اللمعة السادسة عشرة
التنقل
143. صفحة
اللمعة السادسة عشرة
باسمه سبحانه
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ﴾
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إخواني الأعزاء الصِّدِّيقين، الشيخ صبري، والحافظ علي، ومسعود، ومصطفون، وخُسْرَو، ورأفت، والسيد بكر، ورشدي، ولطفون، والحافظ أحمد، والشيخ مصطفى وآخرون، لقد شعرت بخاطرٍ قلبي لبيان "أربع مسائل صغيرة" أصبحت مثيرةً للشغف والتساؤل عندكم بيانًا مختصرًا للعلم بها.
السؤال الأول المثير:
لقد سألني بعض الناس من أمثال أحد إخواننا السيد عبد الله چاپْرازْ زادة سؤالا وهو: أنه قد روي عن أهل الكشف أنه سيحدث فَرَجٌ وفتوحات لأهل السنة والجماعة في رمضان الماضي، إلا أنه لم يحدث شيء من هذا القبيل، فلِمَ يخبر أهل الولاية و أهل الكشف أخبارًا خلافًا للواقع؟
فأجبتهم مباشرة من سوانح قلبية([1])، وخلاصة ذلك:
لقد ورد في الحديث الشريف ما معناه؛ أن البلاء ينزل أحيانًا فتقابله الصدقة، وتردّه([2])، ويشير سرُّ هذا الحديث إلى أن المقدَّرات عندما تقع تتأخر بسبب
[1] السوانح: جمع سانحة، وهي ما يجود به الخاطر والقلب من خواطر وأفكار.
[2] عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله r "لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة"، رواه الحاكم برقم 1813، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم 2498، وانظر مسند الشهاب 59، وفي مسند الشاميين للطبراني برقم 18 عن عبادة بن الصامت قال: أُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قاعد في الحطيم بمكة فقيل يا رسول الله أتى على مال فلان نسيف البحر فذهب به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تلف مال في بحر ولا بر إلا بمنع الزكاة، فحرزوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، وادفعوا عنكم طوارق البلاء بالدعاء؛ فإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، ما نزل يكشفه وما لم ينزل يحبسه".
144. صفحة
بعض الشروط، أي إن المقدَّرات التي اطلع عليها أهل الكشف ليست مُطلَقةً، بل مقيَّدة ببعض الشروط، وإن تلك الحادثة لم تقع لعدم توافر تلك الشروط لوقوعها، ولكن تلك الحادثة مكتوبة كالأجَل المعلَّق ضمن المقدرات في "لوح المحو والإثبات" الذي هو سجل للوح الأزلي نوعًا ما، فالكشف قَلَّما يرقى إلى اللوح الأزلي، ولا يستطيع أن يرقى معظمه إليه، فبناء على هذا السرّ فإن الأخبار المنقولة بناء على استنباطات أو بنوع من الكشف في رمضان المبارك الماضي وفي عيد الأضحى هذه المرة وفي أوقات أخرى لم تحدث؛ لأنها لم تلقَ شروطها المعلَّقة بها؛ لذا فإنها لا تكذب المخبرين، لأنها كانت مقدَّرَة، غير أنها لم تقع لعدم توافر شروطها.
أجل؛ إن معظم الأدعية الخالصة التي دعا بها أهل السنة والجماعة كانت شرطًا وسببًا مهمًّا لدفع البدع في رمضان المبارك، ولكن مع الأسف دخلت البدع في المساجد في رمضان المبارك، فوقفت أمام قبول الأدعية، ولم يأت الفرَج، وكما أن الصدقة ترفع البلية بسر الحديث الشريف السابق؛ فإن الأدعية الخالصة لأكثر الناس تجذب الفرَجَ العام، غير أن القوة الجاذبة لم تأت إلى الوجود، فلم يوهب الفرج والفتوحات.
السؤال الثاني المثير:
بينما كان ينبغي القيام بمحاولة تمنحني وتمنح كثيرًا من إخواني الذين تربطني بهم علاقات كثيرة الفرَجَ باحتمال قوي إزاء وضع سياسي خطير خلال هذين الشهرين؛ لم أُولِ أي اهتمام لتلك الظروف بل فكرت في أمر لصالح أهل الدنيا الذين يضايقونني، فتعجب بعض الأشخاص من هذا أيما تعجب، وقالوا: كيف ترى السياسة التي يتبعها هؤلاء الرؤساء المبتدعون الذين عذبوك وبعضهم منافقون، حتى لا تتعرض لهم؟
145. صفحة
وخلاصة ما أجبتهم به هي:
إن أعظم خطر على المسلمين في هذا الزمان هو فساد القلوب واختلال الإيمان بسبب الضلالة الناشئة عن العلوم والفلسفة، فالحل الوحيد لهذا الأمر هو النور، وإظهار النور؛ حتى تُصلَح القلوب ويُنقَذ الإيمان، فإذا كان العمل والحركة بصولجان السياسة وكانت الغلبة بها لسقط أولئك الكفار إلى دركة المنافقين، فالمنافق أخطر من الكافر، إذن فالصولجان لا يُصلِح القلب في مثل هذا الزمان، وعندئذ يدخل الكفر في القلب ويتخفى فيه، وينقلب إلى النفاق، ولا يستطيع عاجز مثلي أن يستخدم النور والصولجان معًا في هذا الزمان؛ لذا فأنا مضطر إلى التمسك والاعتصام بكل قوتي بالنور، ومن ثم ينبغي عدم الالتفات إلى صولجان السياسة مهما كانت أشكالها وصورها، أما ما يقتضيه الجهاد المادي فتلك الوظيفة ليست لنا في الوقت الحالي.
