اللمعة الرابعة والعشرون

274. صفحة

 

اللمعة الرابعة والعشرون

 

حول الحجاب

كانت هذه اللمعة "المسألةَ الثانية" و"المسألة الثالثة" من "المذكرة الخامسة عشرة"، ولكنها صارت "اللمعة الرابعة والعشرين" بناء على أهميتها.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ إلخ، (الأحزاب:59)

هذه الآية الكريمة تأمر بالحجاب، أما المدنية السفيهة فتذهب إلى خلاف هذا الحكم القرآني، ولا ترى الحجاب شيئًا فطريًّا، بل تعدّه أسرًا([1]).

الجواب: سنبين "أربعًا من الحِكَم" من بين حكم كثيرة تدل على أن هذا الحكم القرآني فطري تمامًا، وأن ما يخالفه غير فطري.

الحكمة الأولى:

إن الحجاب فطري للنساء، وتقتضيه فطرتهن؛ لأن النساء ضعيفات ورقيقات خلقةً، ويحتجن إلى حماية ومساعدة رجل يحميهن ويحمي أولادهن الذين

[1]  فقرة من الدفاع في الخطاب الموجَّه إلى محكمة التمييز، وقد أسكتت المحكمة:

   وأنا أقول لمحكمة العدل: إن كانت على وجه الأرض عدالة فلاشك أنها ستردّ قرار المحكمة الظالم بسجن رجل فسر أقدس دستور إلهي ذي حقيقة راسخة في الحياة الاجتماعية للمسلمين البالغين ثلاثمائة وخمسين مليونًا في كل عصر خلال ألف وثلاثمائة وخمسين عامًا استنادًا إلى تصديق واتفاق ثلاثمائة ألف تفسير، واقتداءً باعتقاد أجدادنا السابقين خلال ألف وثلاثمائة وخمسين عامًا، وستنقض هذا الحكم. (المؤلف)



275. صفحة

يُحْبِبْنَهم أكثر من حياتهن ويساعدهم، فلهن ميل فطري إلى تحبيب أنفسهن، وعدم تكريه الآخرين فيهن وعدم تعرضهن لاستثقالهم وبغضهم.

ثم إن ستة أعشار أو سبعة أعشار النساء إما عجائز وإما قبيحات دميمات لا يُرِدْن أن يُظهِرن شيخوختهن وقبحَهن ودمامتَهن لكل الناس، أو غَيْرَى يخشين أن يعدن قبيحات ودميمات بالنسبة لمن يَفُقْنَهن جمالا وحسنًا، أو يخفن من الاعتداء عليهن والتعرض للاتهام، فيُرِدْن أن يتحجبن بالفطرة والجبلة خشية التعرض للاعتداء والاتهام بالخيانة في نظر أزواجهن، بل حتى لو أمعن النظر لوُجد أن أكثر من يخفين أنفسهن عن النظر هن العجائز.

وقد تكون اثنتان أو ثلاث من كل عشر نساء شابات وحسناوات ولا يتضايقن من إظهار مفاتنهن؛ إذ من المعلوم أن الإنسان يتضايق من نظرات من لا يحبهم ويستثقلهم ، ويتأثر منها، فلاريب أن المرأة الحسناء المتبرجة السافرة إن كانت تحب أن يراها اثنان أو ثلاثة من كل عشرة من الرجال غير المحارم فإنها تكره السبعة أو الثمانية منهم، والمرأة الحسناء غير الفاسدة الأخلاق وغير الماجنة ولأنها رقيقة وسريعة التأثر؛ فإنها ستتضايق من النظرات السامّة الخبيثة المُجَرَّبِ تأثيرُها المادي، بل إننا نسمع أن كثيرًا من النساء في أوربا التي هي موطن التبرج والسفور يتضايقن من النظرات المراقبة لهن، ويشتكين إلى الشرطة قائلات: إن هؤلاء السفلة يراقبوننا مراقبة شديدة، ويزعجوننا.

