اللمعة التاسعة عشرة
التنقل
197. صفحة
اللمعة التاسعة عشرة
رسالة الاقتصاد
حول
الاقتصاد والقناعة والإسراف والتبذير
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف:٣١)
إن هذه الآية الكريمة تلقن درس حكمة مهمًّا جدا بأمرها بالاقتصاد أمرًا قاطعًا، ونهيها عن الإسراف نهيًا صريحًا، وفي هذه المسألة "سبع نكات".
النكتة الأولى: إن الخالق الرحيم يريد شكرًا مقابل النعم التي أعطاها للبشر، والإسراف مُنافٍ للشكر، واستخفاف ذو خسائر تجاه النعم، أما الاقتصاد فهو احترام مربح تجاه النعم.
أجل؛ إن الاقتصاد شكر معنوي، واحترام تجاه الرحمة الإلهية التي في النعم، وسبب للبركة حتمًا، وسببٌ لصحة البدن كالحِمية، وسببُ عزةٍ يخلص وينقذ الإنسان من ذل التسول المعنوي، وسبب قوي للإحساس باللذائذ التي في النعم، ولتذوق اللذائذ التي في النعم التي تبدو غير لذيذة في الظاهر؛ أما الإسراف -ولأنه مخالف لتلك الحِكم المذكورة- فله آثار وخيمة.
النكتة الثانية: إن الفاطر الحكيم قد خلق جسم الإنسان كقصر بديع ومدينة منتظمة، فالقوة الذائقة التي في الفم بوّاب، والأعصاب والعروق وسائلُ للمخابرة كأسلاك الهاتف والبرق بين القوة الذائقة وبين المعدة التي هي في مركز الجسم،
198. صفحة
فتخبر القوة الذائقة بتلك العروق عن الموادّ التي تأتي إلى الفم، فإن كانت غير ضرورية للبدن والمعدة، تقل: الدخول ممنوع، وتنبذها إلى الخارج؛ أما إذا كانت ضارة ومُرّة مع عدم نفعها للبدن أحيانا، فإنها تنبذها وتمجها فورًا وفي الحال إلى الخارج وتبصق في وجهها.
فبما أن القوة الذائقة التي في الفم بوابٌ، والمعدة سيد وحاكم في إدارة الجسد، فإن كانت قيمة الهدية التي تأتي إلى ذلك القصر أو إلى تلك المدينة وتقدَّم لحاكم ذلك القصر بما يعادل مائة درجة، فلا يناسب كبقشيش للبواب إلا خمس درجات منها ليس أكثر، حتى لا يغتر البواب فيغوى، وينسى وظيفته، ويدخِلَ في القصر المختلين الذين يرشونه أكثر.
فبناء على هذا السر، نفترض الآن أن أمامنا وجبتين، وجبة من موادّ مغذية كالجبن والبيض، ثمنها أربعون قرشًا، والأخرى من أفخر أنواع البقلاوة ثمنها أربعمائة قرش، فهاتان الوجبتان متساويتان ولا فرق بينهما بالنسبة للبدن قبل دخولهما الفم، وهما متساويتان أيضًا من حيث تغذية الجسد بعد مرورهما من البلعوم، بل قد يغذي الجبن الذي بأربعين قرشًا تغذية أفضل، وليس هناك فرق إلا لمدة نصف دقيقة فقط في ملاطفة القوة الذائقة التي في الفم؛ فليقدَّر كم هو إسراف مضر بلا معنى دفعُ أربعمائة قرش بدلا من أربعين قرشًا لأجل نصف دقيقة!
فمع أن الهدية التي تأتي إلى الحاكم ثمنها أربعون قرشًا؛ فإن إعطاء ذلك البواب تسعة أضعاف تلك الهدية كبقشيش يغويه ويسوقه إلى القول: إني أنا الحاكم.
فمن أعطاه بقشيشا ولذة أكثر سمح له بالدخول، وتسبب في الاختلال ونشوب الحريق، ويَضْطَرُّ صاحبُه إلى القول: النجدة، ليأت الطبيب ويخفف حرارتي وليطفئها.