أجل؛ يجب استخدام الصولجان لوقف تجاوز وهجوم الكافر أو المرتد من قبل من هو أهل لاستخدامه، ولكن ليس لنا إلا يدان، ولو كانت لنا مائة يد لما كانت تكفي إلا لاستخدام النور، فلا يَدَ لنا كي نمسك بالصولجان.
السؤال الثالث المثير:
إن هجوم الأجانب كالبريطانيين والإيطاليين في وقت قريب على هذه الحكومة يؤدي إلى إحياء الشعائر الإسلامية ورفع البدع إلى حد ما بإثارته الحميةَ الإسلامية التي هي نقطة استناد حقيقية للحكومة، ومنبع قوتها المعنوية في هذا الوطن منذ زمن بعيد، فلِمَ عارضتَ هذه الحرب معارضةً شديدة، ودعوتَ الله لحل هذه المسألة بأمن وسلام، وأيدت حكومة المبتدعين بشدة، مع أن هذا تأييد للبدع بطريق غير مباشر؟
الجواب: إننا نطلب وننشد الفرَج والفرح والسرور والفتوح، ولكن ليس بسيف الكفار، فلتقطع سيوفهم رءوسهم، ولسنا في حاجة إلى نفع من سيوفهم، فهؤلاء الأجانب المتمردون هم الذين سلطوا المنافقين على أهل الإيمان، وربَّوا الزنادقة.
146. صفحة
أما مصيبة الحرب فهي ضرر عظيم لخدمتنا القرآنية؛ إذ إن خيرة إخواننا المضحين أكثرهم دون الخامسة والأربعين من عمرهم([1])، فكانوا سيضطرون إلى ترك الوظيفة القرآنية والالتحاق بالجيش بسبب الحرب، فلو كانت لي نقود لدفعتها كلها بكامل رضاي ولو كان البدل النقدي ألف دينار حتى أخلص من الجيش كل واحد من إخواني الأخيار الأفاضل، فأنا أحس بخسارتنا بمائة ألف دينار في ترك مئات من إخواننا الأفاضل الخدمةَ القرآنيةَ النورانيةَ واستخدامهم صولجان الجهاد المادي، حتى إن وجود "ذكائي"([2]) في الجيش خلال سنة أو سنتين أفقدنا فوائد ومنافع معنوية بقدر ألف دينار.
على كل حال فإن القادر على كل شيء كما أنه ينظف الجو الملبد بالغيوم في دقيقة واحدة، ويكشف الشمس المضيئة في وجه السماء الصافي؛ كذلك فهو قادر على أن يزيل هذه الغيوم المظلمة القاتمة، ويظهر حقائق الشريعة كالشمس، ويمنحها للبشر بثمن زهيد وبدون كلفة واضطراب ومشقة.
ونرجو من رحمته تعالى ألا يكلفنا ذلك ثمنًا باهظًا، وأن يهب رءوس الرؤساء العقلَ، ويقذف في قلوبهم الإيمان، وهذا حسبنا، فعند ذلك يستقيم كل شيء تلقائيًّا.
السؤال الرابع المثير:
يقولون: بما أن الذي في أيديكم نور، وليس صولجانا، والنور لا يعارَض ولا يُهرَب منه، ولا يأتي ضرر من إظهاره؛ فَلِمَ توصي أصدقاءك بالحيطة والحذر، وتمنعهم من إظهار كثير من الرسائل المنوَّرة للناس؟
فحوى خلاصة الجواب عن هذا السؤال هي:
إن رءوس أكثر الرؤساء مخمورة فهم لا يقرءون، وحتى لو قرءوا فإنهم لا يفهمون، ويؤولون تأويلا خطأً فيتعرضون لها، فينبغي عدم إظهارها إلى أن يفيقوا، حتى لا يتعرضوا لها.
[1] أي في سن الاستدعاء للجيش.
[2] أحد تلامذة الأستاذ.
147. صفحة
ثم إن هناك كثيرًا من عديمي الضمير غير المنصفين ينكرون النور، أو يغمضون أعينهم بسبب الحقد أو الطمع أو الخوف؛ فلذا أوصي إخواني أن يحذروا ويحتاطوا، ولا يسلموا الحقائق لمن لا يستحقونها، ولا يتصرفوا تصرفات تثير أوهام أهل الدنيا وشكوكهم([1]).
