اللمعة التاسعة
التنقل
45. صفحة
اللمعة التاسعة
لا يستطيع كل أحد أن يرى الأخطاء الدقيقة لوحدة الوجود وليس محتاجًا إليها؛ لذا فلا يقرأْ هذه اللمعة.
باسمه
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي العزيز الصِّدِّيق المخلص الخالص،
إن سبب عدم كتابتي رسالة مستقلة إلى أخينا عبد المجيد هو أني رأيت الرسائل التي كتبتها إليكم كافيةً.
إن عبد المجيد هو أخي وتلميذي العزيز بعد خلوصي، ويكون حاضرا باسمه في دعائي كل صباح ومساء مع خلوصي، وأحيانًا قبله، وكذلك الرسائل التي أكتبها إليكم يستفيد منها أولا صبري ثم حقي أفندي؛ لذا لا أكتب إليهما رسائل مستقلة، وقد جعلك الله سبحانه أخًا كبيرًا مباركًا لهما، فتواصل مع عبد المجيد بدلا مني، فلا يقلقن، فأنا أفكر فيه بعد خلوصي، ولكنه لا يوفي حقوق التلمذة حق الإيفاء فلا أتواصل معه مباشرة.
سؤالك الأول: وهو سؤال خاص عن توقيع أحد أجدادكم باسم "السيد محمد"([1]).
أخي، لا أملك الإجابة عن هذا السؤال بالعلم والتحقيق والكشف، ولكني كنت أقول لأصدقائي: إن خلوصي لا يشبه الأتراك ولا الأكراد الحاليين، أنا
[1] أي إنه من نسل الرسول صلى الله عليه وسلم.
46. صفحة
أرى فيه خاصية أخرى، وكان أصدقائي يصدقونني، وتظهر عليه الأصالة والنبالة والإحسان الإلهي حسب سر "دَادِ حَقْ رَا قَابِلِيّتْ شَرْطْ نِيسْتْ"([1]).
واعلم يقينًا أن الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- له نوعان من الآل:
أحدهما: آله النَّسَبِي.
والآخر: آل شخصه المعنوي النوراني من حيث الرسالة.
فأنت داخل قطعًا في الآل الثاني، ولدي قناعة بلا دليل بأنك داخل في الآل الأول؛ حيث إن توقيع جدك ليس من دون سبب.
خلاصة سؤالك الثاني:
أخي العزيز، لقد قال محيي الدين بن عربي: "إن مخلوقية الروح عبارة عن انكشافها"، فأنت بهذا السؤال تضطرني أنا الضعيف المسكين إلى مبارزة خارقة الحقيقة المذهل، وعبقري علم الأسرار محيي الدين بن عربي، ولكن بما أني سأخوض في الموضوع استنادًا إلى نصوص القرآن الحكيم، فإني أستطيع أن أحلِّق أعلى من ذلك الصقر وإن كنت ذبابة.
اعلم أن محيي الدين لا يخدع، ولكنه ينخدع، فهو مهتد ولكنه لا يستطيع أن يكون هاديًا في جميع كتبه، فما شاهَدَه صدق وصواب، ولكن ليس هو الحقيقة، وقد وُضّحت تلك الحقيقة التي هي مدار سؤالك في مبحث الروح في "الكلمة التاسعة والعشرين".
أجل؛ إن الروح قانون أمري من حيث ماهيتها، فهي ناموس ذو حياة أُلبِس وجودًا خارجيًّا، وهي قانون ذو وجود خارجي، فالشيخ محيي الدين أَعْمَلَ فكره في الروح من حيث ماهيتها فحسب، ويرى وجود الأشياء خيالا حسب مَشرَب وحدة الوجود.
وحيث إن الشيخ بكشفياته ومشاهداته الخارقة صاحبُ مشربٍ مهم، وقد اختار مسلكًا مستقلا؛ فإنه يطبق بالاضطرار وبتأويلات ضعيفة وتكلفٍ بعضَ الآيات على مشربه ومشهوداته، فيجرح صراحةَ الآيات.
[1] عبارة فارسية، بمعنى أن القابلية ليست شرطًا للإحسان والإكرام الإلهي.
