اللمعة السابعة
التنقل
32. صفحة
اللمعة السابعة
حول سبعة أنواع من الإخبار الغيبي للآيات التي في آخر سورة الفتح.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ لَقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح:27-29).
لهذه الآيات الثلاث من سورة الفتح وجوهُ إعجاز كثيرةٌ، ويظهر في هذه الآيات الثلاث بسبعة أو ثمانية وجوهٍ وجهُ "الإخبار بالغيب" الذي هو أحد وجوه الإعجاز الكلية للقرآن المعجز البيان.
أولها: إن ﴿لَقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ إلخ، تخبر إخبارًا قاطعًا عن فتح مكة قبل وقوعه، وقد وقع بعد عامين كما أخبرت.
33. صفحة
ثانيها: تبين ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وتخبر أن صلح الحديبية وإن بدا أنه ليس في صالح الإسلام ظاهرًا، وبدا أن القرشيين هم المنتصرون فيه إلى حدٍّ ما؛ فإن صلح الحديبية سيكون بمنزلة فتح معنوي كبير وعظيم، وأنه سيكون مفتاحًا لفتوحات أخرى، والحق أن السيوف المادية وإن أغمدت مع صلح الحديبية مؤقتًا، فإنه قد سُلّ سيف القرآن الحكيم الألماسي البارق، وفتح القلوب والعقول، فاختلط وامتزج بعضها ببعض بواسطة الصلح، وأجرت المحاسن الإسلامية والأنوارُ القرآنية أحكامَها خارقةً حجب العناد وحواجز العصبية القوية.
فمثلا: إن عَبْقَرِيَّ الحرب خالد بن الوليد، وعبقري السياسة عمرو بن العاص وأمثالهما ممن كانوا لا يقبلون الهزيمة قد غلبهم السيف القرآني الذي أظهر تجلياته بصلح الحديبية، فقدِموا المدينة المنورة بكمال الانقياد، وسلّموا رقابهم للإسلام، فأصبح خالد بن الوليد بعد ذلك سيفًا من سيوف الله، وصار سيفًا للفتوحات الإسلامية.
سؤال مهم: ما حكمة انهزام صحابة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام الذي هو فخر العالمين وحبيب رب العالمين أمام المشركين في نهاية أحد وبداية حنين؟
الجواب: لقد كان بين المشركين آنذاك كثير من الأشخاص كخالد بن الوليد ممن سيكونون في المستقبل من أكابر الصحابة، فكافأتهم الحكمة الإلهية في الماضي مكافأة معجّلة لحسناتهم المستقبلية؛ حتى لا تَكسِر عزّتهم كليًّا؛ من أجل مستقبلهم المجيد المشرِّف، ولم تجرح شرفهم كليًّا، بمعنى أن صحابة الحاضر انهزموا أمام صحابة المستقبل، حتى يدخل صحابةُ المستقبل الإسلامَ شوقًا إلى بارقة الحقيقة وليس خوفًا من بريق السيوف، ولا تُذَلّ شهامتهم الفطرية كثيرًا.
ثالثها: تُخبِر الآية بقيد "لا تخافون" بأنكم ستطوفون بالكعبة في أمن كامل وأمان تام، مع أن أكثر قبائل الأعراب في الجزيرة العربية، ومن هم حول مكة ومعظم قريش أعداء لكم، ولكنكم ستطوفون بالكعبة قريبًا دون أي خوف، فتدل بهذا الخبر على أن الجزيرة العربية ستدين للمسلمين بالطاعة، وأن قريشًا ستدخل الإسلام كافَّةً، وسيسود الأمن التامّ، فوقع كما أخبرت.