خاتمة
تسلمت اليوم رسالةً من السيد رأفت، وكنت آمل أن يترك الأسئلة لمدة إلا أنه يسأل مرة أخرى، وأنا أجد صعوبة في الإملاء، وعلى كل حال، أقول بمناسبة سؤاله حول اللحية النبوية الشريفة: إنه ثابت بالحديث أن الشعرات التي سقطت من لحية الرسول الأكرم r الشريفة محدودة، قد تبلغ ثلاثين أو أربعين شعرة أو خمسين أو ستين شعرة وهو عدد قليل، ولكن وجود الشعرات من اللحية المباركة في آلاف الأماكن دفعني إلى التفكر ذات مرة، فخطر على بالي أن اللحية النبوية الشريفة ليست عبارة عن شعرات اللحية النبوية الشريفة، بل إن الصحابة الذين لم يضيّعوا أي شيء منه r قد حافظوا على شعراته النورانية المباركة الباقية أبدًا كلما حلق رأسه المبارك، وهذه الشعرات آلاف، وقد يكون عددها مساويًا لما هو موجود في الوقت الحاضر.
وورد أيضًا إلى خاطري في ذلك الحين؛ سؤال هل من الثابت أن هذه الشعرات التي توجد في كل مسجد جامع بسند صحيح هي من شعر الرسول الأكرم r حتى تُقبَل زيارتها؟
فورد إلى الخاطر فجأة أن زيارة هذه الشعرات وسيلة؛ ذلك لأنها سبب للصلاة على الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، ووسيلة للتوقير والتعظيم
[1] نكتة لطيفة يمكن أن تكون وسيلة لمسألة مهمة: جاءني صباحَ أمس محمد وهو صهر أحد أحبابي، وقال لي بسرور مبشرًا: لقد طبعوا أحد كتبك في إسبارطة، يقرؤه كثير من الناس، فقلت: ذلك ليس طبعًا ممنوعًا أو محظورًا، بل استُنسِخ عدة نسخ من قبل مستنسخ، فالحكومة لا تعارض ذلك، وأردفت قائلا: إياك أن تخبر صديقيك المنافقين بهذا، فهما يبحثان عن مثل هذه الأمور حتى يجعلاها ذريعة ضدنا، فيا إخواني فضلا عن أن هذا الرجل صهر أحد أحبابي فيُعَدّ بمنزلة صديق لي أيضًا، ولكنه لكونه حلاقًا فهو صديق للمعلم الظالم الفاقد للضمير وللمدير المنافق، وقد أخبره هذا الخبر أحد إخواننا هناك من دون معرفة بهذه الأمور، وفعل خيرًا أن جاءني فأخبرني أنا أولاً، وأنا بدوري نبهته، فمُنِعت الفتنة، ونَشرَت آلة النسخ آلاف النسخ تحت هذا الستار. (المؤلف)
148. صفحة
والمحبة تجاهه، فكونها وسيلةً لا تعود إلى ذاتها، بل تعود إلى كونها وسيلة؛ لذا فإن لم تكن شعرة واحدة من اللحية الشريفة حقيقية فإنها تؤدي وظيفة الوسيلة ما دامت تعد هكذا في الظاهر، وتكون وسيلة لمحبته -صلى الله عليه وسلم- وتعظيمه وتوقيره والصلاة عليه، فليس من الضروري تحديد ذات الشعر وتشخيصه بسند صحيح قاطع، بل يكفي فقط عدم وجود دليل يدل على خلاف ذلك؛ لأن ما تلقاه الناس وما قبلته الأمة يصبح نوعًا من الحجة، وحتى لو انتقد بعض أهل التقوى هذه الأمور من جهة التقوى أو الاحتياط أو العزيمة؛ فإنهم ينتقدونها انتقادات خصوصية، وحتى لو قالوا إنها بدعة، فهي ضمن البدعة الحسنة؛ لأنها وسيلة للصلاة على الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام.
يقول السيد رأفت في رسالته: لقد أصبحت هذه المسألة مدار نقاش بين الإخوان، فأوصي إخواني ألا يدخلوا في نقاش يتسبب في الانشقاق والفرقة، وإنما عليهم أن يتعودوا على التباحث من غير نزاع كتداول الأفكار والآراء.
باسمه سبحانه
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاء الصديقين من سَنِيركَنْت([1])؛ السادة إبراهيم، والحافظ حسين، والحافظ رجب، إن الملحدين يعترضون منذ القديم على "المسائل الثلاث" التي بعثتموها إليَّ مع الحافظ توفيق.
إحداها: تقول الآية إن ذا القرنين رأى الشمس تغرب في ماء عين ذات طين وحرارة حسب المعنى الظاهري الذي تفيده الآية ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ (الكهف:86).
