اللمعة الثامنة والعشرون
التنقل
380. صفحة
اللمعة الثامنة والعشرون
عبارة عن بعض الفقرات المختصرة التي كتبتها لبعث السلوان في قلوب إخواني الذين كانوا أمامي في الوقت الذي كنت ممنوعًا فيه من الاختلاط والحديث مع الآخرين في سجن "أسكي شهر".
بسـم الله الرحمن الرحيم
نكتة صغيرة لآية عظيمة
محاورة لطيفة مع سليمان رشدي([1]) الذي هو رمز الإخلاص والوفاء، والمتميز في صفاء السريرة ونقائها
استعمل بعض الأنانيين النفعيين مبيدًا في غرفتنا في وقت قريبٍ من وقت تسريح الذباب من وظائفه في فصل الخريف كي يبيدوا الذباب الذي يسبب إزعاجا جزئيا، فأثار ذلك رقة كثيرة في قلبي كثيرًا، ولكن الذباب قد تكاثر أكثر فأكثر رغمًا عن هؤلاء الناس بعد حين من الزمن، وكان في غرفتي حبل لنشر الملابس، وتلك الطويرات الصغيرة كانت تتراص على ذلك الحبل في وقت المغرب تراصًّا منظمًا جدًّا، فقلت لرشدي حينما كان يريد أن ينشر الملابس: لا تمس هذه الطويرات الصغيرة، وانشرها في مكان آخر، فقال بكل الجدية: إننا نحتاج إلى هذا الحبل، فليبحث الذباب عن مكان آخر له.
وعلى كل حال بدأ الحديث عن الحشرات الصغيرة الكثيرة كالذباب والنمل في وقت السحر لمناسبة هذا الحوار اللطيف، فقلت له: إن هذه الأنواع التي تتكاثر نسخها بكثرة لها وظائف مهمة وقيمة عظيمة.
[1] من تلاميذ الإمام النورسي الأوائل في منفاه الأول "بارلا".
381. صفحة
نعم؛ إن الكتاب تُطبَع منه نسخ كثيرة بحسب قيمته، مما يعني أن جنس الذباب له وظيفة مهمة وقيمة عظيمة، حيث إن الفاطر الحكيم يُكثِر من نسخ تلك المكتوبات القدرية وكلمات القدرة الصغيرة جدًّا.
أجل؛ يقول القرآن الحكيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج:73)، أي إن خلق الذباب معجزة ربانية وآية تكوينية، بحيث لو اجتمعت جميع الأسباب لما استطاعت أن تخلق مثلها، ولما استطاعت معارضةَ هذه الآية الربانية ولا تقليدها، فهذه الذبابة التي تشكل موضوعًا مهمًّا لهذه الآية، والتي هزمت نمرود، عندما قال سيدنا موسى عليه السلام مشتكيًا من إزعاجاتها: يا رب لِمَ أكثرت من خلق هذه المخلوقات المزعجة؟ جاء الرد بإلهام: يا موسى، إنك اعترضتَ مرة على الذباب، وهذه الذبابة تسأل كثيرًا: يا ربّ، إن هذا الإنسان ذا الرأس الكبير لا يذكرك إلا بلسان واحد، ويغفل أحيانًا عن ذكرك، فلو خلقت من جزء منه بمقدار رأسه فقط مخلوقات من أمثالنا لكانت تذكرك بآلاف الألسنة، ولاشك أن لهذه الذبابة التي دافعت عن حكمة خلقها بقوة ألف اعتراض على شكوى موسى عليه السلام، ولاشك أيضًا أن لهذه الطائفة التي تراعي النظافة وتنظف عيونها ووجهها وأجنحتها كل وقت كأنها تتوضأ؛ وظيفةً مهمةً، ولكن نظر الحكمة البشرية وفلسفتها قاصر، لم يستطع أن يحيط بتلك الوظيفة بعدُ.
أجل؛ إن الله تعالى خلق بعض الحيوانات من آكلي اللحم من نوع موظفي الصحة خلقًا بديعًا عجيبًا لتنظيف وجه البحر، وجمع جنائز الحيوانات البحرية([1])
[1] أجل؛ إن وفيات الأسماك لابد أن تكون متناسبةً مع الآلاف من بيوضها، والآلاف من صغارها ومواليدها التي تخرج من بَطْرَخِها الذي هو عبارة عن مليون بيضة أحيانا حتى يتحقق الحفاظ على التوازن في البحر.
ومن التجليات اللطيفة للرحيمية الإلهية؛ أن أجسام الأسماك الوالدات تتفاوت تفاوتًا كبيرًا غير متناسب مع أجسام صغارها، ولذلك لا تستطيع أن تقود صغارها، ولا تستطيع أن تدخل الأماكن التي تدخلها الصغار؛ لذا فإن الحكيم الرحيم يُخرِج من بين الصغار قائدًا صغيرًا لهم، ويجعل ذلك القائد الصغير يؤدي وظيفة الأم. (المؤلف)
382. صفحة
التي لها بلايين الوفيات كل يوم، ولإنقاذ وجه البحر من المناظر الكريهة المشوبة بالجنائز، فلو لم تؤد موظفات الصحة البحرية هذه وظائفها حق الأداء بإتقان؛ لما تلألأت وجوه البحار كالمرآة، بل ربما بَدَتْ في كَدَرٍ يثيرُ الحزنَ والألَمَ أيما إثارة.
ثم إنه تعالى قد خلق طيورا آكلة للحم مفترسة أمثال الصقور والنسور التي هي كموظفي النظافة والصحة، والتي تَشعر -بِسَوْقٍ رباني شبيه بالكرامة- بمواضع الجنائز الخفية التي تبعد عنها ست ساعات تقريبًا، وتنطلق إليها وتزيلها، وذلك من أجل تنظيف وجه الأرض من التعفن بجمع جنائز الحيوانات والطيور الوحشية كل يوم، وإنقاذ الأحياء من تلك المناظر الأليمة الحزينة؛ فلو لم تؤد موظفات الصحة البَرِّيَّةِ هذه وظيفتها على أفضل وجه، ولم تراع النظام وتهتم بالوظيفة؛ لكان وجه الأرض في حالة يرثى لها.
أجل؛ إن الرزق الحلال للحيوانات آكلة اللحوم هو لحوم الحيوانات الميتة، وإن لحوم الحيوانات الحية حرام عليها، فإن أكلته عُوقِبت، فالحديث الشريف"حَتّى تَقْتَصّ الجَمَّاءُ مِنَ القَرْنَاءِ"([1]) أي: يُقتصّ يوم القيامة لِغَيْرِ ذي الْقَرْنِ مِنْ ذي القَرْنِ -أو كما قال- يشير إلى ذلك، وإن هناك عقابًا ومكافأة في دار البقاء بما يناسب الحيوانات التي تبقى أرواحها بعد فناء أجسادها، وبناء على ذلك يمكن أن يقال: إن لحومَ الحيوانات الحية حرام على الحيوانات المفترسة.
ثم إنه جلَّ وعلا قد وظَّف النملَ كموظفي النظافة في وظيفة جمع جنائز الحيوانات الصغيرة، وجَمْعِ الْحَبَّاتِ والفُتاتات الصغيرة، فهي قد وُظِّفت كموظفي الصحة لصيانة القطع الصغيرة من النعم الإلهية وحباتها وفُتاتها من التلف، ومن أن تداس تحت الأقدام، ومن الاستخفاف والعبث، وجمع جنائز الحيوانات الصغيرة جدًّا، وكذلك الذباب موظف بوظائف أهم من هذه الوظائف المذكورة، وهي تنظيف وتطهير المواد السامة وجراثيم الأمراض التي لا يراها الإنسان بالعين المجردة، فليس الذباب ناقلا للجراثيم، بل يبيد ويزيل تلك الجراثيم بمصها وأكلها، ويحوِّل تلك الموادَّ السامةَ إلى مواد أخرى، ويمنع انتشار كثير من الأمراض السارية المعدية.
[1] عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "يَقْتَصُّ الْخَلْقُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى الْجَمَّاءُ مِنَ الْقَرْنَاءِ وَحَتَّى الذَّرَّةُ مِنَ الذَّرَّةِ" رواه الإمام أحمد في مسنده برقم 8741، وله شواهد أخرى في صحيح مسلم رقم 2582.
383. صفحة
والدليل على أن هذا الذباب عمال صحة وموظفو نظافة وكيميائيون ماهرون، وأنه تتجلى عليه الحكمة العامة الكبيرة الواسعة؛ هو كثرته غير المحدودة؛ لأن الأشياء القيمة النافعة هي التي يُكثَر منها([1]).
فيا أيها الإنسان الأناني النفعي، انظر إلى فائدة جزئية واحدة للذبابة تعود إليك علاوة على آلاف من حكمها الحياتية، واترك عداوة الذباب؛ إذ كما أنه يورثك الأنس في الوحدة والانفراد في الغربة؛ فإنه يوقظك وينبهك من الغفلة ومن تشتت الفكر.
وإنك ترى الذبابة تعلمك وتذكرك بالوظائف الإنسانية كالوضوء والصلاة والحركات والنظافة بأحوالها اللطيفة وتوضُّئِها وتنظيفها وجهها وعينيها.
ثم لما كان ينبغي محبة النحل الذي هو صنف من أصناف الذباب، والذي يُطعِمك العسل الذي هو أحلى النعم وألذها، وهو المشرَّف والمرفوع الرأس بذكره في الوحي الرباني في القرآن المعجز البيان؛ فإن معاداة الذباب، بل معاداة الحيوانات التي تسعى لمعاونة الإنسان في صداقة، والتي تتحمل كل مشقات الإنسان ومعاناته هو ظلمٌ، ولكنه يمكن مكافحتها لدفع ضررها فحسب، كما تواجَه الذئاب -مثلا- حفاظًا على الأغنام من اعتدائها.
أليس ازدياد الدم الزائد عن حاجة الجسم في وقت الحرارة ضررًا؟!
أليس من المحتمل أن يكون البعوض والبراغيث المتسلِّطة على الدم الملوث الجاري في الأوردة والحامل لبعض المواد المضرة الملوثة، بل الموظفة بتلك الوظيفة، حجَّاماتٍ فطريةً؟!
سبحان مَن تَحَيَّرَت في صُنْعِهِ العقولُ!
عندما كنت في مجاهدة مع نفسي ذات يوم توهَّمَتْ أنها مالكةٌ للنعم الإلهية التي رأتها في نفسها، فبدأت تغتر وتفتخر وتتباهى، فقلت لها: إن هذا الملك ليس
[1] ما أجمل الفقرة الآتية للشاعر الشهير يونس أَمْرَة إذ تشير إشارة لطيفة إلى مدى كون جناحي الذبابة وجسمها صنعة ربانية بديعة:
حملتُ جناح ذبابة واحدة على أربعين بغلا فما استطاع الأربعون حمله وناءت به. (المؤلف)
384. صفحة
لك، بل هو أمانة عندك، فتركت النفسُ الغرورَ والافتخار، ولكنها بدأت تتكاسل وتقول: لِمَ أعتني وأرعى ما ليس لي؟ وما لي؟ فليضع! فإذا بي أرى ذبابة حطَّت على يدي، وبدأت تنظف وجهها وعينيها وجناحيها التي هي أمانة الله عندها بعناية واهتمام، وكانت الذبابة تنظف مثلما ينظف الجندي سلاحه وملابسه التي أعطتها له الدولة بعناية واهتمام، فقلت لنفسي: انظري إلى هذه، فَنَظَرَتْ، وَتَلَقَّتْ منها درسًا تامًّا، فصارت تلك الذبابة معلِّمةً وأستاذة لنفسي المغرورة الكسول.
إن فضلات الذباب مواد ليس لها ضرر طبيًّا، وقد تكون شرابًا لذيذًا حلوًا، ولكن لا يُستبعَد عن الحكمة الربانية أن تكون الذبابة بمنزلة ماكينة تحلية وتصفية وتنقية صغيرة لكونها منشأً لما أَكلت من آلاف المواد المختلفة والجراثيم والسموم المضرة، بل هي من شأن الحكمة الربانية.
أجل؛ إن هناك بعضَ الطوائف من الذباب -ما عدا النحل- تأكل المواد المتعفنة المختلفة،([1]) وتقطر دومًا شرابًا حلوًا بدلا من المواد الملوثة، فتحول تلك المواد المتعفنة والسَّامَّة إلى شراب حلو شافٍ كالمن الذي ينزل على أوراق الأشجار فتثبت أنها ماكينة تحلية حقًّا، وتري العيونَ مدى عِظَمِ أمة هذه الأفراد الصغيرة جدًّا وكثرة طوائفها، وتقول بلسان حالها: لا تنظر إلى صِغَرِنا، بل انظر إلى عظمة طائفتنا، وقل: سبحان الله!
سـعيد النورسي
[1] أجل؛ إن طائفة صغيرة من طوائف الذباب تُخلَق على شكل كتلة سوداء على أغصان أشجار اللوز والمشمش في أواخر الربيع، فتبقى ملتصقة بالغصن، وتسيل منها القطرات دومًا بدلا من الفضلات، وهذه القطرات كالعسل، فيجتمع حولها سائر الذباب ويمصها، وطائفة أخرى منها تُستخدم في تلقيح أزهار النباتات وفي تلقيح بعض الأشجار كالتين، ومن طوائف الذباب اليراعات المتلألئة المضيئة كالشمعة، وهي تلفت النظر وتدعو إلى المشاهدة والتأمل، كما أن طائفة منها تلمع كالذهب تدعو إلى التفكر فيها، وينبغي ألا ننسى الزنابير ذات الرماح التي هي كقطاع الطرق لهذه الطائفة، فلو لم يكبح الخالق الرحمن جماحها، وهاجمت هذه الطائفة ذات الرماح البشر كالبراغيث، لآذت وأتعبت البشرَ كما قتلت نمرود، ولفسّرت المعنى الإشاري للآية
﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾، وهكذا فإن جنس الذباب الذي له مئات من الطوائف ذات المزايا والخصائص له أهمية عظيمة؛ حيث جعلته الآية العظيمة المذكورة موضوعًا لها وقالت:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ إلى آخر الآية. (المؤلف)
385. صفحة
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:82)
إن الأشياء تُوجَد بإشارة هذه الآية الكريمة بأمر الله تعالى، وإن خزائن القدرة وكنوزها بين "الكاف والنون"، وقد ذُكِر بعض الوجوه من بين الوجوه الكثيرة لهذا السر الدقيق في "رسائل النور"، فسنحاول تفهيم ذلك السر بمثال مادي ملموس لتقريب الأحاديث الواردة في خصائص الحروف القرآنية، ولاسيما الحروف المقطعة الواردة في مستهل السور، وفضائلها وتأثيراتها المادية؛ لتقريبها إلى النظر المادي لهذا العصر وذلك:
إن ذا العرش الأعظم ذا الجلال له "أربعة عروش إلهية" هي وسيلة لتدبير المخلوقات الموجودة على الكرة الأرضية التي هي بمنْزلة مركز معنوي للعالم وقلب للكون وقبلة له.
أحدها: عرش الحفظ والحياة، وهو التراب الذي يتجلى عليه اسم الله "الحفيظ" و"المحيي". ثانيها: عرش الفضل والرحمة، وهو عنصر الماء. ثالثها: عرش العلم والحكمة، وهو عنصر النور. رابعها: عرش الأمر والإرادة، وهو عنصر الهواء.
