اللمعة السابعة عشرة

159. صفحة

 

 

اللمعة السابعة عشرة

بسم الله الرحمن الرحيم

عبارة عن "سبع عشرة مذكرة" من رسالة "زهرة"

 

مقدمة

لقد سجلت في الماضي بعضًا من اللمعات التوحيدية التي ظهرت بعناية ربانية في أثناء حركة فكرية وسياحة قلبية وانكشافات روحية في المعرفة الإلهية، سجلتها باللغة العربية في صورة مذكّرات في رسائل مثل: "زهرة"، و"شعلة"، و"حبة"، و"شمة"، و"ذرة"، و"قطرة"، وكانت هذه الرسائل قد كتبت لإظهار طرف واحد فقط من حقيقة طويلة، وإراءة شعاع واحد فقط لنور ساطع، وكانت على صورة خواطر ومذكرات لي فحسب، وظلت استفادة الآخرين منها محدودة، وخاصة أن أغلبية أفاضل إخواني وأخصهم لم يكونوا يدرسون اللغة العربية، فاضْطُرِرتُ بناء على إصرارهم وإلحاحهم إلى كتابة معاني تلك المذكرات واللمعات باللغة التركية، قسمٍ منها بإيضاحات وآخر بإيجاز واقتضاب.

هذه المذكرات والرسائل العربية كتبت معانيها دون تغيير؛ ذلك لأنها حقائق شاهدها سعيد الجديد أوّلاً من علم الحقيقة في صورة شهودية إلى حد ما، ومن أجل ذلك يردُ هنا ذكر بعض جمل منها مع أنها ذُكرت في سائر الرسائل أيضًا، وبعضها لم يوضح لكيلا تفقد لطافتها الأصلية مع أنها مجملة للغاية.

160. صفحة

المذكرة الأولى من مذكرات "زهرة"

كنت قد خاطبت نفسي قائلا:

اعلم أيها السعيد الغافل، أن ما لا يرافقك بعد فناء هذا العالم، بل يفارقك بخراب الدنيا لا يليق بك أن تربط قلبك به، فكيف بما يتركك ويدير ظهره لك بانقراض عصرك؟ بل كيف بما لا يصاحبك في سفر البرزخ؟ بل كيف بما لا يشيّعك إلى باب القبر؟ بل كيف بما يفارقك سنة أو سنتين فراقًا أبديًا مورِثًا إثمه في ذمتك، ومعلقًا إياه في رقبتك؟ بل كيف بما يتركك على الرغم منك في آن سرورك بحصوله؟ فليس من العقل أن تربط قلبك بأشياء فانية.

فإذا كنت عاقلاً، فاترك ما لا يقتدر أن يرافقك في سفر الأبد، بل يضمحل ويفنى تحت مصادمات الانقلابات الدنيوية والأطوار البرزخية والانقلابات الأخروية، لا تهتم به، ولا تغتمّ بزواله.

ألا ترى أن فيك لطيفةً لا ترضى إلا بالأبد والأبدي، ولا تتوجه إلّا إليه، ولا تتنزل لما دونه؟ وحتى لو أعطيتها الدنيا كلها لما أشبع ذلك الاحتياج الفطري لديها، تلك هي سلطانُ لطائفك، فأطِعْ سلطانك المطيع لأمر فاطره الحكيم جلّ جلاله، وانجُ.

 

المذكّرة الثانية

لقد رأيت في رؤيا ذات حقيقة أني أخاطب الناس قائلا:

أيها الإنسان، إن من دساتير القرآن ألا تحسب أي شيء مما سوى الله تعالى أعظم من نفسك لحد عبادته، وألا ترى نفسك أعظم من كل شيء حتى تتكبر عليه؛ لأن المخلوقات متساوية في البعد عن المعبودية كما أنها متساوية من حيث المخلوقية.

المذكّرة الثالثة

اعلم يا أيها السعيد الغافل، أنك ترى الدنيا المؤقتة بغلط الحسّ دائمةً وكأنها لا تموت، وعندما تنظر إلى ما حولك وإلى الدنيا تراها ثابتةً مستمرة في الجملة 

161. صفحة

وبالنوع، فتظن نفسك الفانية هي الأخرى ثابتة دائمة، حتى إنك لا تفزع إلّا من القيامة، ولا تخشى إلا من قيامها، كأنك تدوم إلى أن تقوم هي.

عد إلى رشدك، إنك ودنياك الخاصة بك معرّضان لضربات الزوال والفناء في كل آن، فمثلك في هذا الغَلط كمثل مَن في يده مرآة إذا وجهها إلى منزل أو بلد أو حديقة ارتسمتْ صورة المنزل أو البلد أو الحديقة فيها، ففي أدنى حركة للمرآة وتغيرها يحصل الهرْج والمرْج في صور تلك الثلاثة، أما بقاء المنزل أو البلد أو الحديقة في الوجود الخارجي فلا ينفعك؛ إذ ليس لك من المنزل أو البلد أو الحديقة إلّا ما تعطيك مرآتُك بمقياسها وميزانها.

فحياتك وعمرك مرآة، وعمود عالمك ومرآته ومركزه هو عمرك وحياتك، وقد يموت منزلك وتموت حديقتك ومدينتك وتدمر في كل دقيقة، وكأنها إذا وقعت قامت قيامتك أيضًا.

وبما أن الأمر هكذا فلا تحمّل حياتك ودنياك ما لا طاقة لهما به.

 

المذكّرة الرابعة

اعلم يا سعيد، أن من سنّة الفاطر الحكيم في الأكثر ومن عادته إعادة ما لهُ أهميةٌ وقيمةٌ غاليةٌ بعينهِ لا بمثله في الأدوار والفصول المتكررة بتجدد الأمثال في أكثر الأشياء، أي إنه تعالى يعيد في تبدل الفصول وتغير العصور تلك الأشياء الثمينة القيمة بتجدد أكثرها بمثلها، وتُرى هذه القاعدة -أي سنة الله- مطّردة في الأكثر في جميع الحشر اليومي والسنوي والعصري، فنحن نقول بناء على هذه القاعدة الثابتة: بما أن الإنسان أكمل ثمرات شجرة الخلقة باتفاق الفنون وشهادة العلوم، وله أهمية عظيمة وقيمة غالية في المخلوقات، وفردُه كنوعِ غيره من الحيوانات؛ فبالحدس القطعي يُعادُ كلُّ فردٍ من البشر في الحشر والنشر الأكبر بعينه وجسمه واسمهِ ورسمهِ.

 

162. صفحة

المذكرة الخامسة

حينما كان سعيد الجديد يسير في دروب الفكر كانت تنقلب علوم أوربا وحضارتها -التي رسخت واستقرت في فكر سعيد القديم([1]) إلى حدٍّ ما- إلى أمراض قلبية في تلك السياحة القلبية، فتسببت في مشكلات كثيرة؛ لذا فإنه قد اضطرَّ إلى نفض ذهنه ليطرح منه الفلسفة المزخرفة وشوائب الحضارة السفيهة، فاضطر في هذه المذكرة إلى إجراء حوار قصير من ناحية، وطويل من ناحية أخرى مع الشخص المعنوي لأوربا؛ حتى يسكت ويلزم ويفحم النوازع النفسية التي تشهد لصالح أوربا.

أرجو عدم إساءة فهم كلامي؛ إذ أوربا اثنتان:

إحداهما هي أوربا التي تواكب الصناعات النافعة لحياة البشر الاجتماعية، والعلوم التي تخدم العدالة والحقّ بما استفاضت من النصرانية الحقة، فأنا لا أخاطب هذا القسم من أوربا، بل أخاطب أوربا الثانية الفاسدة التي ظنت -بسبب ظلمات الفلسفة الطبيعية- سيئات الحضارة محاسن، فساقت البشرية إلى السفاهة والضلالة:

لقد خاطبت في ذلك الحين في تلك السياحة الروحية الشخصَ المعنويَّ لأوربا التي أخذتْ بيدِها الفلسفةَ المضِرَّةَ التافهةَ، والحضارةَ المضِرَّةَ السفيهة، ولم تأخذْ المحاسنَ الحضاريةَ والعلومَ النافعةَ، قائلا:

اعلمي يا أوربا الثانية، أنك أخذت بيدك اليمنى الفلسفة السقيمة المضلة، وبيدك اليسرى حضارة سفيهة مضرة، ثم تدعين أن سعادة البشر بهما، شلّت يداك، وبئست الهدية هديتاك القذرتان، فلتكونا وبالا عليك وستكونان.

أيتها الروح الشقية التي تنشر الكفر وتبث الكفران، هل يمكن أن تتحقق سعادة رجل معذب مصاب بمصائب هائلة في روحه ووجدانه وضميره وعقله وقلبه بوجود جسمه في بحبوحة من الزينة والثروة الظاهرة الخادعة الغرّارة؟! وهل

[1]  يطلِق على ما قبل الأربعين من عمره سعيدًا القديم، وعلى ما بعد الأربعين من عمره سعيدًا الجديد؛ حيث عاش انقلابًا روحيًّا وفكريًّا، واتجه اتجاهًا جديدًا.

 



163. صفحة

يمكن القول بأنه سعيد؟! ألا ترينَّ أن من انكسر خياله أو خاب ظنه في أمل وهمي، أو انقطع رجاؤه من أمر جزئي؛ كيف يَمَرُّ له الحلو، ويعذّبه العَذبُ اللذيذ، وتضيق عليه الدنيا وتصبح كالزنزانة؟! فكيف تضمنين السعادة لمن أصيب بشؤمك في أعماق قلبه وروحه بضربات الضلالة التي انقطعت بسببها كل الآمال، وانشقّت وتولدت منها كل الآلام؟! فهل يقال لمن روحه مع قلبه في جهنم، وجسمه في جنة كاذبة زائلة: إنه سعيد؟!

فها أنت ذي، أغريت وفتنت البشر المساكين هكذا، تجرعينهم العذاب في جنة كاذبة خادعة.

فيا أيتها النفس الأمارة للبشر، انظري إلى هذا المثال، واعلمي إلى أين تسوقين البشر.

مثلا: ههنا طريقان أمامنا؛ إن سلكنا أحدهما، نرى في سيرنا بمد البصر في مدة السفر عند كل خطوة رجلاً عاجزًا يتهجّم عليه رجالٌ غُلَّب، يغتصبون ماله ودوابَّه، ويخرّبون كوخه، وقد يجرحونه بحيث تبكي عليه السماء، فأينما نظرنا نر الحال على هذا المنوال؛ بحيث لا نسمع إلّا صيحات الظالمين، ونياحات المظلومين، فطمّ عليهم المأتم العمومي، بسر:"إن الإنسان يتألم بألم الغير".

والحال أن الوجدان لا يتحمل التألم بهذه الدرجة، فيضطر السالك في هذا الطريق إلى التجرد عن الإنسانية، والتزام منتهى الوحشة، وأن يحمل قلبًا يسلَم ولا يتأثر من هلاك الناس، أو يبطل ما يقتضيه القلب والعقل.

فيا أوروبا الثانية التي فسدت في السفاهة والضلالة، وابتعدت عن الدين العيسوي، لقد أهديت بدهائك الأعور كالدجال لروح البشر هذه الحالةَ الجهنّميةَ، ثم تفطنت لهذا الداء العضال([1]) وأنه يلقي الإنسان من أعلى عليين إلى أسفل السافلين، وينزله إلى درك أشقى الحيوانات، والدواء الوحيد الذي وجدته لمعالجة هذه العلة هو ملاهيك الجذابة، وفتنك وإغراءاتك الجلاّبة، التي تؤدي وظيفة

[1]  الداء العضال: المستعصي على العلاج.

 



164. صفحة

إبطال الحسّ مؤقتًا، فتعسًا لك ولدوائك، وليكن وبالا عليك وسيكون، فالسبيل الذي مهدته للبشر والسعادة التي أهديتها لهم يشبهان هذا المثال.