47. صفحة
لقد بَينّا في رسائل أخرى جادَّةَ القرآن المستقيمة، ومنهاج أهل السنة القويم.
والشيخ ابن عربي له مقام خاص به، فهو من المقبولين، ولكنه تجاوز الحدود في كشفياته غير المنضبطة، وخالف جمهور المحققين في كثير من المسائل، فمن أجل هذا السر تكاد تنحصر طريقته الخاصة به في "صدر الدين القُونَوِي"([1]) لمدة قصيرة جدًّا، مع أنه قطب عال خارق جدًّا، وفريد دهره، ولا تكون الاستفادة من آثاره استفادة مستقيمة إلا نادرًا، حتى إن كثيرًا من المحققين الأصفياء لا يوصون بقراءة آثاره القيمة، بل إن بعضهم يمنعونها.
إن بيان الفرق الأساسي بين مشرب الشيخ محيي الدين وبين مشرب أهل التحقيق، وبيانَ مصادرهما يحتاج إلى بحوث طويلة جدًّا وأنظار عالية واسعة جدًّا، نعم؛ إن الفرق دقيق وعميق، والمصدر عالٍ وواسعٌ إلى حد لم يؤاخذ معه الشيخ محيي الدين على أخطائه، بل ظل مقبولا.
وإلا فلو كان ذلك الفرق وذلك المصدر ظاهرين علمًا وفكرًا وكشفًا لكان ذلك سقوطًا كبيرًا، وخطأ ثقيلا جدًّا منه.
وبما أن الفرق عميق إلى هذا الحد؛ فإننا سنحاول أن نبين ذلك الفرق والمصدر، وخطأَ الشيخ محيي الدين في تلك المسألة، بمثال كما يلي:
مثلا: تتجلى الشمس في مرآة، وهذه المرآة ظرف للشمس وفي الوقت نفسه موصوف لها، أي إن الشمس توجد في المرآة من ناحية، ومن ناحية أخرى تزينها وتكون صبغة وصِفَة لامعة لها، وإن كانت تلك المرآة مرآةَ آلةِ التصوير فستنقل صورةَ الشمس على الورقة بصورة ثابتة، وفي هذه الحالة فإن الشمس التي تظهر في المرآة وماهيتها الظاهرة على ورقة آلة التصوير هي غير الشمس الحقيقية من حيث تزيينها المرآةَ، وكونها صارت صفة لها، وليست شمسًا، بل هي دخول تجلي الشمس في جسم آخر.
[1] هو محمد بن إسحاق بن محمد بن يوسف بن علي القونوي الرومي صدر الدين (توفي 673هـ) صوفي، من كبار تلاميذ الشيخ محيي الدين بن العربي وربيبه، وكان شافعي المذهب، وبينه وبين نصير الدين الطوسي مكاتبات في بعض المسائل الحكمية.
48. صفحة
أما الشمس التي تظهر في المرآة فهي وإن لم تكن عين الشمس التي تشاهَد في الخارج فإنها ظُنّت الشمس نفسها بسبب ارتباطها بها وإشارتها إليها.
فبناء على هذا المثال يمكن القول بأنه لا شيء في المرآة غير الشمس الحقيقية باعتبار المرآة ظرفًا لها، وبقصد الوجود الخارجي للشمس التي فيها، ولكن إذا قيل عن عكسها المنبسط الذي صار صفةً للمرآة وعن صورتِها التي انتقلت إلى ورقة آلة التصوير أنها الشمس فهذا خطأٌ، والقول بأنه ليس فيهما شيء غير الشمس خطأ؛ لأن في وجه المرآة اللامع عكسًا، ووراء ورقة آلة التصوير صورةً، ولكل واحدة منهما وجود خاص مستقل، فمع أن هذين الوجودين هما من تجليات الشمس فإنهما ليسا الشمس ذاتها، فذهن الإنسان وخياله يشبهان مثال المرآة هذا، وذلك: أن المعلومات التي في مرآة فكر الإنسان لها وجهان، فهي من وجه علمٌ، ومن وجه آخر معلوم، فإن جعلنا الذهن ظرفًا لذلك المعلوم فسيكون هذا المعلوم عندئذ معلومًا موجودًا ذهنيًّا، أما جسم ذلك المعلوم فشيء آخر، وإن اعتبرنا الذهن موصوفًا بحصول ذلك الشيء فأصبح صفةً للذهن، ويكون ذلك الشيء عندئذ علمًا، وله وجود خارجي، حتى لو كان لذلك المعلوم وجودًا وجوهرًا؛ فسيكون له وجود خارجي عرضيّ مثل هذا.
فالكون حسب هذين المثالين مرآة، وماهية كل موجود هي الأخرى مرآة، ويتجلى عليهما الإيجاد الإلهي بالقدرة الأزلية، وكل موجود هو -من ناحية- مرآةٌ لاسم من أسماء الشمس الأزلي تعالى نوعًا ما، تُظْهِرُ نقشه، فالذين هم على مشرب الشيخ محيي الدين قد كشفوا أن الكون من حيث المرآتية والظرفية ومن حيث نفي الوجود الظاهري في المرآة وكون انعكاس الشيء هو عين المنعكس، ولم يفكروا في مرتبة أخرى، وقالوا "لا موجود إلا هو" فأخطئوا، ووقعوا في درجة إنكار القاعدة الأساسية "حقائق الأشياء ثابتة".
أما أهل الحقيقة فرأوا بسرّ الوراثة النبوية وبنصوص القرآن القاطعة أن النقوش التي تأتي إلى الوجود في مرايا الموجودات بالقدرة والإرادة الإلهية إنما هي آثاره تعالى، هي "هَمَه أَز اوسْتْ"، وليس "هَمَه اوسْتْ"، أي: كل شيء يأتي منه، وليس
49. صفحة
كل موجود هو، فالأشياء لها وجود، وذلك الوجود ثابت إلى حدٍّ ما، فمع أن هذا الوجود مقارنةً بوجود الواجب تعالى ضعيف وكأنه وهمي وخيالي؛ فإنه موجود بإيجاد القدير الأزلي وإرادته وقدرته.
وكما أن الشمس التي في المرآة لها وجود مثالي غير وجودها الخارجي الحقيقي كما في المثال، وأن انعكاسها المنبسط الذي يلون المرآة بزينة هو الآخر له وجود خارجيّ عَرَضيّ مختلف، والصورة الشمسية التي تنتقش على ورقة آلة التصوير خلف المرآة لها كذلك وجود خارجي مختلف عَرَضيّ أيضًا، وهو وجود ثابت إلى حد ما؛ كذلك فإن لنقوش المصنوعات التي تظهر في مرآة الكون ومرايا ماهيات الأشياء -بتجليات الأسماء الإلهية القدسية التي تحصل بإرادته سبحانه واختياره وقدرته- وجودًا حادثًا غير وجود الواجب، وقد مُنِح ذلك الوجود بالقدرة الأزلية ثباتًا، ولكن إن انقطع الارتباط والصلة ذهب كل شيء إلى الفناء بالمرة، فكل شيء يحتاج في كل آن من أجل بقاء وجوده إلى إبقاء خالقه له، فـ "حقائق الأشياء ثابتة" ولكنها ثابتة بإثباته عز وجل لها، وتثبيته إياها.
وهكذا فقول الشيخ محيي الدين "إن الروح ليست مخلوقة، بل هي حقيقة أتت من عالم الأمر ومن صفة الإرادة" مخالف لظاهر نصوص كثيرة، فقد التبس عليه الأمر، وانخدع بناء على التحقيقات المذكورة، ولم ير أنواع الوجود الضعيفة.
فلا يمكن أن تكون مظاهر الأسماء الإلهية كـ"الخلاق" و"الرزاق" أمورًا وهمية وخيالية، وبما أن تلك الأسماء ذات حقيقة؛ فلابد أن لمظاهرها أيضًا حقيقةً خارجيةً.
سؤالكم الثالث: وهو ما تطلبون مني فيه درسًا يكون مفتاحًا لعلم الجفر.
الجواب: إننا لسنا في هذه الدعوة والخدمة باختيارنا وتدبيرنا الشخصي، وإنما هناك اختيار -وهو خير لنا- فوق اختيارنا يهيمن على أمورنا وأعمالنا.
إن علم الجفر يلهي الإنسان ويشغله عن وظائفه الحقيقية لما فيه من الذوق والمتعة، حتى إن بعض الأسرار القرآنية كانت تُحَلّ مرات عديدة بهذا المفتاح، فعندما كنت أنصرف إليه بكمال الاشتياق والذوق كانت تُغلَق وتُسَدّ.
50. صفحة
فوجدت في هذا حكمتين:
الأولى: احتمال الوقوع في مخالفة أدب نهي "لَا يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ".
الثانية: إن خدمة تعليم الأمة حقائق الإيمان والقرآن الأساسية بالبراهين القاطعة لها مزية وقيمة تفوق العلوم الخفية كعلم الجفر بمائة درجة.
فالحُجَج القاطعة والدلائل المُحكمة في هذه الوظيفة القدسية لا تدع مجالا لاستخدام هذه الوظيفة في أمور سيئة، ولكن قد يُساء استخدام العلوم الخفية غير المبنية على قواعد محكمة كعلم الجفر، وقد يستفيد المحتالون الماكرون منها، علمًا أنه متى كانت الحاجة قائمة إليها لخدمة تعليم هذه الحقائق مُنَّ بنبذة منها حسب الحاجة.
إن أسهل مفتاح من بين مفاتيح علم الجفر، بل أنقاها وأصفاها، بل أجملها؛ هو أنواع التوافق النابعة من اسم "البديع"، والتي أظهرت تجلياتها في لفظ الجلالة في القرآن الكريم، وزَيّنَت الآثارَ التي نشرناها، وقد بُيّنَت نبذةٌ منها في بعض المواضع من رسالة الكرامة الغوثية، ومنها مثلا:
إذا أَظهر التوافق شيئًا ما من عدة نواحٍ فذلك إشارة بدرجة الدلالة، ويكون توافق واحد أحيانًا بمنزلة الدلالة ببعض القرائن، على كل حال يكفي الآن هذا القدر، ومتى ما كانت الحاجة ماسة فستصلكم المعلومات.
سؤالكم الرابع: وهو سؤال عمر أفندي وليس سؤالَكم:
إن طبيبًا شقيًّا زعم أن لعيسى عليه السلام والدًا([1])، وكأنه يستشهد بآية بتأويل جنوني، وكان ذلك الرجل المسكين يحاول أن يخترع خطًّا بالحروف المقطعة
[1] إن فردًا خارقًا فذًّا تولى قيادة ربع البشرية، وانتقل من البشرية إلى الملائكية من جهة، وترك الأرض واتخذ السماوات وطنًا له، فمع أن أحوال هذا الفرد الخارقة تقتضي صورة خارقة لقانون التناسل فإنه ليس مناسبا ضم قانون تناسله إلى هذا القانون بشكل مشكوك فيه مجهول غير فطري بل بأدنى شكل، كما أنه ليس هناك أية ضرورة إلى ذلك، ثم إن صراحة القرآن، لا تحتمل التأويل، فكيف تُهدم قوانين قوية رصينة كقانون الجنس الملائكي -الذي هو خارج عن قانون التناسل ولم يُخرَق بأي وجه من الوجوه- وقانون صراحة القرآن لحساب ترميم وصيانة قانون التناسل المخروق من مائة جهة؟! (المؤلف)
51. صفحة
سابقا، وكان يعمل بحماسة، فعلمت أن الرجل أحسّ من تحركات الزنادقة أنهم سيسعون إلى إلغاء الحروف الإسلامية ورفعها، فاجتهد كثيرًا بلا جدوى كي يقف أمام ذلك السيل الجارف.
وهو قد أحس الآن في هذه المسألة وفي المسألة الأخرى بهجوم الزنادقة الشديد على أسس الإسلام، وأظن أنه أراد أن يفتح بابًا للمصالحة بمثل هذه التأويلات التافهة العابثة التي لا معنى لها.
إن هناك نصوصًا ثابتة قاطعة مثل ﴿إِنّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آَدَمَ﴾ (آل عمران:59) تبين بيانًا قاطعًا أنه لا والد لعيسى عليه السلام؛ لذا لا يقام وزن لكلام من يسعون بتأويلات واهية إلى تغيير هذه الحقيقة الراسخة المتأصلة ظنًّا منهم أن مخالفة قانون التناسل غير ممكن، ولا هو يستحق الاهتمام؛ لأنه ما من قانون إلا وله شذوذ ونوادر، وأفراد خارجون عنه، وما من قاعدة كلية إلا وخُصِّصت بأفراد خارقين، ولا يمكن ألا يَشذّ أحدٌ عن قانون واحدٍ وألا يخرج عنه من زمان آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، فقانون التناسل هذا قد خُرِقَ أولا من حيث المبدأ بمبادئ مائتي ألف من أنواع الحيوانات وكسر اطّرَادُه؛ أي إن آباءها المائتي ألف الأولين وهم بمنزلة أوادم([1]) لها، قد خرقوا قانون التناسل، أي إنهم لم يأتوا من أب وأم، بل مُنِحُوا وجودًا خارجًا عن ذلك القانون.
ثم إن ما نشاهده بأعيننا في كل ربيع من المخلوقات غير المحدودة من القسم الأعظم من مائة ألف نوع، تُخلَق وتُمنح الوجودَ خارجَ قانون التناسل على وجوه الأوراق وعلى المواد المتعفنة.
فيا ترى كم يرتكب حماقةً من لا يستطيع أن يستوعب بعقله شذوذَ فرد واحد خلال ألف وتسعمائة سنة عن قانون خُرق وجُرِح في مبدئه، بل في كل سنة إلى هذا الحد من الشواذِّ، ويتمسك بتأويلات تجاه النصوص القرآنية؟! فقدر!
إن ما يعبر عنه هؤلاء الأشقياء بقوانين الطبيعة هي قوانين عادة الله التي هي تجلياتٌ كليةٌ للأمر الإلهي والإرادة الربانية، فيُغيِّر الله تعالى عاداتِه وسُنَنَه تلك
[1] جمع آدم، ويقصد بها آباء هذه الأجناس.
52. صفحة
لبعض الحِكَم، فيُظهِر ويُرِي بذلك هيمنة إرادته واختياره على كلّ شيء وعلى كل قانون، ويخرق عادتَه في بعض الأفراد الخارقين، ويبين هذه الحقيقة ببيان وإعلان ﴿إِنّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾.
سؤال عمر أفندي الثاني فيما يخص ذلك الطبيب:
يتصرف ذلك الطبيب في تلك المسألة بغباء وحماقة، لذا فهو أدنى من أن يُسمَع لكلامه أو يقام له وزن فيُرَدّ عليه، فهذا المسكينُ يريدُ أن يَجِد الوسطَ بين الإيمان والكفر.
فأقول جوابًا لاستفسار عمر أفندي فحسب، وليس ردًّا على الكلام التافه غير المهم للطبيب:
إن العلةَ في الأوامر والنواهي الشرعية هي الأمرُ الإلهي والنهيُ الإلهي، أما المصالحُ والحِكَمُ فهي أمور مرجِّحة، يمكنها أن تكون أسبابًا لتعلق الأمر والنهي من حيث اسم الله "الحكيم".
فمثلا يقصر المسافر صلاته، ولقصْرِ الصلاة علةٌ وحكمة، أما العلة فهي السفر، وأما الحكمة فهي المشقة، فحيث كان السفر تُقْصَرُ الصلاة وإن لم تكن المشقةُ، فإن لم يكن السفرُ وعانى في بيته من مائة مشقة فلا تُقصَر الصلاةُ؛ إذ وجود المشقة في السفر أحيانًا كافٍ لتكون المشقةُ حكمة لقصر الصلاة، وهي بدورها تجعل السفر علة للقصر.
وهكذا فبناء على هذه القاعدة الشرعية لا تَتغيَّر الأحكامُ الشرعية حسب الحِكَم، بل تتعلق بالعِلَل الحقيقية، فعلى سبيل المثال لا يُؤْكَل لحمُ الخنزير كما تُؤْكل لحوم سائر الحيوانات الأهلية بلا ضرر وبلا حرج حسب قاعدة "مَنْ أَكَلَ لَحْمَ الخِنْزِيرِ اتَّصَفَ بِصِفَاتِهِ مِنْ جِهَةٍ"([1]) علاوة على ما يعلمه الطبيب من الضرر
[1] قد تقدم الإفرنج بشكل مذهل في الرقي الحضاري وفي العلوم الحديثة والعلوم التي تخدم البشرية إلى حد بعيد، وإنني أسألكم: أوليس لأكل الإفرنجِ لحمَ الخنزير دَخْلٌ في وقوعهم كالخنزير في ظلمات المادية والطبيعة المنافية كليًّا لهذا التقدم وهذه الكمالات والعلوم؟! الدليل على أن طبيعة الإنسان تتأثر بما يَتَغذَّى به هو المثل المضروب: مَنْ أَكَلَ اللَّحْمَ أربعين يومًا باستمرار أُصِيبَ بقَسْوَةِ القلب. (المؤلف)
53. صفحة
والأمراض فيه كما ذَكر هو، وفضلا عن أن أضرارَ لَحْمِه أكثر من نفعه؛ فإن الشحم والدهن القوي في لحمه مضر طبِّيًّا، كما أنه قد تحقق أن لحمَه وشحمَه مضر جدًّا معنًى وحقيقةً في غير بلاد الإفرنج الباردة جدًّا.
فمثل هذه الحِكَم قد صارت حكمةً لتحريمه، ولتعلق النهي الإلهي به، فليس من الضروري أن توجد الحِكم في كل فرد في كل وقت؛ بينما لا تتبدّلُ العلّةُ بتبدّل الحكمة، ولا يتبدل الحُكم إن لم تتبدل العلةُ، وبناءً على هذه القاعدة فليُفهم مدى بُعْد كلام ذلك الرجل المسكين عن روح الشريعة، ولا يقام لكلامه وزنٌ ولا يُبَالَى به باسم الشريعة، فالخالق سبحانه له كثيرٌ من الحيوانات في صورة فلاسفة أغبياء لا يعقلون!
ذيل للجواب على السؤال السابق حول محيي الدين بن عربي
سؤال: إن محيي الدين بن عربي يَعُدُّ مسألةَ وحدة الوجود أعلى مرتبةٍ، حتى إن بعض الأولياء العظماء من أهل العشق قد اتبعوه، أما أنت فتقول إنها ليست أعلى مرتبة، وإنها ليست حقيقيةً، بل هي مشرب أهل السكر والاستغراق وأصحاب الشوق والعشق إلى حدٍّ ما، إذن فبَيِّنْ لنا على وجه التحديد ما هي أعلى مرتبة للتوحيد الذي بُيِّن بسرّ وراثة النبوة، وبصراحة القرآن؟
الجواب: إن تقييم هذه المراتب العالية بفكرٍ قاصرٍ من عاجز مسكينٍ مثلي لا قيمة ولا وزنَ له يفوقُ حدَّه كثيرًا، إلا أني سأُبَيِّن نكتتين مختصرتين جدًّا ورَدَتَا من فيض القرآن الحكيم، ولعلهما تفيدان في هذه المسألة.
النكتة الأولى: إن هناك أسبابًا كثيرة لوقوعهم في مشرب وحدة الوجود، سنبين بعضَها بيانًا مختصرًا.
السبب الأول: إنهم لم يستطيعوا أن يستوعبوا بأذهانهم خَلَّاقية مرتبة الربوبية في درجتها العظمى، ولم يستطيعوا أن يُدرِكوا بقلوبهم أن الخالق تعالى يمسك كلَّ شيء في قبضة ربوبيته بسر الأحدية، وأن كل شيء يأتي إلى الوجود بقدرته
54. صفحة
واختياره وإرادته هو؛ لذا فقد اضطُرُّاوا إلى القول: إن كل شيء "هو" تعالى، أو لا شيء موجود، أو كل شيء خيال، أو كل شيء إنما هو ظهوره تعالى أو تجلياته.
