اللمعة الرابعة
التنقل
20. صفحة
اللمعة الرابعة
منهاج السنة
لقد رأينا من المناسب أن نطلق على هذه اللمعة "منهاج السُّنّة"
مع أن مسألة "الإمامة" مسألة فرعية؛ فإن الاهتمام بها كثيرًا جعلها في عداد المسائل الإيمانية، فأصبحت مدار نظر في علم الكلام وأصول الدين، وهي تتصل بدعوتنا الأساسية التابعة للقرآن والإيمان؛ لذا قفد تناولناها بشيء من الإيجاز.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ الله لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾
(التوبة:128-129)
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (الشورى:23)
هذه الآيات العظيمة تتضمن حقائق عظيمة جَمَّة، ونحن هنا سنشير إلى بعض منها بـ"مقامين".
المقام الأول: وهو "أربع نكات".
النكتة الأولى: وهي تعبر عن كمال شفقة ورحمة الرسول الأكرم - عليه الصلاة والسلام- نحو أمته.
21. صفحة
أجل؛ لقد جاء في الروايات الصحيحة أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم سيُظهِر رأفته وشفقته نحو أمته قائلا: "أمتي، أمتي"([1]) في الوقت الذي يقول كل واحد حتى الأنبياء عليهم السلام: "نفسي، نفسي" من هول المحشر، وقد سَمِعَتْهُ كذلك والدته يقول عند ولادته في مناجاته "أمتي، أمتي" كما هو مصدق عند أهل الكشف.
ثم إن سيرته الشريفة كلَّها، ومكارمَ الأخلاق التي نشرها تُظهِر كمال شفقته ورأفته؛ وكذلك مما يدل على أنه يحمل شفقة غير محدودة أنه أظهر ارتباطه بجميع أنواع سعادة أمته بدافع شفقته الكاملة؛ لذا فقد طلب صلوات غير محدودة من أمته غير المعدودين.
فكم يكون عدم مراعاة السُّنَّة السَّنِيَّة لهذا المرشد الرءوف الرحيم إلى هذه الدرجة جفاءً وكفرانًا وموتًا للضمير! فقس ذلك.
النكتة الثانية: لقد أظهر الرسول الأكرم - عليه الصلاة والسلام- شفقةً عظيمةً تجاه بعض الأشخاص الخاصِّين القليلين ضمن وظيفة النبوة الكلية العامة، فعلى الرغم من أن صرفه تلك الشفقة العظيمة إلى هؤلاء الأشخاص الخاصين القليلين لا يناسب الأهمية العظيمة لوظيفة النبوة بحسب النظر الظاهري؛ فإن هؤلاء الأشخاص في حقيقة الأمر هم طرفٌ لسلسلةٍ يمكنها أن تكون مدارًا لوظيفة النبوة الكلية العامة، وممثلوها؛ لذا فقد أولى اهتمامًا عظيمًا بممثلي هذه السلسلة العظيمة لحسابها.
مثلا: إن ما أظهره الرسولُ الأكرمُ -صلى الله عليه وسلم- من شفقة واهتمام عظيمين تجاه الحسن والحسين -رضي الله عنهما- في صغرهما ليس محبة ناشئة عن شفقة جِبِلِّيَّةٍ وعن حس القرابة فحسب، بل لأن كلا منهما طرف لخيط نوراني لوظيفة النبوة، ومنشأ للوراثة النبوية والجماعة المهمة جدًّا، وممثل وفهرس لها.
أجل؛ إن الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- قد وضع الحسن -رضي الله عنه- في حجره بكمال شفقته وقبَّل رأسه لحساب أشخاص كثيرين هم ورثة
[1] وردت أحاديث كثيرة في هذا، منها ما رواه البخاري في صحيحه برقم :6956، ومسلم بأرقام:301، 286، 287، والإمام أحمد: 2415، 2560، 9250.
