اللمعة الحادية عشرة
التنقل
70. صفحة
اللمعة الحادية عشرة
"مرقاة السُّنَّة" و"ترياق مرض البدعة"
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:128)
إن المقام الأول لهذه الآية هو "مِنْهَاجُ السُّنَّةِ" والمقام الثاني لها هو "مِرْقَاةُ السُّنَّةِ".
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾
(التوبة:129)
﴿إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ ( آل عمران:31)
ستبيَّن إجمالاً "إحدى عشرة نكتة" من بين مئاتٍ من النكات لهاتين الآيتين العظيمتين.
النكتة الأولى: قال الرسول الأكرم r "مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ"([1]).
أجل؛ مما لاشك فيه أن اتِّباعَ السُّنّة السَّنِيَّة في غاية الأهمية، ولاسيما في زمن استيلاء البِدَع وانتشارها؛ فإن قيمته حينئذ تكون أعلى وأرفعَ، وإن مراعاةَ أبسط الآداب للسُّنَّةِ السَّنِيَّةِ وبخاصة عند فساد الأمة ليُشعِر بتقوى عظيمةٍ وإيمانٍ راسخ.
[1] انظر الحديث عن ابن عباس في الزهد الكبير للبيهقي 118، وفي الترغيب والترهيب للمنذري 1/41، ومشكاة المصابيح 1/62، وفي المعجم الأوسط للطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه برواية "المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد" 5/315.
71. صفحة
إن اتِّباع السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ يذكِّر مباشرة بالرسول الأكرم r ويتحوَّل هذا التذكُّر إلى استشعار الحضور الإلهي، وإن الذي يُراعي السنة السّنِيّة حتى في أبسط المعاملات وحتى في آداب الأكل والشرب والنوم؛ يُصبح عملُه البسيط العادي، وعملُه الفطري عبادةً مُثَابًا عليها، وعملاً شرعيًّا؛ لأنه في فعله العادي هذا يكون تفكيرُه في اتباع الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، ويتصور أنه يقوم بأدب من آداب الشريعة، فيأتي إلى قلبه أنه r هو صاحبُ الشريعة، ومِنْ ثَمَّ يتوجَّهُ قلبُه إلى الحقِّ تعالى الذي هو الشارع الحقيقي، فيحظى بحضور إلهي وعبادة نوعًا ما.
وبناء على هذا السِّرّ؛ فإن من يتَّخذ اتِّباعَ السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ عادةً لنفسه يكون قد حوَّل عاداتِه إلى عباداتٍ، ويمكنه أن يجعل كلَّ عمره مُثْمِرًا ومثابًا عليه.
النكتة الثانية: قال الإمام الرباني أحمد الفاروقي([1]) رضي الله عنه: "رأيت وأنا أقطع المراتب في السير الروحاني أنَّ أسطعَ طبقات الأولياء وأعظمَها وألطفَها وأسلمَها الطبقة التي اتخذت اتِّباع السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ أساسًا للطريقة، حتى إن عوام الأولياء في هذه الطبقة يَظْهَرون أعظمَ وأروعَ من خواصِّ الأولياء في سائر الطبقات".
نعم؛ لقد صَدَق مجدِّد الألف الثاني الإمام الرباني رضي الله عنه، فالذي يتخذ السُّنَّةَ السَّنِيَّةَ أساسًا له سينال مقام المحبوبية في ظل حبيب الله.
النكتة الثالثة: حينما كان يحاول سعيد الفقير هذا الخروجَ من حالة "سعيد القديم"([2]) تَدَحْرَجَ عقلُه وقلبه بين الحقائق في عاصفةٍ معنوية رهيبةٍ بسبب عدم وجود مرشد له، وبسبب غرور النفس الأمارة بالسوء، وكانا يتدحرجان من الثريا إلى الثَّرَى حينًا، ويصعدان من الثَّرَى إلى الثريا أحيانًا، وهكذا في هبوط وصعود، فرأى حينئذ أن مسائل السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ -وحتى آدابها البسيطة- كأنها بوصلة تبين اتجاه السفن، وعلاماتٌ على طرق خطرة ومظلمة.
[1] الإمام الرباني: هوأحمد بن عبد الأحد السرهندي الفاروقي ) ٩٧١ - ١٠٣٤ه( برع في علوم
عصره، وفقه الله تعالى إلى إخراج الدولة المغولية من الإلحاد إلى الإسلام، ويعدُّ مجدد الألف الثاني.
[2] يطلِق الأستاذ على ما قبل الأربعين من عمره سعيدًا القديم، وعلى ما بعد الأربعين من عمره سعيدًا الجديد؛ حيث عاش انقلابًا روحيًّا وفكريًّا، واتجه اتجاهًا جديدًا.
72. صفحة
ولَمَّا رأيت نفسي في تلك السياحة الروحية تحت مضايقات شديدة وأعباء وأحمال ثقيلة تَقَعُ على كاهلي، واتَّبَعْتُ تعاليمَ السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ التي تتعلق بتلك الحالة؛ وجدتُ خفةً وراحة، وكأنها ترفع كل أعبائي وتُزِيحُها عني، وكنت أنجو باستسلامي للسُّنة من شبهات ووساوس وهموم مثل: يا ترى هل مثل هذا التصرُّف حقٌّ؟ وهل فيه مصلحة؟
وبمجرد أن تركتُ الاتّباعَ شعرت بضيق شديد، ورأيت أمامي طُرُقًا كثيرة مجهولةَ المداخلِ والمخارج، ولا يُعرف إلى أين تنتهي، وشعرت بأن العبء ثقيل، وأني عاجز للغاية، ونظري قصير، والطريق مظلم.
