اللمعة الثلاثون

479. صفحة

اللمعة الثلا ثون

هذه اللمعة هي "اللمعة الثلاثون" من "المكتوب الحادي والثلاثين"، وثمرة من ثمار سجن أسكي شهر([1])، وهي "ستّ نكات".

الدرس الأعظم القوي جدًّا من دروس المدرسة اليوسفية([2]) لمدينة "أسكي شهر"، هو هذه "اللمعة الثلاثون" التي تبين ستَّ نكاتٍ لـ"ستّة أسماء" تحمل اسم الله الأعظم؛ مثلما كان الدرس الأعظم من دروس المدرسة اليوسفية لمدينة دنيزلي هو "رسالة الثمرة"([3])، وكان الدرس القيّم الأكمل من دروس المدرسة اليوسفية لمدينة أفيون هو "الحُجَّة الزهراء"([4]).

لا يستطيع كل واحد أن يدرك ويتذوق مرة واحدة المسائلَ العميقة الواسعة جدًّا في الجزء الخاص لاسمَيِ الله الأعْظَمَين "الحي" و"القيوم"، ومع ذلك لا يبقى دون حظٍّ أو نصيب منها.

 

 

 

 

 

النكتة الأولى

تخص نكتةً من نكات اسم الله "القُدُّوس"، وهي تليق بأن تكون ذَيْلا لذيل "الكلمة الثلاثين".

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ (الذاريات:48)

لقد تراءت لي في أواخر شهر شعبان الشريف في سجن "أسْكِي شَهْر" نكتةٌ من نكات هذه الآية، وتجلٍّ من تجليات اسم الله "القُدُّوس" الذي هو الاسم

[1]    مدينة من مدن تركيا.

 

[2]  يقصد السجن والنسبة إلى سيدنا يوسف عليه السلام.

 

[3]  هي الشعاع الحادي عشر، وأدرجت في مجموعة "عصا موسى".

 

[4]  هي الشعاع الخامس عشر، وضمن مجموعة "الشعاعات".

 



480. صفحة

الأعظم أو هو أحد أنواره الستة، وبَيَّنَ لي الوجودَ الإلهيَّ بكمال الظهور، والوحدةَ الربانيةَ بكمال الوضوح ما يأتي:

لقد رأيت هذا الكون وهذه الكرة الأرضية كمصنع كبير دائم الحركة والعمل والنشاط والفعاليات، وكفندقٍ أو دار ضيافة تُملأُ وتُفرَغُ كلَّ وقت، والحال أن مثل هذه المصانع والفنادق ودُور الضيافة الكبيرة تتسخ وتتلوث كثيرًا بالقمامة والأنقاض والبقايا والكناسات والنفايات، وتتراكم الموادّ العَفِنة في كل زاوية من زواياها، فإن لم تُرْعَ باهتمام ولم تنظَّف ولم تُكنَس؛ لاستحال البقاء والعيش فيها، واختنق الإنسان، إلا أن مصنع الكون هذا ودار ضيافة الدنيا هذه نظيفة وطاهرة وغير متسخة وغير ملوَّثة وغير متعفنة، إلى حدّ أنه لا يوجد فيها شيء زائد فضولي، أو مادة غير نافعة، أو وسخ تصادفي، وحتى لو وُجِد شيء من ذلك القبيل ظاهرًا فإنه سرعان ما يُلقَى في ماكينة التحويل فينظَّف، إذن فالذي يشرف على هذا المصنع يشرف عليه إشرافًا في غاية الاهتمام والإتقان، وإن لهذا المصنع مالكًا يحب النظافة بحيث يأمر بتنظيف ذلك المصنع الكبير والقصر الضخم، ويطهّرهما كغرفة صغيرة، وينظِّمهما، ولا يوجد في هذا المصنع الكبير الضخم قمامات متناسبة مع كبره أو نفايات ملوثة وكناساتٌ متبقية من مخلَّفاته، بل يُهتم بنظافته وطهارته اهتمامًا متناسبًا مع هذا الكبر وتلك الضخامة.

وكما أنه إذا لم يستحمّ الإنسان ولم ينظف غرفته الصغيرة خلال شهر، لاتسخ جسمه واتسخت غرفته وتلوثت؛ كذلك فالطهارة والصفاء والنقاء والنظافة في قصر العالم هذا، كلُّها تَنتِج عن تنظيف حكيم مستمرّ وتطهير متقن دقيق دائم؛ فلو لم يكن ذلك التطهير والكنس المستمر وتلك العناية والرعاية المتقنة الدقيقة الدائمة، لاختنقت في سنة واحدة مئاتُ الآلاف من أمم الحيوانات برمتها على سطح الأرض، ولَكَسَّرَتْ أنقاضُ الكواكب والتوابع([1]) بل أنقاض النجوم -التي تتعرض للدمار والموت في فضاء السماوات- رءوسَنا ورءوس الحيوانات الأخرى، بل رأس الكرة الأرضية، بل رأس الكون، ولأمطرت على رءوسنا أحجارًا كبيرة كِبَرَ

[1]  يقصد ما يتبع الكواكب من أجرام سماوية كالقمر الذي يتبع الكرة الأرضية.

 



481. صفحة

الجبال، ولأجبرتنا على الهرب من وطننا الدنيوي هذا، ومع ذلك فإنه لم يسقط بسبب الدمار والتعمير اللذين يحدثان في العوالم العلوية منذ القديم سوى بضعة نيازك كعِبْرة، وهي لم تصب أحدًا بأذى، ولم تهشم رأس أحد.

ولكانت جنائز مئات الآلاف من أمم الحيوانات، وأنقاضُ مائتي ألف من طوائف النباتات، لوثت وجهَ البر والبحر تلويثًا شديدًا لا مثيل له؛ بسبب تقلبات الموت والحياة وتصارعهما وتضاربهما في كل سنة على وجه الأرض؛ بحيث ينفر منهما -أي وجهي البر والبحر- ذوو الشعور والإدراك، ويفرون إلى الموت والعدم بسبب دمامتهما وقبحهما، ناهيك عن حبهم وعشقهم لهذين الوجهين.

وكما أن الطير ينظف جناحيه بسهولة، والكاتب ينظف صفحات كتابه بيسر؛ فكذلك أجنحةُ الأرض الطائرة، والطيور السماوية، وصحائف كتاب الكون، تُنظَّف وتُجمَّل تنظيفًا وتجميلا متقنًا؛ فالذين لا يرون الجمال المطلق الذي لا مثيل له الذي تتصف به الآخرة، ولا يتفكرون فيه بالإِيمَان؛ يعشقون عشقا لحد العبودية نظافةَ الأرض هذه وجمالها هذا.

إذن فقصر العالم ومصنع الكون هذا يَظهر عليه تجلٍّ أعظم من تجليات اسم الله "القدوس"، بحيث لا يَسمع الأوامر الصادرة عن ذلك التنظيف القدسي آكلو اللحم من منظفي البحر وحدهم، بل يسمعها موظفو الصحة الذين يجمعون الجنائز كالصقور والديدان والنمل البري أيضًا، بل تسمع تلك الأوامر التنظيفية القدسية حتى الكريات الحمراء والبيضاء في الدم الجاري في البدن، فتقوم بالتنظيف في خلايا البدن، والنفَسُ هو الآخر يصفّي ذلك الدمَ وينقّيه.

وكما تسمع تلك الأوامر الأجفانُ لتنظيف العين، والذبابُ لكنس أجنحتها؛ فالهواء العظيم والسحب الجسيمة هي الأخرى تسمع لتلك الأوامر، فالهواء ينفث على ما علق بسطح الأرض ووجهها من الغبار والأتربة والكناسات فينظفه، ومِرَشَّة السحاب تَرشّ بالماء بستانَ الأرض فتسكِّن الغبار والتراب، ثم ينسحب بسرعة بانتظام كامل جامعا أجزاءه المتناثرة، ويختفي حتى لا يكدّر صفاء وجه 

482. صفحة

السماء ونقاءه مدة طويلة، فيَكشف وجهَ السماء الصبوح وعينَها الجميلةَ نظيفين صافيين متألقين برونق وبهاء.

وكما تسمع النجوم والعناصر والمعادن والنباتات لتلك الأوامر التنظيفية، فجميع الذرات كذلك تسمع لها حيث تراعي هذه الذراتُ النظافةَ بمنتهى الدقة والاهتمام وسط عواصف التحولات والتقلبات المذهلة المدهشة، ولا تجتمع في موضعٍ فضلةٌ بلا ضرورة، ولا تزدحم، فإذا تلوثت فسرعان ما تتنظف، وهي تساق من قِبَل يد الحكمة حتى تَتخذ أطهر الأوضاع وأنظفها وأسطعها وأنقاها، وأجملَ الصور وأصفاها وألطفها.

وهكذا فالتنظيف -الذي هو فعلٌ واحد وحقيقةٌ واحدة- هو أعظم تجلٍّّ للاسم الأعظم "القدوس" يَظهَر في الدائرة العظمى للكون، حيث يُظهر مباشرة الوجودَ الإلهي والوحدانيةَ الربانية مع أسمائه الحسنى للأبصار التي هي كالمنظار، والواسعة سعة الشمس.

أجل؛ لقد أُثبت في كثير من أجزاء "رسائل النور" بالبراهين القاطعة أنه كما أن فعل التنظيم والنظام الذي هو تجلٍّ من تجليات اسم "الْحَكَم" و"الحكيم"، وفعل التوزين والميزان الذي هو تجلٍّ من تجليات اسم "العَدْل" و"العادل"، وفعل التزيين والإحسان الذي هو تجلٍّ من تجليات اسم "الجميل" و"الكريم"، وفعل التربية والإنعام الذي هو تجلٍّ من تجليات اسم "الربّ" و"الرحيم"، كل واحد منها يشكل "حقيقة واحدة" و"فعلا واحدًا" في الدائرة العظمى للعالم؛ لذا فإن كل واحد منها يدل على وجوب وجود واحد أحد ووحدانيته؛ كذلك فإن فعل التنظيف والتطهير الذي هو تجلٍّ من تجليات اسم "القدوس" ومَظهَر من مظاهره، هو أيضا يَدُلُّ على وجود ذلك الواجب الوجود كالشمس، ويظهر وحدانيته كالنهار.

وكما أن تلك الأفعال الحكيمة المذكورة أمثال التنظيم والتوزين والتزيين والتنظيف تدل "من حيث وحدة نوعيتها" على الصانع الواحد الأحد في الدائرة العظمى؛ فإن لمعظم الأسماء الحسنى بل لكل اسم من ألف اسم واسم تجليًا أعظم في هذه الدائرة العظمى، فالفعل الذي يصدر عن ذلك التجلي يُظهر الواحدَ الأحدَ إظهارًا واضحًا قاطعًا حسب كبره.

483. صفحة

أجل؛ إن الحقائق البديهية والأفعال التي تنم عن الوحدانية والتي تُضحك الكون وتنوّره؛ كـ"الحكمةِ العامة" التي تُخضِع وتُتبِع كل شيء لنظامها وقانونها، و"العنايةِ الشاملة" التي تزين كل شيء وتزيده جمالا وبهاء ورونقا، و"الرحمةِ الواسعة" التي تَسُرّ كلَّ شيء وتسعده، و"الرزقِ العام" لتغذية المخلوقات ذات الحياة وتلذيذهم، و"الحياةِ والإحياء" الذي يجعل كل شيء ذا صلة بجميع الأشياء ومستفيدًا منها ومالكًا لها إلى حد ما؛ كلّ هذه الحقائق والأفعال تدل بالبداهة على الواحد الأحد الحكيم الكريم الرحيم الرزّاق الحي المحيي كما يدلّ الضياءُ على الشمس.

فإن لم يُنسَبْ فعل واحد من هذه الأفعال الواسعة التجليات -البالغ عددها مئات- التي كل واحد منها برهان باهر على الوحدانية إلى الواحد الأحد؛ لاقتضى ذلك محالات بمئات الوجوه.

فمثلا: إن لم يُنسَب إلى خالق الكون فعل التنظيف وحده من تلك الأفعال -ولا أقول الحقائق البديهية ودلائل الوحدانية كلها كالحكمة والعناية والرحمة والإعاشة والإحياء- لاستوجب ذلك في مسلك الكفر لأهل الضلالة: إما أن يكون كل واحد من المخلوقات -التي هي ذات علاقة وثيقة بفعل التنظيف بدءًا من الذرات والذباب وانتهاء إلى العناصر والنجوم- على قابلية يَعلَم معها تزيينَ الكون وتوازنه وتنظيمه وتنظيفه ويقدِّرها ويدبِّرها، ويتصرف ويتحرك وفقها.

وإما أن تكون الصفاتُ المقدسة لخالق العالم في ذوات كل واحد من هذه المخلوقات.

وإما أن يكون ثمة مجلس شورى واسع سعة الكون، وتكون الذراتُ والذبابُ والنجومُ التي لا حدَّ لها أعضاء في هذا المجلس؛ لتزيينات الكون وتنظيفاته ولتنظيم موازنة وارداته وصادراته.

وهكذا يجب أن يكون مئات من أمثال هذه المحالات الخرافية التي لا معنى لها؛ حتى يخرج إلى حيّز الوجود ما يشاهَد في كل ناحية من أنحاء الكون من التزيين والتطهير والتنظيف العام المحيط السامي.

484. صفحة

وهذا ما ينشأ عنه ليس محالا واحدًا فقط، بل مئات الآلاف من المحالات.

أجل؛ إنْ لم يُنسَب ضوء النهار والشميسات الخيالية المتمثلة في جميع الموادّ اللامعة على وجه الأرض إلى الشمس ذاتها، ولم يُقبَل ولم يعتقد أنها جلوات لانعكاس ضوء شمس واحدة؛ لوجب وجود شمس حقيقية في كل شيء لامع، في كل قطعة من قطع الزجاج، وفي جميع قطرات الماء، وفي زُجَيجات الثلج، بل في ذرات الهواء، حتى يخرج ذلك الضياء العام الشامل إلى الوجود.

وهكذا فالحكمة ضياءٌ، والرحمة المحيطة ضياءٌ، وكل من التزيين والتوزين والتنظيم والتنظيف ضياء محيط، وشعاع لذلكم الشمس الأزلي سبحانه.

فانظر كيف أن الضلالة والكفر يؤديان إلى مستنقع لا يمكن التخلص منه، وأبصِرْ كيف أن الجهل الكامن في الضلالة حماقةٌ كبيرة، وقل "الحمد لله على دين الإسلام وكمال الإِيمَان".

نعم؛ إن هذا التنظيف العالي السامي العام الذي يحافظ على نظافة قصر الكون عالية تامة؛ لاشك أنه تجلٍّ من تجليات اسم "القدوس" ومن مقتضياته.

أجل؛ كما أن تسبيحات جميع المخلوقات تتوجه إلى اسم "القدوس"، فاسم القدوس كذلك يقتضي نظافةَ تلك المخلوقات جميعها.

ومن هذا الارتباط القدسي بالنظافة([1]) أن الحديث الشريف "النظافة من الإِيمَان"([2]) عدّ النظافة من أنوار الإيمان، والآية الكريمة ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة:222) أيضًا تظهر أن الطهارة باعث من بواعث المحبة الإلهية.


[1]  يجب ألا ننسى أن الخصال السيئة والاعتقادات الباطلة والذنوب والبدع كلها من الأوساخ المعنوية. (المؤلف)

 

[2]  لم يرو بهذا اللفظ، وإنما روي بألفاظ أخرى: منها ما روى الطبراني في المعجم الأوسط بلفظ "النظافة تدعو إلى الإيمان" برقم 7311 من حديث ابن مسعود، وهناك شواهد بألفاظ مختلفة، منها ما رواه الترمذي برقم 2799 وأبو يعلى برقم 790 وغيرهما بلفظ "إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ"، وما رواه مسلم برقم 223 والإمام أحمد برقم 22953 والطبراني في المعجم الكبير 3424، وابن أبي شيبة برقم 37 والبيهقي في السنن الكبرى برقم 185 والدارمي برقم 653 وغيرهم بلفظ "الطهور شطر الإيمان".

 



485. صفحة

النكتة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (الحجر:21)

لقد تراءى لي من بعيد في سجن "أسكي شهر" تجل من تجليات اسم "العدل" الذي هو نكتة من نكات هذه الآية، واسم أعظم أو نور من أنواره الستة، كما تراءت النكتة الأولى؛ فنقول عن طريق التمثيل من أجل تقريبها:

إن هذا الكون قصر بديع، فيه مدينة تتقلب بين التخريب والتعمير دومًا، وفي تلك المدينة بلدة تفور([1]) في كل وقت بين الحرب والهجرة، وفي تلك البلدة عالم يتدحرج بين الموت والحياة كل حين، ولكن في ذلك القصر وفي تلك المدينة وفي تلك البلدة وفي ذلك العالم يسود توازن وميزان عجيب مدهش، ويثبت بالبداهة أن هذه التحولات والواردات والصرفيات الجارية بين هذه الموجودات غير المحدودة توزن وتُكال بميزانِ من هو واحد أحد يرى جميع الكون والكائنات في كل آن، ويسيرها أمام نظر مراقبته وتفتيشه؛ وإلا فلو كانت الأسباب التي تسعى لإخلال التوازن والهيمنة عليه بشدة مع مائة ألف بويضة لسمكة واحدة، وعشرين ألف بذرة لزهرة واحدة كالخشخاش، ومع هجوم العناصر والانقلابات التي تجري كالسيل، لو كانت هذه الأسباب سائبة طليقة، أو أحيل أمرها إلى المصادفة العشواء التي لا هدف ولا غاية لها، وإلى القوة العمياء التي لا ميزان لها، وإلى الطبيعة المظلمة التي لا شعور لها؛ لاختلَّ وفسد توازن الأشياء وتوازن الكون، إلى حد أن كان سيصيبها الهرج والمرج في سنة، بل في يوم واحد، أي إن البحار كانت ستمتلئ بالأشياء العشوائية وتتعفن، وسيتسمّم الهواء بالغازات المضرة، والأرض أيضا كانت ستتحول إلى مجمع قمامة ومذبح ومستنقع، ولاختنقت الدنيا.

فكل شيء ينظَّم ويوزن ويكال بميزان حساس وبمكيال دقيق بدءًا من خلايا جسم الحيوان، ومن الكريات الحمراء والبيضاء في الدم، ومن تحولات الذرات،

[1]  يشبهها بفوران القدر وغليانه.

 



486. صفحة

وتناسب أجهزة الجسم، وانتهاء إلى واردات البحار وصرفياتها، وإلى واردات الينابيع التي تحت الأرض وصرفياتها، وإلى وِلاَدات الحيوانات والنباتات ووفياتها، وإلى تخريبات الخريف وتعميرات الربيع، وإلى خدمات العناصر والنجوم وحركاتها، وإلى تغير الموت والحياة، والضياء والظلمة، والحرارة والبرودة وتضاربها ومنازلتها، بحيث إن عقل البشر لا يرى أبدًا في أي مكان أي إسراف أوعبث حقيقي، بل الحكمة الإنسانية أيضا ترى وتُرِي في كل شيء أبدع انتظام وأحسن توازن، بل ما الحكمة الإنسانية إلا تجلٍّ من تجليات ذلك الانتظام والتوازن، وترجمان لهما؟!

فتعال الآن، وانظر إلى التوازن بين الشمس وبين الكواكب الاثني عشر المختلفة، أفلا يدل هذا التوازن دلالةكالشمس على الصانع ذي الجلال وهو العدل القدير؟ وانظر خاصة إلى سفينتنا، أي إلى الأرض التي هي أحد الكواكب، فهي تتجول وتسيح في سنة في دائرة سعتها أربعة وعشرون ألف سنة، ومع سرعتها الفائقة هذه لا تبعثر الأشياء المرصوصة والمرتَّبة على وجهها، ولا تهزها أو تزعزعها، ولا تقذفها أو ترميها أو تطرحها في الفضاء؛ فلو زِيدَ شيء من سرعتها أو أُنقِص، لكانت تقذف بسكانها إلى الفضاء وتبعثرهم فيه؛ ولو أَخَلَّت بتوازنها لدقيقة واحدة بل حتى لثانية واحدة فقط، لأفسدت دنيانا، بل ربما اصطدمت بجِرْم آخر، وأقامت القيامة.

وكذلك توازن مواليد أربعمائة ألف طائفة من الحيوانات والنباتات على وجه الأرض ووفياتها وحياتها برحمة، يدل على العدل الرحيم الواحد الأحد كدلالة الضياء على الشمس.

وكذلك أجهزة وأعضاء وحواس فرد واحد مما لا حد له من أفراد أمم لا حد لها؛ فهي متناسبةٌ ومتوازنةٌ بعضها مع بعض بميزان حساس، تناسبا وموازنة تدل بالبداهة على الصانع العدل الحكيم.

وكذلك هناك توازن دقيق حساس وبديع في خلايا جسم حيوان واحد من الحيوانات، وفي مجاري دمه، وفي الكريات التي في الدم، وفي الذرات التي في 

487. صفحة

الكريات، مما يثبت بالبداهة أنه يُرَبَّى ويُدَارُ بميزان وقانون ونظام الواحد الخالق العدل الحكيم الأحد الذي بيده زمام كل شيء، وعنده مفاتح كل شيء، والذي لا يمنعه شيء من شيء، ويدير جميع الأشياء بسهولة كإدارة شيء واحد.

فالذي يستبعد أن أعمال الجن والإنس ستوزن في الميزان الأعظم للعدالة في المحكمة الكبرى للحشر، ولا يؤمن بها؛ لو أمعن النظر في التوازن الأكبر الذي يراه في هذه الدنيا بناظريه، لزال استبعاده بلاشك.

فيا أيها الإنسان الشقي المسرف غير المقتصد، ويا أيها الظالم غير العادل، ويا أيها القذر غير النظيف؛ إنك تخالف جميع الموجودات بعدم قيامك بالاقتصاد والنظافة والعدالة التي هي دستور تحرك جميع الموجودات؛ لذا تلقى الكُرْهَ والبُغْضَ والغضب منها معنىً.

فإلامَ تستند حتى تثير غضب جميع الموجودات بظلمك وبعدم إقامتك الوزن، وبإسرافك وبعدم نظافتك؟!

أجل؛ إن الحكمة العامة في الكون، والتي هي من التجلي الأعظم لاسم "الحكيم"، تدور على الاقتصاد وعدم الإسراف، وتأمرنا بالاقتصاد؛ وإن العدالة التامة في الكون، التي هي من التجلي الأعظم لاسم "العدل"، تدير توازن جميع الأشياء، وتأمر البشر بالعدالة؛ وإنّ ذكر الميزان أربع مرات والذي يشير إلى أربع مراتب، وأربعة أنواع للميزان في الآيات في سورة الرحمن ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ المِيزَانَ { أَلَّا تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ { وَأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا المِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7-9)، ليدل على درجة عظمة الميزان في الكون وأهميته الكبرى.

أجل؛ كما أنه لا إسراف في أي شيء؛ فليس هناك ظلم حقيقي وعدم توازن في أي شيء. وإن التنظيف والنظافة اللذين يأتيان من التجلي الأعظم لاسم "القدوس" ينظفان جميع موجودات الكون ويجمِّلانها، فلا يُرَى عدم النظافة والقبح الحقيقي في أي شيء ما لم تتدخل يد البشر القذرة الملوثة.

488. صفحة

فافهم من هذا كيف أن العدالة والاقتصاد والنظافة، التي هي من الحقائق القرآنية والدساتير الإسلامية؛ هي دستور أصيل راسخ في الحياة البشرية.

واعلم مدى ارتباط الأحكام القرآنية بالكون، وكيف أنها أرسلت جذورها في الكون، وكيف أنها أحاطت به، وأن اختلال تلك الحقائق مستحيل كاستحالة اختلال الكون وتشويه صورته.

فهل من الممكن أن تنقلب حقائق قوية راسخة محيطة، كالرحمة والعناية والعدالة والحكمة والاقتصاد والنظافة التي تهيمن على جميع الموجودات؛ إلى القسوة والظلم وفقدان الحكمة والإسراف، وإلى عدم النظافة والعبثية بعدم مجيء الحشر والآخرة، مع أن مئات من الحقائق المحيطة أمثال الرحمة والعناية والحفظ تقتضي وتستلزم الحشر والآخرة كهذه الأنوار الثلاثة العظمى؟ حاشاه مائة ألف مرة حاشاه.

