اللمعة الثالثة والعشرون

248. صفحة

 

اللمعة الثالثة والعشرون

رسالة الطبيعة

لقد أصبحت المذكرة السادسة عشرة من اللمعة السابعة عشرة نسبة لأهميتها الكبرى "اللمعة الثالثة والعشرين"، وهي تقتل الفكرَ الكفريَّ الناشئ عن الطبيعة قتلا لا حياة بعده، وتُفتت حجر أساس الكفر، وتفرقه شذر مذر.

إخطار:

لقد بُيِّن في هذه المذكرة مدى بعد ماهيةِ الطريق الذي يسلكه المنكرون من الطبيعيين عن العقل، ومدى قبحها وخُرافيتها من خلال تسعة محالات تتضمن تسعين محالا على الأقل.

 لقد حُذِفت من هنا بعضُ المدارج للاختصار؛ إذ قد وُضِّحت تلك المحالات إلى حد ما في رسائل أخرى، لذا يَرِدُ على الخاطر فجأة: كيف أن هؤلاء الفلاسفة الأذكياء قبلوا مثل هذه الخرافة الظاهرة البدهية، وكيف أنهم سلكوا طريقها؟

أجل؛ إنهم لم يتبينوا ماهية مسلكهم وحقيقته، لكن بُيِّنَتْ هنا حقيقة مسلكهم وما يلزمه وما يقتضيه.

إنني على استعداد تام لإثبات أن خلاصة مذهبهم القبيح الكريه غير المعقول الذي بُيِّن في أثناء كل محال، هي من مستلزمات مسلكهم ومقتضاه الضروري، وذلك ببراهين بدهية وقاطعة وبتفصيل لمن لديه شبهات([1]).


[1]   إن سبب تأليف هذه الرسالة هو الهجوم على القرآن الكريم بأساليب غاية في التجاوز والقبح بتزييف حقائق الإيمان بقولهم لكل شيء لا تدركه عقولهم السخيفة خرافة، وإسنادِ الكفر والإلحاد إلى الطبيعة، أما ذلك الهجوم فقد ألقى في القلب غيظا شديدا بحيث جعلني أنهال بصفعات شديدة وقاسية على هؤلاء الملحدين، وعلى أصحاب المذاهب الباطلة المعرضين عن الحق، والحقّ أن دأب رسائل النور قولٌ لينٌ في رفق ولطف.

 



249. صفحة

بســم الله الرحمن الرحيم

﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (إبراهيم: 10)

إن هذه الآية الكريمة تبين أن وجود الله ووحدانيته قاطعان في درجة البداهة، وذلك بطبيعة الاستفهام الاستنكاري: أفي الله شك؟! وينبغي ألا يُشكَّ فيه.

إخطار قبل إيضاح هذا السر:

سافرت إلى أنقرة قبل اثني عشر عامًا، في سنة ١٣٣٨هـ (١٩٢٢م)، ورأيت أن فكرة الزندقة الرهيبة تحاول التسلل بمكر ودسيسة إلى الأفكار القوية لأهل الإيمان -بُغية إفسادها وتسميمها- الذين يفرحون لانتصار جيش الإسلام على اليونان، فتأوهت وقلت: هذا الأفعوان سيتعرض لأركان الإيمان، فكتبتُ عند ذلك في إحدى رسائلي بالعربية مستمدًّا من القرآن الحكيم برهانًا قويًّا بدرجة يستطيع معها أن يُهشِّم ويحطم رأس هذه الزندقة، حيث إن هذه الآية الكريمة تُفهِّم وجود الله ووحدانيته بدرجة البداهة، وطبعتُها في مطبعة " يَنِي كُونْ" بأنقرة.

ولكن الذين يعلمون اللغة العربية أو الذين يهتمون بهذه الرسالة كانوا قلة، والرسالة كانت في غاية الاختصار والإجمال؛ لذا لم يستطع ذلك البرهان القويُّ أن يؤثر تأثيرا ملموسا مع الأسف، وانتشر - مع الأسف - ذلك الفكر الكفري الإلحادي وتقوَّى.

لذا اضْطُرِرْت إلى بيان ذلك البرهان باللغة التركية، ولما كان بعض أقسام ذلك البرهان قد وُضِّح توضيحا كافيا في بعض الرسائل فسيُكتب هنا مجمَلا، فالبراهين المتعددة المبثوثة في رسائل أخرى تتحد حول البرهان إلى حد ما، وكل واحد منها يأخذ حكم جزء من أجزاء هذه الرسالة.

 

 

المقدمة:

أيها الإنسان، اعلم يقينًا أن هنالك كلماتٍ رهيبة تخرج من أفواه الناس تفوح منها رائحة الكفر والإلحاد، ويستعملها أهل الإيمان دون وعي منهم، وسنبين ثلاثًا من أهمِّها.

250. صفحة

أولاها: [أَوْجَدَتْهُ الأَسْبَابُ] أي إن الأسباب هي التي توجِد هذا الشيءَ.

ثانيتها: [تَشَكَّلَ بِنَفْسِهِ] أي إن الشيء يأتي إلى الوجود ويحدث ويتشكل من تلقاء نفسه.

ثالثتها: [اقْتَضَتْهُ الطَّبِيعَةُ] أي إنه أمر طبيعي، والطبيعة هي التي تقتضيه وتوجِدُه.

أجل؛ بما أن الموجودات موجودةٌ ولا يمكن إنكارها، وبما أن كل موجود يأتي إلى الوجود في غاية الإبداع والحكمة، وبما أنه ليس قديمًا بل حادثا، فإما أن تقول أيها الملحد، إن هذا الموجودَ - هذا الحيوان مثلا - توجِده أسباب العالم، أي إن ذلك الموجود يأتي إلى الوجود باجتماع تلك الأسباب، وإما أنه يتشكل من تلقاء نفسه، وإما أنه يأتي إلى الوجود بمقتضى الطبيعة ومن جراء تأثيرها، أو أنه يوجَد بقدرة قدير ذي جلال.

فبما أنه ليس هنالك طريق - عقلا - غير هذه الطرق الأربعة، فإذا أُثبِت إثباتًا قاطعا أن الطرق الثلاثة الأولى محالة باطلة ممتنعة وغير ممكنة، فبالضرورة وبالبداهة وبلاشك ولا شبهة يَثْبُتُ طريقُ الوحدانية وهو الطريق الرابع.

أما الطريق الأول: فهو تَشكُّل الأشياء ووجود المخلوقات باجتماع أسباب العالم، فأذكر هنا ثلاثة فقط من بين محالاته الكثيرة جدًّا.

أولها: يوجَد في صيدلية ما مئات من القوارير الممتلئة بمواد مختلفة متنوعة، وطُلِب تحضير معجون حيوي من تلك الأدوية، ولزم الأمر تركيب ترياق خارق ذي حياة مكوَّن منها.

فدخلنا الصيدلية، فإذا بنا نرى فيها أعدادا كبيرة من عبوات ذلك المعجون الحيوي وذلك الترياق ذي الحياة، وأمعنّا النظر في كل من عبوات ذلك المعجون، فرأينا أنه قد أُخذت موادّ كيمياوية بميزان خاص وبمقادير مختلفة من كل تلك القوارير؛ درهمٌ أو درهمان من هذه، وثلاثة أو أربعة دراهم من تلك، وستة أو سبعة دراهم من أخرى، وهكذا، ولو أُخذ من إحدى تلك المواد درهم ناقص أو درهم زائد لَفقد ذلك المعجون خاصيته، ولما أصبح ذا حياة؛ ثم قمنا بفحص ذلك 

251. صفحة

الترياق ذي الحياة، فرأينا أنه قد أُخذت بميزان مخصوص مادةٌ من كل قِنِّينَة([1])؛ بحيث لو أُخذ أكثر أو أقل ولو بمقدار ذرة، لفقد الترياق خاصيته، وأنه قد أُخذت تلك المواد بمقادير مختلفة متباينة من كل واحدة من تلك القناني وهي أكثر من خمسين قنينة.

فهل هنالك إمكان واحتمال بأي وجه من الوجوه أن تسيل تلك المواد المأخوذة بمقادير مختلفة من تلك القناني والدوارق بمقاديرها المطلوبة لا أكثر ولا أقل بتأثير تقلبات القناني من جراء مصادفة غريبة، أو بتأثير رياح عاصفة، فتنساق كلها معًا، فتجتمع فتشكل ذلك المعجون؟!

هل هنالك خرافةٌ ومحال وباطل أكثر من ذلك؟! لو أصبح الحمار حمارًا مضاعفًا ثم تحول إلى إنسان لَفَرَّ قائلا: إنني لا أقبل هذا الفكر!