إننا نرى بأعيننا ظهور المعادن والنباتات المختلفة غير المحدودة التي هي سبب لما لا حَدَّ له من حاجات حيوانية وإنسانية من تراب بسيط، وظهورَ كثرةٍ كاثرة غير متناهية من عنصر بسيط، أي من الوحدة، كثرة لا نهاية لها، ومن شيء بسيط ما لا نهاية له من الأنواع المختلفة المنتظمة والمتقنة بصورة كاملة، كما نرى نقوشًا متقنة بديعة غير معدودة في صحيفة واحدة، فإن ظهور ما لا حد له من معجزات الصنعة والإبداع في الأحياء المختلفة بالماء -مع أن نطف الحيوانات مادة بسيطة كالماء- يرينا أن النور والهواء مثل هذين العرشين مع بساطتهما موضعا ظهور عجائب المعجزات لقلم علم النقاش الأزلي والعليم ذي الجلال، وأمره وإرادته مثل العرشين السابقين.
386. صفحة
سندع عنصر النور حاليًّا، وسنحاول -لمناسبة مسألتنا- إلى حدٍّ ما كشف الحجاب الذي يستر عجائب وغرائب الأمر والإرادة ضمن عنصر الهواء الذي هو عرش الأمر والإرادة بالنسبة للكرة الأرضية وذلك كما يلي:
كما أننا نزرع الحروف والكلمات بواسطة الهواء الذي في فمنا، فتتسنبل مباشرة، أي كأن الكلمة الواحدة تكون حبةً واحدة في الهواء في لحظة، وبلا زمان، فتتسنبل في الهواء الخارجي، وتُسَنْبِل هواءً جامعًا للكلمة نفسها صغيرةً أو كبيرة وبعدد غير معدود؛ فكذلك إذا نظرنا إلى عنصر الهواء نراه مطيعًا لأمر "كن فيكون" ومسخَّرًا ومنقادًا له إلى حدِّ أن كل ذرة من ذراته كأنها تنتظر في كل دقيقة أمر جيش منظم عظيم كالجندي، وتُظهِر في أبعد الذرات الامتثالَ والطاعةَ للإرادة التي هي تجلياتٌ من "كن" بلا زمان .
فمثلا: كما أن إسماعَ كلامِ البشر في كل مكان بالتزامن في نفس الوقت بواسطة أجهزة الإذاعة المستقبِلة والمرسِلة في أي مكان من الجوّ -بشرط وجود المذياعات المستقبِلة- في كل بقعة من بقاع الكرة الأرضية يُظهِر ويبين مدى إطاعة كل ذرة من ذرات الهواء لتجليات أمر "كن فيكون" بكمال الامتثال؛ فإن الحروف التي لها وجود غير ثابت في الهواء يمكنها أن تكون لسبب قدسيتها مدارًا ومَظْهرًا لكثير من التأثيرات الخارجية والخصائص المادية حسب سرِّ الامتثال هذا، فكأنه تَظهر عليها خاصةٌ تقلب المعنويات إلى ماديات، وتُحوِّل الغيبيات إلى مشهودات.
وهكذا فإن أمثال هذه الأمارات غير المحدودة تدل على أن الحروف التي هي موجودات هوائية، ولاسيما الحروف القدسية والقرآنية، وبخاصة حروف الشفرة الإلهية الموجودة في أوائل السور تبدو كأنها تسمع الأوامرَ المنظَّمة الحساسة جدًّا، التي تأتي من غير موعد مسبَق، وتمتثل لها؛ لذا فلابد أنها تسوق المرء إلى التسليم بالخصائص المادية والفضائل الخارقة المروية للحروف الموجودة في ذرات الهواء، والتي هي مَدارٌ ومَظْهَر لتجلي أمر "كن فيكون"، وتجلي الإرادة الأزلية من حيث القدسية.
387. صفحة
فبناءً على هذا السرّ؛ فإن تعبيرات القرآن المعجز البيان التي تفيد أحيانًا أن أثر القدرة كأنه يصدر عن صفة الإرادة وصفة الكلام؛ تعني أن الأمر يَنفذ ويسود ويُجري حكمَه كالقدرة تمامًا، فضلا عن أن الأشياء تُخلق بمنتهى السرعة، وأنها منقادة انقيادًا تامًّا للأوامر، وأن الموجودات مسخَّرة تسخيرًا كاملا لها؛ أي إن الحروف الآتية من الأمر التكويني تهيمن على إيجاد الأشياء كأنها القوة المادية، ويَظهَر الأمرُ التكويني كأنه القدرة عينها والإرادة نفسها.
أجل؛ تُرَى وتُشاهَد على هذه الموجودات الخفية جدَّا -التي وجودُها المادي هوائي وفي منتهى الخفاء وكأنها نصف مادي ونصف معنوي- آثارُ الأمر والإرادة، وكأن الأمر التكويني كالقدرة نفسها، بل يصبح القدرة عينها، ولأجل لفت الأنظار إلى الموجودات التي كأنها برزخية([1]) بين الماديات والمعنويات يقول القرآن المعجز البيان ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: 82).
إذن فإن كون الحروف القدسية التي هي شفرات إلهية في أوائل السور أمثال "الم، طس، حم" عُقدًا وأزرارًا حرفية تقدر على هز أوتار المناسبات الدقيقة الخفية بلا زمان في ذرات الهواء، وكون أدائها وقيامها بالمخابرات القدسية مثل اللاسلكي المعنوي من الفرش إلى العرش هو من شأن تلك الشفرات الإلهية القدسية ومن وظائفها؛ معقول جدًّا.
أجل؛ إن كل ذرة من ذرات الهواء وجميع ذراته المنتشرة في أقطار العالم تمتثل للأوامر كالهواتف اللاسلكية والبرقية، ولها وظائف أخرى، وهي التلقي والاستقبال ونقل الكهرباء والمواد السيالة اللطيفة، وعلاوة على ذلك فإنني رأيت بنفسي في أزهار اللوز بالحدس القاطع، بل بمشاهدة الأشجار التي هي كجيش منظم على وجه الأرض أنها بمجرد مسّ نسيم الهواء تتلقى الأوامر من الذرات التي هي بمنزلة المستقبلات، ولقد أعطتني هذه الحال قناعة قاطعة بدرجة اثنين في اثنين يساوي أربعًا أن كل ذرة من ذرات الهواء تمتثل للأوامر كالهواتف اللاسلكية والبرقية.
[1] برزخية: يقصد مرحلة انتقالية ومرحلة وسطًا بين هذه وتلك.
388. صفحة
إذن فكما أن الهواء خادم نشط متحرك في سطح الأرض، ويخدم ضيوف الرحمن الرحيم على سطح الأرض؛ فإنه يبلغ كجندي مطيع أوامر الرحمن القدسية إلى النباتات والحيوانات كأن كل ذراته مستقبلات الهواتف اللاسلكية، وإنه يؤدي وظائف متقنة كثيرة جدًّا بأمر "كن فيكون" كما أنه يتسبب في تَشَكُّلِ الحروف في الفم بعد ما يؤدي وظيفة تهوية الأنفاس، واسترواح النفوس، أي وظيفةَ تنقية الدم الذي هو ماء الحياة للجسم، ووظيفةَ إشعال الحرارة الغريزية التي هي نار الحياة.
وبناءً على هذه الخاصية للهواء؛ فإن الحروف التي هي موجودات هوائية كلما اكتسبت القدسيةَ، أي كلما اتخذت طورَ الاستقبال -أي ولأنها اتخذت طور الاستقبال وصارت كجهاز استقبال لكونها حروفًا للقرآن- تكون الحروف التي في أوائل السور مراكز لأطراف تلك المناسبات الخفية أكثر من الحروف الأخرى وعُقَدًا وأزرارًا حساسة لها؛ لذا فإن وجودها الهوائي يكون مالكًا لهذه الخصائص، كما يكون لوجودها الذهني بل لوجودها النقشي أيضًا خَصيصة من هذه الخصائص.
إذن يمكن بقراءة تلك الحروف وكتابتها أن يحصل الشفاء -كالعلاج المادي- وغيرُه من المقاصد.
بديع الزمان سعيد النورسي
389. صفحة
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (الكهف:109)
إن هذه الآية الكريمة بحر عظيم واسع جدًّا، ولبيان جواهرها ينبغي تأليف مجلد ضخم جدًّا؛ لذا نرجئ بيان جواهرها القيمة إلى وقت آخر.
ولقد تراءى لي من بعيد قبل بضعة أيام في أثناء أذكار الصلاة التي هي وقت مهم جدًّا بالنسبة لي شعاعٌ من نكتةٍ لفت نظرَ فكري إليه كنوعٍ من تخطُّر الحقائق، ولم نستطع أن نسجله في ذلك الوقت، وكان ذلك الشعاع يبتعد شيئا فشيئا كلما مر الوقت، ولاقتناص تجلٍّ من تجليات تلك النكتة سنذكر بضع كلمات حاليًّا وكأننا نضع دوائر حولها قبل أن يختفي ذلك الشعاع كليًّا.
الكلمة الأولى: إن الكلام الأزلي غير متناه من حيث كونه صفةً إلهية كالعلم والقدرة؛ لذا فلو أصبحت البحار مدادًا لشيء غير متناه لنفدت قبل أن ينفد هو.
الكلمة الثانية: إن أظهر وأقوى أثر يُشعِر بوجود شخص هو تكلمه، وإن سماع كلام شخص يُثبِت وجودَه كألف دليل، بل بدرجة الشهود، فهذه الآية من وجهة النظرة هذه تقول بمعناها الإشاري: لو أصبحت البحار مدادًا وصارت الأشجار أقلامًا وكتبت لما استطاعت أن تنهي عدد كلام الله الذي يدل على وجود الرب ذي الجلال؛ أي كما أن كلامًا واحدًا لشخص يدل على وجوده بدرجة الشهود؛ فإن الكلمات الإلهية التي تدل على ذات الأحد الصمد جل جلاله -دلالةَ الكلام على المتكلم وإشعاره بوجوده- لا حَدَّ لها؛ بحيث لو أصبح ماء جميع البحار مدادًا لَمَا كفى لكتابتها.
الكلمة الثالثة: حيث إن القرآن المعجز البيان يُعلِّم ويلقِّن الحقائق الإيمانية لجميع طبقات البشر، فيكرر ظاهرًا الحقيقةَ الواحدة لحكمة تثبيتها وتحقيقها والإقناع بها؛ فإن الآية جوابٌ معنوي ضد الهجوم الظالم لعلماء اليهود -الذين كانوا أهل العلم وأهل الكتاب- على أمية الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وقلة علمه في ذلك الزمان، وذلك:
390. صفحة
أن الآية الكريمة تقول: إن تكرار المسائل التي تتضمن آلاف الحقائق كأركان الإيمان التي كل مسألة من مسائلها بقيمة ألف مسألة، بأساليب وطُرُز متنوعة شتى معجزةٍ، من أجل حِكَم كثيرة جدًّا كالتأصيل والإقناع، ومن أجل ترسيخ حقيقة واحدة لها نتائج متعددة كثيرة من حيث المنافع والمصالح المختلفة، وتثبيتِها في قلوب الجميع، ولاسيما العوام؛ ليس من حَصَرِ([1]) الكلام، وليس من الخلل الذهني، ولا من قلة البضاعة، بل لو كانت البحار مدادًا لِعَدِّ كلمات الكلام الأزلي الذي هو منبع القرآن الكريم، والذي يَصْدُر عن الخزانة الأزلية غير المحدودة وغير المتناهية للكلام الإلهي، والذي يتوجه إلى عالم الشهادة من عالم الغيب ويتكلم مع الجن والإنس والروح والمَلَك، والذي يرن في آذان كل فرد... لو كانت البحار مدادًا، وذوو الوعي والإدراك كتّابًا، والنباتات والأشجار أقلامًا، بل لو كانت الذرات أسنان تلك الأقلام؛ لما استطاعت عَدَّهَا؛ لأن هذه متناهية وتلك غير متناهية.
الكلمة الرابعة: من المعلوم أن صدور كلام مما لا يُتوقع منه الكلام يُكسِب الكلامَ أهميةً، ويفرض نفسه على الأسماع، ولاسيما الأصداء الشبيهة بالتكلم من أجرام ضخمة كالسحب في جو السماء، فهي تدفع الجميع إلى الاستماع إليها باهتمام ودقة، وبخاصة نغمات حاكٍ ضخم ضخامة الجبل، فهي تشد انتباه الأسماع إليها أكثر فأكثر، وخصوصًا الصدى السماوي القرآني الذي يَصدر من أجل إسماع رأس الكرة الأرضية متخذًا طبقات السماوات اسطوانات.. فلابد أن ذرات الهواء تصير بمنزلة مرآة ولسان ورأس إبرة وأذن للحروف القرآنية القدسية كما تكون -ذرات الهواء- مستقبلةً وناقلة للحروف بقوة المذياع، والآية -رمزًا إلى هذه الحقيقة، وإشارةً إلى مدى أهمية الحروف القرآنية وقيمتها وخصائصها ومزاياها وحيويتها- تقول بمعناها الإشاري:
إن القرآن الذي هو كلام الله له قيمة عالية وحيوية عظيمة، بحيث لو أصبحت جميع البحار مدادًا لِعَدِّ الآذان التي تسمعه والكلمات التي تدخل تلك الآذانَ، وأصبحت الملائكة كُتَّابًا، والذراتُ والنطف والنباتات والشعرات أقلامًا لكتابتها
[1] الْحَصَر: الكلام الذي لا معنى ولا فائدة له.
391. صفحة
لما استطاعت أن تنهيها؛ ذلك لأن الله تعالى إذا كان يُكثِر في الهواء عددَ الكلام البشري الضعيف الذي لا روح له كملايين الكلمات؛ فلابد أن كل كلمة من الكلام المتوجِّه إلى الأرض والسماوات والمخاطِب جميعَ ذوي الوعي والإدراك في السماوات والأرض من مَلِك السماوات والأرض الذي لا مثل ولا نِدَّ له؛ تكون كلماتٍ بعدد ذرات الهواء.
الكلمة الخامسة: وهي حرفان.
الحرف الأول: كما أن لصفة الكلام كلماتٍ، فكذلك للقدرة كلماتٌ مجسمةٌ، وللعلم كلماتٌ قدرية ذات حِكم وهي جميع الموجودات، ولاسيما الأحياء، ولاسيما المخلوقات الصغيرة، فكل واحد منها كلمةٌ ربانية تشير إلى المتكلم الأزلي إشارةً أقوى من الكلام، ولا ينتهي إحصاء عددها حتى لو كانت البحار مدادًا لها، فهذه الآية تنظر وتتوجه رمزًا إلى هذا المعنى أيضًا.
الحرف الثاني: إن جميع الإلهامات الواردة إلى جميع الملائكة والناس حتى الحيوانات كلام إلهي نوعًا ما، فلابد أن كلمات هذا الكلام غيرُ متناهيةٍ، فالآية تخبرنا عن كثرة كلمات الإلهام والأوامر الإلهية التي يتلقاها دومًا من لا نهاية لهم من جنود غير محدودين للسلطنة المطلقة، وتبين أن هذه الكلمات غيرُ متناهيةٍ.
العلم عند الله، لا يعلم الغيب إلا الله
سـعيد النورسي
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (الحديد:25)
جواب مختصر على سؤال حول هذه الآية الكريمة سأله رجل مهمّ بارز ومتخصص في العلوم الحديثة وألزم به بعض الشيوخ.
السؤال: يقال: إن الحديد يخرج من الأرض، ولا ينزل من السماء حتى يقالَ "أنزلنا"، فلِمَ لم يقل: "أخرجنا"، بدلاً من "أنزلنا" الذي لا يوافق الحقيقة ظاهرًا ؟
392. صفحة
الجواب:
أولا: إن القرآن المعجز البيان قال "أنزلنا" كي ينبه إلى جهة النعمة العظيمة المهمة في الحديد بكلمة "أنزلنا"؛ لأنه لا يلفت الأنظار إلى ذات الحديد حتى يقول "أخرجنا"، بل هو للتنبيه إلى ما في الحديد من نعمة عظيمة وإلى مدى حاجة البشر إليه، أما عن جهة النعمة فإنها لا تخرج من الأسفل إلى الأعلى، بل تأتي من خزائن الرحمة، وخزائن الرحمة لابد أنها عالية سامية وفي مرتبة رفيعة معنىً، لذا فلابد أن النعمة تنْزل من الأعلى إلى الأسفل، وأن مرتبة البشر المحتاجين إليها في الأسفل؛ لذا فلابد أن الإنعام أسمى من الحاجة، ومن ثم فالتعبير الحق لمجيء النعمة من خزائن الرحمة لإغاثة حاجة البشر وإدراكها هو "أنزلنا"، وليس "أخرجنا".
