اللمعة الرابعة عشرة

125. صفحة

 

اللمعة الرابعة عشرة

عبارة عن مقامين.

 

المقام الأول

جواب عن سؤالين.

 

باسمه سبحانه

أخي العزيز الصِّدِّيق السيد رأفت،

لقد ذُكِر جواب عن سؤال سألتَه حول الثور والحوت في بعض الرسائل، وبُيّنت "اثنتا عشرة قاعدة" مهمة تحت عنوان "اثني عشر أصلا" في "الغصن الثالث" من "الكلمة الرابعة والعشرين" جوابًا على مثل هذه الأسئلة، فتلك القواعد محكٌّ للتأويلات المختلفة حول الأحاديث النبوية، وأُسسٌ مهمة تدفع الأوهام الواردة على الأحاديث الشريفة، ولكن مع الأسف هناك الآن بعض الأحوال المانعة من الاشتغال بالمسائل العلمية، اللهم إلا السوانح، ولذلك لا أستطيع أن أجيب على سؤالك كما ينبغي، فإن كانت هناك سوانح قلبية فسأُضطَرّ أن أنشغل بها، ويُرَدُّ جوابًا على بعض الأسئلة لتوافقها بالسوانح، فلا تَسْتأ مني ولا تغضب، ومن ثَمّ فلا أستطيع أن أجيب على كل أسئلتك إجابة وافية، ولكن دعني لأجيب على سؤالك هذه المرة إجابة قصيرة.

تقول في سؤالك:

إن الشيوخ يقولون إن الأرض تقوم على الثور والحوت، مع أن علم الفلك يرى أن الأرض تسبح في الفضاء كالنجوم، فليس ثَمّة ثور ولا حوت؟

126. صفحة

الجواب: هناك رواية صحيحة مسنَدة إلى ابن عباس رضي الله عنه وغيره أنهم سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم: على ماذا تقوم الأرض؟ فقال: "على الثور والحوت"، وفي رواية قال ذات مرة "على الثور"، وفي رواية أخرى قال "على الحوت([1])"، وقد أسقط بعض المحدثين هذا الحديث على حكايات خرافية أُخِذت من الإسرائيليات ونقلت منذ القديم، ولاسيما عدد ممن أسلم من علماء بني إسرائيل، فقد طبقوا ما وجدوا في الكتب السابقة من الحكايات حول "الثور والحوت" على الحديث، فحولوا معنى الحديث إلى معنى عجيب، فالآن نذكر "ثلاثة أسس" و"ثلاثة وجوه" ذكرًا مجملا جدًّا حول سؤالك.

الأساس الأول: لقد أسلم طائفة من علماء بني إسرائيل وأدخلوا معهم معلوماتهم السابقة، ونُسبت إلى الإسلام، ولكن تلك المعلومات السابقة فيها أخطاء، فهذه الأخطاء تعود إليهم ولاشك، لا إلى الإسلام.

الأساس الثاني: كلما انتقلت التشبيهات والتمثيلات من الخواص إلى العوام، أي كلما وقعت من يد العلم في يد الجهل حُسِبت بمرور الزمان حقيقةً، فمثلا: لقد خُسِف القمر في صغري، فقلت لوالدتي: لم صار القمر هكذا، فقالت ابتلعه ثعبان، فقلت، ولكنه مازال يُرى، قالت: إن الثعابين في السماء كالزجاج، تشفّ عما في بطنها، وكنت أتذكر هذه الحادثة التي حدثت في صغري كثيرًا، وكنت أقول وأفكر: كيف تدور خرافة باطلة لا أصل لها على ألسنة أشخاص مثل والدتي الحكيمة الوقورة، حتى رأيت عندما درست علم الفلك أن الذين قالوا كما قالت والدتي قد ظنوا التشبيه حقيقةً، لأن الدائرة العظيمة التي يطلقون عليها

[1]  روى الحاكم في المستدرك برقم 8756: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: إن الأرضين بين كل أرض إلى التي تليها مسيرة خمسمائة سنة، فالعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاهما في سماء، والحوت على ظهر صخرة، والصخرة بيد ملك والثانية مسجن الريح؛ فلما أراد الله أن يهلك عادا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلك عادا فقال: يا رب أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور، فقال له الجبار تبارك وتعالى: إذا تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، وهي التي قال الله عز وجل في كتابه العزيز: "ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم"، وانظر كنز العمال 6/61، حديث رقم 15216، والترغيب والترهيب للمنذري 4/257، حديث رقم 5578.

 



127. صفحة

منطقة البروج التي هي مدار منازل الشمس، ودائرةَ مدار القمر التي هي مدار منازل القمر قد وقع بعضهما فوق بعض، فظهرت كل واحدة من هاتين الدائرتين على شكل قوسين، فأطلق عليهما الفلكيون بتشبيه لطيف اسم تِنِّينَيْنِ، وسَمّوا إحدى نقطتي تقاطع الدائرتين بالرأس، والأخرى بالذنب، فعندما يصل القمرُ إلى الرأس وتصل الشمسُ إلى الذنب تحصل حيلولة الأرض حسب اصطلاح الفلكيين، أي تقع الأرض بينهما بالضبط، فعندئذ يُخسَف القمر، ويقال قد دخل القمر في فم التنينين كما في التشبيه السابق، فهذا التشبيه العلوي العلمي كلما دار على ألسنة العوام اتخذ بمرور الزمان صورة تِنِّين يبلع القمر، وهكذا الملكان العظيمان المُسَمَّيان بالثور والحوت سُمِّيا بتشبيه لطيف قدسي، وبإشارة ذات مغزى ومعنى باسم الثور والحوت، وكلما انتقل هذا التشبيه من لسان النبوة القدسي العلوي إلى ألسنة العوام انقلب إلى الحقيقة، فاتخذ الملكان صورة ثور ضخم وحوت هائل.