إذن إن إلغاء المدنية الحجابَ مناف للفطرة، وإن أمر القرآن بالحجاب فضلا عن أنه فطري؛ فإنه ينقذ النساء اللاتي هن معدن الشفقة واللاتي يمكن أن يكنَّ رفيقات عزيزات لأزواجهن إلى الأبد، وينجيهن به من السقوط والذل والأسر المعنوي والمهانة.

ثم إن لدى النساء تخوّفًا فطريًّا من الرجال الأجانب، والتخوّف يقتضي الحجاب بالفطرة؛ لأن هناك معاناة الحمل الثقيل للولد مدة ثمانية أو تسعة شهور تنغص متعة تستغرق ثماني أو تسع دقائق، فضلا عن أن هناك احتمالا لتحمل 

276. صفحة

مشقة القيام بتربية ولد لا حامي له، وتحمّل معاناة متعة غير مشروعة استغرقت ثماني أو تسع دقائق مدة ثماني أو تسع سنوات، ولحدوث مثل هذه الأمور بكثرة تتخوف النساء –فطرة- من الرجال غير المحارم، وتقتضي طبيعتهن تجنبهم، فتفرض خلقتهن الضعيفة بوساطة الحجاب عدم إثارة شهوة غير المحارم، وعدم إفساح المجال لهم بالاعتداء عليهن، وتنبههن بقوة إلى ذلك، وتبين أن خندقهن وحصنهن وقلعتهن هو جلبابهن.

وحسبما وصل إلى سمعي فإن صبّاغ أحذية سافلا جدًّا تحرش نهارًا أمام أعين الأهالي في العاصمة مركز الحكومة([1]) بامرأة رجل ذي منصب كبير كانت متكشفة السيقان، وفي هذا ما فيه من صفعة على الوجوه الوقحة الصفيقة لمن يعارضون الحجاب.

الحكمة الثانية:

إن العلاقة القوية والارتباط الوثيق والمحبة الشديدة العميقة بين المرأة والرجل لا تتأتى من حاجة الحياة الدنيوية فحسب.

أجل؛ إن المرأة ليست رفيقة الحياة لزوجها في الحياة الدنيوية فحسب، بل هي رفيقة حياة في الحياة الأبدية أيضًا، وبما أنها ستكون رفيقة حياة لزوجها حتى في الحياة الأبدية؛ فواجب عليها ألا تجلب إلى محاسنها أنظار غير زوجها الذي هو رفيقها وخليلها الأبدي، وألا تثير استياءه وغيرته، وبما أن علاقة زوجها المؤمن معها -بناء على سر الإيمان- ليست منحصرة في الحياة الدنيوية، وليست محبة حيوانية مؤقتة ومقتصرة على وقت جمالها وحسنها فحسب، بل هي علاقة محبة واحترام جادّين راسخين لكونها رفيقة حياة أبدية في الحياة الأبدية أيضًا، وهو يكن لها تلك المحبة وذلك الاحترام الجادين ليس في وقت شبابها وجمالها فحسب، بل حتى في وقت شيخوختها ودمامتها؛ فمقابل ذلك لابد أن تقصر هي محاسنها على نظر زوجها وأن تحصر محبتها فيه؛ لأن ذلك مقتضى الإنسانية، وإلا فستكسب قليلا وستخسر كثيرًا.


[1]  يقصد أنقرة.

 



277. صفحة

ثم إن الزوج يجب أن يكون كُفْئًا للزوجة شرعًا، أي أن يكون أحدهما مناسبًا للآخر، وأهم شرط في الكفاءة والمساواة والمماثلة هو الدين.

فطوبى لزوج ينظر إلى تديُّن زوجته وتقواها فيقلدها، ويتمسك بالدين كي لا يفقد رفيقته في الحياة الأبدية، وما أسعد تلك الزوجة التي تنظر إلى تدين زوجها وتقواه فتتمسك بالتقوى حتى لا تفقد رفيقها الأبدي!