ثانيتها: أين سد ذي القرنين؟
ثالثتها: حول نزول سيدنا عيسى u في آخر الزمان، وقتله الدجال فيه.
[1] قرية تابعة لولاية إسبارطة.
149. صفحة
إن أجوبة هذه الأسئلة طويلة، ولكنا نقول بإشارة مختصرة:
إن الآيات القرآنية تعبر وفق أساليب اللغة العربية وحسب النظر الظاهري وبوجه يفهمه الجميع؛ لذا فهي كثيرًا ما تُبَيِّنُ الأمورَ بصورةِ تشبيهٍ وتمثيلٍ، فـ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ تعني أن ذا القرنين قد رأى الشمس تغرب عند سواحل المحيط الأطلنطي الذي يبدو كعين حامية ذات طين، أو في عين جبل بركاني ملتهب ذي دخان، أي قد رأى الغروب الظاهري للشمس في جزء من المحيط الأطلنطي الذي بدا له من بعيد كحوض عين كبيرة وراء الأبخرة عندما ازدادت حرارة مياه المستنقعات التي عند سواحل المحيط الأطلنطي وتبخرت بحرارة الصيف الشديدة، أو رأى اختفاء الشمس التي هي عين السماوات في عين ملتهبة انفتحت حديثًا على قمة جبل بركاني يفور ويتدفق مازجًا الأحجار والتراب والمياه المعدنية بعضها ببعض.
أجل؛ إن عبارات القرآن الحكيم البليغة المعجزة تُعَلِّمُ بهذه الجملة كثيرًا من المسائل؛ فأولا: تبين سياحة ذي القرنين نحو المغرب، وأنها كانت وقت شدة الحرارة، وإلى المستنقعات، وأوان غروب الشمس، وحين انفجار جبل بركاني، ومن ثم تشير إلى مسائل مفعمة بعبر عظيمة كاستيلائه على أفريقيا استيلاء تامًّا، ومن المعلوم أن الحركة المشاهَدة للشمس هي ظاهرية، وتدل على الحركة المخفية للكرة الأرضية، وتخبر عنها، ولا تخبر عن حقيقة الغروب.
ثم إن العين تشبيه؛ إذ يتراءى البحر الكبير من بعيد كحوض صغير، فتشبيه القرآن البحرَ الذي يُرى خلف الأبخرة والضباب المتصاعد الناشئ عن الحرارة وخلف المستنقعات بعين ماءٍ داخل طين، واستخدام كلمة "العين" التي هي في اللغة العربية بمعنى: عين الماء، والشمس، والبصر؛ هو في منتهى التناسب من حيث أسرار البلاغة([1]).
[1] حتى إن عبارة "عين" في "عين حمئة" تذكر رمزًا بمعنى لطيف من حيث أسرار البلاغة وذلك: أن وجه السماء يُشاهِد بعين الشمس جمالَ الرحمة على وجه الأرض، ثم تُشاهِد الأرضُ بعين البحر العظمةَ الإلهية في السماء، فالآية تذكر بكلمة واحدة بإعجاز بأنه حينما تنطبق إحدى العينين على الأخرى فإنهما تُطْبِقَان بقيةَ العيون التي على وجه الأرض، والآية تشير إلى إشارةِ إنهاء وظيفة العيون. (المؤلف)
150. صفحة
وكما أن الشمس تراءت لنظر ذي القرنين على الصورة المذكورة بسبب البعد، فإن بيان خطاب القرآن السماوي النازل من العرش الأعظم والقائد للأجرام السماوية بأن الشمس المسخرة التي تؤدي وظيفة السراج في دار الضيافة الرحمانية تغيب وتختفي عند عين ربانية وهي المحيط الأطلنطي جديرة بعظمته وعلويته وسموه، وهو يعرض البحر بأسلوبه المعجز كعين ماء حامية، وعين ذات دخان، وهكذا يبدو للعيون السماوية.
الحاصل: إن وصف المحيط الأطلنطي وتصويرَه بـ"عين حمئة" يعني أن ذا القرنين قد رأى ذلك البحر الكبير كعين ماء بسبب بعده عنه.
أما نظر القرآن فلأنه قريب من كل شيء؛ فلا يمكنه أن ينظر نظرة ذي القرنين التي هي من نوع انخداع الحس، بل لأنه نزل مشاهدًا من السماوات فإنه يرى الكرة الأرضية كميدان تارة، أو قصر تارة أخرى، أو مهدٍ حينًا، أو صحيفة حينًا آخر، فوصفه وتصويره المحيط الأطلنطي الكبير ذا الضباب والأبخرة، وتشبيهه بعين؛ إنما يدل على عظمة رفعته وسموه.