ثم إن الإخراج التدريجي يتم بيد البشر؛ لذا فكلمة الإخراج لا تُشعر بوجه الإحسان والإنعام لنظر الغفلة.
نعم؛ إذا كان المراد هو مادة الحديد، فالتعبير يكون بـ"أخرجنا" من حيث المكان المادي، ولكن المراد نعمة الحديد، والنعمة التي هي المعنى المقصود هنا معنوية، وهذا المعنى لا يتوجه إلى المكان المادي، بل يتوجه إلى المرتبة المعنوية، فالنعمة التي تأتي من خزائن الرحمة التي هي تجلٍّ من تجليات مرتبة سمو الرحمن وعلوه غير المتناهية لابد أنها تُرسَل من أعلى مقام إلى أسفل مرتبة، ومِنْ ثَمَّ فالتعبيرُ الحق هو "أنزلنا"، فالقرآن ينبه البشر بهذا التعبير إلى أن الحديد أعظم نعمة إلهية.
نعم؛ إن معدن جميع صناعات نوع البشر ومنبعَ تقدمه وسبب قوته هو الحديد، ولذا يقول في مقام الامتنان والإنعام بكمال العظمة والجلال ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (الحديد: 25) للتنبيه على هذه النعمة العظيمة، كما يخبر عن أهم معجزة وأعظمها لداود عليه السلام بقوله ﴿وَأَلَنَّا له الْحَدِيدَ﴾ (سبأ: 10)، أي يبين أن تليين الحديد هو معجزة عظيمة ونعمة عظيمة جدًّا لنبي عظيم.
393. صفحة
ثانيًا: إن الأسفل والأعلى نسبيان، فيكون الأعلى أسفل بالنسبة لمركز الكرة الأرضية، حتى إن الشيء الأسفل بالنسبة لنا يكون الأعلى بالنسبة لقارة أمريكا، أي إن المواد التي تأتي من المركز إلى سطح الأرض يتغير وضعها بالنسبة لمن هم على سطح الأرض، فالقرآن المعجز البيان يعبر بلسان الإعجاز: إن الحديد له منافع كثيرة وفوائد واسعة، بحيث إنه ليس مادة تافهة عادية تُخرَج من مخزن الكرة الأرضية التي هي بيت الإنسان، وليس معدنًا فطريًّا يُستَعْمَل في الحاجات كيفما اتفق، بل إن خالق الكون يقول بصفته الجليلة المهيبة "رب السماوات والأرض": "أنزلنا" من خزائن الرحمة نعمةً أُظهِرت في المصنع العظيم للكون؛ كي يكون وسيلة لتلبية حاجة سكان الكرة الأرضية ويعبر عما في الحديد من منافع، وكأن له فوائدَ عامةً شاملةً مثل الرحمة والضياء والحرارة التي تأتي من السماء، لذا يرسَل من مصنع الكون، فالحديد لا يخرج من مخزن الكرة الأرضية الضيق، بل أُرسِل من خزانة الرحمة العظيمة التي في قصر الكون، ووُضع في مخزن الكرة الأرضية، ويُخرَج من هذا المخزن حسب حاجات العصور قطعة قطعة.
ولا يريد القرآن العظيم الشأن أن يعبر عن معنى استخدام الحديد الذي في هذا المخزن الصغير والذي يُستخرج منه قطعة قطعة، بل يريد أن يبين أن الله تعالى أنزل تلك النعمة العظيمة مع الكرة الأرضية من الخزانة الكبرى؛ أي إن أكثر ما يحتاج إليه بيت الكرة الأرضية هذه هو الحديد، فكأن الخالق ذا الجلال عندما فَصَلَ الكرةَ الأرضية عن الشمس وأنزلها للناس أنزل الحديد معها؛ إذ إن أكثر حاجات البشر قُضيت به.
والقرآن الحكيم يعلن إعلانًا معجزًا: أيها البشر، استخدموا هذا الحديد في أعمالكم وإنجازاتكم، واستفيدوا منه باستخراجه، ويبيِّن في هذه الآية نعمتين هما وسيلتان لدفع الأعداء وجلب المنافع، ولقد شوهد قبل نزول القرآن تحقق منافع البشر المهمة بالحديد، ولكن القرآن يظهر لمعة إعجاز من نوع إخبار الغيب بكلمة "فيه بأس شديد" كي يبين أن الحديد يتجول في المستقبل في البحر والهواء والبر
394. صفحة
بصورة خارقة عجيبة جدًّا ومحيرة للعقول، فيسخر الكرة الأرضية، ويظهر قوة قاهرة خارقة قد تتسبب في الموت.
عندما كنا نتحدث عن النكتة السابقة، تطرَّق الحديث إلى هدهد سليمان عليه السلام، فسأل أحد إخواننا الذي يسأل أسئلة كثيرة ويلح فيها([1]):
إن الهدهد يصف الله تعالى بأنه ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (النمل:25)، فما سبب ذكر هذه الصفة التي هي صفة بسيطة بالنسبة للصفات الإلهية في أعظم مقام؟
الجواب: إن مزية من مزايا الكلام البليغ أن يُشعِر الكلامُ بأكثر الأعمال والمهن التي ينشغل بها المتكلمُ، فهدهد سليمان عليه السلام كعَرِّيفٍ للحيوانات والطيور مثل العريف البدوي الذي يكشف بفراسته الشبيهة بالكرامة مواضع الماء الخفية في صحراء الجزيرة العربية الشحيحة بالماء، وهو طير مبارك ميمون موظف بإيجاد الماء واستخراجه لسليمان u، ويعلم بواسطة مقاييس مهاراته الصغيرة ويعلن أن الله تعالى يثبت بإخراجه المخفيات في السماوات والأرض أنه المعبود والمسجود له.
أجل؛ ما أحسن رؤية الهدهد! إذ ليس من مقتضى فطرة ما لا حد له من النوى والبذور والمعادن التي تحت الأرض الخروجُ من الأسفل إلى الأعلى؛ لأن الأجسام الثقيلة لا تستطيع أن تصعد إلى الأعلى بنفسها لحرمانها من الاختيار والروح، بل يمكنها أن تسقط إلى الأسفل من تلقاء نفسها، فنفضُ جسم جامد مخفي في الأسفل ولاسيما تحت ثقل التراب ثقلَه عن كاهله، ثم خروجه منه لا يمكن أن يحدث من تلقاء نفسه البتة، إذن إنه يُخرَج بقدرة خارقة، فالهدهد علم ووجد باعتباره عريفًا ماهرًا أخفى براهين المعبودية والمسجودية وأهمها، والقرآن الحكيم منح تعبيرَه عنها إعجازًا.
سـعيد النورسي
[1] أخونا هذا رأفت المجتهد في طرح الأسئلة والمتكاسل في كتابة واستنساخ "رسائل النور".
395. صفحة
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ (الزمر:6)
إن هذه الآية تتضمن نفس النكتة التي بيناها في آية ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ وتؤيدها، وفي الوقت نفسه تتأيد بها.
أجل؛ إن القرآن المعجز البيان لم يقل في سورة الزمر "وخلق لكم من الأنعام ثمانية أزواج" بل يقول ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ فيبين بذلك أن ثمانية أنواع من الحيوانات المباركة أُنزلت لكم من خزانة الرحمة الإلهية كنعمة، وكأنها أرسلت إليكم من الجنة؛ لأن تلك الحيوانات المباركة هي بجميع جهاتها نعمة للبشر كلهم، حيث تُصنَع من أشعارها وأوبارها مساكن متنقلة للبدو، وتنسج منها الملابس، وتطبخ من لحومها وألبانها أطعمة طيبة لذيذة، وتُصنَع من جلودها الأحذية وغيرها من الأشياء، حتى روثها يصبح أرزاقًا للمزروعات ووقودًا للناس، فكأن تلك الحيوانات المباركة قد تجسمت وصارت عين النعمة والرحمة، ولذلك أُطلِق على هذه الحيوانات المباركة "الأنعام" كما سُمّي المطر بالرحمة، وكأن الرحمة تجسمت فأصبحت مطرًا، وتجسمت النعمة فاتخذت أشكال الماعز والغنم والثور والجاموس والجمل، فمع أن موادها الجسمانية تُخلَق في الأرض؛ فإن صفة النعمة ومعنى الرحمة غلبا على مادتها كاملا، فالخالق الرحيم جل جلاله أنزل هذه الحيوانات المباركة إلى الأرض بتعبير "أنزلنا" من مرتبة رحمته السامية وجنته المعنوية العالية كهدايا من خزانة الرحمة مباشرة.
أجل؛ وكما أن صنعة تساوي خمسة دراهم تُدرَج أحيانًا في مادة تساوي خمسة قروش، فلا تؤخذ عندئذ مادة ذلك الشيء بعين الاعتبار، بل يُقيّم ذلك الشيء من حيث الصنعة كمادة الذبابة الصغيرة والصنعة الربانية العظيمة التي في تلك المادة، وتوجد أحيانًا صنعة تساوي خمسة قروش في مادة تساوي خمسة دراهم فيكون الحكم عندئذ للمادة؛ فكذلك يوجد أحيانًا معنى النعمة والرحمة في مادة مجسمة، بحيث يصبح ذلك المعنى أعظم وأهم من المادة التي فيها بمائة مرة، فكأن تلك المادة الجسمانية تختفي، ويعود الحكم إلى وجه النعمة.
396. صفحة
وكما تخفي منافع الحديد العظيمة الكثيرة وثمراته المتعددة مادتَه؛ فإن النعمة الموجودة في كل أجزاء هذه الحيوانات المباركة المذكورة كأنها قد قلبت مادتَها الجسمانية إلى النعمة، ولذلك أُخذت الصفات المعنوية للمواد الجسمانية بعين الاعتبار قبل أن تؤخذ أحكامها بعين الاعتبار، فعبر القرآن عن ذلك بـ"أَنْزَلْنَا"، و"أَنْزَلَ".
أجل؛ كما أن "أَنْزَلْنَا، و"أَنْزَلَ" يبينان النكتة السابقة باعتبار الحقيقة؛ فإنهما يبينان معنىً مهمًّا بيانًا معجزًا من حيث البلاغة وهو:
لقد عُبّر بـ"أنزلنا الحديد" لبيان أن الحديد يمكن أن يحصل عليه كل الناس في كل مكان وفي كل عمل بسهولة ويسر، لوجوده في كل مكان على الرغم من طبيعته الصلبة واختفائه ووجوده في الأعماق، ولِما منح من خاصية التليين كالعجين، ولبيان أن الآلات الحديدية يمكن الحصول عليها بسهولة ويسر، وكأنها أُنزلت من مصنع عالٍ مثل النعم السماوية الطبيعية، وسُلِّمت ليد البشر.
ويبين القرآن الكريم أن المخلوقات الضخمة الجسيمة كالجاموس والثور والجمل التي هي من الحيوانات المهمة مسخرة ومطيعة في منتهى الطاعة؛ حتى إنه لو أعطي زمام الجمل ليد طفل ضعيف فإنه يطيعه، فبتعبير ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ يبين أن هذه الحيوانات المباركة كأنها ليست من حيوانات الدنيا حتى يكون في طبعها توحش وافتراس وضرر مثل الحيوانات المضرة للإنسان بدءًا من البعوض وانتهاء إلى الحية والعقرب والذئب والأسد، بل هي ذات منافع لا ضرر منها كما لو أنها حيوانات جنة معنوية، ولذلك يبين القرآن الكريم أنها أُنزلت من الأعلى أي من خزانة الرحمة، ولعل قول بعض المفسرين عن هذه الحيوانات: "إن هذه الحيوانات أنزلت من الجنة" ناشئٌ عن هذا المعنى([1]).
[1] إن مراد بعض المفسرين من قولهم "إن مبدأ هذه الحيوانات جاء من السماء" هو أن بقاء هذه الحيوانات التي تسمى بالأنعام بالرزق، ورزقها هو العشب، ورزق الأعشاب هو المطر، والمطر ماء الحياة، ورحمة، والرزق يأتي من السماء، فالآية ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ (الذاريات:22) تشير إلى هذا أيضًا، وبما أن أجسام هذه الحيوانات الدائمة المتجددة هي في المطر النازل من السماء، فالتعبير "أنزل" الذي يفيد بأنه أُنْزِلَ من السماء مناسب جدًّا وفي محله تمامًا. (المؤلف)(*)
*) يا شيخنا ماشاء الله، بارك الله، جزاك الله خيرًا ورضي عنك أبدًا دائمًا، إن هذه التعبيرات قد انعكست على رسائل النور التي هي مرآة للقرآن المعجز البيان، فنالت رسائل النور الرحمة والعناية الخاصة. (تلاميذ رسائل النور)
397. صفحة
لو كُتبت صفحة كاملة لبيان ما في حرف واحد من حروف القرآن الحكيم من خصائص ومزايا وحقائق فينبغي ألا يقال إنها طويلة؛ إذ إنه كلام الله تعالى؛ لذا فلا يكون إسرافًا كتابة بضع صفحات لتفسير تعبير "أَنْزَلَ"؛ إذ يكون أحيانًا حرف واحد من حروف القرآن الكريم مفتاحًا لكنز معنوي.
سـعيد النورسي
فقرات كتبت لتلاميذ رسائل النور في سجن "أسكي شهر"
سلوان حقيقي
إخواني الأعزاء، لقد كنت حزينًا جدًّا من أجلكم، فكان الألم يسحقني، ولكنني أُلهمتُ أنه من قَدَرنا أن نأكل من طعام هذا السجن ونشرب من مائه معًا، وقد رأيت كأثر رحمة إلهية وتجلٍّ من تجليات العناية الربانية أن هذا السجن هو أسهل الأماكن لتناول هذا الطعام والشراب معًا وأفضلها وأكثرها ثوابًا، وأنه مدرسة أكثر نفعًا لتلاميذ رسائل النور، ومعتكَف أكثر فيضًا، وساحة امتحان واختبار حساس جدًّا تُعلّم مدى ضرورة التصرف بالحيطة والحذر تجاه أعدائهم، ودار وتكية أكثر نورًا للاستفادة من المزايا العالية السامية لهؤلاء الإخوة الذين لكل واحد منهم مزية خاصة حسنة طيبة، وللاستفادة وتلقي الدرس من مزاياهم السامية وخصالهم الحميدة، ومن الأخوة التي اكتسبوها ورسخوها، ومن تجديد أواصر الأخوة الموجودة بينهم، فلذلك شكرت الله تعالى بكل روحي على هذه الحال بدلا من الشكوى.
أجل؛ إن مسلكنا هو الشكر، ورؤية وجهِ رحمةٍ وجهةِ نعمةٍ في كل شيء.
أخوكم المتألم من آلامكم جميعًا سعيد النورسي
398. صفحة
دستور
على تلاميذ رسائل النور ألا يبحثوا ولا يَتَحَرّوا عن نور خارج دائرة رسائل النور، -ولا يبحثون ولا يتحرون بالفعل- فلو بحث وتحرى أحدهم فلن يجد إلا مصباحًا بدلا من شمس معنوية تضيء وتنور من نافذة رسائل النور، بل قد يفقد الشمس.