فالاقتصاد والقناعة تصرف منسجم مع الحكمة الإلهية؛ إذ يتعاملان مع القوة الذائقة على أنها بواب، وبناء على ذلك يعطيانها البقشيشَ، أما الإسراف ولأنه يتصرف مخالفًا لتلك الحكمة فإنه يتلقى صفعة بسرعة ويفسد المعدة، ويؤدي إلى
199. صفحة
فقدان الشهية الحقيقية، ويجعل الإنسان يأكل بشهية كاذبة مصطنعة ناشئة عن تنوع الأطعمة، ويتسبب في سوء الهضم والتُّخَمة، ويؤدي إلى المرض.
النكتة الثالثة: لقد قلنا في النكتة الثانية السابقة إن القوة الذائقة بوابٌ، نعم؛ إنها بمنزلة بواب عند أهل الغفلة وعند من لم يترقوا روحيا ولم يتقدموا في مسلك الشكر، فيجب عدم الإسراف، ويجب ألا يزيد الثمن من الواحد إلى العشرة من أجل تلذذ ذلك البواب، ولكن القوة الذائقة عند أهل الشكر الحقيقيين وأهل الحقيقة وأهل القلب هي -كما بُيِّن في المقارنة التي عقدت في "الكلمة السادسة"- بمنزلة مشرف ومفتش على مطابخ الرحمة الإلهية، ووظيفتها أن تزن وتعرف أنواع النعم الإلهية بموازين دقيقة صغيرة بعدد الأطعمة في القوة الذائقة، وأن تبلّغ تلك الأطعمة للجسد والمعدة كشكر معنوي، فالقوة الذائقة بهذه الصورة لا تتوجه إلى الجسد المادي فقط؛ بل تتوجه معه إلى القلب والروح والعقل؛ لذا لها حكم ولها مقام فوق المعدة.
فيمكن أن يراعي الإنسان لذائذه، على ألا يسرف، ومن أجل أن يؤدي وظيفة الشكر فحسب، وأن يُحِسّ ويَعرِف أنواع النعم الإلهية، وعلى أن يكون تلذذه تلذذا مشروعًا، وألا يكون وسيلة للذل والتسول، ويمكن أن يفضّل الأطعمة اللذيذة من أجل أن يستعمل اللسان الذي يحمل تلك القوة الذائقة في الشكر.
حادثة وكرامة لسيدنا عبد القادر الجيلاني -قُدِّس سِرُّه- تشير إلى هذه الحقيقة:
فمعنى قول حضرة الغوث هذا هو أنه متى ما سيطرت روحُ ابنكِ على جسده، وقلبُه على نفسه، وعقلُه على معدته، وطلبَ اللذة من أجل الشكر؛ فعندئذ يمكن أن يأكل من الأطعمة اللذيذة.
النكتة الرابعة: إن المقتصد لا يعاني كثيرًا مشقة العيلة ([1]) وعناءها في المعيشة بسر الحديث الشريف "لا يعول من اقتصد"([2]) الذي يعني أن المقتصد لا يعاني مشقة العيلة في المعيشة.
[1] العيلة: الفقر.
[2] انظر الحديث في المعجم الكبير للطبراني ١٠/١٠٨.
200. صفحة
أجل؛ إن هناك ما لا يعد ولا يحصى من الأدلة الكثيرة التي تدل على أن الاقتصاد سبب أكيد للبركة ولرغد([1]) المعيشة.
وأذكر بعضا منها بشهادة ما رأيته في نفسي وبشهادة من خدموني وصاحبوني وأقول:
لقد وجدت ووجد أصدقائي أحيانًا عشرة أضعاف من البركة بواسطة الاقتصاد، حتى إنه قبل تسع سنوات حاول بعض من رؤساء العشائر المنفيين معي في "بوردور" أن يدفعوني إلى قبول زكاتهم حتى لا أقع في الذل والفقر والبؤس من عدم النقود، فقلت لأولئك الرؤساء الأثرياء: في الحقيقة إن نقودي قليلة جدا ولكني أقتصد، وتعودت على القناعة، فأنا أغنى منكم، ورفضت عرضهم الذي عرضوه عليَّ بإلحاح وتكرار، ومن اللافت للنظر أن بعضًا من الذين عرضوا علي زكواتهم استدانوا بعد سنتين بسبب عدم الاقتصاد، فلله الحمد لقد كفتني تلك النقود القليلة ببركة الاقتصاد حتى سبع سنوات من بعدهم، ولم يُرَق ماء وجهي، ولم أُضطَرَّ إلى عرض حاجتي على الناس، ولم يُخلَّ بمسلك "الاستغناء عن الناس" الذي هو دستور من دساتير حياتي.
