اللمعة الثانية عشرة
التنقل
86. صفحة
اللمعة الثانية عشرة
حول بيان نكتتين للقرآن الكريم بمناسبة سؤالين جزئيين للسيد رأفت
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم وعلى إخوانكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الصِّدِّيق الوفي السيد رأفت،
أسئلتك في هذا الوقت غير المناسب تضعني في موضع حرج، فمع أن أسئلتك هذه المرة جزئية؛ فإنها تتعلق بنكتتين قرآنيتين، ثم إن سؤالك حول الكرة الأرضية ذو صلة بانتقادات علم الجغرافيا وعلم الفلك حول طبقات الأرض السبع وطبقات السماوات السبع، فلذلك بدت لي هذه الأسئلة ذات أهمية، ومن أجل هذا سنبين نكتتين اثنتين حول آيتين كريمتين بيانًا علميًّا كليًّا مُجمَلا بغَضِّ النظر عن جزئية السؤال، وتأخذُ أنت حِصَّتَك منه بقدر سؤالك الجزئي.
النكتة الأولى: وهي نقطتان.
النقطة الأولى: إن الرزق بيد القدير ذي الجلال وحده بسرّ هاتين الآيتين ﴿ وَكَأيِّنْ مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (العنكبوت:60) و﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات:58)، ويَخرُج من خِزانة رحمته، فينبغي ألا يموت أحد من الجوع؛ لأن رزق كل حي تحت التعهد الرباني، والظاهر أن الذين يموتون من الجوع ومن عدم الرزق كثيرون.
وجلاء هذه الحقيقة وهذا السر كالآتي:
87. صفحة
إن التعهد الرباني حقيقة، فليس هناك أحد يموت من عدم الرزق؛ لأن الحكيم ذا الجلال يدّخر جزءًا من الرزق الذي يرسله إلى جسم الحَيِّ احتياطًا في صورة الشحوم والدهون، حتى إنه يدخر جزءًا من الرزق الذي يرسله إلى كل خلية من خلايا الجسم في زاوية من زوايا تلك الخلية، ويخزنه كذخيرة احتياط لاستخدامها عند انقطاع الرزق من الخارج في المستقبل؛ فالذين يموتون إنما يموتون قبل أن ينفد هذا الرزق الاحتياطي المدَّخَر، إذن فهذا الموت ليس من عدم الرزق، بل هم يموتون بسبب عادة ناشئة عن سوء الاختيار والإرادة، وبسبب علة ناشئة عن ترك عادة سيئة تعوَّدوا عليها.
أجل؛ إن الرزق الفطري المدخَر في صورة شحم في جسم الحي يستمر أربعين يومًا كاملة كحَدٍّ وسط، بل يمكن أن يدوم ثمانين يومًا نتيجة علة أو استغراق روحاني، حتى إنه قد نشرت الصحف قبل ثلاث عشرة سنة([1]) أن رجلا قد قضى -من أجل عناد شديد- في سجن لندن سبعين يومًا في صحة وسلامة دون أن يأكل شيئًا.
وبما أن الرزق الفطري يستمر من أربعين إلى سبعين أو ثمانين يومًا، وبما أن تجلي اسم الرّزّاق يُرَى ويشاهَد على سطح الأرض على أوسع نطاق، وبما أن الرزق يجري ويسيل من حيثُ لا يُحْتَسَب من الأثداء والقصب، ويظهر فيها؛ فلابد أن هذا الاسم سيُدرِك ويُغِيث ذلك الحَيَّ، ويحول بينه وبين الموت قبل أن ينفد الرزق الفطري ما لم يتدخل البشر الكثيرُ الشرِّ بسوء اختياره، إذن فالذين يموتون من الجوع إذا ماتوا قبل أربعين يومًا فإن موتهم لا يكون من عدم الرزق البَتّة، بل يكون بسبب عادة تعودوا عليها بسوء الاختيار، وبسبب علة أو مرض ناتج عن ترك تلك العادة بسرّ "تَرْكُ العَادَاتِ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ"، فيمكن إذن أن يقال: لا موتَ من الجوع.
أجل؛ إنه يُرَى بالمشاهدة أن الرزق متناسب تناسبًا عكسيًا مع الاقتدار والاختيار، فمثلا: إن الجنين يرسَل إليه الرزقُ إرسالا لا يَحتَاجُ معه حتى إلى تحريك فمه وهو محروم كليًّا من الاقتدار والإرادة في رحم الأم، ثم إذا جاء إلى
[1] من زمن تأليف هذه الرسالة.