فهل الرحمة والحكمة اللتان تحافظان على حق حياة ذبابة واحدة برحمة، يمكن أن تضيِّعا ما لا حد له من حق الحياة لجميع ذوي الشعور، وما لا حد له من الحقوق لموجودات لا نهاية لها بعدم المجيء بالحشر؟

وإن جاز التعبير: فهل تسمح عظمة الربوبية التي تُبْدي حساسية ودقة لا نهاية لهما في الرحمة والشفقة والعدالة والحكمة، وسلطنة الألوهية التي زينت هذا الكون بما لا حد له من بدائع صنعه ونعمه، لعرض وإظهار كمالاتها، ولكي تعرف نفسها وتحببها؛ نقول: هل تسمح بعدم مجيء الحشر الذي يَحُطُّ من شأن جميع كمالاته وشأن جميع مخلوقاته ويعني إنكارَهما؟ حاشاه، إن مثل هذا الجمال المطلق لا يسمح بمثل هذا القبح المطلق أبدًا.

أجل؛ إن الذي يريد أن ينكر الآخرة يجب عليه أولا أن ينكر الدنيا بأكملها بكل حقائقها، وإلا فستكذّبه الدنيا بكل حقائقها بمائة ألف لسان، وستثبت في كذبه هذا أنه كذاب بمائة ألف مرة، فـ"الكلمة العاشرة" أثبتت بدلائلها القاطعة أن وجود الآخرة قطعيّ كوجود الدنيا ولاشك فيه.

489. صفحة

النكتة الثالثة

وهي تشير إلى النور الثالث من الأنوار الستة للاسم الأعظم

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿اُدْعُ إِلىَ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ (النحل:125)

لقد تراءت لي في سجن "أسكي شهر" في شهر رمضان الشريف نكتة من نكات هذه الآية، وتجل من تجليات اسم "الحَكَم" الذي هو الاسم الأعظم أو نور من أنواره الستة، وقد كتبت النكتةُ الثالثة -التي هي عبارة عن خمس نقاط- على عجَل؛ كإشارة إلى تلك النكتة فحسب، وبقيت مسودةً.

باسمه سبحانه

النقطة الأولى:

فكما أشير في "الكلمة العاشرة" فإن التجلي الأعظم لاسم "الحَكَم" جعل هذا الكون كتابًا، بحيث قد كتبت في كل صحيفة من صحائفه مئات الكتب، وأدرجت في كل سطر من سطوره مئات الصفحات، وفي كل كلمة من كلماته مئاتُ السطور، وفي كل حرف من حروفه مئاتُ الكلمات، وفي كل نقطة من نقاطه فهرس صغير للكتاب، فهذا الكتاب يدل بكل صفحاته وسطوره بل حتى بنقاطه بمئات الوجوه على نَقّاشه وكاتبه دلالة واضحة؛ بحيث إن مشاهدة كتاب الكون هذا تثبت وجود كاتبه ووَحْدَته أكثر مما يثبت هو وجود نفسه بمائة درجة؛ لأنه إذا كان الحرف الواحد يعبر عن نفسه بقدر حرف واحد، فهو يعبر عن كاتبه بقدر سطر.

أجل؛ إن صحيفة واحدة لهذا الكتاب الكبير هي وجه الأرض، ويُرَى بالعين في هذه الصحيفة أنه قد كتبت كتبٌ بعدد طوائف الحيوانات والنباتات في فصل الربيع معًا متداخلة وفي وقت واحد وبلا خطأ كتابةً رائعة، فسطر واحد من هذه الصحيفة هو حديقة، ونرى بأعيننا أنه قد كتبت معًا قصائد منظومة بعدد الأزهار

490. صفحة

والأشجار والنباتات التي في الحديقة متداخلة وبلا خطأ، وكلمة واحدة من ذلك السطر هي الشجرة المزهرة والمورقة التي هي على وشك أن تُثْمِرَ، فهذه الكلمة هي فقرات ذات معانٍ في مدح وثناء الحكيم ذي الجلال بعدد أوراقها وأزهارها وثمارها المنتظمة الموزونة المزينة، وكأن هذه الشجرة أيضا ككل شجرة مزهرةٍ قصيدةٌ منظومة تتغنى بمدائح نقّاشها، وكأنها تريد أن تنظر بآلاف العيون إلى آثار الحكيم ذي الجلال البديعة القيمة العجيبة التي عرضها في معرض الأرض، وكأنها قد اتخذت صورة مزينة موزونة منتظمة وذات معان، وأعطيت لها صورة حكيمة كي تَعْرِضَ أمام أنظار السلطان الأزلي في فصل الربيع -الذي هو عيده الخاص واستعراضه العام- هداياه وأوسمته وشاراته المرصَّعة التي منحها لتلك الشجرة، حيث تشهد على وجود وأسماء نقاشه بوجوه وألسنة كثيرة متداخلة في كل زهرة من أزهارها وثمرة من ثمارها.

فمثلاً: إن في كل زهرة وفي كل ثمرة ميزانًا، وهذا الميزان ضمن انتظام، وهذا الانتظام في تنظيم وتوازن متجددين، وهذا التوازن وهذا التنظيم في زينة وصنعة وإبداع، وهذه الزينة والصنعة والإبداع في روائح ذات معان ومذاقات ذات حكم؛ لذا فكل زهرة تشير إلى الحكيم ذي الجلال إشارات بعدد أزهار تلك الشجرة؛ وإن نقطة نواةٍ في الثمرة، التي هي بمنزلة حرف واحد في هذه الشجرة التي هي كلمة واحدة، هي صندوق صغير يحمل فهرس وبرنامج تلك الشجرة بأكملها.

فقياسًا على هذا فإن جميع سطور كتاب الكون وصحائفه بمثل تجلي اسم "الحكم" و"الحكيم" جُعِلَت -ليس كل صحيفة من صحائفها فحسب، بل كل سطر وكل كلمة وكل حرف وكل نقطة منها- كمعجزة؛ بحيث لو اجتمعت الأسباب كلها لما استطاعت أن تأتيَ بمثل نقطة من نقاطها، وما استطاعت معارضتها أو تَحدّيَها.

أجل؛ إن كل آية كونية من آيات القرآن العظيم للكون تظهر معجزات بعدد نقاطها وحروفها؛ فلاشك أن المصادفة العشواء، والقوة العمياء، والطبيعة الصماء التي ليس لها غاية ولا ميزان ولا شعور؛ لا تتدخل بأيةِ حال من الأحوال في ذلك الميزان الخاص، والانتظام الدقيق جدًّا اللذين يتسمان بالحكمة والبصيرة؛ فلو 

491. صفحة

تدخلت لظهرت حتمًا آثارُ الخللِ والفسادِ في مكان ما، والحال أنه لا يشاهد خلل أو فساد في أي مكان.

النقطة الثانية: وهي مسألتان:

المسألة الأولى: فكما بُيِّن في "الكلمة العاشرة" أنه لابد من أن الجمال الذي في منتهى الكمال والكمال الذي في منتهى الجمال، يريد أن يرى نفسه ويُرِيها ويعرضها، وهذا أرسخ قاعدة؛ فبناء على هذا الدستور الراسخ العام فإن النقَّاش الأزلي لهذا الكتاب الكبير للكون من أجل أن يُعَرِّفَ نفسه، ومن أجل أن يُعلم كمالاته، ويظهر جماله ويحبِّب نفسَه بهذا الكون، وبكل صحيفة من صحائف هذا الكون، وكل سطر من سطوره، بل حتى بكل حرف من حروفه، ونقطة من نقاطه؛ يعرِّف ويحبِّب جمال كماله وكمال جماله بألسنة متعددة لكل موجود من الموجودات، بدءا من أصغر شيء جزئي إلى أكبر شيء كلي.

فيا أيها الإنسان الغافل؛ إن الحاكم الحَكَم الحكيم ذا الجلال والجمال يريد أن يُعَرِّفَ ويحبِّبَ نفسه لك بكل مخلوق من مخلوقاته كهذه الطُّرز والظواهر الباهرة غير المحدودة، ولكنك إن لم تعرفه بالإيمان مقابل تعريفه، وإن لم تحبب له نفسك بالعبودية مقابل تحبيبه نفسه لك، فاعلم كم في هذا من جهل وخسارة مضاعفة لا حد لهما.

المسألة الثانية: إنه لا مجال للمشاركة في ملك الصانع القدير الحكيم لهذا الكون؛ لأن وجود منتهى الانتظام في كل شيء لا يقبل الشرك؛ إذ لو تدخلت أيدٍ متعددةٌ في شيء لفسد واختلَّ ذلك الشيء، وكما أنه إذا ما وُجِدَ مَلِكان اثنان في مملكة واحدة، وواليان اثنان في مدينة واحدة، وعمدتان اثنان في قرية واحدة، ظهر اختلال وفساد في كل شأن من شئون تلك المملكة والمدينة والقرية؛ كذلك فإن أدنى موظف مأمور لا يقبل تدخل غيره في شئونه، مما يدل على أن أرسخ خاصية للحاكميةِ هي الاستقلالُ والانفرادُ.

إذن؛ الانتظام يقتضي الوحدة، والحاكمية تقتضي الانفراد.

492. صفحة

فإن كان ظل مُؤقت للحاكميةِ عند الإنسانِ العاجز المحتاج إلى المعاونة يرفض مثل هذا التدخلَ، فلاشك أنه يجب أن يرفض بقوة وشدة التدخلَ في الحاكمية الحقيقية التي في مرتبة الربوبية عند من هو القدير المطلق.

فلو كان هناك مقدار ذرة من التدخل، لاختلَّ الانتظام؛ بينما خُلق هذا الكون خلقًا بحيث يجب لخلق نواة واحدة قدرة قادرة على خلق شجرة كاملة، ويجب لخلق شجرة واحدة قدرة قادرة على خلق الكون، فلو كان هنالك شريك في الكون يتدخل وتمتد يده في الخلق، لاقتضى ذلك أن يكون له نصيب في خلق أصغر نواة أيضا؛ لأن تلك النواة نموذج للكون، إذن إن ربوبيتين لا يسعهما الكون الهائل الكبير يجب أن تسعهما نواة واحدة؛ بل ذرة واحدة، وهذا أتفه المحالات والخيالات الباطلة وأبعدها.

فاعلم كيف أن الشرك والكفر اللذين يقتضيان عجز القدير المطلق -الذي يمسك جميع أحوال وكيفيات الكون بأكمله في ميزان عدله ونظام حكمته- حتى في نواة واحدة؛ خلاف وخطأ وكذب مضاعف إلى أبعد الحدود، وكيف أن التوحيد حق وحقيقة وصدق وصواب مضاعف إلى أبعد الحدود، فاعلم هذا وقل "الحمد لله على الإيمان".

النقطة الثالثة: إن الصانع القدير قد أدرج في هذا العالم باسمه الحَكَم والحكيم آلاف العوالم المنتظمة البديعة، وخلق الإنسان- الذي هو أكثر من تتجلى عليه الحِكم التي في هذا الكون- باعتباره مركزًا ومحورًا.

وإن أهم حِكمِ دائرة الكون وفوائده تعود وتتوجه إلى الإنسان، وفي دائرة الإنسان جُعِلَ الرزق بمنزلة مركز؛ حيث تعود وتتوجه أكثر الحكم والمصالح في عالم الإنسان إلى الرزق وتَظهَر به، ويتجلى اسم الحكيم لدى الإنسان تجليًا ساطعًا بواسطة الشعور وبواسطة الذوق في الرزق، وكل عِلم من مئات العلوم- التي اكتُشِفَت بواسطة شعور الإنسان ووعيه- يعرّف تجليا واحدا لاسم الحكم في نوع واحد.

فمثلا؛ لو سئل علم الطب: ما هذا الكون؟ لقال بلا شك: إنه صيدلية كبيرة منتظمة رائعة بديعة، قد أُعِدَّ كلُّ دواء فيها ورُصَّ بمهارة وإتقان.

493. صفحة

ولو سئل علم الكيمياء: ما هذه الكرة الأرضية؟ لقال إنها معمل كيمياء رائع بديع جدًّا.

ولقال علم الهندسة إنها مصنع رائع جدًّا لا نقص فيه ولا عيب.

ولقال علم الزراعة إنها مزرعة رائعة عجيبة، وحديقة رائعة في منتهى الخصوبة للمحاصيل، تُنبِت كل أنواع الحبوب في أوانها.

ولقال علم التجارة إنها معرض رائع جدًّا، وسوق منظَّم ومنسَّق، ودكان فيه بضائع بديعة.

ولقال علم التغذية إنها مستودع ومخزن مرتب رائع جدًّا يحوي كل أنواع الرزق.

ولقال علم الرزق إنها مطبخ رباني، وقِدر رحماني، تُطبَخ فيه -معًا- مئات الآلاف من الأطعمة اللذيذة بكمال الانتظام.

ولقال علم العسكرية إن الأرض معسكر جيشٍ فيه أربعمائة ألف أمة مختلفة جُنِّدت حديثًا في كل فصل ربيع ونُصبَت خيامها على وجه الأرض، ومع كل ذلك فإن أرزاقها المختلفة، وملابسها وأسلحتها المتغايرة، وتدريباتها وتسريحاتها المختلفة، تُدبَّر تدبيرًا، وتدار إدارة متقنة في منتهى الإتقان، وبكمال الانتظام بأمر القائد الأعظم الواحد، وقوته ورحمته في خزانته دون نسيان أي واحد منها، ودون خلط أو التباس.

ولو سئل علم الكهرباء لقال -بلا شك- إن سقف هذا القصر الرائع للكون زُين بمصابيح كهربائية لا حد لها في منتهى الانتظام والميزان، ولكن هذا يتم بانتظام وميزان رائعين بديعين، بحيث إن تلك المصابيح السماوية -وفي مقدمتها الشمس- التي هي أكبر من الكرة الأرضية بآلاف المرات، تَتَّقِدُ وتشتعل دومًا؛ إلا أنها لا تخل بتوازنها، ولا تتسبب في مشكلات، ولا تُنشِب الحريق([1])، ومع أن صرفياتها لا حد

[1]  قَدِّر مقدار الحطب والفحم والزيت الذي تحتاج إليه يوميًّا مدفأة الشمس التي تسخّن قصر العالم أو مصباحها! يلزم يوميًّا -على حد قول علم الفلك- مليون ضعف الكرة الأرضية من أكوام الحطب والفحم وكذلك الزيت بآلاف الأضعاف من بحار الكرة الأرضية حتى تتَّقد.

   فتأمل الآن، وقل بعدد ذرات الشمس: سبحان الله، ما شاء الله، بارك الله لعظمة وحكمة وقدرة القدير ذي الجلال الذي يشعلها دومًا بلا حطب ولا زيت! (المؤلف)



494. صفحة

لها؛ فمن أين تأتي وارداتها وزيتها ووقودها ومواد اشتعالها؟! ولِمَ لا ينفد؟! ولِمَ لا يختل توازن اتقادها؟! مع أن المصباح الصغير ينطفئ إن لم يُعتنَ به بانتظام.

فانظر إلى حكمة وقدرة الحكيم ذي الجلال الذي يوقد الشمس، التي هي أكبر وأقدم من كرتنا الأرضية حسب علم الفلك بمليون سنة، والتي تعيش منذ أكثر من مليون سنة، يوقدها بدون حطب ولا فحم ولا زيت ولا يطفئها، فانظر وقل: سبحان الله، وقل: ما شاء الله، بارك الله، لا إله إلا الله، بعدد مُعشَّرات الدقائق التي مرت على عمر الشمس.

إذن إن في هذه المصابيح السماوية انتظامًا بديعًا جدَّا، وإنها يُعتَنى بها عناية في غاية الدقة، وكأن مرجل([1]) البخار لتلك الكتل النارية الكبيرة والكثيرة جدًّا، ولتلك القناديل النورية التي لا نهاية لكثرتها، هو جهنم لا تنفد حرارتها؛ حيث ترسل إليها حرارة بلا نور، وإن ماكينة تلك المصابيح الكهربائية ومركزها ومصنعها هو جنة دائمة؛ إذ ترسل إليها نورًا وضياءً، ويستمر اتقادها بانتظام بالتجلي الأعظم لاسم "الحكم" و"الحكيم".

وهكذا، فقياسا على هذه العلوم؛ فإن هذا الكون قد زُيِّن بحِكم ومصالح لا حد لها، ضمن انتظام أكمل لا نقص فيه، بالشهادة القاطعة لكل علم من مئات العلوم. وإن الحَكَم الحكيم قد أدرج الحِكَم وأنواع الانتظام -التي نظَّم بها مجموع الكون كله بحكمته الخارقة المحيطة-أيضًا في أصغر ذي حياة، وأصغر نواة بمقياس أصغر.

ومن المعلوم والبديهي أن مراعاة الغايات والحكم والفوائد باستمرار وبانتظام، لا يمكن أن يكون إلا بالاختيار والإرادة والقصد والمشيئة ليس غير، ولا يمكن أن تكون هذه الأمور من فعل الأسباب والطبيعة التي لا اختيار لها ولا إرادة ولا قصد ولا وعي ولا شعور، ولا يمكن أن يكون لها تدخل فيها كذلك.

إذن، إن الإنكار أو الجهل بالفاعل المختار والصانع الحكيم، الذي يقتضي وجودَه ويدل عليه ما لا حد له من أنواع الانتظام والحكم التي في جميع موجودات الكون؛ كم هو جهل وجنون عجيب لا يوصف؟!


[1]  مرجل: قِدْر.

 



495. صفحة

أجل؛ إن كان هناك شيء مثير منتهى الإثارة للتعجب والاستغراب في هذا العالم، فهو هذا الإنكار؛ لأن هناك شهودًا لا حد لهم يشهدون على وجوده تعالى ووحدانيته بما لا حد له من الحكم وأنواع الانتظام في موجودات الكون، ومع كل ذلك فإن أكثر الناس عمى وجهلا يدرك كم أن عدمَ رؤيته وعدمَ معرفته والجهلَ به تعالى عمى وجهل.

بل أستطيع أن أقول: إن السوفسطائيين الذين يُظَن أنهم حمقى بين أهل الكفر لإنكارهم وجود الكون، هم أعقلهم؛ لأن قبول وجود الكون وإنكار الله والخالق تعالى لا يمكن ولا يقبل؛ لذا فهم بدأوا ينكرون الكون، وأنكروا أنفسهم أيضًا، وأبطلوا عقولهم منكرين وجود كل شيء وتخلصوا من الحماقة غير المحدودة لسائر المنكرين المتسترين تحت ستار العقل، فاقتربوا من العقل إلى حد ما.

 النقطة الرابعة: كما أشير في "الكلمة العاشرة"، إن صانعًا حكيمًا وبنَّاءً ماهرًا حكيمًا جدًّا، إذا ما راعى بدقة مئات الحكم في كل حجر من أحجار قصر ما، ثم لم يَبْنِ سقفًا لذلك القصر، وتركه سدى؛ ليضيِّع الحِكمَ غير المحدودة التي راعاها بخراب القصر؛ فإن ذلك ما لا يقبله أي ذي وعي. وإن حكيمًا مطلقًا يراعي بكمال حكمته في نواةٍ صغيرةٍ بقدرِ درهمٍ مئات الأطنان من الفوائد والغايات والحكم بدقة، فلا يمكن بأي وجه من الوجوه أن يرتكب سفاهة في إسراف؛ فيوفر احتياجات كثيرة لشجرة ضخمة مثل الجبل من أجل أن تثمر مقدار درهم من فائدة فتعطي نتيجة بسيطة وثمرة واحدة؛ فيخالف وينافي بذلك حكمته كليًّا، فكما أن هذا لا يمكن بأي وجه من الوجوه؛ كذلك فإن الصانع الحكيم الذي قلد([1]) كل موجود من موجودات قصر الكون هذا مئات من الحكم، وجهَّزه بمئات من الوظائف، حتى إنه قلد كل شجرة حِكمًا بعدد ثمارها ووظائف بعدد أزهارها، لا يليق به أن يضيع جميعَ الحِكم التي لا تعد ولا تحصى، والوظائف التي لا نهاية لها عبثا وسدى وبلا معنى ولا فائدة بعدم مجيئه بالقيامة وعدم إتيانه بالحشر، لأن هذا الأمر يعني نسبة العجز المطلق إلى كمال قدرة ذلكم القدير المطلق، ويعني

[1]      قلد: وضع قلادةً.

 



496. صفحة

كذلك نسبة العبثية والمضرة إلى كمال حكمة الحكيم المطلق، ونسبة القبح غير المتناهي إلى جمال رحمة الرحيم المطلق، ونسبة الظلم المطلق إلى كمال عدل العادل المطلق، وكأنه إنكار الحكمة والرحمة والعدل التي تتراءى لكل واحد في الكون، وهذا أعجب المحالات إذ فيه أمور باطلة لا حد لها.

فليأت أهل الضلالة فلينظروا وليبصروا كيف أن ضلالتهم ظلمات ظلماء حالكة مرعبة، وأنها بئر وجحر مليء بالحيات والعقارب كقبورهم التي سيدخلون فيها، فليفكروا في ذلك، وليعلموا أن الإيمان بالآخرة طريق جميل نوراني مثل الجنة، وليدخلوا الإيمان.

النقطة الخامسة: وهي مسألتان:

المسألة الأولى: إن اختيار الصانع ذي الجلال في كل شيء بمقتضى اسمه الحكيم أخف صورة، وأقصر طريق، وأسهل طراز، وأنفع شكل، يظهر أنه ليس في الفطرة إسراف أو عبث أو مضرة؛ وإن الإسراف كما أنه مناف لاسم الحَكَم، فالاقتصاد ملازم له ودستور أساسي له.

فيا أيها الإنسان المسرف غير المقتصد، اعلم مدى مخالفتك للحقيقة، لعدم قيامك بالاقتصاد الذي هو أرسخ دستور في جميع الكون، وافهم كيف أن الآية، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ تدرس دستورًا شاملا محيطًا واسعًا راسخًا.

المسألة الثانية: إنه يمكن القول: إن اسمي الحَكَم والحكيم يدلان بالبداهة على رسالة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام ويستلزمانها.

أجل؛ بما أن كتابًا ذا معان غزيرة يقتضي وجود معلم يدرّسه، وأن جمالا باهرا يقتضي وجود مرآة يرى نفسه فيها ويُريها، وأن صنعة بديعة متقنة تقتضي وجود داعٍ يعرضها؛ فلابد من وجود مرشد أكملَ ومعلم أكبرَ من بين البشر المخاطبين بهذا الكتاب الكبير للكون الذي توجد في كل حرف من حروفه مئات المعاني والحِكَم؛ حتى يدرّس الحكم القدسية الحقيقية الموجودة في ذلك الكتاب، بل يبلّغ عن وجود الحكم في الكون، كما أنه سيكون وسيلة لظهور المقاصد الربانية 

497. صفحة

في خلق الكون بل لحصولها، ويعلّم كمال صنعة الخالق وجمال أسمائه اللذين أراد أن يظهرهما باهتمام بالغ في جميع الكون، ويكون مرآة لهما.

ولاشك أن وجود من يقابل التجليات الواسعة للربوبية بعبودية واسعة باسم ذوي الشعور لإرادةِ الخالقِ تحبيبَ نفسِه إلى جميعِ الموجوداتِ، وإرادتِه مقابلةَ مَنْ مخلوقاتُه ذاتُ شعورٍ ووعيٍ، ويصرف أنظار ذوي الشعور والوعي إلى صانع تلك الصنائع بصيحة إعلان وتقديس تبعث النشوة في البر والبحر، وتدوّي في السماوات والأرض، ويجعل بدروس وأوامر قدسية آذانَ جميع أهل العقول مصغيةً إليه، ويُظهر بالقرآنِ العظيمِ الشأن مقاصدَ الصانعِ الحكمِ الحكيمِ الإلهيةَ في أفضل طريقة، ويقابل جميع تجليات حِكَمِه وتجلياته الجمالية والجلالية بأفضل مقابلة؛ أقول لاشك أن وجود من يقوم بجميع هذه الأمور في هذا الكون لازم وضروري كوجود الشمس؛ وإن الذي يقوم بهذه الحقائق ويؤدي جميع هذه الوظائف في أكمل وجه، هو بالمشاهدة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام.

إذن إن الحكم التي في الكون تستلزم الرسالة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام استلزامًا قاطعًا؛ كما تستلزم الشمسُ الضياءَ والضياءُ النهارَ استلزامًا قاطعًا.

