتينية التي فُرضت على الشعب التركي بعد إلغاء الخلافة الإسلامية، وكان الإمام النورسي يسمي الحروف العربية بـ" الحروف القرآنية" ويطلق على الحروف اللاتينية "الحروف اللادينية".
66. صفحة
ستارًا لأعمالهم دون أن يشعر بذلك حتى تحطمت عزته وكرامته، وفقد جزءًا كبيرًا منها، بل حتى أصبح كثير من الناس أعداءً له.
على كل حال نسأل الله له العفو، ولعله ينتبه منها ويفيق، ويعود إلى وظيفته إن شاء الله.
الحادي عشر: لم يُكتَب عنه فربما لا يرضى.
الثاني عشر: وهو المعلم غالب، نعم؛ لقد خدم هذا الأخ كثيرًا بصدق وإعجاب وتقدير في تبييض الرسائل، ولم يُبْدِ عجزًا وضعفًا أمام أية مشكلة، فكان يحضر في أكثر الأيام، ويستمع إلى الدروس بحماسة وشوق، وكان يستنسخ من الرسائل، ثم أعطى مجموعة "الكلمات" و"المكتوبات" كاملة للآخرين حتى يكتبوا له مقابل ثلاثين ليرة، فكانت نيته أن يَنشُر هذه الرسائل في بلدته، وكان يبغي أن ينوِّر من هم فيها من بني جلدته، ثم لم ينشر الرسائل كما تصور نتيجة بعض الأفكار والآراء التي ساورته([1])، فتركها في الصندوق، فكابد من الغمّ والهمّ ما استمر سنة كاملة بسبب حادثة أليمة وقعت فجأة، فوجد أمامه كثيرًا من الأعداء الظالمين غير المنصفين، بدلا من بضعة أعداء من الموظفين الرسميين بسبب نشر الرسائل، كما فقد بعض أصدقائه وأحبابه.
الثالث عشر: وهو الحافظ خالد، وهو يقص بنفسه ما حدث له:
نعم؛ إنني أعترف أني عندما كنت أعمل في تسويد ما ينشره أستاذي من الرسائل بحماسة وشوق، كانت هناك وظيفة إمامة المسجد في حيّنا شاغرة، ثم فترت عن الخدمة القرآنية مؤقتًا بنية أن ألبس الكسوة العلمية القديمة، وأن أعتمّ بعمامتي، فانسحبت من الخدمة عن غير قصد، فتلقيت صفعة ذات رأفة وشفقة بعكس قصدي ونيتي، حيث لم أستطع أن ألبس العمامة على الرغم من وعود المفتي الكثيرة، مع أنني توليت الإمامة في المسجد طوال ما يقرب من تسعة أشهر، ولم تبق لدينا شبهة في أن هذه الصفعة ذات الشفقة والرأفة نجمت عن هذا التقصير، وقد كنت مخاطبًا لأستاذي ومسوِّدًا له، فبانسحابي من الخدمة كان قد عانى معاناة كبيرة في عمل التسويد.
[1] ساورته: صارعته وهجمت على فكره ورأسه.
67. صفحة
على كل حال فقد أدركنا خطأنا وتقصيرنا والحمد لله، وعلمنا مدى قدسية هذه الخدمة، وازددنا ثقة في وجود أستاذ وشيخ وراءنا مثل الشيخ الجيلاني ومثل الملائكة الحفظة.
(الحافظ خالد)
الرابع عشر: صفعات ثلاث صغيرة تلقاها ثلاثة مصطَفَيْن.