وويل لذلك الرجل الذي يدخل فيما يُفْقِدُهُ زوجته الصالحة إلى الأبد من أمور السفاهة، وما أشقى تلك المرأة التي لا تقلد زوجها المتقي، فتفقد رفيقها المبارك!

وألف ويل وويل لهذين الزوجين الشقيين يقلد أحدهما الآخر في الفسق والسفاهة، ويعين أحدهما الآخر على دفعه إلى النار!

الحكمة الثالثة:

إن سعادة الأسرة في الحياة تدوم بثقة وإخلاص واحترام ومحبة متبادلة بين الزوجين.

أما التبرج والسفور وعدم التحجب فيفسد تلك الثقة، ويخل بذلك الاحترام، ويعكر صفو تلك المحبة المتبادلة؛ لأن امرأة واحدة فقط من بين عشر نساء متبرجات سافرات لا ترى رجلا أجمل من زوجها، ومن ثم لا تحاول أن تحبب نفسها للأجانب، والتسع يجدن من هو خير من أزواجهن، ولا يرى إلا رجل واحد من بين عشرين رجلا أن هناك امرأة هي أجمل من زوجته، وعندئذ يزول الإخلاص والمحبة والاحترام المتبادَل بينهما، فضلا عن أنه يتسبب في إثارة حسّ فاجر قبيح سافل، وذلك لأن الإنسان لا يستطيع أن يحمل –فطرة- حسًّا شهوانيًّا لمحارمه من أمثال شقيقته؛ لأن وجوه محارمه تشعره بالشفقة والمحبة المشروعة بسبب القرابة والحرمة، فتقطع الميل النفسي والشهواني، ولكن كشف بعض الأماكن التي لا يجوز كشفها شرعًا كالسيقان حتى أمام المحارم قد يتسبب في إثارة حس دنيء سافل في النفوس السافلة؛ لأن وجه المحرم يشعر بالحرمة، ولا يشبه غير المحرم، ولكن الساق المكشوفة -مثلا- 

278. صفحة

يتساوى فيها المحرم وغير المحرم، وليس لها علامة فارقة تخبر عن الحرمة؛ لذا قد تثير في بعض النفوس السافلة رغبة نظر حيواني، ونظر كهذا سقوط إنساني تقشعر منه الجلود.

الحكمة الرابعة:

من المعلوم أن كثرة النسل مطلوبة من قبل الجميع، وما من أمة ولا حكومة إلا وتُسَانِدُ الإكثار من النسل والذرية، حتى قال الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام: "تَنَاكَحُوا تَكَاثَرُوا فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الأُمَمَ"([1]) أو كما قال.

ولكن رفع الحجاب لا يزيد من الزواج بل ينقصه كثيرًا؛ إذ إن أكثر الشباب فسادًا وفسوقا وحداثة يرغب أن تكون رفيقة حياته عفيفة، ولا يريد أن تكون عصريّة مثله أي متبرجة سافرة، فيظل عزبًا، بل ربما ينساق إلى الفحش، أما المرأة فليست كذلك؛ إذ لا تستطيع أن تتحكم في زوجها إلى حد كبير، ذلك لأن المرأة مأمورة بالحفاظ على جميع أموال زوجها وأولاده وكل ما يخصه لكونها مديرة الشئون الداخليّة في الحياة العائلية، لذا فإن أرسخ خصالها الإخلاص والوفاء والثقة، وأما التبرج والسفور فيخل بالإخلاص والوفاء، وتفقد هي الثقة في نظر زوجها، وتجعله يعاني من عذاب الضمير.

حتى إن الشجاعة والسخاء اللذين هما خصلتان محمودتان عند الرجال لو كانتا عند النساء لكانتا من الأخلاق السيئة؛ لأنهما تضران وتخلان بهذه الثقة والوفاء والإخلاص، ولعُدَّتا من الخصال السيئة المذمومة، ولكن وظيفة زوجها ليست مقصورة على الحفاظ على أموالها والإخلاص لها، بل تشمل حمايتها ورحمتها واحترامها أيضًا، فلذلك لا يوضع الرجل تحت حصر وقيد، بل يمكنه أن ينكح ويتزوج نساء أخريات.