الأساس الثالث: كما أن للقرآن متشابهات، وأنه يعلّم المسائل العميقة جدًّا للعوام بالتمثيلات والتشبيهات، فللحديث كذلك متشابهات، حيث يعبر عن الحقائق العميقة جدًّا بتشبيهات مأنوسة لدى الناس، فمثلا: كما ذكرنا في بعض الرسائل سُمع في مجلس النبي r وَجْبَة([1]) فقال: تَدْرُونَ ما هذا؟ قال-أي الراوي-: قُلْنَا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: هذا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ في النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِي في النَّارِ الآنَ حتى انْتَهَى إلى قَعْرِهَا([2])، وجاء رجل بعد مدة وجيزة فقال: لقد مات المنافق المشهور الذي بلغ السبعين من عمره، فأعلن عن حقيقة التمثيل البليغ جدًّا من النبي صلى الله عليه وسلم.

سنذكر لسؤالك حاليًّا "ثلاثة وجوه":


[1]  الوجبة: صوت الشيء يسقط.

 

[2]  عن أبي هُرَيْرَةَ قال كنا مع رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذْ سمع وَجْبَةً فقال النبي صلى الله عليه وسلم تَدْرُونَ ما هذا؟ قال: قُلْنَا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: هذا حَجَرٌ رمي بِهِ في النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يهوي في النَّارِ الآنَ حتى انْتَهَى إلى قَعْرِهَا، انظر صحيح مسلم برقم 2844، وابن حبان برقم 7469، وأبا يعلى 34148، وابن أبي شيبة 34148.

 



128. صفحة

الوجه الأول: إن الله تعالى قد عيّن أربعة من الملائكة حملة العرش للإشراف على العرش والسماوات وسلطنة ربوبيته تعالى، اسم أحدهم "النسر"، والثاني "الثور"([1]) وعيّن منهم كذلك ملكين حاملين ومشرفين على الكرة الأرضية التي هي شقيقة صغيرة للسماوات ورفيقة للكواكب، اسم أحدهما "الثور"، والآخر "الحوت".

والسر في تسمية الله تعالى إياهما بهذين الاسمين هو أن الأرض قسمان: الماء واليابسة، فالذي يُعَمِّر الماءَ السمكُ، والذي يعمر التراب هو الثور الذي تحصل به الزراعة التي هي مدار حياة الإنسان، والتي هي على ظهر الثور، وحيث إن الملكين المشرفين على الكرة الأرضية هما قائدان وناظران عليها؛ فلابد أن لهما علاقةً مع طائفة السمك ونوع الثور، بل "والعلم عند الله" لهما تمثل في صورة الثور والحوت في عالم الملكوت وعالم المثال، فإشارةً إلى هذه المناسبة والإشراف([2])، وإيماءً إلى مخلوقين مهمين للكرة الأرضية أَطْلَقَ عليهما اللسان النبوي المعجز البيان: "الأرض على الثور والحوت"، وعبّر عن حقيقة عميقة واسعة جدًّا تتضمن مسائلَ بقدرِ صفحة كاملة في جملة بليغة وجيزة جدًّا.

الوجه الثاني: فكما أنه لو قيل: على أي شيء تقوم هذه الدولة والسلطنة؟ يقال في جواب ذلك: على السيف والقلم، أي تستند إلى قوة سيف الجيش وشجاعته، وعدالة الموظفين ودرايتهم، فكذلك بما أن الأرض مسكن الأحياء، وسيد الأحياء وقائدهم هو الإنسان، وبما أن القسم الأعظم من قسم أهل السواحل يعيشون على السمك، والذين هم ليسوا من أهل السواحل يعيشون على الزراعة التي هي على ظهر الثور، وأن نوعًا من أنواع تجارتهم المهمة السمكُ؛ فلاشك أنه يمكن القول بإن الكرة الأرضية تقوم على الحوت والثور كما أن الدولة تقوم على السيف

[1]  انظر مفاتيح الغيب 30/96، والقرطبي 17/166، والدر المنثور 7/276.

 

[2]  أجل إن الكرة الأرضية سفينة ربّانية تسبح في بحر المحيط الفضائي، ومزرعة للآخرة بنص الحديث، أي مزرعة بذور الآخرة، ومن البدهي والظاهر مدى لياقة اسم الحوت بالملائكة الذين يُسيِّرون هذه السفينة الضخمة الجامدة التي لا شعور لها ويقودونها في هذا البحر بانتظام وحكمة بأمر إلهي، ولياقة اسم الثور بالملائكة الذين يشرفون على هذه المزرعة بالإذن الإلهي. (المؤلف)

 



129. صفحة

والقلم؛ إذ حينما لا يشتغل الثور ولا يبيض السمك مليون بيضة مرة واحدة فعندئذ لا يستطيع أن يعيش الإنسان، وتنتهي الحياة، ويدمر الخالق الحكيم الأرضَ.

