اللمعة التاسعة والعشرون

430. صفحة

 

اللمعة التاسعة والعشرون

رسالة تفكر إيمانية عالية.. ورسالة معرفة توحيدية سامية..

بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ

يا إخواني، إن رسالة التفكر هذه مهمة جدًّا، وهي رسالة معرفةٍ خطرت على قلبي بعين اليقين في أثناء أذكار الصلاة، وأثمرتْ كثيرًا من الرسائل، وأصبحت غذاءً ودواءً لعقلي وفكري منذ ثلاثين سنة، ويجدر بها أن تُدرَج ضمن اللمعات وأن تُستَنْسخ أربعين أو خمسين نسخةً مستقلة.

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

 

إفادة المرام

لقد وضعتُ بعض الكلمات من نوع الإشارات للحفاظ على الأنوار العظيمة والحقائق الطويلة التي ظهرت على عقلي وقلبي منذ ثلاثين سنة نتيجة امتزاجهما في مسلك التفكر، لا للدلالة على تلك الأنوار وإنما للإشارة إلى وجودها ولتسهيل التفكر وللحفاظ على التناسق، حيث يأمر القرآن المعجز البيان بالتفكر ويحث عليه بآيات مثل ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (البقرة:٢١٩) ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٦) ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمٰوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الروم: 8) ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الرعد: ٣) وحيث يبيِّن الحديث الشريف أن (تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ) ويحث عليه حثًّا عظيمًا. 

431. صفحة

كنت أذكر تلك الكلمات بيني وبين نفسي باللسان بعبارات عربية في غاية التنوع حينما كنت أستمر في هذا التفكر، ولم تكن تُورثني - تلك الأذكارُ- المللَ مع أنني كنت أرددها آلاف المرات في هذا الزمن الطويل، ولم يكن ينقص الذوقُ الروحانيُّ الذي منحته لي، ولم تكن تَزُول حاجة الروح إليها؛ ولأن ذلك التفكر بأجمعه لمعاتٌ للآيات القرآنية فإن تجليا من عدم إيراث الملل والحفاظ على حلاوتها اللذين هما من خصائص الآيات قد تمثل في مرآة ذلك التفكر.

إنني رأيت في الأيام الأخيرة أن العُقدة الحياتية القوية والأنوار الساطعة في أجزاء رسائل النور هي لمعات سلسلة التفكر تلك، وكنت قد نويت أن أسجلها جميعا في آخر عمري مفكِّرًا في أنها ستؤثر في غيري من الأشخاص كما أثّرت فيّ.

في الحقيقة قد أُدرِجت أقسام مهمة منها في رسائل النور، إلا أنها في مجموعها ستكون قِيمَة وقوة أخرى، ولأن آخر العمر غير معين، وحيث إن أوضاعي وسجني في سجن "أسكي شهر" كان أشد من الموت فلم أنتظر آخر عمري فكُتبت تلك السلسلة التفكرية في "سبعة أبواب" دون تغيير بإصرار وإلحاح من إخواني.

 

الباب الأول

في "سبحان الله"

 

وهو ثلاثة فصول

الفصل الأول

 

بِسْمِ الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

سُبْحانَكَ يا مَنْ تُسَبّحُ بِحَمْدِكَ السَّمَاءُ بِكَلِمَاتِ نُجُومِهَا وَشُموُسِهَا وَأَقمَارِهَا، بِرُمُوزِ حِكَمِهَا.

وَيُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الجَوُّ بِكَلِمَاتِ سَحاباتِهِ وَرُعُودِهَا وَبُرُوقِهَا وَأمطَارِهَا، بِإشاراتِ فَوَائِدِهَا. 

432. صفحة

وَيُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ رَأسُ الأرض بِكَلِمَاتِ مَعَادِنِهَا وَنَبَاتَاتِهَا وَأشْجَارِهَا وَحَيَوَانَاتِهَا، بِدَلالاتِ انْتِظَامَاتِهَا.

وَتُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ النَّبَاتَاتُ وَالأشْجَارُ بِكَلِمَاتِ أوْرَاقِهَـا وَأزهَارهَا وَثَمَرَاتِهَا، بَتَصْريحَاتِ مَنَافِعِهَا.

وَتُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الأزهَارُ وَالأثْمَارُ بِكَلِمَاتِ بُذُورِهَا وَأجْنِحَتِها وَنَوَاتَاتِهَا، بِعَجَائبِ صَنْعَتِهَا.

وَتُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ النَّواتَاتُ وَالبُذُورُ بَألسِنَةِ سَنَابِلِهَا وكَلِمَاتِ حَبَّاتِهَا بالمُشَاهَدةِ.

وَيُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ كُلُّ نَبَاتٍ بِغَايَةِ الوُضُوحِ وَالظُهُورِ عِنْدَ انْكِشافِ أكمَامِها وَتَبَسُّمِ بَنَاتِهَا بَأفْوَاهِ مُزَيَّنَاتِ أزاهيرِهَا وَمُنْتَظَمَاتِ سَنَابِلِهَا، بِكَلِمَاتِ مَوْزُونَاتِ بُذُورِهَا، وَمَنْظُومَاتِ حَبّاتِهَا، بِلِسَانِ نِظامِهَا في ميزانِهَا في تَنْظِيمِها في تَوْزِيِنِهَا في صَنْعَتِهَا في صِبغَتِها في زِينَتِهَا في نُقُوشِهَا في رَوَائِحِهَا في طُعُومِهَا في ألوَانِهَا في أشْكَالِهَا([1])، كَمَا تَصِفُ تَجَلِّيَاتِ صِفَاتِكَ وتُعَرِّفُ جَلواتِ أسمائِكَ وَتُفَسِّرُ تَوَدُّدَكَ وَتُعَرِّفُكَ بِمَا يَتَقَطَّرُ مِنْ ظَرَافَةِ عُيُونِ أزاهيِرهَا وَمِنْ طَرَاوَةِ أسْنَانِ سَنَابِلِهَا مِنْ رَشحَاتِ لَمَعَاتِ جَلوَاتِ تَوَدُّدِكَ وتَعَرُّفِكَ إلى عِبَادِكَ.

سُبْحانَكَ يَا وَدُودُ يا مَعْروُفُ مَا أحسَنَ صُنْعَكَ وَمَا أزيَنَهُ وَمَا أبْيَنَهُ وَمَا أتْقَنَهُ!

سُبْحَانَكَ يا مَن تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ جَميعُ الأشْجَارِ بِكَمَالِ الصَّرَاحَةِ وَالبَيَانِ عِنْدَ انْفِتَاحِ أكمَامِهَا وَانْكِشافِ أزهَارِهَا وتَزايُدِ أورَاقِهَا وَتَكَامُلِ أثمَارِهَا وَرَقْصِ بَنَاتِهَا عَلى أيَادي أغْصَانِهَا حَامِدَةً بأفْوَاهِ أوراقِهَا الخَضِرَةِ بِكَرَمِكَ، وَأزهَارِهَا المُتَبَسّمَةِ بِلُطْفِكَ، وَأثمَارِهَا الضَّاحِكَةِ بِرَحْمَتِكَ، بِألسِنَةِ نِظَامِهَا في ميزَانِهَا في تَنْظيِمِهَا في تَوْزينهَا في صَنْعَتِهَا في صِبْغَتِهَا في زِينَتِهَا في نُقُوشِهَا في طُعومِهَا في رَوَائحِهَا في ألوَانِهَا في أشكَالِهَا في اختِلافِ لُحُومِهَا في كَثْرَةِ تَنَوُّعِهَا في عَجَائبِ خِلقَتِهَا([2]) كَمَا تَصِفُ صِفَاتِكَ وَتُعَرِّفُ أسْمَاءَكَ وتُفَسِّرُ تَحَبُّبَكَ وَتَعَهُّدَكَ لِمَصْنُوعَاتِكَ بِمَا يَتَرَشَّحُ مِنْ شِفَاهِ ثِمَارِهَا مِنْ قَطَراتِ رَشَحَاتِ لَمَعَاتِ جَلوَاتِ تَحَبُّبِكَ وتَعَهُّدِكَ لِمَخْلُوقَاتِكَ.


[1]   إن اثني عشر حجابًا فوق حجاب، برهانًا في برهان، دليلاً ضمن دليل يُرِي القلبَ بنغمات مختلفة ولمعات متنوعة صادرةٍ عن زهرة واحدة النقَّاش الأزلي، وتلفت عين العقل إليه.( المؤلف)

 

[2]   هذه الدلائل الخمسة عشر، دليل في دليل، وبرهان داخل برهان تشير إلى الصانع ذي الجلال. (المؤلف)

 



433. صفحة

حَتّى كَأنَّ الشَّجَرَة المُزَهَّرَةَ قَصيِدَةٌ مَنْظُومَةٌ مُحَرَّرَةٌ، لِتُنْشِدَ للِصَّانعِ المَدَائِحَ المُبَهَّرَةَ. أو فَتَحَتْ بِكَثْرَةٍ عُيُونَها المُبَصَّرَةَ لِتَنْظُرَ للفَاطِرِ العَجَائِبَ المُنَشَّرَةَ، أوْ زَيَّنَتْ لِعيدِهَا أعْضَاءهَا المُخَضَّرَةَ لِيَشْهَدَ سُلْطَانُهَا آثَارَهَا المُنَوَّرَةَ. وَتُشْهِرَ في المَشْهَرِ مُرَصَّعَاتِ الجَوْهَرِ. وَتُعْلِنَ للِبَشَرِ حِكْمَةَ خَلْقِ الشَجَرِ.

سُبْحَانَكَ مَا أحْسَنَ إحْسَانَكَ مَا أبْيَنَ تِبْيَانَكَ مَا أبْهَرَ بُرْهَانَكَ ومَا أظْهَرَهُ ومَا أنْوَرَهُ!. سُبْحَانَكَ مَا أعْجَبَ صَنْعَتَكَ!

تَلألُؤُ الضِّياءِ بدَلاَلَةِ حِكَمِهَا؛ مِنْ تَنْوِيرِكَ، تَشْهِيرِكَ.. تَمَوُّجُ الإعْصَارِ بِسِرّ وَظَائِفِهَا مِنْ تَصْرِيفِكَ، تَوْظِيفِكَ.. تَفَجُّرُ الأنْهَارِ بإشَارَةِ فَوَائِدِهَا؛ مِنْ تَدْخِيرِكَ، تَسْخِيرِكَ.. تَزَيُّنُ الأحْجَارِ والحَدِيدِ بِرُمُوزِ خَوَاصِّهَا وَمَنَافِعِها مِن تَدْبِيِرِكَ، تَصْوِيِرِكَ.. تَبَسُّمُ الأزهَارِ بِعَجَائِبِ حِكَمِهَا؛ مِنْ تَحْسِينِكَ، تَزْيِينِكَ.. تَبَرُّجُ الأثْمَارِ بِدَلالَةِ فَوَائِدِهَا؛ مِنْ إنْعَامِكَ، إكْرَامِكَ.. تَسَجُّعُ الأطْيَارِ بِإشَارَةِ انْتِظَامِ شَرائَطِ حَيَاتِهَا؛ مِنْ إنطَاقِكَ إرفَاقِكَ.. تَهَزُّجُ الأمْطَارِ بِشَهَادَةِ فَوَائِدِهَا؛ مِنْ تَنْزيِلِكَ، تَفْضِيِلكَ.. تَحَرُّكُ الأقْمَارِ بِشَهَادَةِ حِكَمِ حَرَكَاتِهَا؛ مِنْ تَقْدِيرِكَ، تَدْبِيرِكَ، تَدْوِيرِكَ، تَنْوِيرِكَ.

سُبْحانَكَ مَا أنْوَرَ بُرهَانَكَ مَا أبْهَرَ سُلطَانَكَ!

 

الفصل الثاني

سُبْحَانَكَ لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ فيِ فُرْقَانِكَ. وَأثنَى عَلَيْكَ حَبِيبُكَ بِإذْنِكَ. وَأثنَتْ عَلَيْكَ جَمِيعُ مَصْنُوعَاتِكَ بإنْطَاقِكَ.

سُبْحَانَكَ مَا عَرَفْنَاكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ يا مَعْروُفُ بِمُعْجِزَاتِ جَميعِ مَصنوُعَاتِكَ وَبِتَوصِيفَاتِ جَميِعِ مَخْلُوقَاتِكَ وَبِتَعْرِيِفَاتِ جَميِعِ مَوْجُوُداتِكَ.

سُبْحَانَكَ مَا ذَكَرْنَاكَ حَقَّ ذِكْرِكَ يَا مَذْكُورُ بِألسِنَةِ جَميعِ مَخلُوقَاتِكَ وَبِأنفُسِ جَميعِ كَلِمَاتِ كِتَابِ كَائِنَاتِكَ وَبِتَحيَّاتِ جَميعِ ذَويِ الحَيَاةِ مِنْ مَخْلُوقَاتِكَ لَك وَبِمَوْزُونَاتِ جَميعِ الأورَاقِ المُهْتَزَّةِ الذّاكِرَةِ في جَميعِ أشْجَارِكَ ونَبَاتَاتِكَ.

434. صفحة

سُبْحَانَكَ مَا شَكَرْنَاكَ حَقَّ شُكْرِكَ يا مَشْكُورُ بِأثنِيَةِ جَميعِ إحْسَانَاتِكَ عَلى إحْسَانِكَ عَلى رُءوسِ الأشْهَادِ وَبِإعْلانَاتِ جَميعِ نِعَمِكَ عَلى إنْعَامِكَ في سُوقِ الكَائنَاتِ[1] وَبِمَنْظُومَاتِ جَميعِ ثَمَرَاتِ رَحْمَتِكَ وَنِعْمَتِكَ لَدى أنْظَارِ المَخْلُوقَاتِ وبِتَحْمِيدَاتِ جَميعِ مَوْزُونَاتِ أزاهيرِكَ وَعَنَاقيدِكَ المُنَظَّمَةِ في خُيُوطِ الأشْجَارِ وَالنَبَاتَاتِ.

سُبْحَانَكَ مَا أعظَمَ شَأنَكَ وَمَا أزيَنَ بُرْهَانَكَ وَمَا أظْهَرَهُ وَمَا أبْهَرهُ!

سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ يَا مَعْبُودَ جَميعِ المَلائِكَةِ وجَميعِ ذَوي الحَيَاةِ وجَميعِ العَنَاصِرِ والمَخْلُوقَاتِ، بِكَمَالِ الإطَاعَةِ والامْتِثَالِ والانتِظَامِ والاتِّفَاقِ والاِشْتِيَاقِ.

سُبْحَانَكَ مَا سَبَّحْنَاكَ حَقَّ تَسْبِيحِكَ يا مَنْ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمٰوَاتُ السَّبْعُ والأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء:٤٤).

سُبحَانَكَ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ السَّماءُ وَالأرضُ بِجَميعِ تَسْبيِحاتِ جَميعِ مَصْنوُعَاتِكَ وَبِجَميعِ تَحْميِدَاتِ جَميعِ مَخْلُوقَاتِكَ لَكَ.

سُبْحَانَكَ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الأرض وَالسَّمَاءُ بِجَميعِ تَسْبيِحَاتِ جَميعِ أنْبيَائِكَ وَأولِيَائِكَ وَمَلائِكَتِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتُكَ وَتَسْليِمَاتُكَ.

سُبْحَانَكَ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الكَائِنَاتُ بِجَميعِ تَسْبيِحَاتِ حَبيبِكَ الأكْرَمِ صلى الله تعالى عليه وسلم. وَبِجَميعِ تَحْميِدَاتِ رَسُولِكَ الأعْظَمْ لَكَ، عَلَيهِ وَعَلى آلهِ أفْضَلُ صَلَوَاتِكَ وَأتَمُّ تَسْليمَاتِكَ.

سُبْحَانَكَ يا مَنْ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ هذِهِ الكَائِناتُ بِأصْدِيَةِ تَسْبيحَاتِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَلاةُ والسَّلامُ لَكَ؛ إذْ هُوَ الَّذِي تتَمَوَّجُ أصْدِيَةُ تَسْبيحَاتِهِ لَكَ عَلى أمْوَاجِ الأعْصَارِ وأفْوَاجِ الأجْيَالِ.

الَّلهُمَّ فَأبِّدْ عَلى صَفَحَاتِ الكَائِنَاتِ وَأوْرَاقِ الأوْقَاتِ إلى قيَامِ العَرَصَاتِ أصْدِيَةَ تَسْبيحَاتِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَلاَةُ والتَسْليماتُ.

سُبْحَانَكَ يا مَنْ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الدُنْيَا بِآثَارِ شَريِعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَلاةُ وَالسَّلامُ.

اَلَّلهُمَّ فَزَيِّنِ الدُّنيَا بِآثارِ دِيَانَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسّلامُ إلى يَوْمِ القِيَامِ.


[1]  أي الكون.

 



435. صفحة

سُبْحَانَكَ يامَنْ تُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الأرضُ سَاجِدَةً تَحتَ عرْشِ عَظَمَةِ قُدْرَتِكَ بِلِسَانِ مُحَمَّدِهَا عَلَيهِ الصَلاةُ وَالسَّلامُ.

اَللَّهُمَّ فَأنْطِقِ الأرض بِأَقْطَارِهَا بِلِسَانِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ الصَلاةُ والسَّلامُ إلى يَوْم البَعْثِ والقيَامِ.