88. صفحة
الدنيا وهو لا يملك من الاقتدار والاختيار إلا شيئًا من الاستعدادات والمشاعر الكامنة فيه بالقوة؛ يُرسَل إلى فمه من عيون الأثداء -على أعجب فطرة- رزقٌ هو أفضل غذاء وأحسنه وألطفه وأسهله هضمًا، ثم كلما اكتسب شيئًا من الاقتدار والاختيار يَتَدَلَّلُ هذا الرزقُ السهل الطيب اللطيف على الطفل شيئًا فشيئًا، وتنقطع عيون الأثداء، ويرسَل رزقُه من جهات أخرى، ولكن اقتداره واختياره مازالا لا يناسبان البحث عن الرزق؛ فلذلك يجعل الرزاق الكريم شفقةَ ورحمةَ والديه مُعينًا لاقتداره واختياره، فحالما يبلغ اقتدارُه واختياره الكمالَ فلا يسعى رزقُه إليه ولا يُجرَى له، بل يبقى في مكانه، ويقول له: اسْعَ إليَّ، وابحث عني، جِدْنِي ونِلْنِي واحْصُلْ عَلَيّ، إذن فالرزق متناسب تناسبًا عكسيًّا مع الاقتدار والاختيار، حتى إننا بيّنا في كثير من الرسائل أن أضعف الحيوانات اقتدارًا وأقلها اختيارًا تعيش أفضل من غيرها وتُرزَق أحسن منها.
النقطة الثانية: للإمكان أنواع وأقسام؛ كالإمكان العقلي والإمكان العُرفي والإمكان العادي، فإن لم تكن حادثةٌ معينةٌ ضمن الإمكان العقلي فإنها تُرَدّ، وإن لم تكن ضمن الإمكان العرفي فإنها تكون معجزةً، وليست مجرد كرامةٍ في الغالب، وإذا لم يكن لتلك الحادثة نظير في العُرف أو في القاعدة فلا تُقبَل إلا ببرهان قاطع في درجة الشهود؛ وبناء على هذا السرّ فإن الأحوال الخارقة للسيد أحمد البدوي الذي لم يأكل الطعام أربعين يومًا هي ضمن دائرة الإمكان العُرفي، وتكون كرامةً، وفي الوقت نفسه يمكن أن تكون عادة خارقة له.
أجل؛ تُروَى روايات بدرجة التواتر أن السيد أحمد البدوي كان في بعض الأحيان في حالات عجيبة وحالات استغراق، وقد أُثِرَ فعلا أنه ما كان قد أكل إلا مرة واحدة خلال أربعين يومًا، ولكن ليس دومًا، بل حدث ذلك بعض المرات من قبيل الكرامة، وهناك احتمال آخر وهو أنه في حالة الاستغراق كان لا يحتاج إلى الأكل؛ لذا أصبحت هذه عادةً بالنسبة له.
وقد رويت مثل هذه الوقائع الخارقة رواية موثوقة عن كثير من الأولياء من أمثال السيد أحمد البدوي.
89. صفحة
وبما أن الرزق المدّخَر يستمر أكثر من أربعين يومًا كما أثبتنا في "النقطة الأولى"، وأن عدم الأكل خلال هذه المدة ممكن عادةً، وأنه رويت تلك الحالات عن رجال أفذاذ رواية موثوقة؛ فيجب ألا يُنكَر هذا.
السؤال الثاني: سَتُبَيَّنُ مسألتان مهمتان بمناسبة هذا السؤال؛ لأن علم الجغرافيا وعلم الفلك لم يستطيعا أن يرقيا سماوات القرآن وأن يكشفا معاني سبع طبقات في نجوم الآيات بقوانينهما القاصرة ودساتيرهما الضيقة وموازينهما الصغيرة، فحَاوَلا انتقادَ الآيةِ بل حاولا إنكارها بجنون.
المسألة المهمة الأولى: حول كون الأرض سبع طبقات كالسماوات.
هذه المسألة تبدو غير ذات حقيقة لفلاسفة العصر الحديث، حيث إن علومهم المتعلقة بالأرض والسماوات لا تقبل ذلك، فيتخذون هذا ذريعة للاعتراض على بعض الحقائق الإيمانية، وسنكتب حول هذه القضية بضع إشارات مختصرة.