أما الطريق الثاني؛ فهو ما أهداه القرآن الحكيم بهدايته للبشر، فنرى فيه في كل منزل وفي كل مكان وفي كل بلاد جنودًا متقين أمناء، لسلطان عادل، منتشرين ومتجولين في كل ناحية، فيأتي أحيانًا بعض الموظفين فيسرحون بعضهم عن الوظيفة بأمر السلطان، ويتسلمون منهم أسلحتهم وخيولهم والمستلزمات التابعة للدولة، ويعطونهم إذن تسريح، فهؤلاء الجنود الْمُعْفَوْنَ مع أنهم يحزنون ظاهرًا على تسليم ما ألفوا وأنسوا من خيل وأسلحة؛ فإنهم في الحقيقة يفرحون بالتسريح، ويرضون ويبتهجون بالرجوع إلى المَلِك وزيارته وإلى حضوره، ونرى أنَّه قد يصادف الموظفون جنديًّا غريبًا لا يعرفهم، فيقولون له: سلِّم سلاحك، فيرد عليهم الجندي: أنا جندي لدى السلطان، وفي خدمته، وإليه أرجع، فمن تكونون أنتم؟! إن أتيتم بإذنه ورضائه فعلى الرأس والعين، وأروني أمره الذي يخصكم، وإلّا فتَنَحوا عني وابتعدوا، لأقاتلنكم وحدي ولو كنتم آلافًا مؤلفة، لا للدفاع عن نفسي، لأنها ليست ملكًا لي بل لسلطاني، بل إن نفسي التي بين جنبي وما لديَّ من سلاح أمانة لمالكي، فلن أخضع لكم، ولن أستسلم حتى أحفظ الأمانة وأحمي عظمة سلطاني وكرامته وعزته، فهذه الحال نموذج من بين آلاف الأحوال التي هي مدار السرور والسعادة في الطريق الثاني، فقس أنت سائر الأحوال.

 ففي السفر في الطريق الثاني سرور وفرح مع حشد عسكري يسمى "المواليد"، وتسريحات عسكرية ممتزجة بسرور ومصحوبة بموسيقى تسمى"الوَفَيَاتُ"، فالقرآن الحكيم قد أهدى البشرَ هذا الطريقَ، فمن قبل هذه الهدية كاملة فقد سلك هذا الطريق الذي يؤدي إلى سعادة الدارين، ولا يحزن على ما فات، ولا يخاف مما سيأتي ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 112).

فيا أروبا الثانية الفاسدة، إن بعضًا من أسسك الفاسدة الواهية الواهنة، يزعم أن كل ذي حياة من أصغر السمك إلى أكبر المَلَك مالك لنفسه، ويعمل لذاته، ويسعى لتحقيق لذَّاته، له حق حياة، وغايةُ همته وهدفه ومقصده الحياة وحفظ البقاء، ويظن 

165. صفحة

التجليات الرحيمة الكريمة لدستور التعاون -الذي هو من الدساتير العامة لكرم الخالق الكريم والذي يمتثل له كل شيء بكمال الطاعة في أرجاء الكون كجري النباتات لإمداد الحيوانات وجري الحيوانات لإمداد الإنسان- صراعًا، حتى حكمتِ في حمق بأن "الحياة صراع"، فيا سبحان الله! كيف يكون سعي ذرات الطعام بكمال الشوق لتغذية خلايا البدن صراعًا وخصامًا، مع أنه من تجليات دستور التعاون؟! كيف يكون صراعًا؟! بل إن السعي والإمداد تعاون بأمر رب كريم.

ثم إنك تقولين حسب أساس من أسسك الفاسدة الواهية: "إن كل شيء مالك لنفسه"، والدليل القاطع على أنه لا شيء يملك نفسه هو: أن أشرف الأسباب وأوسعها إرادة هو الإنسان، والحال أنه ليس في يد اختياره ودائرة اقتداره من أظهر أفعاله الاختيارية –كالأكل والشرب والكلام والتفكر- من المائة إلّا جزء واحد مشكوك فيه، فإذا كان الذي لا يملك جزءا واحدًا من مائة جزء مِن أظهَر أفعاله هكذا، فكيف يملك نفسه؟! وإذا كان الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات والأوسع اختيارًا وإرادة مغلول الأيدي عن التملك والتصرف الحقيقي إلى هذا الحد، فمن زعم أن سائر الحيوانات والجمادات مالكة لنفسها أثبت أنه أضل الحيوانات، وأدنى وعيًا وشعورًا من الجمادات، وأكثر جمودًا منها.

فيا أوربا الثانية الفاسدة، ما ورّطكِ في هذا الخطأ إلّا دَهَاؤُكِ الأعور؛ أي ذكاءَك الخارق المنحوس، إذ نسيتِ به ربّك الذي هو خالق كل شيء، واستندتِ إلى الطبيعة الموهومة، وأسندت آثار خالقك إلى الأسباب، وقَسَّمتِ ملك الله على الطواغيت التي هي معبودات باطلة، فمن هذه الزاوية ومن وجهة نظر دهائك يجب على كل إنسان وكل ذي حياة أن يقاوم وحده ما لا يعد من الأعداء، ويسعى لتحصيل ما لا يُحدُّ من الحاجات، ويضطرُّ إلى أن يصمد أمام تلك الأعداء والحاجات غير المحدودة باقتدارٍ كَذَرَّةٍ، واختيار كشعرة رقيقة، وشعور كلمعة تزول، وحياة كشعلة تنطفئ، وعمر كدقيقة تنقضي؛ مع أن كل ما في يده من رأس مال لا يكفي لواحد من مطالبه، فإذا أصيب بمصيبة لا يستمد إلّا من أسباب صماء عمياء، ويكون مصداقًا لسرّ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ (الرعد:١٤).

166. صفحة

فقَلَب دهاؤك المظلم نهارَ البشر ليلاً، إلا أنك نوَّرتِ ذلك الليل الظالم المظلم الخانق بمصابيح مؤقتة كاذبة من أجل التدفئة، وهذه المصابيح لا تبتسم في وجه البشر ببشر أو سرور، بل تستهزئ بضحكاتهم التي يطلقونها ببلاهة على الرغم من أحوالهم المزرية الداعية للبكاء.

ثم إن كل ذي حياة في نظر تلاميذك كالمساكين الْمُبْتَلَيْنَ بهجوم الظَّلَمة، والدنيا مأتم عامّ، والأصوات فيها نعيات الموت ونياحات اليتامى.

ثم إن تلميذك الخاص المخلص الذي تلقى منك درسًا، يصبح فرعونًا، ولكنه فرعون ذليل يعبد أخس الأشياء، ويحسب كلَّ شيء ينتفع منه ربًّا له، وكذا هو تلميذ متمرد، ولكنه متمرد مسكين يقبل منتهى الذل من أجل لذة ومتعة واحدة، يُبْدِي دناءة وَخِسَّةً إلى حدٍّ يقبّل معه رِجلَ الشيطان من أجل منفعة حقيرة، وهو جبار أيضًا، لكنه جبار معجب بنفسه عاجزٌ في ذاته؛ لعدم وجود نقطة استناد في قلبه.

وإن غاية هِمَّةِ تلميذك، إشباعُ الرغبات النفسية، وهو شيطان دساس يبحث عن مصالحه تحت ستار الْحَمِيَّة والتضحية، ويسعى لتسكين حرصه وغروره، ولا يحب حبًّا خالصًا إلّا نفسه، ويبذل ويضحي من أجلها بكل شيء.

أما تلميذ القرآن الحقيقي الخالص فهو "عبد"، لكن يترفع عن عبودية أعظم المخلوقات، وهو عبد عزيز لا يتخذ حتى أعظم منفعة وأكبرها كالجنة غاية عبادته، وليّن هيّن، وحليم ولكنه ذو همة عالية لا يتذلّل لغير فاطره ذي الجلال إلّا بإذنه، وفقير، لكنه يستغني بما ادخر له مالكه الكريم في المستقبل من ثواب ومكافأة، وضعيف، لكنه ضعيف قوي يستند إلى قوة سيده الذي لا نهاية لقدرته، فالقرآن لم يجعل الجنة الأبدية مقصدًا وغايةً لتلميذه الحقيقي، فهل يجعل هذه الدنيا الفانية الزائلة مقصدًا وغايةً له؟! فافهم من هذا مدى تفاوت همة التلميذين.

يمكنك أن تقارن بين تلاميذ الفلسفة السقيمة وبين تلاميذ القرآن الحكيم في التضحية والحَمِيّة والهمة، وذلك بما يلي:

إن تلميذ الفلسفة يفر من أخيه من أجل نفسه، ويرفع دعوى ضده.

167. صفحة

أما تلميذ القرآن فهو يرى جميع العباد الصالحين في السماوات والأرض إخوانًا له، ويدعو لهم دعاء خالصًا من أعماق قلبه، ويسعد بسعادتهم، ويشعر في روحه محبة وعلاقة شديدة تجاههم، ويرى أعظم الأشياء كالعرش والشمس مخلوقًا عابدًا، ومأمورًا مسخّرًا مثله.

فقس كذلك سمو الروح وانبساطها عند التلميذين بما يلي:

القرآن يمنح لروح تلاميذه انبساطًا وانشراحًا وسموًّا، فيسلم لأيديهم بدلا من السبحة ذات التسع والتسعين حبة، كحبة تسبيح ذَرَّاتِ تسعةٍ وتسعينَ عالَمًا يُظهِر تجليات تسعة وتسعين اسمًا من الأسماء الحسنى الإلهية، ويقول لهم اقرءوا أورادكم بهذه.

فانظر إلى تلاميذ التنزيل من الأولياء أمثال الجيلاني([1])، والرفاعي([2])، والشاذلي([3])، واستمع إليهم عندما يقرءون أورادهم، وانظر في أيديهم سلسلة الذرات، وأعداد القطرات، وأعداد أنفاس المخلوقات، يقرءون بها أورادهم، ويذكرون الله بها ويسبحونه، وتأمل في تربية القرآن المعجز البيان كيف أن هذا الإنسان الصغير الذي يُفقِده صوابه ويدوخ رأسه أدنى كرب وغمّ، وتصرعه أصغر جرثومة، يسمو بتربية القرآن وتنبسط لطائفه، حتى استصغر موجودات العالم أن تكون تسبيحًا لوِرده، واستقلّ([4]) الجنة أن تكون غايةً لذكره، ومع ذلك لا يرى لنفسه فضلاً على أدنى شيء من خلقه سبحانه، ويجمع في نفسه منتهى

[1]  هو ابن أبي صالح أبو محمد الجيلاني، ولد سنة سبعين وأربعمائة، ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما، دخل بغداد فسمع الحديث، وتفقه على أبي سعيد المخرمي الحنبلي، وقد كان بنى مدرسة ففوضها إلى الشيخ عبد القادر، فكان يعظهم، وانتفع به الناس انتفاعا كثيرا، وقد صنف كتاب الغنية وفتوح الغيب، وكان من سادات المشايخ، توفي وله تسعون سنة، ودفن بالمدرسة التي كانت له.

 

[2]  هو أبو العباس أحمد بن أبى الحسن على الرفاعي، ينتهي نسبه إلى الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه، أصله من المغرب، عاش ما بين 500 - 578 للهجرة، وهو مؤسس الطريقة الرفاعية.

 

[3]  هو أبو الحسن الشاذلي نسبة إلى شاذلة قرية بأفريقيا، ولد عام 591 وتوفي عام 656 للهجرة، نزيل الإسكندرية، وشيخ الطائفة الشاذلية، وينتهي نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو مؤسس الطريقة الشاذلية.

 

[4]  أي رآها شيئًا قليلا.

 



168. صفحة

التواضع مع منتهى العزة، فيمكنك أن تقدر مدى خسة ودناءة تلاميذ الفلسفة قياسًا على هذا.