34. صفحة
رابعها: إن ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ تخبر إخبارًا قاطعًا أن الدين الذي جاء به الرسول الأكرم -عليه الصلاة والسلام- سيعلو على جميع الأديان، وتخبر أن الدين الذي جاء به محمد العربي -عليه الصلاة والسلام- الذي لم يستطع أن يظهر كاملا على قبيلته الصغيرة سيظهر ويعلو على جميع الأديان، ويغلب على جميع الدول، مع أن النصرانية واليهودية والمجوسية التي كانت لها مائة مليون من الأتباع آنذاك؛ كانت ديانات رسمية لدول عظمى لكل واحدة منها مائة مليون من الأتباع كروما والصين وإيران، بل تخبر ذلك بكل وضوح وجزم، وقد صدّق المستقبل هذا الخبر الغيبي بامتداد سيف الإسلام من المحيط الهادئ شرقًا إلى البحر الأطلنطي غربًا
خامسها: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ إلخ..
هذه الآية تخبر في مستهلها عن سجايا الصحابة العالية ومزاياهم الغالية التي جعلتهم أفضل البشر بعد الأنبياء عليهم السلام، وتعبر بمعناها الصريح عما تتصف به طبقات الصحابة في المستقبل من صفات مختلفة خاصة عظيمة، كما تشير بمعناها الإشاري إلى الخلفاء الراشدين الذين سيخلفون مقام النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته حسب ترتيبهم في الخلافة كما هو ثابت عند أهل التحقيق، وتخبر عن أشهر صفة خاصة يمتاز بها كل واحد منهم.
وكما تشير بـ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ إلى سيدنا الصديق -رضي الله عنه- الذي اشتهر وامتاز بالمعية المخصوصة والصحبة الخاصة، وبدخوله في معيته بوفاته أولا؛ فكذلك تدل
بـ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ على سيدنا عمر -رضي الله عنه- الذي سيهز دول العالم بفتوحاته في المستقبل، وسيشُدّ على الظالمين بعدالته كالصاعقة.
وكما تخبر بـ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ عن سيدنا عثمان رضي الله عنه الذي ضحى بروحه وسلم نفسه -في المستقبل- من كمال رحمته وشفقته؛ حتى لا تراق دماء بين المسلمين عند غليان أعظم فتنة، وفضَّل أن يستشهد مظلومًا وهو يقرأ القرآن الكريم؛ فكذلك تخبر بـ ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا﴾ عن أحوال سيدنا علي رضي الله عنه في المستقبل، الذي اقتحم السلطنة والخلافة
35. صفحة
بكمال الأهلية والشجاعة، واختار كمال الزهد والعبادة والفقر والاقتصاد، وكان دائم الركوع وكثير السجود كما هو مصدق من قبل الجميع، وتخبر أيضًا عن أنه ليس مسئولا عن الحروب التي خاضها في خضم تلك الفتن، وأن نيته وغايته كانت الفضل الإلهي.
سادسها: إن فقرة ﴿ذٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ إخبار غيبي بوجهين:
الوجه الأول: تخبر عن صفات الصحابة الواردة في التوراة، وهي غيب بالنسبة لأمي مثل الرسول صلى الله عليه وسلم.
أجل؛ إن في التوراة هذه الفقرة عن صفات صحابة الرسول الذي سيأتي في آخر الزمان: "إن القدسيين يحملون أعلامهم معهم" كما بُيِّن في "المكتوب التاسع عشر"، أي إن أصحابه أهل طاعة وعبادة وصلاح ووَلاية، فعبر عن هذه الصفات بالقدسيين أي المقدَّسين، فمع أن التوراة حُرِّفَت كثيرًا بسبب ترجماتها إلى لغات كثيرة مختلفة جدًّا؛ فإنها تصدق بآياتها المتعددة حُكْمَ ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾.
الوجه الثاني من إخبار الغيب: وهو أن الآية تخبر بفقرة ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ أن الصحابة والتابعين سيبلغون في العبادة درجة بحيث سيتلألأ النور الذي في أرواحهم على وجوههم، وستظهر على جباههم علامات نورانية كخاتم ولاية حصلت من كثرة السجود، نعم؛ إن المستقبل أثبت ذلك إثباتًا ساطعًا وواضحًا قاطعًا.