فكما في هذا المثال فإن كل ذي حياة هو معجون ذو حياة ولاشك، وكل نبات شبيهٌ بترياق حيوي حيث رُكِّب من مواد كيمياوية في غاية التنوع ومن مواد مختلفة جدًّا، بل من مواد مأخوذة بمقادير في غاية الحساسية؛ إذ لو أُسند إلى الأسباب والعناصر وقيل إن الأسباب أوجدته فهذا بعيد عن العقل كل البعد، ومحال وباطل تماما كبطلان حصول المعجون الموجود في الصيدلية من مجرد تقلبات القناني.

الحاصل: إن المواد الحياتية المأخوذة بميزان القضاء والقدر للحكيم الأزلي في هذه الصيدلية الكبرى للعالم لا يمكنها أن تأتي إلى الوجود إلا بحكمة غير محدودة، وبعلم لا نهاية له وبإرادة تشتمل على كل شيء.

فالشقي الذي يدعي أن هذه المواد هي من صنع وإيجاد الطبائع والأسباب العمياء الصماء التي لا حدود لها والتي تجري جريان السيل، هو أكثر حُمقا ممن يهذي كالمجنون، وممن هو أحمق سكيرٌ يقول بأن ذلك الترياق العجيب تَكوَّن من جراء تقلبات الدوارق والقناني من تلقاء نفسها.

نعم؛ إن الكفر هذيان في حمق وسكر وجنون.


[1]   قنينة: زجاجة.

 



252. صفحة

المحال الثاني: إن لم يُسنَد كل شيء إلى القدير ذي الجلال الذي هو الواحد الأحد، وأُسند إلى الأسباب، فسيلزم عندئذ أن يكون لأسباب العالم وعناصره الكثيرة جدًّا تدخلٌ في جسم كل فرد من أفراد ذوي الحياة، مع أن اجتماع أسباب متباينة مختلفة ومتضادة في جسم مخلوق صغير كالذباب بكمال الانتظام وبميزان حساس جدًّا وباتفاق تام؛ محالٌ ظاهر بحيث إن من له شعور وإدراك بقدر جناح ذبابة سيقول: إن هذا محال لا يمكن!

أجل؛ إن لجسمِ ذبابةٍ صغيرة جدًّا علاقاتٍ مع أغلب عناصر الكون وأسبابها، بل هو خلاصة له، فإن لم يُسنَد إلى القدرة الأزلية يلزمْ أن تكون تلك الأسباب المادية حاضرةً بذواتها عند جسمها، بل يلزم أن تدخل في جسمها الصغير جدًّا، بل يلزم أن تدخل في خلية واحدة من خلايا عينها التي هي نموذج صغير لجسمها، لأن السبب إن كان مادِّيا يلزم أن يكون موجودا عند المسبَّب وفي داخله.

ومن هنا يلزم قبول وجود أركان العالم والعناصر والطبائع وجودًا مادّيًّا في تلك الخلية الصغيرة التي لا تتسع لأصابع ذبابتين تلك الأصابع التي كالإبرة، وعملها فيها كبنّاء.

فيستحيي من مسلك كهذا حتى أبله بُلهاء السوفسطائية.

المحال الثالث: إذا كان لموجود وحدةٌ؛ فلاشك أنه يصدر عن واحد وعن يدٍ واحدة حسب قاعدة "الواحد لا يصدر إلا عن الواحد"، ولاسيما إذا كان ذلك الموجود ذا انتظام في غاية الكمال وميزان حساس وحياة جامعة، فإنه يظهر بداهةً أنه لم يصدر عن الأيدي المتعددة التي هي سبب الاختلاف والفوضى، بل صدر عن يد واحدة قديرة حكيمة للغاية، فإسناد ذلك الموجود البديع الموزون المتقن إلى الأيدي المختلطة للأسباب الطبيعية غير المحدودة الجامدة الجاهلة المتجاوزة الخالية من الوعي والإدراك، العمياء الصمّاء التي هي في فوضى عارمة مع العلم أن عمى الأسباب وصممها يزداد بسبب الاجتماع والاختلاط ضمن طرق غير متناهية للإمكانات؛ بعيدٌ عن العقل كقبول مائة محال دفعة واحدة، 

253. صفحة

فبغض النظر عن هذا المحال فلاشك أن تأثير الأسباب المادية إنما يتم بمباشرة وتماس، مع أن تماس تلك الأسباب الطبيعية إنما هو بظواهر الموجودات ذات الحياة، في حين أننا نرى أن باطن ذوي الحياة الذي لا تصل إليه يدُ الأسباب المادية ولا تَمَسّه أكثرُ إتقانًا وإبداعًا ولطافة وأكمل صنعةً من ظاهرها بعشر مرات.

فلا يمكن إسناد ذوي الحياة الصغار جدًّا والحيوانات الصغيرة - التي لا تتسع بأي وجه من الوجوه لأيدي الأسباب المادية وآلاتها، بل لا يمكن أن تمسَّ حتى ظاهرها - إلى الأسباب الصَّمَّاء العمياء الجامدة الجاهلة الغليظة المتباعدة المتضادة، مع أنها أعجب من أكبر المخلوقات صنعةً، وأبدع منها خِلقةً، إلا إذا كان من ينسبها أعمى وأصم عمىً وصمَمًا لا حد لهما.

الطريق الثاني: وهي: "تَشَكَّلَ بِنَفْسِهِ"؛ أي: الموجوداتُ تتشكل من تلقاء نفسها، فلهذه الجملة كذلك محالات كثيرة، فهي باطلة ومحالة بأوجه كثيرة، فسنبين ثلاثة من محالاتها كنماذج:

أولها: أيها المنكر المعاند، إن أنانيتك جعلتك أحمق إلى حد أن تحكم بقبول مائة محال مرة واحدة؛ لأنك موجود، ولست مادة بسيطة، ولست جامدًا ولست بلا تغيُّر، بل إنك آلة في غاية الإتقان في تجدد دائم، وكقصرٍ رائع في تحول دائم، وتعمل الذراتُ في جسمك كلَّ وقت، فلِجسمك علاقات مع الكائنات، خاصة من حيث الرزق، ولاسيما من حيث بقاء النوع، وله أخذ وعطاء ومبادلات معها، فالذرات العاملة في جسمك تعمل بدقة وحساسية لكيلا تخل بتلك العلاقات ولا تفسد تلك المناسبات، وتخطو كلَّ خطواتها بكل الحيطة والحذر، كأنها تنظر وتتوجه إلى كل الكائنات، فترى علاقاتك ومناسباتك، ثم تتخذ وضعًا مناسبًا لها، فتستفيد أنت بحواسك الظاهرة والباطنة حسب الأوضاع الرائعة لتلك الذرات.

فإن لم تقبل أن الذرات الموجودة في جسمك مأموراتٌ وموظفات صغيرات للقدير الأزلي تعمل وفق قوانينه، أو أنها جيشُه، أو أسنانُ قلم القدر، أي كل ذرة كَسِنِّ قلم، أو أنها نقاطُ قلم القدرة أي كل ذرة نقطة؛ للزم أن تكون لكل ذرة عاملة في جسمك عينٌ تستطيع رؤية أجزاء جميع جسدك فضلا عن أنها تستطيع رؤية 

254. صفحة

جميع الكائنات التي ترتبط بها، وللزم إعطاؤها عقلاً في قوة عقول مائة عبقري يستطيع أن يعلم ويعرف كلَّ ماضيك ومستقبلِك ونسلك وأصلك ومنابع عناصرك ومعادن أرزاقك.

 فإسناد علم ووعي بقدر علمِ ألفِ "أفلاطون" إلى ذرة من ذرات من ليس له مثقال ذرة من عقل مثلك في مثل هذه المسائل هو خرافة وجنون لا حد لهما.

المحال الثاني: إن جسمك يشبه قصرًا بديعًا رائعًا له ألف قبة، وقد وُضِعت الأحجار في كل قبة من قبابه متكاتفةً معلقةً من غير عمد، بل إن جسمك أعجب من هذا القصر ألف مرة، لأن قصر جسمك متجدد دومًا وباستمرار وبكمال الانتظام، فكل عضو من أعضاء جسمك بغض النظر عن الروح والقلب واللطائف المعنوية التي كلٌّ منها بديعة خارقة، مثل منزل ذي قبة؛ حيث إن الذرات يتكاتف بعضها مع بعض بكمال الموازنة والتناسق كما تتكاتف أحجار تلك القبة، فتُظهِر بناء خارقا، وفنًّا رائعًا، ومعجزات قدرة عجيبة كالعين واللسان.