ثم إن ما في دائرة رسائل النور من "مشرب الخلة ومسلك الأخوة" الخالص القوي الذي يُكسِب أرواحًا كثيرة لكل فرد من أفراد تلاميذها، ويظهر مشرب أخوة الصحابة رضي الله عنهم الحاصل بسرّ وراثة النبوة، لا يدع حاجة إلى والد أو مرشد في الدوائر الخارجية، بل يلحق الضرر بهم بثلاث جهات، ولا يدع حاجة إلى البحث عن والد، بل يكسب كثيرًا من الإخوة الكبار بدلا من أب واحد؛ فلاشك أن الشفقة والرأفة المتعددة للإخوة الكبار تجعل شفقة الوالد الواحد لا شيء.
إن من كان له شيخ قبل أن يدخل هذه الدائرة يمكنه أن يحافظ على صلته بشيخه أو مرشده في هذه الدائرة حتى بعد دخولها فيها، ولكن الذي لم يكن له شيخ لا يمكن أن يبحث عن مرشد بعد أن دخل الدائرة إلا ضمنها.
ثم إن ما في دائرة درس رسائل النور من علم الحقيقة الذي هو الولاية الكبرى والذي يُفيض على المرء سرّ وراثة النبوة لا يدع حاجة إلى الطرق التي خارج دائرتها، إلا من فهم الطريقة فهمًا خطأً؛ أي إلا من يُعجَب بالنفس ممن افتتنوا بالأحلام والرؤى الجميلة والأنوار والأذواق، وممن رغبوا في الأذواق الدنيوية التي تلاطف الهوى بعيدًا عن الفضائل الأخروية، وطلبوا مقام المرجعية.
إن هذه الدنيا دار الخدمة، وليست دار المكافأة، فالأجر يقدَّر حسب المشقة والعنت، ومن أجل ذلك فإن أهل الحقيقة لا يولون الأذواق والأنوار التي في الكشف والكرامات اهتمامًا، بل يفرون منها أحيانًا، ويريدون سترها.
ثم إن دائرة رسائل النور واسعة جدًّا، وتلاميذها أيضًا كثيرون جدًّا، ولا يجرون وراء من هربوا إلى خارجها، ولا يشغلون بالهم بهم، بل لا يضمونهم إلى
399. صفحة
صفوفهم مرة أخرى؛ إذ لكل إنسان قلب واحد، ولا يمكن للقلب الواحد أن يكون داخل تلك الدائرة وفي الوقت ذاته خارجها.
ثم إن الذين يرغبون في الإرشاد من الذين هم خارجَ دائرة النور عليهم ألا ينشغلوا بتلاميذ رسائل النور؛ لأنهم هم أنفسهم قد يتضررون من ذلك بثلاث جهات، فإن التلاميذ الذين هم ضمن دائرة التقوى لا يحتاجون إلى الإرشاد، وهناك في الخارج الكثيرون من تاركي الصلاة، فترك أولئك والانشغال بهؤلاء التلاميذ ليس إرشادًا، فإن كان يُحِبُّ هؤلاءِ التلاميذَ فليدخل هذه الدائرة أولا، وليكن أخًا لهم وليس أبًا، وإن كانت له فضائل فليكن أخًا كبيرًا لهم.
ولقد تبين في هذه الحادثة أن للانتساب إلى رسائل النور أهميةً عظيمة، وأنه يكلّف ثمنًا باهظًا، فالعاقل الرشيد الذي يدفعُ هذا الثمنَ ويتسمُ بصفةِ المجاهدِ ضد الكفر والإلحادِ باسم العالم الإسلامي لا يستطيع أن يترك مسلكه القيم كالألماس ليدخل في المسالك الأخرى.
سـعيد النورسي
باسمه سبحانه
إخواني!
لقد دافعت عن تلاميذ رسائل النور مراتٍ عديدةً بما يليق بهم من دفاع، وإني سأصرخ في المحكمة إن شاء الله تعالى، وسأُسمِع قيمةَ رسائل النور وتلاميذها للعالم، إلا أني أنبه إلى أن شرط الحفاظ على القيمة المذكورة في دفاعي هذا، هو عدم الاستياء من رسائل النور بسبب ما نشأ عن هذه الحادثة من تجاربَ مُرَّة، وعدم استياء الأخ من أستاذه، وألا يكره أحدًا من إخوانه لأسباب ناشئة عن الضيق والمشقة، وعدم تتبع عيوب الآخرين ونقائصهم، وعدم إسناد الأخطاء والتقصيرات إليهم.
تذكروا هذه الحقيقة فحسب، وهي أن المصائب التي تصيب المرء لها وجهان وحُكمان مثلما أثبتنا في رسالة القدر، أحدهما ينظر للإنسان، والآخر يعود إلى
400. صفحة
القدر الإلهي، ففي الحادثة الواحدة قد يظلم الإنسان، ولكن القدر الذي وراءها عادل يعدل فيها، وفي قضيتنا هذه ينبغي أن نفكر في عدالة القدر وسِرِّ الحكمة الإلهية أكثر من تفكيرنا في ظلم الإنسان.
أجل؛ إن القدر قد دعا تلاميذَ رسائل النور إلى هذا المجلس، وساقتهم حكمةُ انفتاح المجاهدة المعنوية إلى هذه المدرسة اليوسفية التي هي شاقة وعصيبة حقًّا، فأصبح ظلم الإنسان وسيلةً وذريعة لتلك المجاهدة. ومن أجل ذلك فإياكم أن يقول بعضكم لبعض: "لو لم تفعل كذا لما سُجنْتَ".
سـعيد النورسي
هذه الفقرة جزء من دفاعاتنا أمام المحاكم
دخلت هنا من غير قصد وتخطيط، ولم تُخرَج، بل ظلت كما هي .
أطالب رئيس المحكمة وأعضاءها بحقّي المهمّ، وهو:
لست أنا وحدي مدار البحث في هذه القضية حتى تُحَلّ بتبرئتكم لساحتي واطّلاعكم على حقيقة الحال؛ إذ أصبح الشخصُ المعنوي لأهل العلم وأهل التقوى مُتَّهمًا في نظر الشعب في هذه القضية، وصارت الحكومة لا تثق بأهل العلم وأهل التقوى، ويجب على أهل العلم وأهل التقوى أن يعلموا كيف يتجنبون الأعمال الخطيرة المضرة بهم، ولذلك أريد نشر القسم الأخير من دفاعي -الذي كتبته بنفسي- بواسطة المطبعة بالحروف الجديدة، حتى لا يقع أهل العلم والتقوى في مؤامرات، ولا يقتربوا من الأعمال الخطيرة المضرة بهم، وحتى ينجو شخصُهم المعنويُّ، وتبرأ ساحتهم في نظر الشعب، وتثقَ الحكومة بأهل العلم وتطمئن إليهم، ويزولَ سوء التفاهم هذا، ولا يتكررَ مثل هذه الأحداث وسوء التفاهمات التي تضر بالحكومة والوطن والشعب ضررًا بالغًا.
سـعيد النورسي
401. صفحة
إخواني الأعزاء!
سأبين هذه المرة -بشرط عدم الاستياء- مسألتين صغيرتين بانتقاد وليس بتقدير وإعجاب.
المسألة الأولى: لقد حضرت كثيرًا من القضايا والدعاوى في المحاكم للدفاع عنكم وعن رسائل النور، وكنتم أنتم الصنف الأول من شهودي في تلك القضايا والدعاوى، ولكنكم بإنكاركم تركتموني بلا شاهد، وقويتم الاتهام ضدي؛ لأن إنكاركم وهروبكم أوحى فكرةَ: بما أن هؤلاء لا يناصرونه ولا يؤيدونه إذن هناك أمرٌ ما، وكان من الواجب على من ليس لهم أولاد وعيال منكم أن يناصروني برجولة وشهامة لكيلا يتركوني وحدي، مثلما سعيت أنا في تبرئة ساحتكم، ولكن فات الأوان، ولم تبق حاجة لمناصرتي مرة أخرى.
المسألة الثانية: إن بعضًا من إخواننالم يقنعوا بالفيض الذي في دائرة رسائل النور التي تبين السجية العالية والأخلاق السامية للصحابة رضي الله عنهم، والمنهج النوراني النبوي على صاحبه الصلاة والسلام، فكانت لهم رغبة في مكان آخر بدافع محبة الطرق الصوفية في أمر لا يعود إليهم بنفع ولا فائدة، دون أن ينالوا رضا الشخص المعنوي لأستاذهم وإخوانهم، ودون أن يستأذنوا منهم، وهو أمر يضرنا، ويضر برسائل النور، ويضر بإخواننا المصابين بالسجن، وبرفقائنا الذين لم يدخلوا دائرة رسائل النور بعدُ، ويلفت نظر من تجسسوا علينا بدقة مرات عديدة.
أما أنا فقد أعلنت في المحكمة بصراحة أنني لا أستبدل مائة شخص من أهل بلدتي بأي واحد منكم، وأعلنت لمن زارني أيضًا أنني أرى أصغر تلميذ من تلاميذ رسائل النور أهم وأعظم من وَلِيٍّ في خارج دائرة رسائل النور، وأنني أُفَضِّلُ التلاميذ الشباب المخلصين من أمثال علي ولطفي من قرية "قولة أونو" على وَلِيٍّ كبير في الخارج، فمع أنكم قد أدركتم مني كل ذلك بأمارات كثيرة، فكيف لكم بمصاحبة ذلك المسكين المجهول مقامُه لديكم في الخارج، في سبيل رغبة بلا فائدة بل مُضِرَّة، بإثارة نوازع الشياخة لديه، دون التفكير في المقام العالي المعروف للشخص المعنوي لإخوانكم، وفي أستاذكم البار بكم؟! هذا ليس مناسبًا وليس لائقًا.
402. صفحة
إن هذا الانتقاد ليس موجهًا إلى جميعكم أو أغلبكم أعزكم الله، وليس موجهًا إلى تقصيرات بضعة أشخاص فحسب، وإنما موجه إلى الرغبة الزائدة من بعضكم في الطريقة الصوفية لشدة نقاء سريرتهم وصفائهم.
ثم إن أضعف نقطة عند الموظفين الرسميين في محافظة إسبارطة هي حساسيتهم الشديدة تجاه الطرق الصوفية؛ لذا أظن أن هذه الرغبة التي لا معنى لها هي التي جعلتهم يتخذون الطريقة أقوى سبب لاتهامنا؛ وأعتقد أن أقوى سبب لتوقيفنا هنا هو الرغبة المذكورة لبعض الساذجين، وإضفاؤهم على علاقتهم معي لون الطريقة الصوفية، أرجوكم بشدة ألا تستاءوا من انتقادي هذا.
سـعيد النورسي
********
إخواني!
لو أن الجميع انسحبوا من الدفاع عن رسائل النور ومن الحفاظ عليها، بل لو انسحبت أنا؛ فإنه يجب على خمسة من إخواننا ألا ينسحبوا، وهؤلاء الأصدقاء هم البَنَّاء حسين، وخليل إبراهيم، ورأفت بك، وخُسْرَوْ، وحقي أفندي، فلو لم تُثمِر رسائل النور نعمةً عظيمة كاشتهارها وانتشارها انتشارًا مهمًّا نظرًا لما أريدَ من إلحاق ضرر كبير بها من جراء تصرف الثلاثة الأولين تصرفًا بلا حيطة وحذر دون قصد منهم، ومن جراء الحقد الشخصي من أعداء الاثنين الأخيرين؛ لكانت أرواح هؤلاء الإخوة تضيق ضيقًا شديدًا لِما تسبب فيه أعداؤهم من معاناة هذا العدد من تلاميذ رسائل النور المظلومين الأبرياء من الآلام والمشقات، فعلى هؤلاء الإخوة الخمسة أن يحتاطوا أكثر من كل أحد، وأن يكونوا كجسد واحد.
سـعيد النورسي
********
إخواني!
لقد أُخطِر إلى قلبي: كما أن المثنوي الرومي الشريف قد أصبح مرآة لحقيقة واحدة من بين الحقائق السبع المنبعثة من نور شمس القرآن، ونال شرفًا قدسيًّا
403. صفحة
حتى غدا مرشدًا لا يموت لكثير من أهل القلب فضلا عن الْمَوْلَوِيِّينَ؛ كذلك فإن رسائل النور تمثل الألوان السبعة التي في ضياء شمس القرآن، والأنوار السبعة المتنوعة المختلفة في تلك الشمس دفعة واحدة في مرآتها، فستكون إن شاء الله تعالى شريفةً وقدسيّةً بسبعة أوجه، ودليلا باقيًا خالدًا، ومرشدًا لا يموت لأهل الحقيقة بسبعة أضعاف من المثنوي الرومي.
سـعيد النورسي
********
إخواني!
انظروا إلى حفظ الحفيظ ذي الجلال وحمايته لمناسبة مسألتنا؛ إن عدم وجود أي دليل يدل على صلة أي تلميذ من تلاميذ رسائل النور بمؤامرات الأجانب، ومكائد الجمعيات المعارضة، أو على علاقتهم مع أية جمعية من الجمعيات الموجودة المتعددة مع أن مائة وعشرين ونيفًا قد استجوبوا ومعهم أوراقهم الخاصة بهم بما يوافق عدد رسائل النور؛ لهو حماية ربانية وحفظ إلهي ظاهر وساطع جدًّا وعناية رحمانية، بحيث أوقفت القذيفة الكبيرة وردّتها بالأيادي المرفوعة -إلى الحضرة الإلهية- من اثنين وأربعين من إخواننا الأبرياء المظلومين، وفجرتها معنىً على رأس من ألقوا تلك القذيفة، ولم تضرنا إلا ببضعة جروح وقروح تافهة خفيفة مُثِيبَة، فالنجاة بأضرار طفيفة من مثل هذه القذيفة التي تُعَدُّ وتُجَهَّزُ منذ سنة كاملة أمر خارق، ولابد من مقابلة مثل هذه النعمة العظيمة بالشكر والسرور والفرح، فلا يمكن أن تكون حياتنا خاصةً لنا بعد الآن؛ لأنه كان سيُقضى علينا حتمًا حسب مخططات المفسدين، إذن لابد لنا أن نوقف حياتنا هذه بعد الآن في سبيل الحق والحقيقة وليست في سبيل أنفسنا، وبدلا من الشكوى علينا أن نسعى لرؤية أثر الرحمة ووجهها وحقيقتها في كل شيء، الأمر الذي يدفع إلى الشكر دائمًا.
سـعيد النورسي
********
404. صفحة
أرجو من إخواني، ألا يقاطع بعضكم بعضًا لأقوال قبيحة سيئة تصدر عن الأصدقاء بسبب المشقة والعنت والضجر، أو ضيق الروح، أوشدة الحساسية، أو الانخداع أمام دسائس النفس والشيطان، أو بسبب ضعف الوعي الكامل، ولا تقولوا: إنها تمس شرفي وكرامتي، فإني أتحمل كل تلك الأقوال والكلمات القبيحة، فلا تسوقَنَّكُم إلى الاستياء والسخط، فلو كان لي ألف شرف لضحيت بها كلها في سبيل الحفاظ على المحبة والإخلاص بين إخواني.
سـعيد النورسي
********
إخواني!
لقد أدركت يقينًا منذ يومين أو ثلاثة أيام أن الصفعة التي أصابتنا -مع الأسف-([1]) هي صفعة الشفقة، حتى فهمت أن إشارة من بين الإشارات الكثيرة لآية واحدة في حق أهل المعصية كأنها تتوجه إلينا، وتلك الآية هي ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ..... أَخَذْنَاهُمْ﴾ (الأنعام:44)، أي لما نسوا النصيحة والعبرة والتذكرة التي ذكّرناهم بها ولم يعملوا بها أخذناهم بالمصائب.