أجل؛ إن من لا يقتصد مرشح ليقع في الذل، وفي التسول المعنوي، وفي الفقر والبؤس، وإن النقود التي تتسبب في الإسراف لهي مال غالٍ جدًّا في هذا الزمان؛ إذ تؤخذ في مقابلها أحيانًا الكرامةُ والشرف رشوةً لها، وتؤخذ في مقابلها أحيانًا المقدساتُ الدينية، ثم تدفع تلك النقود المنحوسة، أي يؤخذ ما بقرشين اثنين ماديين بخسارة مائة ليرة معنوية، فلو اقتصر الإنسان على الحاجات الضرورية واكتفى بها وحصرها، لوجد رزقه الكافي لعيشه الضروري من حيث لا يحتسب بسر: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ (الذاريات: 58) وبصراحة: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ (هود: 6)؛ إذ إن هذه الآية تتعهد له بذلك.
أجل؛ إن الرزق نوعان:
الأول: وهو الرزق الحقيقي الذي يستطيع أن يعيش به الإنسان، فهذا الرزق تحت التعهد الرباني بحكم هذه الآية، فإن لم يتدخل سوء اختيار الإنسان فيمكنه
[1] رغد: نعيم وتنعُّم.
201. صفحة
أن يجد ذلك الرزق الضروري في كل الأحوال، ولا يضْطَرُّ إلى أن يضحي لا بدينه ولا بعرضه ولا بعزته.
الثاني: وهو الرزق المجازي؛ إذ أصبحت الحاجات غير الضرورية حاجاتٍ ضروريةً بسوء الاستعمال، وقد صار الإنسان مدمنًا لها بسبب مصيبة التقاليد، فلا يستطيع أن يتركها.
فهذا الرزق ولأنه ليس تحت التعهد الرباني فالحصول عليه يكلف الكثير، ولاسيما في هذا الزمان، حتى إنه يقبض ذلك المال المنحوس الذي لا بركة فيه بتضحيته بعزته وبقبوله بالذل حينًا، وبسقوطه حينًا في وضع المتسول؛ بحيث يُقبِّل أقدام السفلة من الناس، وحينًا آخر بتضحيته بمقدساته الدينية التي هي نور حياته الأبدية.
ثم إن ما يصيب أهل الضمائر من التألم الناشئ عن آلام الجائعين المحتاجين بسبب الرأفة ببني الجنس في هذا الزمان -زمان الفقر والضرورة- يجعل اللذةَ التي حصل عليها بمال اكتسبه بطريقة غير مشروعة مُرَّةً إن كان له ضمير، فيجب الاكتفاءُ بقدر الضرورة من الأموال المشتبه فيها في هذا الزمان العجيب؛ لأنه يمكن أن يأخذ من المال الحرام حدَّ الضرورة بالاضطرار بسر "الضرورة تُقدَّر بقَدرها" ولا يستطيع أن يأخذ أكثر منه.
أجل، إن المُضطَر لا يجوز له أن يأكل من لحم الميتة إلى حد الشِّبع، بل يستطيع أن يأكل إلى الحد الذي لا يموت معه.
ثم إنه لا يناسب الأكل كثيرًا بكمال اللذة أمام مائة من الجائعين.
واقعة تدل على أن الاقتصاد سبب العزة والكمال:
أقام حاتم الطائي المشهور بكرمه وسخائه في العالم ذات يوم مأدبة فاخرة، وقدم هدايا كثيرة جدًّا لضيوفه، وخرج للتجول في الصحراء، فرأى عجوزًا فقيرًا قد حمل على ظهره الأعشاب الشائكة والكلأ، تنغرس في جسده وتدميه، فقال له حاتم: إن حاتمًا يقيم مأدبة فاخرة ويوزع هدايا، فاذهب إليه أنت أيضًا، لتنال خمسمائة قرشا بدلاً من هذه الأعشاب التي ثمنها خمسة قروش، فرد
202. صفحة
عليه ذلك العجوز المقتصد: إنني أحمل وأرفع هذا الحمل الشائك بعزتي، ولا أحتمل مِنَّة حاتم الطائي.
ثم سُئل حاتم الطائي:
هل وجدت من هو أكرم وأعز منك؟
فقال وجدت ذلك العجوز المقتصد الذي لقيته في الصحراء أعزّ وأرفع وأكرم منِّي.
