اللمعة الثالثة

14. صفحة

 

 

اللمعة الثالثة

لقد شاب هذه اللمعة شيء من المشاعر والذوق، فجَيَشَان المشاعر والأذواق لا يخضع كثيرًا لدساتير العقل وموازين الفكر ولا يراعيها؛ لذا ينبغي ألا توزن هذه "اللمعة الثالثة" بموازين المنطق.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (القصص:88).

إن جملتي كلام "يا باقي أنت الباقي يا باقي أنت الباقي" -الذي يبين هذه الآيةَ- تفيدان حقيقتين مهمتين، ومن أجل ذلك فقد اتخذ بعض كبار الطريقة النقشبندية هاتين الجملتين خَتْمَةً([1]) خاصة لهم، ويعتبرونهما بمنزلة خَتْمَةٍ نقشبندية مختصرة، وبما أن هاتين الجملتين تبينان هذه الآية العظيمة؛ فإننا سنبين

"بضع نكات" من نكات هاتين الحقيقتين المهمتين اللتين تفيدانهما هاتان الجملتان.

النكتة الأولى: إن ترديد "يا باقي أنت الباقي" في المرة الأولى هو بمنزلة العملية الجراحية؛ حيث يُجرّد القلب مما سوى الله تعالى ويقطع علاقته بما سواه تعالى، وذلك كما يلي:

إن الإنسان باعتبار جامعية ماهيته ذو علاقة بأكثر الموجودات تقريبًا، وقد أُدرج في ماهيته الجامعة استعداد محبة لا حدَّ له، ومن ثَمَّ فالإنسان يكنّ محبة تجاه جميع الموجودات، ويحب الكون الكبير كحبه لبيته، ويحب الجنة الأبدية كحبه لحديقته، ولكن المخلوقات التي يحبها لا تدوم ولا تبقى، بل ترحل وتذهب، وبسبب الفراق

[1]  يقصد ورد الذكر.

 



15. صفحة

يقاسي الإنسان حُرقة الألم والعذاب بلا انقطاع، وتكون محبته غير المحدودة سببًا لعذاب معنوي غير محدود، والخطأ الذي يتسبب في معاناته ذلك العذاب يعود إليه هو؛ لأن ما في قلب الإنسان من استعداد محبة غير محدود إنما وُهِب له ليوجهه إلى صاحب جمال باقٍ سرمدي، ولكن الإنسان يخطئ عندما يسيء استعماله ويوجهه إلى الموجودات الفانية، ويقاسي عقاب تقصيره بعذاب الفراق.

فالجملة الأولى "يا باقي أنت الباقي" التي تفيد التبري من التقصير، وقطع العلاقة بتلك المحبوبات الفانية، وترك الإنسان لتلك المحبوبات قبل أن تغادره هي، وحصر المحبة بالمحبوب الباقي، تعني:

الباقي الحقيقي أنت وحدك، وما سواك فانٍ، والفاني لا يستحق المحبةَ الباقيةَ، ولا العشقَ الأزليَّ الأبدي، وليس جديرًا بعلاقة قلب خُلِق للأبد؛ وبما أن تلك المحبوبات غير المحدودة فانية، وتتركني وترحل عني، فإنني أتركها وأتخلى عنها قبل أن تتركني هي وترحل عني قائلا: "يا باقي أنت الباقي"، الباقي أنت وحدك، وأنا أعلم وأؤمن وأعتقد أن الموجودات تكتسب البقاء بإبقائك أنت، إذن فهذه الموجودات تُحَبُّ من أجل محبتك، وإلا فلا تستحق علاقة القلب، فالقلب في هذه الحالة يتخلى عن محبوباته غير المحدودة، ويرى على جمالها وحسنها ختم الفناء، ويقطع علاقته بها، وتنشأ عن هذا جروح معنوية بعدد محبوباته، فالجملة الثانية "يا باقي أنت الباقي" تصبح بلسمًا وترياقًا لتلك الجروح غير المحدودة، وتعني:

يا باقي بما أنك باقٍ، فكفى بك عوضًا عن كل شيء، وبما أنك موجود فكل شيء موجود.