22. صفحة
النبوة وحملة الشريعة الأحمدية والشبيهون بالمهدي؛ كالغوث الأعظم الشيخ الجيلاني الذي هو من النسل المبارك النوراني الذي يتسلسل من الحسن رضي الله عنه، ورأى بنظر النبوة الأعمال العظيمة القدسية التي سيقوم بها هؤلاء الأشخاص في المستقبل، فاستحسنها وقدَّرها، وقبَّل رأس الحسن كعلامة على ذلك التقدير والحث، وقبَّل كذلك عنق الحسين رضي الله عنه وأبدى كمال الشفقة تجاهه والاهتمام به لحساب الإسلام ووظيفة الرسالة، ولحساب كثير من الأشخاص النورانيين الشبيهين بالمهدي كزين العابدين وجعفر الصادق رضي الله عنهما من الأئمة العظام، ووارثي النبوة الحقيقيين.
أجل؛ إن قلب الرسول -صلى الله عليه وسلم- المطلع النافذ إلى الغيب، ونظرَه النورانيَّ وبصرَه المطلع على المستقبل الذي شاهد من عصر السعادة في الدنيا ميدانَ الحشر الذي في الأبد، والذي رأى من الأرض الجنةَ وشاهد الملائكة الذين في السماء، ورأى الحادثات المخفية في ظلمات الماضي منذ آدم عليه السلام، بل تشرف برؤية الله ذي الجلال، أقول: لابد أن هذا النظر للرسول صلى الله عليه وسلم قد رأى الأقطاب والأئمة ووارثي النبوة والمهديين المتسلسلين وراء سيدنا الحسن وسيدنا الحسين رضي الله عنهما، وقبَّل رأس الحسن والحسين باسمهم جميعًا.
أجل؛ إن في تقبيله صلى الله عليه وسلم رأس الحسن رضي الله عنه حظًّا عظيمًا للشيخ الجيلاني رضي الله عنه.
النكتة الثالثة: إن معنى آية ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ على قولٍ هو:
إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يطلب أجرًا مقابل قيامه بوظيفة الرسالة إلا المودة والمحبة لآل البيت.
وإن قيل: يبدو أنه روعي نفع صادر عن قرابة النسل حسب هذا المعنى، مع أن وظيفة الرسالة تقوم على قرب العبد من الله وليس على قرابة النسل بناء على سرّ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:13).
23. صفحة
فالجواب: لقد رأى الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- بنظره المطلع النافذ إلى الغيب أن آل بيته سيصبحون كشجرة نورانية في العالم الإسلامي، وأن الذين سيقومون بوظيفة الإرشاد والتوجيه في درس الكمالات الإنسانية في جميع طبقات العالم الإسلامي ستكون أغلبيتهم المطلقة من آل البيت، وكشف عن أن دعاء الأمة لآل البيت في التشهد "اللّهُمّ صَلّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" مستجاب، أي كما أن المرشدين النورانيين في ملة إبراهيم عليه السلام هم بأغلبيتهم المطلقة الأنبياء المنحدرون من آل سيدنا إبراهيم عليه السلام ونسله؛ كذلك فقد رأى الرسول - عليه الصلاة والسلام- في وظائف الإسلام العظيمة وفي أكثر طرقه ومسالكه أقطاب آل البيت المحمدي الذين هم كأنبياء بني اسرائيل، ولذلك قد أُمِرَ بقول ﴿قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ وطلب من أمته مودة آل بيته، وأعلن في الأحاديث الكثيرة التي تؤيد هذه الحقيقة "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ الله وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي"([1])، لأن آل البيت هم منبع السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ والمحافظون عليها والمكلفون بالالتزام بها بكل الوجوه، فبناء على هذا السرّ قد بُيِّن اتباع الكتاب والسنة بحقيقة هذا الحديث، إذن مراده من آل البيت من حيث وظيفة الرسالة هو السُّنّة السَّنِيَّة، فالذي يترك اتباع السُّنّة السَّنِيَّة لا يكون من آل البيت حقيقةً كما لا يكون محبًّا لآل البيت حبًّا حقيقيًّا.
[1] أخرجه بهذا اللفظ الترمذي برقم 3718، والطبراني في المعجم الكبير 2614 وفي المعجم الأوسط4913، ورواه بألفاظ مختلفة أبو يعلى في مسنده 1102، والحاكم في المستدرك 4553، والنسائي في السنن الكبرى 8464، والإمام أحمد في مسنده10779، 11135، والطبراني في الكبير 4789، 4780.