 وهكذا أجاب الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- جوابًا معجزًا عاليًا حكيمًا جدًّا بـ"الأرض على الثور والحوت"، ودرَّس بكلمتين حقيقةً واسعة تتصل بمدى تعلق حياة البشر بحياة جنس الحيوانات.

الوجه الثالث: إن الشمس في رأي علماء علم الفلك القديم تسبح وتسيح، وقد عبروا عن كل ثلاثين درجة من درجات الشمس ببُرج، فإن مُدّت خطوط فرضية بين النجوم التي في تلك الأبراج بحيث تربط بعضها ببعض يحصل شكل معين، فيُظْهِر هذا الشكلُ صورةَ الأسد أحيانًا أو صورة الميزان أو صورة الثور أو صورة الحوت، وبناء على هذه المناسبة أُطلقت تلك الأسماء على تلك الأبراج.

أما في نظر علم الفلك الحديث فالشمس لا تسبح ولا تسيح، وتلك الأبراج ظلت خاليةً ومعطَّلة عن العمل، فالأرض هي التي تدور بدلا من الشمس.

إذن فلابد من تشكيل دوائر بمقاسات صغيرة في المدار السنوي للأرض بدلا من تلك الأبراج الخالية المعطلة عن العمل والدوائر المعطلة في السماء، وفي هذه الحالة فإن البروج السماوية ستتمثل في المدار السنوي للأرض، ومن ثم فالكرة الأرضية تكون في ظل برج من الأبراج السماوية وفي صورته في كل شهر، وكأن المدار السنوي للأرض مرآةٌ تتمثل فيها البروج السماوية.

وعلى هذا الوجه فقد قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم "على الثور" مرة، و"على الحوت" مرة أخرى كما ذكرنا سابقًا.

أجل؛ لقد قال بأسلوب يليق باللسان النبوي المعجز البيان: "على الثور" مرة إشارةً إلى حقيقة عميقة جدًّا ستُفهَم بعد قرون كثيرة؛ لأن الكرة الأرضية كانت في صورة برج الثور وقت السؤال، وسُئل الرسول بعد شهر فقال: "على الحوت"، لأن الأرض حينها كانت في ظل برج الحوت.

130. صفحة

وهكذا فقد قال "على الثور والحوت" إشارةً إلى هذه الحقيقة العالية التي ستُفهَم في المستقبل، وإيماءً إلى حركة الكرة الأرضية وسياحتها ضمن وظيفتها، ورمزًا إلى أن البروج السماوية معطَّلة وخالية من الضيوف بالنسبة للشمس، وأن البروج العاملة حقيقةً توجد في مدار الأرض السنوي، وأن الأرض هي التي تسيح وتقوم بالوظائف في تلك الأبراج، والله أعلم بالصواب.

أما ما ورد في بعض الكتب الإسلامية من حكايات عجيبة غير معقولة حول الثور والحوت فهي إما من الإسرائيليات، أو من التمثيلات، أو تأويلات لبعض المحدِّثين، بحيث إنها ظُنّت من الأحاديث من قِبَل بعضِ غير المدققين، وأُسنِدت إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم.

 

رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

131. صفحة

السؤال الثاني: حول آل العباء.

أخي، سأذكر حكمة واحدة من بين الحكم الكثيرة لسؤالك حول آل العباء، ذلك السؤال الذي ظل دون إجابة عنه، وذلك أن الرسول الأكرم r غَطَّى([1]) سيدنا عليًّا وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم بعباءته المباركة التي يلبسها، ودعا لهم بالآية ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب:33)، ولهذا أسرار كثيرة، ولن نذكر أسرار ذلك هنا، ولكن حكمة واحدة تتعلق بوظيفة الرسالة هي: أن الرسول الأكرم r قد رأى بنظر نبوته المطلع على الغيب وعلى المستقبل أنه ستحدث بعده بثلاثين أو أربعين سنة فتن عظيمة بين الصحابة والتابعين، وستُسفك الدماء، وأن أفضلهم يومئذ سيكون الأشخاص الثلاثة الذين هم تحت عباءته، وقد غطّاهم بتلك العباءة التي مَنَحَتْ أولئك الأربعةَ معه شرف آل العباءة الخمسة كي يطهر سيدَنا عليًّا رضي الله عنه ويبرئه في نظر الأمة، ويسلي سيدنا الحسين رضي الله عنه ويعزيه، ويبارك لسيدنا الحسن رضي الله عنه، ويعلن شرفه بسبب رفعِه فتنةً خطيرة بمصالحته مع سيدنا معاوية، ومن ثم مراعاته لمصلحة الأمة، وليعلن أن ذرية فاطمة رضي الله عنها طاهرة ومشرَّفة، وتستحق لقب أهل البيت السامي.

أجل؛ والحق أن سيدنا عليًّا رضي الله عنه كان خليفة بالحق، إلا أن الدماء المراقة كانت غاليةً جدًّا، وكانت تبرئة سيدنا علي رضي الله عنه وبراءته مهمةً في نظر الأمة من حيث وظيفة الرسالة، فالرسول r يبرئه بهذه الصورة، ويدعو الذين ينتقدونه ويخطِّئونه ويتهمونه بالضلال من الخوارج ومن المفرطين الموالين للأمويين إلى السكوت.