النكتة الخامسة: إن الحقّ تعالى من كمال كرمه يُشعِر أفقر رجل بلذة نعمه وكأنه أغنى الناس، والمسكينَ وكأنه سلطان.
أجل؛ إن اللذة التي يجدها الفقير بالجوع والاقتصاد في قطعة خبز يابسة سوداء، تفوق بكثير اللذة التي يجدها السلطان أو الغني في أفخر أنواع البقلاوة التي يأكلها بالسأم وعدم الشهية الناشئين من الإسراف.
ومن اللافت للنظر أن بعضًا من الناس المسرفين المبذرين يتهمون مثل هؤلاء المقتصدين بالبخل، حاشا، بل الاقتصاد عزة وسخاء، أما ما يسميه أهل الإسراف والتبذير بخلا وذلة هو في حقيقته كرم ظاهري.
وهناك حادثة جرت في منزلي هذه السنة تؤيد هذه الحقيقة، وهي:
ألحّ علي أحد تلامذتي كي أقبل هدية بمقدار أوقيتين([1]) ونصف الأوقية تقريبا من العسل خلافًا لما اتخذته قاعدةً ودستورًا، وعلى الرغم من شدة تبييني له ما لهذه القاعدة من أهمية؛ فإنه لم يقتنع، فقلت مضطرًّا لثلاثة إخوان كانوا معي: خذوها؛ كي تأكلوا من ذلك العسل طوال ثلاثين أو أربعين يومًا بالاقتصاد في شهري شعبان ورمضان المباركين، فيكسب الذي أتى به ثوابًا، ولكيلا يَبْقوا هم بلا حلوى، وكانت عندي أيضا أوقية من العسل، فمع أن إخواني الثلاثة كانوا على الاستقامة وممن يقدِّرون الاقتصاد، ولكنهم نسوه بسبب خصلة سامية من جهة، وهي إكرام بعضهم بعضًا، وملاطفة بعضهم شعور بعضهم الآخر، وإيثار الآخر على نفسه.
فأكلوا أوقيتين ونصف الأوقية من العسل كله، وأنفدوه في ثلاث ليال، فقلت مبتسمًا:
[1] الأوقية جزء من اثني عشر جزءًا من الرطل المصري.
203. صفحة
لقد كنت سأطعمكم خلال ثلاثين أو أربعين يومًا، فجعلتم الثلاثين يومًا ثلاثة أيام، فهنيئا لكم"، ولكني صرفت العسل الذي كان عندي بالاقتصاد، فأكلت أنا منه طوال شهري شعبان ورمضان، ولله الحمد قدمت لكل واحد من إخواني هؤلاء ملعقة شاي كبيرة منه في وقت الإفطار، فأصبح سببًا لثواب عظيم، وربما ظن الذين رأوا حالي هذه أنه بخل، وقد يظنون حالَ إخواني أولئك في الليالي الثلاث كرمًا، ولكنا رأينا من وجهة نظر الحقيقة أن تحت ذلك البخل الظاهري عزة عالية وبركة واسعة وثوابًا عظيمًا، وأنه لو لم يكن قد تُرِك ذلك الكرم والإسراف لكان قد أنتج حالةً أدنى بكثير من البخل مثل الترقُّب والطمع فيما في أيدي الآخرين.
النكتة السادسة: إن هناك فرقًا كبيرًا بين الاقتصاد وبين البخل، فكما أن التواضع خصلة ممدوحة مختلفةٌ معنىً عن التذلل الذي هو من الأخلاق السيئة ومشابهة له صورة، وأن الوقار خصلة ممدوحة مختلفة معنىً عن التكبر الذي هو من الخصال السيئة ومشابهة له صورة؛ فإن الاقتصاد الذي هو من الأخلاق العالية للنبي r، بل مما يدور عليه نظام الحكمة الإلهية في الكون لا علاقة له بالبخل الذي هو مزيج من المسكنة والطمع والحرص، وليس بينهما إلا تشابه في الظاهر ليس غير.