إن بلادنا لا تقارن بأوربا؛ لأن العفة هناك يحافظ عليها إلى حد ما وسط التبرج والسفور بوسائل عنيفة كالمبارزة، فالذي ينظر نظرة خبيثة إلى زوجة رجل شهم

[1]  رُوي هذا الحديث بألفاظ مختلفة، انظر مستدرك الحاكم رقم 2685، وعبد الرزاق رقم 1039، والنسائي في السنن الكبرى 5342، وأبا داود 2050، والبيهقي في السنن الكبرى 13235، والنسائي 3227، والطبراني في المعجم الأوسط 5099 وفي الكبير 508، والإمام أحمد في مسنده 12634، 13594.

 



279. صفحة

عزيز النفس يعلق كفنه على عنقه ثم ينظر، ثم إن الطبائع في أوربا التي هي بلاد باردة، جامدةٌ وباردة مثل تلك البلاد، أما آسيا -أي قارة العالم الإسلامي- فهي حارَّة مقارنة بتلك البلاد الباردة، ومن المعلوم أن للبيئة تأثيرًا على أخلاق الإنسان، فالتبرج والسفور من أجل إثارة الرغبات الحيوانية وتهييج الشهوات لدى هؤلاء الناس الباردين ربما لا يكون مدعاة للتصرفات السيئة والإسراف كثيرًا، ولكن التبرج والسفور الذي يثير دوما الرغبات والنوازع النفسانية لدى أناس شديدي الحساسية والتأثر في البلاد الحارة حتما يؤدي إلى التصرفات السيئة والإسراف وضعف النسل والذرية وضعف القوى وانهيارها، فيظن الرجل نفسه مضطرًّا إلى الإسراف كل بضعة أيام في حين أن قضاء الاحتياج الفطري يكون مرة كل شهر أو عشرين يومًا؛ وحيث إنه يضطر إلى التجنب من زوجته مدة خمسة عشر يومًا في كل شهر بسبب عوارض كالحيض؛ فإنه يميل إلى الفحش إن كان مغلوبًا على نفسه.

ثم إن أهل المدن لا يمكنهم أن يرفعوا الحجاب كالقرويين والبدويين، لأن هَمَّ المعيشة يشغل القرويين والبدويين، ويضطرون إلى العمل بالقوة البدنية ويتعبون، ولا يثير الشهوات النفسانية شيء بسيط مما قد ينكشف من النساء العاملات البريئات والخشنات اللاتي لا يجلبن النظر مقارنة بنساء المدن، ولا يوجد في القرى رجال سفهاء عاطلون عن العمل إلا القليل؛ ولذلك لا يوجد فيهم عشر ما في المدن من المفاسد، إذن لا تقارن المدن بالقرى.

 

مسألة مهمَّة أُلهِمتها فجأة

يُفهَم من روايات الأحاديث أن الذي سيلعب أخطر دور في فتن آخر الزمان هو طائفة النساء وفتنتهن([1]).


[1]  جاء في صحيح مسلم 4/2098، حديث رقم 2742: حدثنا محمد ابن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي مسلمة قال سمعت أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء"، وفي حديث ابن بشار "لينظر كيف تعملون".