نعم؛ كما أن التجلي الأعظم لاسم الحكم والحكيم يقتضي الرسالة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام في أعظم درجة؛ فإن أسماء كثيرة من الأسماء الحسنى مثل: "الله، الرحمن، الرحيم، الودود، المنعم، الكريم، الجميل، الرب"، يستلزم كل واحد منها الرسالة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام استلزامًا قاطعًا، وفي أعظم درجة بالتجلي الأعظم الذي يشاهَد في الكون.

فمثلا: إن الرحمة الواسعة التي هي تجلي اسم الرحمن، تتجلى بمن هو رحمة للعالمين، وإن التحبب الإلهي والتعرف الرباني اللذين هما تجلي اسم الودود يثمران ويجدان المقابل بذلكم الحبيب لرب العالمين، وإن جميع أنواع الجمال التي هي تجل من تجليات اسم "الجميل" أي جمال الذات الإلهية، وجمال الأسماء، وجمال الصنعة، وجمال المصنوعات كذلك تشاهَد في المرآة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام وتُعْرَضُ فيها، وإن تجليات 

498. صفحة

عظمة الربوبية وسلطنة الألوهية تُعرَف وتُرى وتشاهَد وتُفهَم وتُصدَّق برسالة الرسول الأكرم الذي هو الداعي إلى سلطنة الربوبية، وهكذا فإن كل واحد من أغلب الأسماء الحسنى كهذه الأمثلة، برهان باهر على الرسالة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام.

الحاصل: بما أن الكون موجود ولا يمكن إنكاره؛ فلاشك أن الحقائق المشهودة كالحكمة والعناية والرحمة والجمال والنظام والميزان والزينة- التي هي بمنزلة ألوان الكون وزينته وأنواره وأضوائه وصنائعه وحياته وروابطه- لا يمكن إنكارها بأي وجه من الوجوه، وبما أنه لا يمكن إنكار هذه الصفات والأفعال؛ فلاشك أنه لا يمكن إنكار الواجب الوجود الحكيم الكريم الرحيم الجميل الحكم العدل الذي هو موصوف تلك الصفات، وفاعل تلك الأفعال، وشمس تلك الأنوار، وهذا غير ممكن أصلا، ولاريب أنه لا يمكن بأي وجه من الوجوه إنكار رسالة محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو سبب ظهور تلك الصفات والأفعال، بل سبب كمالها، بل سبب تحققها؛ وهو المرشدُ الأكبر، والمعلمُ الأكمل، والداعي الأعظم، وكشافُ طلسم الكون، ومرآةُ الصمدانية، وحبيبُ الرحمن؛ وإن رسالته أيضًا أسنى ضياء للكون كضياء عالم الحقيقة وحقيقة الكون.

عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام بعدد عاشرات الأيام وذرات الأنام

 

 

النكتة الرابعة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ

لقد تراءت لي نكتة من نكات هذه الآية الكريمة في سجن "أسكي شهر" في شهر شوّال الشريف، وتجلٍّ من تجليات اسم الله "الفَرْد" الذي هو الاسم الأعظم والذي يتضمن اسْمَي "الواحد" و"الأحد"، أو هو أحد الأنوار الستة للاسم الأعظم. 

499. صفحة

نحيل تفصيل ذلك التجلي الأعظم إلى "رسائل النور"، أما هنا فسنبين التوحيد الحقيقي الذي يدل عليه ويظهره اسم "الفرد" بتَجَلِّيه الأعظم بيانًا مختصرًا جدًّا بـ"سبع إشارات" مختصرة.

الإشارة الأولى: لقد بينت "الكلمة الثانية والعشرون" و"المكتوب الثالث والثلاثون" بيانًا مفصَّلاً أن الاسم الأعظم "الفرد" قد وضع بتجليه الأعظم سكة([1]) التوحيد وختم الوحدانية على "مجموع الكون"، وعلى كلّ "نوع" من الأنواع فيه، وعلى كلّ "فرد" من الأفراد، وسنشير هنا إلى "ثلاثة أختام" فحسب.

السكة الأولى: إن تجليَ اسم الله "الفَرْد" قد طَبَع على وجه الكون ختمَ الوحدانية طبعًا جَعَلَ الكونَ بحكم كُلٍّ([2]) لا يَقبَل التّجزئة والانقسام، بحيث إن الذي لا يقدر على التصرف في الكون كله لا يمكن أن يكون مالكًا حقيقيًّا لأي جزء من أجزائه، وتلك السِّكّة هي:

إن موجودات الكون وأنواعه تتعاون فيما بينها كتعاون تروس مصنع متقَن منظَّم منسَّق، ويسعى كل واحد منها لإكمال وظيفة الآخر، فتُشكِّل وحدةَ وجودٍ بتساندها بعضها مع بعض وتعاونها فيما بينها، وبتلبية كل واحد سُؤْلَ الآخر وحاجته، وسعيه لإغاثته، وتعانُقِ كل واحد وتكاتُفه مع الآخر واندماجه فيه، بحيث لا يمكن التفريق بينها مثلما لا يمكن التفريق بين العناصر التي في جسم الإنسان، فالذي يمسك بزمام عنصر واحد إن لم يستطع أن يمسك بزمام الجميع لا يستطيع أن يقبض على زمام ذلك العنصر.

إذن فهذا "التساند" و"التعاون" و"التجاوب" و"التعانق" المشاهَد على وجه الكون، ختم عظيم ساطع جدًّا للوحدة.

السكة الثانية: يشاهَد على وجه الأرض وعلى سيماء الربيع خاتمُ الأحدية الساطع وسكّةُ الوحدانية اللامعة بواسطة تجلي اسم الفرد، بحيث يثبت -هذا الختم وهذه السكة- أن من لا يستطيع أن يدير جميع الأحياء على وجه الأرض

[1]   السِّكَّة: بمعنى الختم والعلامة الخاصة.

 

[2]  الكل: الحكم على جملة الأفراد من حيث كونها مجموعة بحيث لا يستقل فرد بالحكم، وكلمة "كل" عام تقتضي عموم الأسماء، وهي الإحاطة على سبيل الانفراد.

 



500. صفحة

بجميع أفرادها وأحوالها وشئونها، ولا يرى جميعها، ولا يعلمها معًا دفعة واحدة، ولا يستطيع أن يوجدها؛ لا يقدر على التدخل في أي شيء من الأشياء من حيث الإيجاد، وهذه السِّكّة هي:

بغض النظر عن السّكَك المُتقنة البديعة المخفية للمواد المعدنية والعناصر والمخلوقات الجامدة على وجه الأرض، انظر فقط إلى هذه السكة المنقوشة المنسوجة بخيوط اللحمة والسَّداة لطوائف الحيوانات والنباتات البالغ كل منها مائتي ألف نوع؛ بحيث إننا نرى ونشاهد بأعيننا في فصل الربيع على وجه الأرض أن الحيوانات والنباتات المتداخل بعضُها في بعض، والمختلفة أشكالُها، والمتباينة وظائفُها، والمتنوعة أرزاقُها، والمتغايرة أعضاؤُها وجوارحُها؛ يُعطَى لكل واحد منها كلُّ ما يحتاج إليه بميزان في منتهى الحساسية والدقة، وبمنتهى التفريق والتمييز مع أنها في منتهى الاختلاط والامتزاج، من دون سهوٍ أو خطأ، ومن غير مَشَقَّةٍ، وفي الوقت المناسب من حيث لا يحتسب.

فهذه الكيفية والتدبير والإدارة التي نراها على وجه الأرض، إنما هي ختم وحدانيةٍ، وسكة أحديةٍ؛ بحيث إن من لا يُوجِد تلك الموجودات جميعها معًا من العدم ولا يديرها معًا، لا يستطيع أن يتدخل في أي شيء من الأشياء من حيث الربوبية والإيجاد؛ لأنه لو حدث أن تدخل، لاختلَّ توازن الإدارة التي هي في منتهى السعة، إلا أننا لا ننسى أن البشر لهم خدمات صورية ظاهرية في حسن سير قوانين الربوبية وجريانها بالأمر الإلهي.

السِّكَّة الثالثة: هي في وجه الإنسان، بل إن وجه الإنسان هو نفسه سكة أحدية؛ إذ إن أي سبب لم يطلع على وجوه جميع أفراد البشر الغابرين والقادمين منذ آدم عليه السلام إلى يوم القيامة في آن واحد، ولم يضع علامات فارقة على كل وجه من الوجوه لتُمَيِّزَهُ عن جميع الوجوه، ولم يضع على ذلك الوجه الصغير علامات فارقة لا حد لها؛ لا يستطيع أن يمد يده في خاتم الوحدانية المطبوع على وجه إنسان واحد من حيث الإيجاد والخلق.

501. صفحة

أجل؛ إن الذي طبع تلك السكة على وجه الإنسان لا جرم أن جميع أفراد البشر تحت نظر شهوده وضمن دائرة علمه؛ بحيث إن أي أحد من البشر لا يشبه وجهُه وجهَ إنسان آخر شبهًا تامًّا، لوجود علامات فارقة بينها، مع أنهم يتشابهون في الأعضاء الأساسية كالعين والأذن والفم؛ فكما أن تشابه الأعضاء من عين وأذن في الوجه في جميع البشر سكةُ توحيدٍ تشهد على أن صانع نوع الإنسان واحد، كذلك فإن عدم وجود التباس بين تلك الوجوه -بصورة أسمى وأعلى مما عند الأنواع الأخرى- للحفاظ على الحقوق الإنسانية. وتميُّز تلك الوجوه بكثرة كاثرة، من العلامات الفارقة ذات الحكمة للتمييز، والتفريق بينها يدل على إرادة ذلكم الصانع الواحد واختياره ومشيئته، ويكون سكة أحديةٍ مستقلة مختلفة وفي منتهى الدقة؛ بحيث إن أي أحد أو سبب لا يخلق جميع البشر والحيوانات، بل الكون لا يستطيع أن يضع على وجوه البشر تلك السكة.

الإشارة الثانية: إن عوالم الكون وأنواعه وعناصره قد تداخل بعضها في بعض تداخلا، بحيث إن أي سبب غير مالك للكون كله لا يستطيع أن يتصرف في أي نوع من أنواعه وأي عنصر من عناصره تصرّفًا حقيقيًّا، وكأن تجلي الوحدة لاسم "الفرد" قد ضمّ الكون كله في وحدة، فكل شيء يعلن تلك الوحدة، فمثلا: كما أن كون الشمس التي هي سراج الكون واحدةً يشير إلى أن الكون كله ملك لواحد، فكذلك كون عنصر الهواء الذي هو خادم خفيف الحركة لذوي الحياة واحدًا، وكون النار التي هي طباخهم واحدةً، وكون مِرَشَّة السحاب التي تسقي بستان الأرض واحدة، وكون المطر الذي يسعى لإغاثة جميع ذوي الحياة واحدًا، وكونه يصل إلى كل مكان سريعًا، وانتشار كل طائفة من طوائف أكثر النباتات والحيوانات انتشارًا حرًّا طليقًا في وجه الأرض جميعه، ووحدة نوعها ومسكنها؛ كل ذلك يدل بإشاراتٍ وشهادات قاطعة جازمة على أن جميع تلك الموجودات ومساكنها ملك لذات واحد.

فقياسًا على هذا فقد جَعلتْ أنواعُ الكونِ المتداخلةُ المتشابكة -كما ذكرنا- الكونَ كلَّه كَـ"كُلٍّ" لا يقبل التجزئة والانقسام من حيث الإيجاد؛ فأي سبب لا ينفُذ 

502. صفحة

حكمُه في جميع الكون، لا يستطيع أن يسيطر على أي شيء من الأشياء من حيث الربوبية والإيجاد، وكذلك لا يستطيع أن يجعل ذرة واحدة تقبل بربوبيته.

الإشارة الثالثة: إن اسم "الفرد" قد جعل الكون بتجليه الأعظم كمكتوبات صمدانية متداخلة لا حد لها، وكل مكتوب يحمل أختام الأحدية بعدد كلماته وكأنه قد طُبِع عليه ما لا حد له من أختام الوحدانية وكثيرٌ جدًّا من أختام الأحدية، ويدل على كاتبه بعدد تلك الأختام.

أجل؛ إن كل زهرة وكل ثمرة وكل عشب، بل حتى كل حيوان وشجرة؛ إنما هو خاتم الأحدية وسِكّة الصمدية، والمكان الذي يحلّون فيه يتحول إلى مكتوب فيصير كل واحد منها توقيعًا، ويدل على كاتب ذلك المكان.

فزهرة صفراء مثلا في حديقة ما، هي كختم لنَقَّاش الحديقة؛ فمن كان مالكًا لختم تلك الزهرة، فإن هذا النوع من الزهور المنتشرة على وجه الأرض كله يدل دلالة واضحة على أنه بمنزلة كلمات ذلك المالك، وأن تلك الحديقة مكتوبه؛ أي إن كل شيء يسند جميع الأشياء إلى خالقها، ويشير إلى التوحيد الأعظم.

الإشارة الرابعة: ولقد بُيّن في أجزاء "رسائل النور" كثيرٌ من البراهين التي تثبت أن التجلي الأعظم لاسم "الفرد" ظاهر كالشمس، وسهلٌ قبولُه بمعقولية بدرجة الوجوب وبمنتهى السهولة، وأن الشرك الذي هو منافٍ ومخالفٌ لهذا التجلي هو في منتهى الإشكالية وبعيد عن العقل كل البعد، بل في درجة المحال والممتنع؛ لذا فإننا نحيل الآن تفاصيل تلك النقاط التي في تلك الدلائل إلى تلك الرسائل، ونبين هنا "ثلاث نقاط" منها فقط.

النقطة الأولى: لقد أثبتنا بالبراهين القاطعة في آواخر "الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرين" إجمالا، وفي آخر "المكتوب العشرين" تفصيلا، أن إيجاد أكبر الأشياء بالنسبة إلى قدرة "الفرد الواحد" سهل كأصغر الأشياء؛ فهو يخلق الربيع بسهولة كسهولة خلق زهرة واحدة، ويوجِد آلاف النماذج من "الحشر" بسهولة أمام أعيننا في كل ربيع، ويرعى ويدير شجرة ضخمة بيسر كرعايته وإدارته ثمرةً

503. صفحة

صغيرةً؛ فإن نُسِبت كل هذه الأمور إلى الأسباب المتعددة، فإن خلق كل ثمرة يكون مكلِّفًا وذا مشكلات كخلق شجرة واحدة، وإيجاد زهرة واحدة يكون شاقًّا وصعبًا كالربيع.

أجل؛ كما أن أجهزة الجيش وأعتِدته العسكرية إذا صُنعت في مصنع واحد بأمر قائد واحد، يكون تجهيز ذلك الجيش سهلا كصنع أجهزة وعتاد الجندي الواحد؛ وإذا صُنع عتادُ كل جندي وأجهزتُه في مصانع مختلفة متعددة، وإذا صارت إدارته العسكرية متعددة بعد أن كانت واحدة، فعندئذ يجب أن يكون لكل جندي مصانع بعدد مصانع الجيش كلها؛ فكذلك إذا نُسِب كل شيء إلى "الفرد الواحد" فإن جميع أفرادِ نوع واحد تكون سهلة كفرد واحد، أما إذا نسبت إلى الأسباب فيكون كل فرد ذا مشكلات بقدر ذلك النوع.

أجل؛ إن كل شيء في الوحدة والفردية يحدث ويأتي إلى الوجود بالانتساب والاستناد إلى من هو "الفرد الواحد"، وهذا الانتساب والاستناد يمكن أن يكون لذلك الشيء كقوة وقدرة لا حد لهما، وعندها يمكن أن ينجز شيءٌ صغير بقوة هذا الانتساب والاستناد أعمالا، وينتجَ نتائج تفوق قوته الشخصية آلاف المرات؛ وأما الذي لا ينتسب ولا يستند إلى "الفرد الواحد" القوي جدًّا فسيؤدي أعمالا صغيرة حسب قوته الشخصية، وتكون نتائج أعماله صغيرة بسيطة حسب ذلك.

فمثلا: إن رجلا سائبًا شجاعًا قويًّا جدًّا يضطر لأن يحمل عتاده وذخيرته معه وعلى ظهره، لذا لا يستطيع أن يقاوم إلا عشرة من أعدائه، ولربما لا يستطيع مقاومتهم إلا لوقت وجيز؛ لأن قوته الشخصية لا تُظهر نتيجة إلا بمقدار هذه القوة، ولكن الرجل الذي ينتسب ويستند إلى القائد الأعظم بالوثيقة العسكرية لا يُضطَرّ إلى تحمّل مصادر قوته ومخزن أرزاقه وحملها بنفسه، فيكون له هذا الانتساب والاستناد قوةً لا تنفد وكنزًا لا يفنى؛ لذا فهو بفضل هذا الانتساب وقوّته يستطيع أن يأسر مشيرًا لجيش العدو المغلوب، بل ربما يأسره مع آلاف من جنوده.

إذن فكما أن النملةَ تستطيع أن تهزم فرعون، والبعوضةَ نمرودَ، والجرثومة الواحدة جبارًا من الجبابرة بقوة هذا الانتساب في الوحدة والتفرد؛ فكذلك تستطيع 

504. صفحة

نواة بحجم حبة حمص أن تحمل على كتفها بفضل قوة ذلك الانتساب شجرة صنوبر ضخمة كالجبل.

أجل؛ فكما أن جنديا ينجز باسم قائده أعمالا كثيرة كبيرة بقوة معنوية، وكأن وراءه جيشًا كاملا معنى باعتبار أن القائد الأعظم يستطيع أن يرسل جيشا بأكمله لنجدة جندي واحد، ويستطيع أن يحشّد جيشًا كاملا وراءه؛ كذلك فالسلطان الأزلي ولأنه جل جلاله فرد واحد؛ يُرسِل جميع الأشياء لنجدة وإغاثة كل شيء إذا لزم الأمر، بافتراض المحال، ولا داعي لمثل ذلك الافتراض بأي وجه من الوجوه.

ويحشّد جيش الكون وراء كل شيء، فيستند كل شيء إلى قوة هائلة كقوة الكون، وإذا دعت الحاجة يمكن أن يكون كل شيء كقوة ذلك القائد الفرد تجاه جميع الأشياء، فلولا الفردية لفقد كل شيء كل هذه القوة، ولسقط دركاتٍ وكأنه لا شيء، ولكانت نتائجه عديمةَ القيمة.

فظهور هذه الآثار البديعة الخارقة -التي نشاهدها كل حين بأعيننا- من الأشياء الصغيرة التافهة جدًّا، يَدُلّ بالبداهة على الفردية والواحدية؛ وإلا لتقلصت نتائج كل شيء وثمراته وآثاره كتقلص مادة ذلك الشيء وقوّته، ولانحطّت إلى درك التفاهة، وَلَمَا كانت الأشياء القيمة الثمينة التي أمام أعيننا رخيصةً، ولما كانت مبذولةً غزيرة وفيرة، ولما استطعنا أن نشتري ونأكل بأربعين ألف ليرة ما نشتريه اليوم بأربعين قرشًا([1]) من الشمّام والرمّان.

أجل؛ إن كل ما نراه من سهولة ورِخَصٍ ووفرةٍ في الدنيا، إنما ينشأ عن الوحدة، ويشهد على الفردية.

النقطة الثانية: إن إيجاد الموجودات يتم بـ"وجهين":

أحدهما: الإيجاد من العدم، ويعبَّر عنه بـ"الإبداع والاختراع".

والآخر: إيجادها بجمع العناصر والأشياء الموجودة، ويعبَّر عن هذا بـ"الإنشاء والتركيب".


[1]  الليرة التركية تساوي مائة قرش.

 



505. صفحة

فإذا كان الإيجاد بتجلي الفردية وسرّ الأحدية؛ يصبح في منتهى السهولة، بل يصبح سهلا في درجة الوجوب، فإن لم يُنسَب إلى الفردية؛ يَصِرْ مشكلا وغير معقول إلى أقصى حد، بل صعبًا في درجة الامتناع. بينما إيجاد الموجودات في الكون إيجادًا من غير كلفة ومشقة، وفي منتهى السهولة واليسر، وفي أكمل صورة وأبدعها؛ لَيُظْهِر لنا بداهةً تجلي الفردية، ويثبت أن كل شيء صنْعُ الفرد ذي الجلال وإبداعه مباشرة.

أجل؛ إذا نُسِبَت الأشياء إلى "الفرد الواحد"؛ يَخلق كل شيء من العدم كقدح الكبريت بقدرته غير المحدودة التي تَظهر عظمتُها بآثارها، ويُعيِّن لكل شيء بعلمه المحيط المطلق مقدارًا كقالب معنوي، وتَدخل ذرات كل شيء في ذلك القالب العلمي بسهولة، وتستقر فيه وفق صورة كل شيء وبرنامجه التي في مرآة علمه، وتحافظ على أوضاعها بإتقان وانتظام؛ وحتى لو تطلب الأمر جمع الذرات من حوله، فإن تلك الذرات تدخل كأفراد جيش مطيع بإتقان وانتظام بقانونه العلمي، وبسوق قدرته في القالب العلمي والمقدار القدري اللذين يحيطان بوجود ذلك الشيء، فتُكوِّن وجوده بسهولة؛ وذلك أن دساتير تلك القوانين العلمية والقدرة محيطة، وتلك الذرات متعلقة ومرتبطة بالقوانين العلمية وسَوْق القدرة، بل تُلبِس القدرةُ بسهولة مطلقة وجودًا خارجيًّا لماهية الأشياء وصور الموجودات المتمثلة في مرآة العلم الأزلي للفرد الواحد وتأخذها من العالم المعنوي إلى العالم الظاهري، وتُرِيها للعيان كما يلبس الانعكاس الذي في المرآة وجودًا خارجيًا على الورقة بواسطة آلة التصوير، وكظهور رسالة مكتوبة بحِبْر سِرّي بتمرير مادة كاشفة عليها.

وإن لم تسند الأشياء إلى الفرد الواحد، فلابد إذن من جمع جسم ذبابة واحدة من أنحاء وجه الأرض وعناصرها بميزان حساس جدًّا؛ وكذا وجود قوالب مادية بل قوالب بعدد أعضاء هذا الذباب، من أجل إدراج الذرات الخاصة بذلك الجسم الخاص إدراجًا متقنًا منتظمًا في جسمه البديع بعد غربلة وجه الأرض والعناصر، والإتيان بتلك الذرات من كل أنحاء العالم، وجَلْب اللطائف المعنوية الرقيقة الدقيقة الموجودة في ذلك الجسم كالمشاعر والروح من العوالم المعنوية بميزان مخصوص.

506. صفحة

وهكذا فإيجاد الذباب بهذه الصورة يكون مشكلا كإيجاد الكون، بل يصبح مشكلا في مشكلات، ومحالا في محالات مضاعفة؛ لأنه قد اتفق جميع أهل الدين والعلوم على أنه لا يَخلق من العدم إلا الخالق الفرد.

إذن؛ فلو أُسندت الأشياء إلى الأسباب والطبيعة، للزم ذلك أن تَهَبَا الوجودَ لكل شيء بجمعهما عناصره من كل شيء.

النقطة الثالثة: سنبين بيانًا مختصرًا بضعة أمثلة وُضِّحت في رسائل أخرى، تشير إلى أنه إذا نُسِب خَلْقُ جميع الأشياء إلى فرد واحد يكون سهلا كسهولة خلق شيء واحد، وإذا نسب وأسند إلى الأسباب والطبيعة يكون وجود شيء واحد ذا مشكلات بعدد جميع الأشياء.

المثال الأول: إذا أحيلت إدارة ألف جندي إلى ضابط واحد، وأحيلت إدارة جندي واحد إلى عشرة ضباط؛ فإن إدارة ذلك الجندي الواحد تكون أكثر إشكالا وصعوبة بعشر مرات من إدارة كتيبة واحدة؛ لأن الذين يأمرونه سيعيق بعضهم بعضًا، وسيكون ذلك الجندي في اضطراب وحيرة ولن يذوق الراحة أبدًا.

وإذا أحيلت النتيجة المطلوبة من الكتيبة إلى ضابط واحد؛ فإنه سيحصل على تلك النتيجة بسهولة وبلا مشقة.