فالحقائق التي رآها الدهاء الأعور للفلسفة الأوروبية السقيمة غيرَ صحيحة يراها هدى القرآن الذي ينظر إلى سعادة الدارين بعينيه البراقتين المطلعتين على الغيب الناظرتين إلى العالمين صحيحة، ويشير بيديه كلتيهما إلى العالمين من أجل البشر، ويقول:

أيها الإنسان، إن ما تملكه من نفس ومال ليس ملكًا لك، وإنما أمانة عندك، وإن مالك الأمانة رحيم كريم قدير على كل شيء وعليم بكل شيء، ويريد أن يشتري منك ملكه الذي عندك، حتى يحفظه لك، لئلا يضيع من يدك، وسيعطيك ثمنًا عظيمًا في المستقبل.

فأنت جندي موظف مأمور، فاعمل باسمه ولحسابه، فمالكك يرسل إليك ما تحتاج إليه رزقًا لك، ويحفظك مما لا تقدر عليه، وإن غاية حياتك ونتيجتها هي أن تكون مظهرًا لأسماء ذلكم المالك وشئونه، وإذا أصابتك مصيبة فقل ﴿إِنَّا للهِ وَإِنّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة:156).

أي: يا أيتها المصيبة، أنا في خدمة مالكي، فإن جئت بإذنه ورضاه، فأهلا وسهلا ومرحبًا بك؛ لأننا حتمًا سنعود إليه يومًا، إنا إليه راجعون، وإلى رؤيته مشتاقون، وبما أنه سيعفينا يومًا -ولاشك- من تكاليف الحياة وسيعتقنا منها؛ فليكن هذا التسريح والإعتاق بيدك أيتها المصيبة، فأنا راض، فإن كان قد أمرك وأرادك أن تبتليني لحبي وإتقاني لوظيفتي في الحفاظ على الأمانة، ولم يرض ولم يأذن بتسليمها لك، فلن أسلم أمانة مالكي ما استطعت لأيد غير أمينة.

فانظر –كنموذج واحد من آلاف النماذج- إلى مدى تفاوت الدروس التي يلقنها دهاء الفلسفة وما يعلمه الهدى القرآني.

أجل؛ إن حقيقة حال الطرفين تسير كما بُيّن سابقًا، ولكن درجات الناس متفاوتة في الهداية والضلالة، ومراتب الغفلة مختلفة، فلا يشعر كل واحد بهذه 

169. صفحة

الحقيقة في كل مرتبة شعورًا تامًّا؛ لأن الغفلة تبطل الشعور والحسّ، فالغفلة قد أبطلت الشعور في هذا الزمان إبطالا لا يشعر معه أهل الحضارة بشدة هذا الألم الأليم، ولكن ستار الغفلة يتمزق بفضل تزايد اليقظة العلمية، وإنذارات الموت الذي يَعرض ثلاثين ألف جنازة كل يوم.

فويل ثم ويل لمن يسلك الضلال بطواغيت الأجانب وعلومهم الطبيعية، ولمن يتبعونهم ويقلدونهم تقليدًا أعمى!

فيا شبان هذا الوطن، لا تحاولوا تقليد الإفرنج، بأي عقل تتبعونهم في سفاهتهم وأفكارهم الباطلة بعد كل ما رأيتم من ظلم أروبا وعداوتها لكم؟!

وكيف تثقون بهم وتطمئنون إليهم؟! كلا؛ إن الذين يقلدونهم منكم بسفاهة لا يتبعونهم، وإنما يلتحقون بصفوفهم من غير وعي وشعور، وإنكم تقتلون أنفسكم بأنفسكم وتقتلون إخوانكم.

استيقظوا وانتبهوا، إنكم تكذبون في دعوى الحمية ما دمتم تتبعونهم بغير أخلاق؛ إذ هذا الاتباع استخفاف بدينكم واستهزاء بقومكم "هَدَانَا اللهُ وإِيّاكُمْ إِلَى الصّرَاطِ المُسْتَقِيم".

 

المذكرة السادسة

أيها الإنسان المسكين، يا من تقلق من كثرة عدد الكفار، وتتزلزل باتفاقهم على إنكار بعض حقائق الإيمان،

اعلم أن القيمة والأهمية ليست في الكمية وكثرة العدد؛ إذ الإنسان إن لم يكن إنسانًا انقلب حيوانًا شيطانًا، فكلما توغل في النوازع الحيوانية ازداد حيوانيةً مثل بعض الأجانب ومن يسلكون مسلكهم وينهجون منهجهم.

فأنت ترى أن الإنسان قد أصبح خليفة في الأرض وصار سلطانًا على جميع الحيوانات وحاكمًا عليها على الرغم من قلة عدد البشر مقارنة بعدد الحيوانات التي لا حدَّ لها كمًّا وعددًا.

170. صفحة

فالكفار المضرون ومن ينهجون نهجهم من السفهاء نوعٌ خبيث من حيوانات الله، خَلَقهم الفاطر الحكيم لعمارة الدنيا، وجعلهم واحدًا قياسيًا ليُشعِر عباده المؤمنين بدرجات نِعَمه التي أسبغها عليهم، وسيسلمهم في النهاية لجهنم التي يستحقونها، فلا قوة للكفار وأهل الضلالة في إنكار ونفي حقيقة واحدة من الحقائق الإيمانية؛ لأن اتفاقهم ضعيف بسر النفي؛ إذ ألف من النافين كنَافٍ واحد، فمثلا: إذا نفى جميع سكان إستانبول رؤية الهلال لعدم رؤيتهم إياه في أول رمضان فإن نفي هذا الجمع الغفير واتفاقهم عليه يَسْقُطُ بإثبات شاهدَيْن.

وبما أن ماهية الكفر والضلالة نفي وإنكار وجهل وعدم، فلا وزن لاتفاق الكفار الكثيرين، ويترجح حكم اثنين من المؤمنين الذين يستندون إلى الشهود في المسائل الإيمانية الحقة الثابتة المثبتة؛ على اتفاق أهل الضلال الذين لا حد لهم، ويتغلب عليهم.

وسر هذه الحقيقة هو:

إن دعوى النافين متعددة مع أنها تبدو واحدة في الظاهر، ولا يتحد بعضها مع بعض حتى تتقوى، أما دعوى المثبتين فتتحد ويستمد بعضها القوةَ من بعض؛ لأن الذي لا يرى هلال رمضان الذي في السماء يقول: إن الهلال غير موجود في رأيي، وعندي أنه لا يُرى، ويقول الآخر أيضًا إنه غير موجود في رأيي، ويقول آخر مثله، وكل واحد يقول: غير موجود في رأيي، فتكون دعواهم مختلفة؛ لأن أنظارهم مختلفة، والأسباب التي تحجب الرؤية هي الأخرى مختلفة، فلا يقوي بعضها بعضًا، بينما المثبتون لا يقولون: إن الهلال موجود في نظري ورأيي، بل يقولون: إن الهلال موجود حقًّا في وجه السماء، فالذين رأوه يقولون: إنه موجود في الحقيقة وفي نفس الأمر.

إذن إن جميع دعاوى المثبتين واحدة موحدة متفقة، وحيث إن أنظار النافين مختلفة؛ تكون دعاواهم أيضًا مختلفة، ولا يستطيعون الجزم في نفس الأمر؛ لأن النفي لا يمكن إثباته في نفس الأمر؛ إذ لابد من الإحاطة، ومن قواعد الأصول: "العدم المطلق لا يُثبَت إلا بمشكلات عظيمة".

171. صفحة

أجل؛ إنْ قلتَ إن شيئًا ما موجود في العالم، فإنه يكفي لإثباته إراءتُك إياه فحسب، ولكن إن نفيتَ وجوده فلابد عندئذ من غربلة جميع العالم وتمشيطه ثم إراءته حتى يُثبَتَ ذلك النفي.

وبناء على هذا السرّ؛ فإن نفي أهل الكفر لحقيقة من الحقائق هو مثل حل عويصة، أو المرور من ثقب ضيق، أو القفز من فوق الخندق، حيث يتساوى الألف مع الواحد، لأنه لا يساند بعضهم بعضًا، ولكن دعاوى المثبتين تتحد؛ لأنهم إنما ينظرون إلى حقيقة الحال كما هو عليه في نفس الأمر، ويقوي بعضهم بعضًا، وذلك يشبه رفعَ صخرة عظيمة، فكلما امتدت إليها الأيدي سهُل رفعها أكثر، ويستمد بعضها القوة من بعضها الآخر.

 

المذكرة السابعة

يا من يدعي أنه يحمل هموم الوطن والأمة، يا من يشوّق المسلمين إلى الدنيا بشدة وبحماسة ويسوقهم إلى فنون الأجانب وتقدمهم ويضربهم بعصا التشويق، انتبه واحذر أيها الشقي من انقطاع الروابط الدينية التي يعتصم بها بعض الأمة؛ إذ لو انقطعت روابط بعضهم مع الدين تحت ضربات مطارقك التي تنزل على رءوسهم بحمق وعمى فعندئذ سيضر الملحدون بالحياة الاجتماعية كالسمّ القاتل؛ لأن ضمير المرتدّ يفسد، ووجدانه يتفسخ كليًّا، لذا فإنه يكون سمًّا للحياة الاجتماعية، لذا "لا حق للمرتد في الحياة" حسب علم الأصول، أما الكافر وإن كان ذميًّا أو معاهدًا فله حق الحياة، وهذا من دساتير أصول الشريعة.

ثم إن شهادة الكافر من أهل الذمة تُقبَل كما في المذهب الحنفي، ولكن الفاسق مردود الشهادة، لأن الفاسق خائن.

فيا أيها الفاسق الشقي، لا تغتر بكثرة الفسّاق، ولا تقل إن أفكار الأغلبية معي تساندني؛ لأن الفاسق لا يطلب الفسق بالذات، ولا يرتكبه برغبة منه فيه، بل وقع فيه ولا يستطيع الخروج منه، وما من فاسق إلا وتمنى أن يكون صالحًا، ويريد أن

172. صفحة

يرى سيده ورئيسه دَيِّنًا، إلا من ارتدّ والعياذ بالله، وتفسخ وجدانه وفسد ضميره، فهو يلتذّ بتسميم الآخرين كالحية.

فيا أيها الرأس الأحمق المجنون والقلب الفاسد، أتظن أن المسلمين لا يحبون الدنيا، أو لعدم تفكيرهم في الدنيا وقعوا في الفقر، ويحتاجون إلى الإيقاظ والتنبيه حتى لا ينسوا نصيبهم من الدنيا؟! كلا! إن ظنك مخطئ، وتخمينك وتقديرك خطأ، بل اشتد الحرص، فوقعوا في حالة فقر؛ لأن الحرص عند المؤمن سبب الخيبة والخسارة والبؤس، ومن هنا قد أصبح "الحريص خائب خاسر" من ضروب الأمثال.

أجل؛ إن الأسباب التي تدعو الإنسان إلى الدنيا وتسوقه إليها كثيرة، وعلى رأسها نفسه، وهواه، وحاجته، وحواسه، ومشاعره، وشيطانه، وحلاوة الدنيا العاجلة الصورية، ورفقاء السوء مثلك، وغيرها كثير، بينما الداعون إلى الآخرة الباقية الخالدة والحياة الأبدية الطويلة قليلون، فإن كان لك مقدار ذرة من الحمية تجاه هذه الأمة المسكينة، وإن كان حديثك عن علو الهمة ودعواك عنها صادقة ليست بكذب؛ فلابد إذن من مساندة القلة الداعية إلى الحياة الباقية الأبدية، وإلا فإذا أسكتَّ هؤلاء الداعين القليلين، وأعنت الكثرة؛ صرت صديقًا للشيطان.