أجل؛ لقد أمليت علينا أخيرًا رسالة في سرّ الإخلاص، وكانت حقًّا دستورًا عاليًا نورانيًّا في الأخوة، وكانت دستورًا قدسيًّا يجعل عشرة رجال يقاومون الحوادث والمصائب التي لا يمكن مقابلتها إلا بقوة عشرات الآلاف بسر الإخلاص، ولكننا -مع الأسف وأنا في المقدمة- لم نستطع أن نعمل بذلك التنبيه المعنوي، فسُجنَّا -وفق المعنى الإشاري لهذه الآية- ونزلت ببعضنا صفعات الشفقة، ومع أنها لم تَكُنْ صفعةً لبعضنا الآخر، فإنهم أُخِذُوا في هذه المصيبة حتى يكونوا وسيلةَ سلوان للإخوة الذين نزلت بهم الصفعات، ويكونَ السجنُ مدارَ أجرٍ واستفادةٍ لهم.
وحيث إنني ممنوع من الاختلاط والاحتكاك بالناس منذ ثلاثة أشهر؛ لم أستطع أن أطّلع على أحوال إخواني الداخلية، إلا أنني بدأتُ أَطَّلِعُ عليها منذ ثلاثة أيام مرة أخرى، وما كان يخطر ببالي وخيالي قَطُّ أن يحدث تصرف ينافي
[1] التأسف هنا عائد إلى الإصابة ذاتها وليس إلى كونها صفعة شفقة.
405. صفحة
سر الإخلاص بين من كنت إخالهم أخلص إخواني، فأدركت وفهمت من ذلك أن المعنى الإشاري للآية ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ... أَخَذْنَاهُمْ﴾ يتوجه إلينا من بعيد، فهذه الآية التي نزلت في حق أهل الضلالة عذابٌ لهم، ولكنها صفعة شفقة لنا لتربية النفوس وتكفير الذنوب وزيادة الدرجات.
والدليل على أننا تلقينا الصفعة لعدم تقديرنا النعمة الإلهية القيمة الثمينة التي في أيدينا حق التقدير هو أننا لم نقنع بالأعمال والخدمات القرآنية القدسية بوساطة "رسائل النور" التي تتضمن أقدس مجاهدة معنوية، والتي نالت فيض الولاية الكبرى بسر وراثة النبوة، والتي نالت سر منهج الصحابة ومسلكهم، ورغبنا بشدة في الطرق الصوفية، وهي رغبةٌ نفعُها لنا قليل جدًّا في الوقت الحاضر([1])، إلا أن هذه الرغبة خفتت وتوقفت بعد تنبيهاتي الشديدة بضع مرات، ومن المحتمل أنها تَضُرّنا ضَرَرًا عظيمًا ونحن في هذه الحال، وإلا لأفسدت وأخلت بوحدتنا، ولتسببت في تشتت الأفكار الذي يُنزِل قيمة تسانُد أربع ألفات من ألف ومائة وأحد عشر إلى قيمة أربعة([2])، ولأدت إلى تنافر القلوب الذي يقضي على قوتنا تجاه هذه الحادثة الثقيلة العصيبة جدًّا.
يقول الشيخ سعدي الشيرازي في كتابه "كُلِسْتَان"([3]):
"كنت قد رأيت أحد أهل القلوب وهو مشغول بالسير والسلوك في إحدى الزوايا، ثم رأيته بعد بضعة أيام في المدرسة بين الطلاب، فسألته: لماذا تركت تلك الزاوية التي تنبض بالفيوضات وأتيت إلى هذه المدرسة؟ فقال: هناك كل واحد ينقذ نفسه فحسب إنْ وُفِّق إلى ذلك، أما هنا فإن هؤلاءِ الأشخاصَ ذوي الهمم العالية يسعون إلى إنقاذ الكثيرين مع إنقاذهم أنفسَهم، فالشهامة وعلو الهمة والفضيلة عند هؤلاء، ولذلك أتيت إلى هنا".
[1] أي في السجن.
[2] يقصد أن (1111) يمكن أن يقرأ ألفًا ومائة وأحد عشر، ويمكن أن يقرأ كل واحد منها منفردًا فيكون مجموعها يساوي أربعًا فقط.
[3] سعدي الشيرازي؛ هو شاعر فارسي كبير ولد سنة 580هـ في شيراز، وجاوز المائة من عمره فتوفي عام 691هـ ترجم كتابه كلستان إلى اللغة العربية باسم: أريج البستان.
406. صفحة
فإن كانت مسائل النحو والصرف الصغيرة التي يدرسها الطلاب مثل نَصَرَ، نَصَرُوا، نَصَرَتْ تفضُل أوراد الزوايا، فما بالك برسائل النور التي تعلّم الحقائق الإيمانية القدسية التي في "آمَنْتُ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَبِاليَوْمِ الآخِرِ" تعليمًا واضحًا قاطعًا وتُسكِت وتُفحِم أشد الزنادقة عنادًا وأكثر الفلاسفة تمردًا.
فإن تركها، أو تعطيلها، أو عدم القناعة بها، والدخول في الزوايا المغلقة([1]) بدافع الرغبة في الطريقة الصوفية دون الاستئذان من رسائل النور؛ لهو خطأٌ، ويدل على مدى استحقاقنا صفعة الشفقة والرأفة.
سـعيد النورسي
تنبيه
حكايتان قصيرتان
أولاهما: حينما كنت أسيرًا قبل خمس عشرة سنة من الآن في شمال روسيا في ساحة مصنع كبير مع تسعين من ضباطنا الأسرى، كان كثيرًا ما يحدث الجدال والضجيج بسبب الضيق والضجر والانزعاج الروحي، وكنت أهدّئهم لما كانوا يكنونه لي من الاحترام والتوقير الكثير، فعينت بعضًا من الضباط للحفاظ على الهدوء، وقلت لهم: إذا سمعتم الضجيج والصخب في أية زاوية فأدركوا الأمر، وانصروا الطرف غير المحقّ، وبهذا التدبير أُوقِف الضجيج حقًّا، فسُئلتُ: لم قلتَ انصروا الطرفَ غير المحق؟ فأجبتهم حينئذ قائلا:
إن غير المحق غير منصف، ولا يتخلى عن درهم من مصلحته في سبيل أربعين درهمًا من مصلحة الجميع، أما المحقّ فشيمته الإنصاف، ويضحي بدرهم من حقه في سبيل أربعين درهمًا من مصلحة أخيه لحفظ الهدوء العام، ويتخلى عن ذلك الحق، فيزول الصخب والضجيج، ويعود الهدوء، ويرتاح التسعون في هذه القاعة، أما إذا كانت المعاونة للمحق فسيزداد الصخب والضجيج، وفي مثل هذا النوع من الحياة الاجتماعية تؤخذ المصلحة العامة بنظر الاعتبار.
فيا إخواني، لا تقولوا في حياتنا الاجتماعية هذه إن أخي هذا ظلمني ولم ينصفني فَاسْتَأْتُ منه وقَاطَعْتُه، فهذا خطأ عظيم، فإنْ أضرك أخوك هذا درهمًا فإنك تضر
[1] أي التي أغلقت من قبل الحكومة آنذاك.
407. صفحة
بنا أربعين درهمًا بهجرك ومقاطعتك إياه، بل هناك احتمال إلحاق الضرر برسائل النور أربعين ليرة، ولكنْ ولله الحمد فإن دفاعاتنا الحقة القوية جدًّا حالت دون ذهاب الأصدقاء إلى الاستجواب مرات أخرى، ومن ثَمَّ أُوقِف الفساد، وإلا لألحق الإخوان المتهاجرون المتقاطعون بنا وبقضيتنا ودعوتنا ضررًا كبيرًا بشيء قليل من حقد وضغينة؛ كدخول قَذَى صغير في العين، أو سقوط شرارة واحدة على البارود.
الحكاية الثانية: كان لعجوز ثمانية أبناء، أعطت لكل واحد منهم رغيفًا واحدًا من الأرغفة الثمانية، ولم يبق لها شيء، ثم أعطاها كل واحد منهم نصف رغيفه، فأصبح لديها أربعة أرغفة، وصار لدى كل واحد منهم نصف رغيف.
فيا إخواني، أنا كذلك أشعر وأحس في نفسي بنصف الألم المعنوي من حصة مصيبة كل واحد منكم أنتم الأربعين، ولا أبالي بألمي الشخصي؛ إذ قد تألمت يومًا بألم شديد، فتساءلت هل هذا عقاب لخطئي حتى أتألم منه، فدققت النظر في الحال السابقة، فرأيت أنه ليس لي أي دخل بأي وجه من الوجوه في زيادة هذه المصيبة وإثارتها، بل كنت أستخدم التدابير الممكنة لتجنبها، إذن إن هذه المصيبة قضاء إلهي، ولقد كانت تُدبَّر ضدنا منذ سنة كاملة عن قصد من قبل المفسدين، ولم يكن من الممكن تجنبها، فلابد أنهم كانوا سيوقعوننا فيها مهما كان الأمر، ولله مئات الآلاف من الحمد والشكر أن خفف المصيبة من المائة إلى الواحد.
فبناء على هذه الحقيقة؛ لا تُحَمِّلوني تبعات هذه المصيبة قائلين إننا نعاني ونقاسي هذا البلاء بسببك أنت، بل سامحوني، وادعوا لي.
ولا يَنْتَقِدَنَّ بعضُكم بعضًا، ولا تقولوا: لو لم تفعل كذا لما حدث كذا، وعلى سبيل المثال؛ لقد اعترف أحد إخواننا ببعض أصحاب التواقيع، فصغّر خطة المفسدين الذين كانوا يدبرونها كي يوقعوا كثيرًا من الناس في المصيبة والبلاء، فأنقذ الكثيرين، فليس في هذا ضرر، بل فيه نفع كبير؛ لأنه أصبح وسيلة لنجاة كثير من الأبرياء من هذا البلاء.
سـعيد النورسي
408. صفحة
هذه القطعة قيمة جدًّا ومفيدة ونافعة للجميع
وبخاصة من أولها وحتى النكتة الثانية
نكتة تخص الأخلاق لمناسبة بعض الأحوال غير الطيبة التي ظهرت في سجن "أَسْكِي شَهِرْ" بسبب الضيق والضجر، وليست من سوء الأخلاق، وتدور حول نكتة ظلت مستورة لآية كريمة مشهورة.
النكتة الأولى:
إن الله تعالى -من كمال كرمه ورحمته وعدله- قد أدرج مكافأة معجَّلة في البر والخير، وعقابًا معجَّلا في الشر، وأدرجَ ضمن الحسنات لذائذ ومتعًا معنويةً تذكّر بثواب الآخرة، وأدرج ضمن السيئات كذلك عقابًا معنويًّا يُشعِر بعذاب الآخرة.
فمثلا: إن المحبة بين المؤمنين حسنة طيبة جميلة لأهل الإيمان، وقد أُدرِج ضمن تلك الحسنة لذة ومتعة معنوية وانشراح قلب يذكر بثواب الآخرة المادي، فكل من يرجع إلى قلبه يشعر بهذه اللذة.
ومثلا: إن الخصام والعداء بين المؤمنين سيئة، وهو يُشعر النجباء ذوي الأرواح السامية بعذاب وجداني يخنق القلب والروح بالضيق والعناء، وقَدْ مَرَّتْ بي تجارب كثيرة ربما أكثر من مائة مرة، وهي أني عندما كنت أُكِنُّ عداوة لأخ مؤمن كنت أتعذب من ذلك العداء أيما عذاب، فلم يدع ذلك عندي شبهة أنه عقاب عاجل لسيئتي، أُعذَّب بسببها.
ومثلا: إن الاحترام والتوقير لمن يستحقونه، والرحمةَ والرأفة والخدمة لمن يستأهلونها حسنة ومعروف، ففي هذه الحسنة لذة كبيرة وذوق عظيم يشعر بالثواب الأخروي إلى حد يسوق معه ذلك الاحترام والتوقير صاحبه إلى التضحية بحياته، فما تكسبه الأم من ذوق ومكافأة بالشفقة في رحمتها ورأفتها بولدها يصل إلى حد التضحية بحياتها في سبيل تلك الرحمة، والدجاجة التي تهجم على الأسد إنقاذًا لأفراخها منه مثال على هذه الحقيقة في أمة الحيوانات، إذن ففي الرحمة والاحترام والتوقير مكافأةٌ عاجلة، يشعر بها الشِّهَام ذوو الهمم العالية والأرواح السامية فيُبدون البطولات.
409. صفحة
ومثلا: إن في الحرص والإسراف عقابًا وأي عقاب؛ إذ يدوِّخ الإنسانَ عقابٌ معنويّ وقلبيّ مقلق ومضجر، وفي الحسد كذلك عقابٌ معجَّل؛ حيث إن الحسد إنما يحرق الحاسد.
وفي التوكل والقناعة أيضًا مكافأة، حيث إن ذلك الثواب العاجل اللذيذ يزيل ألم الفقر وبلاء الحاجة والفاقة.
ومثلا: إن في الغرور والكبر حِمْلا ثقيلا؛ حيث إن المغرور ينتظر ويطلب من كل الناس الاحترام والتوقير، وبسبب انتظاره وطلبه هذا يجد الاستثقال، فيتعذب دائمًا.
أجل؛ إن الاحترام والتوقير يُوهَب، ولا يُطلَب.
ومثلا: إن في التواضع وترك الأنانية مكافأةً لذيذةً؛ بحيث ينقذ صاحبه من عبء ثقيل، ومن السعي لتحبيب نفسه للآخرين، الأمر الذي يجعله ثقيلا على الناس.
ومثلا: إن في سوء الظن وسوء التأويل عقابًا معجَّلا هنا في هذه الدنيا، فالذي يسيء الظن يتعرض لسوء الظن حسب قاعدة "مَنْ دَقَّ دُقَّ"، فالذين يسيئون تأويل تصرفات إخوانهم المؤمنين تتعرض تصرفاتهم لسوء التأويل في وقت قريب، ويقاسون عذابه.
وهكذا يجب قياس كل الأخلاق الحسنة والسيئة حسب هذا المقياس ووزنها بهذا الميزان.
إني آمل من رحمة الله تعالى أن يَشعر بهذه الأذواق المعنوية من يتذوقون الإعجاز القرآني المعنوي الذي يتجلى في رسائل النور في هذا الزمان، وألا يقعوا في سوء الأخلاق إن شاء الله تعالى.
النكتة الثانية:
إن المعنى الظاهري الذي أورده كثير من التفاسير لهذه الآيات الكريمة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ { مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ { إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ (الذاريات:56-58) لم يستطع أن
410. صفحة
يبين التعبير العالي السامي للإعجاز القرآني؛ لذا كان هذا الأمر يشغل ذهني في كثير من الأحيان، فسنبين "ثلاثة أوجه" من معانيها الجميلة اللطيفة العالية النابعة من فيض القرآن الكريم بيانًا مجملا.
الوجه الأول: إن الله تعالى يسند إلى نفسه أحيانًا بعض الحالات التي يمكن أن تعود إلى رسوله r تكريمًا وتشريفًا له، فكذلك الأمر في هذا الموضع، حيث إن المراد من الآية هو الإطعام والإرزاق اللذان يعودان إلى الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام؛ إذ الآية تعني: "إن رسولي لا يطلب منكم أجرًا ولا مكافأة ولا طعامًا مقابل أدائه وظيفةَ الرسالة وتبليغ العبودية، وقد خلقتكم من أجل العبادة، وليس من أجل أن ترزقوني وتطعموني"، وإلا لكان من قبيل الإعلام بالمعلوم البديهي جدًّا، وهذا لا يناسب بلاغة إعجاز القرآن.