فإن لم تكن هذه الذرات مأمورات وموظفات تابعات لأوامر باني هذا العالم وصانعه، فسينبغي عندئذ أن تكون كل واحدة من الذرات ذات حاكميةٍ مطلقة على جميع تلك الذرات الموجودة في الجسم، ومحكومةً منها كذلك بحكم مطلق في الوقت نفسه، ومماثِلة لكل واحدة منها، وضدًّا لها من حيث الحاكمية، ومَصدرًا ومنبعًا لأغلب الصفات الخاصة بالواجب الوجود وحده، وينبغي أن تكون في وضع مقيد ومُطْلَق للغاية، ومع ذلك فإسناد المصنوع الواحد المتقن البديع الذي لا يمكن أن يأتي إلى الوجود إلا بفعل الواحد الأحد حسب "سر الوحدة"، إلى ذرات غير محدودة محال ظاهر بدهي، بل مائة محال، ومن له مثقال ذرة من عقل يدرك ذلك.

المحال الثالث: إن لم يكن جسمك مخطوطًا بقلم القدير الأزلي الذي هو الواحد الأحد، بل أُسند إلى الطبيعة والأسباب وكان مطبوعا، يلزمْ عندئذ أن تكون لكل خلية من خلايا جسمك قوالب الطبيعة، بل بعدد آلاف المركبات الموجودة فيه كدوائر متداخلة.

255. صفحة

لأن هذا الكتاب الذي بين يديك – مثلا - إن كان "مخطوطًا" فقلم واحد يكتب كل ما فيه مستنِدا إلى علم كاتبه، فإن لم يكن "مخطوطًا" ولم يُسنَد إلى قلم كاتبٍ واعتُقِد أنه قد تَشَكَّل بنفسه، أو أُسند إلى الطبيعة، يلزمْ عندئذ أن يكون لكل حرف من حروفه قلم من حديد - كما هو الحال لكتاب مطبوع - حتى يُطبَع ،كما أن في المطابع حروفًا من حديد بعدد الحروف ومن ثم تأتي إلى الوجود الحروفُ الموجودة في الكتاب، أي يلزم أن تكون أقلام بعدد الحروف بدلا من قلم واحد، بل يلزم أن يكون لحرف واحد آلاف من الأقلام، إن كان قد كُتب في حرف كبير صفحةٌ بقلم دقيق كما هو الحال في بعض الأحايين، بل إذا كانت تلك الحروف يتداخل بعضها في بعض وتُظهر أوضاعًا منتظمة منسقة، وتُشكل هيئة مثل جسدك أنت، فعندئذ يلزم أن يكون لكل جُزء ولكل دائرة قوالب بعدد تلك المركبات.

هب أنك تقول إن هذه الحالة - التي فيها مائة محال - ممكنة! إن لم تُسنَد صناعة تلك الحروف الحديدية المتقنة وصناعة تلك القوالب والأقلام البديعة - كذلك - إلى قلم واحد، يلزم لصنع تلك الأقلام والقوالب والحروف الحديدية أقلام وقوالب وحروف بعددها؛ لأن هذه الأشياء كذلك "مصنوعة" بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ولأنها بديعة متقَنَة، وهكذا يتسلسل الأمر كلما استمررتَ.

فافهم أنت كذلك أن هذا فكر فيه محالات وخرافات بعدد ذراتك!

فيا أيها المعاند المعطل، اخجَل أنت كذلك وتخلَّ عن هذه الضلالة!

الكلمة الثالثة: [اقْتَضَتْهُ الطَّبِيعَةُ] أي الطبيعة هي التي تقتضيه وتصنعه وتخلقه، فلهذا الحكم محالات كثيرة.

نذكر ثلاثة منها كنماذج:

المحال الأول: إن الصنعة والإيجاد المسميين بالبصيرة والحكمة الظاهرين في أغلب الموجودات ولاسيما في ذوي الحياة إن لم يسندا إلى قلم القدر والقدرة للشمس الأزلي، بل أسندا إلى الطبيعة والقوة العمياوين الصمَّاوَيْن غير الواعيتين، للزم أن تُحضِر الطبيعة آلاتٍ ومطابعَ معنويةً لا حد لها من كل شيء من أجل الإيجاد، أو أن تُدرِج في كل شيء حكمة وقدرة قادرتين على خلق الكائنات 

256. صفحة

وإدارتها؛ إذ كما أن تجليات الشمس وانعكاساتها تظهر على قطع الزجاج الصغيرة صِغر الذرة وعلى القطرات في الأرض؛ فإن لم تُسنَد تلك الشميسات المثالية المنعكسة إلى الشمس الوحيدة في السماء، للزم قبول وجود شمسٍ طبيعية وفطرية ومالكة لخواص الشمس وصغيرة في الظاهر وضخمة جدًّا في الحقيقة وجودا خارجيا في أعماق قطعة زجاج صغيرة صغر الذرة التي لا تتسع لرأس كبريت، وللزم قبول وجود شموس طبيعية بعدد ذرات الزجاج.

فكما في هذا المثال تماما؛ إن لم تُسنَد الموجودات وذوو الحياة إلى تجليات أسماء الشمس الأزلي إسنادًا مباشرًا، للزم قبول قوة طبيعية في كل موجود ولاسيما في كل ذي حياة، تحمل قدرة وإرادة لا حدّ لهما، وعلمًا وحكمةً لا نهاية لهما؛ أي كأن هنالك إلها في كل موجود وفي كل حي.

فالتفكير بهذا النمط هو أشدّ المحالات بطلانًا وخرافةً في الكون، والإنسان الذي يسند صنعةَ خالق الكون - المتوجهةَ إلى الذباب - إلى الطبيعة الموهومة التافهة غير الواعية يُظهر أنه حيوان بل أكثر من الحيوان حيوانية بمائة مرة، وأقل منه وعيا بمائة مرة.

المحال الثاني: إن لم تُسنَد هذه الموجودات المنتظمة المتناسقة الموزونة البديعة المليئة بالحِكَم إلى من هو قدير وحكيم لا نهاية لقدرته وحكمته بل أُسنِدت إلى الطبيعة؛ للزم للطبيعة أن تُحضِر في كل حفنة من التراب ماكينات ومطابع بعدد مطابع ومصانع أوروبا حتى يستطيع أن يكون ذلك التراب سببًا لنشوء ونموّ وتصميم الأزهار والثمار التي لا حد لها والتي هو مَنشؤها ومعملها.

لأنه تبدو وتتراءى فعلا قابليةٌ قادرة على تصميم وتصوير أشكال وهيئات مختلف بعضها عن بعض غاية الاختلاف لدى جميع الأزهار التي وضعت بذورها بمناوبة في تراب بقدر حفنة يقوم بمهمة قاعدة وزهرية للأزهار.

فإن لم تُسنَد هذه القابلية إلى القدير ذي الجلال فلابد أن تكون حينئذ لكل زهرة واحدةٍ آلات طبيعية خاصة في التراب الموجود في تلك الكأس([1]) وإلا

[1]   كأس الزهرة : مجموعة الأوراق التي تحيط ببرعم الزهرة.

 



257. صفحة

لم تَحدث تلك الحالة؛ لأن موادَّ البذور واحدةٌ كما في النطف والبويضات، أي مع أنها عبارة عن خليط من مولد الماء ومولد الحموضة والكربون والأزوت مخلوط خلطا غير منتظم وبلاشكل كالعجين، ولأن كل واحد من الهواء والماء والحرارة والضياء بسيط لا وعي له ولا شعور، ويجري كالسيل في تعامله مع كل شيء؛ فإن خروج تلك الأزهار غير المحدودة من ذلك التراب مختلفة الأشكال والتصاميم وفي غاية الانتظام والصنعة يقتضي بالبداهة وبالضرورة أن توجَد في التراب الموجود في تلك الكأس مطابع ومصانع معنوية صغيرة بقدر ما في أوربا حتى يستطيع - ذلك التراب - نسجَ هذا القدر من الأقمشة ذات الحياة وآلاف المنسوجات المختلفة النقوش.

فقس مدى انحراف أفكار الطبيعيين الكُفرية عن دائرة العقل، وأبصر مدى بعد السكارى الحمقى - الذين هم في صورة أناس والذين يظنون أن الطبيعة موجِدةٌ - عن العقل والعلوم حيث يدَّعون أنهم متخصصون في العلوم وأنهم عقلاء، وكيف أنهم اتخذوا خرافة ممتنعة وغير ممكنة بأي وجه من الوجوه مسلكًا لهم، أبصر كل هذا واضحك عليهم وابصق في وجوههم.