أما إذا أحيل حصول تلك النتائج إلى جنود سائبين طلقاء لا قائد لهم ولا آمر؛ فلا يمكن الحصول على تلك النتائج المطلوبة إلا بمشكلات وبصورة ناقصة، وبجدال وشجار في فوضى وقلاقل شديدة.

المثال الثاني: إن جَعْلَ الأحجار التي في قبة جامع مُقبَّب كـ"جامع آياصوفيا" تقف معلقةً؛ إذا أحيل إلى بنّاء واحد فإنه يستطيع أن يجعلها في تلك الهيئة بسهولة، أما إذا أحيل اتخاذ تلك الهيئة إلى الأحجار فلابد أن يكون كلُّ حجر من الأحجار حاكمًا مطلقًا على جميع الأحجار، وفي الوقت نفسه محكومًا مطلقًا لها حتى تتكاتف وتقف معلقةً، إذن فإنها -في هذه الحالة- ستعمل عملَ مائة بنّاء حتى تنجز العمل الذي يؤديه ذلك البناء بسهولة، وستعمل أعمالا مضاعفة أكثر بمائة مرة من عمل البنّائين، لتتخذ تلك الهيئة.

507. صفحة

المثال الثالث: إن الكرة الأرضية موظفةٌ مأمورة للفرد الواحد وجندي واحد من جنوده، وهذا الجندي الواحد يسمع ويتلقى أمرًا واحدًا من الفرد الواحد الأحد، وبجذبة ناشئة عن نشوة أداء تلك الوظيفة تقوم الأرض بحركتين للذكر كالمولوي([1]) المجذوب؛ من أجل حصول الفصول، ووجود الليل والنهار، وظهور الحركات العالية السامية المهيبة في السماوات، وتبدُّل اللوحات السماوية الشبيهة بالمشاهد السينمائية، فتكون وسيلة لحصول جميع تلك النتائج العظيمة الرائعة وظهورها، وكأن ذلك الجندي الواحد يقوم بدور القائد للمناورة المهيبة العظيمة التي في وجه الكون.

فهذه الأمور إن لم تسند ولم تنسب إلى الفرد الواحد الذي أحاطت حاكمية ألوهيته وسلطنة ربوبيته بجميع الكون، والذي ينفذ حكمه وأمره في جميع الموجودات؛ فحينئذ لا تحصل ملايين النجوم والكرات التي تكبر الكرة الأرضية بألف مرة على تلك النتائج وتلك المناورة السماوية والفصول الأرضية إلا بالسير في كل أربع وعشرين ساعة في كل سنة مسافةَ ملايين من السنين.

فحصولُ تلك النتائج العظيمةِ الرائعة الصادرة عن حرَكَتَيْ موظفٍ مأمور واحد -مثل الكرة الأرضية- فوق محورها ومدارها كحركتي الموْلَوِي المجذوب؛ هو مثال لمدى السهولة في الوحدة، كما أنه مثال لمدى الإشكال في الحصول على تلك النتائج نفسها بطرق أكثر صعوبةً وطولاً بملايين المرات من هذه الحركة نفسها، ومدى ما في ذلك من أمور مستحيلة وباطلة كثيرة في مسلك الشرك والكفر، بل مثال لاستحالتها.

فانظر إلى جهل عبدة الأسباب والطبيعة بهذا المثال:

إن الظن أن رجلا يُعِدّ ويجهّز أجزاء مصنع عظيم، أو ساعة عجيبة وتروسها، أو أجزاء قصر رائع، أو كتاب بديع بمهارته الفائقة وإبداعه الخارق بصورة متقنة مُنَظَّمة، ثم لا يركّب بنفسه هذه الأجزاء ولا يشغّلها بسهولة، بل يصرف مبالغ طائلة وجهودًا جبارة، فيجعل تلك الأجزاء تُشَغِّل نفسَها بنفسها، فيجعل كلَّ جزء وترس

[1]  فرقة من فرق الصوفية تنسب إلى المولى جلال الدين الرومي، ويقال لتابعها مولوي.

 



508. صفحة

بل حتى كل جزء وورقة وقلم ماكينةً بديعةً عجيبة قائمة بنفسها لبناء مصنع أو قصر ولتركيب ساعة ولتأليف كتاب بدلا من ذلك البنّاء، ويَنسُب كل مهاراته وإبداعاته -التي هي وسيلة لإظهار ما يريد عرضَه وإبرازه بشدة من براعته وكمالاته- إلى تلك التروس والأجزاء؛ لهو ظن فيه ما فيه من الجهل والبعد عن العقل.

فكما في هذا المثال فالذين يُسنِدون إلى الأسباب والطبيعة إيجادًا ما، يقعون في جهل مضاعف؛ لأن الطبيعة والأسباب أيضا تحمل آثار إبداع وصنعة متقنة جدًّا، فهي مصنوعة أيضًا كسائر المخلوقات، فالذي يُنشِئها هكذا ينشئ كذلك نتائجها ويظهرها معًا، والذي ينشئ النواة هو الذي ينشئ الشجرة التي عليها، والذي ينشئ الشجرة هو الذي يوجد الثمار التي عليها، وإلا للزم أن تكون هنالك طبائع وأسباب أخرى بديعة منظمة لوجود طبائع وأسباب مختلفة متنوعة.

وهكذا دواليك، فيَجِبُ قبولُ سلسلة أوهام تافهة مستحيلة لا تنتهي، وكأنها موجودة!! وهذا أعجب أنواع الجهل وأغربها.

الإشارة الخامسة: لقد أثبتنا بدلائل قاطعة في كثير من المواضع أن أهم خاصية للحاكمية هي الاستقلالُ والانفراد، حتى إن البشر العاجزين الذين يظهر عليهم ظل ضعيف باهت للحاكمية يرفضون تدخل الآخرين بشدة كي يحافظوا على استقلالهم، ولا يسمحون بتدخل غيرهم في وظائفهم، وقد قتل كثيرٌ من السلاطين بلا رحمة أولادَهم الأبرياء وإخوتهم الذين يحبونهم؛ بسبب رفض هذا التدخل، إذن إن أهمَّ خاصية للحاكمية الحقيقية، وأهم لازم من لوازمها الذي لا يقبل الانفكاك عنها، ومقتضاها الدائم؛ هو الاستقلال والانفراد، ورفض تدخل الآخرين.

وبناء على هذه الخاصية الأساسية الراسخة القوية، فالحاكمية الإلهية التي هي في درجة الربوبية المطلقة تردّ بشدة الشرك والاشتراك وتدخل الغير؛ لذا فالقرآن المعجز البيان أيضًا يبين التوحيد ويؤكده بشدة مرات عديدة، ويرد الشرك والاشتراك بتهديدات عظيمة.

509. صفحة

فكما أن الحاكمية الإلهية التي في الربوبية تقتضي التوحيدَ والوحدةَ اقتضاءً قاطعًا جازمًا، وتظهر داعيًا قويًّا ومُقتضِيًا شديدًا جدًّا لها؛ فإن الانتظام الأكمل والانسجام الأجمل -اللذين هما في منتهى الروعة والإتقان، واللذين يشاهَدان على وجه الكون، بدءًا من مجموع الكون وانتهاء إلى النجوم والنباتات والحيوانات والمعادن والجزئيات والأفراد والذرات- شاهِدَا عَدْلٍ، وبرهانان باهران على تلك الفردية والوحدة، ويردّان كل شبهة.

لأنه لو كان ثمة تدخل للغير، لفَسَد حتمًا هذا النظام والانتظام وتوازن الكون الحسّاس جدًّا، ولظهر أثر الفوضى، ولاخْتَلَّ هذا النظام البديع الرائع للكون، وفسد بسرّ الآية الكريمة ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء:22).

والحال أنه لا يُرى أي أثر للخطأ والنقص والخلط والتشويش، بدءًا من الذرّات وانتهاء إلى الكواكب، ومن الفرش إلى العرش، بمقتضى الآية الكريمة ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ (الملك:3)، فنظام هذا الكون وانتظام المخلوقات وتوازن الموجودات، يُظهِر التجلي الأعظمَ لاسمِ الفردِ إظهارًا ساطعًا باهرًا، ويشهد على الوحدة.

ثم إن أصغر مخلوقٍ حيٍّ هو بمنزلة مثال مصغَّرٍ للكون، وفهرس صغير له بسِرِّ "تجلي الأحدية"، فلا يستطيع تملُّكَ ذلك الحَيِّ إلا الذي يُمسِك جميع الكون في قبضة تصرفه؛ وحيث إن نواة واحدة ليست أقلَّ إتقانًا من الشجرة من حيث الخلقة، وكل شجرة هي بمنزلة كون صغير، وكل حي هو بمنزلة كون صغير وعالم مصغر؛ فتجلي "سر الأحدية" هذا يجعل الشرك والاشتراك مستحيلا في الكون، والكونُ بهذا السر ليس بمنزلة "كلٍّ" لا يقبل التجزيء فحسب، وإنما هو أيضًا من حيث الماهية بمنزلة "كُلّي" لا يمكن انقسامه وتجزؤه والاشتراك فيه، ولا يقبل تدخّل الأيدي المتعددة، فكل "جزء" من أجزائه بمنزلة "جزئي" وفرد له، وذلك "الكل" هو بمنزلة "كلِّي"، فلذلك لا موضع للشرك فيه بأي وجه من الوجوه.

وهكذا فإن التجلي الأعظم لاسم "الفرد"، يُثبت حقيقة التوحيد هذه بـ"سر الأحدية" بدرجة البداهة.

510. صفحة

أجل؛ كما أن تداخلَ أنواع الكون بعضها في بعض، وتكاتفَها بعضها مع بعض، وتوجُّهَ وظائف كل واحد منها إلى الجميع، يجعل الكون بمنزلة "كُلٍّ" لا يقبل التجزيء من حيث الربوبية والإيجاد؛ فكذلك تشابك الأفعال العامة المحيطة التي تجري أحكامها وإجراءاتها في الكون، وتداخل بعضها في بعض، بمعنى أنه يَظهر -مثلا- الرَّزْقُ والإطعام معًا ضمن فعل الإحياء، ويُشاهَد فعلُ تنظيم جسد الحيِّ وتجهيزه معًا ضمن أفعال الإطعام والإحياء، ويلوح للنظر أفعال التصوير والتربية والتدبير ضمن أفعال الإطعام والإحياء والتنظيم والتجهيز، وما إلى ذلك.

وهكذا فكما أن امتزاج هذه الأفعال العامة المحيطة كامتزاج ألوان الطيف في الضياء، بل اتحادها فيه، وإحاطة وشمول كل واحد من تلك الأفعال بأكثر الموجودات ضمن الوحدة والاتحاد من حيث الماهية، وكونها صارت واحدة متحدة؛ جَعَلَ الكونَ بمنزلة "كلٍّ" لا يَقبَل التَّجْزِيء باعتبار وحدة الفاعل حتمًا، وهيمنة كل فعل على جميع الكون، واتحاده مع سائر الأفعال في تعاون؛ كذلك فإن كون كل مخلوق من المخلوقات ذات الحياة نواة للكون وفهرسًا ونموذجًا له، جَعَلَ الكونَ بمنزلة "كُلِّيٍّ" مستحيل التجزيء والانقسام من حيث الربوبية.

بمعنى أن الكون "كُلٌّ" لا يمكن بسط الربوبية على جزئه إلا بالربوبية على كافة ذلك "الكل"، وهو "كُلِّيُّ" قد صار كل جزء من أجزائه فردًا واحدًا؛ بحيث لا يمكن إجراء الربوبية في فرد واحد منه إلا بتسخير ذلك "الكُلِّيِّ" بأكمله.

الإشارة السادسة: إن الفردية الربانية والوحدة الإلهية هما مَدار جميع الكمالات وأساسها([1])، ومنشأ الحِكم والمقاصد التي في خلق الكون ومعدنها، كما أنهما المنبع الأصلي والوسيلة الوحيدة لحصول رغبات ومطالب ذوي الوعي والعقل ولاسيما الإنسان، فلولا الفردية لانطفأت جميع مطالب البشر ورغباتهم،

[1]  حتى إن أظهر برهان وأقوى دليل على تحقق الكمال الإلهي وجماله المطلقين هو الوحدة؛ ذلك أنه إذا عرف أن صانع الكون واحد أحد، فستعرف أن جميع الكمالات وأنواع الجمال في الكون، ظلال وتجليات وإشارات وترشحات لكمالات الصانع الواحد وجمالها، وإلا لأصبحت كمالات الكون وجماله ملكا للمخلوقات ولبعض الأسباب التي لا تملك الوعي، ولبقيت عندئذ الكنوز السرمدية للكمالات الإلهية مجهولة وبلا مقاليد في نظر العقل البشري. (المؤلف)

 



511. صفحة

ولانحطّتْ نتائج خلق الكون وتردّتْ، ولصارت وسيلة لانعدام أكثر الكمالات الموجودة والثابتة المحققة.

فمثلا: في الإنسان رغبةُ بقاءٍ شديدة راسخة بدرجة العشق، فلا يحقق رغبة البقاء والخلود هذه إلا من يمسك الكون في قبضته بسرّ الفردية، ويقدرُ على طَيِّ الدنيا وفتح الآخرة بسهولة كسهولة إغلاق منزل وفتح آخر.

وفي الإنسان آلاف من الرغبات الممتدة إلى الأبد والمنتشرة في الكون مثل هذه الرغبة، وكلُّها ترتبط وتتعلق بسر الفردية وحقيقة التوحيد، فلولا الفردية لما كان لها وجودٌ، ولبقيت عقيمةً؛ ولولا وجود فرد واحد يتصرف في جميع الكون بالوحدانية، لما تحققت تلك المطالب، وحتى لو تحققت -بفرض المحال- فإنها تكون ناقصة جدًّا، فمن أجل هذا السرّ العظيم يلقّن القرآن المعجز البيان التوحيدَ والفرديةَ ويوضحهما بتكرارات كثيرة جدًّا، وبأسلوب حلو عذب، ويؤكدهما تأكيدًا قويًّا، ويجد كذلك جميع الأنبياء والأصفياء والأولياء أعظم أذواقهم وسعاداتهم في كلمة التوحيد "لا إله إلا الله".

الإشارة السابعة: إن رسالة محمد -عليه الصلاة والسلام- الذي بلّغ هذا التوحيد الحقيقي، وأثبته وأعلنه بجميع مراتبه في أكمل صورة؛ لابد أن تكون ثابتة بدرجة ثبوت ذلك التوحيد؛ ذلك لأنه هو الذي يعلّم التوحيد -وهو أعظم حقيقة لدائرة الوجوب- بجميع حقائقه؛ إذن يمكن القول بأن جميع البراهين التي تثبت التوحيد، تثبت أيضًا -بما لاشك فيه- رسالتَه عليه الصلاة السلام، وحقانية وظيفته، وصدق دعوته كذلك إثباتًا قاطعًا.

أجل؛ إن رسالةً تجمع آلافًا من الحقائق العالية مثل هذه، وتكشف الفردية والوحدانية وتبينهما كشفًا وبيانًا حقيقيًّا؛ لاشك أنها من مقتضى ذلك التوحيد وتلك الفردية، ولازمٌ من لوازمهما، ولابد أنهما يستلزمانها، فنبين كنماذج "ثلاثةً" من الدلائل والأسباب الكثيرة جدًّا التي تشهد على مدى أهمية الشخصية المعنوية للرسول -عليه الصلاة والسلام- وعلوها وسموها، وهو الذي أدى تلك الوظيفة حَقَّ الأداء، وكان سراجًا منيرًا وشمسًا ساطعةً لهذا الكون.

512. صفحة

أولها: إن جميع الحسنات التي تكسبها جميع الأمة في جميع العصور، يُكتب مثلُها في صحيفة حسنات النبي صلى الله عليه وسلم بسرّ "السبب كالفاعل"، وكذلك ترفع الأمة جميعًا كلَّ يوم أدعية الصلوات المقبولة غير المحدودة؛ فإذا ما فكرت في المقام والمرتبة اللذين تقتضيهما تلك الأدعية، حتما ستفهم كيف أن الشخصية المعنوية لمحمد عليه الصلاة والسلام هي السراج المنير لهذا الكون.

ثانيها: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يردد بواسطة استعداده وجهازاته الخارقة الكلماتِ القدسيةَ، ويقوم بالأذكار والعبادات -التي تُشَكِّلُ روحَ العالم الإسلامي ومعنوياته- شاعرًا وممتلئًا بجميع معانيها أكثر من أي أحد، فإذا ما تأملت في الارتقاء الروحي الناشئ عما قامت به الماهية المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام -التي هي منشأ الشجرة الكبرى للعالم الإسلامي ونواتها وحياتها ومدارها- فهمت مدى سمو ولاية عبودية محمد عليه الصلاة والسلام الذي بلغ مقام الحبيبية، ومدى علوها على سائر الولايات.

ولقد انكشف لي ذات يوم تسبيحٌ واحد في صلاة واحدة انكشافًا قريبًا من فهم الصحابة رضي الله عنهم، فظهر لي أنه مهم بقدر عبادة شهر كامل، وعلمت به مقام الصحابة العالي رضي الله عنهم؛ إذن إن الفيوضات والأنوار التي كانت تورثها الكلمات القدسية في بداية الإسلام لها مزية خاصة، وذلك أنها كانت جديدة طرية، فكان لها لطافة وطراوة ولذة؛ بحيث تختفي بمرور الزمن تحت حِجَاب الغفْلة، وتَقِلّ وتستتر.

أما الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد تلقى تلك الكلمات من مصدرها الحقيقي من الله الأقدس سبحانه وتعالى جديدةً طريةً طازجةً باستعداده الخارق، ورَشَفها ومصَّها([1])؛ وبناء على هذا السرّ، يمكن أن يستفيد النبي صلى الله عليه وسلم من تسبيحةٍ واحدة بقدر عبادة غيره في عام كامل، فَقِسْ على هذا من وجهة النظر هذه مدى ارتقاء محمد عليه الصلاة والسلام في مراتب الكمالات التي لا حد لها ولا نهاية.


[1]  يقصد أنه -صلى الله عليه وسلم- تَشَرَّبَ هذه الكلمات بكامل استعداده حتى صارت جزءًا منه.

 



513. صفحة

ثالثها: إن أهم مدار من بين جميع مقاصد الخالق سبحانه في هذا الكون هو نوع البشر، وهم المخاطبون الأكثر إدراكًا لجميع الخطابات السبحانية، فلاشك أن الفرد ذا الجلال الذي جعل محمدًا عليه الصلاة السلام -الذي هو أشهرُ إنسان بين البشر وأكملُهم وأعظمُهم بشهادة آثاره وإجراءاته- مخاطبًا لنفسه باسم ذلك النوع، بل باسم جميع الكون؛ قد أسبَغَ عليه فيضه الذي لا نهاية له في الكمالات التي لا حدَّ لها.

وهنالك نقاط كثيرة مثل هذه النقاط الثلاث تثبت إثباتًا قاطعًا أن شخصية محمد -عليه الصلاة والسلام- المعنوية كما أنها شمسٌ معنوية للكون؛ كذلك فهي الآيةُ الكبرى للقرآن الكبير الذي يسمى بـ"الكون"، والاسمُ الأعظم لذلك الفرقان الأعظم، ومرآةٌ للتجلي الأعظم لاسم الفرد.

فيا فرد ويا أحد، صلِّ وسلم على الذات الأحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- من رحمتك غير المحدودة صلاةً وسلامًا بعدد حاصل ضرب جميع ذرات الكائنات بجميع عاشرات جميع دقائقها في جميع الأزمان.

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

 

 

النكتة الخامسة

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد تراءت لي من بعيد في شهر شوال الشريف في سجن "أسكي شهر"، نكتةٌ من نكات الآية العظيمة ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الروم:٥٠) والآيةِ العظيمة ﴿اللهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (البقرة:255) وتَجَلٍّ من تجليات اسم "الحَيّ" الذي هو الاسم الأعظم، أو هو أحد ضياءَي الاسم الأعظم أو هو أحد أنواره الستة، ولكن لم تُسجَّل في حينها، ولم نستطع أن نقتنص هذا الطائر القدسي بسرعة، فسُجِّل بعد تباعده، فسنبين بعضًا من أشعة تلك الحقيقة الكبرى وذلك النور الأعظم بيانًا مختصرًا ولو ببعض الرموز.

514. صفحة

الرمز الأول:

ما الحياة التي هي تجلٍّ من التجليات العظمى لاسم "الحَيّ" واسم "المُحْيِي"؟

وما ماهيتها؟

وما وظيفتها ومهمتها؟

والجواب على هذا السؤال بما يشبه الفهرس هو:

الحياة لهذا الكون؛

1- أهم غاية،

2- وأعظم نتيجة،

3- وأسطع نور،

4- وألطف خميرة،

5- وخلاصة مُتَرشِّحة مستخلَصة،

6- وأكمل ثمرة،

7- وأسمى كمال،

8- وأبهى جمال،

9- وأجمل زينة،

10- وسرّ وحدة،

11- ورابطة اتحاد،

12- ومنشأ كمالات،

13- وأبدع وأروع ذي روح من حيث الإبداع والماهية،

14- وحقيقة ذات معجزة جعلت أصغرَ مخلوق بمنزلة الكون،

15- وهي أبدعُ معجزةِ قدرةٍ تُظهِر فهرسًا للكون العظيم في ذلك الحي نوعا ما، وكأنها تكون وسيلة لاندراج الكون في هذا الكائن الحي الصغير، فتجعل الكائنَ الحَيَّ الصغير بمنزلة كون صغير ذي صلة مع أكثر الموجودات، 

515. صفحة

16- وهي صنعة إلهية خارقة رائعة تكبّر أصغرَ جزء إلى أكبر "كلٍّ"، وتجعل الفرد بمنزلة عالم وكأنه "كلي"، وتُظهِر الكونَ من حيث الربوبية على أنه بمنزلة "كلّ" و"كلّي" لا يقبل التجزيء أو الانقسام أو الاشتراك،

17- وهي بين ماهيات الكون، أسطع وأقطع البراهين التي تشهد على وجوب وجود الحي القيوم ووحدته وأحديته،

18- وهي بين المصنوعات الإلهية؛ أخفى نقشِ إبداعٍ رباني وأظهرُه، وأغلاه وأرخصه، وأنزهه وأسطعه، وأغزره معنى،

19- وتجلّ لطيفٌ رقيق دقيق من تجليات رحمة الرحمن، يُسخّر لنفسه سائر الموجودات،

20- ومرآة جامعة للشئون الإلهية،

21- وأعجوبة خلقة ربانية تحتوي على تجليات كثير من الأسماء الحسنى كـ"الرحمن" و"الرزّاق" و"الرحيم" و"الكريم" و"الحكيم"، وتجعل كثيرًا من الحقائق تابعة لها كـ"الرزق" و"الحكمة" و"العناية" و"الرحمة"، وهي منشأ جميع الحواسّ كالبصر والسمع والإحساس، ومعدنها،

22- ثم إن الحياة ماكينة تحويل في المعمل العظيم للكون تقوم دائمًا بالتصفية والنظافة، وتزيده ترقِّيًا، وتنوره في كل الأرجاء، وكل واحد من الأجساد التي هي عشّ تلك الحياة وكأنها دار ضيافة لقوافل الذرات ومدرسة ومعسكر لها؛ لأداء وظائفها وتَنوُّرِها وتدريباتها، وكأن الْحَيَّ الْمُحْيِي يجعل عالم الدنيا المظلمَ الفانِي السفلِي لطيفًا بواسطة ماكينة الحياة، ويضيئه ويمنحه البقاء نوعًا ما، ويُهيِّئُه للانتقال إلى عالَمٍ باقٍ،

23- ثم إن وجهَي الحياة -أي وجه الملك والملكوت- ساطعان طاهران عاليان ساميان ولا نقص فيهما، لذلك فهي مخلوقة متميزة لم توضع الأسبابُ الظاهريةُ حجبًا لتصرفات القدرة فيها كما هو الحال عند سائر الأشياء، لإظهار أنها تصدر عن يد القدرة الربانية مباشرة بلا حجاب ولا واسطة إظهارًا جليًّا،

516. صفحة

24- ثم إن حقيقة الحياة تتوجه إلى أركان الإيمان الستة وتثبتها معنى ورمزًا؛ أي إنها حقيقة نورانية تتوجه توجهًا قويًّا إلى:

25- وجوب وجود واجب الوجود وحياته السرمدية،

26- ودار الآخرة وحياتها الباقية الخالدة،

27- ووجود الملائكة،

28- وسائر الأركان الإيمانية، وتقتضي وجود كل ذلك.