أولهم هو مصطفى جاويش، فهذا الأخ تولى رعاية مسجدنا الصغير الخاص بنا طوال ثماني سنوات، وكان يرعى المسجد حتى مدفأته وزيت مصباحه والكبريت، حتى إننا علمنا فيما بعد أنه كان يزود الزيت والكبريت من ماله الخاص، وكان لا يتخلف عن الجماعة ولاسيما ليالي الجمع إن لم يكن هناك أمر ضروري، ثم قال له أهل الدنيا مستغلين نقاء سريرته: "سيتعرضون لعمامة الحافظ -أحد مستنسخي "الكلمات"([1])- ويجب أن يُترَك الأذان الذي يرفع سرًّا مؤقتًّا([2])، فأَخبِر الكاتبَ أن يَنْزِع عمامته قبل أن يُجبَر على ذلك"، ولم يكن يعلم أن تبليغ كلام لأحد ممن يخدمون القرآن بنزع عمامته هو أمر يشقّ كثيرًا على من يحملون روحًا سامية مثل روحه، فقد بلّغ هو كلامهم كما قالوا له، فرأيت في تلك الليلة في منامي أن مصطفى جاويش جاءني في غرفتي ملطخ اليدين خلف محافظ البلدة، فقلت له في اليوم التالي: يا مصطفى جاويش من الذي قابلته اليوم؟ لقد رأيتك في منامي ملطخ اليدين خلف المحافظ، فقال لي واحسرتاه! وا أسفاه!، لقد قال لي عمدة القرية كلامًا حتى أُخبِر الكاتب، فلم أفهم ماذا وراء ذلك".
ثم إنه أتى المسجد برطل من الزيت في اليوم نفسه، ووقعت حادثة لم تقع من قبل قط، فقد بقي باب المسجد مفتوحًا، ودخل فيه حَمَلٌ فلوّث قريبًا من سجادتي، وجاء رجل كبير كي ينظف المكان فظن الزيت الذي في الإبريق ماءً، ورشّ المسجد جميعه بالزيت كله، ومن العجيب أنه لم يشمّ رائحته قط، مما يعني
[1] أي رسائل النور.
[2] أي إنهم كانوا يؤذنون باللغة العربية من دون أن يُسمِعوا ذلك لموظفي الحكومة بعد تغيير الحكومة العلمانية الأذان إلى اللغة التركية آنذاك.
68. صفحة
أن المسجد يقول لمصطفى جاويش بلسان حاله: "لسنا في حاجة إلى زيتك، ولم أقبل زيتك بسبب الخطأ الذي ارتكبته"، وإشارة إلى ذلك لم يشمّ الرجل رائحة الزيت؛ حتى إن مصطفى جاويش لم يَستطِع أن يلحق بالجماعة في ليلة الجمعة وفي بعض الصلوات في ذلك الأسبوع مع أنه اجتهد كثيرًا، ثم بعد ندامة صادقة واستغفار خالص عاد إلى صفائه الأول.
الثاني: وهي قصة المصطفَيَيْن، وهما مصطفى من "قُولَة أُونُو([1])"وهو من تلاميذي الكبار المجتهدين الأعزاء، وصديقه الصادق الوفي المضحي الحافظ مصطفى، وقد كنت أرسلت إليهما ألا يَحضرا عندي مؤقتًا بعد العيد حتى لا يضايقنا أهل الدنيا ولا يصيب الخدمةَ الإيمانية فتورٌ، وقلت: إن أرادا أن يأتيا فليأتيا فردًا فردًا، ولكنهما أتيا في ليلة من الليالي ومعهما ثالثٌ مرةً واحدة، وكانت النية أن يرجعوا قبل الفجر إذا أصبح الجوّ مناسبًا، ولم يفكر أحد منا لا أنا ولا مصطفى جاويش ولا سليمان أفندي في اتخاذ التدابير اللازمة، أي أُنْسينا؛ إذ ترك كل واحد اتخاذ التدابير للآخر، فتصرفنا بغير حَيْطَةٍ وحذَر، فخرجوا قبل الفجر، فصفعتهم عاصفة شديدة لمدة ساعتين متواصلتين، فقلقت عليهم كثيرًا ظنًّا أنهم لن ينجوا من هذه العاصفة؛ حيث إنه لم يحدث حتى الآن عاصفة مثلها قط في هذا الشتاء، وما كنت أشفقت على أحد إلى هذه الدرجة، وكنت أريد أن أرسل سليمان خلفهم حتى أطمئن على صحتهم وسلامتهم عقابًا على عدم اتخاذه التدابير والحيطة، فقال لي مصطفى جاويش: لو ذهب سيقع هو أيضًا في العاصفة، وسيقتضي الأمر أن أخرج بعده لأفتش عنه، ومن ثم يقتضي خروج "عبد الله جاويش" ورائي أنا، فقلنا "توكلنا على الله" وانتظرنا.