[1]  روى الترمذي عن أُمِّ سَلَمَةَ "أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جَلَّلَ على الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ كِسَاءً ثُمَّ قال: اللهم هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَخَاصَّتِي أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا، فقالت أُمُّ سَلَمَةَ: وأنا مَعَهُمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قال: إِنَّكِ إلى خَيْرٍ" قال هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ وهو أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ في هذا وفي الْبَاب، انظر سنن الترمذي3871، وبألفاظ متقاربة روى كل من الطبراني في المعجم الأوسط 5514، 2815، 2854، المعجم الكبير 2669، 12593، 159، 783، أبو يعلى 6951، 6888، والحاكم في المستدرك3559، 4652، والإمام أحمد في مسنده3062، 26642.

 



132. صفحة

أجل؛ إن تفريط المغالين من الخوارج والأمويين في حق سيدنا علي رضي الله عنه، واتهامهم له بالضلال، وإفراط الشيعة في حقه وبدعهم وتبريهم من الشيخين بسبب الحادثة المفجعة المحرقة للقلب التي وقعت لسيدنا الحسين رضي الله عنه؛ كل ذلك قد أضر بأهل الإسلام أضرارًا كثيرة.

وبهذه العباءة وهذا الدعاء قد أنقذ الرسولُ الأكرم -صلى الله عليه وسلم- سيدنا عليًّا، وسيدنا الحسين من المسئولية والاتهام، وأنقذ أمتَه من سوء الظن بهما، ويبارك من حيث وظيفة الرسالة معروفَ سيدنا الحسن رضي الله عنه لأمته بالصلح الذي قام به، ويعلن أن ذرية فاطمة رضي الله عنها ونسلَها المبارك سينالون شرفًا عاليًا في العالم الإسلامي بنيلهم لقب "أهل البيت"، وأن السيدة فاطمة رضي الله عنها ستكون مشرَّفة جدًّا بذريتها كوالدة السيدة مريم عليها السلام التي قالت ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (آل عمران:36).

 

اللّهُمّ صَلّ عَلَى سَيّدِنَا مُحَمّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الأَبْرَارِ

وَعَلَى أَصْحَابِهِ المُجَاهِدِينَ الْمُكْرَمِينَ الأَخْيَارِ. آمين.

 

133. صفحة

المقام الثاني

من "اللمعة الرابعة عشرة"

حول "ستة أسرار" من آلاف الأسرار في "بسـم الله الرحمن الرحيم"

 

تنبيه:

لقد تراءى لعقلي الخامد من بعيد نور ساطع من أنوار البسملة من حيث الرحمة، وأحببت أن أسجله لنفسي في صورة مذكرات، أردت أن أصطادَه وأقيده بإحاطة دائرةٍ حوله، بأسراره التي تبلغ عشرين أو ثلاثين سرًّا، ولكن مع الأسف لم أوفق لرغبتي هذه توفيقًا تامًّا في الوقت الحاضر، فنـزلت من عشرين أو ثلاثين سرًّا إلى خمسة أو ستة أسرار فقط.

وعندما أقول "أيها الإنسان" فإنما أريد به نفسي، ومع أن هذا الدرس خاص بي؛ فإنني أُحِيل إدراجَه ليكون "المقام الثاني" من "اللمعة الرابعة عشرة" إلى الآراء الصائبة لإخواني المدققين عسى أن يكون مدار استفادة لمن ارتبط بي بالروح، ولمن نفسه أكثر انتباهًا ويقظة من نفسي.

هذا الدرس يتوجه إلى القلب أكثر من توجهه إلى العقل، وينظر إلى الذوق أكثر منه إلى الدليل.

 

بســم الله الرحمن الرحيم

﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ { إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْـمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ﴾ (النمل:29-30)

سيُبيّن في هذا المقام "بضعة أسرار".

السرّ الأول: لقد رأيت أنا الفقير العاجز تجليًّا من تجليات "بسـم الله الرحمن الرحيم" كالآتي:

إن هناك "ثلاثة أختام للربوبية" على وجه الكون، وعلى وجه الأرض، وعلى وجه الإنسان، متداخل بعضها في بعض، ويُري بعضُها نماذج بعضها الآخر.

134. صفحة

أحدها: وهو ختم الألوهية الأكبر الذي يَظهرُ مما في الكون كله من التعاون والتساند والتعانق والتجاوب، بحيث يتوجه "بسـم الله" إليه.

ثانيها: ختم الرحمانية الأكبر الذي يظهر من التشابه والتناسب والانتظام والانسجام واللطف والرحمة التي في تدبير النباتات والحيوانات على سيماء الأرض وتربيتها وإدارتها بحيث يتوجه "بسـم الله" إليه.

ثالثها: وهو ختم الرحيمية العالي السامي الذي يظهر مما في سيماء ماهية الإنسان الجامعة من لطائف الرأفة ودقائق الشفقة وشعاعات الرحمة الإلهية، حيث يتوجه إليه اسم "الرحيم" الذي في "بسـم الله الرحمن الرحيم".

إذن فـ "بسـم الله الرحمن الرحيم" عنوان قدسي وخيط قوي وخط ساطع لامع لما في الأحدية من أختام ثلاثة تُشكِّل سطرًا نورانيًّا في صحيفة العالم، أي إن "بسـم الله الرحمن الرحيم" نازل من الأعلى يتصل طرفه بالإنسان الذي هو ثمرة الكون ونسخة مصغرة للعالم، ويربط الفرش بالعرش، ويكون وسيلة لعروج الإنسان إلى العرش.