فإن قلتَ: إنه إذا أُسنِدت الموجودات إلى الطبيعة يحصل محالات عجيبة كهذه، ويحصل مشكلات بدرجة الامتناع، فكيف تزول تلك المشكلات إذا ما أُسنِدت إلى الأحد الصمد، وينقلب ذلك الامتناع ذو الصعوبات إلى الوجوب السهل؟

الجواب: كما ذُكر في المحال الأول؛ كما أن تجلي انعكاس الشمس وفيضها وتأثيرها يظهر على كل شيء شفاف لامع بدءًا من أصغر قطعة زجاج في صغر الذرة وانتهاء إلى سطح أكبر بحر بكمال السهولة كشميسات مثالية دونما صعوبة ومشقة؛ أي كلها تُظهر ذلك الانعكاس والفيض والتأثير، فإنْ قُطِعت نسبتُها عن الشمس فعندئذ ينبغي قبول إمكان وجود شمس طبيعية ذاتية وجودا خارجيًّا بصعوبة في درجة الامتناع في كل ذرة في منتهى الصغر.

كذلك إذا أُسنِد كل موجود من الموجودات إلى الأحد الصمد مباشرة فيمكن إيصال كل حاجة لكل موجود بسهولة ويسر بدرجة الوجوب وبالانتساب والتجلي. 

258. صفحة

أما إذا انقطع ذلك الانتساب وانقلبت تلك المأمورية إلى الانفلات والتسيب والفوضى وتُرك كل موجود طليقًا سائبًا وأسند إلى الطبيعة، فيلزم عندئذ أن يُفترض افتراضا فيه مائة ألف من المشكلات والصعوبات بدرجة الامتناع أن تكون للطبيعة العمياء الموجودة في الذباب -التى تخلق ماكينة جسم لذي حياة كالذباب التي هي في منتهى الإتقان والروعة وفهرس صغير للكون- حكمةً وقدرةً قادرةً على خلق الكون وإدارته، فهذا ليس محالاً واحدًا فحسب وإنما هو آلاف المحالات.

الحاصل: كما أن وجود شريك ونظير للواجب الوجود ممتنع ومحال؛ كذلك فإنَّ تدخل الغير في ربوبيته وفي إيجاده الأشياءَ ممتنع ومحال كامتناع وجود شريك له.

أما المشكلات في المحال الثاني فهي: أنه أثبت ببراهين متعددة قاطعة - كما أثبت في رسائل متعددة - أنه إذا أسند كل شيء إلى الواحد الأحد فيكون خلق كل شيء سهلا كسهولة خلق شيء واحد.

أما إذا أسند إلى الأسباب والطبيعة فيكون خلق شيء واحد ذا مشكلات كخلق كل شيء.

فخلاصة أحد هذه البراهين كالآتي: إنه إذا انتسب رجل إلى السلطان من حيث الجندية أو المأمورية، فيمكن أن ينجز ذلك المأمور وذلك الجندي بقوة ذلك الانتساب أعمالا تفوق ما ينجز بقوته الشخصية بمائة ألف مرة، ويتمكن من أسر مَلِكٍ باسم السلطان أحيانًا؛ ذلك لأنه لا يحمل أجهزة ما يقوم به من أعمال وإنجازات وقوته، ولا يضطر إلى حملها.

إن خزائن السلطان والجيشَ الذي هو نقطة استناد ذلك الجندي يحملان تلك القوة والأجهزة بواسطة ذلك الانتساب.

إذن يمكن أن يكون ما قام به من إنجازات رائعًا كإنجاز من إنجازات السلطان، وما قام به من أعمال وإجراءات خارقًا مثل أعمال وإجراءات جيش، كما أن النمل دمّر قصر فرعون بتلك المأمورية، والذباب أهلك النمرود بواسطة ذلك الانتساب، 

259. صفحة

وبذلك الانتساب تُنبِتُ([1]) نواة الصنوبر الصغيرة صِغر حبِّ القمح جميع أجهزة شجرة الصنوبر الضخمة.

فإنْ انقطع عن هذا الجندي ذلك الانتساب وسُرِّح من تلك المأمورية فسيضطر أن يستجمع قوته ويحمل أجهزة الأعمال التي سيقوم بها على ظهره وفي يمينه، فعندئذ يستطيع أن يقوم بعمل بمقدار قوة عضده الصغير وحسب عدد العُدّة التي على ظهره.

فإذا طُلِب منه أن يقوم في هذه الحالة بما كان يقوم به بسهولة في حالته الأولى، فلابد أن يحمل في يمينه قوة جيش، وعلى ظهره مصنع الآلات الحربية للسلطان، فهذا خيال يخجل منه حتى المهرِّجون الذين يروون الخرافات والأساطير العجيبة لإضحاك الناس.

الحاصل: إن في إسناد كل موجود إلى واجب الوجود سهولةً بدرجة الوجوب، وفي إسناده إلى الطبيعة من حيث الإيجاد مشكلات بدرجة الامتناع وهو خارج عن دائرة العقل.

المحال الثالث:

وهو عبارة عن مثالين يوضحان هذا المحال وقد بُيِّنَا في بعض الرسائل.

المثال الأول: دخل رجل في غاية البداوة والهمجية قصرًا بُنِيَ وشُيِّد في صحراء قفر وزُيِّن وأُثِّث بجميع آثار الحضارة، ونظر فرأى فيه آلاف الأشياء المتقنة البديعة، وبدأ يتحرى عن الباني وهو يقول بهمجيته وحماقته: إن أحد هذه الأشياء التي في القصر هو الذي صنع القصر وما فيه دون تدخُّل أحد من الخارج، فما من شيء نظر إليه إلا وعقله الهمجي لم يستسغ أن هذا الشيء هو

[1]  إن وُجد ذلك الانتساب فستتلقى تلك النواةُ أمرًا من القدر الإلهي وتقوم بأعمال رائعة، أما إذا انقطع ذلك الانتساب فيقتضي خلق تلك النواة وجود أجهزة وقدرة وصنعة أكثر مما يقتضي خلق تلك الشجرة الضخمة؛ لأن جميع أعضاء شجرة الصنوبر المجسمة التي هي أثر القدرة في الجبل يستلزم أن تكون موجودة مع أجهزتها في الشجرة المعنوية التي هي أثر القدر في تلك النواة؛ إذ مصنع تلك الشجرة الضخمة هو تلك النواة، فتَظهَر الشجرة المقدَّرة - التي في البذرة - في الخارج بواسطة القدرة، فتكون شجرة صنوبر مجسمة. (المؤلف)

 



260. صفحة

الذي صنع هذه الأشياء، ثم رأى سجلاً مكتوبًا فيه برنامج بناء القصر وفهرس مشتملاته وقوانين إدارته، ومع أن هذا السجل الذي لا يد له ولا عين ولا مطرقة ليس له استعداد وقابلية أصلا لبناء وتزيين ذلك القصر كما لا يمكن ذلك لسائر الأشياء التي فيه؛ فإنه اضطر أن يقول: إن هذا السجل هو الذي بنى هذا القصر ونظَّمه وزينه وصنع هذه الأشياء ووضعها وعلقها في أماكنها، إذ رأى أن هناك علاقةً بين هذا السجل وبين القصر برمته من حيث كونه عنوانًا للقوانين العلمية بالنسبة للأشياء الأخرى.

وبهذا حوّل همجيته إلى هذيان الحَمقى والسكارى.

فكما في هذا المثال تمامًا يدخل رجل همجي يحمل فكر الطبيعيين المؤدي إلى إنكار الألوهية قصرَ هذا العالم المليئة كلُّ أنحائه بحِكَم شبيهة بالمعجزات والذي هو أكثر انتظامًا وإبداعًا - بدرجة لا حدَّ لها - من القصر المذكور في المثال، ولا يفكر في أن قصر هذا العالم من إبداع (الذات) الواجب الوجود الخارج عن دائرة الممكنات، ويُعرِض عنه، ويرى - ضمن دائرة الممكنات -

مجموعةَ قوانين العادات الإلهية وفهرس الصنعة الربانية التي هي بمنزلة لوح محو وإثبات للقدر الإلهي والتي يمكنها أن تكون سجلاًّ يتبدل ويتغير ضمن قوانين إجراءات القدرة الإلهية والتي يطلق عليها -خطأً- "الطبيعة"، ويقول: "بما أن هذه الأشياء تقتضي سببًا، ولا يبدو أن هناك سببًا أنسب من هذا السجلّ، وفي الحقيقة لا يقبل العقل بأي وجه من الوجوه أن هذا السجلّ - الذي لا عين له ولا شعور ولا قدرة - يستطيع أن يقوم بالإيجاد الذي هو شأن الربوبية المطلقة والذي يقتضي وجود قدرة لا منتهى لها، وبما أنني لا أقبل الصانعَ القديم، فالأفضل أن أقول إن هذا السجل هو الذي أوجد هذه الأشياء ومازال يوجدها".