 



280. صفحة

نعم؛ كما أنه يروى في التاريخ أنه كانت هناك في الأزمنة الغابرة فرقة عسكرية مكونة من نساء مُتقِنات لاستعمال الأسلحة غاية الإتقان، تسمى "نساء آمازون"([1]) حارَبن حروبًا شعواء؛ كذلك فالنساء الكاسيات العاريات في حرب ضلالة الزندقة تجاه الإسلام في هذا الزمان هن أخطر الفرق التي سُلّمت قيادتُها للشيطان بخطط النفس الأمارة؛ إذ يُغرن على أهل الإيمان ويهجمن عليهم بسيقانهن العاريات وكأنها سكاكين حادة، فيأسرن نفوس الكثيرين في غمضة عين، ويطعنّ قلوبهم وأرواحهم بالكبائر، ساعيات لإغلاق باب النكاح وتوسيع طرق بيوت الدعارة والفحش، بل يقتلن بعض هذه القلوب؛ لذا ستصبح تلك السيقان ذات السكاكين حطب جهنم، وتحترق أولا وقبل كل شيء جزاءً وفاقًا على إظهارهن تلك السيقان أمام أهواء غير المحارم لسنوات عدة، ولا يجدن الزوجَ المناسب الذي يُرِدنَ أن يظفرن به بشدة، ويَحتَجنَ إليه احتياجًا شديدًا بفطرتهن؛ بسبب إضاعتهن الثقةَ والصدق والإخلاصَ في الدنيا، وحتى لو وجدنه لكان مصيبة لهن.

وحتى إنه ليفهم من روايات الأحاديث أنه نتيجة لهذه الحالة سيصبحن بلا أهمية، ولا حامي ولا صاحب ولا قيمة لهن إلى حد أن ستكون في آخر الزمان في رعاية الرجل الواحد أربعون امرأةً في بعض الأماكن بسبب عدم الرغبة في النكاح، وعدم الاهتمام به([2]).

وبما أن الحقيقة هكذا، وأن كل جميل يحب جماله، ويسعى للحفاظ عليه قدر ما يستطيع ولا يحب ذبوله، وبما أن الجمال نعمة، فالنعمة تزداد معنويًّا مادام الشكرُ موجودًا، وتتغير وتقبح إن لم يكن الشكر.


[1]  اشتهرت المرأة المحاربة في الأسطورة اليونانية بأمازون، ويروى أنه كانت هناك فرقة من المحاربات تسمى بنساء أمازون كن يستخدمن الأسلحة المختلفة في حروبهن، وتزخر الملاحم اليونانية بذكر هذه الفرق النسائية وبحروبها مع الإغريق، ويرجع بعض الباحثين تسمية نهر الأمازون إليهن.

 

[2]  جاء في صحيح البخاري 1/43 بَاب رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ وقال رَبِيعَةُ لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ من الْعِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ: "حدثنا مُسَدَّدٌ قال حدثنا يحيى عن شُعْبَةَ عن قَتَادَةَ عن أَنَسِ قال لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: من أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حتى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِد".

 



281. صفحة

فإن كانت المرأة الجميلة عاقلةً؛ فلاشك أنها ستهرب بكل قوتها من استخدام ذلك الحسن والجمال في كسب السيئات، وفي التسبب في اكتساب الآخرين لها، ومن جعْل ذلك الجمال والحسن جمالا وحسنًا قبيحا ومسمومًا، ومن تحويلهما إلى سبب عذاب لها بكفران النعمة، وستشكر على هذه النعمة باستخدام ذلك الجمال الفاني الذي سيدوم خمس أو عشر سنوات فحسب استعمالاً مشروعًا حتى تجعله باقيًا، وإلا فستتعرض لاستثقال الناس لها زمنًا طويلاً في الشيخوخة، وستبكي بكاء اليائسات.

أما إذا زُيِّنَ ذلك الجمال بزينة الآداب القرآنية ضمن دائرة التربية الإسلامية، فسيصبح -معنويًا- ذلك الحسن الفاني باقيًا، وسيوهَب لصاحبته في الجنة حسنٌ وجمال ألطف وأزهى من حسن الحور العين، وهذا ثابت ثبوتًا قاطعًا في الأحاديث الشريفة.

فإن كان لتلك الحسناء مقدار ذرة من عقل؛ فلن تضيع من يدها هذه الثمرة الجميلة المشرقة اللطيفة الأبدية.