وما إن تَمَسّكْتُ بالسُّنة مرة أخرى حتى شعرت بحالة وكأن الطريق يتنور، ويظهر الطريق الآمن السالم، ويخفُّ العِبْءُ، ويزول الضيقُ، فصدَّقت حينها حكمَ الإمام الرباني بالمشاهدة.
النكتة الرابعة: وجدتني يومًا في عالم عجيب، وفي حالة روحية نشأتْ عن رابطة الموت وعن الحقيقة التي في قضية "الموت حقٌّ"، وعن زوال العالم وفنائه، ونظرت فرأيت أنني جنازة وأنني أقف على ثلاث جنائز عظيمة مهمة:
أولاها: أنني كشاهد قبرٍ على رأس الجنازة المعنوية لمجموع المخلوقات ذوات الحياة التي لها علاقة بحياتي، والذين دخلوا قبرَ الماضي.
ثانيتها: أنني نقطةٌ تُمحى سريعًا، ونملةٌ تموت بسرعة على وجه هذا العصر الذي هو شاهد قبر في مقبرة الكرة الأرضية على رأس الجنازة العظيمة المدفونةِ في قبر الماضي لمجموع أنواع ذوات الحياة التي لها علاقة بحياة نوع البشر.
ثالثتها: ولأن وقوع موت هذا الكون مؤكدٌ عند قيام القيامة؛ فإنه قد صار في حكم الواقع في نظري، ورأيت نفسي في دهشة بسبب سكرات هذه الجنازة العظيمة، وفي ذهول وحيرة بسبب وفاتها، وبدا لي أن وفاتي -التي هي الأخرى أكيدةٌ، وقطعية الوقوع في المستقبل- تَحْدُثُ الآن، وأدارتْ جميعُ الموجودات وجميع المحبوبات ظهرها لي بوفاتي، وتركتْني وأبقَتْني وحيدًا
73. صفحة
بسرّ ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾، وسِيقَتْ روحي إلى المستقبل الذي في جهة الأبد، والذي اتخذ صورة بحر لا منتهى له، وكان لابد من القفز في ذلك البحر طوعًا أو كرهًا، شئنا أو أبينا.
وبينما كنت في تلك الحالة العجيبة الحزينة جدًّا؛ إذا بالآية الكريمة ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (التوبة:129) تُغِيثُنِي بِمَدَدٍ آتٍ من الإيمان والقرآن، وأصبحتْ كسفينة في غاية الأمن والسلام، فدخلتْ روحي في هذه الآية بكمال الأمن والسرور.
نعم؛ فهمتُ أن معنى إشاريًّا لهذه الآية -علاوة على معناها الصريح- قد سلَّاني، فوجدتُ الاطمئنانَ، ووهبَ لي السكينةَ.
نعم؛ كما أن الآية تقول بمعناها الصريح للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام: "فإن أدار أهل الضلال ظهورَهم، وأعرَضُوا عن شريعتك وسنّتك، ولم يستمعوا إلى القرآن؛ فلا تقلقْ ولا تحزنْ، وقلْ: حسبي الله، أتوكل عليه، هو يُنشئ ويربّي من يَتَّبِعونَ شريعتي وسنتي بدلاً منكم، وعرشُ سلطنته محيط بكل شيء، فلا العصاةُ يستطيعون أن يفرّوا منه، ولا المستمِدّون ينقطع مدده عنهم"؛ فكذلك تقول بمعناها الإشاريِّ: "يا أيها الإنسان، ويا سيد الناس ومرشدهم، إنْ تَرَكَك جميعُ الموجودات وراحوا إلى العدم في طريق الفناء، وإن فارقَك ذوو الحياة وجَرَوْا في طريق الموت، وإنْ ترَكَك الناسُ ودخلوا القبور، وإن لم يستمع إليك أهلُ الغفلة والضلال ووقعوا في الظلمات؛ فلا تحزن ولا تقلق، وقل: حسبي الله، وبما أنه موجودٌ فكل شيء موجود، إذن فهؤلاء الذين رحلوا لم يرحلوا إلى العدم، وإنما رحلوا إلى دار أخرى لذي العرش العظيم Y ، إنه يرسل بدلا منهم آخرين من جنوده غير المحدودين، فالذين يدخلون القبر لم يَفْنَوْا، وإنما يرحلون إلى عالم آخر، إنه Y
يرسل مكانَهم موظفين آخرين، وإنه قادر على إرسال عباده المطيعين الذين يَتَّبِعون الطريق الحق بدلاً من الذين وقعوا في الضلال، وبما أن الأمر هكذا فهو يُغْنِي عن كل شيء، ولا يمكن أن يُغْنِيَ كلُّ شَيْءٍ عن تَوَجُّهٍ واحدٍ منه".
74. صفحة
وبواسطة هذا المعنى الإشاري اتخذتْ هذه الجنائزُ الثلاثة المرعبةُ التي أرعبتني شكلاً آخر، وهو أن الكونَ يَهِيجُ ويضطرب هكذا، وفيه من يأتون ويرحلون من أجل سير وسفر في صورة رحلة حكيمة، وجولان ذي عبرة، وسياحة ذات وظائف، من أجل تسريحٍ وتوظيفٍ تحت تدبيرِ وربوبيةِ حكيمٍ ورحيمٍ وعادلٍ وقديرٍ ذي جلال، وضمن حكمته ورحمته.