.
24. صفحة
والسر في رغبته r جمعَ أمّته حول آل البيت هو:
أنه علم بإذن إلهي أن آل البيت سيكثرون جدًّا بمرور الزمن، وأدرك أنه سيصيب المسلمين ضعف، وفكر بإذن إلهي في ضرورة وجود جماعة متساندة قوية وكثيرة جدًّا حتى تكون محورًا ومركزًا لترقي العالم الإسلامي المعنوي، فأراد أن يجمع أمته حول آل البيت.
أجل؛ إن أفراد آل البيت وإن لم يكونوا أكثر تقدمًا ممن سواهم في الاعتقاد والإيمان؛ فإنهم سبّاقون إلى الاستسلام والالتزام والموالاة لحقائق الإسلام والإيمان؛ لأنهم يحملون موالاة الإسلام بفطرهم وجبلتهم، والموالاة الفطرية الْجِبِلِّيَّة لا تُترَك ولا يُتخلَّى عنها حتى ولو كانت ضعيفة أو مغمورة، أو حتى ولو كانت باطلة، فكيف بمن يُحِسّ بداهةً بمدى رسوخ موالاة الحقيقة التي ارتبطت بها جميع سلاسل أجداده التي هي في منتهى القوة والحقّانية والمجد، وتشرّفوا بها، وضحّوا بأرواحهم ومهجهم في سبيلها، هل يتخلى عن هذه الموالاة؟! فأهل البيت بسبب هذا الالتزام الشديد القوي والتمسك الفطري بالإسلام يتقبلون أدنى أمارة لصالح الإسلام كأقوى برهان؛ لأنهم يوالون بفطرتهم، أما غيرهم فيلتزمون بعدما يجدون برهانًا قويًّا.
النكتة الرابعة: سنشير إشارة قصيرة إلى مسألة أصبحت مدار نزاع بين الشيعة وبين أهل السنة والجماعة حتى ضُخِّمت إلى حدٍّ دخلت معه في كتب العقيدة وعداد أسس الإيمان، والمسألة هي:
إن أهل السنة والجماعة يقولون: إن سيدنا عليًّا رضي الله عنه هو رابع الخلفاء الراشدين الأربعة، وإن سيدنا الصديق رضي الله عنه أفضلهم وأحقهم بالخلافة حيث تولاها أولا.
أما الشيعة فيقولون: إن الحق كان مع سيدنا علي رضي الله عنه، ولكنه ظُلِم، فهو أفضلهم جميعًا، وخلاصة ما يستدلون به على دعواهم هو:
أنهم يقولون: إن الأحاديث النبوية الواردة في حق سيدنا علي رضي الله عنه، وكونه مرجعًا لأكثر الأولياء والطرق بصفته سلطان الولاية، وصفاته الفذة في
25. صفحة
العلم والشجاعة والعبادة، وشدة علاقة سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم به وبآل البيت المتسلسلين من نسله؛ كل ذلك يدل على أنه الأفضل، وأن الخلافة كانت من حقه دائمًا لكن اغْتُصِبَت منه.
الجواب: إن إقرار سيدنا علي رضي الله عنه مرارًا وتكرارًا بأفضلية الخلفاء الراشدين الثلاثة، واتِّبَاعَه لهم أكثر من عشرين سنة، وتَوَلِّيهِ مقام شيخ الإسلام في عهدهم؛ كل ذلك يجرح دعوى الشيعة هذه.
ثم إن الفتوحات الإسلامية وأحداث ووقائع الجهاد ضد الأعداء في زمن خلافة الخلفاء الثلاثة، وما جرى من أحداث في عهد سيدنا علي رضي الله عنه هي الأخرى تجرح دعوى الشيعة من حيث الخلافة الإسلامية، بمعنى أن دعوى أهل السنة والجماعة حق.