أجل؛ لقد أظهر كثرة كاثرة من الرجال في خضم الفتن الكبيرة العجيبة والتقلبات السياسية الهائلة سر ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ مثل زين العابدين([1]) الذي كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وطاوس اليماني([2]) الذي صلى صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة.
[1] هو زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي القرشي أبو الحسن، رابع الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، وأحد من كان يضرب بهم المثل في الحلم والورع، مولده بالمدينة المنورة سنة 38 هـ ووفاته بها سنة 94هـ.
[2] هو طاوس بن كيسان الخولاني الهمداني، بالولاء، أبو عبد الرحمن: من أكابر التابعين تفقها في الدين ورواية للحديث، وتقشفا في العيش، وجرأة على وعظ الخلفاء والملوك، أصله من الفرس، ومولده في اليمن سنة 33هـ ومنشأه بها، وتوفي سنة 106هـ حاجا بالمزدلفة أو بمنى، وكان هشام بن عبد الملك حاجا تلك السنة، فصلى عليه.
36. صفحة
سابعها: إن فقرة ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ إخبار غيبي بوجهين:
الوجه الأول: إخبارٌ لإخبار الإنجيل عن الصحابة، وهو غيب بالنسبة للنبي الأمي عليه الصلاة والسلام.
أجل؛ إن في الإنجيل آيات في وصف النبي صلى الله عليه وسلم الذي سيأتي في آخر الزمان، من مثل: "معه قضيب من حديد وأمته كذلك"، أي سيأتي نبي صاحب سيف مأمور بالجهاد، وليس مثل عيسى عليه السلام الذي لم يكن صاحبَ سيف، وأن أصحابه كذلك سيكونون أصحاب سيوف مأمورين بالجهاد، وأن صاحب ذلك القضيب الحديدي سيكون سيدَ العالم؛ لأنه ورد في الإنجيل "إني راحل حتى يأتي سيد العالم".
إذن يُفهم من هاتين الفقرتين من الإنجيل أن الصحابة وإن بدوا في البداية قليلين وضعفاء؛ فإنهم كالنوى سينمون ويكثرون، وسيعلون ويغلظون ويقوون، وسيغتاظ منهم الكفار، بل إن أحوال الصحابة ستجعل الكفار يموتون بغيظهم، وسيسخّرون البشر لأنفسهم بسيوفهم، وسيثبتون أن الرسول الأعظم الذي هو سيدهم سيد للعالم، وكل هذا -الذي ورد في الإنجيل- يتوافق مع معنى هذه الآية من سورة الفتح تمامًا.
الوجه الثاني: هذه الفقرة -من الآية- تخبر أن الصحابة على الرغم من أنهم قبلوا صلح الحديبية لقلتهم وضعفهم؛ فإنهم سيزدادون في وقت قصير وبسرعة، وستكون لهم عظمة وهيبة وقوة، وسيكثرون ويقوون بصورة عالية وقوية ومثمرة ومباركة مقارنة بسنابل البشر، تلك السنابل القصيرة الضعيفة الناقصة بسبب غفلتهم في ذلك الزمان، التي أنبتتها يد القدرة في مزرعة سطح الأرض، وسيتركون الدولَ الكبرى في غيظ من حسدهم، نعم؛ إن المستقبل قد أظهر هذا الإخبار الغيبي إظهارًا ساطعًا.
37. صفحة
ففي هذا الإخبار إيماء خفي أيضًا وهو:
أن الآية تثني على الصحابة بصفات عظيمة مهمة، فكان المقام يقتضي وعدًا بأعظم مكافأة، ولكنها تشير بكلمة "مَغْفِرَةً" إلى أنه سوف تحدث تقصيرات من الصحابة بسبب الفتن في المستقبل؛ لأن المغفرة تدل على وقوع الأخطاء والتقصيرات، وعندها سيكون أعظم مطلوب في نظر الصحابة، وأعلى إحسان لهم هو المغفرة، أما المكافأة العظمى لهم فهي العفو وعدم المعاقبة.