إحداها: أولا: إن معنى الآية شيء، وأفراد هذه المعاني ومدلولاتها شيء آخر، فإن غاب فرد واحد من الأفراد المتعددة لذلك المعنى الكلي فلا يُنكَر ذلك المعنى، ويظهر عيانًا سبعة أفراد تتطابق مع الأفراد الكثيرة للمعنى الكلي لطبقات السماوات السبع وطبقات الأرض السبع.
ثانيًا: لم تصرح الآية ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمٰوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (الطلاق:12) بأن الأرض سبع طبقات، بل يقول ظاهر الآية: إن الله خلق الأرض كتلك السماوات السبع، وجعلها مسكنًا لمخلوقاته، ولا يقول إنه خلقها سبع طبقات، أما الْمِثْلِيَّة فهي تشبيه من حيث كونها مخلوقة، ومسكنًا للمخلوقات.
ثانيتها: مهما كانت الكرة الأرضية صغيرة جدًّا بالنسبة للسماوات؛ فإنها تقابلها وتوازيها من حيث كونها معرضًا لما لا حَدّ له من المصنوعات الإلهية، وموضعَ ظهور لها، ومحشرَها ومركزَها؛ أي كما أن القلب يعدل الجسدَ؛ فالكرة الأرضيةُ كذلك كقلب ومركز معنوي بالنسبة للسماوات الضخمة غير المتناهية.
1- ثم إنها سبع قارّات، وهي القارات المعروفة باسم أوربا، وأفريقيا، وأستراليا، وآسيتين، وأمريكيتين.
90. صفحة
2- ثم إنها سبع قطع معروفة في هذا الوجه وفي الوجه الآخر للعالم الجديد، وهي الشرق والغرب والشمال والجنوب مع المحيطات الثلاثة.
3- ثم إنها سبع طبقات متنوعة ومتصل بعضها ببعض من المركز إلى القشر الظاهري، كما هو ثابت حكمةً وعلمًا.
4- ثم إنها تتضمن سبعين عنصرًا بسيطًا جزئيًّا صارت مدار حياة للأحياء، وتحتوي على سبعة أنواع كلية مشهورة من العناصر يطلق عليها سبع طبقات.
5- ثم إن فيها الطبقات السبع والعوالم السبعة لما يسمى بالعناصر الأربعة وهي الماء والهواء والنار والتراب، ولما يسمى بالمواليد الثلاثة وهي المعادن والنباتات والحيوانات.
6- ثم إن هناك عوالم طبقات الأرض السبع التي هي عالم ومسكن للجن والعفاريت ولسائر المخلوقات المختلفة ذات الشعور والوعي والحياة كما هو ثابت بشهادة أهل الكشف وأصحاب الشهود الكثيرين جدًّا.
7- ثم إنه فُهِم من آيات القرآن أن الكرة الأرضية سبعُ طبقات، وفيه إيماء وإشارة إلى أن هناك سبعَ كرات أخرى شبيهة بكرتنا الأرضية هي مقر ومسكن للأحياء، أي إلى وجود سبع طبقات أي سبع كرات أرضية.
فجميع هذه المعاني فُهِمت من آيات القرآن، إذن يتحقق وجود سبع طبقات للأرض بسبعة أنواع وسبع صور.
وهذا المعنى الثامن والأخير مهم من وجهة نظر أخرى، وهو ليس ضمن المعاني السبعة.
ثالثتها: بما أن الحكيم المطلق لا يُسرِف، ولا يخلق عبثًا، وبما أن المخلوقات أُوجِدت لذوي الوعي والإدراك، وبذوي الوعي والإدراك تَبلُغ الكمالَ، وبهم تُعمَّر، وبهم تنجو من العبث، وبما أن ذلكم الحكيم المطلق والقدير ذا الجلال يُعمِّر عنصر الهواء وعالم الماء وطبقة التراب بما لا حَدَّ له من الأحياء، وبما أن الهواء والماء لا يمنعان من تجوال الحيوانات فيهما، كما لا تمنع المواد الكثيفة كالتراب
91. صفحة
والحجر جريان الكهرباء والأشعة؛ فلابد أن ذلكم الحكيمَ ذا الكمال والصانعَ الذي لا يزول لا يترك الطبقاتِ السبعَ الكلية المتصل بعضها ببعض ولا الساحات والعوالم والمغارات الواسعة فيها خاليةً، بدءًا من مركز كرتنا الأرضية وانتهاء إلى هذا القشر الظاهري الذي هو مسكننا ومركزنا، ولاريب أنه عَمَّرَها، وخلق مخلوقاتٍ ذاتَ وعي وإدراك مناسبة وموافقة لإعمار تلك العوالم، وأسكنها فيها، وبما أنه يجب أن تكون تلك المخلوقات ذات الوعي والإدراك من أجناس الملائكة وأنواع الروحانيات؛ فلاشك أن أكثف الطبقات وأصلبها بالنسبة لها كالبحر بالنسبة للسمك والهواء بالنسبة للطير، حتى إنه يقتضي أن تكون النار الحامية الهائلة في مركز الأرض بالنسبة لتلك المخلوقات كحرارة الشمس بالنسبة لنا، فتلك الروحانيات ذات الوعي والإدراك خُلِقت من النور، فتكون النار كالنور لها.