29- والحياة كما أنها أصفى خلاصة مترشحة للكون ترشحت من جميع الكون،؛ فهي كذلك أعظم سرّ يثمر الشكر والعبادة والحمد والمحبة، التي هي أهم مقصد إلهي في الكون وأعظم نتيجة لخلقة العالم.

تأمل خصائص الحياة المهمة القيمة، ووظائفها العالية العامة البالغة "تسعًا وعشرين" خصيصةً ووظيفةً، ثم انظر إليها حتى ترى عظمة اسم "الحي" وراء اسم "المحيي"؛ وأدرك كيف أن اسم "الحي" هو الاسم الأعظم من حيث هذه الخصائص والثمرات العظيمة للحياة؛ وافهم كذلك أن هذه الحياة بما أنها أكبر نتيجة للكون، وأعظم غاية وأغلى وأثمن ثمرة له؛ فلابد أن لهذه الحياة غايةً كبيرةً ونتيجةً عظيمةً بكبر الكون وعظمته؛ لأنه كما أن نتيجةَ الشجرةِ: ثمرتُها، فنتيجةُ الثمرةِ: شجرةٌ قادمةٌ بواسطة نواتها.

أجل؛ كما أن غاية هذه الحياة ونتيجتها هي الحياة الأبدية، فإحدى ثمارها: الشكر والعبادة والحمد والمحبة تجاه "الحي المحيي" الذي يهب الحياة؛ فالشكر والعبادة والحمد والمحبة هي الغاية من خلق الكون كما أنها ثمرة للحياة.

وافهم من هذا أن الذين يقولون إن غاية الحياة هي العيش في راحة وهناء والتمتع بغفلة، والتنعم بهوى ورغبة؛ هم يستخفون بنعمة الحياة، وهدية الشعور والوعي والعقل العظيمة القيمة الثمينة، ويحتقرونها جاحدين بل كافرين عن جهل مَشِين، فيكفرون بالنعمة كفرانًا مبينًا.

الرمز الثاني: إن هذه الحياة -التي هي تجلّ أعظم من تجليات اسم "الحي"، وتجل ألطف من تجليات اسم "المحيي"- يحتاج بيانُ جميع مراتبها وأوصافها 

517. صفحة

ووظائفها -المذكورة في فهرس "الرمز الأول"- إلى كتابة رسائل بعدد تلك الأوصاف، وقد وُضّح بعضٌ منها في أجزاء "رسائل النور" بالفعل؛ لذا نحيل بعضًا من تفاصيل تلك الأوصاف والمراتب والوظائف إلى تلك الرسائل، ونشير هنا إلى بعضها إشارة مختصرة.

لقد ذكر في الخَصِيصَة "الثالثة والعشرين" من خصائص الحياة البالغة تسعًا وعشرين خصيصة: "أن وجهي الحياة شفافان وطاهران؛ لذا فلم توضع الأسباب الظاهرية حجبًا لتصرف القدرة الربانية فيها".

أجل؛ إن سر هذه الخصيصة هو:

بما أن كل شيء في الكون له جمال وحسن وخير، وبما أن الشر والقبح جزئيان جدًّا ووحدتان قياسيتان؛ فإن ذلك الشر يصبح خيرًا، وذلك القبح حسنًا، لإظهارهما مراتب الجمال والخير، وتكثيرهما حقيقتَهما وتعدُّدَهما.

ولكن الأسباب الظاهرية جُعِلت حجبًا لتصرف القدرة؛ حتى لا يتوجه إلى الحي القيوم سخط ذوي الشعور واستياؤهم، وشكاواهم الناشئة عن الأمور القبيحة والسيئة والبلايا والمصائب الظاهرية حسب نظرهم الظاهري؛ وحتى لا تتنافى مباشرةُ القدرةِ القدسيةِ المنَزَّهةِ لهذه الأمور بلا حجاب مع عزة القدرة في الأمور التي تبدو خبيثة قبيحة لنظر العقل الظاهري.

فتلك الأسباب لا تقدر على الإيجاد، بل هي من أجل أن تكون هدفًا للشكاوى والاعتراضات الباطلة، وللحفاظ على عزة القدرة وقدسيتها وتنَزّهها.

ولقد بُيّن في مقدمة "المقام الثاني" من "الكلمة الثانية والعشرين" ما يلي: إن عزرائيل عليه السلام كان قد ناجى الله تعالى في وظيفة قبض الأرواح قائلا: إن عبادك سيستاءون مني، فقيل له جوابًا: سأضع حجبَ الأمراض والمصائب بين وظيفتك وبين المُتَوَفَّين؛ حتى يُوجِّه عبادي شكاواهم إلى تلك الحجب لا إليك.

وكما أن إحدى وظائف عزرائيل عليه السلام -حسب سر هذه المناجاة- أن يكون ستارًا حتى لا يُتوجه إلى الحيّ القيوم استياءُ واعتراضاتُ من لا يرون الوجهَ 

518. صفحة

الحقيقِيَّ الجميلَ للموت والوفاة، ولا يعلمون ما فيه من تجلي الرحمة في حق أهل الإيمان؛ فالأسباب الأخرى كذلك ستائر ظاهرية.

أجل؛ إن العزة والعظمة تتطلبان أن تكون الأسباب حُجبًا ليد القدرة في نظر العقل،

ولكن الوحدة والجلال يقتضيان أن تنفض الأسبابُ يدَها من التأثير الحقيقي.

وحيث إن وجهي الحياة الظاهرِيَّ والباطنَِّي، والْمُلْكِيَّ والْمَلَكُوتِيَّ لا توجد فيهما موادّ داعية إلى الشكوى والاعتراضات؛ لأنهما طاهران وبلا نقصان ولا قصور، ولا يوجد فيهما قبح أو قذارة تنافي العزة والقدسية والقدرة؛ فقد سُلِّمت -الحياةُ- مباشَرةً ومن غير حجاب ليد اسم "الحي القيوم" المحيي وواهب الحياة والباعث، وكذلك الأمر بالنسبة للنور والوجود والإيجاد؛ لذا فإن الإيجاد والخلق يعود إلى قدرة الخالق ذي الجلال مباشرة، ومن غير حجاب، بل حتى المطر ولأنه الحياة والرحمة نوعا ما؛ فإنه لم يخضَع وقتُ نزوله لقانون مُطَّرِد حتى تُرفَع الأيدي إلى الله سائلةً الرحمة في كل وقتِ حاجةٍ، فلو كان المطر خاضعًا لقانون معيَّن مثل طلوع الشمس؛ لَمَا سُئِلَت هذه النعمة الحياتية بالرجاء في كلِّ وقتٍ.

الرمز الثالث: لقد ذكر في "الخَصِيصَة التاسعة والعشرين" من خصائص الحياة:

كما أن الحياة هي نتيجة الكون؛ كذلك فالشكر والعبادة -اللذان هما نتيجة الحياة- هما سببُ خلق الكون وعلّتُه الغائيّة([1]) ونتيجتُه المقصودة.

أجل؛ إن صانع هذا الكون الحي القيوم، يُعرّف نفسَه ويحببها إلى ذوي الحياة بما لا حدّ له من أنواع نعمه، فلابد أنه يطلب من ذوي الحياة أن يقابلوه بالشكر على هذه النعم، وبمحبته مقابل تحبيبه نفسَه إليهم، وبالمدح والثناء مقابل إبداعاته القيمة، وبالإطاعة والعبودية له مقابل أوامره الربانية؛ وبمقتضى سر الربوبية هذا، فإن الشكر والعبودية هما أعظمُ غايةٍ لجميع أنواع الحياة، ومن ثَمَّ للكون أجمع، فلذلك يحث القرآن المعجز البيان على الشكر والعبادة حثًّا شديدًا قويًّا عظيمًا

[1]      العلة الغائية: هي ما يوجَد الشيءُ لأجله.

 



519. صفحة

بشدة وحرارة وحلاوة، ويبين مكرَّرًا أن العبادة خاصة لله تعالى، وأن الشكرَ إنما يليق به، وأن الحمدَ خاص به.

إذن الآيات التي تدل على أن الحي القيوم يمسك الحياة بجميع شئونها في قبضة تصرفه بلا حجاب مثل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (المؤمنون:80)، و﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (غافر:40)، و﴿فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (الروم:24)؛ تنفي الوسائط نفيًا صريحًا، وتُسلِّم الحياة حصرًا ليد قدرةِ الحَيِّ القيّوم وحده؛ للتعبير عن أن الشكر والعبادة لابد أن يرجعا إلى مالكهما الحقيقي.

أجل؛ إن القرآنَ الحكيمَ في أثناء بيانه أن الأمور التي هي وسيلة للشكر كالرزق والشفاء والمطر هي أيضًا تعود إلى الرزاق الشافي وحده مباشرة، وأن الأسباب والوسائط إنما هي حجبٌ كما في الحياة التي تدعو إلى الامتنان والشكر وتثير مشاعر المحبة والثناء في الآيات: ﴿هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات:58) و﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء:80) و﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ (الشورى:28) وأمثالها؛ استعمل عبارات "هو الذي" و"هو الرزّاق" بما فيها من حصر وتخصيص حسب قواعد النحو؛ كي يبين أنَّ الرزقَ والشفاءَ والمطرَ أمور خاصّة بقدرة الحي القيوم وحده حصرًا، وتأتي منه تعالى بلا حجاب، وأن الذي يمنح الأدويةَ خصائصَها، والذي يخلق تأثيرها ومفعولها إنما هو ذلكم الشافي الحقيقي.

الرمز الرابع: لقد بُيِّن في الخصيصة "الرابعة والعشرين" للحياة، أن الحياة تنظر وتتوجه إلى أركان الإيمان الستة وتثبتها، وتشير إلى تحققها.

أجل؛ بما أن أهم نتيجة للكون وخميرته وحكمة خلقه هي الحياة؛ فلاريب أن هذه الحقيقة العالية ليست منحصرة في الحياة الدنيوية الفانية القصيرة الناقصة الأليمة، بل إن غايةَ ونتيجةَ شجرة الحياة -التي تَظهَر عظمةُ ماهيتها بخواصِّ الحياة التسع والعشرين- والثمرةَ التي تليق بعظمة تلك الشجرة إنما هي الحياة الأبدية والحياة الأخروية، وحياة دار السعادة التي هي حَيَّةٌ بأحجارها وأشجارها وترابها؛ وإلا لاقتضى الأمر أن تصبح شجرة الحياة المزوَّدة بما لا حد له من

520. صفحة

الأجهزة المهمة، بلا ثمرة ولا نفع ولا حقيقة في حق ذوي الشعور ولاسيما الإنسان، ولتَرَدَّى أعظم مخلوق في الكون وأهم ذوي الحياة وأسماهم -وهو الإنسان- عشرين درجة أقلّ من العصفور -مثلا- من حيث سعادة الحياة، بعد أن كان أعلى منه عشرين درجة من حيث رأس المال والجهازات، ولأصبح أتعس مخلوق مسكين وأعجزه وأذله، ولصار أيضًا العقلُ الذي هو أغلى وأثمنُ نعمةٍ أكبرَ مصيبة وبلية؛ لأنه يعذّب قلب الإنسان دومًا، ويخلط في لذة واحدة تسعة آلام بتفكيره في أحزان الماضي ومخاوف المستقبل، فهذا باطل مضاعف.

إذن فالحياة الدنيوية تثبت ركن الإيمان بالآخرة إثباتًا قاطعًا، وتُرِي عيوننا في كل ربيع أكثر من ثلاثمائة ألف نموذج من نماذج الحشر.

فهل من الممكن لمتصرف قدير يُعِدّ ويهيئ بالحكمة والرحمة والعناية في جسمك وحديقتك ووطنك كل ما يلزم لحياتك ويناسبها من حاجات وأجهزة، ويرسلها في وقتها المناسب، بل يعلم ويسمع الدعاء المخصوص الجزئي الذي تدعو به معدتُك للرزق من أجل رغبة البقاء والعيش، ويُظهِرُ استجابته لذلك الدعاء، ويُرضي المعدة بما لا حد له من الأطعمة اللذيذة الشهية...

أجل؛ هل من الممكن لذلكم المتصرف القدير ألاّ يعرفَك ولا يراك، وألاّ يُعِدَّ الأسباب اللازمة للحياة الأبدية التي هي أعظم غاية للإنسان؟!

وألاّ يقبلَ -بإنشاء الحياة الأخروية وإيجاد الجنة- دعاءَ الإنسان بالبقاء والخلود، الذي هو أعظم دعاء له وأهمه وأجدره وأعمّه؟!

وألاّ يسمعَ من الإنسان، الذي هو أهمّ مخلوق في الكون بل هو سلطان الأرض ونتيجتها؛ الدعاءَ العامّ القوِيَّ الذي يُدَوّي في العرش والفرش؟!

وألاّ يعبأ به وألاّ يوليه اهتمامًا بقدر ما يولي للمعدة الصغيرة، وألاّ يرضيه؟ فيعرّضَ كمال حكمته ورحمته غير المتناهية للإنكار؟

حاشاه مائة ألف مرة حاشاه!

وهل من الممكن أن يسمع أخفى صوت لأكثر ذوي الحياة جزئيةً، ويستمع لهمومه وشكواه، ويسعفه ويقضي حاجته، ويُلَبِّي له كل ما يريد، ويدلّله ويُرَبِّيه 

521. صفحة

بكمال العناية والاهتمام، ويسخر له المخلوقات برعاية وعناية، ويجعل مخلوقاته الكبيرة خدّامًا له؛ ثم لا يسمع صوتًا عاليًا كدَوِيّ الرعد لأعظم حياة وأدومها وأغلاها وأرقّها، ولا يعبأ ولا يهتمّ بدعائه المهم جدًّا للبقاء والخلود ولا بتضرعه وتوسلاته؛ وكأنه يقوم بتجهيز جُنديّ وإدارته بكمال العناية والاهتمام، ولا يهتم بالجيش الكبير الْمَهِيب المطيع له، ولا يرعاه؟! أو يرى الذرة ولا يرى الشمس؟! أو يسمع طنين البعوضة ولا يسمع الرعد؟!

حاشاه مائة ألف مرة!

وهل يقبل العقلُ بأي وجه من الوجوه لقدير حكيم رحيم ودود، لا نهاية لرحمته ومحبته، وشفوق لا نهاية لشفقته، يحب صنعته حُبًّا جَمًّا، ويُحبِّب نفسه إلى خلقه كثيرًا، ويُحب كثيرًا من يحبونه؛ أن يُفنِي بالموت الأبدي الحياةَ المحبوبة التي تحب الله تعالى أكثر من حبها لغيره وتعبد صانعها ذا الجلال بالفطرة، وأن يُفنِي كذلك الروحَ التي هي نفس الحياة وجوهرها، وأن يتسبب في قطيعة محبه وحبيبه المحبوب وجفائه له بشكل نهائي، ويجرح مشاعره بشدة، فيُنكِر بذلك سرّ رحمته، ونورَ محبته، ويعرضهما للإنكار؟!

حاشاه مائة ألف مرة حاشاه!

إن الجمال المطلق الذي زيّن وجَمَّلَ الكونَ بتجلياته، والرحمةَ المطلقة التي أبهجتْ وسَرَّتْ جميع المخلوقات، لاشك ولاريب أنهما منَزَّهان ومقدَّسان بلا نهاية عن مثل هذا القبح والظلم المطلقين وعن القسوة.

النتيجة: بما أن في الدنيا حياةً؛ فلابد أن الذين يدركون سرّ الحياة من الناس ولا يسيئون استعمال حياتهم، سينالون الحياة الباقية الخالدة في الدار الباقية والجنة الباقية الأبدية، آمَنَّا.

ثم كما أن تلمُّع الموادّ اللمّاعة على وجه الأرض بانعكاسات الشمس، وتلألؤَ الفقاقيع على سطح البحر بتلمعات الضياء، وانطفاءها، وأداءها وظيفةَ المرآة لما يعقبها من الفقاقيع والشميسات الخيالية، تُظهر بالبداهة أن تلك التلمعات تجليات 

522. صفحة

لانعكاس شمس واحدة عالية، وتَذكُر وجود الشمس بمختلف الألسن، وتشير إليها بأصابع من نور؛ كذلك فإن تلألؤ ذوي الحياة بالقدرة الإلهية على وجه الأرض وفي البحر بالتجلي الأعظم لاسم "الْمُحْيِي" للحَيِّ القيّوم، واختفاءَهم وراء ستار الغيب قائلين: "يا حيّ" كي يفسحوا مجالا للذين يأتون من ورائهم؛ يَشهد على حياة "الحيِّ القيّوم" ذي الحياة السرمدية ووجوب وجوده ويشير إليهما؛ وكذلك جميع الدلائل التي تشهد على العلم الإلهي الذي يَظهر أثرُه في تنظيم جميع الموجودات، وجميع البراهين التي تُثبِت القدرةَ المتصرفة في الكون، وجميع الحجج التي تُثبت الإرادة والمشيئة المهيمنة على تنظيم الكون وإدارته، والعلامات والمعجزات التي تُثبِت الرسالات التي هي مدارُ الكلام الرباني والوحي الإلهي، وكذلك فجميعُ الدلائل التي تَشهَد على الصفات الإلهية السبع، كلُّ ذلك يدل ويشهد بالاتفاق على حياة "الحي القيوم" ويشير إليها؛ لأنه لو كان لشيء رؤيةٌ فله حياة كذلك، وإن كان له سمع فذلك علامة الحياة، وإن كان له كلام فهو يشير إلى وجود الحياة، وإن كان له إرادة واختيار فهما يدلان على الحياة؛ كذلك فإن الصفات -كالقدرة المطلقة والإرادة الشاملة والعلم المحيط- المحققة والبديهي وجودها بجميع آثارها الظاهرة في الكون؛ تدل بجميع دلائلها على حياة "الحيِّ القيوم" وتشهد على وجوب وجوده، وتشهد على حياته السرمدية التي أنارت بظل واحد من ظلالها جميعَ الكون، وأحيت بتجلٍّ من تجلياتها دارَ الآخرة قاطبة مع جميع ذراتها.

ثم إن الحياة تتوجه وتنظر إلى ركن "الإيمان بالملائكة" أيضًا، وتثبته رمزًا؛ إذ بما أن أهم نتيجة في هذا الكون هي الحياة، وأن الذين هم أكثر انتشارًا، والذين تُسْتَنْسَخُ نُسخهم بكثرة كاثرة لقيمتهم ونفاستهم، ويعمرون دار ضيافة الأرض بقوافلهم القادمة والراحلة هم ذوو الحياة، وبما أن الكرة الأرضية امتلأت إلى هذا الحد من أنواع ذوي الحياة، وتمتلئ وتُفرَغ دومًا وكل حين لحكمةِ تجديدِ أنواع ذوي الحياة وتكثيرها، وأنه يُخلَق ذوو الحياة بكثرة حتى في أخَسّ موادّ الأرض وأكثرها تعفنًا وتفسخًا فتصبح محشر الكائنات الدقيقة، وبما أن العقل والشعور اللذين هما أصفى خلاصة مُتَرشِّحة من الحياة، والروح التي هي ألطف وأرسخ 

523. صفحة

جوهر لها تُخلَق في هذه الكرة الأرضية بمنتهى الكثرة، وكأن الكرة الأرضية عُمِّرت بالحياة والعقل والشعور والأرواح؛ فلاريب أنه لا يمكن أن تكون الأجرام السماوية -التي هي ألطف من الكرة الأرضية، وأكثر نورانية، وأكبر وأهم منها- ميتةً جامدةً بلا حياة ولا وعي.

إذن فلاشك أن هناك بسرّ الحياة سكانًا ذوي شعور وحياة يناسبون السماوات، ويعمرونها هي والشموسَ والنجومَ، ويُضفُون عليها الحيوية، ويظهرون النتيجة من خلق السماوات، وينالون الخطابات السبحانية، وهم الملائكة.

ثم إن سرّ ماهية الحياة يتوجه وينظر إلى ركن "الإيمان بالأنبياء" عليهم السلام أيضًا، ويثبته رمزًا.

أجل؛ بما أن الكون خُلق للحياة، فالحياة هي أعظم تجلٍّ للحي القيوم الأزلي، وأبدع نقش وأجمل صنعة له، وبما أن الحياة السرمدية تكشف نفسَها بإرسال الرسل وإنزال الكتب، نعم؛ لو لم تكن تلك الكتب وأولئك الرسل لما عُرِفَت تلك الحياة الأزلية، فكما أنه إذا تحدث رجل عُرِف أنه حي يعيش، كذلك فإن الذين يكشفون خطابات من هو وراء حجاب هذا الكون ومن يتكلم ويأمر وينهى ويخاطب من وراء عالم الغيب، هم الأنبياء والكتب التي في أيديهم...

فلاشك أن الحياة في الكون كما أنها تشهد على وجوب وجود الحي القيوم الأزلي شهادةً قاطعةً؛ فتتوجه كذلك إلى ركنين من أركان الإيمان هما إرسال الرسل وإنزال الكتب، اللذين هما شعاعات تلك الحياة الأزلية وتجلياتها، واللذين لهما علاقة بها، تنظر إليهما وتثبتهما رمزًا، ولاسيما الرسالة المحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- والوحي القرآني، ولأنهما بِمنْزلة روح الحياة وعقلها فيمكن القول بأن حقانيتهما ثابتة ثبوتًا قاطعًا كوجود هذه الحياة.

أجل؛ كما أن الحياة خلاصة مُترشِّحة من هذا الكون، فالوعي والإحساس أيضًا خلاصة مترشحة من الحياة، والعقل هو الآخر خلاصة مترشحة من الوعي والإحساس، والروح هي كذلك الجوهر الخالص الصافي للحياة وذاتها الثابتة المستقلة، وكذلك

524. صفحة

فالحياة المحمدية المادية والمعنوية -على صاحبها الصلاة والسلام- هي خلاصة الخلاصة المترشحة من الحياة ومن روح الكون، والرسالة المحمدية هي أصفى خلاصة مترشحة من إحساس الكون ووعيه وشعوره وعقله، بل إن الحياة المحمدية المادية والمعنوية -على صاحبها الصلاة والسلام- هي حياة لحياة الكون بشهادة آثاره، والرسالة المحمدية هي وعي لوعي الكون ونوره، والوحي القرآني هو روحُ حياةِ الكون بشهادة حقائقه الحية، وهو عقلُ وعي الكون.

أجل، أجل، أجل؛ لو خرج نور الرسالة المحمدية من الكون -على صاحبها الصلاة والسلام- وغادره، لتُوُفِّيَ الكون؛ ولو غادره القرآن، لَجُنّ جنون الكون، ولفقدت الكرة الأرضية -وهي كالرأس- عقلها، ولاصطدم رأسُها الذي سيصير بلا شعور ووعي بأحد الكواكب، ولقامت القيامة.

ثم إن الحياة تتوجه وتنظر إلى ركن الإيمان بالقدر، وتثبته رمزًا؛ فبما أن الحياة هي ضياء عالم الشهادة، ومهيمنة عليه وتغطيه، وهي نتيجة الوجود وغايته، وأجمع مرآة لخالق الكون، وأبدع وأتقن نموذج وفهرس للفعّاليات الربانية، بل -إذا جاز التعبير، ولا مُشَاحّة في الأمثال- برنامج لها نوعًا ما؛ فلاشك أن سرّ الحياة يقتضي أن تكون مخلوقات عالم الغيب -أي الماضي والمستقبل أي الماضية والقادمة- متهيئةً لِمَا هو بمنزلة الحياة المعنوية لها من انتظام ونظام وعلم وشهود وتعين، ومتهيئةً لامتثال الأوامر التكوينية التي هي الأخرى بمنزلة الحياة المعنوية لها.

وكما أن النواة الأصلية للشجرة وجذورَها والنوى التي في منتهاها وثمارها تنال نوعًا من الحياة مثل الشجرة، بل تحمل قوانينَ حياتيةً أرقَّ وألطف من القوانين الحياتية للشجرة، وكما أن البذور والجذور التي خلّفها الخريف الماضي قبل الربيع الحالي، والبذورَ والجذور التي سيُخلِّفها هذا الربيع بعد ذهابه؛ كلها تحمل تجلي الحياة مثلما يحملها هذا الربيع، وتخضع لقوانين الحياة؛ كذلك فلكل غصن من أغصان شجرة الكون، ولكل فرع من فروعها ماضٍ ومستقبلٌ، وله سلسلة متشكِّلة من أطواره وأوضاعه الماضية والقادمة، وأنواعُ الوجود المتعددة لكل نوع من أنواعها وكلِّ جزء من أجزائها تُشكِّل مع أطواره المختلفة في العلم الإلهي سلسلةَ 

525. صفحة

وجود علمي، فهذا الوجود العلمي هو الآخر -مثل الوجود الخارجي- يَظهَر عليه تجلٍّ معنوي للحياة العامة؛ حيث تُؤخَذ المقدَّراتُ الحياتيةُ من تلك الألواح القَدَرية الحية ذات المعاني.