فنحن نقول: يا أيها الأحمق السكران الذي صار أكثر حمقًا من الحمقى: أخرج رأسك من مستنقع الطبيعة، وانظر، وأبصر الصانع ذا الجلال الذي تشهد على وجوده وتشير إليه بأصابعها كلُّ الموجودات بألسنة مختلفة بدءًا من الذرات وانتهاءً إلى الكواكب السيّارة، وأبصر تجليات النّقّاش الأزلي الذي بنى ذلك 

261. صفحة

القصر وكتب برنامج القصر على ذلك السجلّ، وانظر إلى أوامره الملَكية، واستمع إلى قرآنه، وتخلص من تلك الهذيانات.

المثال الثاني: دخل رجل في غاية البداوة والهمجية في معسكر مهيب لجيشٍ حيث رأى تدريباتهم ومناوراتهم الجماعية المنتظمة؛ إذ تقوم كتيبة ولواء وفوج بحركة جندي واحد يقعد وينطلق، ويطلق كلهم النار بأمر واحد للإطلاق؛ ولأن عقله الهمجي الساذج لم يكن يدرك أن قائدًا واحدًا يقوم بالقيادة بواسطة أنظمة الدولة وقوانين السلطان، بل ينكرها فيتخيل أن هؤلاء الجنود مرتبطون ببعضهم بحبال، ويفكر كيف أن ذلك الحبل الخيالي ذو خوارق فيأخذه الإعجاب والانبهار.

ثم يعود ويدخل مسجدًا عظيمًا كبيرًا مثل مسجد آياصوفيا يومَ الجمعة فيرى أن الجماعة تقوم وتركع وتسجد وتقعد بصوت رجل واحد، ولأنه لا يدرك ولا يعرف الشريعة التي هي عبارة عن مجموعة القوانين المعنوية السماوية ولا الدساتيرَ المعنوية الآتية من أوامر صاحب الشريعة، فيتخيل أن أفراد تلك الجماعة مرتبطون ببعضهم بحبال مادية، وأن تلك الحبال العجيبة أخذت تُحرِّكهم، ويخرج ويمضي بفكر سخيف يُضحِك حتى الأُناس الذين يحملون وحشية أشد الحيوانات افتراسًا.

وكما في هذا المثال تمامًا؛ يدخل منكر - يحمل فكر الطبيعة الإلحادي الذي هو محض الهمجية والوحشية - هذا العالمَ الذي هو معسكر مهيب لجنود لا حد لهم لسلطان الأزل والأبد، وهذا الكون الذي هو مسجد عظيم بديع للمعبود الأزلي، ويتصور أن القوانين المعنوية لأنظمة الكون الآتية من حكمة ذلكم السلطان الأزلي أشياء ماديةً ويتخيل أن كل واحد من القوانين الاعتبارية لسلطنة الربوبية والأحكام والدساتير المعنوية - التي ليس لها إلا وجود علمي - لشريعته الفطرية الكبرى، موجود خارجي وشيء مادي، ويقيم تلك القوانين الآتية من العلم والكلام فأيهمامكان القدرة الإلهية ويمنح يدَها الإيجادَ ثم يطلق اسم "الطبيعة" عليها، ومن ثم يعتبر أن القوة التي ليست إلا تجليًّا من تجليات القدرة الربانية قدرةً وقديرًا مستقلاً، إن هذا النوع من التفكير همجيةٌ ووحشية أحطّ مما في المثال بألف مرة.

262. صفحة

الحاصل: إن ما يطلِق عليه الطبيعيون "الطبيعة" التي هي وهم ولا حقيقة لها لا يمكنها أن تكون إلا صنعة وليس أكثر من ذلك إن كانت لها حقيقة خارجية، ولا يمكنها أن تكون صانعًا، وهي نقش ولا يمكنها أن تكون نقّاشًا، وأحكام ولا يمكنها أن تكون حاكمًا، وشريعة فطرية ولا يمكنها أن تكون شارعًا، وستار مخلوق للعزة ولا يمكنها أن تكون خالقًا، وفطرة منفعلة ولا يمكنها أن تكون فاعلا فاطرًا، وقانون وليست قدرةً، ولا يمكنها أن تكون قادرًا، ومِسطَرٌ ولا يمكنها أن تكون مَصدرًا.

الحاصل: بما أن الموجودات موجودة فعلا، وبما أنه لا يمكن تخيُّل طريق غير الطرق الأربعة لوجود موجود عن طريق "التقسيم العقلي" كما ذكر في مستهل "المذكرة السادسة عشرة"، فقد أُثبِت بطلان كل واحد من جهة ثلاثة أوجه من الأوجه الأربعة بثلاثة محالات ظاهرة إثباتًا قاطعًا، فلاشك أنه يتحقق بالضرورة وبالبداهة إثبات طريق الوحدة وهو الطريق الرابع إثباتًا قاطعًا، وذلك أن الآية الكريمة المذكورة في مستهل هذه الرسالة ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ تشير إلى ألوهية (الذات) الواجب الوجود بداهة وبدرجة لا تدع مجالا للشك والشبهة، وتُظهر أن كل شيء يصدر مباشرة عن يد قدرته، وأن السماوات والأرض في قبضة تصرفه.

أيها العابد للأسباب، ويا أيها الرجل المسكين الذي وحِل في الطبيعة!

 بما أن طبيعة كل شيء مخلوقة مثل كل شيء؛ إذ فيها الإبداع والصنعة، ومحدَثة، وسببها الظاهري أيضًا مصنوع كما لكل مُسبَّب، وبما أن وجود كل شيء يحتاج إلى أجهزة وآلات كثيرة جدًّا، إذن فهناك قدير مطلق يوجد الطبيعة ويخلق ذلك السبب، فما حاجة ذلك القدير المطلق إلى الوسائط العاجزة حتى يُشركها في ربوبيته وإيجاده، حاشاه، بل إنما خلق المسبَّبات والأسباب معًا مباشرة من أجل أن يُظهر تجليات أسمائه وحكمَه؛ ورتَّبهما ونظَّمهما ووضع بينهما علاقة السببية الظاهرية، وقَرَن بينهما اقترانًا ظاهريًّا، وجعل الأسباب والطبيعة حجبًا ليد قدرته كي تكون مرجعًا لما يظهر في الأشياء من القصور وعدم الرحمة والنقائص الظاهرية، فبذلك حفظ عزته وصانها.

263. صفحة

فأيهما أسهل؟ صناعة ساعاتيٍّ تروسَ الساعة ثم ترتيبها وتنظيمها بالتروس؟ أم صناعته آلةً خارقة في داخل تلك التروس ثم تسليمه صناعةَ الساعة لأيديها الجامدة كي تصنعها؟

أليست هذه الحالة الأخيرة خارجة عن دائرة الإمكان؟ هيا أجب أنت بعقلك غير المنصف، وكن أنت القاضي والحَكم.

أوْ يأتي كاتب بقلم ومداد وورقة، ثم يكتب بها هو نفسه كتابًا، أفهذا أسهل أم أن يُوجِد آلةَ كتابةٍ خاصة بذلك الكتاب وحده في تلك الورقة والمداد والقلم أبدع من ذلك الكتاب وأصعب وأشق منه، ثم يقول لتلك الآلة التي لا شعور ولاوعي لها: اكتبي أنتِ، ولا يتدخل هو نفسُه؟ أليس هذا أصعب من الكتابة بمائة مرة؟

فإن قلتَ: أجل؛ إن إيجاد آلة تكتب كتابًا أصعب من ذلك الكتاب بمائة مرة، إلا أن هنالك سهولة من حيث كون تلك الآلة واسطة لاستنساخها وطبعها نسخًا كثيرة من نفس الكتاب؟

فالجواب: إن النَّقَّاش الأزلي قد خلق التشخصات والملامح الخاصة التي في الأشياء بقدرته المطلقة مجدِّدًا كلَّ وقت تجليات أسمائه غير المتناهية ليُظهِر كل واحد منها في أشكال مختلفة بحيث لا يشبه أي مكتوب صمداني وأي كتاب رباني الكتبَ الأخرى بعينها البتة، على أية حال سيكون لكل كتاب ملامح خاصة متميزة كي يُعَبِّر عن معانٍ خاصة مختلفة، فإن كانت لك عين فانظر إلى ملامح الإنسان، فسترى على كل هذه الوجوه الصغيرة علامات فارقة تميزها عن غيرها من الوجوه كلها منذ عهد سيدنا آدم u إلى وقتنا الحاضر بل إلى الأبد، مع الاتفاق في الأعضاء الأساسية، وهذه الظاهرة ثابتة قطعًا؛ لذا فكل وجه كتابٌ مستقل بذاته، إلا أنه يتطلب أدوات كتابة خاصة، ويتطلب تنظيمًا خاصًّا، وطريقة تأليف خاصة لتصميمه وإبداعه، ويتطلب معملاً خاصًّا يختلف عن غيره كليًّا لجلب مواده اللازمة ووضعها في أماكنها المناسبة، وإدراج كل ما يلزم لوجوده من أشياء.