فهل تظنّ أن حالة فقر هذه الأمة تنشأ عن زهد نابع من الدين، وتكاسل ناجم عن ترك الدنيا؟! كلا؛ إنك مخطئ في ظنك هذا! أفلا ترى أن المجوس والبراهمة في الصين والهند، والزنوج في أفريقيا وأمثالهم من الأمم والشعوب التي خضعت لسلطان أوربا هم أفقر منّا؟! أم أنت أعمى لا ترى أنه لا يُترَك ما يزيد عن القوت الضروري في يد المسلمين، فإما أن يختلسه كفار أوربا الظالمون أو منافقو آسيا بدسائسهم وحيلهم، أو يغصبونه؟!

وإن كان مقصدكم من سوق أهل الإيمان جبرًا إلى المدنية الحاضرة التي هي بلا ميم([1]) هو تحقيق الأمن والسلام وسهولة الإدارة في البلاد؛ فاعلموا يقينًا أنكم مخطئون، وأنكم تسوقون أهل الإيمان إلى طريق خطأ؛ لأن إدارة مائة من الفاسقين

[1]  أي الدَّنِيَّةِ.

 



173. صفحة

الذين تزعزعت عقيدتهم وفسدت أخلاقهم، وتحقيق الأمن بينهم أصعب من إدارة آلاف من الصالحين.

وبناء على هذه الأسس فإن المسلمين ليسوا بحاجة إلى السَّوْقِ إلى الدنيا وإلى الحرص عليها والحث على التعلق بها، ولا يتحقق التقدم والتطور والأمن بهذه الطريقة، بل يحتاجون إلى تنظيم مساعيهم، وبناءِ ثقة وأمن وتسهيل دستور التعاون بينهم، فهذا الاحتياج لا يمكن قضاؤه إلا بأوامر الدين المقدسة، والتقوى والصلابة في الدين.

 

المذكرة الثامنة

أيها الإنسان الكسول الذي لا يعلم مدى اللذة والسعادة في السعي والعمل، اعلم أن الحق سبحانه بكمال كرمه أدمج قسمًا من مكافأة الخدمة في الخدمة نفسها، وأدرج أجرة العمل في العمل نفسه، وبناء على هذا السرّ فإن الموجودات حتى الجمادات -من وجهة نظر معينة- تمتثل للأوامر الربانية بكمال الشوق، وبنوع من التلذذ في أداء وظائفها الخاصة بها التي تسمى بالأوامر التكوينية، فكل شيء بدءًا من النحلة والذباب والدجاج حتى الشمس والقمر يسعى لأداء وظيفته بكمال المتعة واللذة، أي إن في خدمات تلك الموجودات لذة، حيث تؤدي وظائفها بإتقان، وبأفضل وجه، من غير أن تفكر في النتائج والعواقب لعدم وجود عقول لها.

فإن قلت: يمكن وجود لذة ومتعة للأحياء، ولكن كيف يمكن وجود شوق ولذة للجمادات؟

الجواب: إن الجمادات تسأل شرفًا ومقامًا وكمالا وجمالا وانتظامًا، وتبحث عنه لحساب ما يتجلى عليها من الأسماء الإلهية الحسنى، وليس لحساب نفسها، فتكون كاَلمعاكس والمرايا لأسماء نور الأنوار في أداء وظائفها الفطرية الْجِبِلِّيَّةِ، وتتنور وتترقى وتسمو.

174. صفحة

فمثلا: لو وجَّهَتْ قطرةُ ماءٍ وقطعةُ زجاجٍ صغيرةٌ كالذرة وجهيهما إلى الشمس بقلبيهما الصافيين مع أنهما تافهتان ومظلمتان في ذاتيهما؛ فعندئذ تكون تلك القطرة والقطعة الزجاجية التافهة المظلمة عرشًا للشمس نوعًا ما، وتتبسم في وجهك.

وكما في هذا المثال فإن الموجودات والذرات تسمو وترتفع من أدنى درجة إلى درجة ظهور وتنور عالية سامية جدًّا؛ كتلك القطرة والقطعة الزجاجية؛ لكونها مرايا لأسماء الحق ذي الجلال الذي هو صاحب جمال مطلق، وكمال مطلق، لأدائها وظائفها.

وبما أن الجمادات تكسب مقامًا نورانيًّا عاليًا ساميًا جدًّا من حيث الوظيفة؛ فإن كانت اللذة ممكنة، أي إنْ كان لها حظّ من الحياة العامة الشاملة؛ يمكن القول بأنها تؤدي تلك الوظائف بمنتهى اللذة والمتعة.

إن أظهر دليل على وجود لذة ومتعة في الوظيفة هو ما يلي:

انظر إلى خدمات أعضائك وحواسك؛ تجدْ أن لها متعا ولذائذ خاصة في كل ما تقوم به من خدمة ووظيفة من أجل بقاء ذاته ونوعه، وتصبح الخدمة والوظيفة نفسها متعة ولذة لها، حتى إن ترك الخدمة والوظيفة نوع من العذاب لذلك العضو.

ومن أظهر الدلائل أيضًا على وجود لذة ومتعة في الوظيفة، هو ما تظهره الحيوانات كالديك والدجاجة التي لها أفراخ من تضحية وشهامة في وظائفها، فالديك يُؤْثِرُ الدجاجاتِ عل نفسه مع أنه جائع، فيدعوها إلى الرزق الذي وجده، ولا يأكل هو بل يطعمها، ويُشاهَد أنه يؤدي هذه الوظيفة بشوق وافتخار ولذة ومتعة، إذن إنه يستمتع بتلك الخدمة والوظيفة أكثر من لذة الأكل، وكذا الدجاجات التي ترعى أفراخها الصغيرة تضحي بروحها من أجل حياة أفراخها، فتهاجم الكلب، وتبقى جائعة في سبيل إطعام صغارها؛ إذن إنها تستمتع في هذه الخدمة بلذة ومتعة تفوق مرارة الجوع وألم الموت.

والوالدات من الحيوانات تسعى لحماية صغارها بلذة ومتعة، فعندما تكبر الصغار ترتفع تلك الوظيفة عنها وتزول اللذة، بل حتى إن والدتها تضربها أحيانًا 

175. صفحة

وتأخذ حبوب الطعام منها وتأكله، ولكن وظائف الأمهات في نوع الإنسان تستمر إلى حدٍّ ما؛ لأن الإنسان ضعيف وعاجز، ومن ثَمَّ يبقى لديه نوع من الطفولة، فيحتاج إلى الشفقة في كل وقت.

فانظر إلى ذكور الحيوانات الراعية الحارسة كالديك وإلى الوالدات منها كالدجاج، وافهم أنها لا تؤدي تلك الوظائف من أجلها وباسمها ولكمالها؛ إذ تضحي بحياتها في وظيفتها إذا اقتضى الأمر، بل تقوم بتلك الوظائف والمهام في سبيل المنعم الكريم والفاطر ذي الجلال الذي وظَّفها بتلك الوظائف وأدرج فيها لذة ومتعة برحمته.

والدليل على وجود أجرة في الخدمة نفسها هو: أن النباتات والأشجار تمتثل لأوامر الفاطر ذي الجلال بحالة تُشعِر نوعًا من الشوق واللذة؛ لأن الروائح الطيبة الزكية التي تنشرها، وتسنبلها وتزينها بأنواع الزينة التي تجذب أنظار المشترين والزبائن، وتضحيتها بنفسها إلى أن تتفسخ من أجل ثمارها؛ كل ذلك يظهر لأهل التأمل والتفكر أن لها متعًا ولذات في امتثال الأمر الإلهي، حيث تهلك نفسها وتُفنِيها، فانظر إلى جوز الهند التي تحمل كثيرًا من معلبات اللبن على رأسها، وإلى شجرة التين وغيرها من الأشجار المثمرة؛ كيف تطلب من خزانة الرحمة غذاء كاللبن بلسان حالها، وتتسلم منها وتطعم ثمارها، وتتغذى هي على الطين، وشجرة الرمّان تتلقى شرابًا صافيًا خالصًا من خزانة الرحمة، وتطعم ثمارها منه، وتقنع هي بماء عكر مشبَع بالطين، حتى الحبوب يظهر فيها أيضًا اشتياق ظاهر في وظيفة التسنبل، فكما أن المحبوس في مكان ضيق يشتاق للخروج إلى بستان وإلى مكان فسيح واسع؛ كذلك يشاهَد على الحبوب سرور واشتياق في وظيفة التسنبل.

وبناء على هذا الدستور العام ذي الأسرار الجاري في الكون الذي يسمى بسُنَّةِ الله؛ فإن العاطلين عن العمل والكسالى، ومن يعيشون في حالة استراحة ويرقدون في فراش الراحة، هم في الغالب يعانون المشقة والضيق أكثر من الذين يسعون ويعملون؛ لأن العاطلينَ عن العملِ يشكون دومًا من عمرهم، ويريدون أن

176. صفحة

يمضي عمرهم سريعًا بالملهيات والمتع، أما الذين يعملون ويسعون ويجتهدون فهم شاكرون لله وحامدون له، ولا يريدون أن تمضي حياتهم سريعًا، فالقاعدة "المستريح العاطل شاكٍ من عمره، والساعي العامل شاكر" دستور كلّي، وبهذا السر قد أصبح "الراحة في المشقة، والمشقة في الراحة" من ضروب الأمثال.

أجل؛ لو أُمعن النظر في الجامدات لشوهد أن الجامدات التي لم تنكشف ولم تنبسط قدراتها، وظلت في طور "القوة" فحسب، وباتت ناقصةً من حيثُ الاستعدادُ والقابليةُ؛ تسعى بجهد جهيد للانتقال من طور "القوة" إلى طور "الفعل" مما يرمز إلى أن دستور السُّنَّة الإلهية المذكور جار في هذه المسألة، وهذه الحالة تشير إلى أن في تلك الوظيفة الفطرية شوقًا، وفي تلك المسألة لذة ومتعة، وإن كان لجامد نصيب من الحياة العامة الشاملة فالشوق يعود إليه، وإلا فهو عائد إلى من يمثله ويشرف عليه.

يمكن القول بناء على هذا السرّ:

إن الماء اللطيف الرقيق حالما يتسلم أمرًا بالتجمد يمتثل للأمر بشوق شديد حتى يشق الحديد ويحطمه، أي إنه حينما يُبَلَّغُ الماء في آنية من حديد مقفلة بالأمر الرباني بالتوسع بواسطة لسان البرودة التي بلغت تحت الصفر؛ فإنه يحطم آنيته بشوق، ويكسر الحديد ويُجَمِّدُ نفسَه.

وهكذا فقس كل شيء على هذا؛ حيث إن كل حركة وسعي في الكون بدءًا من دوران الشموس وسيرها وسياحتها في الفضاء وانتهاء إلى دوران الذرات كالمولوي واهتزازاتها، تجري حسب قانون القدر الإلهي، وتصدر بالأمر التكويني الذي يصدر عن يد القدرة الإلهية ويتضمن الإرادة والأمر والعلم، حتى إن كل ذرة وكل موجود وكل ذي حياة يشبه الجندي الذي له علاقات ونِسَبٌ ووظائف مختلفة في دوائر مختلفة في الجيش، وكذلك الأمر بالنسبة لكل ذرة وكل ذي حياة.

فمثلا: إن الذرة الواحدة في عينك لها علاقات ونِسَبٌ في خلية عينك، وفي أعصاب وجهك، وفي شرايين بدنك، ولها وظائف حسب تلك العلاقات والنسب، ولها فوائد حسب تلك الوظائف، وهكذا فقس كل شيء على هذا.

177. صفحة

وهكذا وبناء على هذا فكل شيء يشهد على وجوب وجود القدير الأزلي من جهتين:

الأولى: يشهد على وجود القدير الأزلي بلسان العجز المطلق في أداء وظائفه التي تفوق طاقته آلاف المرات.

الثانية: إن كل شيء يشهد على وجود العليم القدير بتحركه وفق الدساتير التي تنظم نظام العالم، والقوانين التي تديم توازن الموجودات.