أجل؛ إن ما في الموجودات من الحسن والإحسان والكمال -الذي هو سبب المحبّة- ما هو إلا إشارات إلى حسن الباقي الحقيقي وإحسانه وكمالاته برمتها، وظلال خافتة له نفذت من ستائر كثيرة، بل ظلال لظلال تجليات أسمائه الحسنى.

النكتة الثانية: إن في فطرة الإنسان عشقًا شديدًا جدًّا للبقاء والخلود، حتى إنه بسبب القوة الواهمة يتوهم في كل شيء نوعًا من البقاء ثم يحبه، ومتى ما فَكَّرَ 

16. صفحة

في زواله أو رأى ذلك تألم وتَحَسَّرَ من الأعماق، فجميع التألمات والحسرات ترجمان البكاء والعويل الناشئ عن عشق البقاء، ولولا توهم البقاء لَمَا أحبّ شيئًا، بل يمكن القول إن سببًا من أسباب وجود عالم البقاء والجنة الأبدية هو رغبة البقاء القوية الشديدة الناشئة عن العشق الشديد للبقاء الكامن في ماهية الإنسان، والدعاء الفطري العام للبقاء، حيث استجاب الباقي ذو الجلال لتلك الرغبة الفطرية الغريزية الشديدة التي لا تتزعزع، ولذلك الدعاء العام المؤثر القوي؛ لذا فقد خلق للبشر الفانين عالمًا باقيًا خالدًا.

وهل من الممكن أن يستجيب الفاطر الكريم والخالق الرحيم للرغبة الجزئية للمعدة الصغيرة ودعائها بلسان حالها من أجل حياة مؤقتة بإيجاده أنواعًا من الأطعمة اللذيذة غير المحدودة، ولا يستجيب لرغبة جميع البشر الشديدة جدًّا والناشئة عن احتياج فطري عظيم ودعائهم القوي الكلي الدائم الخالص الصادق الراسخ بلسان حالهم ومقالهم في إلحاح بالبقاء والأبد؟! حاشاه مائة ألف مرة حاشاه! لا يمكن ألا يستجيب لهم، ولا يليق ذلك بحكمته ورحمته وقدرته بأي وجه من الوجوه.

وبما أن الإنسان عاشق للبقاء؛ فلابد أن جميع كمالاته ومتعه ولذّاته تابعة للبقاء، وبما أن البقاء خاص بالباقي ذي الجلال، وبما أن أسماء الباقي باقية، وبما أن مرايا الباقي تصطبغ بصبغة الباقي وتأخذ أحكامه وتنال نوعًا من البقاء؛ فلاشك أن أوجبَ شيءٍ على الإنسان وأهم وظيفة هو اتخاذ علاقة مع ذلكم الباقي تعالى، والتمسك والاعتصام بأسمائه؛ لأن كل ما يُبذَل في سبيل الباقي ينال نوعًا من البقاء، ولذلك تفيد الجملة الثانية "يا باقي أنت الباقي" هذه الحقيقة، وتُشْبِعُ وتُطَمْئِنُ رغبة البقاء الشديدة في فطرة الإنسان، فضلا عن أنها تداوي جروحه المعنوية غير المحدودة.

النكتة الثالثة: إن تأثير الزمان في فناء الأشياء وزوالها مختلف اختلافًا كبيرًا في هذه الدنيا، أما الموجودات فأحكامها مختلفة من حيث الزوال مع أنها متشابكة كالدوائر المتداخلة. 