فلنعتبر الطبيعة مطبعة فرضًا، ولكنها - في هذه الحالة - ستحتاج إلى التنظيم والطبع الخاصين بالمطبعة؛ أي وضع نظامها المعيَّن في قالب، كما ستحتاج 

264. صفحة

لإيجاد ذلك التنظيم إلى إرادة القدير المطلق وقدرته الذي أوجد تلك المطبعة من أجل إيجاد المواد - التي إيجادها أصعب بمائة درجة من إيجاد غيرها من المواد - التي تُوجَد في جسم ذي حياة بميزان وانتظام خاص، وجلبها من أقطار العالم وتسليمها ليد تلك المطبعة، إذن فاحتمال وافتراض الطبيعة باعتبارها مطبعة خرافةٌ لا معنى لها إطلاقًا.

وكما في مثال الساعة والكتاب، فالصانع ذو الجلال والقادر على كل شيء خلق الأسبابَ، ويخلق المسبَّبات كذلك، ويربط المسبَّبات بالأسباب بحكمته، وحدد وعيَّن بإرادته تجليًا من تجليات الشريعة الفطرية الإلهية الكبرى -التي هي عبارة عن قوانين عادة الله لتنظيم حركات الكون- وطبيعة الأشياء التي ليست إلا مرآة ومعكسًا لتجليه في الأشياء، وأوجد بقدرته وجهَ الطبيعة الذي حظي بالوجود الخارجي، وخلق الأشياء على تلك الطبيعة ومزج بعضَها ببعض.

فهل قبول هذه الحقيقة -التي هي معقولة جدًّا والتي هي ثمرة لبراهين لا حد لها- سهل؟ أم الأسهل إسناد الأجهزة والآلات الضرورية لجسم كل شيء إلى المواد التي تطلقون عليها اسم "الأسباب" و"الطبيعة" التي هي جامدة ومخلوقة ومصنوعة وبسيطة ولا شعور لها ولا وعي؟ أليس قبول حقيقة الصانع ضرورية بدرجة الوجوب؟

وادعاء أن الأمور التي تتم بالحكمة والبصيرة أنها تتحقق من تلقاء نفسها؟

أليس هذا ممتنعًا وخارجًا عن دائرة الإمكان؟

أحيل هذا إلى إنصاف عقلك غير المنصف!

يقول المنكر عابد الطبيعة: بما أنك تدعوني إلى الإنصاف فإني أقول: إنني أعترف أن الطريق الذي سلكناه خطأً إلى الآن محال في مائة محال ومضر للغاية وقبيح إلى أقصى حد، ومَن له مقدار ذرة من الشعور سيفهم مِن تحقيقاتكم السابقة أن إسناد الإيجاد إلى الأسباب والطبيعة ممتنع ومحال، وأن إسناد كل شيء إلى الذات الواجب الوجود مباشرة واجب وضروري، وإني أعلن إيماني وأقول الحمد لله على الإيمان.

265. صفحة

ولكن عندي شبهة واحدة فقط، إنني أقبل أن الله هو الخالق، ولكنه ماذا يضر سلطنةَ ربوبيتِه تدخّلُ بعض الأسباب الجزئية في الإيجاد وفي الأشياء التافهة، وكسبُها شيئًا من المدح والثناء، فهل ينقص ذلك من سلطنته؟

الجواب:كما أثبتنا في بعض الرسائل إثباتًا قاطعًا، أن شأن الحاكمية ردُّ التدخل، حتى إن أدنى حاكم وموظف لا يقبل تدخل ولده في دائرة حاكميته، ويدل قتل بعض السلاطين المتدينين - مع أنهم خلفاء - أولادهم الأبرياء بسبب توهم التدخل في حكمهم على مدى أصالة قانون رد التدخل في الحكم، وقد أظهر "قانون منع الاشتراك" الذي يقتضيه الاستقلالُ في الحكم قوتَه خلال تاريخ البشر - بدءًا من محافظين اثنين في بلدة واحدة وانتهاء إلى سلطانين اثنين في مملكة واحدة - بالهرج والمرج والاضطرابات العجيبة جدًّا.

فانظر وأبصر كيف أن ظلاًّ واحدًا من ظلال الآمرية والحاكمية عند أناس عاجزين محتاجين إلى التعاون يرد التدخل إلى هذا الحد، ويمنع تدخل الغير، ويرفض الاشتراك في حكمهم ويسعى للحفاظ على استقلالهم في مناصبهم بتعصب لا نهاية له.

ثم إذا استطعت أن تقيس هؤلاء على (الذات) ذي الجلال الذي له الحاكمية المطلقة بدرجة الربوبية، والآمرية المطلقة بدرجة الألوهية، والاستقلال المطلق بدرجة الأحدية، والاستغناء المطلق بدرجة القادرية المطلقة وكيف أن رد التدخل ومنع الاشتراك وطرد الشريك لازم ضروري لتلك الحاكمية ومن مقتضياتها الواجبة فقس!

أما الشق الثاني من شبهتك فهو: إنْ أصبحَتْ بعض الأسباب مرجعًا لبعض من عبودية الجزئيات، فماذا ينقص ذلك من عبودية المخلوقات بدءًا من الذرات وانتهاءً إلى الكواكب السيَّارة، تلك العبودية المتوجهة إلى ذلك (الذات) الواجب الوجود الذي هو المعبود المطلق؟

الجواب: إن خالق هذا الكون الحكيمَ قد خلق الكون في حكم شجرة، وجعل ذوي الشعور أكمل ثمار لها، وجعل الإنسان من بين ذوي الشعور أجمع ثمارها.

266. صفحة

فهل ذلك الحاكم المطلق الآمر المستقلّ الواحد الأحد الذي خلق الكون من أجل أن يُحبِّب ويُعرِّف نفسَه؛ يسلِّم الإنسانَ الذي هو ثمرة جميع الكون وشكرَ الإنسانِ وعبادتَه اللذين هما أهم شيء عنده بل نتيجة خلقه وغاية فطرته وثمرة حياته -ذلك الشكر وتلك العبادة اللذين هما أسمى ثمرة له- لأيدي الآخرين؟

فهل يجعل نتيجة الخلقة وثمرة الكون عبثًا مخالفًا حكمته كليًّا؟ حاشاه وكلا!

وهل يرضى أن يسلّم عبادات المخلوقات لأيدي الآخرين بصورة تجعلهم ينكرون حكمته وربوبيته، وهل يسمح بذلك؟

وهل يُنسِي نفسَه ويجعلهم ينكرون مقاصده العالية في الكون مسلّمًا للأسباب شكرَ مخلوقاته البديعة وامتنانها وتحببها وعبوديتها، مع أنه يظهر بأفعاله أنه يحبِّب ويعرِّف نفسه بدرجة لا حد لها؟

أيها الصديق الذي تخلى عن عبادة الطبيعة! هيا قل أنت!

 فيقول هو "الحمد لله"، فقد زالت هاتان الشبهتان من عندي، حيث إنك أظهرت لي دليلين قويين وساطعين على الوحدانية الإلهية وعلى أنه هو المعبود الحقّ، وأنه لا يستحق العبادة سواه؛ إذ إن إنكار هذه الحقائق مكابرة كإنكار الشمس والنهار.

 

خاتمة اللمعة الثالثة والعشرين

يقول الرجل الذي ترك فكرةَ الطبيعةِ الكُفْرِيَّةِ ودخل الإيمان: الحمدُ لله، فقد زالت شُبُهاتي، ولكن لديَّ بعضُ الأسئلةِ تثيرُ تَطَلُّعي للمزيد من المعرفة.

السؤال الأول:

إننا نسمع كثيرًا من الكسالى ومن تاركي الصلاة يقولون: ما حاجة الرَّبِّ سبحانه إلى عبادتنا؛ حتى يزجر في القرآن بشدة وإصرار الذين يتركون العبادة، ويهددهم بعقاب شديد كجهنم، فكيف يليق هذا الأسلوب بتعبير القرآن المعتدل المستقيم العادل، حيث يتشدد إلى أبعد الحدود تجاه خطأ جزئي لا أهمية له؟

267. صفحة

الجواب:

نعم؛ إن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى عبادتك، ولا يحتاج إلى أي شيء، ولكنك أنت المحتاج إلى عبادته، فأنت مريض معنى، والعبادة هي ترياق جروحك المعنوية كما أثبتنا ذلك في كثير من الرسائل.