سُبْحَانَكَ يَا مَنْ يُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ جَميعُ المُؤمِنينَ وَالمُؤْمِنَاتِ في جَميعِ الأمْكِنَةِ وَالأوْقَاتِ بِلِسانِ مُحَمَّدِهِمْ عَلَيهِ الصَلاةُ وَالسَّلامُ.

اللَّهُمَّ فَأنْطِقِ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ إلى يَومِ القِيَامِ بِأصْدِيَةِ تَسْبيحَاتِ مُحَمَّدٍ لك عَلَيه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ.

 

الفصل الثالث

ذُو الجَلال سُبْحَانَ اللهِ الوَاحِدِ الأحَدِ المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنِ الأضْدَادِ وَالأنْدَادِ وَالشُرَكَاءِ.

ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله القَدِيِرِ الأزلي المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنِ المُعينِ وَالوُزَرَاءِ.

ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله القَدِيمِ الأزلي المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنْ مُشَابَهَةِ المُحْدثَاتِ الزَّائِلاَتِ.

ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله الوَاجِبِ وُجُودُهُ المُمْتَنِعِ نَظيرُهُ المُمكِنِ كُلُّ مَا سِوَاهُ المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنْ لَوَازِمِ ماهيَّاتِ المُمْكِنَاتِ.

ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله الَّذي ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصيِرُ﴾ (الشورى:١١) المُتَقَدِّسُ المُتَنَزِّهُ عَمَّا تَتَصوَّرُهُ الأوْهَامُ القَاصِرَةُ الخَاطِئَةُ.

ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله الَّذي ﴿لَهُ المَثَلُ الأعْلَى في السَّموَاتِ وَالأرضِ وَهُوَ العَزيِزُ الحَكيِمُ﴾ (سورة الروم: ٢٧) المُتَقَدِّسُ المُتَنَزِّهُ عَمَّا تَصِفُهُ العَقَائِدُ النَاقِصَةُ البَاطِلَةُ.

ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله القَديِرِ المُطْلَقِ الغَنيِّ المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنِ العَجْزِ والاحْتِياجِ.

ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله الكاملِ المُطْلَقِ في ذاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأفْعالِهِ المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنِ القُصُورِ والنُّقْصَانِ، بِشَهَادَاتِ كَمَالاتِ الكائِنَاتِ. إذْ مَجْمُوعُ مَا في 

436. صفحة

الكائِنَاتِ مِن الكَمالِ وَالجَمَالِ ظِلٌّ ضَعيفٌ بِالنّسْبَةِ إلى كَمَالهِ سُبْحَانَهُ، بالحَدْسِ الصَّادِقِ وَبِالبُرْهَانِ القَاطِعِ وبالدَّليل الوَاضِحِ. إذِ التَّنْويرُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ النُّورانِيِّ وبِدَوَامِ تَجَلّي الجَمَالِ وَالكَمَالِ مَعَ تَفَانِي المَرَايا وسَيَّاليَّةِ المَظَاهِرِ وبِإجْمَاعِ وَاتِّفَاقِ جَمَاعَةٍ كَثيرَةٍ مِنَ الأعَاظِمِ المُخْتَلِفِينَ في المَشَارِبِ والكَشْفِيَّاتِ المُتَّفِقِينَ عَلى ظِلّيَّةِ كَمَالاتِ الكَائِنَاتِ لأنْوَارِ كَمالِ الذَّاتِ الوَاجِبِ الوُجُودِ.

ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله الأزلي الأبَديِّ السَّرْمَديِّ المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنِ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ اللاّزِمَيْنِ للمُحْدَثَاتِ المُتَجَدّدات المُتكامِلاتِ.

ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله خَالِقِ الكَوْنِ وَالمَكَانِ المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنِ التَّحَيُّز وَالتَّجَزُّءِ اللَّازِمَيْنِ للمَادّيَّاتِ وَالمُمْكِنَاتِ الكَثيِفَاتِ الكَثيِراتِ المُقَيَّدَاتِ المَحْدُودَاتِ.

ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله القَديِمِ الباقِي المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنِ الحُدُوثِ وَالزَّوَالِ.

ذُو الجَلال سُبْحَانَ الله الوَاجِبِ الوُجُودِ المُتَقَدِّسِ المُتَنَزِّهِ عَنِ الوَلَدِ وَالوَالِدِ وَعَنِ الحُلُول والاتّحَادِ وَعَنِ الحَصْرِ وَالتَّحْدِيدِ وَعَمَّا لا يَليِقُ بِجَنَابِهِ وَمَا لايُنَاسِبُ وُجوُبَ وُجُودِهِ وَعَمَّا لا يُوَافِقُ أزَلِيَّتَهُ وَأَبَدِيَّتَهُ.

جَلَّ جَلالُهُ. وَلَا إلٰهَ إلَّا هُوَ.

 

الباب الثاني

 

في "الحَمْدُ لله"

في هذا الباب([1]) تسع نقاط

 

النقطة الأولى

الحَمْدُ لله عَلى نِعْمَةِ الإيمَانِ المُزيلِ عَنَّا ظُلُمَاتِ الجِهَاتِ السِّتّ. إذْ جِهةُ المَاضِي في حُكْمِ يَميننا مُظْلِمَةٌ وَمُوحِشَةٌ بِكَونِهَا مَزَارًا أكبَرَ. وبِنِعْمَةِ الإيمان تَزُولُ تِلكَ الظُّلْمَةُ وَيَنْكَشِفُ المَزَارُ الأكْبَرُ عَنْ مَجْلِسٍ مُنَوَّرٍ.


[1]  بما أن الشكر من أهم أُسُس رسائل النور بعد التفكر، وأن أكثر مراتب الشكر والحمد وحقائقهما قد بُيِّنت بإيضاح في أجزاء رسائل النور؛ فقد ذُكر هنا بعض مراتب الحمد الذي يقابل نعمة الإيمان ذكراً مختصرًا جدًّا، اكتفاءً بتلك المراتب المذكورة؛ فإن للحمد مراتب حسب مراتب نعمة الإيمان. (المؤلف)

 



437. صفحة

وَيَسَارُنَا الَّذي هُوَ الجِهَةُ المُسْتَقْبَلَةُ، مُظْلِمَةٌ وَمُوحِشَةٌ بِكَوْنِهَا قَبراً عَظيمًا لَنَا. وبِنِعْمَةِ الإيمان تَنْكَشِفُ عَنْ جِنَانٍ مُزَيَّنَةٍ فيهَا ضِيافَاتٌ رَحْمَانيَّةٌ.

وَجِهَةُ الفَوقِ وَهُوَ عَاَلَمُ السَّمواتِ مُوحِشَةٌ مُدْهِشَةٌ بِنَظَر الفَلسَفَةِ. فَبِنِعْمَةِ الإيمان تتَكَشَّفُ تِلكَ الجِهَةُ عَنْ مَصابيِحَ مُتَبَسِّمَةٍ مُسَخَّرةٍ بِأمْرِ مَنْ زَيَّنَ وَجه السَّماءِ بِهَا، يُسْتَأنَسُ بِهَا وَلا يُتَوَحَّشُ مِنْهَا.

وَجِهَةُ التَّحْتِ وَهيَ عَالَمُ الأرضِ مُوحِشَةٌ بِوَضْعيَّتِهَا في نَفْسِهَا بِنَظَرِ الفَلسَفَةِ الضَّالَّةِ. فَبِنعْمَةِ الإيمان تَتكَشَّفُ عَنْ سَفينَةٍ رَبَّانيَةٍ مُسَخَّرَةٍ وَمَشْحُونَةٍ بِأَنْوَاعِ اللَّذَائِذِ والمَطْعُومَاتِ؛ قَدْ أركَبَهَا صَانِعُهَا نَوعَ البَشَرِ وَجِنسَ الحَيَوَانِ للسِّياحَةِ في أطْرَافِ مَملَكَةِ الرَّحْمنِ.

وَجِهَةُ الأمَامِ الَّذي يَتَوَجَهُ إلى تِلكَ الجِهَةِ كُلُّ ذَوي الحَيَاةِ مُسْرِعَةً قَافِلَةً خَلفَ قَافِلَةٍ، تَغيبُ تِلكَ القَوافِلُ في ظُلُمَاتِ العَدَمِ بِلا رُجُوعٍ، وَبِنِعْمَةِ الإيمان تَتَكَشَّفُ تِلكَ السِياحَةُ عَنِ انتِقَالِ ذَوي الحيَاةِ مِنَ دَارِ الفَنَاءِ إلى دَارِ البَقاءِ، وَمِنْ مَكَانِ الخِدْمَةِ إلى مَوضِعِ أخْذِ الأُجْرَةِ، وَمِنْ مَحَلِّ الزَّحْمَةِ إلى مَقامِ الرَّحْمَةِ والاستِرَاحَةِ. وَأمَا سُرعَةُ ذَوي الحَيَاةِ في أمْوَاجِ المَوتِ، فَلَيْسَتْ سُقوُطًا وَمُصيبَةً، بل هِيَ صُعُودٌ باشتِيِاقٍ وَتَسَارُعٌ إلى سَعادَاتِهِمْ.

وَجِهَةُ الخَلْفِ أيضاً مُظْلِمَةٌ مُوحِشَةٌ. فَكُلُّ ذي شُعُورٍ يَتَحيَّرُ مُتَرَدِّداً ومُستَفْسِراً بـ"مِنْ أينَ؟ إلى أينَ؟". فلأَنَّ الغَفْلَةَ لا تُعْطي لهُ جَوَابَاً، يَصيرُ التَرَدُّدُ والتَّحَيُّرُ ظُلُمَاتٍ في رُوحِهِ، فَبِنِعْمَةِ الإيمان تَنْكَشِفُ تِلكَ الجِهَةُ عَنْ مَبْدَإِ الإنسان وَوَظيفَتِهِ، وَبِأنَّ السُّلطَانَ الأزلي أرسَلَهُمْ مُوَظَّفينَ إلى دَارِ الامْتِحَانِ.

فَمِنْ هذِه الحَقيقَةِ يَكوُنُ "الحَمْدُ" عَلى نِعْمَةِ الإيمان المُزيلِ للِظُّلُمَاتِ عَنْ هذِه الجِهَاتِ السِّتِّ أيضًا نِعْمَةً عَظيمَةً تَسْتَلْزِمُ "الحَمْدَ"؛ إذْ بـ"الحَمْدِ" يُفْهَمُ دَرَجَةُ هذِهِ النِّعْمَةِ وَلَذَّتُهَا، فَالحَمْدُ لله عَلى "الحَمْدُ ِلله في تَسَلسُلٍ يَتَسَلسَلُ في دَوْرٍ دَائرٍ بِلا نِهَايَةٍ".

438. صفحة

النُقطة الثانية

الحَمْدُ لله عَلى نِعْمَةِ الإيمان المُنَوِّرِ لَنَا الجِهَاتِ السِّتَّ. فَكَمَا أنَّ الإيمان بإزَالَتِهِ لِظُلُمَاتِ الجِهَاتِ السِّتِّ نِعْمَةٌ عَظيِمَةٌ مِنْ جِهَةِ دَفْعِ البَلايا؛ كَذٰلِكَ فإنَّ الإِيمَانَ لِتَنْوِيرِهِ للِجِهَاتِ السِّتِّ نِعْمَةٌ عَظيِمَةٌ اُخْرَى مِنْ جِهَةِ جَلْبِ المَنَافِعِ.

فَالإنسَانُ لِعَلاَقَتهِ بِجَامِعيَّةِ فِطْرَتِهِ بِمَا في الجِهَاتِ السِّتِّ مِنَ المَوجُودَاتِ، وَبِنِعْمَةِ الإِيمَانِ يُمْكِنُ لِلإنْسَانِ اسْتِفَادَةٌ مِنْ جَميعِ الجِهَاتِ السِّتّ أيْنَمَا يَتَوَجَّهُ، فَبِسِرِّ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ (البقرة:١١٥) تَتَنَوَّرُ لهُ تِلكَ الجِهَةُ بِمَسَافَتِهَا الطَّوِيلَةِ بِلاَ حَدٍّ، حَتَّى كأَنَّ الإنْسَانَ المُؤْمِنَ لَهُ عُمْرٌ مَعْنَوِيٌّ يَمْتَدُّ مِنْ أوَّلِ الدُّنيَا إِلَى آخِرِهَا، يَسْتَمِدُّ ذٰلِكَ العُمْرُ مِنْ نُورِ حَيَاةٍ مُمْتَدَّةٍ من الأَزَلِ إِلَى الأبَدِ. وَحَتَّى إنَّ الإنْسَانَ بسِرّ تَنْويرِ الإِيمَانِ لِجِهَاتِهِ يَخْرُجُ عَنْ مَضِيقِ الزَّمَانِ الحَاضِرِ وَالمَكَانِ الضَّيِّقِ إِلَى سَاحَةِ وُسْعَةِ العَالَم، ويَصيرُ العَالَمُ كَبَيتِهِ، والمَاضِي وَالمُسْتَقْبَلُ زَمَانًا حَاضِرًا لِرُوحِهِ وَقَلْبِهِ. وَهَكَذا فَقِسْ.

 

النُقطة الثالثة

الحَمْدُ لله عَلى الإِيمَان الحَاوي لِنُقطَتَي الاسْتِنَاد وَالاسْتِمْدَادِ.

نَعَمْ، بِسِرِّ غَايَةِ عَجْزِ البَشَرِ وَكَثرَةِ أعْدَائِهِ يَحتَاجُ البَشَرُ أشَدَّ احتِيَاج إلى نُقطَةِ اسْتِنَادٍ يَلْتَجِئُ إلَيْهِا لِدَفْعِ أعْدائِهِ غَيْرِ المَحْدُودِينَ، وَبِغايَةِ فَقْرِ الإنسان مَعَ غَايَةِ كَثرَةِ حاجَاتِهِ وَآمَالِهِ يَحْتَاجُ أشَدَّ احتِيَاجٍ إلى نُقطَةِ اسْتِمدَادٍ يَستَمِدُّ مِنْهَا، وَيَسْألُ حَاجَاتِهِ بِهَا.

فَالإيمانُ بالله هو نُقطَةُ اسْتِنَادٍ لِفِطرَةِ البَشَرِ، وَالإيمانُ بِالآخِرَةِ هُوَ نُقطَةُ اِسْتِمدَادٍ لِوِجْدَانِهِ. فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ هَاتَينِ النُّقطَتَينِ يَتَوَحَّشُ عَلَيهِ قَلبُهُ وَرُوحُهُ، وَيُعَذِّبُهُ وِجدَانُهُ دائِماً. وَمَنِ اسْتَنَدَ بالإِيمَان إلى النُقطَةِ الأوُلَى، وَاسْتَمَدَّ مِنَ النُقطَةِ الثَّانِيَة أحسَّ مِنْ أعْماقِ رُوحِهِ لَذَائِذَ مَعْنَويَّةً وَأُنْسِيَةً مُسَلّيَةً وَاعْتِمَادًا يَطْمَئِنُّ بِهَا وِجْدَانُهُ.

 

النُقطة الرابعة

الحَمْدُ لله عَلى نُورِ الإِيمَان المُزيلِ للآلامِ عَنِ اللَّذَائِذِ المَشْرُوعَةِ بِإراءَةِ دَوَرَانِ الأمْثَالِ، وَالمُدِيمِ للنِّعَم بِإراءَةِ شَجَرَةِ الإنْعَامِ، وَالمُزيلِ آلامَ الفِرَاقِ بإراءةِ لَذَّةِ تَجَدُّدِ 

439. صفحة

الأمثَالِ. يَعْنِي أنَّ في كُلِّ لَذَّةٍ آلامًا تَنشَأ مِنْ زَوَالِهَا. فَبِنُورِ الإِيمَان يَزُولُ الزَّوَالُ، وَيَنقَلِبُ إلى تَجَدُّدِ الأمثَالِ. وَفي التَّجَدُّدِ لَذَّةٌ أُخرى.

فَكَمَا أنَّ الثَّمَرَةَ إذا لَمْ تُعْرَفْ شَجَرَتُهَا تَنْحَصِرُ النِّعْمَةُ في تِلكَ الثَّمَرَةِ. فَتَزُولُ بِأكَْلِهَا.

وَتُورِثُ تَأسُّفًا عَلى فَقْدِهَا. وإذا عُرِفَتْ شَجَرَتُها وَشُوهِدَتْ، يَزُولُ الأَلَمُ في زَوَالِهَا لِبَقَاءِ شَجَرَتِهَا الحَاضِرَةِ، وَتَبْديلِ الثَّمَرَةِ الفَانِيَةِ بِأمْثَالِهَا. وَكَذَا إنَّ مِنْ أشَدِّ حَالاتِ رُوحِ البَشَرِ التَّألُّمَاتُ النَّاشِئَةُ مِنَ الفِرَاقَاتِ. فَبِنُورِ الإِيمَان تَفتَرِقُ الفِرَاقَاتُ وَتَنْعَدِمُ، بَل تَنْقَلِبُ بِتَجَدُّدِ الأمثَالِ الَّذي فيهِ لذَّةٌ أُخرى إذ "كُلُّ جَدِيدٍ لَذِيذٌ".