أجل؛ إن امتلاء عالم الأرواح -وهو نوع من أنواع عالم الغيب- بالأرواح -وهي عين الحياة ومادتها وجواهرها وذواتها- يتطلب ويستلزم بلاريب أن ينال النوعُ الآخر والقسمُ الثاني من عالم الغيب المسمى بالماضي والمستقبل، تَجلّيَ الحياة.

ثم إن ما في الوجود العلمي لكل شيء من انتظام متقن، وأوضاع ذات معان، وثمار وأطوار حيوية يدل على ظهور نوع من حياة معنوية عليه.

أجل؛ لابد أن مثل هذا التجلي -تجلي الحياة الذي هو ضياء شمس الحياة الأزلية- لا يمكنه أن ينحصر فقط في عالم الشهادة وفي هذا الزمان الحاضر وفي هذا الوجود الخارجي، بل إن كل عالم يظهر عليه تجلي ذلك الضياء، كلٌّ حسب قابليته، والكون حي ومنوَّر بجميع عوالمه بفضل تلك التجليات؛ وإلا لصار كلُّ عالَم تحت حياة مؤقتة ظاهرية، جنازةً كبيرة مرعبةً، وخرابًا مهجورًا مظلمًا كما يراه نظر الضلالة.

وهكذا وبسر الحياة يُفهَم ويَثْبُتُ ركن "الإيمان بالقضاء والقدر" أيضًا في نطاق واسع، أي كما تظهر حيوية عالم الشهادة والأشياء الموجودة الحاضرة بانتظامها ونتائجها، فكذلك المخلوقات الغابرة والقادمة -التي تُعَدّ من عالم الغيب- لها وجودٌ معنوي ذو حياةٍ وثبوتٌ علميٌّ ذو روح معنىً، حيث يتضح ويظهر أثر تلك الحياة المعنوية بواسطة لوح القضاء والقدر باسم "المقدَّرات".

الرمز الخامس: ولقد ذُكر في "الخصيصة السادسة عشرة" للحياة أنه حينما تدخل الحياة في شيء تجعل ذلك الشيء بمنزلة عالم، فتمنحه جامعية وكأنها "كل" إذا كان جزءًا، و"كلّي" إذا كان جزئيًّا.

أجل؛ إن ما للحياة من جامعية وكأنها مرآة جامعة للأحدية تُظهِر على نفسها أغلب الأسماء الحسنى التي تتجلى على جميع الكون، وحينما تدخل الحياة في 

526. صفحة

جسم تجعل ذلك الجسم كعالم صغير، وكأنها تجعله نواةً تحمل فهرس شجرة الكون نوعًا ما، فكما أن النواة لا يمكن أن تكون إلا أثر قدرة تقدر على إنشاء شجرتها، فكذلك الذي يخلُق أصغَرَ حَيٍّ لابد أنه خالق لجميع الكون، وهكذا فهذه الحياة تُظهِر على نفسها أخفى سِرٍّ للأحدية بجامعيتها هذه؛ أي كما أن الشمس العظيمة تدخل بضيائها وطيفها وانعكاسها في كلِّ قطرة ماءٍ، وفي كل قطعة زجاجٍ تقابل الشمسَ؛ فكذلك تَظْهَر في كلّ حَيٍّ تجلياتُ الأسماء والصفات الإلهية المحيطة بالكون مجتمعةً، فالحياة من هذه الناحية تجعل الكون بمنزلة كلٍّ لا يقبل الانقسامَ والتجزيءَ في الربوبية والإيجاد، بل تجعله بمنزلة "كلّي" غير ممكن اشتراكه وتجزؤه.

أجل؛ إن الختم الذي على وجهك يَدُلّ بالبداهة على أن الذي خلقك هو خالق جميع البشر؛ لأن الماهية الإنسانية واحدة فانقسامها مستحيل، وإن أجزاء الكون تصبح بمنزلة أفراده بواسطة الحياة، وأما الكون فيغدو بمنزلة نوع مستقل لها، فكما يُظهر الكون ختم الأحدية في مجموعه، كذلك فكل جزء من أجزائه يُظهِر سكّة الأحدية وختم الصمدية، فيطرد الشرك والاشتراك بجميع الوجوه.

ثم إن في الحياة معجزاتٍ خارقةً بديعةً لا مثيلَ لها للصنعة الربانية، فمن لا يقدر على خلق جميع الكون أو القدرة التي لا تقدر على ذلك؛ لا يقدر على خلق أصغر حي.

أجل؛ إن القلم الذي يكتب فهرس شجرة الصنوبر الضخمة ومقدَّراتها في بَذْرَتِها المتناهية في الصغر وكأنه يكتب القرآن كله على حبة حمص؛ لا يمكن أن يكون إلا ذلك القلم الذي كَتَب السماوات مع النجوم.

أجل؛ إن الذي أدرج في الرأس الصغير للنحلة استعدادًا وقابلية وجهازًا تَقْدِرُ به على معرفة الزهور التي في حديقة الكون، وتكون به ذات علاقة وصلة بأكثر أنواعها، وتأتي بهدية رحمة هي العسل، وتعرف شرائط الحياة يومَ قَدِمَت إلى الدنيا؛ لاريب أنه هو خالق الكون جميعًا. 

527. صفحة

الحاصل: كما أن الحياة سكة توحيد ساطعة على وجه الكون، وكل ذي روح أيضًا سكة للأحدية من حيث الحياة، ونقوش الصنعة الموجودة على كل فرد من أفراد الحياة هي أختامٌ للصمدية.

إن جميع الأحياء يُوقِّعون على مكتوب الكون هذا بحياتهم باسم الحي القيوم والواحد الأحد بعدد أفرادهم، وهي كلها أختام التوحيد وعلامات الأحدية وسكك الصمدية في ذلك المكتوب، وكل ذي حياة أيضًا فهو كالحياة ختمٌ للواحدية في كتاب الكون هذا، وُضِعَ على وجه كل واحد منهم وملامحِه ختمُ الأحدية.

ثم إن الحياة كما أنها توقيعات وأختام تشهد على وحدة الحي القيوم بعدد جزئياتها وأفراد ذوي الحياة؛ كذلك فإن فعل الإحياء والبعث يضع توقيعه على التوحيد بعدد أفراده، فمثلا؛ إحياء الأرض -الذي هو فرد واحد من أفراد الإحياء- شاهد ساطع للتوحيد كالشمس؛ لأنه يُبعَث ثلاثمائة ألف نوع وما لا يُعَدُّ من أفراد كل نوع من هذه الأنواع معًا باختلاط وتداخل وبإتقان وانتظام بلا نقصان ولا خطأ ضمن إحياء الأرض وبعثها في الربيع.

أجل؛ إن الذي يفعل بهذا الفعل الواحد أفعالا بديعة متقنة منتظمة غير محدودة؛ لاشك أنه خالق جميع المخلوقات، وهو الحي القيوم الذي يحيي جميع ذوي الحياة، والواحد الأحد الذي لا يمكن اشتراكه في ربوبيته.

لقد اكتفينا بكتابة هذا القدر القليل المختصر من خصائص الحياة، ونحيل بيان خصائصها الأخرى وتفاصيلها إلى رسائل أخرى من رسائل النور، وإلى وقت آخر.

الخاتمة: لا يكون الاسم الأعظم واحدًا بالنسبة لكل أحد، بل يختلف ويتنوع، فمثلا الاسم الأعظم عند الإمام علي رضي الله عنه ستة أسماء هي: "فرد، حي، قيّوم، حَكَم، عدل، قدوس"، وعند الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه اسمان وهما: " حَكَم وعدل"، وعند الغوث الأعظم عبد القادر الجيلاني قُدِّس سِرّه هو اسم "الحي"، وعند الإمام الرباني رضي الله عنه اسم "القيّوم" وقد رأى كثير من العلماء أن الاسم الأعظم غير هذه الأسماء. 

528. صفحة

وقد بَيّن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم معرفته بالله تعالى بدرجة عالية سامية وجامعة في مناجاته العظمى المسماة بـ"الجَوْشَن الكبير"، فنحن أيضًا بمناسبة هذه النكتة الخامسة التي تخص اسم "الحي" نذهب خيالا إلى ذلك الزمان، ونُؤَمِّن على ما قاله الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، ونذكر بالصدى المحمدي على صاحبه الصلاة والسلام، وكأننا نردد المناجاة نفسها كتَبَرُّكٍ وشاهد ودليل وحجة قدسية ودعاء لنا، وكحسن خاتمة لهذه الرسالة.

 

يَا حَيُّ قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ                    يَا حَيُّ بَعْدَ كُلِّ حَيٍّ

يَا حَيُّ الّذِي لَا يُشْبِهُه شَيْءٌ          يَا حَيُّ الّذِي لَيْسَ كَمِثْلِه حَيٌّ

يَا حَيُّ الّذِي لَا يُشَارِكُهُ حَيٌّ      يَا حَيُّ الّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى حَيٍّ

يَا حَيُّ الّذِي يُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ يَا حَيُّ الّذِي يَرْزُقُ كُلَّ حَيٍّ

يَا حَيُّ الّذِي يُحْيِي المَوْتَى           يَا حَيُّ الّذِي لَا يَمُوتُ                

 

سُبْحَانَكَ يَا لَا إِلٰهَ إِلَّا أَنْتَ الأمانَ الأمانَ نَجِّنَا مِنَ النَّارِ

آمين.

 

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

 

 

النكتة السادسة

تخص اسم الله "القيوم"

لقد أصبحت خلاصة واحدة لاسم "الحي" ذيلا لرسالة "ينبوع النور، فرأينا من الأنسب أن يكون اسم "القيوم" هذا ذيلا لـ"الكلمة الثلاثين".

اعتذار: هذه المسائل المهمة والتجلي الأعظم لاسم"القيوم" العميق الواسع قد خطر على القلب ليس منتظمًا بل بصورة لمعات مختلفة متفرقة، فكُتب كتابة مشوشة وعلى عجل، فبقي مُسَوَّدًا بلا تدقيق، لذا فلا محالة أنه سيكون هناك بعض النقصان وعدم التناسق في عباراته وأسلوبه، فالرجاء الصفح عن تقصيراتي بالالتفات إلى جمال المسائل.

529. صفحة

تنبيه: إن النكات الخاصة بالاسم الأعظم واسعة وعميقة في منتهى السعة والعمق، ولاسيما المسائل الخاصة باسم "القيوم"، و"الشعاع الأول"([1]) منها على وجه الخصوص أعمق بكثير لكونه يتوجه إلى "الماديين"؛ لذا فلا جرم أنه لن يفهم كل إنسان كل مسألة من مسائله، ولكن يمكن أن يأخذ كل واحد نصيبًا من كل مسألة إلى حد ما، فليس من العقل التراجع والتخلي عن هذه الحديقة المعنوية بذريعة عدم المقدرة على قطف كل ثمراتها، وذلك حسب قاعدة "ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَك كلُّه"، فما قطفه الإنسان فهو ربح وكسب.

وللاسم الأعظم مسائل واسعة لا يمكن الإحاطة بها، كما أن له مسائل دقيقة لا يمكن للعقل أن يراها أو يشاهدها، فلا يستطيع أن يدرك فكر كل واحد هذه المسائل، ولاسيما اسمي"الحي" و"القيوم"، وبخاصة رموز الحياة إلى أركان الإيمان، وبخاصة إشارات الحياة إلى ركن الإيمان بالقضاء والقدر، و"الشعاع الأول" لاسم القيوم، ولكن لا يبقى كذلك دون حظ ونصيب من هذه المسائل، بل يقوي إيمانه بها في كل الأحوال، فإن تقوية الإيمان الذي هو مفتاح السعادة الأبدية عظيمة الأهمية، وزيادة قوة الإيمان ولو بمقدار ذَرَّة كَنْز عظيم، ولهذا يقول الإمام الرباني أحمد الفاروقي: إن انكشاف مسألة إيمانية صغيرة، أفضل في نظري من مئاتٍ من الأذواقِ والكراماتِ.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (يس:83)

﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الشورى:12)

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ (الإسراء:44)

﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ (هود:56)

لقد تراءت لعقلي في شهر ذي القعدة في سجن "أسكي شهر"، نكتة من نكات هذه الآيات وأمثالها من الآيات التي تشير إلى القيومية الإلهية، وتجلٍّ عظيم

[1]  لا يقرأ الشعاع الأول من لم يكن عالِمًا بالعلوم الكونية الحديثة، أو فليؤجل قراءته إلى أن ينتهي من بقية الشعاعات. (المؤلف)

 



530. صفحة

من تجليات اسم "القيوم" الذي هو الاسم الأعظم، أو هو الضياءُ الثاني من ضياءي الاسم الأعظم، أو النور السادس من أنواره الستة.

وحيث إن الظروف والأوضاع غير مواتية في السجن، فلن أستطيع بيان ذلك النور الأعظم حق البيان، ولكن ولأن الإمام عليًّا رضي الله عنه يضع الاسم الأعظم -الذي بيَّنه تحت الاسم العالي السامي "السكينة" في قصيدته "الأرجوزة"- وتلك الأسماءَ الستةَ -التي يندرج فيها الاسم الأعظم بأسماء عظيمة في قصيدته "الجلجلوتية"- في أعظم منزلة، ويوليها اهتمامًا كبيرًا؛ فإننا سنشير -ولو باختصار- إلى ذلك النور الأعظم اسم "القيوم" بـ"خمسة شعاعات" كما فعلنا ذلك مع الأسماء الحسنى الخمسة السابقة.

الشعاع الأول: إن خالق هذا الكون ذا الجلال قيومٌ، أي إنه قائمٌ ودائمٌ وباقٍ بذاته، وجميع الأشياء قائمة به، وتدوم به، وبه تبقى في الوجود، وبه تجدُ البقاءَ، فلو انقطعت نسبة القيومية هذه ولو للحظة واحدة لزالَ الكونُ.

ثم إن ذلكم القيوم ذا الجلال مع قيوميته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ كما أعلن في القرآن العظيم الشأن؛ أي لا نظير له ولا مثيل ولا شبيه ولا شريك، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.

أجل؛ إن الذي يمسك الكون كلَّه في قبضة ربوبيته بجميع شئونه وكيفياته، ويدَبِّرُه ويُدِيرُه ويُرَبِّيهِ بكمالِ الانتظامِ كتدبيرِ وإدارةِ وتربيةِ بيتٍ أو قصرٍ؛ لا يمكن أن يكونَ له مثل أو مثيل أو شبيه أو شريك، بل إن ذلك محال.

أجل؛ إن الحيَّ القيوم الذي سَهْلٌ عليه إيجاد النجوم كسهولة إيجاد الذرات، والذي أكبر شيء مسخَّرٌ لقدرته كأصغر شيء، والذي لا يمنع عنه شيء شيئا ولا فعل فعلا، والذي هو حاضر أمام نظره جميعُ الأفرادِ غير المحدودة كالفرد الواحد، والذي يسمع الأصواتَ جميعها معًا، والذي يقضي حاجاتِ الجميع غيرَ المحدودة معًا، والذي لا يخرج أيُّ شيء وأي حال عن نطاق مشيئته وإرادته بشهادة جميع الانتظامات والموازين التي في موجودات الكون، والذي هو حاضر بقدرته وعلمه في كل مكان مع أنه ليس في أي مكان، والذي هو في منتهى القرب 

531. صفحة

من كل شيء، مع أن كل شيء في منتهى البعد عنه؛ لا جرم أنه ليس له مِثْلٌ، ولا نظير، ولا شريك، ولا وزير، ولا ضد، ولا ند، بأي وجه من الوجوه، بل محال أن يكون، إلا أنه يمكن النظر إلى شئونه القدسية بمنظار المَثَل والتمثيل، وكل التمثيلات والتشبيهات في "رسائل النور" إنما هي من ذلك السبيل.

إن بعض أهل الضلالة توهموا بعض تجليات الذات المقدس [الذي ليس كمثله شيء، والذي هو واجب الوجود، ومجرَّد عن المادة، ومنَزّه عن المكان، ومحال تجزؤه وانقسامه بأية حال من الأحوال، وممتنع تغيره وتبدله، وخارج عن الإمكان احتياجه وعجزه، التي تتجلى على صفحات الكون وطبقات الموجودات] عينَ الذات المقدس، فنسبوا أحكامَ الألوهية إلى بعض مخلوقاته، وأسندوا بعض آثار الحي القيوم ذي الجلال إلى الطبيعة، والحقيقة أنه قد أُثبتَ ببراهين قاطعة في مواضع متعددة من "رسائل النور" أن:

الطبيعة صنعة إلهية ولا يمكن أن تكون صانعًا، وكتاب ربَّاني ولا يمكن أن تكون كاتبًا، ونقش ولا يمكن أن تكون نقّاشًا، وسِجِلّ ولا يمكن أن تكون كاتبًا للسجل، وقانون ولا يمكن أن تكون قدرة، ومِسْطَرٌ ولا يمكن أن تكون مَصْدرًا، وقابل ومُنفعِل ولا يمكن أن تكون فاعلا، ونِظام ولا يمكن أن تكون ناظمًا، وشريعة فطرية ولا يمكن أن تكون شارعًا.

فإذا نُسِبَ خلقُ أصغر حيٍّ إلى الطبيعة -بفرض المحال- وقيل لها: اخلقي هذا، فعندئذ لابد من وجود قوالب بل ماكينات بعدد أعضاء ذلك الحي الصغير وجهازاته؛ حتى تتمكن الطبيعة من القيام بذلك الأمر، كما أُثبِت ذلك ببراهين قاطعة في مواضع كثيرة من "رسائل النور".

ثم إن بعض أهل الضلالة الذين يُسَمَّوْن بالماديين([1]) قد أحسّوا بالتجلي الأعظم للخلاقية الإلهية والقدرة الربانية في التحولات المنتظمة في الذرّات، ولَمَّا لم يعرفوا مصدرَ هذا التجلي، ولم يستطيعوا أن يدركوا مصدر إدارة القوة العامة الناشئة عن تجلي القدرة الصمدانية؛ توهموا أن المادة والقوة أزلية، وبدأوا يُسنِدون الآثارَ الإلهيةَ إلى الذرّات وحركاتها.


[1]  هم الذين يُسَلِّمون بوجود المادة وحدها، وبها يفسرون الكون والمعرفة والسلوك.

 



532. صفحة

فسبحان الله! هل يمكن أن يكون في الإنسان جهل غير محدود إلى هذا الحد حتى يُسنِد الأفعال والآثار التي يخلقها الله تعالى -وكأنه حاضر في كل مكان، وعند إيجاد كل شيء، وهو يرى جميع الأشياء، ويعلمها، ويديرها مع أنه منزه عن المكان- إلى الذرات الجامدة العمياء التي لا شعور لها ولا وعي ولا إرادة ولا ميزان، والتي تضطرب ضمنَ عواصف المصادفة وإلى حركاتها؟! إن من يملك مقدار ذرة من العقل لابد أن يدرك كيف أن هذا الفكر جهل وخرافة!

أجل؛ إن هؤلاء التعساء عدلوا عن الوحدة المطلقة، فوقعوا في هاويةِ كثرةٍ مطلقةٍ لا حدَّ لها ولا نهاية، أي إنهم لم يقبلوا بوجود إله واحد، فاضْطُرُّوا إلى القبول بوجود آلهة لا حدَّ لها، أي لم تستوعب عقولهم الفاسدة أزلية الذات الأقدس وخالقيته اللتين هما صفتان لازمتان لذاته تعالى، فاضطُرُّوا حسبَ مسلكهم إلى القبول بأزلية الذرات غير المحدودة التي في منتهى الجمود، بل بألوهيتها، فانظر إلى دركات الجهل السحيقة التي لا قرار لها!

أجل؛ إن ذلك التجلي الظاهر في الذرات قد جعل طوائف الذرات كجيش عظيم منظَّم بحول الواجب الوجود وقدرته وأمره، فلو سُحِبَ أمر ذلك القائد الأعظم وقوتُه ثانيةً واحدةً؛ لأصبحت تلك الطوائف الكثيرة الجامدة التي لا شعور ولا وعي لها سائبةً، بل لفنيتْ وزالتْ كليًّا عن الوجود.

ثم إن بعض الناس -وكأنهم يتمتعون ببعد النظر- توهموا -بضلالة أكثر جهلا- أن مادة الأثير التي هي صحيفةُ إجراءات الصانع ذي الجلال اللطيفة والرقيقة جدًّا والمطيعة المسخَّرة، وواسطةُ نقل أوامره، وحجابٌ رقيق لتصرفاته، ومِدادٌ لطيف لكتابته، وحُلّةٌ رقيقة لإيجاده، وخميرةٌ لمصنوعاته، ومزرعةٌ لحبوبه؛ مصدرٌ وفاعلٌ لقيامها بوظيفة المرآتية لتجليات ربوبيته جلَّ وعلا.

فهذا الجهل العجيب يستلزم محالات لا حدَّ لها؛ لأن مادة الأثير هي مادة جامدة لا إرادة ولا شعور ولا وعي لها، وألطف من مادة الذرات التي تَخنق وتُغرِق الماديين، وأكثف من فهرس الهيولي([1]) الذي انغمس الفلاسفة القدماء

[1]  الهيولي: لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة.

 



533. صفحة

في وحله، فإسناد الأفعال والآثار -التي تحدث وتحصل في كل شيء بإرادة واقتدار يقدران على رؤية كل شيء ومعرفته وإدارته- إلى هذه المادة التي تنقسم وتتجزأ إلى ما لاحد له من الأجزاء، والمزوَّدة والمجهَّزة بخصائص النقل والانفعال ووظائفهما، بل إسنادها إلى ذراتها التي هي أصغر بكثير من الذرة؛ خطأ بعدد ذرّات الأثير.

أجل؛ إن فعل الإيجاد الذي يُرى ويُشاهَد في الموجودات هو في كيفية عجيبة بحيث يَظهَر على كل شيء، ولاسيما الكائن الحي الصادر عن اقتدار وإرادة يقدران على رؤية أكثر الأشياء بل جميع الكون ويعلمانه، ويعرفان علاقة ذلك الحي بجميع الكون ويحققانها، فهذه الكيفية تدل على أنها كيفية لا يمكن بأي وجه من الوجوه أن تكون من فِعل الأسباب المادية التي لا إحاطة ولا شمول لها.

نعم؛ إن فعلا إيجاديًّا في غاية الجزئية يحمل -بسر القيومية- سرًّا عظيمًا يدل على أنه من فعل خالق جميع الكون مباشرة.

أجل؛ إن الفعل الذي يتوجه إلى إيجاد نحلة واحدة يدل بجهتين على أنه خاص بخالق الكون:

الجهة الأولى: إن نيل أمثال هذه النحلة جميعًا تجليًّا من تجليات الفعل نفسه في جميع الأرض في الوقت نفسه؛ يدل على أن هذا الفعل الجزئي الخاص طرف لفعل محيط شامل لجميع وجه الأرض، إذن فمن كان فاعلَ هذا الفعلِ العظيمِ وصاحبَه؛ فهو فاعل ذلك الفعل الجزئي كذلك.

الجهة الثانية: لابد لفاعل الفعل الذي يتوجه إلى خلق النحلة التي أمامنا من اقتدار وإرادة عظيمين، يمكِّنانه من تحقيق مقومات حياة تلك النحلة وتوفير جهازاتها وتحقيق علاقتها مع الكون والعلم بكل ذلك، فلا يستطيع أن يقوم بذلك الفعل بإتقان كامل إلا إذا نَفَذَ حكمُه في أكثر الكون، بمعنى أن فعلا في غاية الجزئية يدل من وجهين على أنه خاص بخالق كل شيء.