فإن قيل: إن الشيعة قسمان، أحدهما شيعة الولاية، والآخر شيعة الخلافة، فلنعترف بأن هذا القسم الثاني غير محق بسبب الحقد والضغينة والسياسة، ومع أنه ليس في القسم الأول سياسة أو حقد وضغينة، فالحقيقة أن شيعة الولاية قد التحقت بشيعة الخلافة، أي إن بعض الأولياء في الطرق الصوفية يرون أن سيدنا عليًّا رضي الله عنه هو الأفضل، ويصدقون دعوى شيعة الخلافة الذين قضيتهم سياسية؟
فالجواب: يجب النظر إلى سيدنا علي رضي الله عنه من جهتين:
الجهة الأولى: من زاوية كمالاته ومرتبته الشخصية.
الجهة الثانية: من زاوية كونه ممثلا الشخصَ المعنوي لآل البيت، أما الشخص المعنوي لآل البيت فيُظهِر -نوعًا ما- ماهيةَ الرسول على صاحبها الصلاة والسلام، فمن حيث الجهة الأولى فإن جميع أهل الحقيقة وعلى رأسهم سيدنا علي رضي الله عنه يقدمون سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر رضي الله عنهما، ورأوا مقامهما أرفع وأعلى في خدمة الإسلام والقرب من الله.
ومن حيث الجهة الثانية فسيدنا علي رضي الله عنه هو الممثل عن الشخص المعنوي لآل البيت، والشخص المعنوي لآل البيت لا يقبل المقارنة والموازنة
26. صفحة
من حيث كونه يمثل الحقيقة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، فالأحاديث النبوية التي تذكر فضائل سيدنا علي رضي الله عنه بمدح وثناء وتقدير فائق تعود إلى هذه الجهة، وهناك رواية صحيحة تؤيد هذه الحقيقة، وهي أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أعلن ما معناه: "إن نسل كل نبي منه، ونسلي أنا من علي"([1]).
والسر في انتشار الأحاديث الواردة في حق سيدنا علي رضي الله عنه والثناء عليه انتشارًا كبيرًا أكثر من سائر الخلفاء هو: أن أهل الحق -الذين هم أهل السنة والجماعة- نشروا الروايات الواردة في حق سيدنا علي رضي الله عنه كثيرًا مقابل هجوم الأمويين والخوارج عليه، وانتقاصهم من قدره ظلمًا وعدوانًا، أما سائر الخلفاء الراشدين فلم يتعرضوا كثيرًا للانتقاد والانتقاص مثله؛ لذا لم تكن هناك حاجة لنشر الأحاديث الواردة في حقهم.
ثم إن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم قد رأى بنظر النبوة أن سيدنا عليّا سيتعرض لحادثات أليمة وفتن داخلية في المستقبل، فسَلاّه وأرشد الأمة بأحاديث مهمة كحديث "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِي مَوْلاَهُ"([2]) حتى ينقذه من اليأس وينجي أمته من سوء الظن به.
إن محبة شيعة الولاية المفرطة لسيدنا علي رضي الله عنه، وتفضيلهم إياه من جهة الطريقة لا يجعلهم مسئولين مثل شيعة الخلافة؛ لأن أهل الولاية ينظرون إلى مرشديهم بنظر المحبة المحضة حسب مسلكهم، وشأن المحبة الإفراط، والمحب يود أن يرى محبوبه أعلى من مقامه، ويراه كذلك بالفعل، وقد يكون أهل الحال
[1] رواه الطبراني في المعجم الكبير: ونص الحديث: "إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ ذُرِّيَّةَ كُلِّ نَبِيٍّ فِي صُلْبِهِ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ ذُرِّيَّتِي فِي صُلْبِ عَلِيِّ بن أَبِي طَالِبٍ"برقم 2564، وله شواهد أخرى منها ما رواه الطبراني في الكبير "كُلُّ بني أُنْثَى فَإِنَّ عَصَبَتَهُمْ لأَبِيهِمْ، مَا خَلا وَلَدَ فَاطِمَةَ فَإِنِّي أَنَا عَصَبَتَهُمْ، وَأَنَا أَبُوهُمْ" برقم 2565، وبلفظ "لِكُلِّ بني أُنْثَى عَصَبَةٌ يَنْتَمُونَ إِلَيْهِ إِلا وَلَدَ فَاطِمَةَ، فَأَنَا وَلِيُّهُمْ، وَأَنَا عَصَبَتَهُمْ" برقم 18475،6598.