 

النقطة الخامسة

الحَمْدُ لله عَلى نُورِ الإِيمَان الَّذي يُصَوِّرُ مَا يُتَوَهَّمُ أعْداءً وَأجَانِبَ وَأمْوَاتَاً مُوحِشينَ، وَأيْتَاماً باكين مِنَ المَوجُودَاتِ، أحْبَابًا وإخْوَانًَا وَأحْيَاءً مُونِسِينَ، وَعِبَادًا مُسَبِّحينَ ذَاكِرِينَ.

يَعْني أنَّ نَظَرَ الغَفلَةِ يَرى مَوجُودَاتِ العَالَمِ مُضِرِّينَ كَالأَعْداءِ وَيَتَوَحَّشُ مِنْ كُلِّ شىءٍ، وَيَرَى الأَشْيَاءَ كَالأجانِبِ؛ إذْ فِي نَظَرِ الضَّلاَلَةِ تَنْقَطِعُ عَلاَقَةُ الأخُوَّةِ في كُلِّ الأزمِنَةِ المَاضِيَةِ وَالاسْتِقْبَاليَّةِ. وَمَا أخُوَّتُهُ وَعَلاقَتُهُ إلّا في زَمَانٍ حَاضِرٍ صَغيرٍ قَليِلٍ. فَأخُوَّةُ أهْلِ الضَّلالَة كَدَقيَقةٍ في أَلْفِ سَنَةٍ مِنَ الأجْنَبِيَّةِ. وَأخُوَّةُ أهْلِ الإِيمَان تَمتَدُّ مِنْ مَبْدَإِ المَاضِي إلى مُنتهَى الاسْتِقبَالِ. وَإِنَّ نظَرَ الضَّلالَةِ يَرى أجْرَامَ الكائِنَاتِ أمْوَاتًا مُوحِشينَ. وَنَظَرَ الإِيمَان يُشَاهِدُ أولئكَ الأجْرَامَ أحْياءً مُؤنِسينَ يَتَكَلَّمُ كُلُّ جرْم بِلِسَانِ حالِهِ بِتَسْبيحَاتِ فاطِرِهِ. فَلَه رُوُحٌ وحَيَاةٌ مِنْ هذِهِ الجِهَةِ. فَلا يكُونُ مُوحِشًا مُدْهِشًا، بلْ أنيسًا مُؤنِسًا. وَإنَّ نَظَرَ الضَّلالَةِ يَرَى ذَوي الحَيَاةِ العَاجِزينَ عَنْ مَطَالِبِهمْ لَيسَ لَهُمْ حَامٍ مُتَوَدِّدٌ وَصَاحِبٌ مُتَعَهِّدٌ. كَأنَّهَم أيتَامٌ يَبكُونَ مِنْ عَجْزِهِمْ وَحُزْنِهِمْ وَيَأسِهِمْ. وَنَظَر الإِيمَان يَقُولُ: إنَّ ذَوي الحَيَاةِ لَيسُوا أيتَامًا بَاكينَ، بَل هُمْ عِبَادٌ مُكَلَّفُونَ وَمَأمُورونَ مُوَظَّفُونَ وَذَاكِرونَ مُسَبِّحُونَ.

 

440. صفحة

 

النُقطة السادسة

الحَمْدُ لله عَلى نُورِ الإِيمَان المُصَوِّرِ للدَّارَينِ كَسُفرَتَينِ مَمْلُوءتَينِ مِنَ النِّعَمِ يَستَفِيدُ مِنْهُمَا المُؤمِنُ بيَدِ الإِيمَان بأنوَاعِ حَوَاسِّهِ الظَاهِرةِ وَالبَاطِنَةِ، وَأقسَامِ لَطَائِفِهِ المَعنَويَةِ وَالرُوحِيَةِ المُنْكَشِفَةِ بِضِيَاءِ الإِيمَان.

نَعَمْ: إنَّ في نَظَرِ الضَّلالَةِ تتَصَاغَرُ دائِرَةُ اسْتِفَادَةِ ذَوي الحَيَاة إلى دائِرَةِ لَذَائِذهِ الْمَادِّيَّةِ المُنَغَّصَةِ بِزَوَالِهَا. وَبِنُورِ الإِيمَان تتَوَسَّعُ دَائِرَةُ الاسْتِفَادَةِ إلى دائِرَةٍ تُحيطُ بِالسَّمَواتِ وَالأرضِ بَلْ بِالدُّنيَا وَالآخِرَةِ. فَالمُؤمِنُ يَرى الشَّمسَ كَسِراجٍ في بَيْتِهِ وَرَفيقٍ في وَظيفَتِهِ وأنيِسٍ في سَفَرِهِ؛ وَتَكُونُ الشَّمْسُ نِعْمَةً مِنْ نِعَمه. وَمَنْ تَكُونُ الشَّمْسُ نِعْمَةً لَهُ؛ تَكُونُ دائِرَةُ استِفَادَتِهِ وَسُفرَةُ نِعمَتِهِ أوسَعَ مِنَ السَّمَواتِ.

فَالقُرآنُ المُعْجِزُ البَيَانِ بِأَمْثَالِ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ (إبراهيم: 33) و﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ (الحج: 65) يُشيِرُ ببَلاَغَتِهِ إلى هذِهِ الإحْسَانَاتِ الخَارِقَةِ النَاشِئَةِ مِنَ الإِيمَان.

 

النقطة السابعة

الحَمْدُ لله عَلى الله. فَوُجُودُ الوَاجِبِ الوُجوُدِ نِعْمَة ٌ لَيسَتْ فَوقَهَا نِعْمَة ٌ لِكُلِّ أحَدٍ ولِكُلِّ مَوجُودٍ. وهذِهِ النِّعْمَةُ تَتََضَمَّنُ أنوَاعَ نِعَمِ لا نِهَايَةَ لَهَا، وَأجْنَاسَ إحْسَانَاتٍ لا غَايَةَ لَهَا، وأصْنَافَ عَطيَّاتٍ لا حَدَّ لَهَا.

(قَدْ أُشِيرَ إلى قِسْمٍ مِنْهَا فِي أَجْزَاءِ "رَسَائِلِ النُّورِ" وِبالخَاصَّةِ "فِي المَوْقِفِ الثَّالِثِ مِنَ الكلمة الثَّانِيَةِ وَالثَّلاَثِينَ". وَكُلُّ الرَّسَائِلِ البَاحِثَةِ عَنِ الإِيمَانِ بِاللهِ مِنْ أَجْزَاءِ رَسَائِلِ النُّورِ تَكْشِفُ الحِجَابَ عَنِ وَجْهِ هَذِهِ النِّعْمَةِ. فَاكْتِفَاءً بِهَا نَقْتَصِرُ هُنَا).

الحَمْدُ لله عَلى رَحْمَانِيَّتِهِ تَعَالى التي تَتَضَمَّنُ نِعَمًا بِعَدَدِ مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ الرَّحْمَةُ مِنْ ذَوي الحَياة. إذ في فِطرَةِ الإنسان بِسِرِّ جَامِعيَّتِهِ عَلاقَاتٌ بِكُلِّ ذَوي الحَيَاة تَحصُلُ لَهُ سَعَادَةٌ مَعْنَويَّةٌ بِسَبَبِ سَعَادَاتِهِمْ. وَفي فِطرَتِهِ تَأثُّرٌ بِآلامِهِمْ. فَالنِّعْمَةُ عَليهِم تَكُونُ نَوعَ نِعْمَةٍ لِذٰلِكَ الإنسَانِ.

441. صفحة

والحَمْدُ لله عَلى رَحِيمِيَّتِهِ تَعَالى بِعَدَدِ الأطفَالِ المُنْعَمِ عَلَيهِمْ بِشَفَقاتِ والِدَاتِهِمْ. إذ كَمَا أنَّ كُلَّّ مَنْ لَهُ فِطرَةٌ سَليمَةٌ يَتَألَّمُ وَيَتَوَجَّعُ مِنْ بُكَاءِ طِفلٍ جَائِع لا وَالِدَةَ لهُ؛ فكذٰلِكَ يَتَنَعَّمُ بِتَعَطُّفِ الوَالِداتِ عَلى أطفَالِهَا.

الحَمْدُ لله عَلى حَكيِميَّتِهِ تَعَالى بِعَدَدِ دقَائِقِ جَميعِ أنوَاعِ حِكمَته في الكائنَاتِ. إذْ كمَا تَتَنَعَّمُ نَفْسُ الإنسان بِجَلَوَاتِ رَحْمانِيَّتِهِ، وَيَتَنَعَّمُ قَلبُ الإنسان بِتَجَلِّيَاتِ رَحيِميَّتِهِ؛ كَذٰلِكَ يَتَلَذَّذُ عَقلُ الإنسان بِلَطَائفِ حِكمَتِهِ.

الحَمْدُ لله عَلى حَفيِظيَّتِهِ تَعَالى بِعَدَدِ تَجَلِّيَاتِ اسمِهِ "الوَارِثِ"، وَبِعَدَدِ جَميعِ مَا بَقيَ بَعدَ فَوَاتِ أصُولِهَا وَآبائهَا وَصَواحِبِهَا، وَبِعَدَدِ مَوجُودَاتِ دَارِ الآخِرَةِ، وبِعَدَدِ آمَالِ البَشَرِ المَحْفُوظَةِ لأجلِ المُكافأةِ الأُخرَويَّةِ. إذْ دَوَامُ النِّعْمَةِ أعْظَمُ نعمَةً مِنْ نَفسِ النِّعْمَةِ؛ وَبَقَاءُ اللَّذَّةِ لَذَّةٌ أعلى لَذَّةً مِنْ نَفسِ اللَّذَّةِ؛ والخُلودُ في الجَنَّةِ نِعْمَةٌ فَوْقَ نَفْسِ الْجَنَّةِ. وهَكَذا.

فَحَفِيظِيَّتُهُ تَعَالى تَتَضَمَّنُ نِعَمًا أكثَرَ وَأزيَدَ وَأعلى مِنْ جَميعِ النِّعَمِ عَلى المَوجُوداتِ في جَميعِ الكائِنَاتِ.

وهكَذا، فَقِسْ عَلى اسمِ "الرَّحمن والرَّحيمِ وَالحَكيِمِ وَالحَفيِظِ" سائِرَ أسْمَائِهِ الحُسْنى.

فالحَمْدُ لله عَلى كُلِّ اسم مِنْ أسْمائِهِ تَعَالى حَمدًا بِلا نِهايَةٍ، لِمَا أنَّ في كُلِّ اسم منها نِعَمًا بِلا نِهَايَةٍ.

الحَمْدُ لله عَلى القُرآنِ الَّذي هُوَ تُرْجُمَانٌ لكُلِّ مَا مَضى مِنْ جَميعِ الإنْعَامَاتِ الَّتي لا نِهَايَةَ لَهَا حَمْدًا بلا نِهَايَةٍ.

الحَمْدُ لله عَلى مُحَمَّدٍ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ حَمْدًا بِلا نِهَايَة. إذْ هُوَ الوَسيلَةُ للإيمَانِ الَّذي فيهِ جَميعُ المَفَاتِيحِ لِجَميعِ خَزَائِنِ النِّعَمِ التي أشَرْنَا إليهَا في هذَا البَابِ الثَّاني آنِفًا.

الحَمْدُ لله عَلى نِعْمَةِ الإسْلامِ الَّذِي هُوَ مَرضيَّاتُ رَبِّ العَالَمينَ، وفِهرِسْتَةٌ لأنْوَاعِ نِعَمِهِ المَادِّيَّةِ وَالمَعْنَويَّةِ، حَمْدًا بِلا نِهَايَةٍ.

 

442. صفحة

 

النقطة الثامنة

الحَمْدُ لله الَّذي يَحْمَدُ لَهُ وَيُثنِي عَلَيهِ بِإظهَارِ أوصَافِ جَمَالِهِ وَكَمَالِهِ، هذَا الكِتَابُ الكَبيرُ المُسَمّى بـ"الكائِنَاتِ" بجَميعِ أبوَابِهِ وَفُصُولِهَا، وبِجَميع صَحائِفِهِ وَسُطُورِهَا، وَبِجَميع كَلِمَاتِهِ وَحُرُوفِهَا، كُلٌّ بِقَدْرِ نِسْبَتِهِ يَحْمَدُهُ تَعَالى وَيُسَبِّحُهُ بِإظهَارِ بَوَارقِ أوصَافِ جَلالِ نَقَّاشِهِ الأحَدِ الصَّمَدِ بِمَظهَرِيَّةِ كُلٍّ بِقَدَرِ نِسْبَتِهِ ِلأضْوَاءِ أَوْصَافِ جَمَالِ كَاتِبِهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَبِمَظْهَرِيَّةِ كُلٍّ بِقَدَرِ نِسْبَتِهِ لأنوارِ أوْصَافِ كمالِ مُنْشِِئها ومُنْشِدِها القَديرِ العْليمِ العَزيزِ الحَكِيمِ، وَبِمِرآتيَّة كلٍّ بِقَدَرِ نِسْبَتِهِ لأَشِعَّةِ تَجَلِّيَاتِ أسْماءِ مَنْ لَهُ الأسْماءُ الحُسنى. جَلَّ جَلالُهُ ولَا إلٰهَ إلَّا هُوَ.

 

النقطة التاسعة

الحَمْدُ - مِنَ الله بالله عَلى الله - لله بِعَدَدِ ضَرْبِ ذَرَّاتِ الكائِنَاتِ مِنْ أوَّلِ الدُّنيَا إلى آخِرِ الخِلقَةِ في عَاشِرَاتِ دَقائِقِ الأزمِنَةِ مِنَ الأزل إلى الأبَدِ.

الحَمْدُ لله عَلى "الحَمْدُ لله" بِدَورٍ دائِرٍ في تَسَلسُل([1]) يَتَسَلسَلُ إلى مَالا يَتَنَاهى.

الحَمْدُ لله عَلى نِعْمَةِ القُرآنِ وَالإِيمَان عَلَيَّ وَعَلى إخوَاني بِعَدَدِ ضَرْبِ ذَرَّاتِ وُجودِي في عَاشِرَاتِِ دَقَائقِ عُمْري في الدُّنيَا، وَبَقَائِي وبَقائِهِمْ في الآخِرَةِ.

 

الباب الثالث

في مراتب "الله أكبر"

سنذكر سبع مراتب من مراتبه الثلاث والثلاثين، وقد ذُكر قسمٌ مهم من تلك المراتب في المقام الثاني من المكتوب العشرين، وفي آخر الموقف الثاني من الكلمة الثانية والثلاثين، وفي بداية الموقف الثالث منها. فمن أراد أن يدرك حقيقة هذه المراتب، فليراجع هاتين الرسالتين.


[1]   الدور والتسلسل محالان في دائرة الممكنات؛ لأن كليهما يقتضيان عدم التناهي، ولأن دائرة الممكنات متناهية، فلاتسع دائرةُ الممكنات غيرَ المتناهي. أما الحمد المتعلق بدائرة الوجوب فهو غير متناهٍ، فيدخل بالدور والتسلسل في دائرة غير متناهية فيتمكن فيها. (المؤلف)

 



443. صفحة

 

المرتبة الأولى

﴿وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في المُلكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَليٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرهُ تَكبيرًا﴾ (الاسراء:١1١). لَبَّيكَ وَسَعْدَيكَ.

جلَّ جلالُه الله أكْبَرُ مِنْ كُلِّ شيء قُدرَةً وَعِلمًا، إذْ هُوَ الخَالِقُ البارئُ المُصَوِّرُ الَّذي صَنَعَ الإنسان بقُدرَتهِ كالكَائِنَاتِ، وَكَتَبَ الكَائِنَاتِ بقَلَمِ قَدَرِهِ كَمَا كَتَبَ الإنسان بذٰلِكَ القَلَم. إذْ ذاكَ العَالَمُ الكَبيرُ كَهٰذَا العَالَمِ الصغيرِ مَصنُوعُ قُدرَتِهِ مَكتُوبُ قَدَرِهِ. إبدَاعُهُ لِذَاكَ صَيَّرَهُ مَسْجدًا. إيجَادُهُ لهذا صَيَّرَهُ ساجِدًا. إنْشَاؤُهُ لِذَاكَ صَيَّرَ ذاكَ مُلكًا. بِنَاؤُهُ لِهذا صَيَّرَهُ مَملُوكًا. صَنْعَتُهُ في ذاكَ تَظَاهَرَتْ كِتَابًا. صِبْغَتُهُ في هَذا تَزَاهَرَتْ خِطابًا. قُدرَتُهُ في ذاكَ تُظهِرُ حِشمَتَهُ. رَحْمَتُهُ في هَذا تَنظِمُ نِعْمَتَهُ. حِشمَتُهُ في ذاكَ تَشْهَدُ هُوَ الوَاحِدُ. نِعْمَتُهُ في هَذا تُعلِنُ هُوَ الأحَدُ. سِكَّتُهُ في ذَاك في الكُلِّ وَالأَجْزَاءِ سُكونَاً حَرَكَةً. خاتَمُهُ في هَذا في الجِسمِ وَالأعْضاءِ حُجَيْرَةً ذَرَّةً.