وكما أن كلمة "مَغْفِرَةً" فيها إيماء لطيف؛ فإنها ذات علاقة وصلة كذلك بالجملة التي في مستهل السورة وهي ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (الفتح:2)، فالمغفرة في بداية السورة ليست مغفرة من الذنوب الحقيقية، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم له عصمة وليس له ذنوب، بل هي تعني مغفرة تليق وتناسب مقام النبوة، وبتبشير الصحابة بالمغفرة في آخر السورة يزيد ذلك الإيماء لطافة.
ولقد بحثنا في هذه الآيات الثلاث في آخر سورة الفتح عن "سبعة أوجه" فقط من بين عشرة وجوه للإخبار الغيبي من وجوه إعجاز القرآن الكريم.
وقد أشير إلى لمعة إعجاز مهمة في أوضاع حروف هذه الآية الأخيرة في آخر "الكلمة السادسة والعشرين" التي تخص الجزء الاختياري والقدر، فهذه الآية الأخيرة كما أنها متوجهة بجملها إلى الصحابة؛ فإنها تنظر بقيودها إلى أحوال الصحابة، وكما أنها تبين صفات الصحابة بألفاظها؛ فإنها تشير بحروفها وبتكرر عدد هذه الحروف إلى أفراد طبقات الصحابة المشهورة كأصحاب بدر وأُحُد وحُنَيْن والصُفَّة والرضوان، وتفيد أسرارًا كثيرة غير هذه بالحساب الأبجدي، وبالتوافق الذي هو نوع من علم الجفر ومفتاح له.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
38. صفحة
تتمة
إن الإخبار الغيبي الذي تفيده الآية الأخيرة من سورة الفتح بمعناها الإشاري، تفيده كذلك الآية الآتية بالمعنى الإشاري نفسه، ونحن سنبحث عن هذا بحثًا قصيرًا.
نشير إلى "نكتتين" من بين آلاف النكات لهذه الآية في أثناء بيانها: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا { وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء:68-69).
النكتة الأولى:
إن القرآن المعجز البيان كما أنه يبين الحقائق بمفاهيمه وبمعناه الصريح؛ يبين كذلك بأساليبه وهيئاته كثيرًا من المعاني الإشارية، فكل آية لها كثير من طبقات المعاني، وحيث إن القرآن جاء من العلم المحيط؛ فيمكن أن تكون جميع المعاني المستخرجة منه مقصودةً، ولا ينحصر في معنى أو معنيين ككلام البشر الذي يصدر بفكره الجزئي وإرادته الشخصية.
فبناء على هذا السرّ قد بُيِّنَتْ حقائقُ غيرُ محدودة للآيات القرآنية من قِبَلِ المفسرين، وثمة حقائق أخرى كثيرة لم يبينها المفسرون بعد، وخاصة في حروفه وإشاراته ففيها كثيرٌ من العلوم المهمة فضلا عما في معناه الصريح.
النكتة الثانية: إن هذه الآية الكريمة تبين بتعبير ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وجود ما في البشر من طائفة الأنبياء وقافلة الصديقين وجماعة الشهداء وأصناف الصالحين وأنواع التابعين الذين هم أهل الصراط المستقيم والذين نالوا النعم الإلهية الحقيقية، وتشير كذلك صراحة إلى أفضل وأكمل هذه الأقسام الخمسة في العالم الإسلامي، ثم تدل على أئمة هذه الأقسام وسادتها بذكر صفاتهم المشهورة وتبينها، وتحدد بلمعة إعجاز هو من نوع الإخبار الغيبي وجهًا خاصًّا من أحوال أئمة هذه الطوائف وسادتها الذين سيأتون في المستقبل.