رابعتها: لقد ذُكِر في "المكتوب الثامن عشر" مثال عن تصورّات أهل الكشف حول عجائب طبقات الأرض التي بيَّنوها بطريقة خارج نطاق العقل، وخلاصته هي:
إن الكرة الأرضية نواة في عالم الشهادة، أما في عالم المثال وعالم البرزخ فهي كشجرة ضخمة تعادل عظمتُها عظمة السماوات، فرؤية أهل الكشف طبقة الأرض الخاصة بالعفاريت في كرة الأرض بمسافة ألف سنة ليست في نواة الكرة الأرضية التي هي في عالم الشهادة، بل هي تجليات أغصانها وطبقاتها التي هي في عالم المثال، وبما أن طبقة لا أهمية لها ظاهرًا من طبقات الكرة الأرضية لها تجليات عظيمة مثل هذه في عالم آخر، فإنه يمكن القول بأنها سبع طبقات مقابل السماوات السبع.
فالآيات القرآنية تشير بإعجاز إلى النقاط المذكورة وتنبه عليها بإظهارها هذه الأرض الصغيرة جدًّا بإزاء طبقات السماوات السبع.
المسألة المهمة الثانية: إن آيات متعددة كهذه الآيات ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمٰوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ (الإسراء:44) و﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمٰوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:29) تبين أن السماوات سبع، ومن المناسب الآن عرض خلاصة هذه المسألة التي بيناها في غاية الإجمال في تفسير "إشارات
92. صفحة
الإعجاز" مضطرين إلى الاختصار في جبهة الحرب والقتال في السنة الأولى من الحرب العالمية الأولى كما يلي:
إن الفلسفة القديمة قد تصورت السماوات تسعًا، واعتبرت العرش والكرسي -اللذين هما في لسان الشرع- مع السماوات، فوصفت السماوات بوصف عجيب، وقد استولت العبارات المزيَّنة الطنّانة لفلاسفة عباقرة في الفلسفة القديمة لعصور طويلة على عقول البشر؛ حتى إن كثيرًا من أهل التفسير قد اضطروا إلى توفيق ظاهر الآيات مع مذهب أولئك، وبذلك أسدلوا ستارًا على إعجاز القرآن الحكيم إلى حدٍّ ما.
أما الفلسفة الجديدة التي يُطلَق عليها الحكمة الجديدة فقد فرّطت، وذهبت إلى ما يشبه إنكار وجود السماوات مقابل إفراط الفلسفة القديمة التي ترى السماوات غير قابلة للاختراق والالتئام، فقد أفرط الأولون وفرّط الآخِرون، ولم يستطيعوا أن يبينوا الحقيقة بيانًا واضحًا.
أما حكمة القرآن الحكيم القدسية فقد اختارت الحد الوسط تاركة الإفراط والتفريط، فهي تقول: إن الصانع ذا الجلال خلق السماوات السبع، والنجوم المتحركة تسبح في السماء كالأسماك وتسبِّح، وقد جاء في الحديث: "السماءُ مَوْجٌ مَكْفُوف([1])" أي إن السماء بحر استقرت أمواجه، وسنثبت هذه الحقيقة القرآنية بـ"سبع قواعد" وبـ"سبعة وجوه من المعاني" باختصار شديد:
القاعدة الأولى: إنه من الثابت علمًا وحكمةً أن فضاء العالم هذا الذي لا حد له ليس فراغًا غير متناه، بل ممتلئًا بمادة تسمى "الأثير".
القاعدة الثانية: إنه من الثابت علمًا وعقلا بل مشاهدةً، أن هناك مادة تملأ الفضاء هي رابطة لقوانين الأجرام العلوية؛ كقانون الجاذبية وقانون الدافعية، وناشرة لما في الموادّ من قوى؛ كالضياء والحرارة والكهرباء، وناقلة لها.