سؤال: إنك تقول إن المصائب التي تنزل بأصحابك الصفوة المقرَّبين إنما هي صفعة، وتعدها عتابًا لفتورهم في الخدمة القرآنية، بيد أن الذين يعادون خدمة القرآن ويناصبونكم العداء الشديد يَبْقون سالِمِين آمنين، فلِمَ تكون صفعة للأصدقاء ولا تكون للأعداء؟
[1] قرية تابعة لولاية إسبارطة.
69. صفحة
الجواب: ذلك لأن أخطاء الأصدقاء تأخذ حكم الظلم في دعوتنا نوعا ما، فيتعرضون بسرعة للعقاب، ويتلقَّوْن صفعةَ الشفقة بسر "الظُّلْمُ لا يَدُومُ والكُفْرُ يَدُومُ"، فإذا كان لهم عقل سليم فإنهم ينتبهون.
أما الأعداء فإن إعاقتَهم الخدمةَ القرآنية، ووقوفهم ضدها إنما يكون لحساب الضلالة، وإن اعتداءهم على دعوتنا بقصد أو بغير قصد يكون لحساب الزندقة، وحيث إن الكفر يدوم؛ فإنهم لا يتلقون صفعةً بسرعة في معظم الأحيان.
فكما أن الذين يرتكبون جرائم صغيرة يعاقبون في القضاء أو الناحية، والذين يقترفون جرائم كبيرة يحالون إلى محاكم كبيرة؛ كذلك فإن أهل الإيمان والأصدقاء الأصفياء الخلّص الذين يرتكبون أخطاء صغيرة -حُكمًا- يعاقبون على بعض أخطائهم في الدنيا وبسرعة لتطهيرهم منها سريعًا.
أما جرائم أهل الضلالة فلأنها كبيرة إلى حد لا تسع معه حياة الدنيا القصيرة عقابَهم؛ فإنهم يُحالُون إلى المحكمة الكبرى في عالم البقاء بمقتضى العدل، ولذا لا يتلقون العقاب في أغلب الأحيان هنا، والحديث الشريف "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"([1]) يشير إلى هذه الحقيقة المذكورة؛ أي: لأن المؤمن يتلقى عقابًا على أخطائه وتقصيراته في الدنيا إلى حدٍّ ما؛ فهي بمنزلة سجن له، وهي زنزانة وجهنم بالنسبة لحياته السعيدة في الآخرة، أما الكفار فبما أنهم لن يخرجوا من جهنم، وبما أنهم يتلقون المكافأة على بعض حسناتهم في الدنيا، ويؤخَّر عقاب سيئاتهم الكبيرة؛ فإن الدنيا جنة بالنسبة لحياتهم في الآخرة، والحقيقة أن المؤمن أكثر سعادة من الكافر في الدنيا معنويًّا وحقيقة، وكأن إيمان المؤمن يكون بمنزلة جنة معنوية في روحه، وكفر الكافرين يضرم نار جهنم معنوية في ماهيتهم.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ
[1] رواه مسلم برقم 5256، والترمذي 2246، وابن ماجة 4103، وأحمد 6560، و7939، و8694، و9898، والحاكم 6622، و7995، والطبراني 5965، والبيهقي في شعب الإيمان 10072، وابن حبان 689، و690.