17. صفحة

فكما أن عقرب الساعة الذي يعد الثواني والعقرب الذي يعد الدقائق والساعات والأيام يتشابهان ظاهرًا ويختلفان في السرعة؛ كذلك فإن دوائر الجسم والنفس والقلب والروح التي في الإنسان متفاوتة، فمثلا: بقاء الجسم وحياته ووجوده هو اليوم الذي فيه بل الساعة التي فيها، وماضيه ومستقبلُه معدوم وميت، ولكن دائرة وجود القلب وحياته واسعة سعة أيام كثيرة قبل يومه الحاضر وأيام عديدة بعده، أما الروح فلدائرة حياتها ووجودها دائرةٌ عظيمةٌ تمتد سنوات عديدة قبل يومها الحاضر، وسنواتٍ بعدَهُ.

فبناء على هذا الاستعداد يتضمن العمر الفاني في هذه الدنيا عمرًا باقيًا من حيث المعرفة الإلهية والمحبة الربانية والعبودية السبحانية والمرضيات الرحمانية التي هي سبب لحياة القلب والروح، وينتج عمرًا أبديًّا باقيًا، ويصبح كعمر باقٍ لا يموت.

أجل؛ إن ثانية واحدة في سبيل محبة الباقي الحقيقي ومعرفته ورضاه هي كسنة، وإن لم تكن في سبيله فسنة كاملة كثانية واحدة، بل إن ثانية واحدة في سبيله حية لا تموت وتعد سنوات عديدة، وتصبح مائة سنة لأهل الغفلة كثانية واحدة من حيث حياة الدنيا.

وهناك قول مشهور: "سِنَةُ الفِرَاقِ سَنَةٌ، وَسَنَةُ الوِصَالِ سِنَةٌ"، أي إن ثانية واحدة من الفراق طويلة كطول السَّنَة، وسَنَة كاملة من الوصال قصيرة قصر الثانية الواحدة، وأنا أقول خلاف هذه المقولة كليًّا: إن ثانية من الوصال ضمن دائرة مرضاة الباقي ذي الجلال وفي وجهه تعالى ليست سنة واحدة فحسب بل هي نافذة وصال دائمة، وإن سنة واحدة من فراق الغفلة والضلالة بل ألف سنة منه كثانية واحدة، وهناك قول أكثر شهرة من ذلك القول يؤيد ما ذهبنا إليه، وهو:

أَرْضُ الفَلاَةِ مَعَ الأَعْدَاءِ فِنْجَانُ        سَمُّ الخِيَاطِ مَعَ الأَحْبَابِ مَيْدَانُ

وأحد أوجه المعنى الصحيح للقول المشهور الأول -أي: سنة الفراق- هو:

بما أن وصال الموجودات الفانية فانٍ؛ فمهما كان طويلا فهو يعد قصيرًا، فسنة كاملة منه تمضي بسرعة كالثانية الواحدة، وتصبح خيالا ذا حسرة، ورؤيا تستوجب الأسف.

18. صفحة

 

إن القلب الإنساني المشتاق إلى البقاء لا يمكن أن يتمتع بالملذات في سنة من الوصال إلا بمقدار ذرة في ثانية واحدة، أما الفراق فثانية واحدة منه ليست سنة واحدة بل سنوات؛ لأن ميدان الفراق واسع شاسع، حتى ولو كان الفراق يستغرق ثانية واحدة عند القلب المشتاق إلى البقاء فإنه يحطمه تحطيمًا كأنه عانى من الفراق سنوات عديدة؛ لأن هذا الفراق يُذكِّره بما لا حدَّ له من أنواع الفراق، وجميع ماضي أنواع المحبة المادية السفلية ومستقبلها مليء بالفراق.

ولمناسبة هذه المسألة نقول:

أيها الناس، أترغبون في أن تجعلوا عمركم الفاني القصير غير النافع عمرًا باقيًا طويلا نافعًا مثمرًا؟

بما أن هذه الرغبة هي من مقتضى الإنسانية، فاصرفوا عمركم إذن في سبيل الباقي الحقيقي؛ لأن الذي يتوجه إلى الباقي ينال تجليات البقاء، وبما أن كل إنسان يرغب في عمر مديد رغبة شديدة جدًّا ويعشق البقاء، وبما أن هناك وسيلةً تُحوّل هذا العمر الفاني إلى عمر باقٍ، ويمكن تحويله إلى عمر مديد جدًّا معنى؛ فلاشك أن الإنسان الذي لم تَتَرَدّ إنسانيته سيبحث عن تلك الوسيلة، وسيسعى لتحويل هذا الإمكان إلى الواقع الملموس، وسيتحرك وفق ذلك، أما هذه الوسيلة فهي:

اعملوا لله، التقوا وتواصلوا بالله، واسعوا لله، وتحركوا ضمن مرضاة الله: "لله، ولوجه الله، ولأجل الله"، فعندئذ تكون دقائق عمركم كسنوات، وما يبينه القرآن من أن ليلة واحدة كليلة القدر خير من ألف شهر وتعدل ثمانين سنة ونيفا يشير إلى هذه الحقيقة.

ثم إن المعراج -الذي يستغرق بضع دقائق والذي هو كسنوات عديدة- يثبت وجود هذه الحقيقة ويدل على وقوعها بالفعل بسر بسط الزمان الذي هو دستور محقَّق بين أهل الولاية والحقيقة، ويشير إلى هذه الحقيقة.

فمدة ساعات المعراج لها سعة وإحاطة وطول كآلاف السنين؛ لأنه r دخل بالمعراج عالم البقاء، فبضع دقائق من عالم البقاء قد تضمنت آلاف السنين من سنوات هذه الدنيا.

19. صفحة

 

ثم إن هنالك حوادث ووقائع تُبْنَى على هذه الحقيقة، وهي بسط الزمان([1]) الذي وقع كثيرًا بين الأولياء، وهناك أخبار تروى من أن بعض الأولياء قاموا بعمل يومٍ في بضع دقائق، وبعضهم أدى وظيفة سنة في ساعة واحدة، وبعضهم ختم القرآن في دقيقة واحدة؛ فلاشك أن أهل الحق والصدق أمثال هؤلاء يترفعون عن الكذب ولا يقعون فيه عن قصد، وأنهم قد شاهدوا حقيقة بسط الزمان عيانا كما ورد في أخبار متواترة كثيرة جدًّا لا تقبل الشبهة بأي وجه من الوجوه.

وثمة نوعٌ من أنواع بسط الزمان مصدّقٌ من قبل الجميع، وهو ظاهرة الرؤيا؛ إذ يحتاج الإنسان في عالم اليقظة إلى يوم بل عدة أيام كي يرى ما رآه في دقيقة واحدة من رؤيا، وما حدث له، وما تكلم به، وما تلذذ به، أو ما قاساه من الآلام فيها.

الحاصل: إن الإنسان مع أنه فان فإنه قد خُلق للبقاء، وخلق كمرآة لمن هو باقٍ، وكُلّف بأداء وظائف تثمر ثمرات باقية، ومُنِح صورةً هي مدارٌ لتجليات ونقوش أسماء الباقي الباقية، إذن فالوظيفة الأصلية والسعادة الحقيقية لمثل هذا الإنسان هي أن يتمسك بكل جهازاته وبكل استعداداته بأسماء ذلكم الباقي السرمدي ضمن دائرة مرضاته، وأن يسير في طريق الأبد متوجهًا إلى ذلكم الباقي تعالى.

فكما أن لسانه يقول "يا باقي أنت الباقي" فيجب أن يقول قلبه وروحه وعقله وجميع لطائفه:

 

"هُوَ الْبَاقِي، هُوَ الأَزَلِيُّ الأَبَدُ، هُوَ السَّرْمَدِيُّ، هُوَ الدَّائِمُ، هُوَ الْمَطْلُوبُ، هُوَ الْمَحْبُوبُ، هُوَ الْمَقْصُودُ، هُوَ الْمَعْبُودُ".

 

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا

 


[1]  إن آية ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (الكهف:19)، وآية

﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (الكهف:25) كما تدلان على "طي الزمان"، فالآية ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (الحج:47) تدل على "بسط الزمان". (المؤلف)

 سة