الوجه الثاني: إن الإنسان مفتتن ومغرم بالرزق كثيرًا؛ لذا فهو يتوهم أن السعي من أجل الرزق مانعٌ للعبادة، فالآية تقول لكيلا يجد الإنسان ذريعة له:
إنكم خُلِقتم للعبادة، وما نتيجة خلقتكم إلا العبادة، أما السعي للرزق فهو نوع من العبادة من حيث الأمر الإلهي، وتوفير الرزق لمخلوقاتي ولأنفسكم وأهليكم وحيواناتكم التي تكفلتُ برزقها، يخصني أنا، ويعود إليَّ أنا، فأنتم لم تُخلَقوا لتوفير وإعداد الرزق والطعام الذي تكفلتُ به أنا، لأني أنا الرّزّاق، فأنا الذي أرزقكم وأرزق عبادي الذين لكم علاقة بهم، فلا تتركوا العبودية متذرعين بهذا.
فلو لم يكن هذا المعنى هو المراد فإنه من المعلوم والبديهي أن رزق الله تعالى وإطعامه محال، إذن هذا يكون من قبيل الإعلام بالمعلوم، فمن القواعد المقررة في علم البلاغة أنه إن كان معنى الكلام معلومًا وبديهيًّا؛ فإن ذلك المعنى ليس بمراد، بل المراد هو لازم من لوازم الكلام، وتابع من توابعه.
فمثلا: لو قلتَ لأحد إنك حافظ للقرآن، يكون هذا الكلام من قبيل الإعلام بالمعلوم، إذن المعنى المقصود منه هو أني أعلم أنك حافظ للقرآن، أي إنه لم يكن يعلم بأني أعلم أنه حافظ القرآن فأعلمته ذلك.
411. صفحة
فبناء على هذه القاعدة يكون معنى الآية الذي هو كناية عن نفي رزق الله تعالى وإطعامه هو:
إن الرزق والإطعام يعودان إليَّ، فأنتم لم تُخلَقوا لتوفير الرزق لمخلوقاتي التي تعهدت أنا برزقها، بل إن وظيفتكم الأصلية هي العبودية، والسعي لكسب الرزق حسب أوامري هو أيضًا عبادة نوعا ما.
الوجه الثالث: كما أن المعنى الظاهر للآية ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (الإخلاص:3) في سورة الإخلاص معلوم وبديهي، أما المراد منها فهو لازم من لوازم المعنى؛ أي إن الذي له والد وولد لا يمكنه أن يكون إلهًا أبدًا، فالآية ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ تقضي بحكمٍ معلومٍ وبديهي جدًّا في حق الله تعالى، وهو أنه أزلي وأبدي، وذلك بقصد نفي ألوهية سيدنا عيسى وعزير عليهما السلام، وألوهيةِ الملائكة والنجوم والمعبودات الباطلة؛ فكذلك المعنى في مثالنا هذا؛ أي إن كل ما هو قابل للرزق والإطعام لا يمكنه أن يكون إلهًا ومعبودًا، أي إن الرزاق ذا الجلال الذي هو معبودكم لا يريد منكم رزقًا، ولم تُخلَقوا أنتم كي تطعموه، بمعنى أن الموجودات التي تحتاج إلى الرزق وتُطعَم لا تستحق العبادة.
سـعيد النورسي
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (الأعراف:4)
لقد كُتِب هذا الموضوع بمناسبة تَطَلُّع رأفت إلى معرفة كلمة "قائلون" المذكورة في الآية الجليلة ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (الأعراف: 4)، ولكيلا يعطل قلمه الألماسي بسبب الخمول الناشيء عن نومه بعد صلاة الفجر مثلما يفعل الآخرون معه في السجن.
412. صفحة
النوم على ثلاثة أنواع:
الأول: الغيلولة، وهي نوم ما بعد الفجر حتى انتهاء وقت الكراهة، وهذا النوم مخالف للسنة لما يورثه من نقص الرزق وقلة البركة فيه، كما جاء في الحديث([1])؛ لأن أفضل وقت للسعي لكسب الرزق وتهيئة مقدماته هو وقت الجو اللطيف المعتدل، وبعد مضي هذا الوقت يعرض للإنسان الخمول والفتور، مما يضر بالسعي ومن ثَمَّ بالرزق، ويتسبب في قلة البركة كما هو ثابت بكثير من التجارب.
الثاني: الفيلولة، وهي النوم من بعد صلاة العصر إلى وقت المغرب، وهذا النوم يتسبب في نقص العمر، أي إن عمر الإنسان المشوب بالنوم يقصر ويتناقص ماديًّا لما يصيبه من خمول وفتور شديد ناشئ عن هذا النوم، وكذا لأن النتيجة المعنوية والمادية لحياته في ذلك اليوم تظهر في الغالب بعد العصر؛ فإن قضاء ذلك الوقت بالنوم لا يُظهِر تلك النتائج فيكون الإنسان كأنه لم يعش ذلك اليوم.
الثالث: القيلولة، وهذا النوم سُنَّة سَنِيَّة، وهي من وقت الضحى إلى ما بعد الظهر بقليل، وهذا النوم سُنَّة سَنِيَّة لأنه يعين على قيام الليل، علاوة على ذلك فإن تعطيل الأعمال الذي هو من العادات القومية حسب البيئة في جزيرة العرب في وقت شدة الحرارة -وقت الظهر- قوَّى تلك السُّنَّة السَّنِيَّة.
وهذا النوم وسيلة لزيادة العمر والرزق؛ ذلك لأن نصف ساعة من القيلولة يعدل ساعتين من النوم في الليل، إذن هذا النوم يزيد العمر ساعةً ونصف الساعة كل يوم، ويخلص ساعة ونصف الساعة من يد النوم الذي هو أخو الموت، ويحييها ويضيفها إلى مدة السعي من أجل الرزق.
سـعيد النورسي
[1] أورد ابن ماجة في سننه: "عن صخر الغامدي قال: قال رسول الله r "اللهم بارك لأمتي في بكورها"، وكان إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم في أول النهار، قال وكان صخر رجلا تاجرًا فكان يبعث تجارته في أول النهار فأثرى وكثر ماله". انظر سنن ابن ماجة 2/752.
413. صفحة
حول جملة
"ألفُ ألفِ صلاةٍ وألفُ ألفِ سلامٍ عليك يا رسول الله"
حينما كانت تُقرأ جملة "ألفُ ألفِ صلاةٍ وألفُ ألفِ سلامٍ عليك يا رسول الله" في الأذكار عقب الصلاة رأيت من بعيد نكتة لطيفة انكشفت لي، ولم أستطع أن أقيدها كلها، إلا أني سأذكر بعضًا من جملها من نوع الإشارات.
لقد رأيت أن عالم الليل كمنزل من منازل الدنيا فُتح حديثًا، فدخلتُ ذلك العالم في وقت صلاة العِشاء، ولشدة انبساط الخيال لحد يفوق العادة ولعلاقة ماهية الإنسان بكل الدنيا؛ رأيت الدنيا الضخمة في تلك الليلة كمنزل، وقد صغرت الأحياء وصغر الناس إلى حدّ لم يكد يُرَى شيء معه، ولم أستطع أن أشاهد خيالا إلا الشخصية المعنوية المحمدية -صلى الله على صاحبها وسلم- وحدها، فكما أن رجلا إذا ما دخل بيتًا يسلم على أهله؛ فأنا كذلك وجدت في نفسي رغبة جياشة كي أقول "ألف ألف سلام عليك يا رسول الله"([1])، وكأني أسلم عليه r بعدد جميع الإنس والجن، أي أعبر بالسلام أني أجدد لك البيعة، وأعترف بوظيفتك ومأموريتك، وأطيع القوانين التي أتيت بها، وأستسلم لأوامرك، وأنك ستسلم من اعتدائنا وهجومنا عليك، وأُنطِق جميع الإنس والجن الذين هم أجزاء عالمي ومخلوقاته ذات الوعي وأقدم إليك باسم كل واحد منهم سلامًا بالمعاني المذكورة.
وإنك كما تنور عالمي هذا بما أتيت به من نور وهداية، تنور كذلك عالم كل أحد في هذه الدنيا وتغدق عليه النعم.
وهكذا قلت شاكرًا على هديته هذه: صلى الله عليك ألف ألف مرة، أي إننا لا نستطيع أن نؤدي شكر معروفك لنا، وإنما نبدي شكرنا بالتضرع إلى خالقنا
[1] إن الرحمة النازلة على الرسول -صلى الله عليه وسلم- تتعلق بحاجات جميع أمته في زمن أبدي، لذا فالصلاة غير المتناهية مناسبة له، فلو دخل أحد دارًا كبيرة وضخمة، ومظلمة بنظر الغفلة، وعظيمة وخالية كالدنيا، فكم يصاب بالفزع والرعب والاضطراب! ثم إذا ما ظهر وسط تلك الدار رسول كريم أنيس ومؤنس حبيب ومحبوب ينوّر الدار ويعرِّف بمالك تلك الدار الكريم الرحيم بواسطة جميع مشتملاتها؛ فكم سيبعث فيه ذلك من البهجة والأنس والسرور والضياء والفرح! فقيسوا ذلك عليه، وقدروا مدى قيمة الصلوات التي تقدَّم لصاحب الرسالة ولذَّتها. (المؤلف)
414. صفحة
سبحانه وتعالى كي ينزل عليك الرحمات النازلة من خزائن رحمته بعدد أهل السماوات، وهكذا أحسست بهذه المعاني خيالا.
فالرسول r يطلب الصلاة التي تعني الرحمة لتوجهه من الخلق إلى الحق تعالى من حيث عبوديته، ويريد السلام لكونه رسولا من الحق إلى الخلق برسالته، وكما أننا نقدم إليه سلامًا يستحقه بعدد الجن والإنس، وتجديدَ البيعة العامة بعدد الجن والإنس، فهو يستحق كذلك الصلاة بعدد أهل السماوات من خزانة الرحمة باسم كل واحد منهم؛ لأنه بالنور الذي جاء به يَظْهَرُ كمالُ كل شيء، وتَظْهَرُ قيمة كل موجود، وتُشاهَد الوظيفة الربانية لكل مخلوق، وتتجلى المقاصد الإلهية من كل مصنوع، ولذلك لو كان لكل شيء لسان مقال مثلما له لسان حال لقال ونطق بلاشك "الصلاة والسلام عليك يا رسول الله"، فنحن أيضًا نقول معنىً باسم جميعهم:
"ألف ألف صلاة وألف ألف سلام عليك يا رسول الله، بعدد الجن والإنس، وبعدد المَلَكِ والنجوم".
"فيكفيك أن الله صلى عليك بنفسه وأملاكه صلَّت عليك وسلَّمت"
سـعيد النورسي
إخواني الأعزاء؛
تطلبون شيئًا من الإيضاح عن وحدة الوجود، ففي "اللمعة التاسعة" من "المكتوب الحادي والثلاثين" جواب قوي مسهَب تجاه فكر الشيخ محيي الدين بن عربي في هذه المسألة، ولكننا نكتفي بهذا القدر هنا فنقول حاليا:
إن تلقين مسألة وحدة الوجود هذه يضر بإنسان هذا الزمان ضررًا بالغًا، وكما أن التشبيهات والتمثيلات إذا ما انتقلت من يد الخواصِّ إلى يدِ العوامِّ، ومن يد العلم إلى يد الجهل ظُنَّ أنها حقائق([1])؛ كذلك فإن الحقائق العالية كمسألة وحدة
[1] مثلما ظن العوامُّ الملكين اللذين سُمِّيا بسر التشبيه الثور والحوت ثورًا ضخمًا وحوتًا كبيرًا. (المؤلف)
415. صفحة
الوجود إذا ما انتقلت إلى أهل الغفلة وإلى العوام المنغمسين في الأسباب فسيُظَن أنها طبيعة، فتورث "ثلاثة أضرار خطيرة":
الأول: إن مشرب وحدة الوجود مع أنه يشبه إنكار الكائنات لحساب الله تعالى، فإنه كلما انتقل إلى العوام، ولاسيما الغافلين منهم، وبخاصة أصحاب الأفكار المختلطة بفكر أصحاب الفلسفة المادية؛ فقد يؤدي إلى إنكار الألوهية لحساب الكائنات والماديات.
الثاني: إن مشرب وحدة الوجود يرد ويرفض ربوبية ما سوى الله تعالى ردًّا ورفضًا شديدًا، حتى إنه ينكر ما سواه تعالى ويرفع الثنائية، ومع أن مسلك وحدة الوجود يقتضي عدم رؤية الوجود المستقل لكل شيء وليس الوجود المستقل للنفوس الأمارة فحسب؛ فإن تلقين وحدة الوجود للناس الذين صارت نفوس بعضهم الأمّارة فرعونًا صغيرًا وكأن لهم استعدادًا لاتخاذها معبودًا، في هذا الزمان الذي نُسِيَ فيه الخالقُ والآخرة إلى حد ما بسبب استيلاء فكر الفلسفة الطبيعية عليه، ونَفْخِ الكبرِ والأنانيةِ النفسَ الأمارة؛ يسوق النفسَ الأمارة إلى الخيلاء والغطرسة التي لا يمكن معها السيطرة عليها ولا التحكم فيها والعياذ بالله.
الثالث: إنه يؤدي إلى تصورات لا تليق بوجوب وجود ذي الجلال سبحانه وتعالى المقدس والمنزه والمبرأ والمتعالي عن التغير والتبدل والتجزؤ والتحيز، ولا تناسب تقدُّسَه وتنَزُّهَه، وتتسبب في التلقينات الباطلة.
أجل؛ إن الذي يتحدث عن وحدة الوجود عليه أن يعرج فكرًا من الثرى إلى الثريا، تاركًا الكون وراءه، عادًّا الكون معدومًا متطلعًا بنظره إلى العرش الأعلى في حالة الاستغراق، ثم بعد ذلك يمكنه أن يرى كل شيء من الواحد الأحد مباشرة بقوة الإيمان، وإلا فالذي ينظر إلى الكون واقفًا وراء الكون، ويرى الأسباب بين يديه، وينظر من الفرش إلى العرش؛ لربما يغرق في الأسباب، ويقع في وحل الطبيعة.
416. صفحة
والذي يعرج فكرًا إلى العرش يمكنه أن يقول كجلال الدين الرومي([1]): "افتح مسامعك، فإن الكلمات التي تسمعها من كل أحد يمكنك أن تسمعها من الحق تعالى وكأن مسامعك حاك([2]) طبيعي فطري".
وإلا إذا قلت لمن لا يستطيع أن يعرج إلى هذه الدرجة مثل جلال الدين، ولا يستطيع أن يرى الموجودات كلها من الفرش إلى العرش على صورة المرايا: "أصغ، ستسمع من كل أحد كلام الله"، فإنه يُبتلى بتصورات باطلة مخالفة للحقيقة، وكأنه يسقط من العرش إلى الفرش معنىً.
﴿قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنعام: 91)
مَا لِلتّرَابِ وَلِرَبِّ الأَرْبَابِ
سُبْحَانَ مَنْ تَقَدَّسَتْ عَنِ الأَشْبَاهِ ذَاتُهُ
وَتَنَزّهَتْ عَنْ مُشَابَهَةِ الأَمْثَالِ صِفَاتُهُ
وَشَهِدَ عَلَى رُبُوبِيّتِهِ آيَاتُهُ جَلّ جَلالُهُ
وَلاَ إِلٰهَ إِلَّا هُوَ
سعيد النورسي
جواب عن سؤال
ليس لدي متسع من الوقت كي أعقد مقارنة بين أفكار مصطفى صبري([3]) وموسى باكوف([4]) إلا أني أقول بهذا القدر:
إن أحدهما أفرط، والآخر فرّط، فمع أن مصطفى صبري محق في دفاعاته مقارنةً بموسى باكوف، فإنه غير محق في تزييف من هو معجزة من معجزات العلوم الإسلامية مثل محيي الدين بن عربي.