واقعة تؤيد هذه الحقيقة:
كان الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو أكبر وأجلّ أبناء الفاروق الأعظم خليفة رسول الله r وأحد العبادلة السبعة المشهورين ومن المبرزين بين علماء الصحابة؛ في نقاش حادّ يومًا ما في مزاولة البيع والشراء في السوق في شيء لا يساوي إلا بضعة قروش، من أجل الاقتصاد ومن أجل الحفاظ على الأمانة والاستقامة اللتين تقوم عليهما التجارة، فرآه أحد الصحابة رضي الله عنهم، فتوهم نقاش ابن عمر خليفة الأرض الجليل من أجل شيء لا يساوي إلا بضعة قروش بخلا عجيبًا، فتبع ذلك الإمام كي يفهم أمره، فرأى أن سيدنا عبد الله يدخل بيته المبارك فوجد عند الباب رجلا فقيرًا، فقضى بعض الوقت معه ثم انصرف، ثم خرج من الباب الثاني لبيته، فوجد رجلا فقيرًا آخر هناك، فقضى معه بعض الوقت، ثم انصرف، وأثار كل هذا فضول ذلك الصحابي الذي كان يتبعه من بعيد، فذهب إلى هذين الفقيرين وسألهما:
204. صفحة
ماذا فعل الإمام عندما وقف عندكما؟
فقال كل منهما: أعطاني قطعة ذهب.
فقال ذلك الصحابي مفكرًا: سبحان الله! إنه دخل في مثل هذا النقاش في السوق من أجل شيء لا يساوي إلا قرشا واحدا، ثم يعطي في بيته من دون أن يُشعِر أحدًا مائتي قرش بكمال رضا النفس، فذهب إلى سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقال له:
هلا حللت معضلتي هذه؟ إنك فعلت في السوق كذا وكذا، وسمعت أنك فعلت في بيتك كيت وكيت؟ فرد عليه مجيبا قائلا:
إن ما جرى في السوق هو من أجل الاقتصاد وكمال العقل، ومن أجل الحفاظ على الأمانة والصدق اللذين هما أساس البيع والشراء وروحهما، وليس بخلاً، وأما ما جرى في بيتي فناشئ من شفقة القلب وكمال الروح، ليس ذلك ببخل وليس هذا بإسراف.
ولقد قال الإمام الأعظم([1]) رضي الله عنه إشارة إلى هذا السر "لا إسراف في الخير كما لا خير في الإسراف" أي لا إسراف في الخير والإحسان، ولكن لمن يستحق، ولا خير في الإسراف إطلاقًا.
النكتة السابعة:
إن الإسراف يولد الحرص، والحرص يولد ثلاث نتائج:
أولاها: عدم القناعة، فعدم القناعة يكسر الشوق إلى السعي والعمل، ويسوق المرء إلى الشكوى بدلا من الشكر، ويلقي الإنسان في الكسل، ويترك المال القليل([2]) المشروع الحلال، ويبحث عن مال غير مشروع ليس فيه تعب أو مشقة، ويضحي بعزته في سبيل ذلك بل ربما بشرفه.
[1] هو الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه.
[2] بسبب عدم الاقتصاد يزيد المستهلكون ويقلّ المنتجون، ويتطلع الجميع إلى باب الحكومة، فعندئذ تتناقص الصناعة والتجارة والزراعة التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية، ويتدنى الشعب ويتخلف ويصبح فقيرًا. (المؤلف)
205. صفحة
ثانيتها: الخيبة والخسارة، وفوات المقصود، والتعرض للاستثقال والحرمانُ من التسهيلات والتعاون، ويكون حال الحريص منطبقًا عليه المَثَل "الحريص خائب خاسر".
إن تأثير الحرص والقناعة يجري في عالم الأحياء حسب دستور شامل واسع جدًّا، فمثلا كما أن القناعة الفطرية تُجري الرزق إلى الأشجار المحتاجة إليه؛ فإن جري الحيوانات بالحرص وراء الرزق في نقص ومشقة يدل على الضرر الكبير للحرص، وعلى النفع العظيم للقناعة، ثم إن سيلان غذاء لطيف كاللبن إلى جميع الصغار الضعفاء من حيث لا يحتسبونه بسبب قناعتهم بلسان حالهم، وهجومَ الوحوش بالحرص على أرزاقها الناقصة الملوّثة يثبت دعوانا إثباتًا ساطعًا، ثم إن كون حالة القناعة للأسماك الممتلئة سبب وصول رزقها الحسن إليها، وضعف الحيوانات الذكية كالثعالب والقِرَدة ونحافتها لعدم حصولها على ما يكفي من رزقها مع أنها تسعى وراء الرزق بالحرص ليدل أيضا على أن الحرص كم هو سبب للمشقة، وعلى أن القناعة كم هي سبب للراحة، ثم إن حصول قوم اليهود على أرزاقهم بما لا يكاد يكفي إلا لعيشهم فقط بطريقة غير مشروعة وبالذل والسفالة بسبب تعاملهم بالربا والحيلة نتيجةَ حرصهم، وقناعة سكان الصحارى -أي البدويين- وعيشهم بعزتهم، وحصولهم على رزقهم الكافي؛ ليثبت دعوانا المذكورة إثباتًا قاطعًا.