إن أكثر ما يلفت نظر الإنسان ويحيره هو:

534. صفحة

أن الأزلية والسرمدية هما أخص خاصية للواجب الوجود، وضرورة ذاتية لمن هو "صاحب الوجوب" الذي هو أقوى مرتبة للوجود، و"متجرِّد عن المادة" التي هي أثبت درجة للوجود، و"متَنَزِّه عن المكان" الذي هو أبعد طور للوجود عن الزوال، و"صاحب الوحدة" التي هي أرسخ صفة للوجود وأقواها وأقدسها عن التغير والعدم، ومن ثَمَّ فإن إسناد الأزلية والسرمدية إلى أشياء ومواد مادية كالأثير والذرات -التي لها أضعف مرتبة للوجود وأدق درجة فيه، وأكثر أطوار الوجود تغيرًا وتحولا، وأكثرها انتشارًا في المكان، والتي هي مادة مادية لا نهاية لكثرتها- وتصورَّها أزلية، وتوهمَ صدور بعض الآثار الإلهية عنها؛ فكرٌ باطل مجانب للحقيقة، ومخالف للواقع، وبعيد عن العقل كلَّ البعد، ولقد أُثبِت ذلك ببراهين قاطعة في أجزاء متعددة من "رسائل النور".

الشعاع الثاني: وهو مسألتان:

المسألة الأولى: إن وجهًا من وجوه الحقيقة العظمى التي تشير إليها آيات أمثال هذه الآيات: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (البقرة:255)، ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ (هود:56)، ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الشورى:12) التي تشير إلى تجلٍّ أعظم من تجليات اسم "القيوم" هو:

أن قيام الأجرام السماوية في هذا الكون ودوامَها وبقاءَها متوقِّف على سر "القيومية"، فلو صرف تجلي القيومية وجهَه لحظةً لانتثرت ملايين الكرات -التي بعضها أكبر من الكرة الأرضية بألف مرة- في الفضاء غير المتناهي، ولاصطدم بعضها ببعض، ولانتهت إلى العدم؛ فمثلا: كما أن اقتدار قيوميةِ من يمسك في الهواء آلاف القصور العظيمة الرائعة ويسيِّرها بدل الطائرات بكمال الانتظام يقاس بثبات تلك القصور ونظامها ودوامها؛ كذلك فإن إعطاء القيوم ذي الجلال بسر القيومية لما لا حدَّ له من الأجرام السماوية في محيط مادة الأثير قيامًا وبقاءً ودوامًا في منتهى النظام والميزان، وإمساكَه وإيقافَه ملايينَ من الكرات العظيمة الضخمة -التي بعضها أكبر من الكرة الأرضية بألف مرة، وبعضها أكبر منها بمليون مرة- في الفضاء بلا عمد ولا مستنَد، وتوظيفَه كل واحد منها بوظيفة معيَّنة، وتسخيرَه 

535. صفحة

لأوامر صادرة عن فرمانات "كن فيكون" وكأنها جيش عرمرم مهيب؛ كل ذلك مقياس للتجلي الأعظم لاسم "القيوم".

وكذا فإن ذرات كل موجود هي الأخرى قائمة بسر القيومية مثل النجوم، وبه تنال البقاء والدوام.

أجل؛ إن اجتماع الذرات الموجودة في جسم كائن حي أفواجا أفواجا على هيئة خاصة بكل عضو، وعدمَ تفرّقها وتبعثرها، وحفاظَها على أوضاعها في خضم عواصف العناصر الجارية كالسيل، وبقاءَها في تناسق وانتظام، وعدمَ تشتتها؛ لا يَحدُث بالبداهة من تلقاء نفسها، بل بسرّ القيومية؛ حيث يصبح كل جسم ككتيبة منتظمة، وكل نوع كجيش منظم، إذن فهذه الذرات أيضًا تعلن سرَّ القيومية بألسنتها غير المحدودة كما يعلنه بقاء جميع الأحياء والمركبات وتجوالُها على سطح الأرض، وبقاءُ النجومِ وسياحتُها في فضاءِ العالم.

المسألة الثانية: هذا المقام يقتضي الإشارة إلى بعض منافع الأشياء وحِكمها المتصلة بسر القيومية.

أجل؛ إن حكمة وجود كل شيء، وغاية فطرته، وفائدة خلقته، ونتيجة حياته؛ على "ثلاثة أنواع".

النوع الأول: يتوجه إلى الشيء نفسه، وإلى الإنسان وإلى مصالحه.

النوع الثاني-وهو الأهم-: وهو أن كل شيء بمنزلة آية ورسالة وكتاب وقصيدة تعبر عن معانيها، وتُعرّف تجليات أسماء فاطرها ذي الجلال لقرائها غير المعدودين؛ حيث يستطيع كل ذي شعور ووعي أن يطالعها.

النوع الثالث: يعود إلى الصانع ذي الجلال ويتوجه إليه.

لو كانت فائدة كل شيء ونتيجته المتوجهة إلى نفسه واحدةً؛ فإن ما يتوجه منها إلى الصانع ذي الجلال مئات؛ حيث يشاهدُ الصانعُ ذو الجلال بنفسه عجائبَ صنعته، وينظر إلى تجليات أسمائه في مصنوعاته، ويكفي للشيء أن يعيش لمدة ثانية واحدة كي يعبر عن حكمة خلقه في هذا "النوع الثالث الأعظم".

536. صفحة

ثم إن هناك سرًّا للقيومية يقتضي وجودَ كل شيء، وهو ما سيوضَّح في "الشعاع الثالث".

لقد نظرت ذات يوم إلى حكم الموجودات ومنافعها بتجلي طلسم الكون ومُعَمَّى([1]) الخلقة، فقلت في نفسي: لِمَ تُظهرُ هذه الأشياء نفسها هكذا ثم لا تلبث أن ترحل وتغيب بسرعة؟ أَنظُر إلى أجسامها وأجسادها، فأجدها قد أُلبِست وزُيِّنت بإتقان وإبداع وحكمة وجمال، ثم أُرسلت إلى هذا المعرض، ولكنها تغيب في بضعة أيام، بل يغيب بعضُها في بضع دقائق، وترحل بلا فائدة ولا غاية، فما الحكمة من ظهور هذه الأشياء أمام أنظارنا في هذه المدة القصيرة؟

كان لدي شغف شديد بمعرفة هذا السرّ، فتوصلت بلطف إلهي إلى حكمة واحدة مهمة من مجيء الموجودات -ولاسيما ذوي الحياة- إلى مدرسة الدنيا، وهي:

إن كل شيء، ولاسيما الأحياء، كلمة ورسالة وقصيدة ربانية ذات معانٍ غزيرة، ومنشورٌ إلهي، فبعدما يحظى ذلك الشيء بمطالعة جميع ذوي الشعور والوعي والإدراك له، ويعبِّر عن معانيه أمام أنظار مطالعين غير محدودين؛ تغيب صورته الجسمانية التي هي بمنزلة لفظها وحروفها.

هذه الحكمة كفتني لمدة سنة تقريبًا، وبعد سنة انكشفت معجزات الصنعة الخارقة البديعة الدقيقة في المصنوعات، ولاسيما في ذوي الأحياء، فعلمت أن دقائق الصنعة البديعة الخارقة ليست لأجل إفادة المعاني لأنظار ذوي الوعي والشعور فحسب، فمع أن كل موجود يمكن أن يطالعَه مَن لا حدَّ لهم من ذوي الوعي والشعور؛ فإن مطالعتهم له محدودة من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يستطيع كل أحد أن ينفذ إلى جميع دقائق صنعة ذلك الكائن الحي؛ أي إن أهم نتيجة لخلقة الأحياء وأعظم غاية لفطرتها إذن هي أنْ تعرض أمامَ نظرِ القيوم الأزلي ذاتِه عجائبَ صنعته وهداياه وإحساناته التي وهبها لها برحمته.

أما هذه الغاية فمنحتني اطمئنانًا لمدة مديدة؛ إذ علمت منها أن وجود ما لا حد له من دقائق الصنعة في كل موجود –ولاسيما في ذوي الحياة- هو من أجل

[1]  معمى: لغز، مخفي.

 



537. صفحة

العرض أمام نظر القيوم الأزلي؛ أي إن حكمة الخلقة التي هي "مشاهدة القيوم الأزلي صنعتَه بنفسه" كانت تكفي لتلك المصروفات الكبيرة.

ثم بعد مضي فترة من الزمن رأيت أن دقائق الصنعة في ذوات الموجودات وفي صورها لا تدوم، بل تتجدد وتتبدل بسرعة مذهلة، وتتحول ضمن فعّالية وخلَّاقية لا نهاية لها، فبدأت أفكر في أن حكمة هذه الخلاقية وهذه الفعّالية لابد وأن تكون عظيمة عظم تلك الفعّالية، ولم تعد الحكمتان المذكورتان كافيتين هذه المرة، وظلتا ناقصتين، فبدأت أبحث عن حكمة أخرى بشغف وولع، وبعد مدة من الزمن ظهرت وتراءت لي -ولله الحمد- بفيض القرآن المعجز البيان حكمةٌ وغاية عظيمة واسعة من حيث سر القيومية، واتضح بها سر إلهي يعبَّر عنه بـ"طلسم الكون" و"مُعَمَّى الخِلْقَة"، فسنذكر هنا في "الشعاع الثالث" بإجمال نقطتين أو ثلاث نقاط منه فحسب؛ حيث إن ذلك السر قد بُيِّن في "المكتوب الرابع والعشرين" بالتفصيل.

أجل؛ انظروا إلى تجلي سر القيومية من هذه الزاوية؛ حيث إنه يُخرِج جميع الموجودات من العدم، ويمسك ويوقف كل واحد منها في هذا الفضاء غير المتناهي بسر: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (الرعد:2)، ويهب له القيام والبقاء، ويجعلها تنال تجلي سر القيومية، فلولا نقطة الاستناد هذه لما استطاع أن يكون أي شيء قائما بنفسه، ولتدحرج في الفضاء غير المحدود وزال، وسقط في العدم.

وكما أن جميع الموجودات تستند إلى القيوم ذي الجلال من حيث وجودها وقيامها وبقاؤها، وليس لها قيام إلا به؛ كذلك -ولا مشاحة في المثال- فإن أطراف آلاف من السلاسل في كيفيات الموجودات وأحوالها متصلة بسر القيومية، الذي هو بمنزلة مركز سلاسل الهاتف والبرق وعمود مركزه كما يشير إليه سر ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ﴾ (هود:133)، فلو لم تستند إلى نقطة الاستناد النورانية هذه، للزم وجود آلاف من الدَّوْر والتسلسل اللذين هما محال وباطل عند أهل العقل، بل للزم وجود دور وتسلسلات باطلة بعدد جميع الموجودات، فمثلا:

538. صفحة

يستند هذا الشيء إلى هذا الشيء من جهةٍ كالحفظ أو النور أو الوجود أو الرزق أو ما شابهه، وهذا يستند إلى شيء ثانٍ، وذلك إلى آخر، وهكذا دوالَيك.. فلا يمكن أن تكون هذه السلسلة بلا نهاية، ولابد من نهاية لها، ومنتهى أمثال جميع هذه السلاسل إنما هو "سر القيومية".

وبعد إدراك سرّ القيومية هذا، لا تبقى في تلك السلاسل الموهومة رابطةُ استناد بين بعض تلك السلاسل وبعضها الآخر، بل تزول، فكل شيء يتوجه إلى سر القيومية وحده مباشرة.

الشعاع الثالث: سنشير بمقدمة أو مقدمتين إلى انكشاف سر القيومية -إلى حد ما- الذي تتضمنه الخلاقية الإلهية والفعالية الربانية اللتان تشير إليهما أمثال هذه الآيات ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (الرحمن:29)، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (البروج:16)     ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ (المائدة:17)، ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (المؤمنون:88)، ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (الروم:50).

إذا نظرنا إلى هذا الكون نرى أن قِسْمًا من المخلوقات المضطربة المتقلبة دائمًا في سيل الزمان، والآتية والراحلة قافلة إثر قافلة، تأتي إلى الوجود لثانية واحدة وما تلبث أن تغيب، فطائفة منها تأتي ثم ترحل في خلال دقيقة، ونوع منها يمر بعالم الشهادة لمدة ساعة واحدة، ثم يرحل إلى عالم الغيب، وبعضها ينزل إلى عالم الشهادة ويمكث فيه ليوم، وبعضها لسنة، وبعضها لقرن، وبعضها لقرون، وتؤدي وظائفها ثم ترحل، فسفر المخلوقات وسيلها وجريان الموجودات وسياحتها المذهلة المحيرة تساق وتدار بانتظام وميزان وحكمة، والذي يقودها ويقود تلك القوافل إنما يقودها جميعًا تحت عين وحكمة وتدبير؛ بحيث لو اتَّحدت جميع العقول وأصبحت عقلا واحدًا، لما أدركت كنهَ تلك الإدارة الحكيمة، ولما استطاعت أن تجد نقصًا وقصورًا للانتقاد.

وهكذا يرسل القيوم ذو الجلال ضمن الخلَّاقية الربانية كلَّ واحد من هذه المصنوعات المحبوبة التي يحبها –ولاسيما كل واحد من ذوي الحياة- إلى عالم الغيب دون أن يمنحه فرصة التَمَتُّع والتَنَزّه، ويسرِّح في الدنيا كل واحد 

539. صفحة

منها من الحياة دون أن يسمح له بالاستراحة والانشراح، فيملأ دار الضيافة هذه بالضيوف، ويخليها منهم دون رضاهم على التوالي، ويجعل قلمُ القضاء والقدر الكرةَ الأرضية كلوحةِ محوٍ وإثباتٍ، ويكتب على الكرة الأرضية كتاباته دائمًا، ويجددها ويبدلها بتجلي "يحيي ويميت".

وسرّ من أسرار حكمة هذه الفعَّالية الربانية والخلَّاقية الإلهية ومقتضىً راسخ من مقتضياتها وسبب من أسبابها الداعية إليها، هو حكمة لا حدَّ لها ولا نهاية، وهي تتفرع إلى "ثلاث شعب مهمة".

الشعبة الأولى لتلك الحكمة:

إن كلَّ نوعٍ من أنواع الفعّالية -جزئيًّا كان أو كليًّا- يورث لذة، بل إن في كل فعالية لذةً، بل الفعّالية نفسها هي عين اللذة، بل الفعّالية هي ظهور الوجود الذي هو عين اللذة، وهي انتفاضة بالتباعد عن العدم الذي هو عين الألم.

أجل؛ إن كل صاحب قابلية يرقب بمتعة ولذة انكشاف قابليته وبروزها بفعالية معينة، وإن ظهور كل استعداد وبروزه بالفعالية ينشأ عن لذة ومتعة، كما أنه يورث وينتج لذة ومتعة، وإن كل صاحب كمال يرقب بلذة ومتعة ظهور كمالاته وبروزها بوساطة فعالية، وبما أن في كل فعالية؛ كمالا ولذة ومتعة محبوبة ومطلوبة، وبما أن الفعالية هي نفسها كمال، وبما أنه تُشاهَد في عالم ذوي الحياة تجلياتُ محبةٍ ورحمةٍ لا حد ولا نهاية لهما، ناشئتين عن حياة دائمة أزلية؛ فإن هذه التجليات تدل على أن في تلك الحياة المقدسة -إذا جاز التعبير- شئونًا قدسية كعشق إلهي، ومحبة قدسية ولذة مقدسة لا حدَّ لها تليق بالذات القدسية، وتناسب وجوبَ وجودِها؛ تلك الذات التي تحب مخلوقاتها، وتحبب نفسها إليها، وتشفق وتنعم وتمن عليها؛ بحيث إن هذه الشئون تجدد الكون وتقلبه وتبدله بمثل هذه الفعاليات التي لا حدَّ لها، والخلاقية التي لا نهاية لها.

الشعبة الثانية من حكمة الفعَّالية الإلهية غير المحدودة الخاصة بسر القيومية، وهي تعود إلى الأسماء الحسنى:

540. صفحة

من المعلوم أن كل صاحب جمال يَوَدُّ أن يَرى ويُرِي جماله، وكل صاحب مهارة يريد ويود أن يجلب الأنظار إليه بعرض مهارته والإعلان عنها، وكل حقيقة سامية ومعانٍ جميلة بقيت كمالاتها ومميزاتها مخفية مستورة؛ تريد وتود أن تَظهر وأن تجد من ينشدونها ويتطلعون إليها.

بما أن هذه القواعد الراسخة جارية في كل شيء، كل حسب درجته؛ فلاشك أن لكل مرتبة من مراتب كل اسم من ألف اسم واسم للقيوم ذي الجلال الذي هو الجميل المطلق، حُسنًا حقيقيًّا، وكمالاً حقيقيًّا، وجمالاً حقيقيًّا، وحقيقة في منتهى الروعة والجمال بشهادة الكون ودلالات تجليات أسمائه وإشارات نقوشها؛ بل في كل مرتبة من مراتب كل اسم أنواع حُسن لا حدَّ لها، وحقائق جميلة لا نهاية لها، وبما أن مرايا هذه الأسماء التي تعكس جمالها القدسي ولوحاتها التي تُظهِر نقوشها الجميلة، وصفحاتها التي تعبر عن حقائقها الجميلة السامية إنما هي هذه الموجودات وهذا الكون؛ فلاشك أن تلك الأسماء الدائمة الباقية تُجَدِّدُ وتُبَدِّلُ الكونَ دائمًا بتجلياتها استنادًا إلى ذلك العشق الإلهي المقدس، وبناء على سرِّ القيومية؛ كي تَعرِضَ تجلياتِها غير المحدودة، ونقوشَها وكتاباتها ذات المعاني غير المحدودة أمام مشاهدة القيوم ذي الجلال الذي هو مُسَمَّاهَا، وأمام أنظار مطالعة ما لا حدَّ له من المخلوقات ذات الروح والوعي، وتُبْرِزَ من شيء متناهٍ محدودٍ ما لا حدَّ له من اللوحات غير المحدودة، ومن فرد واحد كثيرًا من الأفراد، ومن حقيقة واحدة كثيرًا جدًّا من الحقائق.

الشعاع الرابع:

الشعبة الثالثة من حكمة الفعالية الدائمة المذهلة المحيرة في الكون:

إن كل ذي رحمة يَفرح ويَسْعَد بإرضاء الآخرين، وكل ذي شفقة يُسَرّ ويَسعد بإسعاده الآخرين، وكل ذي محبة يَسعد بإسعاد المخلوقات التي تستحق الإسعاد، وكل ذي كرم وشهامة يتمتع ويتلذذ بإسعاد الآخرين، وكل عادل يغمره الفرح إذا ما حمل أصحاب الحقوق تجاهه مشاعر الشكر والامتنان بعدما يضع الحق في نصابه، ويُنزِل العقاب على من يستحقونه، وكل صاحب مهارة وكل مبدع يفتخر 

541. صفحة

ويتباهى بعرض إبداعاته، وبتلقّي تلك الإبداعات بترحيب وإقبال كما كان يحلم، وبإنتاجها النتائج التي يريدها.

فكل واحد من هذه الدساتير قاعدةٌ راسخة جارية في الكون وفي عالم الإنسان، وقد وُضّحت في "الموقف الثاني" من "الكلمة الثانية والثلاثين" ثلاثة أمثلة تدلّ على جريان هذه القواعد في الأسماء الإلهية، ومن المناسب في هذا المقام كتابة خلاصة واحدة لها، فنقول:

نفترض شخصا كريما شهمًا ذا رحمةٍ وَجُودٍ وسخاء، وهو بمقتضى السجايا العالية في فطرته يُعِدُّ سفينة سياحة كبيرة ويُركب فيها كثيرًا من الفقراء المحتاجين والمساكين المعوزين، ويُدخِل السرورَ والبهجةَ إلى قلوبهم بما أغدق عليهم من عطايا قيمة وهدايا ثمينة، وبما أعد لهم من موائد عامرة ومآدب فاخرة، ويَسِيحُ بهم حولَ الأرض، وفي أثناء ذلك يشاهدهم من الأعلى بسرور، ويتلذَّذُ ويتمتع بامتنان أولئك المحتاجين وشكرهم له، ويفرح بتمتعهم وتلذذهم، ويسعد بسعادتهم وفرحهم ويفتخر.

فبما أن الإنسان الذي هو كموظف التوزيع يسعد ويفرح إلى هذا الحد بتقديم مأدبة جزئية كهذه؛ فلاشك أن الحي القيوم الذي أركب جميع الحيوانات والبشر وما لا حد لهم من الملائكة والجان والأرواح سفينةَ الكرة الأرضية التي هي سفينة رحمانية، وبَسَطَ لهم سطح الأرض كمائدة ربانية عامرة بأنواع المطعومات، وبجميع الأذواقِ والأرزاقِ التي تشبع وترضي الحواس، وأخذَ في سياحة في أقطار الكون مخلوقاتِه المحتاجةَ المسرورةَ التي تقدم له الشكر والامتنان، وأبهجهم وأسعدهم في هذه الدنيا بما لا حد له من العطايا والنعم، وفضلا عن ذلك كله جعل كل جنة من جناته مائدة لمأدبة دائمة لهم في دار البقاء..

أقول: إن الحي القيوم له ما نعجز عن التعبير عنه وما لا يُسمح لنا بالتعبير عنه من شئون إلهية تنشأ عن شكر المخلوقات وامتنانهم له، وعن سرورهم وفرحهم، فهذه الشئون الإلهية ومعاني الربوبية -التي يشار إليها بالسرور المقدس والافتخار القدسي واللذة المقدسة- هي التي تقتضي هذه الفعَّالية الدائمة والخلَّاقية المستمرة.

542. صفحة

ومثال آخر:

إذا صنع صانع ماهر حاكيًا بلا اسطوانة، ونطق هذا الحاكي وعمل كما يريد هو، فكم يكون هذا الصانع فخورًا ومتلذذًا به، ويقول في نفسه ما شاء الله!

وبما أن صنعة بسيطة صورية غير إيجادية تبعث في روح صانعها مشاعر الافتخار والسرور إلى هذه الدرجة، فكيف بالصانع الحكيم لهذه الموجودات الذي جعل الكون كله سيمفونية إلهيّة تُصدِر أنواعًا لا حدَّ لها من النغمات، وتنطق وتسبح وتذكر وتتكلم، وجعله مصنعًا عجيبًا، فعَرَضَ كل نوع وكل عالم للكون بصنعة متميزة مختلفة وبمعجزات صنعة متغايرة، وخلق كثيرًا من الآلات كالحاكي وآلة التصوير والبرقية في رءوس ذوي الحياة، بل حتى في أصغر رأس، ولم يخلق في رأس كل إنسان حاكيًا بلا اسطوانة وآلة تصوير بلا عدسة وبرقية بلا سلك فحسب، بل أَوْدَعَ آلةً في رأس كل إنسان أبدع من تلك الآلات بعشرين مرة، تعمل كما يريد جل وعلا، وتنتج ما يشاء..

أقول: لاشك ولابد أن الشئون العالية السامية للربوبية، والمعانيَ الكثيرةَ أمثال الافتخار القدسي والسرور المقدس الناشئ عن قيامه بأمثال ما ذكرناه من أفعال وإجراءات؛ تستلزم هذه الفعَّالية الدائمة.

ومثال آخر:

إن تلذذ حاكم عادل وافتخاره وسروره عندما يأخذ حق المظلومين من الظالمين، ويحمي الفقراء الضعفاء من الأقوياء، ويعطي كل ذي حق حقه من أجل إحقاق الحقّ، هو من القواعد الأساسية الراسخة للحكم والعدل؛ فلا جرم أن الحي القيوم وهو الحاكم الحكيم والعدل العادل، له ما نعجز عن التعبير عنه من شئون ربانية، ومعان قدسية، تحصل بمنحه حقوق الحياة -التي تُسمَّى بالشرائط الحياتية- لجميع مخلوقاته، ولاسيما لذوي الحياة منهم، وإنعامِه عليهم بجهازات لحفظ حياتهم، وبحمايته الضعفاءَ من شر الأقوياء برحمته، وبكون تحقُّق إحقاق الحق في هذه الدنيا في جميع ذوي الحياة كاملا، وإنزال جزء من العقاب بالظالمين بصورة جزئية غير كاملة وهما من إجراء سرّ عدالته، ولاسيما ما 

543. صفحة

يحصل من تجلي العدالة الكبرى في المحكمة الكبرى في الحشر، وهذه الشئون الربانية والمعاني القدسية تقتضي هذه الفعَّالية الدائمة في الكون.