أجل؛ كما أن "مِنَ النَّبِيِّينَ" تنظر صراحة إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم؛ فإن "وَالصِّدِّيقِينَ" تنظر إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وتشير إلى
39. صفحة
أنه الثاني بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه أول من سيخلفه، وأن اسم "الصديق" سيطلق عليه خاصة من قبل الأمة، وأنه سيظهر على رأس الصديقين، وتشير بكلمة "وَالشُّهَدَاءِ" إلى سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي رضوان الله عليهم أجمعين معًا، وتشير أيضًا إشارة غيبية إلى أن ثلاثتهم سينالون خلافة النبوة بعد الصديق رضي لله عنه، وأن ثلاثتهم سيستشهدون، وأن فضيلة شهادتهم ستضاف إلى سائر فضائلهم؛ وتشير بكلمة "وَالصَّالِحِينَ" إلى أشخاص ممتازين كأصحاب الصفة وبدر والرضوان.
وكما أن المعنى الصريح لجملة "وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا" يَحُثّ على اتّباعهم والاقتداء بهم، ويُشيد بحُسْن اتباع التابعين لهم؛ فإنها تشير بمعناها الإشاري إلى الحَسَن رضي الله عنه كخامس الخلفاء الراشدين حتى تظهرَ أهمية وعظمة خلافته مع أنها كانت قد استمرت لفترة قصيرة مصدِّقةً حكم الحديث الشريف: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة"([1]).
الحاصل: فكما أن آخر آية من سورة الفتح تنظر إلى الخلفاء الراشدين؛ فإن هذه الآية كذلك تنظر وتشير إلى بعض أحوالهم المستقبلية بنوع من الإخبار الغيبي تأييدًا لها.
إن اللمعة الإعجازية لنوع الإخبار الغيبي الذي هو من أنواع إعجاز القرآن كثيرة جدًّا في الآيات القرآنية وتأبى الحصرَ، فحصرها عند أهل الظاهر في أربعين أو خمسين آية هو بسبب النظر الظاهري، وهي في الحقيقة أكثر من الألف، فأحيانًا يكون في آية واحدة إخبار غيبي بخمسة أوجه.
التوضيح الثاني لهذه التتمة([2]): إن هذه الآية ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ التي تؤيد الإشارة الغيبية الواردة في آخر سورة الفتح، وتبين من هم المقصودون في
[1] بهذا اللفظ أخرجه ابن حبان في صحيحه، وبألفاظ متقاربة أخرجه أبو داود برقم 4028، والترمذي برقم 2152، وأحمد برقم 20918، والنسائي برقم 8155، والحاكم برقم 4680، والطبراني بأرقام 13، 134، 6329، وابن حبان برقم 7029.
[2] إن هذين التوضيحين تكرار من جهة، ولكن المستنسخين أُعجِبُوا بهما، فقيّدوا كليهما. (المؤلف)
لى
40. صفحة
الآية ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ في الفاتحة الشريفة، وتشير إلى أكثر قوافل الرفقاء نورانيةً وأنسًا وعددًا وجاذبيةً في طريق أبد الآباد الطويل جدًّا، وتسوق وتحث بإعجاز معجز أهل الإيمان وأصحاب الوعي على الالتحاق بهذه القافلة ومرافقتها واتّباعها بشدة، أقول إن هذه الآية هي أيضا مثل الآية الأخيرة لسورة الفتح تشير إلى الخلفاء الأربعة والخليفة الخامس سيدنا الحسن رضي الله عنهم بالمعاني الإشارية والرمزية التي يطلَق عليها في علم البلاغة "معاريض الكلام ومستتبعات التراكيب"([1]) بالإضافة إلى المعنى المقصود لها، وتخبر عن الأمور الغيبية ببضعة وجوه كما يلي:
فكما أن هذه الآية تشير بمعناها الصريح إلى أن أهل الصراط المستقيم الذين نالوا النعم الإلهية بين البشر هم قافلة الأنبياء وطائفة الصديقين وجماعة الشهداء وأنواع الصالحين وصنف التابعين والمحسنين، وأن في العالم الإسلامي أيضًا من هم أكمل هذه الطوائف وأفضلها، وتشير أيضًا بنوع من الإخبار الغيبي إلى طائفة ورثة الأنبياء التي تسلسلت من سر وراثة نبوة نبي آخر الزمان صلى الله عليه وسلم، وإلى قافلة الصديقين التي تسلسلت من معدن صديقية الصديق الأكبر رضي الله عنه، وقافلة الشهداء المرتبطة بمرتبة شهادة الخلفاء الثلاثة، وإلى جماعة الصالحين المستمسكين بسر ﴿والّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ﴾، وأصناف التابعين الممتثلة بسر ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ (آل عمران:31) والمرافِقة للصحابة والخلفاء الراشدين؛ فكذلك تخبر بكلمة "وَالصِّدِّيقِينَ" بالمعنى الإشاري عن سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي سيتولى مقام الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- من بعده وسيكون خليفته، وسيشتهر لدى الأمة باسم "الصديق" وسيكون رئيس قافلة الصديقين، وتخبر بكلمة "وَالشُّهَدَاءِ" عن استشهاد الخلفاء الراشدين الثلاثة، وأنه سيكون بعد الصديق رضي الله عنه ثلاثة خلفاء شهداء؛ لأن لفظ "شهداء" جمع، وأقل الجمع ثلاثة، أي إن سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا عليًّا -رضي الله عنهم-
[1] هي ما يستنبط من معان من وراء الظاهر تقتضيها دلالة اللفظ أو المقام ولا يجافيها الاستعمال اللغوي.
41. صفحة
سيتولون رئاسة المسلمين بعد الصديق رضي الله عنه، وسيستشهدون، فوقع الإخبار الغيبي عينه.
ثم بقيد "الصالحين" تخبر بأنه سيكون في المستقبل كثير من أهل الصلاح والتقوى والعبادة الذين نالوا ثناء التوراة في الطاعة والعبادة كأهل الصُّفَّة، وتُشِيد بجملة "وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا" بحسن اتّباع التابعين الذين رافقوا الصحابة واتّبعوهم في العلم والعمل، وتَستحسن مرافقة تلك القوافل الأربعة في طريق أبد الآباد، ومع أن مدة خلافة الحسن -رضي الله عنه- كانت قصيرة جدا حيث استمرت لبضعة شهور فقط؛ فإن الآية الكريمة تُولي اهتماما لتلك المدة القصيرة لخلافة سيدنا الحسن الذي صدّق الإخبار النبوي الغيبي المعجز في حديث "إنّ ابْنِي هٰذَا سَيّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ"([1]) والذي حقق المصالحة بين جيشين عظيمين وجماعتين كبيرتين للمسلمين، ورفع النِّزاع القائم بينهما، وتشير بسرّ ما يعبَّر عنه في علم البلاغة بـ"مستتبعات التراكيب" إلى اسم الخليفة الخامس في كلمة "وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا" بالمعنى الإشاري من نوع الإخبار بالغيب كي يظهر أنه الخليفة الخامس بعد الخلفاء الأربعة.
فالآية لها أسرار كثيرة كالأخبار الإشارية المذكورة، ولم يُفتَح بابُها حاليا لأننا لم نكن بصددها.
وعلى هذا فآيات كثيرة من القرآن الحكيم، كل منها نوع من الإخبار بالغيب بوجوه كثيرة، وهذا النوع من الإخبارات الغيبية القرآنية آلاف.
الخاتمة: إن نكتة من النِّكات الإعجازية المتجلية من ناحية "التوافق"([2]) في القرآن الحكيم هي:
[1] انظر البخاري 2557، والترمذي 3773.
[2] التوافق: تناظر الكلمات والألفاظ والمعاني وغيرها وتقابلها بشكل عجيب وبديع ولغايات معنوية ذات حكمة، وبتناسب جميل ولطيف، وهذا التوافق بين ألفاظ ومعاني القرآن يعكس ويظهر حقيقة كبرى؛ وهي أنه لا يوجد كذلك في كتاب الله المنظور الذي هو الكون أي تصادف أعمى، بل كل ما فيه أيضا منظم ومرتب ترتيبا حكيما من لدن حكيم بديع.