[1] هو مولانا جلال الدين الرومي، عرف بالرومي لأنه قضى معظم عمره في منطقة قسم الروم في تركيا، وهو مؤسس الطريقة المولوية ولد سنة 1207م، وتوفي سنة 1273م، ودفن بقونية بتركيا.
[2] هو آلة الفنوجراف، وهي لتشغيل المسجَّلات الصوتية عن طريق أقراص مدمجة.
[3] هو شيخ الإسلام في الدولة العثمانية تركي الأصل والمولد والنشأة، ولد سنة 1869م وتوفي سنة 1954م بعد هجرته إلى مصر، ودفن بها، انظر ترجمته في الأعلام 7/236.
[4] هو موسى جار الله التركستاني القازاني التاتاري الروسي، شيخ الإسلام في روسيا قبل الثورة البلشفية وإبانها، ولد سنة 1878م بروسيا، وتوفي سنة 1949م، ودفن بمصر، تفقه في العربية، وتبحر في علوم الإسلام، انظر ترجمته في الأعلام 7/320.
417. صفحة
أجل؛ إن محيي الدين نفسه مهتدٍ ومقبول، ولكنه ليس بهادٍ ولا مرشد في كل كتاباته، وحيث إنه ينطلق في الأكثر دون ميزان في الحقائق فيخالف قواعد أهل السنة، ويفيد بعضُ أقواله -ظاهرًا- الضلالَ غير أنه بريء من الضلال، فقد يبدو الكلام أحيانًا كفرًا، إلا أن صاحبه لا يكون كافرًا، فمصطفى صبري لم يأخذ هذه النقاط بعين الاعتبار، ففرّط في بعض النقاط لتعصبه لقواعد أهل السنة.
أما موسى باكوف فهو يخطئ كثيرًا بأفكاره التي تنحاز إلى التجديد بشدة، وتسير وتنطلق حسب العصرنة والحداثة، ويحرّف بتأويلاته الخطأ بعض الحقائق الإسلامية، ويفرط كثيرًا؛ حيث إنه يرفع شخصًا مردودًا مثل أبي العلاء المعري فوق المحققين، وينحاز إلى مسائل محيي الدين التي تتفق مع أفكاره وتخالف أهل السنة، وقد قال محيي الدين "تُحرَّم مطالعة كتبنا على من ليس منّا" أي لا يقرأ كتبنا من ليس منا ولا يعرف مقامنا فيتضرر.
أجل؛ إن قراءة كتب محيي الدين في هذا الزمان مضرة، ولاسيما المسائل التي تتعلق بوحدة الوجود.
سـعيد النورسي
بسم الله الرحمن الرحيم
حينما كنت أنظر من نافذة السجن إلى ضحكات البشر الباعثة على البكاء في ليلة عيد عظيمة باهرة بعدسة القلق على المستقبل التي ترى العاقبة؛ انكشفت لنظر خيالي حالٌ، سأبينها لكم.
مثلما تظهر في السينما أحوال الحياة الماضية لمن يرقدون في المقابر الآن، فكأنني كذلك شاهدت الجنائزَ المتحركة لمن سيكونون في المستقبل القريب من أصحاب القبور، فبكيت على أولئك الضاحكين، ثم إذا بي أشعر بفزع وألم، فعدت إلى العقل فسألت الحقيقةَ: ما هذا الخيال؟ فقالت الحقيقة:
418. صفحة
إن خمسة من كل خمسين من هؤلاء المساكين الأشقياء الذين يضحكون ويمرحون ويتمتعون بكمال النشوة والفرح سيكونون بعد خمسين سنة شيوخًا وعجائز في السبعين من عمرهم، وقد انحنت ظهورهم وتقوست واحدودبت، أما الخمسة والأربعون فسيكونون قد تفسخوا وتحللوا في المقابر، وتلك الوجوه الجميلة وتلك الضحكات الرنانة ستنقلب إلى أضدادها.
وبما أن مشاهدة الأشياء التي ستأتي قريبًا كأنها أتت بالفعل حقيقةٌ إلى حد ما حسب قاعدة "كل آت قريب"؛ فلاشك أن ما رأيته ليس بخيال.
وبما أن ضحكات الدنيا في غفلة حجبٌ وستائر للحالات المؤلمة الْمُبْكِية، ومؤقتة، ومعرَّضة للزوال؛ فلاريب أن اللهو الذي سيُبهِج ويُضحِك ويَسر قلب الإنسان المسكين -الذي يطلب الأبد بشدة وولع- وروحَه المفتونة بعشق البقاء والخلود؛ هو ذلك اللهو البريء ضمن نطاق الشرع في شكر، ودون غفلة عن الله، والسرور والأفراح التي تبقى وتخلد من حيث الثواب؛ ولهذا فقد وردت في الروايات ترغيبات عظيمة جدًّا في ذكر الله تعالى وشكره لكيلا تستولي الغفلة في الأعياد فينحرفَ الناس إلى المحرمات، حتى يحوِّل -المرء- نعمَ السرور والفرح في الأعياد إلى الشكر، فتدومَ تلك النعمة وتزيد؛ إذ الشكر يزيد النعمة ويطرد الغفلة.
سعيد النورسي
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه القطعة مفيدة ونافعة لكل أحد
﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف:53)
نكتة من نكات الحديث الشريف "أَعدَى عَدُوّكَ نَفْسُكَ التِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ([1])"
إن الذي يحب نفسه -بشرط أن تكون أمارة بالسوء وغير مزكاة- لا يحب غيره، وحتى لو أنه أحبه في الظاهر فلا يحبه حبًّا خالصًا، بل يحب مصلحته ومنفعته ولذته التي ينتظرها منه، ودائمًا يسعى لتحبيب نفسه للآخرين وإثارة إعجابهم به، ولا
[1] عن ابن عباس في الزهد الكبير برقم 355.
419. صفحة
يُحَمِّلُ نفسه أي خطأ أو تقصير، بل يدافع عن نفسه كالمحامي ويُبَرِّئُها، ويمدحها وينزهها بالمبالغات وربما بالأكاذيب، وكأنه يقدسها، ويتلقى صفعة من صفعات الآية ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوَاهُ﴾ (الفرقان:43) حسب درجته.
أما مدح النفس وتحبيبها للآخرين فيؤدي إلى عكس العمل، فيجلب استثقال الناس له، ويتسبب في جفائهم، ويُفقِد الإخلاصَ في العمل الأخروي، ويخلطه بالرياء، فيُغلَب أمام الأحاسيس والمشاعر وهوى النفس التي لا ترى العقبى، ولا تفكر في النتائج، والتي هي مبتلاة ومفتونة باللذة الحاضرة العاجلة.
فيبقى في السجن سنة كاملة من أجل لذة ومتعة تستغرق ساعة واحدة بفتوى الهوى والنوازع التي ضلت طريقها وانحرفت، ويقاسي عذاب عشر سنوات من السجن من أجل غرور أو ثأر يستغرق دقيقة واحدة، فكأنه يجعل حسناته التي هي بقيمة الألماس وسيلةً للملذات والأنانية التي هي بمنزلة قطع الزجاج التافهة؛ من أجل أن يلاطف مشاعره ويداعبها، ويرضي هواه ويشبعه مثل الطفل الطائش المستهتر الذي يبيع جزء عمّ الذي يدرسه بقطعة من حلوى، وهكذا يخسر في الأمور المربحة.
اللَهُمّ احْفَظْنَا مِنْ شَرّ النّفْسِ وَالشّيْطَانِ وَمِنْ شَرّ الجِنّ وَالإِنْسَانِ
سعيد النورسي
سؤال:
كيف يكون البقاء في سجن جهنم مدة لا حَدَّ لها جزاء عادلا مقابل كفر لمدة قصيرة؟
الجواب:
إذا كان اقتضاءُ القتل الذي يستغرق دقيقة واحدة مدةَ سبعة ملايين وثمانمائة وأربعة وثمانين ألف دقيقة من عقوبة السجن -بحساب أن السنة ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا- قانونًا عادلا، فالذي يقضي عشرين سنة من عمره في الكفر ويموت
420. صفحة
وهو كافر يستحق بالقانون العادل مدة سبعة وخمسين تريليونًا وواحدًا ومائتي مليار ومائتي مليون من عقوبة السجن (57201200000000) بقانون البشر العادل؛ إذ إن دقيقة واحدة من الكفر بمنزلة ألف قتل؛ فلاشك أنه يُفهَم من هذا وجه الموافقة لهذه الحقيقة مع العدالة الإلهية في ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (النساء: 169).
فسِرّ المناسبة بين العددين المتباعدين جدًّا هو أن القتل والكفر هدم وتخريب وتجاوز وتَعَدٍّ، فهما يؤثران في الغير، ويفعلان فعلهما في الآخرين، فالقتل الذي يستغرق دقيقة واحدة يسلب خمس عشرة سنة من حياة المقتول على الأقل حسب العادة الظاهرة، فيدخل القاتل السجن بدلا من ذلك، أما الكفر لمدة دقيقة واحدة فلأنه إنكار لألف اسم واسم من الأسماء الإلهية، وتزييفٌ لنقوشها، وتَعَدٍّ على حقوق الكائنات، وإنكارٌ لكمالاتها، وتكذيبٌ لدلائل الوحدانية التي لا تُعَدُّ ولا تحصى، وردٌّ لشهادتها على الوحدانية؛ فإنه يُلقي بالكافر في أسفل سافلين لأكثر من ألف سنة، ويسجنه في "خالدين".
سعيد النورسي
توافق لطيف ذو مغزى
إن المادة (163) التي اتّهَمُوا بموجبها تلاميذَ رسائل النور، وطلبوا معاقبتهم بها، تتوافق مع عدد (163) نائبًا من بين (200) نائب وافقوا على قرار منح مائة وخمسين ألف ليرة لمدرسة مؤلِّف "رسائل النور"، وهذا التوافق يقول معنى: إن توقيعات (163) من نواب حكومة الجمهورية بتقدير وإعجاب يبطل حكم المادة القانونية (163) الخاصة بحقه.
ومن التوافقات اللطيفة ذات المغزى أن أجزاء رسائل النور البالغة (128) جزءًا تشكل كلها (115) كتابًا، ولما كان تاريخ بداية اعتقال تلاميذ رسائل النور ومؤلفها 27 أبريل/نيسان 1935، وتاريخ قرار المحكمة إصدار حكمها في 19 أغسطس 1935، والأيام التي مضت بين هذين التاريخين هي (115) يومًا؛ وهي تتوافق مع عدد كتب رسائل النور كما يتوافق توافقًا تامًّا مع عدد الأشخاص
421. صفحة
(115) الذين استُجْوِبوا واتُّهِموا، فإنه يشير إلى أن ما يصيب مؤلِّف رسائل النور وتلاميذها إنما يُدَبَّرُ بيد العناية الإلهية([1]).
سـعيد النورسي
لقد أطلق أحد إخواننا بحماسة وشوق على "رسائل النور" أسماء "الألماس" و"الجوهر"
وكتبها مرات ومرات، ورأينا من المناسب إدراجها في آخر هذه اللمعة.
هل للطالب الذي ضمن دائرة التقوى أن يتخلى عن نور رسائل النور وعن هذا الألماس الثمين ويتركه حتى لو كان مجنونًا؟
إنني أظن أنه من النادر أن يكون قد رأى كرامة رسائل النور الشبيهة بالمعجزة وفضْلَها ولذَّتَها، وقطف ثمارها الحلوة اللذيذة وأكلها أحدٌ مثل تلميذكم هذا العاجز! وإنني مدين لكم بالشكر على الاهتمام الذي أوليتموني إياه على الرغم من أني لم أستطع أن أخدم رسائل النور مع عجزي إلى هذا الحدّ، وبناء عليه فإن أي تلميذ من تلاميذكم -ولست أنا فقط- لا يستطيع أن يترك لذة رسائل النور ذلك الألماس المبارك، إنني أصرح واثقًا بسماحكم لي بهذا التصريح بأنه ظهرت وانكشفت اثنتان من كرامات رسائل النور في أثناء التفتيش.
فبينما كانت تجري الشرطة والشرطة العسكرية والسجانون بحثًا وتفتيشًا دقيقًا جدًّا في السجن وضع ابن أختي البالغ عمره سبعة أو ثمانية أعوام نُسَخَ رسائل النور في حقيبته المدرسية دون أن يراه أحد وخرج، فكان التفتيش والبحث في غرفتي أنا العاجز، فجاء الولد إلى الغرفة، ولما رأى الحركة والجلبة فيها وضع في حقيبته أجزاء رسائل النور التي كانت موضوعة في زاوية من زوايا الغرفة، ولم يلاحظه أحد من الشرطة والمأمورين، ولم يقولوا للولد
[1] من اللافت للنظر أن اعتقال بعض من تلاميذ رسائل النور بدأ في 25 نيسان 1935، والذين قُدّموا على أنهم المتهمون كان عددهم (117) شخصًا في لائحة الحكم، فنظرًا إلى أن اسم اثنين منهم قد تكرر، فإن عدد تلاميذ رسائل النور يتوافق مع العدد (117)، أي مع عدد الأيام (117) يومًا من تاريخ اعتقال أولئك حتى تاريخ صدور القرار، وهذا يزيد التوافقات الأولى لطافة.(المؤلف)
422. صفحة
شيئًا، وذهب الولد الفدائي إلى أمه مباشرة وقال لها: "أحضرت أجزاء من رسائل النور التي كان خالي يقرؤها علينا دومًا، سمعت أنهم سيأخذونها منه، ولكني أخذتها دون أن يتنبهوا حينما كانوا يقلبون الرسائل والكتب الأخرى، فوضعتها في حقيبتي، ثم أردف قائلا: ضعيها في مكان آمن، واحفظيها جيدًا، فإني أحب قراءتها كثيرًا، فحينما كان خالي يقرؤها علينا كنت أشعر بحالات روحانية أخرى"، ثم عاد إلى مدرسته، وبفضل ذلك لم تُصادَر الألماسات والجواهر والأنوار، إن لم يكن هذا كرامةً فماذا يكون؟ وإن لم يكن كرامةً قرآنية فماذا يكون؟ ففي أي كتاب من الكتب توجد هذه الفضائل وهذه اللذة وهذه الألماسات والجواهر؟ فمن فم من تقطرت هذه الألماسات والجواهر والأنوار حتى الآن؟ فإني لا أقبل السجن فقط وإنما أقبل بكل رضا وسرور في كل آن وكل دقيقة كل أنواع التضحية أيضًا من أجل هذه الألماسات والجواهر والأنوار، وولدي أمين كذلك مستعد بعدي كي يبذل كل حياته في سبيل هذه الألماسات والجواهر والأنوار.
أما إثبات الكرامة الثانية لهذه الألماسات والجواهر والأنوار فهي أنني أُثبتُ أن أقربائي وأولادي البالغين من ثلاث إلى ثماني سنوات سيضحون بحياتهم من أجل هذه الألماسات والجواهر والأنوار بفدائية في هذا السبيل دون توان أو تفكير؛ ذلك لأني عندما كنت أقرأ هذه الألماسات والجواهر والأنوار اجتمعوا حولي، فداعبتهم ولاطفتهم وقدمت الشاي لكل واحد منهم، فواصلت قراءة هذه الألماسات والجواهر والأنوار، فسألوا كلهم: ما هذه؟ وأي حروف هذه؟ فأجبتهم: هذه ألماس وجوهر ونور، وبدأت أقرأ عليهم، لقد مضت ساعات وأنا أقرأ "الكلمة العاشرةَ" رسالةَ الحشر، فكان الأطفال إذا لم يفهموا سألوني من فرط حبهم للمزيد من المعرفة، وحينما كنت أشرح لهم هذه الألماسات والجواهر والأنوار وأوضحها بطريقة تناسب فهمهم كانت وجوههم تتألق وتزداد جمالا وحسنًا، وكلما نظرت إلى وجوه الأطفال رأيت في وجه كل واحد منهم "سعيدًا" آخر منورًا، فكانوا يسألونني:
423. صفحة
أيها ألماس؟ وأيها جوهر؟ وأيها نور؟ فكنت أجيبهم بأن النور هو قراءة هذه الكتب، وأقول: انظروا، ظهر عليكم هذا الجمال والحسن، فنظروا إلى وجوه بعضهم، فصدقوني.