[2] رواه الترمذي برقم 3646، وابن ماجة برقم 118، والإمام أحمد بأرقام 606، 906، 915، 1242، 17749، وابن أبي شيبة بأرقام 9، 10، 29، 55، 69، والنسائي في السنن الكبرى بأرقام 8145، 8399، 8466، والحاكم في المستدرك بأرقام 4557، 5609، 6333، والطبراني في الكبير 2977، 3434، 4848.
.
27. صفحة
معذورين في الإفراط في المحبة وشطحاتها، ولكن بشرط ألا يدفعهم تفضيلهم الناشئ عن المحبة إلى ذم الخلفاء الراشدين وعداوتهم، وألا تخرج عن دائرة المبادئ الإسلامية.
أما شيعة الخلافة فقد دخلت فيهم الأغراض السياسية؛ لذا فهم لا يستطيعون النجاة من الحقد والعداوة والتجاوز، ويفقدون حق الاعتذار.
وحيث إن الفرس جُرحوا بيد عمر رضي الله عنه فإنهم يظهرون انتقامهم من سيدنا عمر في صورة "حب علي" مصداقا للقول: "لاَ لِحُبِّ عَلِيّ بَلْ لِبُغْضِ عُمَرَ"، كما أن خروج عمرو بن العاص على سيدنا علي رضي الله عنه، وقتال عمر بن سعد لسيدنا الحسين قتالا مروعًا قد أورث لدى الشيعة غيظًا وعداوة شديدة لاسم "عمر".
أما شيعة الولاية فليس لهم حق في انتقاد أهل السنة والجماعة؛ لأن أهل السنة لا ينتقصون من شأن سيدنا عليّ رضي الله عنه وقدره، بل يحبونه حبًّا صادقًا، ولكنهم يتحفظون من المحبة المفرطة التي يعدها الحديث الشريف خطرًا، فالثناء النبوي الوارد في الأحاديث في حق شيعة علي رضي الله عنه إنما يعود إلى أهل السنة؛ لأن شيعة علي رضي الله عنه هم أهل السنة والجماعة الذين هم أهل الحق ويحبونه حبًّا مستقيمًا، وقد ورد في صريح الحديث الصحيح([1]) أن المحبة المفرطة لسيدنا علي رضي الله عنه خطيرة كخطورة المحبة المفرطة لعيسى عليه السلام على النصارى.
فإن قالت شيعة الولاية: بعد قبول الكمالات الخارقة العظيمة لعلي رضي الله عنه والاعتراف بها لا يمكن تفضيل سيدنا الصديق رضي الله عنه عليه.
فالجواب: إذا وضعت في كفةِ ميزانٍ الكمالات الشخصية لسيدنا الصديق الأكبر وسيدنا الفاروق الأعظم رضي الله عنهما، وكمالاتهما في زمن خلافتهما بوظيفة وراثة النبوة، ووضعت في الكفة الأخرى لنفس الميزان كمالات سيدنا علي
[1] والحديث: عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِيكَ مَثَلٌ مِنْ عِيسَى أَبْغَضَتْهُ الْيَهُودُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَيْسَ بِهِ ثُمَّ قَالَ: يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلانِ مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يُقَرِّظُنِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ وَمُبْغِضٌ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي عَلَى أَنْ يَبْهَتَنِي، رواه الإمام أحمد برقم 1305، 1306، ورواه أبو يعلى بلفظ آخر في مسنده برقم 511.
28. صفحة
رضي الله عنه الشخصية الخارقة، وما قام به من أجل الخلافة من نضال وجهاد نشأ عن الحروب الداخلية الأليمة التي خاضها مضطرًّا، والتي تعرض بسببها لظنون سوء؛ فلاشك أن كفة سيدنا الصديق أو سيدنا الفاروق أو سيدنا ذي النورين رضي الله عنهم ستكون راجحة، وقد رأى ذلك أهل السنة وفضّلوهم عليه.