ذلك لأن جامدًا كالذرة، وحيوانًا صغيرًا كالنحلة لا يعرف النظام والميزان اللذين هما من المسائل المهمة الدقيقة للكتاب المبين، فأين جماد كالذرة وحيوان صغير كالنحلة من قراءة المسائل المهمة الدقيقة للكتاب المبين الذي بيد من يفتح ويغلق طبقات السماوات، ويطويها كصفحات دفتر؟! فإن توهمتَ بجنون أن في تلك الذرة قدرةً وعينا تقدر بواسطتها على قراءة الحروف الدقيقة للكتاب المبين؛ فعندئذ تستطيع ردَّ شهادة تلك الذرة ورفضها.

أجل؛ إن الفاطر الحكيم يُجْمل ويدرج بإتقان واختصار في كل شيء دساتير الكتاب المبين في لذة خاصة واحتياج خاص بذلك الشيء، فإذا عمل الشيء بلذة ومتعة خاصة واحتياج خاص؛ فإنه يمتثل لدساتير الكتاب المبين من حيث لا يشعر.

فمثلا: تنطلق البعوضة من بيتها في حين مولدها مباشرة، فتهجم على وجه الإنسان بلا توقف، وتضرب بعصاها الطويلة فتفجر ماء الحياة وتشربه، وتظهر مهارة فائقة في الكر والفر كقادة الحروب، فمن عَلَّمَ هذا المخلوق الصغير حديث المولد عديم الخبرة هذه المهارة، وهذه الفنون الحربية القتالية، وعلمه تفجير الماء؟! ومن أين تعلم كل هذا يا ترى؟! وأعترف أنا السعيد المسكين أني لو كنت مكان هذه البعوضة لما تعلمت هذه المهارة وهذه الفنون الحربية من كر وفرّ وفن استخراج الماء إلا بعد دروس طويلة، وتجارب كثيرة متعددة، فقس النحلة والعنكبوت الملهمين، والبلبل الذي ينسج عشه كالجورب وأشباهه من الحيوانات على هذه البعوضة، بل يمكنك أن تقيس النباتات على الحيوانات أيضًا.

178. صفحة

أجل؛ إن الجواد المطلق جل جلاله قد سلَّم ليد كل فرد من أفراد ذوي الحياة وثيقةً كتبت بمداد اللذة والمتعة وحبر الاحتياج، وأودع بها برنامج الأوامر التكوينية وفهرس أعمال وخدمات ذلك الفرد، فانظر كيف أن ذلكم الحكيم ذا الجلال سبحانه كتب ما يتعلق بوظيفة النحل من دساتير الكتاب المبين في وثيقة، وأدرجها في صنيدقة رأس النحلة، فجعل مفتاح هذا الصنيدقة لذة خاصة بالنحلة المتقِنة لوظيفتها، فهي تفتح الصنيدقة بهذا المفتاح، وتقرأ برنامجها، وتعي الأمر، وتتحرك وفقه، وتُظهِر سرّ الآية ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ (النحل:68).

فإن قرأت هذه المذكرة الثامنة قراءة تامة، ووعيتها كاملة؛ فإنك ستفهم بالحدس الإيماني سرًّا من أسرار الآية ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف:156)، وحقيقة من حقائق الآية ﴿وَإِنْ مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء:44)، ودستورًا من دساتير الآية ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:82)، ونكتة من نكات الآية ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس:83).


المذكرة التاسعة

أيها الإنسان، اعلم أن النبوة في البشر فذلكةٌ وأساس لما في الإنسان من خير وكمالات، وأن الدين الحق فهرس السعادة، والإيمان حسنٌ منزه مجرَّد، وبما أنه يرى في هذا العالم حسن برّاق وخير واسع عال وحق ظاهر بيِّن، وكمال فائق سام، فبالبداهة يكون الحق والحقيقة في النبوة، وبيد الأنبياء، والضلالةُ والشرّ والخسارة في خلاف ذلك، فانظر فقط إلى هذا النموذج من بين نماذج محاسن العبودية التي تبلغ الآلاف:

إن النبي -عليه الصلاة والسلام- يوحد قلوب الموحدين في صلوات العيد والجمعة والجماعة بالعبودية، ويجمع ألسنتهم على كلمة واحدة، بحيث يقابل الإنسان عظمة خطاب المعبود الأزلي بالأصوات والأدعية والأذكار الصادرة عما لا حد له من القلوب والألسنة، وتتساند هذه الأصوات والأذكار والأدعية،

179. صفحة

وتتعاون ويتفق بعضها مع بعضها الآخر، وتُظهر عبودية واسعة لألوهية المعبود الأزلي فكأن الكرة الأرضية هي التي تذكر وتدعو، وتصلي بأقطارها، وتمتثل بأطرافها لأمر ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ النازل بالعزّة والعظمة من فوق السماوات، فبسر هذا الاتحاد يكون هذا الإنسانُ المخلوقُ الصغيرُ الضعيفُ مثل الذرة في الكونِ بعظمةِ العبودية عبدًا محبوبًا لخالق الأرض والسماوات، وخليفةَ الأرض وسلطانَها، ورئيسَ الحيواناتِ، وغايةَ خِلقةِ الكائناتِ ونتيجتَها.

أجل؛ كما أنه لو اجتمعت في عالم الشهادة أيضًا -كما في عالم الغيب- أصوات المُكبّرين البالغين مئات الملايين بـ"الله أكبر" في آن واحد في أعقاب أكثر الصلوات، ولاسيما في صلوات العيد؛ لكانت متساوية مع تكبير الكرة الأرضية لو كبَّرت مثل الإنسان، ويكون نطق أولئك الموحدين بـ"الله أكبر" متحدين في آن واحد كنطق الكرة الأرضية بصوت عال بـ"الله أكبر"، فكأن الأرض تتزلزل بتزلزل العالم الإسلامي زلزالا كبيرا بذكره وتسبيحه في صلوات العيد، وتنطق بـ"الله أكبر" بأقطارها وأطرافها، وتتجه بقبلتها إلى صميم قلب مكة المكرمة، فتكبر بـ"الله أكبر" بفم مكة ولسان عرفة، وتتموج تلك الكلمة الواحدة في كهوف أفواه المؤمنين المنتشرين في أقطار الأرض، فكما أن رجع الصدى يحدث بكلمة "الله أكبر"؛ فإن ذلك التكبير والذكر المقبول يجلجل في السماوات ويتموج في عوالم البرزخ، ويُحدِث صدى فيها.

فنحمد الله تعالى ذا الجلال الذي جعل هذه الأرض عابدة ساجدة له، وصَيَّرَها مسجدًا لعباده، ومهدًا لمخلوقاته، وجعلها مُسَبِّحَةً وَمُكَبِّرَةً له، ونسبح له سبحانه وتعالى ونكبر بعدد ذرات الأرض، ونحمده بعدد الموجوداتِ أنْ جعلَنَا أمةً للرسولِ الأكرمِ -عليه الصلاة والسلام- الذي علمنا هذه العبودية بهذه الصورة.

 

المذكرة العاشرة

اعلم أيها السعيد الغافل المشوش، أن البلوغ إلى نور معرفة الحق سبحانه والنظر إليه، ومشاهدة تجلياته في مرايا الآيات والشواهد، ورؤيته من خلال 

180. صفحة

مسامات([1]) البراهين والأدلة، يقتضي ألا تَتحسّس بأصابع الانتقاد كل نور جرى عليك وورد إلى قلبك وظهر لعقلك، وألا تنتقده بيد التردد، وألا تَمدّ يدك لتقبض على نورٍ أضاء لك، بل عليك أن تتجرد من أسباب الغفلة، وتقف متوجها إليه، فإني قد شاهدت أن شواهد معرفة الله وبراهينها "ثلاثة أقسام":

قسم منها: كالماء، يُرى ويُحسّ، ولكن لا يُمسك بالأصابع، فينبغي عليك في هذا القسم التجرد عن الخيالات، والانغماس فيه بكليتك، ولا تَتحسّس بأصابع الانتقاد، فإن انتقدت سال وهرب؛ فإنّ ماء الحياة ذلك يسيل ولا يرضى بالأصبع محلا.

القسم الثاني: كالهواء، يُحسّ ولكن لا يُرى ولا يُمسك، فتوجه إذن بوجهك وفمك وروحك لنفحات رياح الرحمة تلك، ولا تمدَّنَّ يد الانتقاد إليه؛ فإنك لا تستطيع أن تمسكه، فتنفس بروحك، فإن نظرت إليه مترددًا ومددت إليه يد التنقيد انطلق وزال، ولا يتخذ يدك منزلا له، ولا يرضى بها.

القسم الثالث: كالنور، يُرى ولكن لا يُحس ولا يُمسك، فتوجّه إليه إذن ببصرِ قلبك ونظر روحك، ووجِّه عينَك إليه وانتظر، لعله يأتي من تلقاء نفسه؛ فإن النور لا يمسك باليد ولا يصطاد بالأصابع، بل يصطاد بنور البصيرة، وإن مددت إليه يدك المادية الحريصة، ووزنت بميزان مادي؛ اختفى، وإنْ لم ينطفئ؛ لأن مثل هذا النور لا يرضى بالمادي حبسًا وقيدًا، ولا يقبل بالكثيف مالكًا وسيدًا له.

 

المذكرة الحادية عشرة

إن في تعبيرات القرآن المعجز البيان شفقةً عظيمةً ورحمةً واسعةً؛ لأن مخاطبيه هم جمهور العوام في الغالب، وهؤلاء أذهانهم بسيطة، وأنظارهم لا ترى الأشياء الدقيقة، فالقرآن يكرر الآيات المكتوبة على وجوه السماوات والأرض؛ حتى يلاطف بساطة أفكارهم، ويُقرئهم الحروف الكبيرة بسهولة.


[1]  مسامات: منافذ وثقوب.

 



181. صفحة

فمثلا: يعلّم الآياتِ التي تُقرأ وتُشاهَد بالبداهة؛ كخلق السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض وأمثالها، ولا يوجّه الأنظار إلى الآيات الدقيقة المكتوبة بحروف صغيرة بين الحروف الكبيرة إلّا نادرًا، حتى لا يشق عليهم ذلك ولا يتعبوا.

ثم إن في أسلوب القرآن جزالةً وسلاسة وفطرية، حتى كأن القرآن حافظ قارئ يقرأ الآيات المكتوبة بقلم القدرة على صفحات الكون، وكأنه قراءة لكتاب الكون، وتلاوة لنظاماته، تتلو شئون النقَّاش الأزلي سبحانه، ويكتب أفعاله، فإنْ أردتَ أن ترى هذه الجزالة البيانية فاستمع بقلب شهيد مدقق لبيانات "سورة عم" وآية ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾.

 

المذكرة الثانية عشرة

يا أحبابي الذين يستمعون إلى هذه المذكرات، اعلموا أن الدافع -أحيانًا وخلافًا للعادة- إلى كتابتي تضرعَ قَلْبِي إلى ربي ومناجاتي له مع أنَّ من شأن ذلك أن يُستَرَ ولا يُسطر؛ هو الرجاء من رحمته تعالى أن يقبل نطق كتابي بدلا مني إذا أسكت الموت لساني.

نعم؛ إن توبة لساني وندامته لا تكفيان كفارة لذنوبي غير المحدودة في عمر قصير، فلسان كتابي الثابت والدائم -إلى حدٍّ ما- أنفع لهذا الأمر.