القاعدة الثالثة: إنه من الثابت بالتجربة أن مادة الأثير -مع بقائها أثيرًا- لها أشكال مختلفة، وصور متعددة كسائر المواد.
[1] انظر الترمذي 3220، وأحمد 8472، والطبراني في الأوسط 5819، ومسند الشاميين 2598، وأبا حاتم 12919.
93. صفحة
أجل؛ كما أن ثلاثة أنواع من الأشياء الهوائية والمائعة والجامدة كالبخار والماء والثلج تنشأ عن المادة نفسها؛ فكذلك لا مانع عقلا أن تنشأ سبعة أنواع من الطبقات من مادة الأثير، ولا يمكن أن يكون هذا مدارًا لأي اعتراض.
القاعدة الرابعة: إذا أُنعِم النظر في الأجرام العلوية فسيُرَى اختلاف في طبقاتها، فمثلا؛ إن الطبقة التي فيها الدائرة العظيمة بشكل السحاب التي تسمى درب التبانة لاشك أنها لا تشبه طبقة النجوم الثوابت، فكأن طبقة النجوم الثوابت قد نضجت وأينعت كثمار الصيف، أما النجوم غير المحدودة التي تشاهَد في شكل السحاب في درب التبانة فتخرج مجددًا وتأخذ في النضج، وطبقة الثوابت أيضًا تختلف عن طبقة المنظومة الشمسية كما هو مشاهَد بالحدس الصادق.
وهكذا يُدرَك بالحس والْحَدْس اختلافُ المنظومات السبع والطبقات السبع بعضها عن بعض.
القاعدة الخامسة: وقد ثبت حَدْسًا وحسًّا واستقراءً وتجربةً أنه إذا كان في مادة معينة تنظيم وتَشكُّلٌ، وصُنعت منها مصنوعات أخرى؛ فإنها تكون في أشكال وطبقات مختلفة، فمثلا: حينما يبدأ التشكُّل في معدن الألماس تتولد منه أنواع الرماد والفحم والألماس، و مثلا: حينما تبدأ النار تتشكل وتتكون تتميز إلى طبقة اللهب والدخان والجمر، ومثلا: إذا مُزِج مولد الماء بمولد الحموضة تتولد منهما طبقات الماء والثلج والبخار، فيتضح من هذا أنه إذا كان في مادة واحدة تشكّلٌ فإنها تنقسم إلى طبقات؛ إذن ولأن القدرة الفاطرة بدأت في التكوين والتشكيل في مادة الأثير، فلاشك أنه خلقت منها سبعة أنواع من السماوات كطبقات مختلفة بسر ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمٰوَاتٍ﴾.
القاعدة السادسة: إن هذه الأمارات المذكورة تدل بالضرورة على وجود السماوات وعلى تعددها، وبما أن السماوات متعددة قطعًا، ويقول المخبر الصادق بلسان القرآن المعجز البيان أنها سبع، إذن فهي سبع ولاشك.
94. صفحة
القاعدة السابعة: إن تعبير سبعة وسبعين وسبعمائة يفيد الكثرة في اللغة العربية، ومن ثم يمكن أن تكون لتلك الطبقات السبع الكلية طبقات كثيرة جدًّا.
الحاصل: إن القدير ذا الجلال خلق السماوات السبع من مادة الأثير وسوّاها، ونظّمها بنظام دقيق وعجيب إلى أبعد الحدود، وزرع النجوم ونثرها في تلك المادة الأثيرية، وبما أن القرآن المعجز البيان هو خطبة أزلية تخاطب جميع طبقات الإنس والجن؛ فلاشك أن كل طبقة من طبقات البشر ستأخذ حصتها من كل آية من آيات القرآن، وستكون للآيات القرآنية معانٍ متعددةٌ مختلفةٌ تشبع أفهام كل طبقة من الطبقات.
أجل؛ إن سعة الخطابات القرآنية، والسعة في معانيها وإشاراتها، ومراعاتها درجاتِ أفهام جميع الطبقات بدءًا من أدنى العوام وانتهاء إلى أخصّ الخواص، لتَدُلّ على أن كل آية لها وجه ناظر إلى كل طبقة، فبناء على هذا السرّ فَهمتْ سبعُ طبقات بشرية سبعَ طبقات مختلفة من المعاني في المعنى الكلي لـ"سبع سماوات" وذلك كما يلي:
1- تفهم الطبقة الإنسانية قاصرة النظر ضيقة الفكر من الآية ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمٰوَاتٍ﴾ طبقات هواء النسيم.