ثم سألوا: فما الألماس؟ فأجبتهم بأن الألماس هو نسخ هذه الكتب وكتابتها؛ أي إذا كتبتم يكون ما كتبتم قَيِّمًا ثمينًا كالألماس، فصدقوني.
ثم سألوا أيضًا: فما الجوهر؟ فأجبتهم بأن الجوهر هو ما تكسبونه من إيمان من هذه الكتب، فنطقوا الشهادة جميعًا معًا، لقد مضت بنا أربع ساعات تقريبًا من الوقت في هذا الحديث والحوار ولم أشعر، وقلت لهم: هذا هو النور والألماس والجوهر فصدقوني، فكانوا ينظرون إلي جميعًا معًا ويسألون: من الذي كتب هذه الكتب؟
تلميذكم شفيق
رؤيا ذكائي
رأيت صباح هذا اليوم في الرؤيا أني على ضفة بحر صاف براق نقي يشبه سواحل طوبخانة([1]) بإسطنبول، فكانت أشعة الشمس تنعكس على سطح هذا البحر العظيم فيتلألأ تلألؤًا جميلا في هذا الوقت الذي كنت أظنه وقت الضحى، وكنت أنظر إلى البحر، فرأيت شابًّا خرج إلى الساحل سابحًا من الجنوب الأوسط للبحر وألقى محراثًا عن كتفه إلى الأرض، وبينما كان جميع إخواننا هنا يُستقبَلون بعد إطلاق سراحهم هتفوا جميعًا: يأتي فارس ويأتي الأستاذ النورسي منطلقَيْن من الغرب بمحاذاة الساحل، فانشق الزحام، فابتعد هذان الشخصان المهيبان ذوا الوجهين الأسمرين راكبين فرسين أسودين نحو الشرق، واستيقظت وأنا على وشك الغوص في البحر.
ذكائي
*******
[1] هو أحد الأحياء الساحلية في مدينة إسطنبول، ويقع على مضيق البسفور.
424. صفحة
كُتِب بناء على أقاويل شخص ينظر إلى رسائل النور بأفكار مغرضة مسبقة وبنظر منافسة لها
إن كان قصدك مدح نفسك بالتفاخر
فما أنت إلا قمر لأخفت نجم من نجومها
فلا تحسبنها أبدًا يا أخي أنها كوكب، فليست الأرض وحدها
بل الشمس هي الأخرى قمر من أقمار رسائل النور
ستشرق عما قريب في العالم رسائل نور
فلا تنطفئ، وإنما تختفي إذ هي نور على نور
فهي نور، هي بحرُ حقيقة، ومحض هداية
اقرأ ﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾
لا أشكو من الحقّ، وِإنما غايتي أن أحكي
فمعلومة دعواي للحقّ وأنا أسير وفق الشرع
فهي رسائل نور، كنت قد خدمتها
فهي رسائل نور، وهي العروة الوثقى لا انفصام لها
تمسكت بها، فهي هداية وعين الحقيقة
فوضعونا حيث لبث يوسف عليه السلام والأستاذ النورسي
خليل إبراهيم
425. صفحة
النكتة الثامنة والعشرون
من اللمعة الثامنة والعشرين
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ { دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ { إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (الصافات:8-10)
﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (الملك:5).
ستُبيَّن نكتة مهمة لهذه الآيات وأمثالها بمناسبة انتقاد أهل الضلالة لها كما يلي:
جواب مختصر على سؤال مهم جدًّا ذي ثلاث رءوس لمناسبة الآيات المذكورة التي تفيد أن جواسيس الجنّ والشياطين كانوا يسترقون السمع لأخبار السماوات، ويأتون بالأخبار من الغيب إلى من يخبرون عن الغيب كالكهان والماديين وبعضٍ ممن يشتغلون بتحضير الأرواح، ولكنهم رُجِموا بالشهب، ومُنِعوا من استراق السمع -الذي كانوا يمارسونه على الدوام- في بداية نزول الوحي أكثر من كل الأوقات حتى لا تمس أية شبهة الوحي.
سؤال:
يُفهَم من هذه الآيات ومن أمثالها أن جواسيس الشياطين يقتحمون السماوات التي هي بعيدة بعدًا مطلقًا كي يسترقوا السمع ولو في حادثة جزئية غيبية وأحيانًا في حادثة شخصية غيبية، وأن أي شيطان سيسمع تلك الحادثة سمعًا ناقصًا متقطعًا في أي موضع دخله وسيخبر بها وكأن الحديث عن تلك الحادثة الجزئية يدور في جميع أقطار السماوات الواسعة جدًّا، فهذا المعنى المفهوم من الآيات لا يقبله العقل ولا تقبله الحكمة؟
ثم إن بعضًا من أهل الرسالة وأهل الكرامة كانوا يَجنون ثمار الجنة التي هي فوق السماوات -بنص الآيات- وكأنهم يأخذونها من مكان قريب، وأحيانًا كانوا
426. صفحة
يشاهدون الجنة عن قرب، فهذه الحال التي هي مسألة بعد مطلق في قرب مطلق لا تستوعبها عقول هذا العصر؟
وإن كون الأحوال الجزئية لشخص جزئي مدارَ بحث للملأ الأعلى في السماوات الكلية الواسعة لا ينسجم مع حكمة إدارة الكون وتدويره الحكيم جدًّا؟
فكيف تعتبر هذه المسائل الثلاث من الحقائق الإسلامية؟
الجواب:
أولا: هذه الآية الكريمة ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ تفيد بأن جواسيس الشياطين تُطرَد وتُدفَع من السماوات بالنجوم.
لقد أُثبِتت هذه المسألة في رسالة تسمى "الكلمة الخامسة عشرة" إثباتًا يقنع حتى أكثر الماديين عنادًا ويسكتهم ويدفعهم إلى القبول والتسليم، وذلك بسبع مقدمات ثابتة قطعًا باسم سبع درجات.
ثانيًا: سنشير إلى تلك الحقائق الإسلامية التي يظنّ أنها بعيدة بضرب مثل كي نقرّبها إلى الأذهان القاصرة:
إذا كانت مصلحة الشئون العسكرية لحكومة معينة في شرق البلاد، ومصلحة العدلية في غربها، ومصلحة التربية والتعليم في شمالها، ومصلحة الشئون الدينية في جنوبها، ومصلحة الشئون الداخلية في الوسط، وإذا رأت كل مصلحة الأوضاع التي ذات صلة بها باللاسلكي والهاتف والبرق وتلقّت الأخبار عبرها فستكون جميع البلاد كأنها مصلحة الشئون العسكرية مع أنها مصلحة العدل، ومصلحة الشئون الداخلية مع أنها مصلحة الشئون الدينية.
فمثلا: قد تكون أحيانًا لدول متعددة وحكومات ذات عواصم مختلفة سلطاتٌ وسيادات مختلفة متغايرة في بلد واحد من حيث مصالحها الاستعمارية فيها، أو لوجود امتيازات خاصة بها، أو من حيث المعاملات التجارية معها، ومع أن الرعية والأمة واحدة فإن كل حكومة مرتبطة بأولئك الرعية من حيث امتيازاتها وخصوصياتها، فمعاملات تلك الحكومات المتباعدة جدًّا يتصل بعضها مع بعضها الآخر، وتتقارب في كل بيت، وتشترك في كل فرد من الأفراد، وتُحلّ مسائلها
427. صفحة
الجزئية في الإجراءات والتصرفات الجزئية التي في نقاط الاتصال والعلاقة، ولا تؤخذ كل مسألة جزئية من الدائرة الكلية، ولكن إذا جرى الحديث عن تلك المسائل الجزئية فإنه يُضفَى عليها صورة مسألة جرى الحديث عنها في الدائرة الكلية كأنها مسألة تؤخذ من الدائرة الكلية، لعلاقتها المباشرة بقانون تلك الدائرة.
وكما في هذين المثالين:
فإن السماوات مع أنها بعيدة جدًّا من حيث العاصمة والمركز؛ فإن لها هواتف معنوية تَمتدّ إلى قلوب البشر في دار الأرض، وإن عالم السماوات لا يتعلق بالعالم الجسماني فحسب، وإنما يتضمن عالم الأرواح وعالم الملكوت؛ لذا فإنه يحيط بعالم الشهادة من ناحيةٍ تحت الستار والحجاب.
وكذلك الجنة التي هي من العالم الباقي ودار البقاء مع بعدها بعدًا مطلقًا فإن دائرة تصرفاتها تمتد امتدادًا نورانيًّا إلى كل الأرجاء والأقطار تحت ستار عالم الشهادة وتنتشر فيها بحكمة الصانع الحكيم ذي الجلال وقدرته.
فكما أن مراكز الحواس التي أودعها الصانع الحكيم في رأس الإنسان مختلفة؛ فإن كل واحد منها يستطيع أن يهيمن على جميع ذلك الكيان وعلى ذلك الجسم كله، ويستطيع أن يضمه إلى دائرة تصرفه، كذلك فالكون الذي هو الإنسان الأكبر يحتوي على آلاف العوالم كالدوائر المتداخلة المتشابكة، وتكون هذه العوالم مدارَ نظرٍ من حيث كلية الحوادث والأحوال التي تحدث فيها وجزئيتها وخصوصيتها وعظمتها، أي إن تلك الحوادث الجزئية تُتناول في الأماكن الجزئية القريبة، والحوادث الكلية العظيمة في المقامات الكلية العظيمة، ولكن حادثة جزئية خصوصية تهيمن أحيانًا على عالم كبير، فأينما ألقي السمع تُسمَع تلك الحادثة، ولا تُحشَد الجيوش تجاه قوة العدوّ فقط وإنما -أحيانا- من أجل إظهار العظمة، فمثلا:
لأن حادثة الرسالة المحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- وحادثة الوحي القرآني القدسية هما أعظم الحوادث وأهمها في السماوات كلها، بل في كل ناحية من أنحائها؛ يصطف الحراس مباشرة على أبراج السماوات العظيمة البعيدة العالية جدًّا، ويقذفون الشياطين الجواسيس بالمنجنيق من النجوم ويطردونهم؛ والقرآن
428. صفحة
المعجز البيان بإظهار السماوات على هذا الوضع وهذه الأوصاف يبين أن النجوم تُسقَط وتُقذَف بها الشياطينُ وتُرجَم أكثر في ذلك العصر وفي ذلك الوقت كإشارة ربانية إلى إعلان مدى عظمة الوحي القرآني وهيبة سلطانه ومدى حقانيته التي لا تقبل الشبهة، فالقرآن المعجز البيان بدوره يترجم ويصف ذلك الإعلان التكويني ويعلنه، ويشير إلى تلك الإشارة السماوية.
أجل؛ إن وصف القرآن هذه الحادثة كمبارزة بين الشياطين الجواسيس الذين يمكن أن يطردوا بنفخ ملك من الملائكة وبين الملائكة بمثل هذه الإشارة السماوية العظيمة؛ لابد أنه من أجل إظهار عظمة سلطان الوحي القرآني وهيبته.
ثم إن هذا البيان القرآني المهيب والحشد السماوي العظيم ليس من أجل بيان أن للجن والشياطين قدرةً وتدخلا يسوقان أهل السماوات إلى المبارزة معهم والدفاع ضدهم، بل من أجل الإشارة إلى عدم تدخل الجن والشياطين في أي موضع في الطريق الطويل الممتد من القلب المحمدي -صلى الله على صاحبه وسلم- إلى عالم السماوات حتى العرش الأعظم.
فيشير القرآن إلى أن الوحي القرآني حقيقة يدور الحديث عنها لدى جميع الملائكة في السماوات العظيمة بحيث إن الشياطين يضطرون إلى الصعود حتى السماوات ولكن لا يظفرون بشيء، بل يُرجمون ويقذفون، وبهذه الإشارة يخبر القرآن المعجز البيان عن أن الوحي النازل إلى القلب المحمدي على صاحبه الصلاة والسلام، وأن سيدنا جبريل -عليه السلام- الذي أتى إلى الديوان المحمدي -صلى الله على صاحبه وسلم-، والحقائق الغيبية التي ظهرت للنظر المحمدي -صلى الله على صاحبه وسلم- كلٌّ منها سليم وصحيح وحقّ ومستقيم، ولا يقبل أي شكّ أو شبهة.
أما مشاهدة الجنة في أقرب الأماكن وجَنْيُ الثمار منها أحيانًا مع أنها بعيدة عنا وهي من عالم البقاء فهي:
كما ظهر جليًّا بسر المثالين الأولين فإن هذا العالم الفاني وعالم الشهادة ستار وحجاب لعالم الغيب ودار البقاء، وكما أن مشاهدة الجنة في كل الأماكن ممكنة بواسطة مرآة عالم المثال مع أن مركزها الكبير العظيم بعيد؛ فكذلك يمكن أن
429. صفحة
تكون للجنة -ولا مشاحة في الأمثال- مستعمرات ودوائر نوعا ما في هذا العالم الفاني بواسطة الإيمان الذي بلغ مرتبة حق اليقين، ويمكن أن تكون للأرواح العالية السامية اتصالات بها بواسطة هواتف القلب، ويمكن أن تأتي هداياها منها.
أما ما ورد في التفاسير من علاقةِ دائرةٍ كلية بحادثةٍ شخصية جزئية، أي إن الشياطين يصعدون إلى السماوات ويسترقون السمعَ كي يأتوا بأخبار غيبية إلى الكهان، ويأتون بأخبار خطأ ناقصة مبتورة، فينبغي أن تكون حقيقته كالآتي:
إنها لا تعني الصعود إلى عاصمة بلاد السماوات وتلقي ذلك الخبر الجزئي، بل إن بلاد السماوات الشاملة لجو الهواء لها بعض المواقع التي هي بمنزلة المخافر ولا مشاحة في الأمثال، وفي تلك المواقع تجري العلاقة مع بلاد الأرض، فالشياطين يسترقون السمع من تلك المواقع الجزئية لتلك الحوادث الجزئية، حتى إن قلب الإنسان أيضًا أحد تلك المقامات، يتبارز الشيطان الخاص به مع ملك الإلهام في هذا الموقع.
أما الحقائق الإيمانية والقرآنية والحادثات المحمدية -صلى الله على صاحبها وسلم- فمهما كانت جزئية فإن القرآن الكريم يبيِّنها وكأنها أعظم وأهم حادثة كلية، وأنه يَجري البحث والحديث عنها في كل زاوية من زوايا الكون وكأنها -ولا مشاحة في الأمثال- تُنشَر في الصحف المعنوية لمقدرات الكون في دائرة العرش الأعظم وفي دائرة السماوات اللتين هما أكثر الدوائر كلية، ويفيد أن الشياطين ليست لديهم أية وسيلة أخرى غير استراق السمع من السماوات؛ إذ ليس هناك أي إمكان لتدخلهم في الأمور بدءا من قلب محمد صلى الله عليه وسلم وانتهاء إلى دائرة العرش الأعظم.
وهكذا فإن القرآن المعجز البيان يعلن ويبين بصورة بليغة بل بأسلوب معجز مدى سمو وعلو مرتبة حقانية الوحي القرآني والنبوة الأحمدية صلى الله على صاحبها وسلم، وأنه لا يمكن أن يدنو منهما أي خلاف وخطأ وحيلة بأي وجه من الوجوه.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
سـعيد النورسي