ثم إن درجة النبوة أرفع وأعلى من درجة الولاية إلى حدّ أن تجلِّيًا بقدر درهم من النبوة أفضل من تجلٍّ بقدر رطل من الولاية كما أُثبِت في "الكلمة الثانية عشرة" و"الكلمة الرابعة والعشرين"، فمن وجهة النظر هذه فقد صار لدى أهل السنة والجماعة موفَّقيَّة الصديق الأكبر والفاروق الأعظم رضي الله عنهما في زمن خلافتهما دليلا على أن الله تعالى قد أعطاهما حصة أكثر في وراثة النبوة وتأسيس أحكام الرسالة، ولم تستطع كمالات سيدنا علي رضي الله عنه الشخصيةُ أن تسقط تلك الحصة الفائقة من الحكم؛ لذا فقد أصبح شيخَ الإسلام في زمن خلافة الشيخين المُكَرّمَيْن، واحترمهما ووقرهما؛ وأهل الحق وأهل السنة والجماعة يحبون سيدنا عليًّا رضي الله عنه ويجلونه ويوقرونه، فكيف لهم ألَّا يحبوا ولا يوقروا الشيخين اللذين أحبهما ووقرهما سيدنا علي نفسه رضي الله عنه؟!
نوضح هذه الحقيقة بمثال:
يعطى من ميراث رجل ثري لأحد أولاده عشرون رطلا من الفضة وأربعة أرطال من الذهب، ويعطى الثاني خمسة أرطال من الفضة وخمسة أرطال من الذهب، ويعطى الثالث ثلاثة أرطال من الفضة وخمسة أرطال من الذهب، فمع أن الأخيرين يأخذان قليلا من حيث الكم فإنهما يأخذان كثيرًا من حيث النوع، فكما في هذا المثال، فإن زيادة يسيرة من حصة الشيخين من ذهب حقيقة الأقربية الإلهية -أي قرب الله من العبد- التي تتجلى في وراثة النبوة وتأسيس أحكام الرسالة، تغلب على زيادة قليلة من القربية -أي قرب العبد من الله- الناشئة عن الكمالات الشخصية وجوهر الولاية وعلى كثير من الكمالات والولاية والقربية، فينبغي أخذ هذه النقاط في الاعتبار عند المقارنة، وإلا فلو عقدت المقارنة من حيث الشجاعة والعلم والولاية الشخصية لتغيرت صورة الحقيقة.
29. صفحة
ثم إنه لا يمكن المقارنة من حيث الشخصية المعنوية لآل البيت التي تتمثل في شخص سيدنا علي رضي الله عنه والحقيقة المحمدية التي تتجلى في تلك الشخصية المعنوية من حيث الوراثة المطلقة؛ لأن في تلك الشخصية سرًّا عظيمًا للرسول صلى الله عليه وسلم.
أما شيعة الخلافة فليس لهم حق إلا الخجل أمام أهل السنة والجماعة؛ لأنهم على الرغم من ادعائهم الحبَّ الشديدَ لسيدنا علي رضي الله عنه فإنهم ينتقصون من شأنه، وإن مذهبهم يقتضي أنه كان على أخلاق سيئة؛ لأنهم يقولون إن سيدنا عليّا رضي الله عنه جارى سيدنا الصديق وسيدنا عمر رضي الله عنهما مع أنهما كانا غير مُحِقَّيْن، وعاملهما بالتقية حسب اصطلاح الشيعة، أي إنه خافهما لذا عاملهما بالرياء، وإن وصف مثل هذا البطل من أبطال الإسلام الذي نال صفة "أسد الله"، والذي كان قائد الصديقين ومرشدهم بالخوف، وبأنه كان يتصنع المحبة لمن لا يحبهم، وكان يعاملهم بالتقية تحت تأثير الخوف أكثر من عشرين سنة، وبقبول اتباع الجائرين؛ أقول إن وصفه ووصمه بهذا ليس محبة له، بل إن سيدنا عليّا رضي الله عنه يتبرأ من مثل هذه المحبة، فمذهب أهل الحق لا ينتقص من شأن سيدنا علي بأي وجه من الوجوه، ولا يتهمه بسوء الأخلاق، ولا يَنسب الخوف إلى مثل هذه الشجاعة الخارقة، ويقولون عنه إنه لو لم يَرَ الخلفاءَ الراشدين على حق وصدق لأنكر عليهم، ولما أطاعهم ولو لحظة واحدة، بمعنى أنه رأى أنهم على حق، وأنهم الأفضل، فأسلم غيرته وشجاعته في سبيل الحق.