فَانْظُرْ إلى آثَارهِ المُتَّسِقَةِ كيفَ تَرى كَالفَلَقِ سَخَاوَةً مُطْلَقَةً مَعَ انْتِظَام مُطْلَقٍ، في سُرْعَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ اتِّزَانٍ مُطْلَقٍ، في سُهُولَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ إتْقَانٍ مُطْلَق، في وُسْعَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ حُسْنِ صُنْعٍ مُطْلَقٍ، في بُعْدَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ اتِّفَاقٍ مُطْلَقٍ، في خِلْطَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ امْتِيَازٍ مُطْلَقٍ، في رُخْصَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ غُلُوٍّ مُطْلَقٍ. فَهَذهِ الكَيْفِيَّةُ المَشْهُودَةُ شَاهِدَةٌ للعَاقِلِ المُحَقِّقِ، مُجْبِرَةٌ للأَحْمَقِ المُنَافِقِ عَلى قَبُولِ الصَنْعَةِ وَالوَحْدَةِ للحَقِّ ذي القُدْرَةِ المُطْلَقَةِ، وَهُوَ العَليِمُ المُطْلَقُ.

وَفي الوَحْدَةِ سُهُولَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَفي الكَثْرَةِ وَالشِّرْكَةِ صُعُوبَةٌ مُنغَلِقَةٌ، إنْ أُسْنِدَ كُلُّ الأشياء للِوَاحِدِ، فَالكَائِنَاتُ كَالنَّخْلَةِ، وَالنَّخْلَةُ كَالثَّمَرَةِ سُهُولَةً في الابْتِدَاعِ. وَإنْ أُسْنِدَ للِكَثْرَةِ فَالنَّخْلةُ كَالكَائِنَاتِ، وَالثَّمَرَةُ كَالشَّجَرَاتِ صُعُوبَةً في الامْتِنَاعِ. إذِ الوَاحِدُ بِالفِعْلِ الوَاحِدِ يُحَصِّلُ نَتِيجَةً ووَضْعيِةً للكَثيرِ بِلا كُلْفَةٍ ولا مُبَاشَرَةٍ؛ ولَوْ أُحِيلَتْ تِلْكَ الوَضْعيَّةُ وَالنَّتيجَةُ إلى الكَثرَةِ لا يُمْكنُ أنْ تَصِلَ إلَيهَا إلّا بِتَكَلُّفَاتٍ وَمُبَاشَرَاتٍ وَمُشَاجَرَاتٍ كَالأمِيرِ مَعَ النَّفَرَاتِ، وَالبَانِي مَعَ الحَجَراتِ، وَالأرضِ مَعَ السَّيَّارَاتِ([1])، والفَوَّارَةِ مَعَ القَطَرَاتِ، وَنُقطَةِ المَرْكَزِ مَعَ النُّقَطِ في الدَّائِرَةِ، بِسِرِّ أنَّ

[1]  أي الكواكب السيارة.

 



444. صفحة

في الوَحْدَةِ يَقُومُ الانتسَابُ مَقَامَ قُدْرَةٍ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ، وَلا يَضْطَرُّ السَّبَبُ لِحَمْلِ مَنَابعِ قُوَّتِهِ وَيَتَعَاظَمُ الأثَرُ بالنِّسْبَةِ إلى المُسْنَدِ إلَيهِ.

وَفي الشِّرْكَةِ يُضْطَرُّ كُلُّ سَبَبٍ لِحَمْلِ مَنَابعِ قُوَّتِهِ؛ فَيَتَصاغَرُ الأَثَرُ بِنِسْبَةِ جِرْمِهِ. وَمِنْ هُنَا غَلَبَتِ النَّمْلَةُ وَالذُّبَابَةُ عَلى الجَبابِرَةِ، وَحَمَلَتْ النّوَاةُ الصَّغِيرَةُ شَجَرَةً عَظِيمة. وَبِسِرِّ أنَّ في إسْنادِ كُلِّ الأشياء إلى الوَاحِدِ لا يَكُونُ الإيجَادُ مِنَ العَدَمِ المُطْلَقِ. بَلْ يَكُونُ الإيجَادُ عَيْنَ نَقلِ المَوجُودِ العِلمِيِّ إلى الوُجُودِ الخَارِجِيِّ، كَنَقْلِ الصُّورَةِ المُتَمَثِّلَةِ في المِرآةِ إلى الصَّحيِفَةِ الفُوتوغْرافِيَّةِ لِتَثْبِيتِ وُجُودٍ خَارِجِيٍّ لَهَا بِكَمالِ السُّهُولَةِ، أوْ إظهارِ الخَطِّ المَكتُوبِ بِمِدَادٍ لا يُرى، بِواسِطةِ مَادَةٍ مُظهِرَةٍ للِكِتَابَةِ المَسْتُورَةِ.

 وَفي إسْنَادِ الأشياء إلى الأَسْبَابِ وَالكَثْرَةِ يَلْزَمُ الإيجَادُ مِنَ العَدَمِ المُطْلَقِ، وَهُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُحَالاً يَكُنْ أصْعَبَ الأشْيَاءِ. فَالسُهُولَةُ في الوَحْدَةِ واصِلَةٌ إلى دَرَجَةِ الوُجوبِ، وَالصُعُوبَةُ في الكَثْرَةِ وَاصِلَةٌ إلى دَرَجَةِ الامتِنَاعِ. وَبِحِكْمَةِ أنَّ في الوَحدَةِ يُمْكِنُ الإبْدَاعُ وَإيجَادُ "الأيْسِ مِنَ اللَّيْسِ"([1]) يَعْني إبْدَاعَ المَوْجُودِ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ بِلا مُدَّةٍ وَلا مَادَّةٍ، وَإفراغَ الذَّرَّاتِ في القَالَبِ العِلْمِيِّ بلا كُلْفَةٍ وَلا خِلْطَةٍ. وَفي الشِّرْكَةِ وَالكَثْرَةِ لا يُمْكِنُ الإبْدَاعُ مِنَ العَدَمِ بِاتِّفَاقِ كُلِّ أهلِ العَقْلِ. فَلابُدَّ لِوُجودِ ذي حَيَاةٍ جَمْعُ ذَرَّاتٍ مُنْتَشِرَةٍ في الأرض وَالعَناصِرِ؛ وَبِعَدَمِ القَالَبِ العِلْميِّ يَلْزَمُ لِمُحَافَظَةِ الذَّرَاتِ في جِسْمِ ذي الحيَاةِ وُجُودُ عِلْمٍ كُلِّيٍّ، وَإرادَةٍ مُطْلَقَةٍ في كُلِّ ذَرَّةٍ. وَمَعَ ذلِكَ إنَّ الشُّركاءَ مُسْتَغْنيةٌ عَنْهَا وَممْتَنِعَةٌ بالذَّاتِ.

والشُّركاءُ المُسْتَغْنيةُ عَنْهَا وَالممْتَنِعَةُ بالذَّاتِ تَحَكُّمِيَّةٌ مَحْضَةٌ، لا أمارَةَ عَلَيْها وَلا إشَارَةَ إلَيْهَا في شَيءٍ مِنَ المَوْجُودَاتِ؛ إذ خِلْقَةُ السَّمٰوَاتِ وَالأرضِ تَسْتَلْزِمُ قُدْرَةً كَامِلَةً غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ بالضَّرُورَةِ. فَاسْتُغْنيَ عَنِ الشُّرَكَاءِ؛ وَإلّا لَزِمَ تَحْديدُ وَانْتِهَاءُ قُدْرَةٍ كَامِلَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ في وَقْتِ عَدَمِ التَّناهِي بِقُوَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ بِلا ضَرَورَةٍ، مَعَ الضَّرُورَةِ في عَكْسِهِ ؛ وَهُوَ مُحَالٌ في خَمْسَةِ أوْجُهٍ. فَامْتَنَعَتِ الشُّرَكَاءُ، مَعَ أنَّ الشُّرَكَاءَ المُمتَنِعَةَ بِتِلكَ الوُجوُهِ لا إشَارَةَ إلى وُجودِها، وَلا أمارَةَ عَلى تَحُقُّقِهَا فِي شيءٍ مِنَ المَوجُودَاتِ.


[1]  الأَيْسُ: أي، الموجود. واللَّيْسُ: أي، العدم الصِّرْف.

 



445. صفحة

(فَقَدْ اسْتَفْسَرْنَا هَذِهِ المَسْأَلَةَ فِي "المَوْقِفِ الأَوَّلِ مِنَ الْكَلِمَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلاَثِينَ" مِنَ الذَّرَّاتِ إلى السَّيَّارَاتِ وَفِي "المَوْقِفِ الثَّانِي" مِنَ السَّمٰوَاتِ إلى التَّشَخُّصاتِ الوَجْهِيَّةِ فَأَعْطَتْ جَمِيعُهَا جَوَابَ رَدِّ الشِّرْكِ بِإِرَاءَةِ سِكَّة[1]ِ التَّوْحِيدِ.)

فَكَمَا لا شُرَكَاءَ لَهُ؛ كَذٰلِكَ لا مُعِينَ وَلا وُزَراءَ لَهُ.

 وَمَا الأسْبَابُ إلّا حِجَابٌ رَقِيقٌ عَلى تَصَرُّفِ القُدْرَةِ الأزَلِيَّةِ، لَيْسَ لَهَا تَأثِيرٌ إيجادِيٌ في نَفسِ الأمرِ؛ إذْ أشْرَفُ الأسْبَابِ وَأوْسَعُهَا اختِيَارًا هُوَ الإنسَانُ؛ مَعَ أنَّهُ لَيسَ في يَدِهِ مِنْ أظْهَرِ أفْعَالهِ الاختِيَاريَةِ كَـ"الأكْلِ وَالكَلامِ وَالفِكْرِ" مِنْ مِئَاتِ أجْزاءٍ إلّا جُزْءٌ وَاحِدٌ مَشْكُوكٌ. فَإذَا كَانَ السَّبَبُ الأشْرَفُ وَالأوْسَعُ اختِيَارًا مَغْلُولَ الأيْدي عَنِ التَّصَرُّفِ الحَقيِقيِّ كَمَا تَرى؛ فَكَيفَ يُمْكِنُ أنَ تَكُونَ البَهِيماتُ والجَمَاداتُ شَرِيكةً في الإيجَادِ وَالرُّبُوبِيَّةِ لخَالِقِ الأرض وَالسَّمَواتِ. فَكَمَا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ الَّذي وَضَعَ السُّلطَانُ فيهِ الهَدِيَّةَ، أو المَندِيلُ الَّذي لَفَّ فيهِ العَطيَّةَ، أوِ النَّفَرُ الَّذي أرسَلَ عَلى يَدِهم النِّعْمَةَ إليكَ، شُرَكَاءَ للِسُلْطَانِ في سَلْطَنَتِهِ؛ كَذٰلِكَ لا يُمْكِنُ أنْ تكُونَ الأسْبَابُ المُرْسَلَةُ عَلى أيْديِهمُ النِّعَمُ إلينَا، وَالظُرُوفُ الَّتي هِيَ صَنَادِيقُ للِنِّعَمِ المُدَّخَّرَةِ لَنَا، والأسْبَابُ الَّتي التَفَّتْ عَلى عَطَايَا إلَهِيَّةٍ مُهْداةٍ إلَينَا، شُرَكَاءَ أعْوانًا أو وَسَائِطَ مُؤَثِّرَةً.

المرتبة الثانية

جَلَّ جَلالُهُ الله أكبَرُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ قُدْرَةً وَعِلْمًا، إذْ هُوَ الخَلاّقُ العَلِيمُ الصَّانِعُ الحَكِيمُ الرَّحمنُ الرَّحِيمُ الَّذي هذِهِ المَوجُودَاتُ الأرضِيَّةُ وَالأجْرَامُ العُلوِيَّةُ في بُسْتَانِ الكَائِنَاتِ مُعجِزَاتُ قُدْرَةِ خَلاّقٍ عَليِم بِالبَدَاهَةِ، وَهَذهِ النَبَاتَاتُ المُتَلَوّنَة المُتَزَيِّنَةُ المَنْثُورَةُ، وَهَذِهِ الحَيوَانَاتُ المُتَنَوِّعَةُ المُتَبَرِّجَةُ المَنْشُورَةُ في حَدِيقَةِ الأرض خَوَارِقُ صَنْعَةِ صانِعٍ حَكِيمٍ بِالضَّرُورَةِ، وَهَذهِ الأزْهَارُ المُتَبَسِّمَةُ وَالأَثْمَارُ المُتَزَيِّنَةُ في جِنَانِ هذِهِ الحَديقَةِ هَدَايَا رَحْمَةِ رَحْمن رَحيِمٍ بالمُشَاهَدَةِ. تَشْهَدُ هاتِيكَ وَتُنَادي تَاكَ وتُعْلِنُ هذِهِ بِأَنَّ خَلَّاقَ هَاتيكَ وَمُصَوِّرَ تَاكَ وَوَاهِبَ هذِهِ عَلى كُلِّ شيء قَديرٌ

[1]        السكة بمعنى الختم هنا.

 



446. صفحة

وَبِكُلِّ شيء عَليمٌ قَد وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلمًَا، تتَسَاوى بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ الذَّرَّاتُ وَالنُّجُومُ وَالقَليلُ وَالكَثيرُ والصَغيرُ وَالكَبيرُ وَالمُتَنَاهِي وَغَيرُ المُتَنَاهِي. وَكُلُّ الوُقُوعَاتِ المَاضِيَةِ وَغَرَائِبِها مُعْجِزَاتُ صَنْعَةِ صانِع ٍحَكيمٍ تَشْهَدُ على أنَّ ذٰلِكَ الصَّانِعَ قَديرٌ عَلى كُلِّ الإمْكَانَاتِ الاسْتِقْبَالِيَّةِ وَعَجائِبِها، إذ هُوَ الخَلاّقُ العَليمُ وَالعَزيزُ الحَكيِمُ.

فَسُبْحانَ مَنْ جَعَلَ حَديقَةَ أرضِهِ مَشْهَرَ صَنْعَتِهِ، مَحْشرَ فِطْرَتِهِ، مَظْهَرَ قُدرَتِهِ، مَدَارَ حِكْمَتِهِ، مَزْهَرَ رَحْمَتِهِ، مَزْرَعَ جَنَّتِهِ، مَمَرَّ المَخْلُوقَاتِ، مَسِيلَ المَوجُودَاتِ، مَكيلَ المَصْنُوعَاتِ.

فَمُزَيَّنُ الحَيْوانَاتِ مُنَقَّشُ الطُّيوراتِ مُثَمَّرُ الشَّجَراتِ مُزَهََّرُ النَبَاتاتِ مُعْجِزَاتُ عِلمِهِ. خَوَارِقُ صُنْعِهِ. هَدايَا جُودِهِ. بَراهِينُ لُطْفِهِ.

تَبَسُّمُ الأزهَارِ مِنْ زينَةِ الأثْمَارِ، تَسَجُّعُ الأطيَارِ في نَسْمَةِ الأسْحَارِ، تَهَزُّجُ الأمطارِ عَلى خُدُودِ الأزهَارِ، تَرَحُّمُ الوالِدَاتِ عَلى الأطفَالِ الصِّغَارِ؛ تَعَرُّفُ وَدُودٍ، تَوَدُّدُ رَحمن، تَرَحُّمُ حَنَّانٍ، تَحَنُّنُّ مَنَّانٍ للِجِنَّ وَالإنسَانِ وَالرُّوحِ وَالحَيوَانِ وَالمَلَكِ وَالجانِّ.

وَالبُذُورُ وَالأثْمَارُ، والحُبُوبُ وَالأزهَارُ، مُعجِزَاتُ الحِكمَةِ. خَوَارِقُ الصَّنْعَةِ. هَدَايا الرَّحْمَةِ. بَرَاهينُ الوَحْدَةِ. شَوَاهِدُ لُطْفِهِ في دارِ الآخِرَةِ. شَوَاهِدُ صَادِقَةٌ بأنَّ خَلَّاقَهَا عَلى كُلِّ شيء قَديرٌ، وَبِكُلِّ شيء عَلِيمٌ، قَدْ وَسِعَ كُلَّ شيء بِالرَّحْمَةِ وَالعِلْمِ وَالخَلْقِ وَالتَّدْبيرِ وَالصُّنْعِ وَالتَّصْوِيرِ. فَالشَّمسُ كَالبَذرَةِ وَالنَّجْمُ كَالزَّهْرَةِ وَالأرضُ كَالحَبَّةِ لا تَثْقُلُ عَلَيهِ بِالخَلْقِ وَالتَّدْبيرِ وَالصُّنعِ وَالتَّصْويرِ. فَالبُذُورُ وَالأثْمَارُ مَرَايا الوَحْدَةِ في أقْطَارِ الكَثْرَةِ. إشَاراتُ القَدَرِ. رُمُوزَاتُ القُدْرَةِ بِأنَّ تِلكَ الكَثْرَةَ مِنْ مَنْبَعِ الوَحْدَةِ، تَصْدُرُ شَاهِدَةً لِوَحْدَةِ الفَاطِرِ في الصُّنْعِ وَالتَصْويرِ. ثُمَّ إلى الوَحْدَةِ تَنْتَهي ذَاكِرَةً لِحِكمَةِ الصَّانِعِ في الخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ. وَتَلْوِيحاتُ الحِكْمَةِ بأنَّ خَالِقَ الكُلِّ بِكُلِّيَّةِ النَّظَرِ إلى الجُزْئيِّ يَنْظُرُ، ثَمَّ إلى جُزْئِهِ. إذْ إنْ كانَ ثَمَرًا فَهُوَ المَقْصُودُ الأظهَرُ مِنْ خَلقِ هَذا الشَّجَرِ. فَالبَشَرُ ثَمَرٌ لِهَذِهِ الكَائِنَاتِ، فَهُوَ المَقْصُودُ الأظْهَرُ لِخَالِقِ المَوْجُودَاتِ. والقَلبُ كَالنّوَاةِ، فَهُوَ المِرآةُ الأنْوَرُ لِصَانِعِ المَخْلُوقَاتِ. وَمِنْ هذِهِ الحِكْمَةِ فَالإنسَانُ 

447. صفحة

الأصْغَرُ في هذِهِ الكَائِناتِِ هُوَ المَدَارُ الأظْهَرُ للنَّشْرِ وَالمحَشْرِ في هذِهِ المَوجُوداتِ، وَالتَّخْريبِ والتَّبْديلِ وَالتَّحويلِ وَالتَّجْديدِ لِهَذِهِ الكَائِناتِ.

الله أكبَرُ يَا كَبيرُ أنتَ الَّذي لاتَهتدِي العُقُولُ لِكُنْهِ عَظَمَتِهِ.

كِه لَا إلٰهَ إلَّا هُوَ بَرَابَرْمي زَنَنْدْ هَرْشئ دَمَادَمْ جُو يَدَنْدْ: "ياحَق" سَرَاسَرْ كُوَيَدَنْدْ: يا حَيّ

[أي: وكأن كل شيء يذكر "لا إله إلا الله" بحركاته وأصواته بما يشبه موسيقى ذكر، وينشد دومًا "يا حقّ"، ويذكر كلهم "يا حي"]

 

المرتبة الثالثة([1])

إيضاحها في رأس "الموقف الثالث" من "الْكلمة الثانية والثلاثين".

الله أكْبَرُ مِنْ كُلِّ شيء قُدْرَةً وَعِلمًا؛ إذْ هُوَ القَديرُ المُقَدِّرُ العَلِيمُ الحَكيِمُ المُصَوِّرُ الكَرِيمُ اللَّطِيفُ المُزَيِّنُ المُنْعِمُ الوَدُودُ المُتَعَرِّفُ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ المُتَحَنِّنُ الجَمِيلُ ذُو الجَمَالِ وَالكَمَالِ المُطْلَقِ النَّقَّاشُ الأزلي الَّذي ما حَقَائِقُ هَذِهِ الكَائِناتِ كُلاًّ وَأجزَاءً وَصَحَائِفَ وَطَبَقاتٍ، وَما حَقائِقُ هذِهِ المَوجُودَاتِ كُلِّيَّا وَجُزئِيَّا ووُجُوداً وَبَقاءً:

إلّا خُطُوطُ قَلَمِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ بِتَنْظِيمٍ وَتَقدِيرٍ وَعِلْمٍ وَحِكْمَةٍ.

وَإلّا نُقُوشُ بَركَارِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ بِصُنْعٍ وَتَصويرٍ.

وَإلّا تَزْييناتُ يَدِ بَيْضاءِ صُنْعِهِ وَتَصويِرِهِ وَتَزْيِيِنِهِ وَتَنْوِيرِهِ بِلُطْفٍ وَكَرَمٍ.

وَإلّا أزاهيرُ لَطائِفِ لُطْفِهِ وَكَرَمِهِ وتَعَرُّفِهِ وَتَوَدُّدِهِ بِرَحْمَةٍ وَنِعْمَةٍ.

وَإلّا ثَمَرَاتُ فَيَّاضِ عَيْنِ رَحْمَتِهِ وَنِعْمَتِهِ وَتَرَحُّمِهِ وَتَحَنُّنِهِ بِجَمَالٍ وَكَمالٍ.


[1]  إن هذه المرتبة الثالثة تأخذ بعين الاعتبار زهرة جزئية وحسناء جميلة، فالربيع برمته زهرة، والجنة كذلك زهرة، فهما معكس ومظهر تلك المرتبة، والعالم إنسانٌ جميل كبير، ونوع الحُور العين وطائفة الروحانيات وجنس الحيوان وصنف الإنسان، كل منها كإنسان جميل معنىً، يُرِي بصفحاته هذه الأسماءَ التي تُظهِرها هذه المرتبةُ. (المؤلف)

 



448. صفحة

وَإلّا لَمَعَاتُ جَمالٍ سَرْمَديٍّ وَكَمالٍ دَيْمُومِيٍّ بِشَهَادَةِ تَفانِيَّةِ المَرايا وَسَيَّالِيَّةِ المَظاهِرِ، مَعَ دوام تَجَلِّي الجَمَالِ عَلى مَرِّ الفُصُولِ وَالعُصُورِ وَالأدْوَارِ، وَمَعَ دَوَامِ الإِنْعَامِ عَلى مَرِّ الأنَامِ وَالأيَّامِ وَالأعْوَامِ.

نَعَمْ تَفَاني المِرْآةِ زَوَالُ المَوجُودَاتِ مَعَ التَّجَلِّي الدَّائِم ِمَعَ الفَيضِ المُلازِمِ مِنْ أظْهَرِ الظَّوَاهِرِ مِنْ أبْهَرِ البَوَاهِرِ على أنَّ الجَمالَ الظَّاهِرَ أنَّ الكَمالَ الزَّاهِرَ ليسَا مُلْكَ المَظَاهِرِ مِنْ أفصَحِ تِبيانٍ مِنْ أوضَحِ بُرْهَانٍ للِجَمَالِ المُجَرَّدِ للإحسانِ المُجَدَّدِ للواجِبِ الوُجُودِ للِبَاقي الوَدُودِ.

نَعَمْ فَالأثَرُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بالبَدَاهَةِ على الفعل المُكَمَّلِ. ثُمَّ الفِعْلُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلى الاسمِ المُكَمَّلِ وَالفَاعِلِ المُكَمَّلِ، ثم الاسمُ المُكمّلُ يَدُلُّ بِلارَيبٍ عَلى الوَصْفِ المُكَمَّلِ، ثُمَّ الوَصفُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِلاشَكٍ عَلى الشَّأنِ المُكَمَّلِ. ثُمَّ الشَّأنُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِاليَقينِ عَلى كَمالِ الذَّاتِ بِمَا يَليقُ بِالذَاتِ وَهُوَ الحَقُّ اليَقينُ.

 

المرتبة الرابعة

جَلَّ جَلالُهُ الله أكبَرُ إذْ هُوَ العَدْلُ العَادِلُ الحَكَمُ الحَاكِمُ الحَكِيمُ الأزلي الَّذي أسَّسَ بُنْيَانَ شَجَرَةِ هذِهِ الكَائِنَاتِ في سِتَةِ أيَّامٍ بِأُصُولِ مَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ. وَفَصَّلَها بِدَساتِيرِ قَضائِهِ وَقَدَرِهِ. وَنَظَّمَها بِقَوَانين عادَتِهِ وَسُنَّتِهِ. وَزَيَّنَها بِنَواميسِ عِنَايَتِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَنَوَّرَهَا بِجَلواتِ أسْمائِهِ وَصِفَاتِهِ بِشَهَادَاتِ انْتِظامَاتِ مَصنُوعَاتِهِ وَتَزَيُّنَاتِ مَوجُودَاتِهِ وَتَشابُهِها وَتنَاسُبِها وَتَجَاوُبها وَتَعاوُنِها وَتَعانُقِها، وَإتْقانِ الصَّنعَةِ الشُّعُوريَّةِ في كُلِّ شَيءٍ عَلى مِقْدَارِ قَامَةِ قابِليَّتِهِ المُقَدَّرَةِ بِتَقْدِيرِ القَدَرِ.

فَالحِكمَةُ العَامَّةُ في تَنْظيماتِها، وَالعِنَايَةُ التَّامَّةُ في تَزيِيِنَاتِها، وَالرَّحمَةُ الوَاسِعَةُ في تَلطيفاتِها، وَالأرزَاقُ وَالإعَاشَةُ الشَّامِلَةُ في تَربِيَتِها، والحَيَاةُ العَجيبَةُ الصَّنعَةِ بِمَظْهَرِيَّتِها للِشُئونِ الذَّاتِيَّةِ لِفَاطِرِها، وَالمَحَاسِنُ القَصْدِيَّةُ في تَحْسينَاتِهَا، وَدَوَامُ تَجَلِّي الجَمَالِ المُنْعَكِسِ مَعَ زَوالِهَا، وَالعِشْقُ الصَّادِقُ في قَلْبِها لِمَعبُودِهَا، وَالاِنْجِذَابُ الظَّاهِرُ في جَذْبَتِها، وَاتِّفاقُ كُلِّ كُمَّلِهَا عَلى وَحْدَةِ فاطِرها، وَالتَصَرُّفُ لِمَصالِحَ في أجزائِها،

449. صفحة

وَالتَّدْبيرُ الحَكيمُ لِنَباتاتِها، وَالتَّربِيَةُ الكَريمَةُ لِحَيواناتِهَا، والاِنتِظامُ المُكَمَّلُ فِي تَغيُّراتِ أركَانِها، وَالغاياتُ الجَسيمةُ في انتِظامِ كُلِّيَّتِها، وَالحُدُوثُ دَفْعَة مَعَ غايَةِ كَمَالِ حُسنِ صَنْعَتِها بِلا احتِياجٍ إلى مُدَّةٍ ومَادَّةٍ، وَالتَّشَخُّصاتُ الحَكِيمَةُ مَعَ عَدَم ِتَحْديدِ تَرَدُّدِ إمْكاناتِها، وَقَضاءُ حاجاتِها عَلى غَايَةِ كَثْرَتِها وَتَنَوُّعِها في أوقَاتِها اللَّائِقةِ المُنَاسِبَةِ، مِنْ حَيثُ لا يُحتَسَبُ وَمِنْ حَيثُ لا يُشْعَرُ مَعَ قِصَرِ أيْدِيها مِنْ أصغَرِ مَطالِبِها، وَالقُوَّةُ المُطلَقَةُ في مَعْدنِ ضَعْفِهَا، وَالقُدْرَةُ المُطلَقَةُ في مَنبَعِ عَجْزِها، وَالحَياةُ الظَاهِرَةُ في جُمُودِها، وَالشُعُورُ المُحيطُ في جَهْلِها، وَالانتِظامُ المُكَمَّلُ في تَغَيُّراتِها المُسْتَلزِمُ لِوُجُودِ المُغَيِّرِ غَيرِ المُتَغَيِّر، وَالاتِّفاقُ في تَسْبِيحَاتِها كَالدوائِرِ المُتَدَاخِلَةِ المُتَّحِدَةِ المَرْكَزِ، وَالمَقْبُولِيَّةُ في دَعَوَاتِها الثَّلاثِ "بِلسانِ استِعدادها، وبِلسانِ احتِيَاجَاتِها الفِطريَّةِ، وبِلسانِ اضطِرارِها"، وَالمُناجاة وَالشُّهوداتُ وَالفُيُوضاتُ في عِباداتِهَا، وَالاِنتِظامُ في قَدَرَيها، وَالاِطْمِئنَانُ بِذِكرِ فاطِرِها.

وَكَونُ العِبادَةِ فيها خَيْطَ الوُصْلَةِ بَينَ مُنْتَهاها وَمَبْدَئِها، وسَببَ ظُهُورِ كَمَالِها وَلِتَحَقُّقِ مَقَاصِدِ صانِعِها.

وَهكَذا بِسائِرِ شُئوناتِها وَأحْوَالِها وَكَيفِيَّاتِها شاهِداتٌ بِأنَّها كُلَّها بِتَدبيِرِ مُدَبِّرٍ حَكيم واحِدٍ، وفي تَربِيَةِ مُرَبٍّ كَريم أحَدٍ صَمَدٍ، وَكُلُّهَا خُدَّامُ سَيِّدٍ واحدٍ، وتَحتَ تَصَرُّف متصرِّفٍ واحدٍ، وَمَصدَرُهََا قُدْرَةُ واحِدٍ تَظاهَرتْ وَتَكاثَرَتْ خَواتِيمُ وَحْدَتِهِ على كُلِّ مَكتُوبٍ مِنْ مَكتُوبَاتِهِ في كُلِّ صَفحَةٍ مِنْ صَفَحَاتِ مَوجُودَاتِهِ.

نَعَمْ: فَكُلُّ زَهرَةٍ وَثَمَرٍ، وَكُلُّ نَبَاتٍ وَشَجَرٍ، بَل كُلُّ حَيَوانٍ وَحَجَرٍ، بَل كُلُّ ذَرّ ٍ وَمَدَرٍ، في كُلِّ وادٍ وَجَبَلٍ، وكُلِّ بادٍ وقَفْرٍٍ خاتَمٌ بَيِّنُ النَّقشِ وَالأَثَر يُظْهِرُ لِدِقَّةِ النَّظرِ بِأنَّ ذا ذاكَ الأثر هُوَ كاتِبُ ذاكَ المَكانِ بِالعِبَرِ؛ فَهُوَ كاتِبُ ظَهْرِ البَرِّ وَبَطْنِ البَحْرِ؛ فَهُوَ نَقَّاشُ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ في صَحيفةِ السَّموَاتِ ذاتِ العِبَرِ. جَلَّ جَلالُ نَقَّاشِها الله أكْبَرُ.

كِه لَا إلٰهَ إلّا هُوَ. بَرابَرْ مِى زَنَدْ عالَمْ([1]).

[أي: لأن العالم يذكر معًا لا إله إلَّا الله]

 


[1]  لقد وُضِّحَت في ذيل الموقف الأول من الكلمة الثانية والثلاثين، وفي المقام الثاني من المكتوب العشرين. (المؤلف)

 



450. صفحة

 

المرتبة الخامسة

الله أكبَرُ؛ إذْ هُوَ الخَلاّقُ القَديرُ المُصَوِّرُ البَصيرُ الَّذي هذِهِ الأجرَامُ العُلويَّةُ والكَواكِبُ الدُّرِّيَّةُ نَيِّراتُ بَراهينِ ألُوهيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَشُعاعاتُ شَوَاهِدِ رُبُوبِيَّتِهِ وَعِزَّتِهِ؛ تَشْهَدُ وَتُنادي عَلى شَعْشَعَةِ سَلْطَنةِ رُبُوبِيَّتِهِ وَتُنَادي عَلى وُسْعَةِ حُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وعَلى حِشمَةِ عَظَمَةِ قُدْرَتِهِ. فَاسْتَمِعْ إلى آيةِ:

﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ (ق:6).

ثُمَّ انظُرْ إلى وَجْهِ السَّماءِ كيفَ تَرى سُكُوتًا في سُكُونة، حَرَكَةً في حِكْمَةٍ، تَلألؤًا في حِشمَةٍ، تَبَسُّمًا في زِينَةٍ مَعَ انتَظامِ الخِلقَةِ مَعَ اتِّزَانِ الصَّنْعَةِ.

تَشَعْشُعُ سِراجِها لِتَبديلِ المَوَاسِمِ، تَهَلهُلُ مِصْباحِها لِتَنويِرِ المعَالَم، تَلألُؤُ نُجُومِها لِتَزيينِ العَوَالِم، تُعْلِنُ لأهلِ النُّهَى سَلْطَنَةً بلا انتِهَاءٍ لِتَدبيرِ هذَا العَالَمِ.

فَذٰلِكَ الخَلاّقُ القَديرُ عَليمٌ بِكُلِّ شَيءٍ، وَمُريدٌ بِإرادَةٍ شَامِلَةٍ ماشاءَ كانَ وَمَالَم يَشأ لَمْ يَكُنْ. وَهُوَ قَدِيرٌ عَلى كُلِّ شَيءٍ بِقُدْرَةٍ مُطْلَقَةٍ مُحيطةٍ ذاتِيَّةٍ. وَكَما لا يُمكِنُ ولا يُتَصوَّرُ وُجُودُ هذِه الشَّمسِ في هذا اليَومِ بِلا ِضِياءٍ ولا حَرارةٍ؛ كذٰلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُتَصوَّرُ وُجودُ إلهٍ خالِقٍ للِسَّمواتِ بِلا عِلْمٍ مُحِيطٍ، وبِلا قُدرَةٍ مُطلَقَةٍ. فَهُوَ بِالضَرورَةِ عَليمٌ بِكُلِّ شَيءٍ بِعلم مُحيطٍ لازِم ذَاتيٍّ لِلذاتِ، يَلزَمُ تَعَلُّقُ ذلِكَ العِلمِ بِكُلِّ الأشياء، لا يُمكِنُ أنْ يَنْفَكَّ عَنْهُ شَيءٌ بِسِرِّ الحُضُورِ وَالشُّهُودِ وَالنُّفُوذِ وَالإحَاطَةِ النُّورانِيَّةِ.

فَما يُشَاهَدُ في جَميعِ المَوجُودَاتِ مِنَ الاِنْتِظامَاتِ المَوزُونَةِ، وَالاِتِّزَاناتِ المَنْظُومَةِ، وَالحِكَمِ العَامَّةِ، وَالعِنَايَاتِ التَّامَّةِ، وَالأقْدَارِ المُنْتَظَمَةِ، وَالأَقْضِيَةِ المُثْمِرَةِ، وَالآجالِ المُعَيَّنَةِ، وَالأرزَاقِ المُقَنَّنَةِ، وَالإتْقاناتِ المُفَنَّنَةِ، وَالاِهتِمَامَاتِ المُزَيَّنَةِ، وَغَايَةِ كَمَالِ الاِمتِيازِ وَالاِتِّزانِ وَالاِنْتِظَامِ وَالإتْقانِ، وَالسُّهُولَةِ المُطلَقَةِ شَاهِدَاتٌ عَلى إحَاطَةِ عِلمِ عَلاّمِ الغُيُوبِ بِكُلِّ شَيءٍ.

وَإنَّ آيَةَ ﴿ألاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبيرُ﴾ (الملك:14) تَدُلُّ عَلى أنَّ الوُجودَ في الشَيء يَسْتَلزِمُ العِلمَ بِهِ. وَنُورَ الوُجودِ في الأشياء يَستَلزِمُ نُورَ العِلمِ فيها.

451. صفحة

فَنِسبَةُ دَلالَةِ حُسنِ صَنْعَةِ الإنسان عَلى شُعُورِهِ إلى نِسبَةِ دَلالَةِ خِلقَةِ الإنسان عَلى عِلمِ خالِقِهِ، كَنِسبَةِ لُمَيعَةِ نُجَيْمَةِ الذُّبَيْبَةِ في اللَّيلَةِ الدَّهمَاءِ إلى شَعشَعةِ الشَمْسِ في نِصفِ النَّهارِ عَلى وَجهِ الغَبْراءِ.

وَكَما أنَّهُ عَليمٌ بِكُلِّ شَيءٍ فهو مُرِيدٌ لكُلِّ شَيءٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَحَقَّقَ شَيءٌ بِدُونِ مَشِيئَتِهِ. وَكمَا أنَّ القُدْرَةَ تُؤَثِّرُ، وَأنَّ العِلمَ يُمَيِّزُ؛ كَذَلكَ فإنَّ الإرادةَ تُخَصِّصُ، ثُمَّ يَتَحَقَّقُ وُجودُ الأشيَاءِ.

فَالشَوَاهِدُ عَلى وُجودِ إرادَتِهِ تَعالى وَاختِيَارِهِ سُبحانَهُ بِعَدَدِ كَيفِيَّاتِ الأشياء وأحْوالِهَا وَشُئوناتِها.

نَعَمْ، فَتَنْظيمُ المَوجودَاتِ وَتَخْصِيصُها بِصِفاتِها مِن بَينِ الإِمْكَانَاتِ غَيْرِ المَحْدُودَةِ، وَمِنْ بَينِ الطُّرُقِ العَقيمَةِ، وَمِنْ بَينِ الاحتِمَالاتِ المُشَوَّشَةِ، وَتَحتَ أيدي السُّيُولِ المُتَشاكِسَةِ، بِهذا النِّظَامِ الأدَقِّ الأَرَقِّ، وَتَوْزِينُهَا بِهذا المِيزانِ الحَسَّاسِ الجَسَّاسِ المَشْهُودَينِ؛ وَأنَّ خَلْقَ المَوجُوداتِ المُختَلِفَاتِ المُنتَظَماتِ الحَيَويَّةِ مِنَ البَسائِطِ الجَامِدَةِ -كَالإنسانِ بِجِهَازاتِهِ مِنَ النُّطفَةِ، وَالطَّيْرِ بِجوارِحِهِ مِنَ البَيضَةِ، وَالشَّجَرِ بأعْضَائِهِ المُتَنَوعَةِ مِنَ النَّوَاةِ- تَدُلُّ عَلى أنَّ تَخَصُّصَ كُلِّ شَيءٍ وَتَعَيُّنَهُ بإرادَتِهِ واختِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ. فَكَما أنَّ تَوافُقَ الأشياء مِنْ جِنْسٍ، وَالأفرَادِ مِنْ نَوعٍ في أسَاساتِ الأَعْضاءِ، يَدُلُّ بالضَّرُورَةِ عَلى أنَّ صانِعَها واحِدٌ أحدٌ؛ كَذلكَ أنَّ تَمايُزَها في التَّشَخُّصاتِ الحَكيمَةِ المُشتَمِلَةِ عَلى عَلاماتٍ فارِقَةٍ مُنْتَظَمَةٍ، تَدُلُّ عَلى أنَّ ذلكَ الصَّانعَ الواحِدَ الأحدَ هُوَ فاعِلٌ مُختَارٌ مُرِيدٌ يَفعَلُ ما يَشاءُ وَيَحكُمُ ما يُريدُ جَلَّ جَلالُهُ.

وَكَما أنَّ ذلِكَ الخَلاّقَ العَليمَ المُريدَ عَليمٌ بِكُلِّ شَيء، وَمُرِيدٌ لِكُلِّ شَيء، لَهُ عِلمٌ مُحيطٌ، وَإرادةٌ شَامِلَةٌ، وَاختيَارٌ تَامٌّ؛ كَذلكَ لَهُ قُدرَةٌ كاملَةٌ ضَرُوريَّةٌ ذَاتِيَّةٌ ناشِئَةٌ مِنَ الذَّاتِ وَلازِمَةٌ للِذَّاتِ. فَمُحَالٌ تَداخُلُ ضِدِّها. وَإلَّا لَزِمَ جَمْعُ الضِّدَّيْنِ المُحالُ بالاتِفَاقِ. فَلا مرَاتِبَ في تِلكَ القُدرةِ.

فَتَتَساوى بِالنِّسبَةِ إلَيها الذَّرَّاتُ وَالنجُومُ وَالقَليلُ وَالكثيرُ وَالصَغيرُ والكَبيرُ وَالجُزئيُّ وَالكُلِّيُّ وَالجُزءُ وَالكُلُّ وَالإنسانُ وَالعالَمُ والنّوَاةُ والشَّجَرُ: 

452. صفحة

بِسِرِّ النُّورَانيَّةِ وَالشَّفافِيَّةِ وَالمُقابَلَةِ وَالمُوَازَنَةِ وَالانتِظامِ وَالامتِثالِ،

بِشَهادَةِ الانتِظامِ المُطلَقِ وَالاتِّزَانِ المُطلَقِ وَالامتِيَازِ المُطلَقِ في السُّرعَةِ وَالسُّهُولَةِ وَالكَثرَةِ المُطلَقَاتِ،

بِسِرِّ إمدادِ الوَاحِديَّةِ ويُسرِ الوَحدَةِ وتَجَلِّي الأحَديَّةِ،

بِحِكمَةِ الوُجوبِ وَالتَجَرُّدِ وَمُبَايَنَةِ الماهيَّةِ،

بِسرِّ عَدَمِ التَّقَيُّدِ وَعَدَمِ التَّحَيُّزِ وَعَدَمِ التَّجَزُّءِ،

بِحِكمَةِ انقِلابِ العَوَائِقِ وَالمَوَانِعِ إلى الوَسَائِلِ في التَسْهيلِ إنِ احْتيِجَ إلَيهِ. وَالحَالُ أنَّهُ لا احتِيَاجَ كأعْصابِ الإنسانِ، وَالخُطُوطِ الحَديديَّةِ لنَقلِ السَيَّالاتِ اللَّطيفَةِ.

بِحِكمَةِ أنَّ الذَّرَّةَ وَالجُزءَ وَالجُزئيَّ وَالقَليلَ وَالصَغيرَ وَالإنسانَ وَالنَّواةَ ليسَتْ بأقَلَّ جَزَالَةً مِنَ النَّجْمِ وَالنَّوعِ وَالكُلِّ وَالكُلِّيِّ وَالكَثيرِ وَالكَبيرِ وَالعَالَمِ وَالشَّجَرِ.

فَمَنْ خَلَقَ هؤُلاءِ لايُسْتَبعَدُ مِنْهُ خَلقُ هذِهِ. إذِ المُحاطاتُ كالأمثِلَةِ المَكتُوبَةِ المُصَغَّرَةِ، أوكالنُّقَطِ المَحلُوبَةِ المُعَصَّرَةِ. فَلابُدَّ بالضَرُورَةِ أنْ يَكونَ المُحيطُ في قَبضَةِ تَصَرُّفِ خالِقِ المُحَاطِ، لِيُدْرِجَ مِثالَ المُحيطِ في المُحَاطَاتِ بِدَسَاتيرِ عِلمِهِ، وَأنْ يَعْصُرَها مِنْهُ بِمَوازينِ حِكمَتِهِ. فَالقُدرَةُ الَّتي أبرَزَتْ هَاتيكَ الجُزئيَّاتِ لا يَتَعسَّرُ عَليها إبرَازُ تَاكَ الكُلِّيَّاتِ.

فَكَما أنَّ نُسخَةَ قُرآنِ الحِكمَةِ المَكتُوبَةَ عَلى الجَوهَرِ الفَردِ بِذَرَّاتِ الأثيرِ لَيسَتْ بِأقَلَّ جَزَالَةً مِنْ نُسْخَةِ قُرآنِ العَظَمَةِ المَكتُوبَةِ عَلى صَحَائِفِ السَّمواتِ بِمِدادِ النُّجُومِ وَالشُّموسِ؛ فكذٰلِكَ لَيسَتْ خِلقَةُ نَحلَةٍ وَنَمْلَةٍ بِأقَلَّ جَزَالَةً مِنْ خِلقَةِ النَّخلَةِ والفيلِ، وَلا صَنْعَةُ وَردِ الزَّهْرَةِ بِأقَلَّ جَزَالَةً مِنْ صَنْعَةِ دُرِّيِّ نَجمِ الزُّهْرَةِ. وَهكَذا فَقِسْ.

فَكمَا أنَّ غايَةَ كَمالِ السُّهُولَةِ في إيجَادِ الأشياء أوقَعَتْ أهلَ الضَّلالَةِ في التِبَاسِ التَّشكيلِ بالتَّشَكُّلِ المُستَلزِمِ للِمُحَالاتِ الخُرَافيَّةِ الَّتي تَمُجُّها العُقُولُ، بَل تَنْفُرُ عَنها الأَوهَامُ؛ كذلِكَ أثْبَتَتْ بِالقَطعِ وَالضَرُورَةِ لأَهلِ الحَقِّ وَالحَقيقَةِ تَساويَ السَّيَّاراتِ مَعَ الذَّرَّاتِ بالنِسبَةِ إلى قُدْرَةِ خالِقِ الكائِناتِ.جَلَّ جَلالُهُ وَعَظُمَ شأنُهُ وَلَا إلٰهَ إلَّا هُوَ.

 

453. صفحة

المرتبة السادسة

جَلَّ جَلالُهُ وَعَظُمَ شَأنُهُ الله أكبَرُ مِنْ كُلِّ شَيءِ قُدْرَةً وَعلمًا، إذْ هُوَ العَادِلُ الحَكيمُ القَادِرُ العَليمُ الوَاحِدُ الأَحَدُ السُّلطَانُ الأزلي الَّذي هذِهِ العَوَالِمُ كُلُّهَا في تَصَرُّفِ قَبْضَتَىْ نِظامِهِ وَميزَانِهِ وَتَنْظيمِهِ وَتَوزيِنِهِ وَعَدلِهِ وَحِكمَتِهِ وَعِلمِهِ وَقُدرَتِهِ، وَمَظهَرُ سِرِّ وَاحِدِيَّتِهِ وَأحَديَّتِهِ بِالحَدْسِ الشُّهُوديِّ بَل بِالمُشَاهَدَةِ. إذ لا خَارِجَ في الكَونِ مِنْ دَائِرَةِ النِّظَامِ وَالميزَانِ وَالتَّنظيمِ وَالتَّوزينِ؛ وَهُمَا بابانِ مِنَ "الإمامِ المُبينِ وَالكِتَابِ المُبينِ". وَهُما عُنوَانانِ لِعِلمِ العَليمِ الحَكيمِ وَأمْرِهِ وَقُدْرَةِ العَزيزِ الرَّحيمِ وَإرادَتِهِ. فَذلكَ النِّظامُ مَعَ ذلكَ المِيزَانِ، في ذلكَ الكِتَابِ مَعَ ذلكَ الإمامِ بُرهَانانِ نَيِّرانِ لِمَنْ لَهُ في رَأسِهِ إذعَانٌ، وفي وَجهِهِ عَيْنَانِ، أنْ لا شَيءَ مِنَ الأشياءِ([1]) في الكَونِ وَالزَّمانِ يَخْرُجُ منْ قَبضَةِ تَصَرُّفِ رَحمنٍ، وَتَنْظيمِ حَنَّانٍ، وَتَزييِنِ مَنَّانٍ، وَتَوزينِ دَيَّانٍ.

الحَاصِلُ:

إنَّ تَجَلِّيَ الاِسمِ "الأوّلِ وَالآخِرِ" في الخَلاّقِيَّةِ، النَّاظِرَينِ إلى المَبدَإ وَالمُنتَهى وَالأصلِ وَالنَسلِ وَالمَاضي وَالمُستَقبلِ وَالأمرِ وَالعِلمِ، مُشيرانِ إلى "الإمامِ المُبينِ". وَتَجَلِّيَ الاسمِ "الظَّاهِرِ وَالباطِنِ" عَلى الأشياء ضِمنِ الخَلاّقِيَّةِ يُشيرانِ إلى "الكِتابِ المُبينِ".

فَالكَائِناتُ كَشَجَرَةٍ عَظيمَةٍ، وَكُلُّ عالَمٍ مِنها أيضاً كَالشَّجَرةِ. فَنُمَثِّلُ شَجَرَةً جُزئِيَّةً لِخِلقَةِ الكائِناتِ وَأنواعِها وَعَوالِمِها. وهَذِهِ الشَّجَرَةُ الجُزئِيَّةُ لها أصلٌ وَمَبدَأٌ وَهُوَ النَّواةُ الَّتي تَنبُتُ عَليهَا، وَكَذا لها نَسلٌ يُديمُ وَظيفَتَها بَعدَ مَوتِها وَهُوَ النَّواةُ في ثَمَراتِها.

فَالمَبدَأُ وَالمُنتَهى مَظْهَرانِ لِتَجَلِّي الاسمِ "الأَوَّلِ وَالآخِرِ". فَكأنَّ المَبدأ وَالنَّواةَ الأَصليَّةَ بِالانتِظامِ وَالحِكمَةِ، فِهرِستَةٌ وَتَعرِفَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مَجمُوعِ دَساتيرِ تَشكُّلِ الشَّجَرةِ. وَالنَّواتَاتُ في ثَمَراتِها الَّتي في نِهاياتِها مَظهَرٌ لِتَجَلِّي الاسمِ الآخِر.


[1]  لو كانت قد كُتِبت هذه المرتبة السادسة كسائر المراتب لكانت طويلة جدًّا، لأن "الإمام المبين" و "الكتاب المبين" لايمكن بيانهما بعبارات وجيزة، وحيث إنه قد ذكرت في "الكلمة الثلاثين" إلى حد ما فقد أجملنا هنا كتابتهما، إلّا أنه قد ذكرت إيضاحات خلال الدرس. (المؤلف)

 



454. صفحة

فَتِلكَ النَّواتاتُ في الثَّمَراتِ بِكمَالِ الحِكمَةِ، كَأنَها صُنَيدِيقَاتٌ صَغيرَةٌ أودِعَتْ فيها فِهرِستَةٌ وَتَعرِفَةٌ لتَشَكُّلِ ما يُشابِهُ تِلكَ الشَجَرةَ. وَكأنَّها كُتِبَ فيها بِقَلَمِ القَدَرِ دَساتيرُ تَشكُّلِ شَجَراتٍ آتِيَةٍ.

وَظاهِرُ الشَّجَرَةِ مَظْهَرٌ لِتَجَلِّي الاِسمِ "الظَّاهِرِ". فَظَاهِرُها بِكَمالِ الاِنتِظامِ وَالتَّزيينِ وَالحِكمَةِ، كَأنَها حُلَّةٌ مُنتَظَمَةٌ مُزَيَّنَةٌ مُرَصَّعَةٌ قَد قُدَّتْ عَلى مِقدارِ قَامَتِها بِكَمالِ الحِكمَةِ وَالعِنَايَةِ.

وَبَاطِنُ تِلكَ الشَّجَرَةِ مَظهَرٌ لِتَجَلِّي الاِسمِ "البَاطِنِ". فَبكَمالِ الانتِظامِ وَالتَّدبيرِ المُحَيِّرِ للِعُقُولِ، وَتَوزيعِ مَوَادِّ الحَياةِ إلى الأَعَضاءِ المُختَلِفَةِ بِكَمالِ الانتِظامِ، كأنَّ باطِنَ تِلكَ الشَّجَرَةِ ماكِينَةٌ خَارِقَةٌ في غَايَةِ الاِنتَظامِ وَالاِتَّزَانِ.

فَكَما أنَّ أوَّلَها تَعرِفَةٌ عَجيبَةٌ، وآخِرَها فِهرِستَةٌ خارِقَةٌ تُشيرانِ إلى "الإِمامِ المُبينِ"؛ كَذَلكَ إنَّ ظَاهِرَها كحُلَّةٍ عَجيبَةِ الصَنْعَةِ، وَباطِنَها كَمَاكينَةٍ في غَايَةِ الاِنتِظامِ، تُشيرَانِ إلى "الكِتَابِ المُبينِ".

فَكما أنَّ القُوَّاتِ الحَافِظاتِ في الإنسان تُشيرُ إلى "اللَّوحِ المَحفُوظِ" وَتَدُلُّ عَلَيهِ؛ كَذلِكَ إنَّ النَّوَاتاتِ الأصليَّةَ وَالثَّمَراتِ تُشيرَانِ في كُلِّ شَجَرةٍ إلى "الإِمامِ المُبينِ". وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ يَرمُزَانِ إلى "الكِتَابِ المُبينِ". فَقِسْ عَلى هذِهِ الشَّجَرَةِ الجُزئِيَّةِ شَجَرَةَ الأرض بِمَاضِيها وَمُستَقبَلِها، وَشَجَرةَ الكَائِناتِ بِأوائِلِها وَآتِيها، وَشَجَرةَ الإنسان بِأجْدَادِها وَأنسَالِها. وَهَكذا.

جَلَّ جَلالُ خالِقِها وَلَا إلٰهَ إلَّا هُوَ.

يا كَبيرُ أنتَ الَّذي لا تَهتدِي العُقُولُ لِوَصفِ عَظَمَتِهِ وَلا تَصِلُ الأفْكَارُ إلى كُنْهِ جَبَرُوتِهِ.

 

المرتبة السابعة

جَلَّ جَلالُهُ الله أكبَرُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ قُدرَةً وَعِلمًا. إذ هُوَ الخَلاّقُ الفَتَّاحُ([1]) الفَعَّالُ العَلاّمُ الوَهَّابُ الفَيَّاضُ شَمسُ الأزل الَّذي هذِهِ الكَائِناتُ بِأنواعِها وَمَوجُودَاتِها

[1]  يمكن الانتقال إلى المسمّى ذي الجلال بالنظر إلى الأفعال والآثار الإلهية التي تحت تجليات هذه الأسماء المباركة في الموجودات بمنظار تلك لأسماء. (المؤلف)

 



455. صفحة

ظِلالُ أنوَارهِ، وَآثارُ أفعَالِهِ، وَألوانُ نُقوشِ أنواعِ تَجَلِّياتِ أسمائِهِ، وخُطُوطُ قَلَمِ قَضائِهِ وَقَدَرِهِ، وَمَرَايَا تَجَلِّياتِ صِفَاتِهِ وَجَمَالِهِ وَجَلالِهِ وَكَمالِهِ، بِإجمَاعِ الشَّاهِدِ الأزلي بِجَميعِ كُتُبِهِ وَصُحُفِهِ وآياتِهِ التَكْويِنيَّةِ والقُرآنيَّةِ، وبإجمَاعِ الأرض مَعَ العَالَمِ بِافتِقَاراتِها وَاحتِيَاجاتِها في ذاتِها وَذَرَّاتِها مَعَ تَظاهُرِ الغِنَى المُطلَقِ وَالثَّروَةِ المُطلَقَةِ عَلَيها، وبإجمَاعِ كُلِّ أهلِ الشُّهُودِ مِنْ ذَوي الأَرواحِ النَّيِّرَةِ وَالقُلوبِ المُنَوَّرَةِ وَالعُقُولِ النُّورانيَّةِ مِنَ الأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ والأَصفِيَاءِ بِجَميعِ تَحقيقَاتِهِمْ وَكُشُوفَاتِهِمْ وَفُيُوضاتِهِمْ وَمُنَاجَاتِهِمْ.

قَدِ اتَّفَقَ الكُلُّ مِنهُمْ، وَمِنَ الأرض وَالأجرَامِ العُلويَّةِ وَالسُّفليَّةِ بِما لا يُحَدُّ مِنْ شَهادَاتِهِمُ القَطعيَّةِ وَتَصدِيقاتِهِمُ اليَقينيَّةِ بِقُبولِ شَهَادَاتِ الآيَاتِ التَّكْوينيَّةِ والقُرآنيَّةِ وَشَهَادَاتِ الصُّحُفِ وَالكُتُبِ السَّماويَّةِ الَّتي هيَ شَهَادَةُ الوَاجِبِ الوُجُودِ عَلى أنَّ هذِهِ المَوجُودَاتِ آثارُ قُدرَتِهِ ومَكْتُوباتُ قَدَرِهِ وَمَرايا أسمائِهِ وَتَمَثُّلاتُ أنوَارِهِ.

جَلَّ جَلالُهُ وَلَا إلٰهَ إلَّا هُوَ.

 

الباب الرابع

فصلان

 

الفصل الأول

 وهو ورد مهم من أوراد سيدنا الخضر عليه السلام، ويشير أولاً وقبل كل شيء إلى ثلاثٍ وستين مرتبة من مراتب معرفة الله والتوحيد.

فكل مرتبة من المراتب الثلاث والستين عبارة عن جملتين، فكما أن كلمة "لا إله إلّا الله" (محمد:19) تثبت الوحدانية، فكذلك الأسماء التي تبدأ بـ"هو" تثبت وجود واجب الوجود. وكأنه حينما تدل الجملة الأولى على الوحدانية، يتبادر إلى الذهن سؤال مقدّر: ومن هو الواحد؟ وكيف سنعرفه؟ فتجيب الجملة:

"هو الرحمن الرحيم" مثلاً. أي إن آثار الشفقة والرحمة التي تملأ الكون تخصه هو وتعود إليه، وتعرّف ذلك الرحمن، وهكذا فقس.

456. صفحة

بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ

اللَّهُمَّ إنِّي أقَدِّمُ إلَيكَ بَينَ يَدَيْ كُلِّ نِعْمَةٍ وَرَحمَةٍ وَحِكمَةٍ وَعِنايَةٍ، وبَينَ يَدَيْ كُلِّ حَيَاةٍ وَممَاتٍ وَحَيوَانٍ وَنَبَاتٍ، وَبينَ يَدَي كُلِّ زَهرَةٍ وَثَمَرةٍ وَحَبَّةٍ وَبَذرَةٍ، وَبَينَ يَدَي كُلِّ صَنْعَةٍ وصِبغَةٍ ونِظامٍ وَميزَانٍ، وبينَ يَدي كُلِّ تَنظيم وَتَوزيِنٍ وتَمييزٍ في كُلِّ المَوجُودَاتِ وَذَرَّاتِها، شَهادَةً تشهَدُ([1]) أنْ:

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الحَىُّ القَيُّومُ                 لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الباقِي الدَّيمُومُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لهُ               لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ العَزيزُ الجَبَّارُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الحَكيم الغَفَّارُ               لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الظَّاهِرُ وَالباطِنُ            لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ السَّميعُ البَصيرُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ اللَّطيفُ الخَبيرُ              لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الغَفُورُ الشَّكورُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الخَلاّقُ القديرُ               لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المُصَوِّرُ البَصيرُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الجَوَاد الكريمُ               لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المُحيي العَليمُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المُغني الكَريمُ               لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المُدَبِّرُ الحَكيمُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المُرَبِّي الرَّحيمُ              لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ العَزيزُ الحَكيمُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ العليُّ القَويُّ                 لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الوَليُّ الغنيُّ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الشَّهيدُ الرَّقيبُ              لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ القَريبُ المُجيبُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الفَتّاحُ العَليمُ                 لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الخَلاّقُ الحَكيمُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتينُ     لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الأحَدُ الصَمَدُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هو الباقي الأمْجَدُ               لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الوَدُودُ المَجيدُ


[1]  في هذه الشهادات حكمان: أحدهما يدل على الوحدانية، وهو: "لا إله إلّا الله"، والآخر يثبت وجود ذلك الواحد، وهو الأسماء التي تبدأ بـ "هو". فكلما ورد "هو" فهو يكون جوابًا على سؤال مقدّر، وكأنه يقال: كيف سنعرف ذلك الإله الواحد؟ فيجيبه بـ "هو السميع البصير" مثلاً، فيقول في هذا: إن هناك مَن يرى ويسمع حاجات هذه الموجودات ويقضي لهم حاجاتهم. فمثل هذه الآثار تثبت الأفعال الإلهية، وتلك الأفعال تثبت أسماءً كالسميع والبصير، وتلك الأسماء تدل على وجود المسمَّيات، فجميع هذه الجمل على هذه الطريقة، فتثبت بالآثار الأفعالَ، وبالأفعال الأسماءَ، وبالأسماءِ وجودَ واجبِ الوجودِ. (المؤلف)

 



457. صفحة

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الفَعَّالُ لِما يريدُ              لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المَلِكُ الوَارِثُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ البَاقي البَاعِثُ               لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ البَارئ المُصـوِّرُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ اللَّطيفُ المُدَبِّرُ              لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ السَّيِّدُ الدَّيَّانُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الحنَّانُ المَنَّانُ               لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ السُّبُّوحُ القُدُّوسُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ العَدْلُ الحَكمُ                 لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ الفَرْدُ الصَّمَدُ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ النّورُ الهادي.               لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ المَعرُوفُ لِكُلِّ العارِفينَ([1])

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المَعبُودُ الحَقُّ لِكُلِّ العابِدينَ  لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المَشكُورُ لِكُلِّ الشَّاكِرينَ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المَذْكُورُ لكُلِّ الذَّاكِرينَ     لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المَحمُودُ لِكُلِّ الحَامِدينَ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المَوجُودُ لِكُلِّ الطَّالبينَ      لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المَوصُوفُ لِكُلِّ المُوَحِّدينَ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المَحبُوبُ الحقُّ لكُلِّ المُحِبِّينَ لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ المَرغُوبُ لِكُلِّ المريدينَ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المَقصُودُ لكُلِّ المُنيبينَ      لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المَقصُودُ لِكُلِّ الجَنَانِ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المُوجِدُ لِكُلِّ الأنامِ           لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المَوجُودُ في كُلِّ زَمانٍ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المَعبُودُ في كُلِّ مَكانٍ       لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المَذكُورُ بِكُلِّ لِسانٍ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المَشكُورُ بِكُلِّ إحسَانٍ       لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ هُوَ المُنْعِمُ بلا امتِنانٍ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ إيمانًا بالله                        لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ أمانًا مِنَ الله ِ

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ أمانَةً عِنْدَ الله                    لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ حَقًّا حَقًّا

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ إذعَانًا وَصِدْقًا                   لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ تَعَبُّداً وَرِقًّا

لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبينُ

مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله الصَادِقُ الوَعدِ الأمينُ


[1]  معنى الفقرات التي تأتي بعد فقرة " هُوَ المَعرُوفُ لِكُلِّ العارِفينَ " كالآتي:

   إن كنت تريد معرفة ذلكم الإله الواحد، فانظر! إن هناك معروفٌ عرَّفه جميع العارفين في نوع البشر بدلائل وطرق مختلفة، فهو ذلك "المعروف"، فيظهر وجود ذلكم الإله الواحد وجودُ من يُعرِّفه أهل المعرفة الذين لا يحصيهم العدّ بأساليب وطرق مختلفة متنوعة لا تعد ولا تحصى عيانًا كالشمس. وكذا، عبادة العابدين الذين لا يحصرهم العدّ في نوع البشر لمعبود واحد وجنيهم الثمرات المعنوية إزاء تلك العبادات، وحظوتهم بالمناجاة والفيوضات، يُرِي وجودَ ذلك المعبود كالشمس بتواتر مضاعف. وهكذا فقس على سائر الفقرات. (المؤلف).



458. صفحة

الفصل الثاني

إن خمسة أو ستة أسطر من التمجيد والتعظيم اللذين هما بمنزلة الفاتحة لأوراد أكثر الأقطاب كل صباح ولاسيما "الغوث الجيلاني" منهم، قد أصبحت لي بمنزلة نواة سلسلة تفكر طويلة، وأنبتت سنبلة معنوية من نوع الإشارة إلى تسع وتسعين مرتبة من معرفة الله والتوحيد.

فذُكِر هنا تسع وسبعون مرتبة من تلك المراتب التسع والتسعين، وهي تتوجه في كل فقرة من تلك الإشارات، إلى الذات الأقدس بجهتين:

الأولى: تشهد له بحيثيته أنه حاضر ومشهود، فيُعبَّر عن ذلك المعنى بعبارة "لله شهيد".

الثانية: تدلّ بعبارة "على الله دليل" على إشارة السلسلة التي تظهر بتعاقب أمثالها بعضها وراء بعض، فعبِّرتْ عن ذلك بهذا المعنى.

 

بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ

أصْبَحْنَا([1]) وَأصبَحَ المُلكُ للهِ شَهيدٌ وَالكبرِيَاءُ عَلى اللهِ دَليلٌ


[1]  أَصْبَحْنَا: أي دخلنا الصباح ومُلك هذا الصباح كذلك شاهدٌ لله. في هذا الباب نكتتان: النكتة الأولى: تعني: كما أن كل شيء يدل بوجوده على وجود الله ووحدته، فكذلك يتبدل بانتظام ويرحل ليفسح مكانا لأمثاله الذين يأتون وراءه فيُريِ سلسلةً عظيمة ضمن مظهر التجدد ومن ثم يكون دليلا على وجوب وجود الله ووحدانيته.

   الحاصل: يدل كل شيء بفقرة "شهيد" على وجوده الحالي، وبجملة "دليل" يدل على سلسلته الحاصلة بسبب تركّب أمثاله المتعاقبة.

   النكتة الثانية: ذكرت "لله شهيد" كما كان ينبغي أن يقال حسب القاعدة النحوية: "الآلاء على الله شهيدة"، حيث إن كل واحد منها شاهد بمفرده، والآلاء بمجموعها كذلك شاهدات، فبلفظ "شهيد" مذكَّرًا يفيد أن كل فرد يشهد، ولو قال "شهيدة" لكان يعبّر عن معنى الجماعة. ويقال مثلاً: "الربوبية لله شهيد"، لأن المراد من الربوبية، يعني أن أنواع التربية والتدبير التي يعملها الله تعالى بربويته تشهد، ولا تشاهَد الربوبية نفسها، ولكن تشاهَد أنواع التربية والتدبير التي هي آثارها، ولذلك قيل "شهيدٌ" لجَعْلِ كلِّ شيء مُشاهَدٍ شاهدًا. فلو قيل "شهيدةٌ" لكان راجعًا إلى الربوبية نفسها رأسًا.

    وكذلك النكتة في الآية الكريمة "إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ" حيث قيل فيها "قريب" بدلا من "قريبة" مع أن لفظ "الرحمة" مؤنثة، تعني أنه يُرَى إحسان خاصٌّ قريب من كل محسن؛ لأن المراد الإحسانات الخاصة التي هي أشعة تلك الشمس أكثر من أن يكون المراد قرب الرحمة العالية الكلية التي هي كالشمس، ولفظ "الإحسان" مذكّر، فحقِّه "قريب".

    وكذا لم يقل "قريبةٌ" حتى يفيد أن الله قريب من المحسنين برحمته. ومن أمثال ذلك، أنه كان ينبغي أن يقال "شهيدة" بدلا من اللفظ المذكّر "شهيد"، فذلك من أجل النكتة التي في كلمة "قريب" بدلا من لفظ "قريبة" في قوله تعالى "إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ"، ولئن جاء في بعض الأماكن بلفظ الجماعة، إلّا أنه جاء بلفظ "شهيد" المذكر؛ لأن المراد "كل واحد".(المؤلف)



459. صفحة

وَالعَظَمَةُ لله شَهيدٌ                       وَالهَيبَةُ عَلى الله دَليلٌ

وَالقُوَةُ لله شَهيدٌ                          وَالقُدرَةُ عَلى الله دَليلٌ

وَالآلاءُ لله شَهيدٌ                         وَالإِنعامُ الدَّائِمُ عَلى الله دَليلٌ

وَالبَهَاءُ لله شَهيد                         وَالجَمَالُ السَّرمَدُ عَلى الله دَليلٌ

وَالجَلالُ لله شَهيدٌ                        وَالكَمالُ عَلى الله دَليلٌ

وَالعَظَمُوتُ لله شَهيدٌ                     وَالجَبَروتُ عَلى الله دَليلٌ

وَالرُبُوبيَّةُ لله شَهيدٌ                      وَالألُوهيَّةُ المُطلَقَةُ عَلى الله دَليلٌ

وَالسَّلْطَنَةُ لله شَهيدٌ                       وَجُنُودُ السَّمواتِ وَالأرضِ عَلى الله دَليلٌ

وَالأقضِيَةُ([1]) لله شَهيدٌ                   وَالتَقديرُ([2]) عَلى الله دَليلٌ

وَالتَربيَّةُ لله شَهيدٌ                        وَالتَّدبيرُ عَلى الله دَليلٌ

وَالتَصْوِيرُ لله شَهيدٌ                      وَالتَّنْظِيمُ عَلى الله دَليلٌ

وَالتََّزيِينُ لله شَهيدٌ                   وَالتَّوزينُ عَلى الله دَليلٌ

وَالإتْقانُ([3]) لله شَهيدٌ                     وَالجُودُ عَلى الله دَليلٌ

وَالخَلقُ لله شَهيدٌ                         وَالإيجادُ الدَّائِمُ عَلى الله دَليلٌ


[1]  الأقضية: كشهادة المقادير المخصوصة والمنتظمة للجزئيات وللمخلوقات الموجودة في الزمن الحاضر على وجود الفاطر الحكيم . (المؤلف).

 

[2]  التقدير: إن ظهور تقدير ومقدار منتظم آخر يحصل بزوال الأمور الكلية وزوال الجزئيات يدل أيضا على وجود ذلك الفاطر الحكيم. وكأنه يعني أنه يشهد على الانتظامات القضائية في الحياة، ويدل على تجلي القدر والتقدير المنتظم في تناوب الحياة والموت، وعلى الإحياء والإماتة. فمثلاً "التربية" تعني إدارة وجود مخلوق ما ضمن شرائطه، و"التدبير" يعني تبديل ذلك، فكل منهما على حدة يدل دلالة على الفاطر الحكيم. (المؤلف).