السبب الثاني: إنهم بسبب العشق -الذي لا يريد الفراق أبدًا، ويفر منه بشدة، ويرتعد ويخاف من الابتعاد والهجران كخوفه من جهنم، ويكره الزوال كرهًا شديدًا، ويحب الوصالَ كما يحب روحَه وحياته، ويرغب في القرب باشتياق غير محدود كرغبته في الجنة- وبتمسكهم بتجلي الأقربية الإلهية في كل شيء؛ عدّوا الفراقَ والابتعاد معدومين، وظنوا اللقاء والوصال دائمين فقالوا "لا موجود إلا هو"؛ فتصوَّروا بسكر العشق وبمقتضى عشق البقاء واللقاء والوصال أن في وحدة الوجود مشربًا حاليًا في منتهى الذوق، ومن ثَمَّ اتَّخَذوا مسألة وحدة الوجود ملجأً لهم حتى يتخلصوا من أنواع الفراق الشديدة الأليمة.
إذن إن منشأ السبب الأول هو:
عدمُ بلوغ العقل إلى بعض الحقائق الإيمانية الواسعة والعالية جدًّا، وعدمُ إحاطته بها، وعدم تقدم العقل تقدمًا تامًّا في الإيمان.
وأما عن منشأ السبب الثاني:
فهو ناشئ عن تقدم القلب في العشق تقدمًا فوق العادة وانبساطِه انبساطًا خارقًا للعادة.
أما المرتبة العظمى للتوحيد التي رآها أولياءُ وراثةِ النبوة العظماءُ والأصفياءُ الذين هم أهل الصحو؛ فهي سامية جدًّا، وتُبَيِّنُ المرتبةَ العظمى للربوبية والخَلَّاقية الإلهية، وتُوضِّح أن جميعَ الأسماء الحسنى حقيقيةٌ، وتُحافِظ على الأُسُس والمبادئ، ولا تُخِلّ بتوازن أحكام الربوبية؛ لأن هؤلاء الأولياءَ والأصفياء يقولون: إن كل شيء بجميع شئونه قد أُحِيطَ وشُخِّص وعُيِّن بعلم الله سبحانه، ورُجِّح وخُصِّص بإرادته، وثُبِّت وخُلِق وأُوجِدَ بقدرته مباشرة مع أحديَّتِه الذاتية ومع تنَزُّهه عن المكان، فهو سبحانه يُوجِد ويدبِّر جميع الكون كإيجاده وإدارته شيئًا واحدًا، ويخلق الربيعَ الكبير بسهولة كخلقه الزهرةَ الواحدة
55. صفحة
بالسهولة نفسها، ولا يمنعه شيء عن شيء، ولا تجزُّؤَ ولا انقسامَ في توجهه، فهو موجود كلَّ لحظة في كل مكان من حيث إجراءاته وتصرفه بقدرته وعلمه، فلا توزُّع ولا انقسام في تصرفه، ولقد وُضِّح هذا السر توضيحًا كاملا وأُثبِت إثباتًا تامًّا في "الكلمة السادسةَ عشرةَ" وفي "المقصد الثاني" من "الموقف الثاني" لـ"الكلمة الثانية والثلاثين"، وسأذكر هنا مثالا به نقائص كثيرة -إذ لا يُنظَر إلى التقصير في الأمثال حسب قاعدة "لا مشاحّة في التمثيل"- حتى يتبين الفرق بين المَشْرَبَيْن إلى حدٍّ ما.
نفترض وجودَ طاوسٍ كبير جدًّا خارقٍ لا مثيل له في غاية الزينة والجمال، وقد زُيِّن بآلاف النقوش، ويستطيع أن يطير من الشرق إلى الغرب في لحظة واحدة، ويبسط جناحيه اللذين يصلان من الشمال إلى الجنوب ويقبضهما، ووُضِعت في كل ريشة من ريش جناحيه فنون بديعة.