سؤالكم الثاني:
أين سدّ ذي القرنين؟ ومن هم يأجوج ومأجوج؟
الجواب: كنت قد كتبت رسالة حول هذه المسألة، فكان الملحدون في ذلك الزمان قد أُلزِموا وأُفحِموا بها، أما الآن فتلك الرسالة ليست عندي، فضلا عن أن ذاكرتي عاطلة لا تسعفني، ثم إننا قد تناولنا هذا الموضوع بنبذة في "الغصن الثالث" من "الكلمة الرابعة والعشرين"؛ لذا سنشير إشارة مختصرة إلى نكتتين أو ثلاث نكات فحسب من هذه المسألة:
إن لملوك اليمن أسماء تبدأ بكلمة "ذو" مثل "ذي يَزَن"حسب بيان أهل التحقيق، وحسبما يشير اسم "ذي القرنين"؛ لذا فذو القرنين هذا ليس هو الإسكندر الرومي، بل هو أحد ملوك اليمن، وقد عاصر زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام، وتلقى العلم على يد سيدنا الخضر عليه السلام، أما الإسكندر الرومي فقد عاش قبل ثلاثمائة سنة من الميلاد تقريبًا، وتلقى العلم من أرسطو، إن التاريخ البشري
151. صفحة
يمتد إلى ما قبل ثلاثة آلاف سنة بانتظام؛ لذا فإن نظر هذا التاريخ الناقص القصير لا يستطيع أن يحكم حكمًا صحيحًا صائبًا على ما قبل زمن إبراهيم عليه السلام، فإما أن يتعامل معه تعاملا مشوبًا بالخرافات، وإما أن ينكره، أو يتعامل معه باختصار شديد.
أما سبب اشتهار ذي القرنين اليمني في التفاسير باسم "الإسكندر" فهو: إما أن أحد أسماء ذي القرنين "الإسكندر"، فهو الإسكندر الكبير؛ أي الإسكندر القديم، أو لأن الحادثات الجزئية التي تَذكرها آيات القرآن هي أطراف لحادثات كلية، فإن الإسكندر الكبير الذي هو ذو القرنين مثلما بنى سد الصين المشهور الحائل بين الأقوام الظالمة والأمم المظلومة والمانع لغارات المعتدين الظالمين بإرشاداته النبوية، فإن عددًا من الملوك الأقوياء والسلاطين العظماء الذين ملكوا العالم كالإسكندر الرومي اقتدوا بذي القرنين في الجهة المادية، كذا الأنبياء والأقطاب الأولياء الذين هم الملوك المعنويون لعالم الإنسانية المعنوي اتبع بعضهم ذا القرنين واقتدى به في الجهة المعنوية والإرشادية، وبنوا السدود([1]) بين الجبال، ثم أنشأوا الحصون فوق الجبال وهي من الوسائل المهمة لإنقاذ المظلومين من أيدي الظالمين.
وأنشأوا تلك السدود والحصون والقلاع إما بقوتهم المادية مباشرة أو بإرشاداتهم وتدبيرهم، ثم بنوا الأسوار حول المدن، وأنشأوا في وسط تلك المدن القلاع والحصون، ثم صنعوا المدافع العملاقة والسفن الحربية العظيمة الشبيهة بالقلاع المتنقلة كوسيلة أخيرة.
وقد بنى ذو القرنين سدَّ الصين الطويل الذي هو أشهر سد على وجه الأرضبين جبلين -قريبًا من سلسلة جبال هملايا-، ويمتد مسافة أيام؛ كي يصد هجمات واعتداءات الأقوام الوحشية والأمم الظالمة المعتدية ضد الأقوام المظلومة في الهند والصين، وهم أقوام وأمم يطلق عليهم في القرآن الكريم يأجوج ومأجوج، وفي التاريخ البشري -بتعبير آخر- أقوام المانجور والمغول الذين ظهروا من وراء جبال هملايا، ودمروا عالم الإنسانية عدة مرات من الشرق حتى الغرب، وهذا
[1] هنالك سدود كثيرة شيدت على وجه الأرض قد تحولت بمرور الزمن إلى هيئة جبل وقد تغيرت إلى حد لا يُعرَف معه أنها كانت سدًّا. (المؤلف)
152. صفحة
السدّ حال دون هجمات تلك الأقوام الوحشية واعتداءاتهم الكثيرة في كثير من الأوقات، وقد بُنِيَت كذلك سدود عديدة بهمة ملوك الفرس القدماء الشبيهين بذي القرنين لمنع هجمات أقوام التتار المهاجمين المعتدين الناهبين في ناحية المضيق من جبال القوقاز.
وهنالك كثير من السدود من هذا النوع، فالقرآن الحكيم ولأنه يخاطب جميع البشر، فإنه يذكر ما يبدو حادثة جزئية في الظاهر؛ ويخاطبهم مذكرًا بجميع الحادثات التي تشبه تلك الحادثة، ومن هذه الزاوية تختلف الروايات حول السدّ ويأجوج ومأجوج، وتتباين أقوال المفسرين وتتعدد.