ثم إن وقوع كثير من العلماء([1]) والأدباء([2]) في حالة الفقر بسبب حرصهم الناشئ عن ذكائهم، وإثراء([3]) كثير من الأغبياء والعاجزين بسبب قناعتهم الفطرية
[1] سُئِل بُزُرجُمهُر العالم المشهور بالعقل والحكمة وهو وزيرُ أنوشروان العادل من ملوك إيران العادلين؛ لماذا يشاهَد العلماء بأبواب الأمراء، ولا يشاهد الأمراء بأبواب العلماء، مع العلم بأن العلم فوق الإمارة؟ فقال مجيبا: هذا من علم العلماء وجهل الأمراء، أي إن الأمراء لايقدّرون العلم بسبب جهلهم حتى يأتوا أبواب العلماء ويطلبوه، أما العلماء فيعلمون قيمة أموالهم أيضا لسبب معارفهم؛ لذا يطلبونها بأبواب الأمراء، وهكذا أجاب بزرجمهر إجابة لطيفة على السؤال وأوَّلَ تأويلاً ظريفًا حرص العلماء المؤدي إلى فقرهم وذلهم والذي هو نتيجة ذكائهم. (خُسْرَوْ)
[2] حادثة تؤيد هذه الحقيقة: يُمنح الأدباء في فرنسا وثيقة التسول لإتقانهم له. (سليمان رشدي)
[3] إثراء: غنى وثراء.
206. صفحة
ليثبت إثباتًا قاطعًا أن الرزق الحلال يأتي حسب العجز والافتقار، وليس بالاقتدار والاختيار، بل إن ذلك الرزق الحلال متناسب مع الاقتدار والاختيار تناسبًا عكسيًا؛ لأنه كلما ازداد اقتدار الأطفال وإرادتهم قل رزقهم وابتعد وأصبح الحصول عليه شاقًّا، وإن القناعة كنز لرغد العيش وراحة للحياة بسر الحديث الشريف "القَنَاعَةُ كَنْزٌ لاَ يَفْنَى"([1])، أما الحرص فمعدن خسارة وفقر.
ثالثتها: إن الحرص يفسد الإخلاص، ويجرح العمل الأخروي؛ لأنه لو كان لرجل من أهل التقوى حرص لطَلَبَ توجه الناس إليه، فالذي يرغب في توجه الناس إليه لا يستطيع أن يجد الإخلاص التام، فهذه النتيجة ذات أهمية كبيرة جدًّا ولافتة للنظر وجديرة بالملاحظة.
الحاصل: إن الإسراف يولد عدم القناعة، وعدم القناعة يكسر الشوق إلى السعي والعمل، ويلقي المرء في الكسل، ويفتح أبواب الشكوى في حياته، فيجعله يشكو دائمًا([2])، ويفسد إخلاصه، ويفتح له بابًا للرياء، ويكسر عزته، ويُرِيه طريق التسول.
أما الاقتصاد فيولد القناعة، والقناعة تولد العزة بسر الحديث الشريف "عَزَّ مَنْ قَنِعَ ذَلَّ مَنْ طَمِعَ"([3]) ويحثّ المرء على السعي والعمل، ويزيد همته وشوقه، ويدفعه إلى العمل، لأن الإنسان إن عمل يومًا مثلا، فإنه يعمل في اليوم التالي بسر القناعة بالأجر الجزئي الذي تقاضاه في أمسه.
أما المسرف فلا يعمل في اليوم التالي لعدم قناعته، وحتى لو عمل فإنه يعمل بدون شوق أو رغبة.