النكتة الخامسة: إن الآية العظيمة ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ (آل عمران:31) تُعْلِنُ إعلانا قاطعًا عن مدى أهمية وضرورة اتّباع السُّنة.
نعم؛ إن هذه الآية الكريمة أقوى وأثبت قياس من نوع "القياس الاستثنائي"([1]) من القياسات المنطقية، وذلك كالآتي:
كما أنه يقال في المنطق مثالاً للقياس الاستثنائي: "إن كانت الشمس طالعةً فالنهار موجود"، ويقال مثالاً للنتيجة الإيجابية: "لكن الشمس طالعةٌ فالنتيجة أن النهار موجود".
ويقال مثالاً للنتيجة السلبية: "لكن النهار ليس بموجودٍ فالشمس ليست بطالعةٍ".
وهاتان النتيجتان -الإيجابية والسلبية- قَطْعِيّتَان بحسب علم المنطق، فكما في هذا القياس تماما تقول هذه الآية الكريمة:
"إن كنتم تحبون الله، فيجب عليكم اتِّباعُ حبيبِ الله، وإن لم يُتَّبَعْ فالنتيجةُ هي أنكم لا تحبون الله، وإن كانت لديكم محبة الله فإن هذه المحبة تُنْتِجُ اتباعَ السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ لحبيب الله".
أجل؛ إن الذي يؤمن بالله لاشك أنه سيطيعه، ولاشك أن أَرْجَى طريقٍ وأقصره وأَقْوَمه من بين طُرُق الطاعة هو الطريق الذي دَلّ عليه وسلَكَه حبيب الله عليه الصلاة والسلام.
نعم؛ إن الكريم ذا الجمال -الذي ملأ هذا الكون بهذا القدر من النِّعَم- لابد أنه سيطلب الشكرَ من ذوي الوعي والإدراك مقابل تلك النعم.
[1] القياس الاستثنائي: هو القياس الذي تذكر في مقدماته نفس النتيجة أو نقيض النتيجة، أي سلبها كما في المثال المذكور، انظر في تعريفه أيضًا موسوعة مصطلحات علم المنطق عند العرب ص: 683.
75. صفحة
وإن الكريم ذا الجلال -الذي زيَّن هذا الكون بهذا القدر من معجزات صنعته- لاشك أنه سيتخذ أفضلَ شخصٍ من بين ذوي الوعي والإدراك مُخَاطَبًا وتُرْجُمَانًا لنفسه، ومبلِّغًا وإمامًا لعباده.
وإن ذلكم الجميلَ ذا الكمال -الذي جعل هذا الكون مَظهرًا لما لا حد له من تجليات جماله وكماله- سيعطي بلاشك وبالبداهة أفضلَ حالةٍ للعبودية لمن هو أجمعُ وأبدعُ مقياسٍ ومَدار لما يحبه ويحب إظهارَه من جمالٍ وكمال وأسماء وإبداع، وسيجعل أحوالَه قدوةً وأسوة للآخرين، وسيحفّز ويَحُثُّ الجميع على اتباعه؛ حتى تَنعكس أحوالُه الحسنةُ الجميلة على الآخرين أيضًا.
الحاصل: إن محبة الله تستلزم اتِّبَاعَ السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ، فطوبى لمن كان حظُّه وافرًا من اتِّباع السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ، وويل لمن لا يقدّر السُّنَّةَ السَّنِيَّةَ ويخوض في البِدَع.
النكتة السادسة: لقد قال الرسول الأكرم r "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ وَكُلُّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ"([1])، أي إنَّ كُرْهَ قواعدِ الشريعة الغَرَّاء ودساتيرِ السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ وعدم تقديرها واستحسانِها، واستبدال أمور محدَثة بها بعد أن تَمَّتْ واكتملتْ بسر الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة:3) أو إحداث بِدَعٍ تُوحِي وكأن مُحْدِثها يرى تلك القواعدَ والدساتير النبوية الإلهية ناقصةً -حاش لله- إنما هو ضلالة ونار.
إن للسُّنَّةِ السَّنِيَّةِ مراتب، فقسم منها واجب لا يمكن تركه، وهذا القسم قد بُيِّن بالتفصيل في الشريعة الغرّاء، فهو من المحكمات التي لا يمكن أن تتبدل بأي وجه من الوجوه.
وقسم منها من قبيل النوافل، وهو على قسمين:
أحدهما وهو السنن السَّنِيَّة التي تَخُصُّ العبادات، وهي كذلك قد بُيِّنت في كتب الشريعة، وتغييرها بدعة، والقسم الآخر يُسَمَّى "الآداب"، وقد ذُكِرَ في كتب السيرة السَّنِيَّة، ولا تسمى مخالفتها بدعة، إلا أنها تكون مخالفة للآداب النبوية نوعا ما، وإعراضًا عن الاستفادة من نورها ومن الأدب الحقيقي، وهذا القسم هو اتِّبَاعٌ لأفعال الرسول الأكرم r المعلومة بالتواتر في العادات والتقاليد والمعاملات
[1] انظر سنن النسائي الكبرى 449، وصحيح ابن خزيمة 3/143، والمعجم الكبير 9/98.
76. صفحة
البشرية الفطرية، فهناك كثير من السنن السَّنِيَّة التي تبين آداب الكلام مثلا، ودساتيرَ آداب أحوالٍ كالأكل والشرب والنوم، وما يتعلق بالمعاشرة، ويُطلَق على هذا النوع من السنن "الآدابُ"، فالذي يتبع تلك الآدابَ يُحَوِّل عاداتِه إلى عباداتٍ، وينال فيضًا عظيمًا من ذلك الأدب؛ إذ إن مراعاة أبسط الآداب تُذكّر بالرسول الأكرم r وتفيض النور على القلب.
إن أهم وأعظم السُّنَن من بين السُّنَن السَّنِيَّة هي تلك التي تتعلق بالشعائر الإسلامية، فالشعائر -كعبادة- من نوع الحقوق العامة التي تخصّ المجتمع، فكما أن المجتمع كله يستفيد بقيام فرد واحد بها؛ فإنه كله أيضًا يكون مسئولاً عن تركها، ومثل هذا النوع من الشعائر يعلَن عنه ولا يَتَخَلَّلُهُ الرياءُ، وهو أهم من الفرائض الشخصية حتى لو كانت هذه الشعائرُ من النوافل.
النكتة السابعة: إن السُّنَّة السَّنِيَّة أدبٌ جمّ، وما من مسألة من مسائلها إلا وفيها نور وأدب، وقد قال الرسول الأكرم r: "أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي"([1]).
أجل؛ إن من يُنْعِم النظرَ في السيرة النبوية ويعلم السنن السَّنِيَّة، يُدْرِك يقينًا أن الحق تعالى قد جمع أنواع الآداب في حبيبه r، فالذي يترك سنته إنما يترك الأدب، ويكون حاله مصداقَ القاعدة "بِي أَدَبْ مَحْرُومْ بَاشَدْ أَزْ لُطْفِ رَبّ"([2])، ويقع في سوء أدب ذي خسائر.
سؤال: كيف يكون أدب مع علَّامِ الغيوب العليم البصير بكل شيء الذي لا يخفى عليه شيء؛ مع أنه لا يمكن إخفاءُ الحالات الْمُخجلة عنه، وإن نوعًا من أنواع الأدب هو السّتر والاستتار، وإخفاءُ حالات تستوجب الاشمئزازَ والنفورَ، ولا يمكن التستر عن علام الغيوب؟
الجواب:
أولا: كما أن الصانع ذا الجلال يريد أن يُظهر صُنْعَه وإبداعَه جميلاً بكمال العناية والاهتمام، ويستر الأمور المنفرة المكروهة بستائر، ويزين ويُجمِّل نِعَمَه ليجذب
[1] انظر الحديث في الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع لابن حجر قال فيه: أخرجه العسكري ضعيف، وانظر كنز العمال 11/186، وفي أسنى المطالب ص: 35، وفي سنده ضعف ومعناه صحيح.
[2] عبارة باللغة الفارسية، معناها: إن قليل الأدب يكون محرومًا من فضل الله وإحسانه.
77. صفحة
الأنظارَ ويلفتها إليها؛ فكذلك يريد أن يُظهر مخلوقاته وعبادَه في صُوَرٍ وحالات جميلة أمام ذوي الوعي والإدراك الآخرين؛ إذ إن ظهورهم في حالة مُزْرِيَة قبيحة يكون عصيانًا وسوء أدب نوعًا ما تجاه بعض أسمائه كالجميل والمزيِّن واللطيف والحكيم، وهكذا فالأدب الذي في السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ هو تحلٍّ بالأدب المحض ضمن حدود أسماء ذلكم الصانع ذي الجلال.
ثانيًا: وكما أن الطبيب ينظر إلى أكثر الأعضاء حُرْمَةً من الأجنبيات عنه من حيث حاجة التطبيب، وتُكشَف له عند الضرورة، ولا يقال عن هذا سوء أدب، بل يقال إن أدب الطب يقتضي ذلك، في حين أن ذلك الطبيب لا يجوز له أن ينظر إلى الأجنبيات عنه بصفته رجلا أو واعظًا وداعية أو معلِّما وشيخا وعالمًا، ولا يجيز الأدب للأجنبيات عنه أن يظهرن له، فتكشّفها له من هذه الناحية هو وَقَاحَةٌ وقلة حياء.
كذلك فإن للصانع ذي الجلال أسماءً كثيرةً، ولكل اسم تجلٍّ خاص مستقلّ، فمثلا كما أن اسم "الغفار" يقتضي وجود الذنوب، واسم "الستار" يقتضي وجود التقصيرات، فكذلك اسم "الجميل" لا يريد أن يرى القُبح، وتقتضي أسماء جمالية وكمالية كـ"اللطيف" و"الكريم" و"الحكيم" و"الرحيم" أن تكون الموجودات في أحسن صورة وفي أفضل حالة ممكنة.
وتلك الأسماء الجمالية والكمالية تريد أن تَرَى جمالها في نظر الملائكة والروحانيات والجن والإنس بالأوضاع الجميلة للموجودات وحسن أدبها.
وهكذا فالآداب التي في السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ هي إشارات إلى هذه الآداب العالية السامية، ودساتيرُها ونماذجها.
النكتة الثامنة: إن آية ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى آخر الآية -التي تَرِد قبل الآية ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾- تبين كمال شفقة الرسول الأكرم r ومنتهى رأفته تجاه أمته، ثم تقول بهذه الآية ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾؛ أيها الناس ويا أيها المسلمون! ألا فلتعلموا كم هو ظلم وإجحاف، وكم هو بلاهة وحماقة إعراضُكم عن السُّنة وعن الأحكام التي بلّغها ذلكم الشخص الرءوف الرحيم الذي أرشدكم بشفقة لا حدَّ لها،
78. صفحة
وبذل كل جُهْده وقوته وما في وُسْعِهِ من أجل مصلحتكم، ومسح على جروحكم المعنوية وداواها وعالَجَها بكمال شفقته ببلسم الأحكام التي أتى بها، وبالسُّنَّةِ السَّنِيَّةِ، وكأنكم تنكرون تلك الشفقة البديهية وتتهمون الرأفة الظاهرة للعيان!
ويا أيها الرسول الرحيم، ويا أيها النبي الرءوف، إن لم يعرف هؤلاء شفقتَك العظيمةَ، ورأفتَك الكبيرةَ ولم يُقدِّروهما، وإنْ أعرضوا وتَوَلَّوْا عنك ولم يسمعوك لبلاهتهم وحماقتهم فلا تأسف ولا تحزن، فإن الحق تعالى ذا الجلال الذي جنود السماوات والأرض تحت أمره، والذي تهيمن سلطنة ربوبيته على العرش العظيم المحيط بكل شيء، هو حَسْبُك، وهو يجمع حولك الطوائفَ المطيعةَ بحق، ويجعلهم يستمعون ويصغون إليك ويَقْبَلون أحكامك.
أجل؛ ما من مسألة في الشريعة المحمدية والسُّنة الأحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- إلا ولها حِكَمٌ متعددة، وأنا الفقير أدَّعِي هذا مع كل عجزي وقصوري، ومستعدٌّ لإثبات هذه الدعوى، ثم إنَّ ما كُتِبَ وأُلِّفَ حتى الآن مما يبلغ سبعين أو ثمانين رسالةً من "رسائل النور" هو بمنزلة سبعين أو ثمانين شاهدًا صادقًا على أن مسائل السنة الأحمدية والشريعة المحمدية كم هي ذات حكمة وحقيقة، فلو قُدِّر أن يُكتب حول هذا الموضوع فلا تستطيع سبعون رسالة -بل سبعة آلاف رسالة- أن تُحْصِيَ تلك الحِكم.
وإني أعلن أني قد عرفت بنفسي بالمشاهدة وبالذوق بل بآلاف التجارب أن مسائل الشريعة ودساتير السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ دواءٌ نافعٌ جدًّا للأمراض الروحية والعقلية والقلبية، ولاسيما الأمراض الاجتماعية، وأني شعرت بنفسي بالمشاهدة، وأَشْعَرْتُ الآخرين إلى حدٍّ ما في "رسائل النور" أن مسائل الفلسفة والحكمة لا يمكن أن تقوم مقام تلك الدساتير أو تحلّ محلّها، والذين يشكّون في دعواي هذه عليهم أن يراجعوا أجزاء "رسائل النور" وينظروا فيها.
فلْيُقَدَّرْ مدى الربح في السعي إلى اتّباع السُّنة السَّنِيّة لذلكم الشخص قدر المستطاع، ومدى السعادة للحياة الأبدية، ومدى ما فيه من نفع ومصلحة للحياة الدنيوية.
79. صفحة
النكتة التاسعة: لا يتيسر اتِّباع كل نوع من أنواع السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ اتِّباعًا كاملاً بالفعل إلا لأَخَصِّ الخواصّ، ولكن كل واحد يستطيع أن يطلب وينشد ذلك الاتِّباع بالنية والقصد والانحياز إليه، والالتزام به وإنْ لم يستطِعْ أن يتبعها اتباعًا كاملا.
واتِّباع أنواع الفرض والواجب من السُّنة السَّنِيّة ضروري أصلا، أما السنن المستحبة في العبادات ففي تركها ضياع لثواب عظيم إن لم يكن فيه إثم، وفي تغييرها خطأ جسيم.
وأما السنن السَّنِيَّة في العادات والمعاملات فبالمثابرة والمواظبة على اتباعها تتحول تلك العادات إلى عبادات، وإن لم يتبعها المرء فلا لوم عليه، ولكن استفادته من نور الآداب الحياتية لحبيب الله r تَقلّ.
إن إحداث أمور في أحكام العبادات بِدْعَةٌ، والبدع مردودة؛ لأنها تنافي سرَّ ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، ولكنها إن كانت من نوع الأوراد والأذكار والمشارب -كما في الطرق الصوفية- فهي ليست ببدعة، على أن تكون أصولها مأخوذةً من الكتاب والسُّنة، وعلى ألاّ تخالف أصولَ وأساساتِ السُّنة السَّنِيّة المقرَّرة، وألاّ تُغَيِّرها وإن كانت على أشكال مختلفة وصور وأنماط متباينة.
ولكن بعض أهل العلم جعلوا بعضًا من هذه الأمور ضمن البدع، إلا أنهم أطلقوا عليها "البدعة الحسنة"؛ حيث يقول مجدد الألف الثاني الإمام الرباني: كنت أرى في أثناء السير والسلوك الروحاني أن الكلمات المروية عن الرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- منورة تتلألأ بشعاع السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ، وحينما كنت أرى الأوراد والأحوال الساطعة القوية غير المروية عنه r لم يكن عليها ذلك النور، وأسطعُ ما في هذا القسم لم يكن يَبْلُغُ إلى أقل ما في القسم الأول، فأدركت من هذا أن شعاعَ السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ إكسير([1])، وأن السنة كافية لمن يطلبون النور، ولا حاجة للبحث عن النور خارجها".
[1] الإكسير: مادة مركبة كان الأقدمون يزعمون أنها تحول المعدن الرخيص إلى ذهب وشراب، وفي زعمهم أنها تطيل الحياة.
80. صفحة
فهذا الحكم لبطل من أبطال الحقيقة والشريعة كهذا يبين أن السُّنَّةَ السَّنِيَّةَ هي حجر الأساس لسعادة الدارين، ومعدن الكمالات ومنبعها.
اَللّهُمَّ ارْزُقْنَا اتِّبَاعَ السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ، آمين.
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾
النكتة العاشرة: إن في الآية ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ (آل عمران:31) إيجازًا معجزًا؛ لأن كثيرًا من الجمل قد أدرجت في هذه الجمل الثلاث وذلك كما يلي:
تقول هذه الآية: إن كنتم تؤمنون بالله؛ فلاشك أنكم ستحبونه، وبما أنكم تحبون الله فإنكم ستعملون وتتصرفون كما يحب هو Y ، وهو أن تَتَشَبَّهُوا بِمَن يحبه، والتشبه بمن يحبه يعني اتِّباعه، فمتى ما اتبعتموه فسيحبكم الله، فأنتم تحبون الله كي يحبكم.
وجميع هذه الجمل ما هي إلا تفسير مختصر مجمل لتلك الآية، مما يعني أن أهم وأسمى مقصد للإنسان هو أن ينال محبة الله الحق تعالى ونص هذه الآية يشير إلى أن طريقَ ذلك المطلب الأعلى هو اتِّباع حبيب الله سبحانه، والاقتداء بسنته، فإذا أُثبِتَ في هذا المقام "ثلاث نقاط" تظهر تلك الحقيقة المذكورة واضحةً جليّةً.
النقطة الأولى: لقد خُلق البشر وجُبل على محبة غير محدودة لخالق هذا الكون بالفطرة؛ لأن في فطرة البشر محبةً للجمال، وافتتانًا بالكمال، وحبًّا للإحسان، وتتزايد تلك المحبة حسب درجات الجمال والكمال والإحسان، وقد تصل إلى أقصى درجات العشق.
وإن في القلب الصغير لهذا الإنسان الصغير جِدًّا يندرج عشق بِسَعَةِ الكون.
أجل؛ إن كتابة مكتوبات بقدر آلاف الكتب التي هي بمنزلة المكتبة في القوة الذاكرة التي هي صندوق صغير جدًّا بحجم حبة عدس للقلب، تدل على أن هذا القلب الصغير يمكن أن يحتوي الكونَ كله، ويحمل محبةً بسعة الكون.
81. صفحة
وبما أن في فطرة البشر استعدادَ محبة لا حدَّ له تجاه الإحسان والجمال والكمال، وبما أن لخالق الكون "جمالاً" مقدسًا لا حد له، ثابتًا تحقُّقُه بالبداهة بآثاره المتجلية في الكون، و"كمالاً" مقدَّسًا لا حد له مُتَحَقِّقًا ثبوتُه بالضرورة بنقوش إبداعه الظاهر على هذه الموجودات، و"إحسانًا" لا حدَّ له مُتَحَقِّقًا وجودُه باليقين بل بالمشاهدة بما لا حد له من أنواع إحسانه وإنعامه المتجلي في جميع ذوي الحياة؛ فلابد أن ذلك -الجمال والكمال والإحسان- يقتضي أن يكون لدى الإنسان -الذي هو أجمع ذوي الوعي والإدراك استعدادا وأكثرهم احتياجًا وأكثرهم تفكرًا وأشدهم اشتياقًا- محبةٌ لا حدَّ لها.
أجل؛ كما أن لدى كل إنسان استعدادَ محبة غير محدود تجاه ذلكم الخالق ذي الجلال، فإن ذلكم الخالق Y كذلك يستحق أن يكون محبوبًا أكثر من أي أحد مقابل جماله وكماله وإحسانه، حتى إن ما في الإنسان المؤمن من محبة متنوعة وعلاقات شديدة تجاه حياته وبقائه وجسمه ودنياه ونفسه وتجاه الموجودات ما هو إلا ترشحات لذلك الاستعداد للمحبة الإلهية، بل حتى إن مشاعر الإنسان المتنوعة الشديدة ما هي إلا تحولاتٌ لذلك الاستعداد للمحبة، ورشحاتٌ قد اتخذت صورًا مختلفة.
ومن المعلوم أن الإنسان كما أنه يتلذذ بسعادته الشخصية؛ فهو يتلذذ كذلك بسعادة الذين يرتبط ويتعلق بهم، وكما أنه يحب مَنْ يُنقِذُه من البلايا؛ فكذلك يحب من ينقذ مُحِبِّيه من البلايا.
فالإنسان إذا ما فكر -بناء على هذه الحالة الروحية- في نعمة واحدة فقط من بين أنواع الإحسانات الإلهية المسبغة على كل إنسان فسيقول: "كما أن خالقي أنقذني من العدم الذي هو ظلمات أبدية، ووهب لي هذه الدنيا الجميلة في هذا العالم؛ فسينقذني كذلك من العدم والفناء اللذين هما إعدام أبدي إذا جاء أجلي، وسيمنحني عالمًا أبديًّا رائعًا في عالم باق خالد، وسيُنْعِمُ عليَّ بمشاعرَ وأحاسيس ظاهرة وباطنة تستفيد من جميع أنواع مُتَعِ ذلك العالم ولذّاته ومحاسنه، وتتجول وتَتَنَزَّه فيه؛ كذلك فسيسبغ على جميع أقاربي وأحبائي وأبناء جنسي -الذين أحبهم
82. صفحة
حبًّا شديدًا وأرتبط بهم ارتباطًا وثيقًا- نعمًا وآلاء غير محدودة، وهذا الإنعام والإحسان يعود إليَّ أنا من ناحية ما؛ إذ إنني أسعد وأتلذذ بسعادة هؤلاء".
وبما أن في كل إنسان حبًّا لحد العبودية نحو الإحسان بسرّ "الإنسانُ عَبْدُ الإِحْسَانِ"، فلاشك أنه مقابل هذا الإحسان الأبدي غير المحدود سيقول:
"لو كان لي قلب بسعة الكون لاقتضى أن يمتلئ بالمحبة تجاه ذلك الإحسان، ولأردت أن أملأه بها؛ فحتى إن لم أستطع أن أحمل تلك المحبة بالفعل، فإني سأحملها بالاستعداد والإيمان والنية والقبول والتقدير والاشتياق والالتزام والإرادة".
وهكذا فَلْيَقِسْ كلُّ واحد المحبةَ التي يظهرها الإنسان تجاه الجمال والكمال بالمحبة تجاه الإحسان التي أشرنا إليها بالإجمال.
أما الكافر فإنه يُكِنُّ عداوةً لا حدَّ لها من حيث كفره، بل يحمل عداوةً في ظلم وتحقير وإهانة تجاه الكائنات.
النقطة الثانية: إن محبة الله تستلزم اتّباع السُّنة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام؛ لأن محبة الله هي فِعْلُ ما يُرْضِيه، فمرْضيَّاته تتظاهر على أكمل صورة في الشخصية المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، وأما التشبه بالشخصية الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام في حركاتها وأفعالها فعلى "جهتين":
أولاهما: جهة محبة الله تعالى؛ حيث إن طاعة أوامره والتحرك والتصرف ضمن دائرة مَرْضِيَّاته يقتضيان ذلك الاتِّباع؛ لأن أفضل إمام في هذا الشأن هو الشخصية المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام.
ثانيتهما: وبما أن الشخصية الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام هي أهم وسيلة للنعم الإلهية غير المحدودة الْمُسْبَغَة على الناس، فلابد أنه r أهل لمحبة لا حدَّ لها لحساب الحق تعالى، فالإنسان يحب بفطرته أن يتشبه بمن يحبه إن كان ذلك ممكنًا، إذن فالذين يحبون حبيب الله عليهم أن يَسْعَوْا -حتمًا- إلى التشبُّه به r باتّباع سنته.
النقطة الثالثة: كما أن لله رحمةً لا حدَّ لها فكذلك له محبة لا حدَّ لها، وكما أنه يحبب نفسه تحبيبًا لا حدَّ له بواسطة محاسن جميع المصنوعات التي في الكون،
83. صفحة
وبتزيينه تلك المصنوعات، فإنه يحب كذلك ذوي الوعي والإدراك من مخلوقاته الذين يحبون مصنوعاته ولاسيما الذين يقابلون تحبيبه مصنوعاته بالمحبة، إذن فكل فرد يدرك بالبداهة كم هو مقصد مهمٌّ عالٍ وسَامٍ السعيُ إلى جذب نظر محبة الله الذي جميع لطائف الجنة ومحاسنها ولذاتها ونعيمها ما هي إلا تجلٍّ من تجليات رحمته.
وبما أن نيل محبته Y لا يكون إلا باتباع السُّنة الأحمدية بنص كلامه تعالى، فلابد من أن اتباع السنة الأحمدية هو أعظم مقصد إنساني وأهم وظيفة بشرية.
النكتة الحادية عشرة: وهي "ثلاث مسائل":
المسألة الأولى: إن للسُّنة السَّنِيَّة للرسول الأكرم r ثلاثة منابع، هي: أقواله وأفعاله وأحواله، وهذه الأقسام الثلاثة كل منها أيضًا ثلاثة أقسام، هي: الفرائض والنوافل وعاداتُه r الحسنة.
فالاتِّباع في قسم الفرض والواجب ضروري، ففي تركه عذاب وعقاب، فالجميع مكلفون باتباعه والتزامه.
وأما قسم النوافل فأهل الإيمان مكلفون باتباعه أيضًا فيه بالأمر الاستحبابي، ولكن ليس في تركها عذاب وعقاب، لكن فعلَها واتِّباعَها فيهما ثواب عظيم، وأما تغييرها وتبديلها فهو بدعة وضلالة وخطأ كبير وجسيم.