2- وطبقة بشر ثانية داخت رءوس أصحابها بسُكر علم الفلك تفهم النجوم ومداراتها المشهورة على ألسنة الأنام بالسيارات السبع.
3- وبعض الناس يفهمون أنها سبع كرات أخرى سماوية صارت مقرًّا للأحياء شبيهة بكرتنا الأرضية.
4- وطائفة رابعة من البشر تفهم منها أن المنظومة الشمسية انقسمت إلى سبع طبقات، وأن هناك سبعَ منظومات شمسية مع منظومتنا الشمسية تلك.
5- وطائفة خامسة من البشر تفهم أن تشكُّل مادة الأثير انقسم إلى سبع طبقات.
6- وطبقة سادسة أوسع فهمًا تعد جميع السماوات المشاهَدة المزينة بالنجوم سماءً واحدة، وترى أنها سماء هذه الدنيا، وتفهم أن هناك ستَّ طبقات أخرى للسماوات غير هذه.
95. صفحة
7- وهناك طبقة سابعة للبشر -وهي أعلى طوائفهم- لا ترى السماوات السبع منحصرةً في عالم الشهادة، بل تفهم أن هناك سبع سماوات هي ظرف جامع وسقف محيط بالعالم الأخروي والعالم الغيبـي والعالم الدنيوي والعالم المثالي.
وهكذا ففي كلية هذه الآية معانٍ جزئيةٌ أخرى كثيرةٌ جدًّا كهذه الطبقات السبع من المعاني التي فهمتها الطبقات السبع المذكورة، فكل واحد يأخذ حصته منها حسب فهمه، وكل واحد يجد رزقه في هذه المائدة السماوية.
وبما أن هذه الآية لها مدلولات صادقةٌ كثيرةٌ إلى هذا الحد؛ فإن هجوم الفلاسفة السخفاء الحمقى، وعلماء الفلك الهاذين الهاذرين على الآية بذريعة إنكار وجود السماوات يشبه رَمْيَ الأطفال الحمقى نجوم السماوات بالحجارة بقصد إسقاط نجم واحد؛ لأن مدلولا واحدًا من المعاني الكلية للآية إذا كان صادقًا فإن ذلك المعنى الكلي يكون صادقًا وحقًّا، بل حتى إن فردًا واحدًا منها غير موجود في الواقع ولكن متداوَل على ألسنة الجميع قد يكون داخلا في ذلك المعنى الكلي مراعاةً لأفكار الجميع، والواقع أننا رأينا كثيرًا من أفرادها الحقيقية الحقة.
فانظر الآن إلى علم الجغرافيا الظالم غير المنصف وعلم الفلك المتعسف الهاذي السكران، كيف أن هذين العلمين يخطئان بتعسف شديد، ويغمضان عيونهما عن المعنى الكلي الذي هو حق وحقيقة وصدق، ولا يريان المدلولات الصادقة جدًّا، ويتوهمان فردًا واحدًا عجيبًا خياليًّا أنه معنى الآية فيرميان الآية بالحجر، فكسرا رأسيهما بالحجارة التي رمياها، وبَخَّرا إيمانَهما.
الحاصل: لم تستطع أن ترقى الأفكار المادية الإلحادية -التي هي بمنزلة العفاريت والشياطين- إلى كل من طبقات سماء القرآن السبع النازل على القراءات السبع والوجوه السبعة والمعجزات السبع والحقائق السبع والأركان السبعة، ولم تستطع أن تعلم ما في نجوم الآية، لذا فهي تخبر أخبارًا مغشوشة مشوَّشة، فتنـزل على رأسها شهب من نجوم تلك الآيات كالتحقيقات المذكورة، فتحرقها.
96. صفحة
أجل؛ لا يمكن الصعود إلى السماوات القرآنية بفلسفة الفلاسفة ذوي الأفكار العفريتية الشيطانية، وإنما يمكن الصعود إلى نجوم الآيات بمعراج الحكمة الحقيقية، وبجناحي الإيمان والإسلام.
اللّهُمّ صَلّ عَلَى شَمْسِ سَمَاءِ الرِّسَالَةِ وَقَمَرِ فَلَكِ النّبُوّةِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ نُجُومِ الْهُدَى لِمَنِ اهْتَدَى
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ


