اللمعة الثانية والعشرون

237. صفحة

 

اللمعة الثانية والعشرون

الإشارات الثلاث

كانت هذه الرسالة "المسألة الثالثة" لـ"المذكرة السابعة عشرة" من "اللمعة السابعة عشرة"، إلا أنها صارت "اللمعة الثانية والعشرين" من "المكتوب الحادي والثلاثين" ودخلت ضمن "اللمعات" بناء على شدة وشمول أسئلتها، وقوة أجوبتها وسطوعها، فعلى اللمعات أن تفسح لها مكانًا بينها.

هذه الرسالة سِرِّية وخاصة لأخص إخواني المخلصين الصادقين.

 

باسمه سبحانه

أقدم هذه الرسالة الصغيرة إلى محافظ إسبارطة العادل، وإلى دار القضاء ورجال الأمن فيها، لعلاقتها بأهالي إسبارطة وحكومتها، وهي رسالة سرية للغاية، كتبتها في قرية بارلا من قرى إسبارطة قبل اثنتين وعشرين سنة إلى أخص إخواني وأخلصهم، فلتُكتب بالآلة الكاتبة عدة نسخ بالحروف الجديدة أو القديمة([1]) إذا عُلِمَ أنها جديرة بذلك، كي يعرف الذين يفتشون عن أسراري ويترصدونها منذ خمس وعشرين أو ثلاثين سنة أنْ ليس لدينا أي سرّ مخفي، وليعلموا أن أخفى أسرارنا هو هذه الرسالة.

 


[1]  الحروف الجديدة: هي الحروف اللاتينية، والقديمة:هي الحروف القرآنية (الأبجدية العربية).

 



238. صفحة

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق:3)

هذه المسألة عبارة عن "ثلاث إشارات".

الإشارة الأولى: سؤال مهم يخصني أنا بالذات ويخص رسائل النور، فيسأل كثير من الناس: إنك لا تتدخل في دنيا أهل الدنيا وشئونهم، فلِمَ يتدخل هؤلاء في آخرتك كلما سنحت لهم فرصة؟ مع أن قانون أية حكومة لا يتدخل في شئون تاركي الدنيا والمنزوين؟

الجواب: إن جواب سعيد الجديد على هذا السؤال هو السكوت، فهو يقول: ليُجِب القَدَرُ الإلهي عني، غير أن رأس سعيد القديم الذي استعارهسعيد الجديد منه أمانة بالاضطرار يقول: إن الذي ينبغي أن يجيب على هذا السؤال هو حكومة إسبارطة وأهالي هذه المحافظة؛ لأن هذه الحكومة وهؤلاء الأهالي أكثر علاقة مني بالمعنى الذي يتضمنه هذا السؤال، وبما أن هذه الحكومة التي يبلغ أفرادها الآلاف، وهؤلاءِ الأهالي الذين يبلغون مئات الآلاف مضطرون إلى التفكير في هذا الأمر بدلا مني والدفاع عني؛ فَلِمَ أتحدثُ أنا مع المدعين بغير ضرورة وأدافع عن نفسي؟! ذلك لأني في هذه المحافظة منذ تسع سنوات، وكلما مر زمن أعرضت عن دنياهم أكثر من كل مرة، ولم تبق حال من أحوالي خافية أو مستورة، بل إن أكثر رسائلي سرية وأخصها صارت متداولة بين أفراد الحكومة وبعض النواب، فلو كانت لي محاولة تُقلِق أهل الدنيا وتخيفهم وتزعجهم أو محاولة وتفكير لإفساد دنياهم وإخلال نظامها لتعرضوا لي بسوء، ولَمَا سَكَتُوا عني على الرغم من مراقبة هذه الحكومة وحكومات النواحي التابعة لها لي، وتجسسهم عليَّ خلال تسع سنوات، على الرغم من أنني كنت أبين بلا حذر وخوف كل أسراري لمن يأتونني.

وإن كان لي خطأ يضر بسعادة الشعب والوطن، ويضر بمستقبله خلال تسع سنوات فليتحمل مسئوليته جميع موظفي الحكومة بدءًا من المحافظ وانتهاء إلى 

239. صفحة

ضابط المخفر في القرية، فعليهم جميعًا أن يجعلوا القبةَ حبةً فيدافعوا عني كي ينقذوا أنفسهم من هذه المسئولية تجاه من يجعلون الحبةَ قبةً([1]) في حقي، إذن فأنا أحيل إليهم جواب هذا السؤال.

أما ما يُوجِبُ على أهالي هذه المحافظة الدفاعَ عني أكثر من دفاعي عن نفسي؛ فهو أننا منذ تسع سنوات نسعى بمئات الرسائل التي أظهرت تأثيرها ومفعولها فعلا ومادة في تحقيق الحياة الأبدية لهذا الشعب الشقيق الصديق المبارك الميمون، وإلى تقوية إيمانه وسعادة حياته، ولم يصب أي أحد بأي مشكل وضيق وضرر بسبب هذه الرسائل، ولم يُرَ عليها أي أثر أو علامة يفوح منها رائحة السياسة المغرضة والدنيوية، وإن هذه المحافظة نالت ولله الحمد بواسطة رسائل النور مقامًا مباركًا من حيث القوة الإيمانية والصلابة الدينية مثلما نال الشام الشريف البركة في الماضي، وحازه الجامع الأزهر في مصر الذي هو مدرسة لجميع العالم الإسلامي، وتغلبت فيها قوة الإيمان على الإهمال واللامبالاة، وشوقُ العبادة على السفاهة، وكسبت هذه المحافظة بواسطة رسائل النور مزية التمسك بالدين أكثر من جميع المحافظات الأخرى، ومن أجل كل ذلك فإن على أهالي هذه المحافظة جميعًا الدفاع عني وعن رسائل النور؛ حتى لو كان بينهم ملحدون افتراضًا.

ولا يسوقني حقي الجزئي -ضمن حقوق دفاع هؤلاء المهمة جدًّا- الذي لا أهمية له إلى الدفاع عن نفسي في الوقت الذي عمل آلاف من التلاميذ وما زالوا يعملون ولله الحمد بدلا من رجل عاجز مثلي أنهى وظيفته، فمن كان له آلاف من المحامين هكذا لا يدافع عن دعواه بنفسه.

الإشارة الثانية: جواب على سؤال انتقادي.

يقول أهل الدنيا: لم أعرضت عنا وهجرتنا، ولَمْ تُرَاجِعْنَا مرة واحدة؟ بل آثرت السكوت، ثم تشكو منا بشدة، وتقول إنكم تظلمونني؟! ولكنا أصحاب مبدأ، ولنا دساتير خاصة حسب مقتضيات هذا العصر، فأنت لا تقبل تطبيق هذه

[1]  يجعل الحبةَ قبَّةً: أي يضخِّم الأمر البسيط.

 



240. صفحة

الدساتير عليك، فالذي يطبق القانون لا يكون ظالمًا، والذي يرفضه يكون عاصيًا، فمثلا: في عصر الحرية هذا وفي عهد الجمهوريات الذي بدأنا به مؤخَّرًا صار رفع الاستبداد والتسلط وفق أساس المساواة دستورًا من دساتيرنا، ولكنك جذبت الأنظار إليك مكتسبًا التوجه العام تارة بصورة العالمِ وتارةً بصورة الشيخ، وتارةً أخرى بصورة الزاهد، فيتبين من حالك الظاهر وأحوال حياتك في الماضي أنك تحاول كسب قوة ومقام اجتماعي خارج نفوذ الحكومة، وهذا قد يبدو مقبولا في التسلط الاستبدادي للبرجوازيين([1]) بالتعبير الحديث، ولكنا نقبل بدساتير الاشتراكية؛ إذ دساتير الاشتراكية والشيوعية التي ظهرت نتيجة انتباه طبقة العوام وتغلبهم هي أكثر نفعًا لنا، بيد أن حالك هذه تزعجنا وتثقل علينا، وتخالف مبادئنا، لذا فلا يحق لك أن تستاء منا وتشتكي من مضايقاتنا لك.

الجواب: إن الذي سن سنة وشق طريقا جديدا في حياة البشر الاجتماعية لن ينجح في الأمور الخيرة ما لم تكن حركته منسجمة مع قانون الفطرة الذي في الكون، وإلا فسوف تكون جميع حركاته وسلوكه لحساب الشر والهدم.

وبما أن هناك ضرورةً للالتزام بقانون الفطرة، فلا يمكن تطبيق قانون المساواة إلا بتغيير الفطرة البشرية ورفع الحكمة الأساسية من خلق البشر.

أجل؛ أنا أيضا من طبقة العوام من حيث النَّسب والمعيشة، وممن يقبلون بمبدأ مساواة الحقوق مسلكًا وفكرًا، وممن عملوا منذ زمن بعيد بدافع الشفقة وسر العدالة النابع من الإسلام لمعارضة استبداد وتحكم طبقة الخواص التي تسمى البرجوازية؛ لذا فأنا مع العدالة التامة بكل قوتي، وضد الظلم والهيمنة والتحكم والاستبداد.

غير أن فطرة البشر وسر حكمة خلقه منافيان لقانون المساواة المطلقة؛ إذ كما أن الفاطر الحكيم ينشئ من شيء قليل محاصيل كثيرة، ويكتب كتبًا كثيرة في صحيفة واحدة، ويجعل شيئا واحدا يؤدي وظائف كثيرة، فيسوق كذلك نوعَ البشر إلى أداء وظائف آلاف الأنواع من أجل إظهار كمال قدرته وحكمته.


[1]  البرجوازية: طبقة الأثرياء المترفين.

 



241. صفحة

فبناء على هذا السر العظيم قد خلق الله سبحانه نوع الإنسان على فطرة قابلة لتسنبل آلاف الأنواع منه، ولإظهار طبقات بعدد أنواع سائر الحيوانات التي تبلغ الآلاف، ولم يُوضَع حدٌّ لقوى الإنسان ولطائفه ومشاعره مثلما وُضِعَ للحيوانات، بل أُطْلِقَتْ، وقد وهبَ الله تعالى الإنسان استعدادًا يمكنه من التجوال فيما لا حدَّ له من المقامات، فأصبح بمنزلة آلاف الأنواع، في حين أنه نوع واحد؛ لذا فقد صار الإنسان خليفة الأرض، ونتيجة الكائنات، وسلطان الأحياء.

إذن فأهم خميرة لتنوع نوع البشر وأهم نابض يحركه هو السباق إلى الفضيلة مع الإيمان التحقيقي، ورفع الفضيلة لا يمكن إلا بتبديل ماهية البشر، وإخماد العقل، وإماتة القلب، وإفناء الروح.

أجل؛ إن هذا الكلام المحكم لرجل عظيم والذي يقول: "لا يمكن إزالة الحرية بالظلم والاستبداد، فحاول أن ترفع الإدراك إن استطعت من البشر" كان جديرًا بأن يضرب به على الوجه الظالم لهذا العصر الذي يحمل استبدادًا رهيبًا شديدًا تحت ستار الحرية، إلا أنه ضَرَبَ خطأً على وجه رجل مهم جدًّا لم يكن يستحق تلك الصفعة، وأنا أقول بدلا من ذلك الكلام لأضرب به وجه هذا العصر:

"هل يمكن إزالة الحقيقة بالظلم والاستبداد؟!

حاول أن تزيل القلب إن كنت تستطيع من الإنسان".

أو: " هل يمكن إزالة الفضيلة بالظلم والاستبداد؟!

حاول أن تزيل الضمير من الإنسان".

أجل؛ إن الفضيلة مع الإيمان كما أنها ليست سببا للتسلط والتحكم؛ فلا يمكن أن تكون سببًا للاستبداد أيضًا، فالتحكم والتسلط رذيلة، وخاصة أن أهم مسلك لأهل الفضيلة هو الاختلاط بالحياة الاجتماعية للبشر بالعجز والفقر والتواضع، فلقد مضت حياتنا ولله الحمد على هذا الطريق، وما زالت تمضي وتسير.

أنا لا أدعي مفتخرًا أنني صاحب فضيلة، ولكني أقول بنية الشكر وتحدثًا بالنعم الإلهية عليَّ: لقد أنعم الله تعالى عليَّ بفضله وكرمه بفضيلة العمل وخدمة 

242. صفحة

العلوم الإيمانية والقرآنية وفهمها، ولله الحمد فقد بذلت هذه النعمة الإلهية في جميع حياتي لمصلحة هذه الأمة الإسلامية وسعادتها بتوفيق الله تعالى، ولم تكن وسيلة تَحَكُّمٍ أو تسلط على الآخرين أبدًا، كما أني أنفر مما يطلبه أكثر أهل الغفلة من توجه الناس وحسن قبول الخلق بناءً على سرٍّ مهم، وأفر منهما، وأراهما مُضِرَّيْنِ؛ لأنهما قد ضَيّعا عليَّ عشرين سنة من حياتي القديمة، غير أني أعتقد أنهما أمارة على إعجاب الناس بـ"رسائل النور"، فلا أُسخِطهم ولا أبعدهم.

فيا أهل الدنيا!

أنا لا أتدخل في دنياكم مطلقًا، وليست لي علاقة أو صلة بمبادئكم بأي وجه من الوجوه، وليست لي أية نية أو رغبة في التدخل في الدنيا مرةً أخرى بشهادة حياتي هذه في الأَسْرِ منذ تسع سنوات، فبأي قانون يحدث تجاهي وضدي هذا الحد من المضايقات والترصدات والمراقبة كأنني مستبد قديم، وكمن يتحين الفرص دومًا ويحمل فكر الاستبداد والتحكم؟ ولأية مصلحة يتم كل ذلك؟

وكل هذه المعاملات القاسية السيئة تجاهي لا أسخط منها أنا فحسب، بل لو عرفها كل البشر لسخطوا، بل لسخط الكون كله، مع أن أية حكومة في العالم لا تسمح بمعاملة خارج القانون مثل هذه التي لا يستسيغها ولا يصوبها أي فرد!

الإشارة الثالثة: سؤال جنوني فيه مغلطة:

يقول بعض أهل الحُكم: بما أنك تقيم في هذا البلد، فيجب عليك الانقياد للقوانين الجمهورية لهذا البلد، فلم تُفلِت نفسك من تلك القوانين تحت ستار العزلة والانزواء؟ وبالجملة تقلد نفسك مزية وفضيلة، وتتحكم بها في بعض الناس، وتُجري نفوذك خارج الوظيفة في قانون الحكومة الحالية، فشأنك هذا منافٍ لدستور من دساتير الجمهورية التي تعتمد على أساس المساواة، فلِمَ تسوق الناس إلى تقبيل يدك مع أنه ليست لك وظيفة، وتتقمص زي الأناني المعجب بنفسه كي يستمع الناس إلى كلامك؟

243. صفحة

الجواب: إن على منفذي القانون أن يطبقوه على أنفسهم أولا، ثم يمكنهم تطبيقه على الآخرين، فأنتم تُخِلّون بقانونكم قبل أي أحد؛ إذ تطبقونه على الآخرين من دون أن تطبقوه على أنفسكم، وتخالفونه وتعارضونه، لأنكم تريدون أن تطبقوا عليَّ قانون المساواة المطلقة هذا.

وأنا أقول: حينما يرتقي الجندي العادي المقامَ الاجتماعي للمشير، ويشترك في احترام الناس وإقبالهم تجاه المشير، ويكسب مثله هذا الاحترام والإقبال، أو إذا أصبح المشير مثل جندي عادي، وتقمص أحوال ذلك الجندي البسيطة، ولم تبق له أية أهمية خارج وظيفته.. أو إن جنرالا عبقريًّا أحرز النصر لجيشه وأصبح وسيلة لانتصاره إذا تساوى مع أغبى جندي في إقبال الناس وتوجههم واحترامهم ومحبتهم؛ فيمكنكم عندئذ أن تقولوا لي حسب قانونكم قانون المساواة هذا: لا تُسَمِّ نفسك عالما، وارفض الاحترام والتوقير، وأنكر فضيلتك، واخدم خادمك، وصادِق المتسولين.

فإن قلتم: إن هذا الاحترام والمقام والإقبال والتوجه خاص بوقت أداء الوظيفة والقيام بها، وخاص بالموظفين، وأنت رجل بلا وظيفة، فلا يمكنك أن تقبل احترام الناس كالموظفين!

فالجواب: لو كان الإنسان عبارةً عن جسد فحسب، ويبقى في الدنيا خالدًا دون أن يموت، وأُغلِق باب القبر، وقُتِل الموت؛ لبقيت تلك الوظيفة عندئذ خاصةً بموظفي الجيش والإدارة والحكم، ولكان لقولكم معنى، ولكن بما أن الإنسان ليس مجرد جسد، ولا يُنزع القلب واللسان والعقل والدماغ لتغذية الجسد وإطعامه، ولا يمكن إفناء هذه الأعضاء، بل هي تتطلب الاهتمام والرعاية، وبما أن باب القبر لا يُغلَق، وبما أن أهم وأعظم قضية لكل فرد هي القلق على المستقبل الذي وراء القبر؛ فلاشك أن الوظائف التي تعتمد على طاعة أفراد الأمة واحترامهم لا تنحصر في الوظائف الاجتماعية والسياسية والعسكرية الخاصة بحياة الأمة الدنيوية فحسب.

244. صفحة

أجل؛ كما أن منح الوثيقة والتذاكر للمسافرين للسياحة والسفر وظيفةٌ؛ كذلك فمنح الوثيقة والنور في ذلك الطريق المظلم للمسافرين نحو الأبد وظيفةٌ لا تعدلها أية وظيفة، وليست هناك أية قيمة تساويها، وإنكار مثل هذه الوظيفة لا يمكن إلا بإنكار الموت وتكذيب وإنكار شهادة ثلاثين ألف شاهد([1]) يصدقون بأختام جنائزهم دعوى "الموت حقٌّ".

وبما أن هناك وظائفَ معنويةً تعتمد على الحاجات المعنوية الضرورية، وأن أعظم هذه الوظائف هو الإيمان ودروس الإيمان وتقوية الإيمان الذي هو جواز سفر للرحلة في طريق الأبد، ومصباح للقلب في ظلمات البرزخ، ومفتاح للسعادة الأبدية؛ فلاريب أن أهل المعرفة الذين يقومون بهذه الوظيفة لن يَعُدُّوا النعمة الإلهية والفضيلة الإيمانية عديمة القيمة كفرانًا بها، ولن يَسقطوا إلى درك السفهاء والفاسقين، ولن يلوثوا أنفسهم ببدع السافلين وسفاهتهم.

فهذا هو السبب في الانزواء والعزلة التي لا تعجبكم وتظنون أنها منافية للمساواة، فأنا لا أخاطب المتكبرين الأنانيين المتعدين حدودهم لدرجة الفرعونية في مخالفة قانون المساواة والإخلال به من أمثالكم الذين تضايقونني بتعذيبكم إياي، فلا ينبغي التواضع أمام هؤلاء؛ إذ التواضع أمام المتكبرين يعد تذللا ومهانة، بل أقول لأهل الإنصاف والمتواضعين والعادلين منكم: إنني ولله الحمد أعرف قصوري وعجزي، وأرى تقصيراتي التي لا تعد، وأنني لست شيئاً، فأجد السلوان بالاستغفار، وأَنَّى لي أَنْ أطلبَ مقامًا للاحترام فوق المسلمين بالتكبر والاستعلاء، فأنا أطلب من الناس الدعاء لا الاحترام والتوقير، وأعتقد أن سلوكي هذا يعرفه جميع أصدقائي، إلا أنني في أثناء خدمة القرآن الحكيم وفي أثناء إلقاء دروس الحقائق الإيمانية أحافظ على عزة العلم ووقاره الذي يقتضيه ذلك المقام، وذلك لحساب تلك الحقائق وشرف القرآن الكريم وعزته، وأتقمص لباس العزة مؤقتًا لكيلا أحني رقبتي لأهل الضلالة، وأعتقد أنه ليس من حق قوانين أهل الدنيا التدخل في هذه المسائل.


[1]  كان معدّل الموت اليومي يشير إلى هذا الرقم في ثلاثينيات القرن الماضي حينما ألف الأستاذ النورسي هذه الرسالة. (المترجم)

 



245. صفحة

طريقة تعامل تستوجب الحيرة:

من المعلوم أن أهل المعرفة في كل مكان يَزِنُونَ الأمور بميزان العلم والمعرفة، فحيثما وجدوا المعرفة والعلم أو رأوهما عند أي أحد شعروا تجاهه بصداقة وتوقير من أجل هذا القاسم المشترك بينهم، بل حتى لو جاء أستاذ عالم من بلدٍ عَدُوٍّ لهذا البلد لزاره أهل المعرفة إجلالا لعلمه ومعرفته، واحترموه.

ولكن الحال أنه حينما طلب أعلى مجلس علمي للإنجليز الإجابة على ستة أسئلة بستمائة كلمة من المشيخة الإسلامية، فأجاب أحد أهل المعرفة على تلك الأسئلة الستة بست كلمات إجابةً نالت التقدير والثناء؛ لم يُحْتَرَمْ هذا المجيب في هذا البلد من قبل أهل المعرفة أنفسهم.

وهو الذي انتصر على أهم دستور من دساتير الأجانب وأعظمها عند الفلاسفة بعلم حقيقي ومعرفة حقيقية، وهو الذي تحدى فلاسفة أوربا مستندًا إلى ما تلقى من القرآن الكريم من قوة ومعرفة وعلم، وهو الذي دعا -قبل ستة أشهر من إعلان الحرية- العلماءَ وأهلَ المدارس الحديثة في إسطنبول إلى المناظرة، وأجاب على أسئلتهم إجابة صحيحة بلا نقصان ومن غير أن يسأل أحدَهم أي سؤال، وهو الذي وقف جميع حياته لسعادة هذه الأمة، ونشر مئات الرسائل بلغتهم اللغة التركية ونورهم بها([1]).

فأهل المعرفة الذين آذوا هذا الرجل الذي قام بهذه الأعمال، والذي هو من أبناء وطنهم، وأخ لهم في الدين، وصديق وشقيق لهم، والذين جرّعوه المِحن والعنتَ وعادَوْه بل أساءوا إليه أكثر وأشد من غيرهم؛ هم بعضُ من ينتسبون إلى المعرفة والعلم، وبعضٌ من الشيوخ والعلماء الرسميين.

فقل لي بربك، بم تسمي هذه الحالة؟!

أهي حضارة وتمدن؟! أم محبة للعلم والمعرفة؟! أم حمية وطنية؟! أم حمية قومية؟! أم محبة للنظام الجمهوري؟! كلا، ثم كلا، لا شيء! بل هي قَدَرٌ إلهي

[1]  يقول سعيد الجديد: إنني لا أشارك في هذا المقام سعيدًا القديم في أقواله هذه التي قالها متفاخرًا، ولا أستطيع أن أسكته؛ لأني تركت له الحديث في هذه الرسالة، فألزمُ السكوتَ حتى يُظهِر شيئًا من أنانيته للأنانيين.

 



246. صفحة

كشف لهذا الرجل -الذي هو من أهل المعرفة- العداوةَ ممن كان يأمل الصداقة منهم، حتى لا يقع في الرياء العلمي من جراء ما كان سيلاقي من احترام وتوقير، وليظفر بالإخلاص.

 

خاتمة

هجوم محير يوجب الشكر في رأيي

إن أهل الدنيا الأنانيين أنانيةً عجيبةً عندهم إحساس شديد في أمر الأنانية؛ إذ لو كانت عن وعي لكانت في درجة الكرامة، أو لكانت سلوكًا في درجة العبقرية الكبيرة، وهذا الأمر هو:

أنهم بميزان الحساسية لأنانيتهم يشعرون ويحسون بما لا تشعر به نفسي وعقلي من حالة أنانية فيّ مع شيء من الرياء، ويقفون ضدي بشدة أنانيتي التي لا أشعر ولا أحسّ بها، فلي ثماني أو تسع تجارب خلال ثماني أو تسع سنوات؛ إذ أفكر في القدر الإلهي بعد معاملاتهم الظالمة لي، وأقول: لم سُلِّطَ عليَّ هؤلاء؟ فأبحث عن دسائس نفسي، وأدرك في كل مرة أن نفسي إما قد مالت إلى الأنانية ميلا فطريًّا بلا وعي أو شعور منها، وإما غرّتني وخدعتني على علم منها، وكنت أقول حينئذ إن القدر الإلهي قد عَدَلَ في حقي بظلم أولئك الظالمين.

فمثلا: لقد أركبني أصدقائي فرسًا جميلا في هذا الصيف، فخرجنا إلى التجوال والنزهة، فهبّت في نفسي رغبة في لذة بغرور من غير شعور، فإذا بأهل الدنيا يتصدون بشدة لرغبتي هذه، حتى قطعوا -ليس تلك الرغبة الخفية فحسب- بل كثيرًا من رغباتي أيضًا.

حتى في هذه الْمَرَّة بعد رمضان الشريف رَغِبَتْ نفسي ضمنَ تقوى إخواني وإخلاصهم وضمن احترام الزائرين وحسن ظنهم بي في حالة غرور وأنانية مشوبة برياء من دون شعور مني مفتخرةً متسترة تحت ستار الشكر والامتنان بعد ثناء إمام عظيم في المعنويات من القدماء علينا بكرامته الغيبية، فإذا بأهل الدنيا يتعرضون

247. صفحة

لي بحساسيتهم الشديدة، كأنهم أحسّوا بذرات الرياء، فشكرت الله تعالى أن صار ظلم هؤلاء وسيلة إخلاص لي.

 

﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ { وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ (المؤمنون:97-98)

 

اللَّهُمَّ يَا حَافِظُ يَا حَفِيظُ يَا خَيْرَ الْحَافِظِينَ،

احْفَظْنِي وَاحْفَظْ رُفَقَائِي مِنْ شَرِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطاَنِ وَمِنْ شَرِّ الْجِنِّ وَالإِنْسَانِ وَمِنْ شَرِّ أَهْلِ الضَّلاَلَةِ وأَهْلِ الطُّغْيَانِ،

آمين، آمين، آمين.

 

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