والآن نفترض أن هناك رجلين يتفرجان عليه، ويريدان أن يطيرا بجناح العقل والقلب إلى مراتب هذا الطائر العالية، وإلى زيناته الخارقة البديعة ويشاهداها، فأحدهما ينظر إلى وضع هذا الطاوس وهيكله وإلى نقوش القدرة البديعة التي في كل ريشة من ريشه، ويُحبُّه بعشق وشوْقٍ شديد، ويترك التفكُّرَ الدقيق إلى حد ما، ويَتمسّكُ بالعشق، ولكنه يرى أن هذه النقوشَ المحبوبة تتحوّل وتتبدّل يوميًّا، وأن تلك المحبوبات التي يحبها حبًّا شديدًا تغيب وتزول، فبدلا من أن يُسلِّي الرجلُ نفسَه ويعزّيها ويقولَ إن هذه النقوش نقشُ صنعة نَقَّاشٍ مالكٍ لما لم يستطع أن يستوعبه بعقله من الربوبية المطلقة مع الوحدة الحقيقية والخلاقية الكلية مع الأحدية الذاتية؛ يقول بدلا من ذلك الاعتقاد: إن الروح التي في هذا الطاوس عالية سامية؛ بحيث إن صانعَه فيه، أو أصبح هو نفسَه، ثم إن هذه الروح مُتَّحِدة مع جسده، أما جسده فممتزج بصورته الظاهرية، فكمال هذه الروح وسمو هذا الجسد يُظهران هذه التجليات على هذه الصورة، حتى إنه يُظهر كلَّ دقيقة نقشًا آخر، وحسنًا مختلفًا، وهذا ليس إيجادًا باختيار حقيقي، بل هو تجلٍّ وظهور.
56. صفحة
أما الرجل الآخر فيقول: إن هذه النقوشَ المتوازنة المنتظمةَ البديعةَ تقتضي قطعًا إرادة واختيارًا وقصدًا ومشيئة، فلا يمكنها أن تكون تجلّيًا من غير إرادة، ولا ظهورًا من دون اختيار، نعم؛ إن ماهية الطاوس جميلةٌ وعاليةٌ، ولكن ماهيته لا يمكن أن تكون فاعلةً وإنما هي منفعلة، ولا يمكن أن تَتّحِدَ مع فاعلها أبدًا، وإن روحه عاليةٌ طيبةٌ ولكنها ليست مُوجِدةً ومتصرِّفة، وإنما هي مظهر ومعكس ليس غير؛ لأنه يظهر في كل ريشة من ريشه بالبداهة إبداعاتٌ مفعمةٌ بحكمة غير متناهية، ونقشُ زينةٍ ظهرتْ إلى الوجود بقدرة غير متناهية، فهذا الأمر لا يمكن أن يكون من غير إرادة ومن دون اختيار، فأنواع الإبداع هذه التي تدل على كمال الحكمة ضمن كمال القدرة، وعلى كمال الربوبية والرحمة ضمن كمال الاختيار ليست من عمل التجلي أو ما شابهه أبدًا، فالكاتب الذي كتب هذا السجل المزيَّن لا يمكن أن يكون فيه، ولا يمكن أن يَتّحدَ معه البتة، اللهم إلا تماسٌّ مع الدفتر بطرف قلم ذلك الكاتب.
إذن؛ فأنواع الزينة الخارقة البديعة للطاوس المثالي الذي يُسمَّى بالكونِ ما هي إلا رسالة مزيَّنة منمَّقة من خالق الطاوس.
فانظر الآن إلى طاوس الكون، واقرأ تلك الرسالة، وقل لكاتبها: ما شاء الله، وبارك الله، وسبحان الله! فالذي ظنّ الرسالة كاتبًا، أو تَخيَّل الكاتب في الرسالة، أو تَوهَّمَ الرسالة خيالا؛ لابد أنه قد أخفى عقلَه تحت ستار العشق، ولم يستطع أن يرى الصورةَ الحقيقية للحقيقة.
إن أهم وجهٍ من أنواع العشق الذي تسبب في ظهور مَشْرَبِ وحدةِ الوجود، هو عشقُ الدنيا، فإذا انقلبَ عشقُ الدنيا الذي هو عشقٌ مجازي إلى عشق حقيقي انقلب إلى وحدة الوجود، فكما أن عاشقًا يحب أحدًا من البشر محبة مجازيةً ثم لا يستطيع أن يرسّخ في قلبه زوالَ ذلك المحبوب وفناءه، فيُسلِّي نفسه ويتمسك بحقيقةٍ ما قائلا: إنه مرآة لجمال المعبود والمحبوب الحقيقي؛ حتى يُضفي على محبوبه بقاءً بالعشق الحقيقي؛ فكذلك الحال عند من يتخذ الدنيا الكبيرة والكون الضخم بأكمله محبوبًا، حيث إن تلك المحبة العجيبة عندما تنقلب إلى محبة