السر الثاني: إن القرآن المعجز البيان يُري ويبيِّن دومًا تَجلِّيَ الأحدية ضمنَ الواحدية التي تتجلى على كثرة المخلوقات غير المحدودة؛ حتى لا يغرق العقل في الواحدية، أي كما أن الشمس -مثلا- تحيط بضيائها بما لا حد له من الأشياء؛ إذ يجب أن يكون هناك تصور واسع جدًّا ونظر محيط لملاحظة ذات الشمس في ضيائها كله؛ فمن أجل ذلك تُظهِر الشمس نفسها في كل شيء لامع بواسطة انعكاسها لكيلا تُنسِي ذاتَها، ويُظهِر كلُّ شيء لامع حسب قابليته خاصيات الشمس من ضياء وحرارة فضلا عن التجلي الذاتي للشمس، وكما أن كل شيء لامع يُظهِر الشمس بجميع خصائصها حسب قابليته؛ فكذلك تشمل كل صفة من صفات الشمس كالحرارة والضياء والألوان السبعة في ضيائها جميعَ ما يقابلها من الأشياء.

ولله المثل الأعلى، ولا مشاحّة في الأمثال، فكما أن لله تعالى الأحد الصمد تجلِّيًا بجميع أسمائه الحسنى في كل شيء، ولاسيما الأحياء، وبخاصة في

135. صفحة

مرآة ماهية الإنسان؛ كذلك فكل اسم من أسمائه المرتبطة بالموجودات يحيط بالموجودات من حيث الوحدة والواحدية.

وهكذا يجذب الأنظار دومًا إلى ختم الأحدية ضمن الواحدية؛ حتى لا يُغرِق العقول في الواحدية، ولا تنسى القلوبُ الذاتَ الأقدس تعالى فيها، فـ"بسم الله الرحمن الرحيم" يري ويبين ثلاث عُقَد مهمة لهذا الختم.

السر الثالث: إن ما يُبهج ويعمّر هذا الكون الواسع الشاسع غير المحدود هو الرحمة بالمشاهدة، والذي ينوّر هذه الموجودات الغارقة في الظلمات هو الرحمة بالبداهة، والذي يربي المخلوقات التي تتقلب فيما لا حد له من الاحتياجات هو الرحمة بالبداهة، والذي جعل جميع الكائنات تتوجه إلى الإنسان في كل الكون وتسعى لمعاونته كتوجه الشجرة بكليتها إلى ثمرتها هو الرحمة بالبداهة، والتي ملأت هذا الفضاء الكبير غير المتناهي والعالم الخالي الفارغ، ونورته، وعمّرته هي الرحمة بالمشاهدة، والتي رشَّحت هذا الإنسان الفاني للأبد وجعلته مخاطبًا وخليلا للذات الأزلية الأبدية هي الرحمة بالبداهة.

فيا أيها الإنسان،

بما أن الرحمة حقيقةٌ محبوبةٌ وقوية وجذابة وذات إمداد وإغاثة وعون إلى هذا الحد، فقل "بسم الله الرحمن الرحيم"، واستمسك بهذه الحقيقة واعتصم بها، وتخلص من الوحشة المطلقة، ومن آلام الاحتياجات غير المحدودة، واقترب من عرش سلطان الأزل والأبد، وكن مخاطبًا وخليلا وحبيبًا لذلك السلطان بشفقة هذه الرحمة وشفاعتها وشعاعاتها.

أجل؛ إن جَمْعَ أنواع الكون حول الإنسان ضمن دائرة الحكمة، وجَعْلَها تسعى إلى تحقيق جميع حاجاته بكمال الانتظام والعناية يتم بالبداهة بإحدى حالتين:

إما أن كل نوع من أنواع الكون يعرف بذاته الإنسانَ ويطيعه، ويسعى إلى معاونته، وهذا بعيد عن العقل كل البعد، كما أنه ينتج محالات كثيرة، ويقتضي أن يكون في الإنسان العاجز عجزًا مطلقًا قدرةُ أقوى سلطان مطلق السلطنة. 

136. صفحة

وإما أن يكون هذا التعاون يتم بعلم القدير المطلق وراء ستار هذه الكائنات.

إذن فأنواع الكون لا تعرف الإنسان، بل هي دلائل على معرفة من يعرف الإنسان ويرحمه.

أيها الإنسان، عد إلى رشدك، أمن الممكن ألا يعرفك ولا يراك الرحيم ذو الجلال الذي جعل جميع أنواع المخلوقات تمد يد العون إليك وتلبي حاجاتك؟ وبما أنه يَعرفك، ويُشعرك بواسطة رحمته أنه يعرفك، فاعرفه أنت أيضًا، وأعلن بالاحترام أنك تعرفه، واعلم يقينًا أن الحقيقة التي سخرت كل هذا الكون الكبير لمخلوق صغير جدًّا فانٍ مثلك، ضعيفٍ ضعفًا مطلقًا، وعاجزٍ عجزًا مطلقًا، وفقيرٍ فقرًا مطلقًا، والتي أرسلته لعونه ومعاونته؛ إنما هي الرحمة التي تتضمن الحكمة والعناية والعلم والقدرة، ولاشك أن رحمة كهذه تتطلب منك شكرًا كليًّا خالصًا، وتعظيمًا وإجلالا جادًّا صادقًا، فقل "بسـم الرحمن الرحيم" التي هي ترجمان ذلك الشكر الخالص والإجلال الصادق وعنوان لهما، واجعلها وسيلة لوصول تلك الرحمة، وشفيعًا في عتبة الرحمن.

نعم؛ إن وجود تلك الرحمة وتحققها ظاهر كالشمس؛ إذ كما أن النقش المنسوج في مركز يحصل من تناسق لُحمته وسَدَاته الممتدتين من كل جهة ومن أوضاعهما؛ فكذلك اللُّحَم والسَّدى النورانية الممتدة من تجلي ألف اسم واسم من الأسماء الإلهية في دائرة الكون الكبرى تحيك على سيماء الكون ضمن خاتم الرحمة خاتمَ الرحيمية ونقشَ الشفقة، وتنسج خاتمَ العناية نسجًا تُظهِر به نفسها للعقول أوضح من الشمس.

أجل؛ إن الرحمن ذا الجمال الذي نظَّم الشمسَ والقمر والعناصر والمعادن والنباتات والحيوانات بشعاعات ألف اسم واسم من أسمائه كنسج خيوط اللُّحمة لنقشه الأعظم، وسخَّرها جميعًا للحياة، وأظهر شفقته بما لجميع الوالدات الحيوانية والنباتية من شفقة حلوة ذات تضحية وفداء، وسخَّر الأحياء لحياة البشر، وأظهر بها نقشًا عظيمًا جميلا حلوًا من نقوش الربوبية الإلهية، وبيَّن أهمية الإنسان، وأظهر أسطع أنواع رحمته؛ فلاشك أن ذلكم الرحمن ذا الجمال قد جعل رحمته شفيعًا 

137. صفحة

مقبولا إزاء غناه المطلق للأحياء والإنسان المفتقرين إليها افتقارًا مطلقًا، فيا أيها الإنسان، إذا كنت إنسانًا حقًّا فقل "بسـم الله الرحمن الرحيم"، وجِدْ ذلك الشفيع.

أجل؛ إن الذي يربِّي أربعمائة ألف طائفة من طوائف النباتات والحيوانات المختلفة المتنوعة ويديرها على وجه الأرض في الوقت المناسب بكمال الانتظام والحكمة والعناية، ومن غير أن ينسى، ومن دون أن يخطئ أحدًا منها، والذي يضع على وجه الكرة الأرضية ختم الأحدية؛ إنما هو الرحمةُ بالمشاهدة وبالبداهة، فوجود هذه الرحمة ثابت قطعًا كثبوت وجود الموجودات التي على وجه الكرة الأرضية، كما أن هناك دلائلَ على وجود الرحمة بعدد الموجودات.

نعم؛ وكما أن على وجه الأرض خاتمَ رحمة وأحدية؛ فكذلك على سيماء ماهية الإنسان المعنوية خاتم رحمة، وهو ليس بأقل من خاتم الرحمة المشاهَد على سيماء الأرض، ولا أقل من خاتم الرحمة الأعظم المتجلي على وجه الكون، فكأن لها جامعيةً هي بمنزلة النقطة المركزية والبؤرة لتجليات ألف اسم واسم لله تعالى.

فيا أيها الإنسان، أمن الممكن لمن وهب لك هذه السيماء ووضع عليها خاتم الرحمة والأحدية أن يتركك سدى، وألا يبالي بك، ولا يهتم ولا يراقب حركاتك؟! وأن يجعل جميع الكون المتوجه إليك عبثًا، وأن يجعل شجرة الخلقة شجرةً تافهة فاسدة الثمار؟! وهل من الممكن أن يجعل رحمته التي لا تقبل الشبهة بأي وجه من الوجوه، وليس فيها أي نقص بأي وجه من الوجوه والتي هي ظاهرة كالشمس، وحكمتَه المشاهَدة كالضياء موضعَ إنكار؟! حاشاه!

أيها الإنسان؛ اعلم أن هناك معراجًا للبلوغ إلى عرش تلك الرحمة، أما ذلك المعراج فهو "بسم الله الرحمن الرحيم"، فإذا أردت أن تدرك مدى أهمية ذلك المعراج فانظر إلى مستهل سور القرآن المعجز البيان البالغة مائة وأربع عشرة سورة، وانظر أيضًا إلى بداية جميع الكتب المباركة، وإلى مبدأ جميع الأمور المباركة.

ثم إن الحجة القاطعة لعظمة قدر البسملة هي ما قاله المجتهدون العظام مثل الإمام الشافعي: إن البسملة نزلت في القرآن مائة وأربع عشرة مرة مع أنها آية واحدة.

138. صفحة

السر الرابع: إن تجلي الواحدية في الكثرة غير المحدودة للمخلوقات لا يكفي لجميع الناس بقول ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؛ إذ الفكر يتشتت؛ لذا فلابد من قلب بسعة الكرة الأرضية حتى يلاحِظ الأحدَ تعالى وراء وحدة مجموع المخلوقات كلها، ويقولَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وبناء على هذا السرّ فكما أن الله سبحانه وتعالى يُظهِر خاتم الأحدية في الجزئيات إظهارًا واضحًا؛ فإنه يظهر كذلك خاتم الأحدية في خاتم الرحمانية من أجل إظهار خاتم الأحدية في كل نوع، ولتذكير العباد بالأحد تعالى، حتى يقول كل واحد في كل مرتبة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بلا صعوبة ولا مشقة، ويتوجهَ إلى الذات الأقدس مخاطبًا إياه مباشرة.