أما عاداته السَّنِيّة r وحركاته المستحسنة فتقليدها واتباعها مستحسن جدًّا حكمةً ومصلحةً من حيث الحياة الشخصية والنوعية والاجتماعية؛ لأن في كل حركة من حركاته العادية r منافع حياتية كثيرة، فباتباعها تصبح تلك الآداب والعادات في حكم العبادات.
أجل؛ بما أن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام نال أعلى مراتب محاسن الأخلاق باتفاق الأصدقاء والأعداء، وبما أنه أشهرُ وأعظمُ شخصية بين البشر بالاتفاق، وبما أنه أكمل إنسان كامل وأفضل مرشد بدلالة الآلاف من معجزاته وبشهادة كمالات العالم الإسلامي الذي شكَّله، وبتصديق حقائق القرآن الحكيم الذي هو مبلِّغ وترجمان له، وبما أن الملايين من أهل الكمال قد ترقَّوْا في مراتب
84. صفحة
الكمالات ونالوا سعادة الدارين بثمرات اتّبَاعه؛ فلاشك أن سنة هذا الكريم وحركاته أفضل نموذج للاقتداء، وأسلم وأقوى مرشد أحق بالاتباع، وأحكم وأمتن قوانين جديرة بأن تُتخذ دستورًا في الحياة.
فالسعيد هو من له نصيب كبير وحظ وافر في اتّباع السُّنة!
وأما من لا يتّبع السُّنةَ؛ تكاسلاً عنها فهذه خسارة عظيمة؛ وإذا كان لم يبالِ بها ويُهوّن من شأنها فهذه جناية عظيمة، وأما الانتقاد الذي تفوح منه رائحةُ التكذيبِ فهو ضلالةٌ عظيمة.
المسألة الثانية: إن الحق تعالى يقول في القرآن الحكيم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وقد ورد في الرواية الصحيحة أن صحابية جليلة؛ هي عائشة الصديقة -وكذا كل الصحابة- كانت إذا وَصَفَت النبيَّ عليه الصلاة والسلام وصفته قائلةً: "كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنُ"([1])، أي إن مثال ونموذج الأخلاق الحسنة الذي بيّنه القرآن هو محمد عليه الصلاة والسلام، وهو أول من تَمثّل تلك المحاسن، وقد خُلق وجُبل على تلك المحاسن فطرةً.
وإذا كان كل فعل من أفعال مثل هذه الشخصية r، وكل قولٍ من أقوالها، وكل حركةٍ من حركاتها، نموذجًا ومثالا لنوع البشر، فليُقدَّر حينئذ مدى شقاء وتعاسة من لا يهتمُّون بسنته أو يريدون تغييرها من المؤمنين الغافلين من أمته! حتى إن المجانين يفهمون ذلك.
المسألة الثالثة: ولأن الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام قد خُلق في أعدل وضع وأوسطه، وأكمل صورة وأفضلها؛ فإن جميع حركاته وسكناته سارت على الاعتدال والاستقامة، وسِيَرُهُ السَّنِيّة تدل دلالة قاطعة على أنه سار في كل حركة من حركاته على الاعتدال والاستقامة، واجتنب الإفراطَ والتفريطَ.
أجل؛ إن الرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- قد امتثل أمر ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ امتثالا تامًّا؛ لذا تظهر الاستقامة في جميع أفعاله وأقواله وأحواله ظهورًا واضحًا.
[1] انظر مسند الإمام أحمد بن حنبل 6/91، والمعجم الأوسط 1/31، والأدب المفرد ص: 115.
85. صفحة
فمثلا: كما أن "قوته العقلية" قد سارت دائمًا وفق "الحكمة" التي هي الحدُّ الوَسَط ومِحْوَرُ الاستقامة مبرأةً مما هو بمنزلة فساد القوة العقلية وظلمتها من "الجَرْبَزَة"([1]) التي هي الإفراط، و"الغباوة" التي هي التفريط، فكذلك قد سارت "قوته الغضبية" دائمًا وفق "الشجاعة" القدسية التي هي محور استقامة القوة الغَضَبِيَّة والحد الوسط لها، مُنَزَّهَةً عما هو بمنزلة فساد القوة الغضبيّة من "التَّهَوُّر" الذي هو الإفراط، و"الجبن" الذي هو التفريط، وإن "قوته الشهوية" قد اتخذت دائمًا "العفة" العظمى مرشدًا لها لدرجة العصمة في العفة، التي هي محور الاستقامة لتلك القوة، مصفاةً مما هو بمنزلة فساد القوة الشهوية من "الْخُمُود" الذي هو التفريط، و"الفُجُور" الذي هو الإفراط.
وهكذا قد اختار حد الاستقامة في جميع سننه السَّنِيَّة، وأحواله الفطرية وأحكامه الشرعية، واجتنب الإفراط والتفريط والإسرافَ والتبذير التي هي الظلم والظلمات، وقد اتخذ الاقتصاد مرشدًا له حتى في حديثه وكلامه وفي أكله وشربه، واجتنب الإسراف تمامًا.
وقد أُلِّفت حول تفاصيل هذه الحقيقة آلاف المجلدات، فنكتفي بقطرة واحدة من هذا البحر ونوجز الكلام؛ إذ "العَارِفُ تَكْفِيهِ الإشَارَةُ".
اللهم صلِّ على جامع مكارم الأخلاق ومَظهرِ سرِّ
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ الذي قال:
"مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ".
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ﴾
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
[1] الجربزة: الخبّ والخبث.