فحين انقلاب ضحكات سعيد القديم قبل عشر سنوات نتيجة عاصفة روحية متقلبة مضطربة إلى بكاء سعيد الجديد، وعندما أفقت من نوم غفلة الشباب على صباح الشيخوخة؛ كُتِبَتْ هذه "المناجاة العربية" كما يأتي:

ياربي الرحيم ويا إلهي الكريم،

قد ضاع بسوء اختياري عمري وشبابي، وما بقي من ثمراتهما في يدي إلّا آثام مؤلمة مذلة، وآلام مضرة مضلة، ووساوس مزعجة مُعَجِّزَة، وأنا بهذا الحمل الثقيل والقلب العليل والوجه الخجول متقرب بالمشاهدة بكمال السرعة، وبلا

182. صفحة

انحراف، وبلا اختيار؛ كآبائي وأحبابي وأقاربي وأقراني؛ إلى باب القبر، وهذا القبر هو المنزل والباب الأول الذي أُقيِمَ وفُتِح في طريق أبد الآباد بالفراق الأبدي عن هذه الدار الفانية، وإنني علمت يقينًا أن دار الدنيا هذه التي تعلقت وافتُتِنْتُ بها هالكة فانية، وأن الموجودات التي فيها يرحل كل منها بالمشاهدة قافلة إثر قافلة ويغيب، والدنيا غدارة مكارة ولاسيما بمن يحملون مثلي نفسًا أمارة، فإن متّعتك هذه الدنيا مرةً كلفتك وجرعتك ألف ألم، وإن أطعمتك عنبًا صفعتك ألف مرة.

فيا ربي الرحيم، ويا ربي الكريم،

أراني عن قريب -بسر "كل آتٍ قريب"- قد لبست كفني، وركبت تابوتي، وودعت أحبابي، وتوجهت إلى باب قبري، فأنادي في باب رحمتك بلسان الحال لجنازتي وبلسان المقال لروحي:

الأمان الأمان يا حنان يا منان، نجني من خجالة العصيان.

ها أنا ذا قد وصلت إلى قبري!

آه! كفني على عنقي، وأنا قائم عند رأس قبري، أرفع رأسي إلى باب رحمتك أنادي صارخا مولولا بكل قوتي:

الأمان الأمان يا رحمن يا حنان خلصني من ثقل حمل العصيان.

آه! أنا ملتف بكفني وساكن في قبري وتركني المشيِّعون، وأنا منتظر لعفوك ورحمتك، ومشاهد أنَّ لا ملجأ ولا منجى إلَّا إليك، وأنادي:

الأمان الأمان من ضيق المكان، ومن وحشة العصيان، ومن قبح وجه الآثام، يا رحمن يا حنان يا منان يا ديان، نجني من رفاقة الذنوب والعصيان، ووسِّع مكاني.

إلهي، رحمتك ملجئي وحبيبك المبعوث رحمة للعالمين وسيلتي لأبلغ رحمتك، ولا أشكو منك، بل أشكو إليك نفسي وحالي.

يا خالقي الكريم، ويا ربي الرحيم، ويا سيدي، ويا مولاي،

183. صفحة

مخلوقك ومصنوعك وعبدك العاصي العاجز الغافل الجاهل العليل الذليل المسيء المسنّ الشقي الآبق([1]) قد عاد بعد أربعين سنة إلى بابك ملتجئا إلى رحمتك، معترفًا بالذنوب والخطيئات، مبتلى بالأوهام والأسقام، متضرعًا إليك، فإنْ تقبل وتغفر وترحم فأنت لذاك أهل، وأنت أرحم الراحمين، وإلَّا فأي باب يُقصَد غير بابك، وأنت الرب المقصود والحق المعبود، ولا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك.

آخر الكلام في الدنيا وأول الكلام في الآخرة وفي القبر:

 

أشهد أن لا إله إلَّا الله وأشهد أن محمّدًا رسول الله.

صلى الله تعالى عليه وسلَّم

آمين..

 


[1]  الآبق: الخارج عن طوع سيده.

 



184. صفحة

المذكرة الثالثة عشرة

وهي عبارة عن "خمس مسائل" صارت مدارًا للالتباس.

المسألة الأولى: بينما كان على الذين يعملون في طريق الحق ويجاهدون فيه أن يركزوا ويفكروا في وظيفتهم وواجبهم؛ فإنهم يفكرون فيما يخص الله سبحانه من أمور وتدابير، ويبنون على ذلك حركاتهم وأعمالهم فيخطئون.

جاء في كتاب أدب الدنيا والدين: إنّ إبليس حين ظهر لعيسى ابن مريم u قال: ألستَ تقول إنّه لن يصيبك إلا ما كتبه اللهُ لك؟ قال: نعم، قال: فَارْمِ نفسَك من ذروة هذا الجبل، فإنّه إن يقَدّرْ لك السّلامة تَسْلَمْ، قال له: يا ملعون، إنّ لله أَن يختَبرَ عبادَه وليس للعبد أَن يختبر ربَّه([1]).

أي إن الله تعالى يختبر عبده، ويقول له: أي عبدي، إذا عملت كذا فسأعمل لك كذا، فهيا، أَتُرَاكَ تستطيع القيام به؟! ولكن العبد ليس من حقه ولا من حده أن يختبر الله تعالى ويقول له: يا ربي إذا عملتُ كذا فهل تعمل لي كذا؟ فهذا التصرف والأسلوب الذي يوحي باختبار ربوبية الله تعالى سوءُ أدب مع الله تعالى، وهو مناف للعبودية.

وبما أن الحقيقة هكذا، فعلى الإنسان أن يقوم بوظيفته، وألا يتدخل في شئون الله تعالى.

ومن المشهور أن جلال الدين خوارزم شاه وهو من أبطال الإسلام والذي انتصر على جيش جنكيزخان المغولي مرات عديدة، قال له وزراؤه وأتباعه ذات يوم حين خرج إلى الحرب: إنك ستنتصر، وسينصرك الله على عدوك، فقال لهم: "إنني مأمور بالجهاد بأمر الله تعالى، ولا أتدخل في شئون الله تعالى، فالنصر أو الهزيمة يخصه سبحانه"، فأدرك هذا البطل سر الاستسلام لأمر الله تعالى وتقديره وتدبيره؛ فانتصر مرات عديدة انتصارات لا مثيل لها.

أجل؛ على الإنسان ألا يفكر في النتائج التي تعود إلى الله تعالى بما يقوم به بالإرادة الجزئية التي يملكها.


[1]  أدب الدنيا والدين للماوردي، وقد ذكر القصة في باب فضل العقل وذم الهوى.

 



185. صفحة

فمثلا: يزيد التحاق الناس بـ"رسائل النور" حماسة بعض الإخوان وينشّطهم فيها، أما إذا لم يستمع الناس إليها تنكسر القوة المعنوية للضعفاء، وينطفئ شوقهم شيئًا ما، مع أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم -وهو الأستاذ المطلق والقدوة الكامل والمرشد الأكمل- اتخذ الفرمان الإلهي ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ (العنكبوت:18) مرشدًا ودليلا له، فكلما ابتعد الناس عنه ولم يستمعوا إليه قام بالتبليغ بجد وسعي وعزم أكثر؛ لأنه قد علم يقينًا بسرّ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلٰكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القصص:56)، أنَّ جعْل الناس يستمعون ويهتدون هو أمر يخص الله سبحانه وتعالى، وما كان صلى الله عليه وسلم يتدخل في تدبير الله تعالى وشئونه قطُّ.

إذن؛ فيا إخوتي، لا تتدخلوا في وظيفة لا تخصكم، ولا تبنوا عليها أعمالكم وتصرفاتكم، ولا تتخذوا وضع المختبِر تجاه خالقكم سبحانه وتعالى.

المسألة الثانية: إن العبودية متوجهة إلى أمر الله ورضاه، والداعي إلى العبودية هو الأمر الإلهي، ونتيجتها هي الرضا الإلهي، وثمراتها وفوائدها أخروية، إلا أن الفوائد التي تعود إلى الدنيا والثمرات التي تترتب من تلقاء نفسها وتوهَب من دون طلب لا تنافي العبوديةَ على ألا تكون علتها الغائية وعلى ألا تُطلَب قصدًا، بل تصبح بمنزلة مشوِّق ومحفِّز للضعفاء؛ ولكن إذا ما أصبحت تلك الفوائد والمنافع الدنيوية علة، أو جزءًا من العلة لتلك العبودية، أو الورد، أو الذكر، فإن ذلك يبطل جزءًا من تلك العبودية، بل يجعل ذلك الورد ذا الخصائص عقيمًا بلا نتيجة.

فالذين لا يدركون هذا السرّ يقرءون -مثلا- الأوراد البهائية التي لها مائة من الخصائص والفوائد، أو الجوشن الكبير الذي له ألف خاصية؛ يقرءونه بنية الوصول إلى بعض من تلك الفوائد بالذات، إلا أنهم لا يجدون تلك الفوائد ولن يجدوا، ولا يحقّ لهم أن يجدوها؛ لأن تلك الفوائد لا يمكن أن تكون علة لقراءة تلك الأوراد، فلا تُطلَب منها هذه الفوائدُ قصدًا وبالذات؛ لأنها تترتب على تلك الأوراد الخالصة بفضل إلهي ومن دون طلب، فإن نوى أحدٌ تلك الفوائد فإنها تخل بالإخلاص شيئًا ما، بل ربما تخرجها من دائرة العبودية، وتسقط قيمتها.

186. صفحة

إلا أن هنالك أمرا آخر، وهو أن الضعفاء يحتاجون إلى مشوِّق ومحفِّز لقراءة مثل هذه الأوراد ذات الخصائص، فإذا قرأ تلك الأوراد خالصة للرضا الإلهي والآخرة، وفكَّر في تلك الفوائد وازداد شوقُه وحماسته؛ فلا يضرّه ذلك، بل هو مقبول.

ولعدم فهم هذه الحكمة لا يجد كثير من الناس تلك الفوائد المروية عن الأولياء الأقطاب والسلف الصالحين، فيقعون في الشبهة، بل ينكرونها.

المسألة الثالثة: "طوبى لمن عَرَفَ حَدَّه ولم يتجاوز طوره".

فكما أن للشمس تجليات على كل شيء بدءًا من ذرة زجاج ومن قطرة ماء ومن الحوض والبحر والقمر وانتهاء إلى الكواكب، فكل واحد منها يمسك انعكاس الشمس وصورتها حسب قابليته، ويعرف حدّه، فقطرة ماء -مثلا- تستطيع أن تقول حسب قابليتها: لديَّ انعكاس الشمس، ولكنها لا تستطيع أن تقول: أنا أيضًا مرآة كالبحر؛ فكذلك هناك مراتب في مقامات الأولياء حسب تنوع تجليات الأسماء الإلهية، فلكل اسم من الأسماء الإلهية تجليات كالشمس، بدءًا من القلب وانتهاء إلى العرش، والقلب أيضًا عرش، ولكنه لا يستطيع أن يقول أنا كذلك كالعرش الأعظم، فأساس العبودية هو أن يعرف المرء عجزه وفقره وقصوره ونقصه، والسجود أمام ديوان الألوهية بالتضرع، وإلا فالذي يسير في طريق العبودية بالدلال والافتخار يجعل قلبه الصغير كالذرة مساويًا للعرش، فيلتبس عليه مقامه الذي هو كالقطرة بمقامات الأولياء التي هي كالبحر، فيقع عبثًا في التصنع والتكلف والعجب ومشكلات كثيرة كي يجعل نفسه أهلا لتلك المقامات العظيمة ويحافظ على نفسه فيها.

الحاصل: ورد في الحديث الشريف "هلك الناس إلا العالمون، وهلك العالمون إلا العاملون، وهلك العاملون إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم([1])" أو كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، أي إن سبب النجاة إنما هو

[1]  ورد بلفظ: "الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم" انظر شعب الإيمان للبيهقي رقم 6868، وبعضهم يرويه هلكى في الكل وبعضهم يرويه موتى في الكل، يقول الإمام العجلوني في كشف الخفاء 2/415 قال الصغاني: وهذا حديث مفترى ملحون والصواب في الإعراب العالمين والعاملين والمخلصين انتهى، وأقول فيه إن السيوطي نقل في النكت عن أبي حيان أن الإبدال في الاستثناء الموجب لغة لبعض العرب وخرج عليها قوله تعالى" فشربوا منه إلا قليلا منهم"، فقد قرأ عبدالله ، وأُبَيّ والأعمش "إِلَّا قَليلٌ"، انتهى وعليه فالعالمون وما بعده بدل مما قبله، فمعنى "فَشَرِبُوا مِنْهُ" في معنى "فلم يُطِيعوه".