في
42. صفحة
أن مجموع لفظ؛ "الله"، و"الرحمن"، و"الرحيم"، و"الرب"، و"هو" الذي يرد بدلاً من لفظ الجلالة في القرآن الحكيم؛ أربعة آلاف ونيف.
وأن "بسم الله الرحمن الرحيم" يكون أربعة آلاف ونيفًا حسب النوع الثاني لحساب الأبجد، وهو حسب ترتيب حروف الهجاء، والكسورات الصغيرة لا تُفسِد التوافقَ في الأعداد الكبيرة؛ لذا لم ننظر إليها، ثم "ألم" تساوي مائتين وثمانين ونيفًا مع ما تضمنه من اثنين من واو العطف، وهذا يتوافق تمامًا مع عدد اسم الجلالة البالغ مائتين وثمانين ونيفًا في سورة البقرة، ومع عدد ما يبلغ من مائتين وثمانين ونيفًا من الآيات، فضلا عن أنه يساوي أيضًا أربعة آلاف ونيفًا وفق الحساب الهجائي الثاني للأبجد، وهو يتوافق مع عدد الأسماء الخمسة المذكورة أعلاه، ويتوافق مع عدد "بسم الله الرحمن الرحيم" بقطع النظر عن الكسور، أي إن "ألم" اسم يتضمن مسماه بناء على سر التوافق هذا، وفي الوقت نفسه هو اسم لسورة البقرة، واسم للقرآن الكريم، وفهرس مختصر وأنموذج وخلاصة ونواة لهما معًا، وخلاصة لـ"بسم الله الرحمن الرحيم"، و"بسم الله الرحمن الرحيم" يتساوى مع عدد اسم "الرب" حسب أحد الحسابات المشهورة لحساب الأبجد، وإذا عُدّ الراء المشدَّد في "الرحمن الرحيم" راءين، يكون تسعمائة وتسعين، ويكون مدارًا لكثير جدًّا من الأسرار المهمة، فضلا عن أنه مفتاح لتسعة عشر ألف عالَم.
ومن التوافقات اللطيفة للفظ الجلالة في القرآن المعجز البيان، أنه كما أن ثمانين من لفظ الجلالة ينظر بعضها إلى بعض بالتوافق في بدايات الأسطر من الصفحات؛ فكذلك ينظر ثمانون من لفظ الجلالة بعضها إلى بعض بالتوافق في نهاياتها، ويقع لفظ الجلالة البالغ خمسة وخمسين لفظًا بعضها فوق بعض في وسط آخر الأسطر تمامًا، ويتحد، ويصبح وكأنه لفظ جلالة واحد متركب من خمسة وخمسين لفظ جلالة، وإذا ضم خمسة وعشرون توافقًا -مع فاصلة كلمة قصيرة مكونة من ثلاثة حروف أحيانا- في أول الأسطر الأخيرة إلى
43. صفحة
التوافق التامّ للخمسة والخمسين التي في الوسط تمامًا يكون ثمانين توافقًا، فيتوافق مع ثمانين توافقًا في النصف الأول من الأسطر، وثمانين توافقًا في النصف الثاني منها.
فهل تكون مثل هذه التوافقات اللطيفة الظريفة المتقنة الموزونة ذات الإعجاز بلا نكتة وفائدة؟ حاشا! ولا يمكن أن تكون، بل يمكن أن يُفتَح بطرف ذلك التوافق كنز عظيم مهم.
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلّمْتَنَا إِنّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ
44. صفحة
اللمعة الثامنة
هذه رسالة ذات حقيقة تفسر نكتة من النكات الغيبية للآيتين ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (هود:105)، و﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (هود:112)، وهي لم تدرج هنا؛ لأنها أدرجت في مجموعة أخرى.