وهكذا وكما في هذه الأمثلة الثلاثة، فإن كل اسم من الأسماء الحسنى يقتضي الخلَّاقيةَ الدائمةَ؛ لكونه وسيلة وسببًا لبعض الشئون الإلهية القدسية ضمن هذه الفعالية الدائمة.

وبما أن كل قابلية وكل استعداد يورث انشراحًا وانبساطًا ولذة بإعطائه النتيجة والثمار بانكشافه وانبساطه، وبما أن كل موظف يشعر براحة كبرى وسرور عظيم عند تسريحه من وظيفته بعد إنجازه إياها، وبما أن جني ثمار كثيرة من بذرة واحدة، وكسبَ مائة درهم من درهم واحد حالة وتجارة تَسُرُّ وتُفْرِحُ صاحبها؛ فلاشك أنه يتضح مدى أهمية المعاني القدسية والربوبية الإلهية التي تنشأ عن الفعَّالية الدائمة والخلَّاقية الربانية التي تكشف الاستعدادات التي لا حد لها في جميع المخلوقات، وتُسرِّح جميع مخلوقاتها تسريحًا يشبه الترقية بعد استخدامها في الوظائف العظيمة المهمة، أي ترفع العناصر إلى مرتبة المعادن، والمعادنَ إلى حياة النباتات، والنباتاتِ إلى درجة حياة الحيوانات بواسطة الرزق، والحيواناتِ إلى الحياة البشرية السامية الواعية المدركة، وتجعل كل ذي حياة يخلّف بزوال وجوده الظاهري كثيرًا من أنواع الوجود كروحه وماهيته وهويته وصورته كما بُيِّن في "المكتوب الرابع والعشرين"، وتقيمُ مكانَه كائنًا حيًّا آخر يتولى الوظيفة.

جواب قاطع على سؤال مهم:

يقول قسمٌ من أهل الضلالة:

إن الذي يغير ويبدل الكون بفعالية دائمة مستمرة، لابد أن يكون هو الآخر متغيرًا ومتبدّلا؟

الجواب: حاشاه مائة ألف مرة حاشاه.

أولا: إن تغير المرايا في الأرض لا يدل على تغير الشمس في السماء، بل يدل على تجدد تجلياتها.

544. صفحة

ثم إن القدوس الأزلي الأبدي السرمدي، الذي هو في الكمال المطلق والاستغناء المطلق بكل الوجوه، والمجرد عن المادة والْمُنَزّه والْمُبَرّأ والْمُعَلّى عن المكان والقيد والإمكان؛ محال تغيّره وتبدّله.

ثم إنّ تغيُّر الكائنات ليس دليلا على تغيره هو، بل هو دليل على عدم تغيره وتحوله؛ لأن الذي يغير الأشياء المتعددة، ويحركها دائمًا وبانتظام، يجب ألا يكون متغيرًا وألا يتحرك.

مثلا: إنك عندما تُدوِّر كثيرًا من الكرات والقذائف المرتبطة بخيوط كثيرة، وعندما تحركها بانتظام دائم وتعطيها أوضاعًا مختلفة؛ يجب أن تلزم مكانك ثابتًا وألا تتحول أو تتحرك، وإلا لأفسدت هذا الانتظام.

ومن المشهور أن الذي يحرك بانتظام لابد ألا يتحرك، والذي يغيِّر بالدوام يجب ألا يكون متغيرًا، حتى يستمر ذلك العمل بانتظام.

ثانيًا: إن التغير والتبدل ينشأ عن الحدوث والتجدد من أجل الكمال، وعن الحاجة، وعن المادية والإمكان؛ أما الذات الأقدس فقديم، وهو في كمال مطلق واستغناء مطلق من كل الوجوه، ومجرد عن المادة، وواجب الوجود؛ لذا فلابد أنَّ تغيُّره وتبدله محال وغير ممكن البتة.

الشعاع الخامس:

المسألة الأولى: إن أردنا أن نرى التجلي الأعظم لاسم القيوم، نجعل من خيالنا منظارين يشاهدان جميع الكون، بحيث يُرِي أحدهما أبعد الأشياء، والآخر أصغر الذرات، ثم ننظر بالمنظار الأول فنرى أن ملايين من النجوم والكرات التي هي أكبر من الكرة الأرضية بألف مرة ثُبِّت بعضها بغير عمد في مادة الأثير التي هي ألطف من الهواء، ويسيَّر بعضها الآخر من أجل الوظيفة.

ثم ننظر بالمنظار الثاني الذي يُرِي الكائنات الدقيقة بحيث نرى أصغر الذرات، فنرى أن ذرات جسم كل مخلوق من المخلوقات الأرضية ذات الحياة تأخذ أوضاعًا منتظمة، وتتحرك دائمًا كالنجوم، وتؤدي وظائف، ولاسيما المجموعات 

545. صفحة

الصغيرة المتكونة من الذرات التي تسمى بالكريات الحمراء والبيضاء في دم ذوي الحياة، فهي تتحرك بحركتين منتظمتين مثل النجوم السَيَّارة كالمولوي.

خلاصة الخلاصة([1]):

من المناسب أن نذكر خلاصة كي ننظر إلى الضياء القدسي الذي تُشكِّله الأسماء الستة للاسم الأعظم ممتزجًا بعضها في بعض كالألوان السبعة في الضياء، وهي:

انظر من وراء التجلي الأعظم لاسم "القيوم" -الذي منح جميعَ موجودات الكون الدوامَ والبقاء والقيام- كيف أن التجلي الأعظم لاسم "الحي" أضاء بتجلياته جميع الموجودات ذات الحياة، ونوَّر الكون، وزَيَّن وذهّب بتجلياته جميع تلك الموجودات ذات الحياة.

والآن انظر من وراء اسم "الحي" إلى التجلي الأعظم لاسم "الفرد" كيف أنه يضم جميع الكون مع أنواعه وأجزائه في وحدة، ويطبع على جبين كل شيء سِكَّةَ([2]) الوحدة، ويطبع على وجه كل شيء ختم الأحدية، ويجعل كل شيء يُعلِن عن تجلياته بألسنة لا حدّ لها.

ثم انظر من وراء اسم "الفرد" إلى التجلي الأعظم لاسم "الحَكَم" كيف أنه ضمَّ كل موجود من الموجودات التي شاهدناها بمنظاري الخيال بدءًا من النجوم وانتهاء إلى الذرات، جزئيًّا كان أو كليًّا، فيما يناسبه ويليق به من نظام مثمر وانتظام حكيم وانسجام بدءًا من أكبر دائرة وانتهاء إلى أصغر دائرة، وكيف أنه زيَّن جميع الموجودات وجمَّلها.

ثم انظر من وراء التجلي الأعظم لاسم "الحَكَم" إلى التجلي الأعظم لاسم "العدل" كيف أنه يدير جميع الكون بموجوداته في فعالية دائمة بموازين ومقاييس حساسة مذهلة -كما بيِّن في "النكتة الثانية"- فلو فَقَدَ جِرْم واحد من الأجرام

[1]  خلاصة مختصرة جدًّا لأساس الرسائل الست من "اللمعة الثلاثين" وموضوعِها، وللأسماء المقدسة التي تحمل سر الاسم الأعظم. (المؤلف)

 

[2]  السِّكَّة: بمعنى الختم والعلامة الخاصة.

 



546. صفحة

السماوية توازنه لثانية واحدة؛ أي خرج عن دائرة تجلي اسم العدل؛ لتَسبب في هرج ومرج بين النجوم، ولأدّى إلى قيام الساعة.

وكل هذا يدل على أن جميع الموجودات، بدءًا من المنطقة الكبرى التي تسمى بالدائرة العظمى لدرب التبانة وانتهاءً إلى دائرة حركات الكريات الحمراء والبيضاء في الدم، من جيوش النجوم إلى جيوش الذرات، وكلَّ دائرة من الدوائر، وكل موجود من الموجودات من أوله إلى آخره؛ يطيع بكمال المسخَّريَّة الأوامرَ الصادرة عن أمر "كن فيكون" بميزان حساس ومقياس دقيق وبشكل مدروس ووضع موزون.

والآن انظر من وراء التجلي الأعظم لاسم "العدل" إلى التجلي الأعظم لاسم "القدوس" -كما وُضِّح في "النكتة الأولى"- كيف أنه يجعل ويعرض جميع موجودات الكون نظيفةً طاهرة صافية نقيَّة جميلة مزيَّنة، ويجعل جميع الكون وجميع الموجودات مرايا جميلة لائقة ومناسبة لجمال الجميل المطلق الذاتي غير المحدود وأسمائه الحسنى التي هي في منتهى الجمال.

الحاصل: إن هذه الأسماء الستة وهذه الأنوار الستة للاسم الأعظم، قد لفَّت الكون والموجودات بستائر مرصعة ملوَّنة بألوان جميلة مختلفة، ومنقوشة بنقوش متنوعة، ومزينة بزينات متعددة.

المسألة الثانية من الشعاع الخامس:

كما أن تجلي القيومية يَتَجَلَّى على الكون من حيث الواحدية والجلال؛ كذلك فإن ذلك التجلي للقيومية يتجلى على الإنسان -الذي هو مركز الكون ومداره وثمرته ذات الشعور والوعي والإدراك - أيضًا من حيث الأحدية والجمال؛ أي كما أن الكون قائم بسر القيّومية، فإنه يكون قائما أيضًا من ناحيةٍ بالإنسان الذي هو أفضل وأكمل مَظهَر يتجلى عليه اسم "القيوم"، وبمعنى آخر فإن أكثر حِكَمِ الكون ومصالحه وغاياته تتوجه إلى الإنسان؛ لذا فإن تجلي القيومية في الإنسان هو بمنزلة عمود للكون.

أجل؛ يمكن القول بأن الحي القيوم أراد أن يخلق الإنسان، وخلق الكون من أجله؛ لأن الإنسان بجامعيَّتِه التامة يدرك جميع الأسماء الإلهية ويتذوقها، 

547. صفحة

وبالأخصّ يدرك كثيرًا من الأسماء الحسنى بما في الرزق من ذوق، بينما الملائكة لا يستطيعون أن يدركوها مثلما يتذوقها الإنسان.

ومن أجل هذه الجامعية المهمة للإنسان، ولكي يُشعره الحيُّ القيومُ بجميع أسمائه الحسنى، ويُذَوِّقه جميع أنواع نعمه؛ قد أعطاه معدة مشتهية، فملأ بكرمه المائدةَ الواسعةَ لتلك المعدةِ بما لا حدّ له من أنواع المطعومات، وجعل الحياة أيضًا معدة معنوية مثل هذه المعدة المادية، وبسط لمعدة الحياة هذه مائدة نعمة واسعةً جدًّا هي بمنزلة المشاعر والأيادي، أما تلك الحياة فتقوم بجميع أنواع الشكر باستفادتها من مائدة النعمة بواسطة تلك المشاعر.

ثم إنه وهب له بعد معدةِ الحياةِ معدةَ الإنسانيةِ، فهذه المعدة تطلب الرزقَ والنعمةَ في دائرة أوسع من الحياة، فالعقل والفكر والخيال بمنزلة أيدٍ لتلك المعدة تستفيد من هذه المائدة، مائدة الرحمة الواسعة سعة السماوات والأرض، وتقدم الشكر.

وبعدَ معدة الإنسانية جعل عقيدة الإسلام والإيمان معدةً معنويةً تطلب رزقًا كثيراً حتى يفتح مائدة نعمة أخرى واسعة لا حد لسعتها، فوسّع دائرة مائدة رزقه خارج دائرة الممكنات لتشمل الأسماءَ الإلهيةَ؛ بحيث يشعر الإنسان بتلك المعدة باسمي "الرحمن" و"الحكيم" بأكبر تذوق رزقي، ويقول "الحمد لله على رَحْمَانِيَّتِهِ وحَكِيمِيَّتِهِ"، وهكذا يمكن أن يستفيد مما لا حد له من النعم الإلهية بهذه المعدة المعنوية الكبرى، ولاسيما أن أذواق المحبة الإلهية في تلك المعدة لها دائرة أخرى مختلفة.

أما حكمة بسط الحي القيوم أمام الإنسان مائدةَ نعمةٍ واسعة سعة الكون، جاعلا إياه مركزًا لجميع الكون ومدارًا له، وحكمةُ قيام الكون بسر القيومية الذي ناله -من ناحيةٍ- بواسطة الإنسان بسبب تسخيره له؛ فهي "ثلاث وظائف مهمة" للإنسان:

وظيفته الأولى: نظَّم الحيُّ القيوم جميع أنواع النعم المنتشرة في الكون بحسب الإنسان، ونسَّقها كحبات المسبحة بخيط منافع الإنسان، وجمع أطراف خيوط النعم على رأس الإنسان وربطها به، فجعل الإنسان كقائمة لجميع أنواع خزائن الرحمة وكنوزها.

548. صفحة

وظيفته الثانية: أن يكون الإنسان من حيث جامعيته أفضل وأكمل مخاطب لخطابات الحي القيوم، وأن يكون داعيًا إلى بدائع صنعته معلنًا عنها بأعلى صوت، مستحسنا ومقدرًا إياها بإعجاب وحيرة، وأن يقدم له جميع أنواع الشكر بوعي وإدراك وشعور على جميع أنواع نعمه وإحساناته المتنوعة التي لا حد لها، ويقدمَ له الثناء شاكرًا حامدًا له.

وظيفته الثالثة: أن يقوم بواسطة حياته بوظيفة المرآتية للحي القيوم وشئونه وصفاته المحيطة بـ"ثلاثة أوجه":

الوجه الأول: شعور الإنسان من خلال عجزه المطلق بقدرة خالقه المطلقة ودرجاتها، وإحساسه من خلال درجات العجز بمراتب القدرة، وأن يدرك بفقره المطلق رحمة خالقه ودرجاتها، وبضعفه قوتَه تعالى؛ أي أنْ يكون بصفاته الناقصة القاصرة مرآةً لكمال صفاته تعالى كمقياس، فكما أن ظلمة الليل تكون مرآة لظهور المصابيح الكهربائية نظرًا لازدياد سطوع النور في الليالي؛ كذلك فإن الإنسان يقوم بوظيفة المرآتية للكمالات الإلهية بصفاته الناقصة.

الوجه الثاني: الإنسان بإرادته الجزئية، وعلمه القليل، وقدرته الضئيلة، ومالكيته الظاهرية، وببنائه بَيْتَهُ؛ يدرك مالكيةَ باني هذا الكون، وإبداعَه وصنعَه، وإرادتَه وقدرتَه، وعلمَه بقدر كبر الكون وسعته؛ فيؤدي وظيفة المرآتية لهذه الصفات.

الوجه الثالث: لقيام الإنسان بوظيفة المرآتية -للحي القيوم وشئونه وصفاته المحيطة- في هذا الوجه؛ وجهان:

الوجه الأول: أن يُظهِر في نفسه النقوشَ المختلفةَ للأسماء الإلهية؛ أي إن الإنسان لكونه كفهرس صغير ومثال مصغَّر للكون بفضل جامعيته، فإنه يُظهِر نقوش جميع الأسماء.

الوجه الثاني: يؤدي وظيفة المرآتية للشئون الإلهية؛ أي كما أنه يشير بحياته إلى حياة الحي القيوم، كذلك يقوم بواسطة الحواس والمشاعر التي تنكشف له في حياته كالسمع والبصر بوظيفة المرآتية لصفات الحي القيوم كالسمع والبصر، ويبينها.

549. صفحة

ويؤدي الإنسان دور المرآتية كذلك للشئون القدسية للحي القيوم بواسطة ما في حياته من المشاعر والمعاني والحواس الحياتية الكثيرة الدقيقة جدًّا التي لم تنكشف، والتي تفور في صورة حواس ومشاعر، فمثلا يؤدي وظيفة المرآتية بمعاني الحب والافتخار والرضا والسرور والفرح لما لِلذات الأقدس من شئون من هذا النوع، على أن تكون مناسبة ولائقة بقدسيته سبحانه، وغناه المطلق.

وكما أن الإنسان بحياته الجامعة مقياسُ معرفةٍ لصفات الله وشئونه، وفهرسٌ ومرآةٌ ذاتُ شعور ووعي وإدراك لتجلي أسمائه، وهكذا يؤدي وظيفة المرآتية للحي القيوم بوجوه كثيرة؛ كذلك فإنه وحدة قياس لحقائق هذا الكون، وفهرس ومقياس وميزان لها؛ فمثلا إن الدليل القاطع على وجود اللوح المحفوظ والنموذجَ له في الكون هو ما في الإنسان من ذاكرة، والدليل على وجود عالم المثال والنموذج له هو القوة الخيالية([1])، وأحد الأدلة على وجود الروحانيات والنموذج لها هو ما في الإنسان من القوى واللطائف، وهكذا يمكن أن يُظهِر الإنسان الحقائق الإيمانية التي في الكون بدرجة الشهود في إطار محدود صغير.

هذا وللإنسان خدمات ووظائف عظيمة كثيرة جدًّا كالوظائف المذكورة، فهو مرآة للجمال الباقي، وداعٍ ومُظهِر للكمال السرمدي، ومعلن عنه، وشاكر محتاج إلى الرحمة الأبدية، وبما أن الجمال والكمال والرحمة باقية وسرمدية؛ فلاشك أن الإنسان -الذي هو المرآة المشتاقة لذلك الجمال الباقي، والداعي العاشق لذلك الكمال الأبد، وسيرحل إلى الأبد كي يرافق أولئك الخالدين، وسيرافق ذلك الجمال الأبدي والكمال السرمدي والرحمة الدائمة في أبد الآباد، ولابد أن يرافق؛ إذ الجمال الأبديّ لا يرضى بالمشتاق الفاني والخليل الزائل؛ لأن الجمال يحب ذاته؛ لذا يطلب أن يُحَبَّ مقابل محبته، أما الزوال والفناء فيقلبان ويحولان

[1]  أجل؛ فكما أن عناصر الإنسان تخبر عن عناصر الكون، وعظامَه عن الأحجار والصخور، وشعرَه عن النباتات والأشجار، والدم الذي يجري في عروق جسمه، والسوائل المختلفة من عينيه وأذنيه وأنفه وفمه تخبر عن ينابيع الأرض ومياهها المعدنية، وتدل عليها وتشير إليها؛ كذلك فإن روح الإنسان تخبر عن عالم الأرواح، وذاكرته عن اللوح المحفوظ، وقوة خياله عن عالم المثال؛ وهكذا فكل واحد من جهازاته يخبر عن عالم من العوالم، ويشهد على وجوده شهادة قاطعة. (المؤلف)

 



550. صفحة

تلك المحبة إلى عداوة، فلو لم يرحل الإنسان إلى الأبد ولم يخلد فيه؛ لكانت في فطرته عداوة بدل المحبة الراسخة تجاه الجمال السرمدي فيها، فكما بُيِّن في حاشية "الكلمة العاشرة" من أن حسناء طردت أحد عشاقها من مجلسها، فانقلب العشق في ذلك الرجل إلى عداوة، وقال: سحقًا لها! ما أقبحها! فسَخِط على جمالها وأنكره حتى يُسَلِّي نفسه؛ فالأمر كذلك.

أجل؛ فكما أن الإنسان عدو لما جهل، فإنه يبحث بعداء عن قصور ونقائص ما لا تصل إليه يده، أو ما لا يستطيع أن يمسكه، وكأنه يعاديه.

وبما أن المحبوب الحقيقي والجميل المطلق بشهادة الكون كله يحبب نفسه إلى الإنسان بجميع أسمائه الحسنى الجميلة، ويريد من الناس أن يحبوه؛ فلابد أنه لن يُسخِط عليه الإنسان الذي هو محبوبه وحبيبه ملقيا في أعماق روحه عداوة فطرية، ولن يُودِع في روح الإنسان عداوة مضمَرة منافية كليًّا فطرةَ الإنسان الذي هو مخلوقه المكرَّم في أحسن تقويم، والذي خلقه لعبادته، وهو أحب مخلوق لديه، وأكثر محبة له؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يداوي الجرح العميق الناشئ عن الفراق الأبدي عن الجمال المطلق الذي يحبه ويقدره، إلا بعداوته أو بالسخط عليه أو بإنكاره؛ فكون الكفار أعداءً لله ناشئ عن هذه النقطة، إذن فلابد أن ذلك الجمال الأزلي سيجعل الإنسان -الذي هو المرآة المشتاقة له- ينال الحياةَ الباقيةَ في الدار الباقيةِ الخالدةِ حتى يرافقه في طريق أبد الآباد وسياحته.

أجل؛ بما أن الإنسان قد خُلق مشتاقًا ومُحِبًّا للجمال الباقي بفطرته، وبما أن الجمال الباقي لا يرضى بالمشتاق الزائل، وبما أنه إذا كان أمام الإنسان مقصد لا يستطيع أن يبلغه أو لا يستطيع الظفر به أو يجهله؛ فإنه يسلي نفسه بتحري النقص والقصور فيه، بل بحقد خفي تجاهه؛ حتى يجد عزاءً عن الحزن والألم الناشئ عن مراده هذا، وبما أن هذا الكون قد خُلق من أجل الإنسان، والإنسان قد خلق من أجل المعرفة الإلهية ومحبتها، وبما أن خالق هذا الكون سرمدي بأسمائه، وبما أن تجليات الأسماء دائمة وباقية وأبدية؛ فلاشك ولاريب أن الإنسان سيمضي إلى دار البقاء، وسينال حياة باقية.

551. صفحة

فمحمد العربي عليه الصلاة والسلام -الذي هو المرشد الأعظم والإنسان الأكمل الذي يبين قيمة الإنسان ووظائفه وكمالاته- أظهر في نفسه ودينه جميعَ ما بيّنّاه من كمالات ووظائف متعلقة بالإنسان على أفضل صورة وأكملها، وهذا يدل على أن الكون كما أنه خلق من أجل الإنسان، والمقصود والمراد من الكون والمنتخب منه هو الإنسان؛ فلاشك أن أعظم مقصود وأكرم مصطفى وأصقل مرآة للأحد الصمد من نوع الإنسان هو أحمد محمد عليه الصلاة والسلام.

عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ بِعَدَدِ حَسَنَاتِ أُمَّتِهِ.

 

يا الله يا رَحْمن يا رَحِيم يا فَرْدُ يا حَيُّ يا قيّوم يا حَكَم يا عَْدلُ يا قُدُّوس،

نَسْأَلُكَ بِحَقِّ فُرْقَانِكَ الحَكِيمِ، وَبِحُرْمَةِ حَبِيبِكَ الأَكْرَمِ، وَبِحَقِّ أَسْمَائِكَ الحُسْنَى، وَبِحُرْمَةِ اسْمِكَ الأَعْظَمِ أَنْ تَحْفَظَنَا مِنْ شَرِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ، وَمِنْ شَرِّ الجِنِّ وَالإنْسَانِ آمِين.

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ

 

سعيد النورسي

 

552. صفحة

 

اللمعة الحادیة و الثلاثون

وهي كتاب "الشعاعات"، وقد نشر مستقلا.

 

اللمعة الثانیة والثلاثون

وهي رسالة "اللوامع"، وقد أدرجت في آخر كتاب "الكلمات".

 

اللمعة الثالثة الثلاثون

وهي كتاب "المثنوي العربي النوري"، وقد نُشر مستقلا.

553. صفحة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

يَا الله  يا رحمن  يا رحيم  يا فرد  يا حي يا قيوم  يا حكم 

 يا عدل  يا قدوس

بحق الاسم الأعظم، وبحرمة القرآن المعجز البيان، وبكرامة وشرف الرسول الأكرم r أَدخِلْ خُسْرَوْ الذي كتب خمسمائة نسخة بقلم واحد، وأَدخِلْ مساعديه المباركين ورفقاءه وأصدقاءه النوريين في السعادة الأبدية في جنات الفردوس، آمين، ووفّقهم في خدمة الإيمان والقرآن دومًا، آمين، واكتب في صحيفة حسناتهم ألف حسنة لكل حرف من حروف كتاب "اللمعات"، آمين، وارزقهم الثبات والدوام والإخلاص في نشر رسائل النور.

آمين، آمين، آمين.

يا أرحم الراحمين، أسعِد جميع طلاب النور في الدنيا والآخرة، آمين.

واحفظهم وَقِهِمْ شرَّ شياطين الجن والإنس، آمين.

وتجاوز عن تقصيراتِ هذا العبد المسكين سـعيد.

 

آمين. آمين.

آمين.

جدول المحتويات