ولبيان هذا السر العظيم فإن القرآن الحكيم عندما يبحث عن خلق السماوات والأرض في دائرة الكون العظمى -مثلا- يبحث فجأة عن أصغر دائرة من دوائر الكون، وأدق الجزئيات؛ حتى يُظهِر خاتم الأحدية بصورة واضحة، فمثلا يبحث ضمن بحثه عن خلق السماوات والأرض عن خلق الإنسان وصوته ودقائق النعمة والحكمة في وجهه حتى لا يتشتت الفكر ولا يغرق القلب، وتجدَ الروح معبودها مباشرة، فهذه الآيةُ مثلا ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (الروم:22) تبين الحقيقة المذكورة بيانًا معجزًا.

أجل؛ إن لأختام الوحدة في المخلوقات غير المحدودة وفي الكثرة غير المتناهية أنواعًا ومراتب من أكبر الأختام إلى أصغرها كالدوائر المتداخلة، ولكن مهما كانت هذه الوحدة فإنها في النهاية وحدة في الكثرة، ولا تستطيع أن تؤدي الخطابَ الحقيقي حق الأداء، فينبغي إذن وجود ختم الأحدية وراء الوحدة حتى لا يُذكِّر الأذهانَ بالكثرة، فيفتحَ أمام القلب طريقًا إلى الذات الأقدس مباشرة، ولكي يصرف الأنظار ويجلب القلوب إلى ختم الأحدية فقد وضع الله سبحانه وتعالى على ختم الأحدية ختمَ الرحمة وختم الرحيمية اللذين هما نقش جذاب جدًّا، ونور ساطع جدًّا، وحلاوة لطيفة جدًّا، وجمال محبوب جدًّا، وحقيقة قوية جدًّا.

أجل؛ إن قوة تلك الرحمة هي التي تجلب أنظار ذوي الوعي والإدراك إليها، وتوصِل وتؤدي إلى ختم الأحدية، وتُشعر بوجود الأحد، ومِن ثَمّ تجعل الإنسان 

139. صفحة

ينال الخطاب الحقيقي في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وحيث إن "بسم الله الرحمن الرحيم" فهرس للفاتحة، وخلاصة مجملة للقرآن؛ فقد صار عنوانًا لهذا السر العظيم المذكور، وترجمانًا له.

فالذي يملك هذا العنوان يستطيع أن يتجول في طبقات الرحمة، والذي يُنطِق هذا الترجمان يتعلم أسرار الرحمة، ويرى أنوارَ الرحيمية والشفقة.

السر الخامس: قد ورد في الحديث الشريف "إن الله خلق الإنسان على صورة الرحمن"([1]) أو كما قال، وقد فسر هذا الحديث بعض من أهل الطريقة الصوفية بتفسيرات عجيبة لا تليق بالعقائد الإيمانية، بل إن بعضًا من أهل العشق منهم نظروا إلى السيماء المعنوي للإنسان وكأنه صورة الرحمن، ولما كانت الحالة الغالبة في أكثر أهل الطريقة هي السُّكْرُ، وفي أغلب أهل العشق هي الاستغراق والالتباس، فربما يُعذَرون في فهمهم المخالف للحقيقة، ولكن أهل الصحو لا يمكنهم أن يقبلوا عقلاً تلك المعاني المنافية لأسس العقائد، وإن قبلوا ذلك فإنهم مخطئون.

أجل؛ إن الذات الأقدس الإلهي الذي يدير الكون كلَّه إدارةً متقَنة منتظمة كإدارة قصر أو بيت، ويسيِّر النجوم ويدوِّرها كالذرات بحكمة وسهولة، ويستخدم الذرات كالموظفين المنتظمين؛ كما أنه لا شريك له ولا نظير ولا ضد ولا ند؛ فكذلك لا يمكن أن تكون له صورة أو مثل أو مثال أو شبيه بسرّ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى:11)، إلا أنه يُنظَر إلى شئونه وصفاته وأسمائه بسر ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمٰوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم:27) وبالتمثيل، إذن فالْمَثَل والتمثيل هما من حيث الشئون فحسب.

إن أحد المقاصد الكثيرة لهذا الحديث الشريف المذكور هو أن الإنسان على صورةٍ تُظهِر اسم "الرحمن" إظهارًا تامًّا.

أجل؛ كما أنه يُرَى ويشاهد على سيماء الكون اسم "الرحمن" الذي ينبعث ويظهر من شعاعات ألف اسم واسم كما بيَّنا سابقًا، وكما يُرَى على سيماء وجه

[1]  عَن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم: " لا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ فإن ابن آدَمَ خُلِقَ على صُورَةِ الرحمن تَعَالَى". رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم 13580 والحارث في مسنده برقم872، وللحديث شواهد أخرى، انظر صحيح البخاري 5873، وصحيح مسلم 2612و 2841، وصحيح ابن حبان 5605 و5710 و6162 ومسند أبي عوانة 464، ومسند الإمام أحمد 7319و 7414 و7414 و8274 و9602 و9963 و10743، ومصنف عبد الرزاق 7414، ومسند الحميدي 1120.

 



140. صفحة

الأرض اسم "الرحمن" الذي يظهر بالتجليات غير المحدودة للربوبية الإلهية المطلقة؛ فكذلك يُرَى على صورة الإنسان الجامعة التجلي الأتم لاسم "الرحمن" بمقياس صغير كما يُرَى على سيماء الكون والأرض.