ثم إن القرآن الحكيم ينتقل حسب مناسبات الكلام من حادثة إلى حادثة أخرى بعيدة، فالذي لا يتأمل هذه المناسبة يظن أن زماني الحادثتين قريبان.
وهكذا فإخبار القرآن الكريم عن هدم السد وقيام الساعة ليس من حيث قرب الزمان، بل لأجل نكتتين من حيث مناسبات الكلام، أي: كما أن هذا السدّ سيدمَّر فستدَمَّر الدنيا كذلك.
وكما أن الجبال -التي هي سدود فطرية طبيعية إلهية- متينة، ولا تدمَّر إلا بقيام الساعة؛ فكذلك هذا السدّ متين كالجبل، ولا يُدمّر ولا يُنسَف إلا بدمار هذه الدنيا وخرابها، ويعني أن أكثر هذه السدود ستبقى متينة راسخة حتى لو دمرتها حادثات الدهر.
أجل؛ ها هو ذا سد الصين الذي هو فرد واحد من كلِّيَّة سدود ذي القرنين مازال قائمًا حتى الآن على الرغم من مرور آلاف السنين عليه، ويُقرَأ كسطر طويل مجسم متحجر ذي عبر ومعان كُتب بيد الإنسان على صحيفة الأرض من سطور التاريخ القديم.
سؤالكم الثالث:
وهو عن أن سيدنا عيسى عليه السلام سيقتل الدجالَ، وقد ذكر هذا في "المكتوب الأول" و"المكتوب الخامس عشر" مختصرًا جدًّا، ففيهما جواب كاف لكم.
153. صفحة
باسمه سبحانه
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أخويّ العزيزين الصِّدِّيقين الوفيين الشيخ صبري والحافظ علي،
إن سؤالكما المهم حول المغيَّبات الخمسة في آخر آية من سورة لقمان يتطلب إجابة مهمّة جدًّا، إلا أن حالتي الروحية وأحوالي المادية في الوقت الحاضر لا تسمحان مع الأسف بكتابة تلك الإجابة، غير أننا سنشير إشارة في غاية الإجمال إلى نقطة أو نقطتين يتصل بهما سؤالكما.
يشير فحوى سؤالكما إلى أن أهل الإلحاد قد اعترضوا على وقت نزول الغيث، وجنس الجنين في رحم الأم اللذين هما من المغيبات الخمسة منتقدين ذلك بقولهم: إن وقت نزول الغيث يُعرَف بواسطة جهاز في المراصد الجوّية، أي يعلم ذلك غيرُ الله أيضًا، ثم إن جنس الجنين في رحم الأم ذكرًا كان أو أنثى يُعرَف بتصوير إشعاعي، إي إن الاطّلاع على المغيبات الخمسة ممكن؟
الجواب:
وحيث إن وقت نزول الغيث غير مرتبط بقاعدة معينة؛ فإنه يرتبط بالمشيئة الإلهية الخاصة مباشرة، وهو في خزانة الرحمة يتبع الإرادةَ الخاصة، وسِرُّ حكمةِ ذلك هو:
إن أهم حقيقة في الكون وأثمن ماهية فيه هي الوجود والحياة والنور والرحمة، فهذه الأمور الأربعة تعود مباشرة من غير حجاب ولا واسطة إلى القدرة الإلهية والمشيئة الإلهية الخاصة، أما سائر المصنوعات فتكون فيها الأسباب الظاهرية حجابًا لتصرف القدرة، وتصبح القوانين والقواعد المطردة حجابًا للمشيئة والاختيار شيئا ما، ولكن تلك الأسباب لم توضع حجبًا دون الوجود والحياة والنور والرحمة؛ لأن سر حكمة الحجب لا تجري في هذه الأربعة.
154. صفحة
وبما أن أهم حقيقة في الوجود هي الحياة والرحمة، وأن الغيث منشأ الحياة ووسيلة الرحمة بل عين الرحمة؛ فلاشك ألاّ تكون الوسائط حجبًا أمامه، وألاّ تحجب القاعدة والاطراد المشيئةَ الإلهية الخاصة، حتى يُضطرَّ الكلُّ إلى الشكر والعبودية والسؤال والدعاء في كل وقت وفي كل شيء، فلو كان ضمن قاعدة معينة لاعتمد الكلُّ على تلك القاعدة، ولانغلق باب الشكر والرجاء.
ومن المعلوم مدى وجود المنافع في طلوع الشمس، ولكن لأنه يتبع قاعدة مطردة فلا يدعو أحدٌ لطلوعها، ولا يشكر أحد على طلوعها، ولا هو يعد من الغيب؛ لأن علم البشر يعلم بواسطة تلك القاعدة وقت طلوع الشمس غدًا، ولكن جزئيات الغيث ليست تابعةً لقاعدة معينة، ومن ثم يضطر الناس إلى الالتجاء إلى الله تعالى كلَّ وقت بالدعاء والرجاء، وحيث إن علم البشر لا يستطيع تحديد وقت نزول المطر؛ فإنهم يعتقدون أنه نعمة خاصة إليهم صادرة عن خزانة الرحمة وحدها، ويشكرون الله عليها شكرًا حقيقيًّا، فهذه الآية تجعل وقت نزول الغيث ضمن المغيبات الخمسة من وجهة النظر هذه.