فإذا ما قال مريض لطبيب شفوق رحيم يصر عليه في تناول الأدوية المفيدة الناجعة: ما حاجتك أنت أيها الطبيب حتى تصر عليَّ هكذا؟! فإنك ستفهم مدى تفاهة هذا الكلام وسخفه.

أما وعيد القرآن الشديد وعقابه المرعب على ترك العبادة فذلك:

كما أن السلطان يعاقب شخصًا عاديًّا حسب خطئه الذي أضرّ بحقوق رعيته عقابًا شديدًا كي يحافظ على تلك الحقوق؛ كذلك فإن تارك العبادة والصلاة يَتَعَدَّى على حقوق الموجودات التي هي كرعايا لسلطان الأزل والأبد تعديا خطيرًا، ويرتكب ظلمًا معنويًّا في حقها.

ذلك لأن كمالات الموجودات تظهر بالتسبيح والعبادة في وجوهها المتوجهة إلى الصانع سبحانه، فالذي يترك العبادة لا يرى عبادة الموجودات، ولا يستطيع أن يراها، بل ربما ينكرها، ويحط عندئذ من شأن الموجودات التي هي في مقام عالٍ من العبادة والتسبيح، والتي كل واحد منها مكتوب صمداني ومرآة عاكسة للأسماء الربانية، ويعتبرها جامدة بائسة تافهة لا قيمة ولا وظيفة لها؛ فالذي يترك هذه العبادة يكون قد أهان الموجودات، وأنكر كمالاتها وتعدى على حقوقها.

أجل؛ إن كل إنسان يرى الكون حسب مرآته الشخصية، وقد خلق الحقُّ تعالى الإنسانَ على صورة مقياس وميزان للكون، ومنح لكل إنسان عالَمًا خاصًّا به من هذا العالم، ويُظهِر لونَ ذلك العالم حسبما يعتقد قلب الإنسان.

فمثلا: الإنسان الذي يبكي يائسًا حزينًا جدًّا يرى الموجودات باكية يائسة، والإنسان السعيد الجذلان المستبشر المبتسم من شدة ابتهاجه يرى الكون جذلان مبتسمًا، كما أن العابد المسبح بإخلاص وجِدٍّ وتفكر يكشف ويرى -إلى حدٍّ ما- 

268. صفحة

عبادات الموجودات وتسبيحاتها الموجودة القائمةَ حقًّا، والرجل التارك للعبادة من غفلته أو من إنكاره يتوهم الموجودات توهمًا مخالفًا ومنافيًا لحقيقة كمالاتها بطريقة خطأ فيتعدى على حقوقها معنىً.

وكذا فإن تارك الصلاة يظلم نفسه التي هي عبد لمالكها؛ فهو ليس مالكا لنفسه؛ لذا فإن مالكه يتوعده بشدة كي يأخذ حقوق عبده من نفسه الأمارة.

وكذا فَتَرْكُهُ العبادةَ التي هي نتيجة خلقه وغاية فطرته يصبح بمنزلة تعدٍّ وتجاوزٍ على الحكمة الإلهية والمشيئة الربانية، فيلقى عقابًا شديدًا على ذلك.

الحاصل: إن تارك العبادة يظلم نفسه، أما نفسه فهي عبد ومملوك لله تعالى، ويتعدى على حقوق كمالات الكائنات ويظلمها أيضًا.

أجل؛ كما أن الكفر احتقار وإهانة للموجودات؛ فإن ترك العبادة كذلك إنكار لكمالات المخلوقات، وتجاوز على الحكمة الإلهية؛ لذا يستحق تارك العبادة الوعيد الشديد والعقاب الأليم.

إذن فإن القرآن المعجز البيان باختياره أسلوب الوعيد الشديد اختيارًا معجزًا ليعبر عن هذا الاستحقاق وهذه الحقيقة المذكورة، يكون قد راعى بجدارة كاملة مقتضى الحال الذي هو حقيقة البلاغة.

السؤال الثاني:

يقول الرجل الذي تخلى عن فكرة "الطبيعة" ودخل الإيمان: إن انقياد كل موجود للمشيئة الإلهية والقدرة الربانية في كل أمر من أموره وشأن من شئونه وفعل من أفعاله هو حقيقة عظيمة لا تسعها عقولنا الضيقة لعظمتها، بينما يدل ما نراه أمام أعيننا من وفرة غير متناهية من المخلوقات، وسهولة مطلقة في إيجاد الأشياء وخلقها، وسهولة ويسر غير متناهيين في إيجاد الأشياء في طريق الوحدة الذي تَحَقَّقَ وجوده بما بيّنتم من براهين سابقة، وسهولة غير متناهية بُيِّنَت بنص القرآن وأشارت إليها آياتٌ صراحةً أمثال ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (لقمان:28) و﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ ( النحل:77)

269. صفحة

كل ذلك يدل على أن تلك الحقيقة العظيمة هي مسألة مقبولة ومعقولة جدًّا، فما سر هذه السهولة وحكمتها؟

الجواب: لقد بُيِّن ذلك السر في بيان "الكلمة العاشرة" من "المكتوب العشرين" التي هي "وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" بيانًا في غاية الوضوح والقطعية، وبصورة مقنعة، في ذيل ذلك المكتوب أثبت بوضوح أكثر، وخلاصته:

إذا أُسنِد خلق جميع الموجودات إلى الصانع الأحد سَهُلَ خَلْقُهَا كسهولةِ خَلْق موجود واحد، وإن لم يُسنَد إلى الواحد الأحد صَعُبَ وأَشْكَلَ خلقُ موجود واحد كصعوبة خلق جميع الموجودات، ويكون خلق نواة واحدة كصعوبة خلق شجرة واحدة، ولكن إذا أسند خلقها إلى صانعها الحقيقي فإن خلق الكون يسهل كسهولة خلق شجرة واحدة، وخلق الشجرة يسهل كخلق نواة، والجنة كربيع، والربيع كزهرة واحدة.

وسنشير هنا إشارة مختصرة إلى "دليلين اثنين" من مئات الدلائل، ومن مئات الحجج المذكورة بالتفصيل في رسائل أخرى والتي تُظهر حِكَم وأسرار ما نراه بالمشاهدة من وَفْرَةٍ ورِخَصٍ غيرِ محدودين في المخلوقات، ووجودِ أفراد غير محدودة لكل نوع بسهولة، وإيجادِ الموجودات المتقنة البديعة القيمة بكثرة وسهولة وسرعة.

أولهما:

مثلا: كما أنه إذا أُوكِل أمرُ مائة جندي إلى إدارة ضابط واحد، فيكون أسهل بمائة مرة من تفويض أمر جندي واحد إلى إدارة مائة ضابط؛ فكذلك إن أُوكِل صنع المعدات العسكرية لجيش كامل إلى مركز واحد، وقانون واحد، ومصنع واحد، وأمرِ سلطان واحد يسهل كصنع معدات جندي واحد كمًّا، وإذا أحيل صنع معدات جندي واحد إلى مراكز متعددة، ومصانع متعددة، وضباط متعددين فإنه يصعب كصعوبة صنع معدات جيش كامل؛ لأنه لصنع معدات جندي واحد لابد من وجود المصانع الضرورية لصنع معدات الجيش كله. 

270. صفحة

وكذا إذا زُودت الشجرة الواحدة بالمواد الضرورية لحياتها من جذر واحد ومن مركز واحد وفق قانون واحد بسر الوحدة فسيُرَى بالمشاهدة أن خلق تلك الشجرة التي تؤتي آلاف الثمار سهل كخلق ثمرة واحدة، أما إذا سلكنا طريق الكثرة بدلا من الوحدة، أي إذا زُوِّدَت كلُّ ثمرة بالمواد الضرورية لحياتها من مراكز مختلفة أخرى؛ فيكون خلق ثمرة واحدة صعبًا كصعوبة خلق شجرة واحدة، بل يصعب أيضًا خلقُ نواة واحدة وهي أنموذج للشجرة وفهرس لها كصعوبة خلق تلك الشجرة؛ لأن جميع المواد الضرورية لحياة شجرة واحدة ضرورية أيضًا لنوة واحدة.