الحاصل: إن الإفراط والتفريط في كل شيء مضر، والاستقامة هي الحد الوسط؛ لذا فإن أهل السنة والجماعة قد اختاروها، ولكن مع الأسف كما تتستّر بعضُ أفكار بدعية مثل الخوارج تحت ستار أهل السنة والجماعة إلى حد ما؛ فإن عشاق السياسة وبعض الملحدين ينتقدون سيدنا عليًّا رضي الله عنه، ويقولون: إنه لم يستحق الخلافة استحقاقا كاملا ولم يستطع الإدارة -حاشاه- لأنه لم يكن يعرف السياسة، فبسبب هذه الاتهامات الباطلة من هؤلاء يتخذ الشيعة طور السخط تجاه أهل السنة.
30. صفحة
والحقيقة أن دساتير أهل السنة والجماعة وأسس مذهبهم لا تقتضي هذه الأفكار، بل تثبت عكس ذلك؛ لذا فلا يمكن أن يُتَّهم أهل السنة بمثل هذه الأفكار الصادرة عن الخوارج والملحدين، بل إن أهل السنة يوالون سيدنا عليًّا رضي الله عنه أكثر من الشيعة، وإنهم يذكرون عليًّا رضي الله عنه في جميع خطبهم ودعواتهم بما هو أهل له من الثناء، ولاسيما الأولياء والأصفياء الذين هم على مذهب أهل السنة والجماعة بأغلبيتهم المطلقة فإنهم يعتبرونه مرشدًا وسلطانًا للأولياء، وعلى الشيعة ألا يتخذوا موقفا عدائيًّا من أهل الحق تاركين الخوارج والملحدين الذين يستحقون عداوة الشيعة وأهل السنة معًا؛ حتى إن بعض العلويين يتركون السنة عنادًا لأهل السنة.
على كل حال لقد تحدثنا كثيرًا في هذه المسألة، لأنها أصبحت مدار بحث كبير بين العلماء.
فيا أهل السنة والجماعة الذين هم أهل الحق، ويا أيها العلويون الذين اتخذتم محبة آل البيت مسلكًا لكم([1])، ارفعوا فورًا من بينكم هذا النزاع الباطل المضر الذي لا معنى ولا حقيقة له، وإلا فإن تيار الزندقة الحالي الذي يسيطر بقوة سيستغل أحدكما ويستخدمه ضد الآخر فيسحقه، وبعدما يهزم أحدكما سيدمر الذي أمسى آلة.
فعليكم أن تتركوا المسائل الجزئية التي تدفع إلى الفُرقة؛ لأنكم أهل التوحيد وبينكم مئات من الروابط القدسية الراسخة التي تأمر بالأخوة والاتحاد.
المقام الثاني ([2])
وسيكون حول الحقيقة الثانية للآية ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (التوبة:129)
[1] يتضح للقارئ أنّ المراد بـ ʺالعلويين الذين اتخذوا محبة آل البيت مسلكا لهمʺ هم شيعة الولاية المذكورون في هذه النكتة، ويمكن ان يعذروا بشرط "ألا يدفعهم تفضيلهم الناشئ عن المحبة إلى ذم الخلفاء الراشدين وعداوتهم ، وألا يخرجوا عن دائرة المبادئ الإسلامية"، وليس المراد شيعة الخلافة الذين لم يستطيعوا النجاة من الحقد والعداوة والتجاوز بسبب أغراض سياسية، والذين أظهروا الانتقام في صورة حب علي رضي الله عنه لكون الفرس قد جرحوا بيد عمر رضي الله عنه
[2] هذا المقام الثاني هو "اللمعة الحادية عشرة"، وقد أُلِّفت مُستقلة. (المؤلف)