 



187. صفحة

الإخلاص، فالظفر بالإخلاص مهم جدًّا، فمقدار ذرة من العمل الخالص أفضل من آلاف الأرطال من العمل غير الخالص، فينبغي التفكير في أن السلوك الذي يُكسِب الإخلاص سببه الأمر الإلهي المحض، وأن نتيجته هي الرضا الإلهي، ويجب عدم التدخل فيما يخص الله تعالى من حكم.

ففي كل شي إخلاص، حتى إن ذرة من المحبة الخالصة تَفضُل الكثير من المحبة الجافة الباردة الرسمية التي تطلب المقابل والأجرة، فقد عبر أحد الشعراء عن ذلك بقوله:

وَما أَنا بِالباغي عَلى الحُبِّ رِشوَةً     ضَعيفٌ هَوىً يُبغى عَلَيهِ ثَوابُ ([1])

أي: لا أطلب على الحب أجرة ولا رشوة ولا مقابلة ولا مكافأة؛ لأن الحب الذي يُرجى من ورائه مكافأة وثواب حب ضعيف لا يدوم.

حتى إن المحبة الخالصة قد أدرجت في فطرة الإنسان ولاسيما جميع الوالدات، فشفقة الوالدات تظهر هذه المحبة الخالصة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، والدليل على عدم طلب الوالدات مكافأة أو رشوة على محبتهن لأولادهن بسر الشفقة هو تضحيتهن بأرواحهن بل سعادتهن الأخروية من أجلهم، فمثلا: إن الدجاجة تفقد رأسها من أجل إنقاذ فرخها من فم الكلب -كما شاهد ذلك خُسْرَوْ- مع أن رأس مال الدجاجة هو حياتها.

المسألة الرابعة: ينبغي ألا تُؤْخَذ النعم التي ترد بأيدي الأسباب الظاهرية لحساب تلك الأسباب، فإن كان ذلك السبب لا اختيار له كالحيوان والشجرة مثلا، فإنه إنما يعطي تلك النعمة لحساب الله تعالى مباشرة، وبما أنه يقول بلسان حاله "باسم الله" ويعطيك إياها، فقل أنت أيضًا "باسم الله" لحساب الله تعالى وخذها، فإن كان ذلك السبب صاحب اختيار وإرادة فسينبغي أن يقول هو "باسم الله

[1]  من شعر أبي الطيب المتنبي.

 



188. صفحة

ثم تأخذ منه أنت، وإلا فلا تأخذ منه؛ ذلك لأن المعنى الإشاري للآية ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ (الأنعام:121) غير معناها الصريح وهو:

لا تأكلوا من النعمة التي لا تذكِّر بالمنعم الحقيقي ولا تُعطَى باسمه، إذن يجب أن يقول المعطي باسم الله، وكذلك الآخذ يجب أن يقول باسم الله، وإذا كان المعطي لا يقول باسم الله، وأنت تحتاج إلى الأخذ، فقل أنت باسم الله، وشاهد يد الرحمة الإلهية من فوق رأس المعطي، فقبِّلها بالشكر وخذ منها؛ أي انظر إلى الإنعام من خلال النعمة، وفكر في المنعم الحقيقي من خلال الإنعام، فهذا التفكر شكر، ثم إذا أردت فادع لتلك الواسطة الظاهرية؛ لأن تلك النعمة أُرسِلَت إليك بيديها.

إن الذي يخدع عبدة الأسباب الظاهرية هو مجيء الشيئين معًا أو وجودهما معًا، ويطلَق على هذا "الاقتران"، أي ظنهم أحد الشيئين علة للآخر.

وحيث إن انعدام شيء من الأشياء يكون علة لانعدام نعمة ما، فهم من أجل هذا يتوهمون أن وجود ذلك الشيء علة لوجود تلك النعمة، ويقدمون شكرهم وامتنانهم لذلك الشيء، فيقعون في الخطأ؛ لأن وجود أية نعمة يترتب على جميع مقدمات تلك النعمة وشرائطها، بينما انعدام تلك النعمة يكون بانعدام شرط واحد فقط.

فمثلا: إن الرجل الذي لا يفتح منفذ الجدول الذي يسقي الحديقة يكون سببًا وعلة لجفاف تلك الحديقة وانعدام النعم التي فيها، ولكن وجود النعم في تلك الحديقة لا يحصل إلا بالقدرة الربانية وإرادتها التي هي العلة الحقيقية فضلا عن توقفها على وجود مئات من الشرائط غير خدمة ذلك الرجل، فافهم من هذا كم أن هذه المغلطة خطأ ظاهر، واعلم مدى ما يرتكبه عبدة الأسباب من خطأ.

أجل؛ إن الاقتران شيء والعلة شيء آخر، فإذا جاءتك نعمة وقد أصبحت نية أحد الناس في الإحسان إليك مقترنةً بها، ولم تكن علةً لها، فَعِلَّتُهَا الرحمة الإلهية.

نعم؛ لو لم يَنْوِ هذا الرجل الإحسانَ إليك وفعل المعروف لك، لَمَا جاءتك تلك النعمة، ولكان عدم نيّته علةً لانعدام تلك النعمة، ولكن ذلك الميل للإحسان لا يكون علة لوجود تلك النعمة بناء على القاعدة المذكورة، بل إنما يكون شرطًا واحدًا من بين مئات الشروط.

189. صفحة

ومثلا: لقد التبس الاقتران بالعلة على بعض من خصهم الله تعالى بالإنعام عليهم من بين تلاميذ رسائل النور كخُسْرَوْ ورأفت، فكانوا يفرطون في الاحترام والامتنان لأستاذهم، والحقيقة أن الله تعالى قد قرن ما يعطيهم في الدروس القرآنية من نعمة الاستفادة والانتفاع مع ما منّ به على أستاذهم من نعمة الإفادة والنفع، أي قد وضع بين الأمرين اقترانا، فهم يقولون لو لم يأت أستاذنا إلى هذه الديار لما تلقينا هذه الدروس، أي إن إفادته لنا علةٌ لاستفادتنا.

وأنا أقول: يا إخواني، إن النعمة التي أنعمها الله تعالى عليَّ والنعمة التي أنعمها عليكم قد جاءتا معًا مقترنتين، فعلّة كلتا النعمتين هي الرحمة الإلهية، فأنا كذلك قد التبس عليَّ مثلكم الاقتران بالعلة، وكنت أشعر بامتنان بالغ يومًا نحو مئات من تلاميذ رسائل النور ذوي الأقلام الألماسية من أمثالكم، وكنت أقول: لو لم يكن هؤلاء كيف كان سيقوم بالعمل الدعوي رجل مسكين ونصف أمي([1]) مثلي أنا؟ ثم أدركت أن الله تعالى قد منّ علي بالتوفيق في هذه الدعوة بعدما أنعم عليكم بالخدمة المقدسة بواسطة القلم، وقرن بين الأمرين، ولكن هذين الأمرين لا يمكن أن يكون أحدهما علة للآخر، ومن أجل ذلك فأنا لا أشكركم بل أهنئكم، وأنتم كذلك ادعوا لي وهنئوني بدلا من الامتنان لي.

في هذه المسألة الرابعة يتضح ويتبين مدى كثرة درجات الغفلة.

المسألة الخامسة: فكما أنه ظلم إذا ما أُعطِيَ مال الجماعة لرجل واحد، أو إذا استولى رجل واحد على أوقاف الجماعة؛ كذلك فإذا ما أُسند ما يحصل بسعي الجماعة من نتيجة، أو ما يُكسَب بحسنات الجماعة من شرف وفضيلة إلى رئيس تلك الجماعة أو شيخها فإنه يكون ظلمًا لتلك الجماعة ولذلك الرئيس أو الشيخ؛ لأن ذلك يلاطف ويدغدغ الأنانية، ويدفع المرء إلى الغرور، ويظن نفسه سلطانًا في حين أنه بواب، فضلا عن أنه يظلم نفسه، بل قد يؤدي ذلك إلى نوع من الشرك الخفي.

أجل؛ لا يحق لرائد كتيبة فَتَحَتْ حصنا أن يستأثر بما حصلت عليه تلك الكتيبة من غنائم، وما أحرزت من انتصار، ونالت من شرف.


[1]  يقصد أنه كان أمي الكتابة.

 



190. صفحة

أجل؛ يجب ألا يُعَدَّ الشيخ أو المرشد منبعًا ومصدرًا، بل يجب العلم بأنه مَعكسٌ ومَظهرٌ، فمثلا: الحرارة والضياء يصلان إليك بواسطة المرآة، فظنّك المرآة مصدرًا ونسيانك الشمس وامتنانك للمرآة وشكرك لها بدلا من امتنانك للشمس حمق وجنون.

نعم؛ ينبغي الحفاظ على المرآة، لأنها موضع التجلي والظهور، وهكذا فروح المرشد وقلبه مرآة تكون مَعكسًا لما يأتي من الحق تعالى من فيوضات، ويكون المرشد وسيلة لانعكاس هذا الآتي إلى مريديه؛ لذا يجب ألا يُمنح مقامًا أكثر من كونه وسيلة من حيث الفيوضات.

وقد يحدث أحيانًا أن الشيخ الذي يُعتقد أنه مصدر لا يكون مَظهرًا ولا مصدرًا، بل يرى المريد الفيوضات التي اكتسبها عن طريق آخر كأنها جاءت من مرآة روح شيخه لما له من إخلاص صاف نقي ولشدة تعلقه بشيخه وحصر نظره فيه، وذلك كمن يمعن النظر في مرآة بواسطة المغناطيس فتنفتح أمامه نافذة إلى عالم المثال في خياله، ويشاهد في تلك المرآة أشياء غريبة كثيرة، مع أنه لا يرى هذه الأشياء في المرآة ذاتها، وإنما يرى بواسطة إمعان النظر في المرآة والتحديق فيها نافذةً منفتحة إلى خياله خارج المرآة، من أجل ذلك فإن مريدًا مخلصًا لشيخ ناقص غير كامل قد يكون أكثر كمالا من شيخه، ويعود يرشد شيخه، ويكون شيخًا لشيخه.

 

المذكرة الرابعة عشرة

عبارة عن "أربعة رموز" صغيرة حول التوحيد.

الرمز الأول: اعلم يا من يستمدّ من الأسباب، أنك "تنفخ في غير ضرمٍ، وتستسمن ذا وَرَم"([1]).

إذا رأيت قصرًا عجيبًا يُبنى من جواهر غريبة، ولا يوجد وقت البناء بعضُ تلك الجواهر إلا في الصين، ولا يوجد بعضها إلا في الأندلس، وبعضها لا يوجد إلا في اليمن، وبعضها لا يوجد إلا في سيبريا، ورأيت أن تلك الأحجار الكريمة

[1]  الضرم: النار، والعبارة تعني أنه ينفخ فيما ليس بنار أصلا، ويظن الورم سمانة.

 



191. صفحة

تُجلَب بسهولة في نفس اليوم من الشرق والشمال والغرب والجنوب فيُبنَى ذلك القصر العجيب، فهل تبقى لديك شبهة في أن الباني الذي يبني القصر هو حاكم ذو معجزات يحكم الكرة الأرضية جميعها؟!