ثم إن القناعة الناشئة عن الاقتصاد تفتح باب الشكر وتغلق باب الشكوى، فيكون المرء شاكرًا في حياته دومًا، ثم إنه لا يرغب في توجه الناس إليه لاستغنائه عنهم بسبب القناعة، فينفتح باب الإخلاص، وينغلق باب الرياء.
[1] جاء في المعجم الأوسط عن يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالقناعة فإن القناعة مال لا ينفد." انظر المعجم الأوسط 7/84، حديث رقم 6922.
[2] أجل إذا قابلت أي مسرف سمعتَ منه الشكاوى، ومهما كان غنيًّا فسيشكو، وإذا قابلت قنوعًا ولو كان أفقر الناس لسمعتَ الشكرَ. (المؤلف)
[3] انظر النهاية في غريب الأثر 4/114.
207. صفحة
لقد شاهدت الأضرار الهائلة لعدم الاقتصاد والإسراف في نطاق واسع، كما يلي:
قدمت إلى مدينة مباركة قبل تسع سنوات، وكان الفصل شتاءً، فلم أستطع أن أرى منابع ثروات تلك المدينة، وقال مفتيها رحمه الله عدة مرات: إن أهالينا فقراء، فأثار هذا القول عاطفتي، وكنت أشفق على أهالي تلك المدينة ست سنوات تقريبًا من بعد هذا، وبعد ثماني سنوات قدمت مرة أخرى إلى تلك المدينة في الصيف، فنظرت إلى كرومها، وتذكرت قول المفتي رحمه الله، فقلت سبحان الله! إن محاصيل هذا الكروم تفوق بكثير حاجات المدينة، وينبغي أن يكون أهلوها أغنياء جدًّا، فتعجبت، وأدركت بحقيقة خطرت على بالي -وهي مرشدي لإدراك الحقائق فلا تخدعني- أنه قد رُفعت البركة بسبب الإسراف وعدم الاقتصاد، فكان المفتي رحمه الله يقول إن أهالينا فقراء، على الرغم من هذا القدر من منابع الثروة!!
أجل؛ إن هناك وقائع لا حد لها تدل على أن الاقتصادَ وإيتاءَ الزكاة سبب للبركة في المال بالتجربة، وأن الإسراف وعدم إيتاء الزكاة سبب لرفع البركة.
ولقد فسر ابن سينا أبو علي العبقري المشهور -وهو أفلاطون فلاسفة المسلمين وشيخ الأطباء وأستاذ الفلاسفة- الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ من وجهة نظر الطب فقط، كما يلي:
جَمَعْتُ الطِّبَّ فِي البَيْتَيْنِ جَمْعًا
وَحُسْنُ القَوْلِ فِي قِصَرِ الكَلاَمِ
فَقَلِّلْ إِنْ أَكَلْتَ وَبَعْدَ أَكْلٍ
تَجَنَّبْ وَالشِّفَاءُ فِي الاِنْهِضَامِ
وَلَيْسَ عَلَى النُّفُوسِ أَشَدّ حَالاً
مِن إدْخَالِ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحْكِيمُ
208. صفحة
توافق لافت للنظر ومدار للعبرة: لقد كتب رسالة الاقتصاد خمسة أو ستة من المستنسخين -وثلاثة منهم لا يتقنون الكتابة- فتوافَق كل واحد وخمسين ألِفًا من ألفات كل نسخة خالية من الدعاء وكل ثلاثة وخمسين ألفًا مع الدعاء، على الرغم من اختلاف أماكن أولئك المستنسخين واختلاف النسخ التي كانوا ينقلون منها، وابتعادِ أماكنهم بعضها عن بعض، واختلاف خطِّهم في الكتابة، ومع عدم التفكر في تلك الألفات إطلاقًا، فإن توافق عدد الألفات مع تاريخ رسالة الاقتصاد واستنساخها وهو بالتاريخ الرومي واحد وخمسون وبالتاريخ الهجري ثلاث وخمسون، لا يمكن أن يكون مصادفة البتة، بل هو إشارة إلى صعود البركة في الاقتصاد إلى درجة الكرامة، وإنه لَحَرِيٌّ أن يطلق على هذا العام عام الاقتصاد.
أجل؛ لقد أثبت الزمان هذه الكرامة الاقتصادية -بعد سنتين- في الحرب العالمية الثانية بالجوع والتدمير وأنواع الإسراف المنتشرة في كل مكان، وباضطرار البشرية والكل إلى الاقتصاد.