أما الإحساس والشعور بمقدمات مجيء الغيث بواسطة الأجهزة في المراصد الجوية، ومِنْ ثَمَّ تحديد وقت نزوله فهذا ليس علمًا بالغيب، بل هو علم بالاطلاع على بعض مقدماته حينما يقترب من عالم الشهادة بعد صدوره من الغيب، فكما أن أخفى الأمور الغيبية يُعرف بنوع من أنواع الإحساس بوقوع شيء مسبقًا عندما يحدث أو بعد اقترابه من الوقوع، وهذا ليس علمًا بالغيب، بل هو معرفة ذلك الموجود أو معرفة شيء اقترب مجيئه إلى الوجود، حتى إنني أحسّ أحيانًا بحساسية في أعصابي بمجيء الغيث قبل أربع وعشرين ساعة؛ فللغيث أيضًا مقدمات ومبادئ، وهذه المبادئ تُظهِر نفسها في صورة الرطوبة، وتخبر عن مجيء الغيث وراءها، وهذه الحال مثل القاعدة تمامًا تكون وسيلة لتوصُّل علم البشر إلى الأمور التي خرجت من الغيب ولم تدخل عالم الشهادة بعد، ولكن علم وقت نزول الغيث الذي لم يطأ قدمه عالم الشهادة، ولم يخرج من الرحمة الخاصة بالمشيئة الخاصة بعد؛ هو خاص بعلام الغيوب وحده.
155. صفحة
بقيت المسألة الثانية وهي:
العلم بجنس الطفل في رحم الأم -هل هو ذكر أو أنثى- بواسطة التصوير الإشعاعي، فهذا العلم لا يمكن أن يتنافى مع المضمون الغيبي للآية ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ (لقمان:34)؛ ذلك لأن المراد من هذه الآية ليس الذكورة والأنوثة فقط، وإنما المراد هو الاستعداد العجيب الخاص بذلك الطفل، ومبادئ مقدرات حياته التي هي مدار ما سيكون له في المستقبل من أوضاع وحالات، حتى إن ختم الصمدية العجيب جدًّا على ملامح وجهه مراد كذلك؛ حيث إن العلم بالطفل على هذه الصورة خاص بعلم علام الغيوب، فلو اتحد مائة ألف من أفكار البشر الشبيهة بالتصوير الإشعاعي لما استطاعت أن تكشف ملامح الطفل الحقيقية التي لها علامة فارقة في وجهه تميزه عن جميع البشر، ناهيك عن أن تكشف ما في استعداداته من ملامح معنوية هي أبدع بمائة مرة من الختم الذي في ملامح وجهه.
ولقد ذكرنا في المقدمة أن الحياة والرحمة هما أهم الحقائق في هذا الكون، ولهما أهم مقام وأعظم مرتبة، ولذلك فإن أحد أسرار توجه تلك الحقيقة الحياتية الجامعة بجميع دقائقها إلى الإرادة الخاصة والمشيئة الخاصة والرحمة الخاصة هو أن الحياة بجميع أجهزتها وأوجهها منشأ ومدار للشكر والعبودية والتسبيح، ومن أجل ذلك لم توضع دونها الاطرادات والقواعد التي تحجب الإرادة الخاصة، والوسائطُ الظاهرية التي تحجب الرحمة الخاصة.
إن لله تعالى تجليين في الملامح المعنوية والمادية للأجنة التي في أرحام الأمهات:
أحدهما: يُظهِر وحدته وأحديته وصمديته تعالى؛ إذ يشهد الطفل على وحدة خالقه وصانعه من حيث تطابق وتوافق أعضائه الأساسية وأنواع الأجهزة الإنسانية مع سائر البشر، فهذا الجنين يصرخ بهذا اللسان قائلا: إن من وهب لي هذه الملامح والأعضاء هو صانع جميع البشر الذين يتشابهون في جميع الأعضاء الأساسية، وهو صانع جميع الأحياء، فلسان الجنين الذي في رحم الأم ليس لسانًا
156. صفحة
غيبيًّا، بل هو معلوم، ويمكن معرفته لأنه تابع للقاعدة والاطراد والنوعية، وهو غصن ولسان امتدَّ من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.
ثانيهما: إنه يعلن صارخًا بلسان ملامح استعداداته الخاصة وملامح وجهه الشخصي اختيارَ صانعه وإرادته ومشيئته ورحمته الخاصة، ويظهر أنها ليست مقيدةً بأي قيد، ولكن هذا اللسان يأتي من غيب الغيب، فلا يستطيع أن يراه أحد قبل وجوده، ولا يستطيع أن يحيط به غيره إلا العلم الأزلي، ولا يُعلَم هذا اللسانُ – أي لسان ملامح استعداداته الخاصة وملامح وجهه الشخصي- برؤية جهاز واحد من ألف جهاز لملامحه حينما يكون في رحم الأم.