فهكذا كل حيوان قصر إلهي، ولاسيما الإنسان الذي هو أجمل تلك القصور وأعجبها، وبعض جواهر هذا القصر المسمى بالإنسان من عالم الأرواح، وبعضها من عالم المثال، وبعضها من اللوح المحفوظ، وبعضها من عالم الهواء، ومن عالم النور، ومن عالم العناصر، فامتدت حاجاته إلى الأبد، وقد انتشرت آماله إلى أقطار السماوات والأرض، فهو قصر عجيب غريب انتثرت روابطه وعلاقاته في أدوار الدنيا والآخرة.

فيا هذا الإنسان الذي يحسب نفسه إنسانًا، بما أن ماهيتك هي هذه، فلا يمكن أن يخلقك إلا من يتصرف في الدنيا والآخرة كمنزلين، وفي الأرض والسماء كصفحتين، وفي الأزل والأبد كاليوم والأمس، إذن فمعبود الإنسان وملجؤه ومنقذه ومخلصه ليس إلا من يحكم الأرض والسماء، ويملك أزمّة الدنيا والعقبى.

الرمز الثاني: هناك من البُلَهَاءِ من إذا رأى الشمس في مرآة يبدأ يحب المرآة لعدم معرفته بالشمس، ويحاول أن يحافظ على المرآة بحرص شديد حتى لا تغيب الشمس التي فيها، فإذا ما أدرك هذا الأبله أن الشمس لا تموت بموت المرآة، ولا تفنى بانكسار المرآة، يوجه عندئذ كل محبته إلى الشمس التي في السماء، ويفهم أن الشمس المشاهَدة في المرآة ليست تابعةً للمرآة، وأن بقاءها لا يتوقف على بقاء المرآة، بل الشمس هي التي تجعل المرآة كذلك، وتمدها تلألؤًا ونورًا، فبقاء الشمس ليس بها، بل بقاء حيوية المرآة وتلألؤها إنما هو ببقاء تجليات الشمس.

فيا أيها الإنسان، إن قلبك وهويتك وماهيتك مرآة، وما في فطرتك وقلبك من محبة شديدة للبقاء ليست من أجل تلك المرآة، ولا من أجل قلبك وماهيتك، بل هي محبة تجاه تجليات الباقي ذي الجلال الذي له تجليات حسب استعداد المرآة، إلا أن وجه هذه المحبة تحول إلى جهة أخرى بسبب البلاهة، وبما أن

192. صفحة

الأمر كذلك فقل: "يا باقي أنت الباقي"، فما دمت أنت باقيًا فليفعل الفناءُ بنا ما شاء، فلا نبالي بما نلاقي.

الرمز الثالث: اعلم يا أيها الإنسان، أن من غرائب ما أودع الفاطرُ الحكيم في ماهيتك أنه قد لا تَسعك الدنيا، فتقول "أف" كالمسجون المخنوق وتطلب مكانًا أوسع من الدنيا، مع أنه تَسعُك خردلةٌ وحجيرةٌ وخاطرةٌ ودقيقةٌ حتى تفنى فيها، وتسع قلبك وفكرك اللذين لا تسعهما الدنيا الضخمة، وتتجول أنت بأشدّ أحاسيسك في تلك الدقيقة وفي تلك الخاطرة، وقد أعطى ماهيتَك لطائف وجهازات معنوية بعضُها يبتلع الدنيا فلا يشبع، وبعضها يضيق عن ذرة ولا يتحمل شُعيرة رقيقة، فتلك اللطيفة لا تستطيع حمل بضع شعرات مثلما لا تتحمل العين شعرةً، في حين أن الرأس يمكنه أن يرفع حجرًا ثقيلا؛ أي لا تستطيع -تلك اللطيفة- أن تتحمل أدنى حالة ناشئة عن الغفلة والضلالة، بل قد تنطفئ وتموت.

وبما أن الأمر هكذا فاحذر إذن وخفّف الوطء، وخَف أن تغرق، ويغرق معك ألطف لطائفك التي تبتلع الدنيا في أكلةٍ، أو كلمةٍ، أو حبة، أو لمعةٍ، أو إشارة، أو بقلةٍ، أو قُبلةٍ، فلأن هنالك أشياء صغيرة جزئية تبتلع وتستوعب أشياء كبيرة جدًّا من بعض الوجوه، فانظر إلى مرآتك كيف تغرق فيها السماء بنجومها، وإلى خردلة حافظتك كيف كتب الحقُّ تعالى فيها أكثر ما في صحيفة أعمالك، وأغلب ما في صحائف أعمارك! فسبحانه مِن قادرٍ قيوم!

الرمز الرابع: اعلم أيها الإنسان العابد للدنيا أن دنياك التي تتصورها واسعة جدًّا هي ضيقة كالقبر، ولكن لأجل أن جدران منزلك الضيق كالقبر من زجاج فإنها تتعاكس، فيتوسع مقدار مد البصر، ويبدو واسعًا سعة مدينة، مع أنه ضيق كالقبر؛ لأن الزمن الماضي الذي هو الجدار الأيمن للدنيا، والمستقبل الذي هو الجدار الأيسر لها مع أنهما معدومان وغير موجودين فإنهما كالمرآتين المتقابلتين ينعكس أحدهما في الآخر، ويبسطان أجنحةَ الزمن الحاضر القصيرة الضيقة، فتختلط الحقيقة بالخيال، فتظن الدنيا المعدومة موجودةً، فكما أن خطًّا إذا ما حُرِّك بسرعة يبدو واسعًا كالسطح مع أن حقيقة وجوده خط دقيق؛ فكذلك دنياك، فهي 

193. صفحة

ضيقة في الحقيقة، ولكن اتسعت جدرانها كثيرًا بسب غفلتك ووهمك وخيالك، وإذا ما تحركتَ قليلا من جراء مصيبة أصابتك في هذه الدنيا الضيقة؛ فإن رأسك سيصطدم بالجدار الذي كنت تظنه بعيدًا جدًّا، فيُطيِّر خيال رأسك، ويطرد نومك، عندها ترى أن دنياك الواسعة أضيق من القبر، وأوهن من الجسر وأضيق، وينقضي ويمضي زمانك وعمرك أسرع من البرق، وحياتك أسرع من النهر.

وبما أن الحياة الدنيوية والجسمانية والحيوانية هكذا، فتجرد من الحيوانية، واترك الجسمانية، وادخل في درجة حياة القلب والروح، فستجد دائرة حياة وعالم نور أوسع من الدنيا التي تتوهم أنها واسعة، فمفتاح ذلك العالم هو إنطاق القلب وإعمال الروح بالكلمة المقدسة "لا إله إلا الله" التي تبين أسرار معرفة الله والوحدانية.


المذكرة الخامسة عشرة

وهي ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: وهي الآيتان ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ { وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة:7-8) اللتان تشيران إلى التجلي الأكمل الأتم لاسم "الحفيظ" من أسماء الله الحسنى.

إذا أردت دليلا على هذه الحقيقة للقرآن الحكيم، فانظر إلى صحائف كتاب الكون المكتوب على مسطر الكتاب المبين؛ ترَ التجليَ الأعظم لاسم "الحفيظ" ونظير الحقيقة الكبرى لهذه الآية الكريمة بوجوه كثيرة.

خذ -مثلا- حفنةً من أشتات بذور الأشجار والأزهار والأعشاب، وادفن تلك القبضة التي هي كالصنيدقات الصغيرة للأزهار والأشجار والأعشاب المختلفة المتخالفة أجناسُ بذورها والمختلفةِ أنواعُها في الظلام في ظلمات تراب بسيط جامد محدود، وانثرها على هذا التراب، ثم اسقها بالماء الذي لا ميزان له، ولا يفرّق بين الأشياء، فأينما توجهه يذهب، ثم انظر إليها في الربيع الذي هو ساحة الحشر السنوي، وتأمل عند نداء ملك الرعد الغيثَ في الربيع 

194. صفحة

كنفخ إسرافيل عليه السلام في الصُّور، وحين تبشيره النوى والبذور المدفونة تحت الأرض بنفخ الروح؛ ترَ كيف أن تلك البذيرات والنوى التي هي في منتهى الاختلاط والتشابه تمتثل بلا خطأ للأوامر التكوينية الصادرة عن فاطرها الحكيم امتثالا كاملا تحت تجلي اسم "الحفيظ"، وتتحرك بانسجام تام وفق تلك الأوامر، حيث يُرى من حركاتها تلمُّع كمال الحِكمة والعلم والإرادة والقصد والبصيرة والشعور، لأنك ترى أن تلك البذور المتشابهة المتماثلة يتمايز بعضها عن بعض، فها هي ذي تلك البذيرة -مثلا- قد صارت شجرة تين، وبدأت تنشر نعمَ الفاطرِ الرحيم فوق رءوسنا، وتمدها إلينا بأيدي أغصانها، وتنثرها علينا، أما هاتان البذيرتان اللتان تشبهان تلك البذيرة فأصبحتا الزهرة العاشقة للشمس وزهرة البنفسج، فتزيَّنتا من أجلنا، وتبتسمان في وجوهنا، وتتودّدان إلينا، وأثمرت بذيرات أخرى هنا هذه الفواكه الطيبة اللذيذة، وتسنبلت وصارت أشجارًا، تثير شهيتنا بطعومها الحلوة وروائحها الطيبة وأشكالها الجميلة، وتدعونا إلى أنفسها، وتضحي بأنفسها في سبيل زبائنها، حتى ترقى من المرتبة النباتية إلى المرتبة الحيوانية، فقس على هذا.

وقد انكشفت هذه البذيرات حتى صارت تلك الغَرفة بإذن خالقها جنةً مشحونة بالأزهار المتنوعة والأشجار المختلفة، ليس فيها أي غلط أو تقصير أو نقص، تُظهِر سرّ ﴿فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ (الملك:3).

كل بذرة تحفظ بلا نقصان وبلا التباس بتجلي اسم الحفيظ وإحسانه ما ورثته من مال أبيها وأصلها وتُظهِره، وهذا إشارة قاطعة إلى أن الحفيظ جل جلاله الذي يفعل هذا الحفظ البديع سيُظهِر التجلي الأكبر للحفيظية في القيامة والحشر.

نعم؛ إن إظهار كمال الحفظ هنا في هذه الأمور التافهة الزائلة بلا نقص ولا غلط إلى هذا الحد لهو حجة قاطعة على حفظ ما له أهمية عظيمة وتأثير أبدي كأفعال خلفاء الأرض وآثارهم، وأعمال حملة الأمانة الكبرى وأقوالهم، وحسنات عبدة الواحد الأحد وسيئاتهم.

195. صفحة

أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (القيامة:36) كلا إنه لمبعوث إلى الأبد، ومرشح للسعادة الأبدية والشقاء الأبدي، فيحاسب على السبَد واللبد([1])، فإما أنه سيكافأ، وإما أنه سيتلقى الصفعات.

وهكذا فهناك ما لا حد له من الشواهد على التجلي الأكبر للحفيظية وعلى حقيقة الآية المذكورة، فما بيناه من الشواهد هنا في هذه المسألة ما هو إلا قطرة من بحر، وذرة من تلال الفيفاء([2]) وحبة من رمال الدهناء([3]).

 

 

 

 

المذكرة السادسة عشرة

وهي رسالة الطبيعة التي هي "اللمعة الثالثة والعشرون".

 

 

 

المذكرة السابعة عشرة

قد صارت "المسائل الثلاث" لهذه المذكرة "اللمعة العشرين"، و"اللمعة الحادية والعشرين"، و"اللمعة الثانية والعشرين".

 

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

 


[1]  السبد: منابت الشعر والصوف والوبر، واللبد: الشعر الكثيف أو الصوف الكثيف، والمعنى هنا: ستحاسب على الصغير والكبير.

 

[2]  الفيفاء: الصحراء.

 

[3]  الدهناء: الفلاة.

 



196. صفحة

 

اللمعة الثامنة عشرة

أدرجت في كتاب "ختم التصديق الغيبي" الذي سينشر لاحقا.