وفي الحديث الشريف إشارةٌ إلى أن دلالة الأحياء التي هي دلائل ومرايا على وجود الرحمن الرحيم، ودلالةَ المظاهر كالإنسان على واجب الوجود؛ قاطعةٌ وواضحة وظاهرة، بحيث إنه كما يقال عن المرآة الساطعة التي تعكس صورة الشمس إنها شمس إشارةً إلى سطوعها ووضوح دلالتها على الشمس؛ فكذلك قيل في الحديث "إن في الإنسان صورةَ الرحمن" إشارةً إلى وضوح دلالته عليه Y وكمال مناسبته له، ويمكن أن يقال كذلك، وبناء على هذا السر فقد قال بعض المعتدلين من أهل وحدة الوجود "لا موجود إلا هو" عنوانًا لوضوح هذه الدلالة، وكمال هذه المناسبة.

 

اللّهُمّ يَا رَحْمٰنُ يَا رَحِيمُ بِحَقِّ "بِسْـمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ" ارْحَمْنَا كَمَا يَلِيقُ بِرَحِيمِيَّتِكَ،

وَفَهِّمْنَا أَسْرَارَ "بِسْـمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ" كَمَا يَلِيقُ بِرَحْمَانِيَّتِكَ، آمِين.

 

السرّ السادس: أيها الإنسان المسكين المتقلب في عجز لا حدّ له وفقر لا نهاية له،

اعلم بما يأتي كيف أن الرحمة هي أثمن وأغلى وسيلة وأرجى شفيع:

إن تلك الرحمة هي وسيلة للوصول إلى سلطانٍ ذي جلال، تخدم النجوم في جيشه مع الذرات بكمال الانتظام والطاعة، وذلكم السلطان ذو الجلال سلطان الأزل والأبد له غِنًى ذاتي، وهو في الغِنَى المطلق، وهو غَنِىّ على الإطلاق، لا يحتاج إلى الكائنات أو الموجودات بأي وجه من الوجوه، وهذا الكون وهذه الكائنات في منتهى الطاعة له، وتحت أمره وإدارته وهيبته وعظمته، وفي خضوع وتذلل أمام جلاله، فالرحمة أيها الإنسان ترفعك إلى حضرة الغني على الإطلاق والسلطان السرمدي، وتجعلك خليلا ومخاطبًا له، وتجعلك عبدًا محبوبًا لديه، فكما أنك لا تستطيع أن تبلغ الشمس، وتبعد عنها بعدًا كبيرًا، ولا تستطيع أن تقترب منها أبدًا، ولكن ضياء الشمس يضع في يدك 

141. صفحة

انعكاس الشمس وتجليها بواسطة مرآتك؛ فكذلك ضياء رحمة الذات الأقدس وشمس الأزل والأبد، يجعله Y قريبًا منا مع أننا بعيدون عنه بعدًا مطلقًا، ولا نستطيع أن نقترب منه.

فيا أيها الإنسان،

إن من وجد هذه الرحمة وجد كنزَ نورٍ أبدي لا يفنى، أما وسيلة الظفر بهذا الكنز فهي سنّةُ الرسول الأكرم الموصوف في القرآن الكريم بـ"رحمة للعالمين" عليه الصلاة والسلام، الذي هو أسطع مثالٍ وممثلٍ للرحمة، وأبلغ لسان وداعٍ إليها، واتّباعُه r، وأما الوسيلة إلى هذه الرحمة المجسمة Y التي هي رحمة للعالمين فهي الصلاة عليها.

أجل؛ إن معنى الصلاة عليه: الرحمةُ، والصلاة التي هي دعاء بالرحمة لتلك الرحمة المجسمة الحيّة هي وسيلة للوصول إلى من هو رحمة للعالمين، إذن فاجعل الصلاة عليه وسيلةً لك للبلوغ إلى من هو رحمة للعالمين، واجعله r وسيلةً إلى رحمة الرحمن، فصلاة جميع الأمة على الرسول الأكرم r الذي هو رحمة للعالمين -صلاةً بكثرة لا حد لها، بمعنى: الدعاء له- تثبت إثباتًا واضحًا ساطعًا مدى كون الرحمة هديةً إلهية عظيمة غالية، ومدى سعة دائرتها.

الحاصل: كما أن أعظم دُرَّة في خزانة الرحمة وأجلَّ حاجب لها هو الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام؛ فإن أول مفتاح لها هو "بسم الله الرحمن الرحيم"، وإن أسهل مفتاح لها هو الصلاة على الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام.

 

اللّهُمّ بِحَقِّ أَسْرَارِ "بِسْمِ اللهِ الرّحمٰنِ الرّحِيمِ" صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَنْ أَرْسَلْتَهُ رَحْمَةً للعَالَمِينَ كَمَا يَلِيقُ بِرَحْمَتِكَ وَبِحُرْمَتِهِ

وَعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْحَمْنَا رَحْمَةً تُغْنِينَا بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاكَ مِنْ خَلْقِكَ، آمِين آمِين آمِين.

 

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ.

142. صفحة

 

اللمعة الخامسة عشرة

هذه الرسالة هي القسم الأول من رسالة "الفهرس" لـ"الكلمات" و"المكتوبات"، و"اللمعات" حتى "اللمعة الرابعة عشرة"، وهي تعرض موضوعات جميع أجزاء "رسائل النور" بأسلوب جَذَّاب، وهي مع "الشعاع العاشر" ولم يُدرَج هنا؛ لأنه نشر مستقلا في مجموعة أخرى.