الحاصل: إن في ملامح استعداد الجنين وفي ملامح وجهه دليلا على الوحدانية، وحجةً على الاختيار الإلهي وإرادته، وإذا وفّقَ الحقُّ تعالى فستُكتَب بعض النكات حول المغيبات الخمسة، لكن لم تَسمح الآن حالتي ووقتي بأكثر من هذا القدر، وأختم كلامي هنا.
الباقي هو الباقي
سـعيد النورسي
157. صفحة
باسمه سبحانه
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أخي العزيز الصِّدِّيق الشغوف بالمعرفة السيد رأفت،
تسأل في رسالتك عن اللطائف العشر، فالزمان الآن ليس زمان تدريس الطريقة الصوفية، والعلماء المحققون في الطريقة النقشبندية لهم مؤلفات حول اللطائف العشر، ووظيفتنا في الوقت الحاضر هي استنباط المعاني والأسرار القرآنية، وليست نقل المسائل الموجودة في بطون الكتب، لا أستطيع أن أقدم لك التفاصيل فلا تمتعض، إلا أني أقول:
قد عبر الإمام الرباني عن اللطائف العشر بالقلب والروح والسرّ والخفي والأخفى، وبلطيفة إنسانية تناسب كل عنصر من العناصر الأربعة في الإنسان، وذكر بإجمالٍ رُقِيَّ كل لطيفة وأحوالها في كل مرتبة في السير والسلوك، وأنا شخصيًّا أرى أن في ماهية الإنسان الجامعة واستعداده الحياتي لطائفَ كثيرةً، واشتهرت عشر منها، حتى إن الحكماء والعلماء الظاهريين قد اتخذوا اللطائف العشر أساسًا لحِكَمهم بطريقة أخرى؛ أي مع الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة التي هي نوافذ للطائف العشر أو نماذج لها، بل حتى إن لطائف الإنسان العشر التي اشتهرت بين العوام والخواص هي ذات صلة باللطائف العشر لما عند أهل الطريقة، فمثلا: إذا ضُمّت اللطائف كالوجدان والأعصاب والحس والعقل والهوى والقوة الشهوية والقوة الغضبية إلى القلب والروح والسر أظهرت اللطائفَ العشر بصورة مختلفة، وهنالك لطائف أخرى كثيرة غير هذه اللطائف كالسائقة والشائقة والإحساس بوقوع شيء مسبقًا، فلو كتبت حقيقة حول هذه المسألة لطالت كثيرًا؛ لذا اضطررت إلى قطع الكلام لسبب ضيق وقتي.
أما سؤالك الثاني الذي هو مسألة المعنى الاسمي والمعنى الحرفي؛ فكما أنها وُضّحت في بدايات جميع كتب النحو؛ وُضّحت كذلك ببيانٍ كافٍ مع الأمثلة في رسائل علم الحقيقة مثل "الكلمات" و"المكتوبات".
158. صفحة
فمن كان ذكيًّا مدققًا مثلك فإنه لا يحتاج إلى كثير توضيح، إنك إذا ما نظرت إلى المرآة من أجل أنها زجاج، فستراها زجاجًا بالقصد، ويلوح للنظر فيها رأفت تبعيًّا ثانويًّا.
أما إذا نظرت إلى
المرآة بنية النظر إلى وجهك المبارك فسترى رأفت المحبوب الودود، وتقول: ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون:14)، ويلوح زجاج المرآة للنظر تبعيًّا ثانويًّا.
فزجاج المرآة في الصورة الأولى هو المعنى الاسمي، ورأفت هو المعنى الحرفي.
أما في الصورة الثانية؛ فزجاج المرآة هو المعنى الحرفي، أي لا يُنظَر إليه من أجله هو بالذات، بل يُنظَر من أجل معنى آخر وهو الصورة المنعكسة عليه، وهذه الصورة هي المعنى الاسمي، أي ما هو موجود باعتبار تعريف الاسم، وهو: "ما دلّ على معنى في نفسه"، والمرآة تكون مصداقًا لتعريف الحرف الذي هو: "ما دل على معنى في غيره".
فجميع موجودات الكون حسب النظر القرآني حروف تدل على معنى في غيرها بالمعنى الحرفي؛ أي إنها تبين أسماء خالق الكون وصفاته.
أما الفلسفة الهامدة الجامدة التي لا روح فيها فهي تنظر في الغالب بالمعنى الاسمي، وتقع في مستنقع الطبيعة.
وعلى كل حال ليس لدي وقت لإكثار الحديث، حتى إنني لا أستطيع أن أكتب الجزء الأهم والأسهل والأخير للفهرس.
سـعيد النورسي