وهناك آلاف الأمثلة كهذين المثالين، تبين أن آلاف الموجودات التي تأتي إلى الوجود بمنتهى السهولة في الوحدة أسهل من إيجاد موجود واحد في الشرك والكثرة، وقد أُثبتت هذه الحقيقة في رسائل أخرى إثباتًا قاطعًا كقطعية اثنين في اثنين يساوي أربعًا، لذا نحيل إليها، ونبين هنا سرًّا مهمًّا جدًّا -فحسب- لهذه السهولة من وجهة نظر العلم الإلهي والقدر الإلهي والقدرة الربانية، وذلك:

أنت موجود من الموجودات، فإذا سلّمت أمرك إلى القدير الأزلي؛ فإنه يخلقك من العدم كقدح كبريت بأمر واحد في لحظة واحدة بقدرته غير المحدودة، ولكن إذا لم تسلم أمرك إليه، وأسندته إلى الأسباب المادية والطبيعة؛ فعندها ينبغي لإيجادك جمعُ المواد التي في جسمك من أقطار العالم بموازين حساسة دقيقة بعد غربلة الكون والعناصر بغربال دقيق؛ إذ إنك خلاصة متقنة وثمرة بديعة وفهرس صغير للكون، ذلك لأن الأسباب المادية إنما تُركِّب وتجمع، ولا تقدر على إيجاد وخلق ما لا يوجد فيها من العدم كما هو مصدق عند جميع أرباب العقل، بمعنى أن هذه الأسباب ستُضطَرّ إلى جمع جسم كائن حي صغير من أقطار العالم، وافهم من هذا مدى السهولة في الوحدة والتوحيد، ومدى الصعوبة والمشكلات في الشرك والضلالة.

ثانيهما:

إن في الوحدة والتوحيد سهولة غير محدودة من حيث العلم، وذلك: 

271. صفحة

أن القدر نوع من العلم الإلهي، يعين مقدارًا لكل شيء كأنه قالب معنوي خاص به، ويكون هذا المقدار القدري كخطة لوجود ذلك الشيء ونموذج له، وحينما توجده القدرة الإلهية توجده على ذلك المقدار القدري بسهولة مطلقة، فإن لم يسند إيجاد ذلك الشيء إلى القدير ذي الجلال الذي يملك علمًا محيطًا غير محدود أزليًّا فإنه لا تقع آلاف من المشكلات فحسب كما سبق، بل مئات من المحالات أيضًا؛ ذلك لأنه إن لم يكن ذلك المقدار القدري والمقدار العلمي؛ يَجِبْ حينئذ استعمال آلاف من القوالب الخارجية المادية في جسد حيوان صغير جدًّا، وافهم من هذا سرًّا من أسرار السهولة غير المتناهية في الوحدة، والمشكلات غير المحدودة في الشرك والضلالة، واعلم مدى صدق الحقيقة التي تبينها الآية ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ ومدى علوها وحقانيتها.

السؤال الثالث:

يقول المهتدي الذي كان عدوًّا في السابق وأصبح صديقًا الآن:

يقول الفلاسفة المتعدين حدودهم في هذا الزمان: لا يُخْلَقُ شيءٌ مِن العدمِ، ولا يذهب شيء إلى العدم، وإنما التركيبُ والتحليل وحدهما يديران مصنعَ الكون!

الجواب:

إن هؤلاء الفلاسفة المتعدين حدودهم جدًّا الذين لم ينظروا إلى الموجودات بنور القرآن؛ نظروا إلى الكون فرأوا أن إحداثَ الأسباب والطبيعة هذه الموجوداتِ وإيجادَها مشكل وصعب بدرجة الامتناع كما أثبتنا سابقًا، ولذلك انقسموا إلى فريقين:

قسم: صاروا سفسطائيين، واستقالوا عن العقل الذي هو خاصية من خصائص الإنسان، فسقطوا إلى أدنى من الحيوانات البليدة؛ ذلك لأنهم رأوا أن إنكار وجود الكائنات، بل حتى إنكار وجودهم أيضًا أسهل من أن تكون الأسباب والطبيعة موجدًا في طريق الضلال، فأنكروا بذلك وجودهم ووجود الكائنات وسقطوا في الجهل المطلق.

272. صفحة

أما الفريق الثاني فقد نظروا إلى أن إيجاد الأسباب والطبيعة ذبابةً واحدة أو نواةً واحدة في طريق الضلال مشكل ما بعده مشكل، وأنه يقتضي وجود قدرة عظيمة خارج موازين العقل؛ ولذلك ينكرون بالضرورة الإيجاد، ويقولون بأنه "لا يُخلَق شيء من العدم"، ويرون الإعدام أيضًا محالا، ويحكمون بألا يُعدَم ولا يفنى الموجودُ، ولكنهم يتخيلون حالةً اعتبارية، وهي وجود التركيب والتحليل والتحلل والتركب الذي يحدث بحركات الذرات وبرياح المصادفة.

فانظر الآن إلى من يظنون أنفسهم أعقل وأذكى الناس، قد سقطوا إلى أدنى دركات الحماقة والجهل، واعلم كيف أن الضلال يجعل الإنسان في موضع السخرية، وكيف أنه يحط من شأنه ويجعله من أجهل الناس وأدناهم، واعتبر!

إننا نشاهد أن القدرة الأزلية توجِد كل سنة أربعمائة ألف نوع من المخلوقات على وجه الأرض معًا، وتخلق السماوات والأرض في ستة أيام، وتنشئ خلال ستة أسابيع في كل ربيع كونًا حيًّا أبدع من الكون نفسه وأكثر حكمة منه، فهل يستبعد عن تلك القدرة الأزلية منحُ الوجود الخارجي للموجودات العلمية التي هي معدومات خارجية، والتي تعينت خططها وبرامجها ومقاديرها ضمن دائرة العلم الأزلي وخلقها بسهولة كسهولة إظهار كتابةٍ كُتبت بمادة كيماوية لا تُرى بالعين المجردة إلا بعد تمرير مادة كيماوية عليها؟ أليس إنكار الخلق والإيجاد من تلك القدرة الأزلية حماقةً أكثر من حماقة الفريق الأول -السفسطائيين- وجهلا أشد من جهلهم؟!

إن نفوس هؤلاء التعساء الأشقياء المتفرعنة والعاجزة عجزًا مطلقًا والتي لا تملك إلا إرادة جزئية لما كانت لا تقدر على إفناء أي شيء وإعدامه، ولا تقدر على إيجاد أية ذرة وأية مادة من العدم، ولما كانت الأسباب والطبيعة التي يعتمدون عليها لا تملك الإيجاد من العدم؛ فإنهم يقولون من حماقتهم: "ليس هناك إيجاد من العدم، والموجود لا يفنى"، وبذلك يريدون أن يُعمِّموا هذا الدستور الباطل الخطأ على القدير المطلق أيضًا.

أجل؛ إن القدير ذا الجلال له نوعان من الإيجاد:

273. صفحة

أولهما: بالاختراع والإبداع، أي إنه Y يمنح الوجود لشيء ما من العدم، ويوجد كل ما يحتاج إليه ذلك الشيء من العدم، ويسلمه له.

الثاني: وهو بالإنشاء، والصنع والإبداع، أي إنه Y لبعض الحِكم الدقيقة جدًّا- كإظهار كمال حكمته وتجليات كثير من أسمائه الحسنى- ينشئ بعض الموجودات من عناصر الكون، ويرسل الذراتِ والموادَّ الخاضعةَ لكل أمر من أوامره إلى تلك الموجودات بقانون الرزّاقية، ويجعل هذه الذرات والمواد تعمل فيها.

أجل؛ إن القادر المطلق له نوعان من الإيجاد، وهما الإبداع والإنشاء، فإفناء شيء موجودٍ، وإيجاد شيء معدومٍ هو أسهل وأيسر قانون من قوانينه، بل هو قانونه الدائم العامّ.

فالرجل الذي يقول عن القدرة التي توجِد من العدم في ربيع واحد صور ثلاثمائة ألف نوع من أنواع الأحياء وأشكالها وصفاتها، بل جميع حالاتها وأوضاعها فضلا عن ذراتها -ربما-: "إنها لا تقدر على إيجاد شيء معدوم"، هو نفسه يجب أن يذهب إلى العدم.

بينما يقول الذي تخلى عن الطبيعة وانتقل إلى الحقيقة: أشكر لله سبحانه وأحمده حمدًا كثيرًا، وأثني عليه بعدد الذرات على أنني كسبت كمال الإيمان، وتخلصت من الأوهام والضلال، ولم تبق لديَّ أية شبهة.

 

الحَمْدُ للهِ عَلَى دِينِ الإِسْلاَمِ وَكَمَالِ الإِيمَانِ

 

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