 

[3]  الإتقان: هو الصنع بعناية وإبداع، أريدَ بزوال المحاسن المشاهَدةِ لطائفُ صورِها المعنويةِ والمثاليةِ، أو المراد بها: محاسن تلك السلسلة المتعاقبة. (المؤلف).

 



460. صفحة

وَالحُكْمُ لله شَهيدٌ                         وَالأَمرُ عَلى الله دَليلٌ

وَالمَحاسِنُ لله شَهيدٌ                      وَاللَّطائِفُ عَلى الله دَليلٌ

وَالمَحامِد([1]) لله شَهيدٌ                    وَالمَدائِحُ عَلى الله دَليلٌ

وَالعِبادَاتُ لله شَهيدٌ                      وَالكَمالاتُ عَلى الله دَليلٌ

وَالتَّحيَّاتُ([2]) لله شَهيدٌ                    وَالبَركاتُ عَلى الله دليلٌ

وَالصَّلَواتُ لله شَهيدٌ                     وَالطَّيِّبَاتُ عَلى الله دليلٌ

وَالمَخلُوقَاتُ لله شَهيدٌ                    وَالخَوارِقُ الماضِيَةُ عَلى الله دَليلٌ

وَالمَوجُودَاتُ لله شَهيدٌ                   وَالمُعجِزاتُ الآتِيَةُ عَلى الله دليلٌ

وَالسَّمواتُ لله شَهيدٌ                     وَالعَرشُ عَلى الله دَليلٌ

وَالشُّموسُ لله شَهيدٌ                      وَالأقمَارُ عَلى الله دَليلٌ

وَالنُّجُومُ لله شَهيدٌ                        وَالسَيَّاراتُ عَلى الله دليلٌ

وَالجَوُّ بِتَصرُّفاتِهِ وَأمطارِهِ لله شَهيدٌ    وَالأرضُ عَلى الله دليلٌ.


[1]  المحامد: تعني أنواع الحمد الحاضرة وأعدادها، وتعني أيضًا الْمِدَحَ الدائمة والثناءات الثابتة، وكأنها ثناءات منبعثة مما للمحامد الحاضرة من سلسلة مثال تحيط بالماضي والمستقبل، أي تعني الكمالات التي تقتضي كمالات المعبودية، أي إن الكمالات التي تستلزم المعبوديةَ باقيةٌ، حتى ولو رحل العابدون بعباداتهم، وتسوق السلاسلَ الآتيةَ جميعَها إلى العبادة بدلاً من السلاسل الماضية. المؤلف.

 

[2]  وَالتَّحِيَّاتُ: أي إن جميع ذوي الحياة يصفّقون لصنعة صانعهم ذي الجلال من حيث إظهارهم آثار حياتهم ضمن دائرة المراد الإلهي إظهارًا منتظمًا. كما أن شخصًا ما إذا صنع ماكينة بديعة على رأسها أجهزة لتسجيل الصوت والتصوير، وكل واحدة من تلك الأجهزة تعمل بنفسها وتتحدث وتكتب وتقوم باتصالات، وعملت -تلك الماكينة- على الوجه الذي يريده صانعها وأثمرت نتائجَها الحسنة، فكيف أن الناظر إلى تلك الماكنة يصفّق لهذا الشخص ويهتف له بهتافات "ماشاء الله!" "بارك الله!" ويمنحه هدايا معنوية، كذلك فتلك الماكينة بإظهارها النتائج والأعمال المقصودة منها على أكمل وجه، تصفّق لصانعها وتهنّئه بإعجاب واستحسان وبهتافات "ماشاء الله" معنىً وبلسان حال تلك الأجهزة، وتقدّم له التحيات والهدايا. فكما في هذا المثال فإن في رأس كل واحد من ذوي الحياة أجهزة كثيرة كالأجهزة الكثيرة المختلفة لتسجيل الأصوات والتقاط الصور والبرقيات والهواتف، وحيث إنهم يُظهرون -على أكمل وجه- ما في خلقتهم من مقاصد ونتائج، فهذا يعني أنهم يُعلنون بمظاهر حياتهم عن تسبيحات الصانع ذي الجلال وعن كمالات صنعته بالتصفيقات والهدايا والتهاني والاستحسانات المعنوية التي تُعبَّر عنها بـ [التَّحِيَّات]. أما نحن فبقولنا [التَّحِيَّاتُ] نذكر تلك التحيات بألسنتنا ونقدمها إلى الحضرة الإلهية باسمنا نحن، فاللسان أصلا ماكينة من تلك الماكينات، وإحدى النتائج المطلوبة منها هو أن تكون مترجِمًا لتلك التحيات.

 



461. صفحة

يعني:

وَالقُدرَةُ الظَّاهِرَةُ في الأرضِ، وَالحِكمَةُ الباهِرَةُ فيها، وَالصَنعَةُ المُكَمَّلَةُ فيها، وَالصِّبغَةُ المُتَزَيِّنَةُ فيها، وَالنِّعمَةُ المُتَنَوِّعَةُ فيها، وَالرَّحمَةُ الوَاسِعَةُ فيها عَلى الله دليلٌ.

وَالقُرآنُ بألُوفِ آياتِهِ لله شَهيدٌ، وَمُحَمَّدٌ بآلافِ مُعجِزَاتِهِ عَلى الله دَليلٌ.

وَالبِحَارُ بِعَجائِبِها وَغَرائِبها لله شَهيدٌ، وَالنبَاتاتُ بأوراقِها بأزهارِها بِأثمَارِها عَلى الله دليلٌ.يعني:

فالدَّلائِلُ المُتَزَيِّناتُ المُتَزَهِّراتُ المُثمِراتُ المُسَبِّحاتُ بِأوراقِها، وَالحامِداتُ بِأزهارِها، وَالمُكَبِّراتُ بِأثْمَارِها، عَلى الله دليلٌ.

وَالأَشجَارُ بِأوراقِها المُسبِّحاتِ وَأزهارِها الحامِداتِ وَأثْمارِها المُكَبِّراتِ لله شَهيدٌ. وَالحَيواناتُ المُكبِّراتُ، والحُوينَاتُ المُسبِّحَاتُ، وَالطُويراتُ الحامِداتُ، وَالطُّويراتُ الصَّافَّةُ المُهَلِّلاتُ عَلى الله دليلٌ.

وَالإنسُ وَالجِنُّ بِعِبَاداتِهم وَصَلَواتِهمْ في مَسجِدِ الكَائِناتِ لله شَهيدٌ، وَالمَلَكُ وَالرُّوحُ في مَسجِدِ العَالَمِ بِتَسبيحاتِهِمْ وَعِباداتِهِمْ عَلى الله دليلٌ.

وَالصَّنْعَةُ لله فَالمَدحُ لله.. وَالصِّبْغَةُ لله فَالثَّنَاءُ لله..

وَالنِّعْمَةُ لله فَالشُّكرُ لله.. وَالرَّحمَةُ لله..

فَالحَمدُ لله ربِّ العَالَمينَ.

الباب الخامس

مقامان

"المقام الأوّل"

في شهادة: نَشهَدُ أنْ لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله.

اللَّهُمَّ يارَبَّ مُحَمَّدٍ المُختَارِ. وياربَّ الجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَياربَّ النَبيّينَ وَالأخْيارِ، يَاربَّ الصِّدِّيقينَ وَالأبرَارِ. يارَبَّ الصِغَارِ وَالكِبَارِ. يارَبَّ الحُبُوبِ وَالأَثمَارِ. ياربَّ الأنْهَارِ وَالأَشجَارِ. يَارَبَّ الصَّحَارَى وَالقِفارِ. ياربَّ العَبيدِ وَالأحرارِ. ياربَّ اللَّيلِ وَالنَّهارِ.

أمسَيْنَا وَأصبَحْنا نُشهِدُكَ وَنُشهِدُ جَميعَ صِفَاتِكَ المُتَقَدِّسَةِ.

462. صفحة

وَنُشهِدُ جَميعَ أسمَائِكَ الحُسنى.. وَنُشهِدُ جَميعَ مَلائِكَتِكَ العُليا. ونُشْهِدُ جميعَ مَخْلوقَاتِكَ الشَّتَّى.

وَنُشهِدُ جَميعَ أنبِيَائِكَ العُظمى. وَجَميعَ أولِيَائِكَ الكُبرى. وَجَميعَ أصْفِيائِكَ العُليَا.

وَنُشهِدُ جَميعَ آياتِكَ التَّكوينيَّةِ الَّتي لا تُعَدُّ وَلا تُحصى.

وَنُشهِدُ جَميعَ مَصنُوعَاتِكَ المُزيَّناتِ المُوزونَاتِ المَنْظُومَاتِ المُتَمَاثِلاتِ.

وَنُشهِدُ جَميعَ ذَرَّاتِ الكائِناتِ العاجِزاتِ. الجَامِداتِ الجَاهِلاتِ والحَامِلَةِ بِحولِكَ وَطَولِكَ وَأمرِكَ وَإذنِكَ عَجائِبَ الوَظائِفِ المُنتَظَمَاتِ.

ونُشهِدُ جَميعَ مُرَكباتِ الذَّراتِ الغَيرِ المَحدودَاتِ المُتَنَوعاتِ المُنتَظَمَاتِ المُتقَنَاتِ المَصنُوعاتِ مِنْ البسائِطِ الجَامِداتِ.

وَنُشهِدُ جَميعَ تَرَكُّباتِ الموجُوداتِ النَّاميَاتِ المُختَلِطَةِ مَوَادُّ حَيَاتِها في غَايَةِ الاختِلاطِ وَالمُتَمَيِّزَةِ دَفعَةً في غَايةِ الامتيَازِ.

وَنُشهِدُ حَبيبَكَ الأكرَمَ سُلطَانَ الأنبيَاءِ وَالأَوليَاءِ أفضَلَ المَخلُوقَاتِ ذا المُعجِزَاتِ الباهِرَةِ عَليهِ وعَلى آلِهِ افضلُ الصَّلَواتِ وَالتَّسليمَاتِ.

وَنُشهِدُ فُرقانَكَ الحَكيمَ ذَا الآياتِ البَيِّنَاتِ وَالبَرَاهينِ النَّيّراتِ وَالدَلائِلِ الوَاضِحَاتِ وَالأَنوارِ السَّاطِعاتِ:

بِأنَّا كُلَّنا نَشهَدُ بِأنَّكَ أنتَ الله الوَاجِبُ الوُجودِ الوَاحِدُ الأحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ الحيُّ القَيُّومُ العَليمُ الحَكيمُ القَديرُ المُريدُ السَّميعُ البَصيرُ الرَّحمنُ الرَّحيمُ العَدلُ الحَكَمُ المُقتَدِرُ المُتَكَلِّمُ، لَكَ الأسمَاءُ الحُسنى.

وَكَذا نَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا أنتَ وَحدَكَ لا شَريكَ لَكَ وَأنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ وَبِكُلِّ شَيءٍ عَليمٌ.

وَكَذا نَشهَدُ بِكُلِّ ما مَرَّ وَمَعَ كُلِّ مَا مَرَّ بِأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُكَ وَنَبيُكَ وَصَفِيُّكَ وَخَليلُكَ. وَجَمَالُ مُلكِكَ. وَمَليكُ صُنْعِكَ. وَعَينُ عِنَايَتِكَ. وَشَمسُ هِدَايَتِكَ. وَلِسانُ مَحَبَّتِكَ. وَمِثالُ رَحمَتِكَ. وَنُورُ خَلقِكَ. وَشَرَفُ 

463. صفحة

مَوجُودَاتِكَ. وَكَشَّافُ([1]) طلسِمِ كائِنَاتِكَ. وَدلاّلُ سَلطَنَةِ رُبُوبِيَتِكَ. وَمُعَرِّفُ كُنُوزِ أسمَائِكَ. وَمُعَلِّمُ أوامِرِكَ لِعِبادِكَ وَمُفَسِرُ آياتِ كِتابِ كَائِنَاتِكَ. ومَدَارُ شُهودِكَ وَإِشهَادِكَ. وَمِرآةُ مَحَبَّتِكَ لِجَمَالِكَ وَأسمائِكَ، وَمَحَبَّتِكَ لِصنعَتِكَ وَمَصنُوعَاتِكَ، وَلمِحَاسِنِ مَخلُوقَاتِكَ. وَحَبيبُكَ وَرَسُولُكَ الَّذي أرسَلتَهُ رَحْمَةً للِعالَمينَ. وَلِبَيانِ مَحَاسِنِ كَمالاتِ سَلطَنَةِ رُبُوبيَّتِكَ بِحِكمَةِ صَنعَةِ صِبغَةِ نُقُوشِ قَصرِ العَالَمينَ. وَلِتَعريفِ كُنُوزِ أسمائِكَ بِإشاراتِ حِكَمِيَّاتِ كَلمَاتِ آياتِ سُطُورِ كِتَابِ العالَمينَ. وَلِبَيانِ مَرضِيَّاتِكَ يارَبَّ السَّمواتِ وَالأَرضينَ. عَلَيهِ وَعَلى آلِهِ وَأصحَابِهِ وإخوانِهِ ألفُ ألفِ صَلاةٍ وَسَلام ٍ في كُلِّ آنٍ وَزَمانٍ.

اللَّهُمَّ يا حَفيظُ يا حَافِظُ يا خَيرَ الحافظينَ نَستَودِعُ حِفظَكَ وَحِمَايَتكَ وَرَحمَتَكَ هذِهِ الشَّهاداتِ الَّتي أنعَمتَها عَلينا. فَاحفَظهَا إلى يَومِ الحَشرِ وَالميزَانِ آمين. وَالحَمدُ لله رَبِّ العَالَمينَ.

"المقام الثاني"([2])

الحَمْدُ لله الَّذي دَلَّ عَلى وُجوبِ وُجوُدِهِ، وَدَلَّ النَّاسَ عَلى أوصَافِ جَلالِهِ وَجَمَالِهِ وكَمالِهِ، وشَهِدَ على أنَّهُ وَاحِدٌ فَردٌ صَمَدٌ: الشَّاهِدُ الصَّادِقُ والبُرْهانُ المُصَدَّقُ النَّاطِقُ المُحَقَّقُ سَيِّدُ الأَنبيَاءِ وَالمُرسَلينَ. الحَاوي لِسرِّ إجمَاعِهِمْ وَتَصديقِهِمْ وَمُعجِزاتِهِمْ. وَإمامُ الأَولِياءِ وَالصِدّيقينَ. الحَاوي لِسِرِّ اتِفَاقِهِمْ وَتَحقيقِهِمْ وَكَرامَاتِهِمْ. ذُو الإرهاصَاتِ الخَارِقَةِ وَالمُعجِزاتِ البَاهِرةِ وَالبَراهينِ

[1]  إن كل فقرة في الشهادة الأولى تدل على كثير من براهين الوحدانية، كما تومئ كل كلمة في هذه الشهادة الثانية إلى برهان حقٍّ من البراهين الحقّة للنبوة الأحمدية، وتشير إلى وظيفة من وظائفه المتعلقة بالنبوّة، وإلى مقام من المقامات المحمدية، فيعني أن كل فقرة تقول: "إن كل واحد منها شاهدة لي وتشهد معي أيضًا، وأقلِبُ بنيَّتي شهاداتها التي تنبعث بلسان الحال إلى لسان المقال، فنشهد معًا".(المؤلف)

 

[2]  إن إيضاح هذا المقام هو في آخر رسالة المعجزات الأحمدية التي هي المكتوب التاسع عشر. وإن كل فقرة من فقراته وكل كلمة من كلماته إشارة إلى دليل من دلائل الرسالة الأحمدية وإيماء إلى البراهين الدّالة على أن القرآن الحكيم كلام الله. ولقد ذُكر هنا النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم، كدليلين ساطعين على الوحدانية الإلهية. (المؤلف).

 



464. صفحة

القاطِعَةِ الواضِحَةِ. ذُو الأَخلاَقِ العَاليَةِ في ذاتِهِ. وَالخِصالِ الغَاليَةِ في وَظيفَتِهِ. وَالسَّجايا السَّامِيَةِ في شَريعَتِهِ. مَهبطُ الوَحيِ الرَّبَاني بِإجمَاعِ المُنزِلِ بِتَوفيقٍ لَهُ. وَالمُنْزَلِ بِإعجَازِهِ. وَالمُنْزَلِ عَلَيهِ بِقُوَّةِ إيمَانِهِ. وَالمُنزلِ إليهِمْ بِكُشُوفِهِمْ وَتَحقيقَاتِهمْ. سَيَّارُ عَالَمِ الغَيبِ وَالمَلَكوتِ. مُشاهِدُ الأرواحِ وَمُصَاحِبُ المَلائِكَةِ مُرشِدُ الجِنِّ وَالإِنسِ. وَأنْوَرُ ثَمَراتِ شَجَرَةِ الخِلقَةِ. سِراجُ الحقِّ. بُرهَانُ الحَقيقَةِ. لِسانِ المحَبَّةِ. مِثالُ الرَّحمَةِ. كاشِفُ طلسِمِ الكائِنَاتِ. حَلاّلُ مُعَمَّى الخِلقَةِ. دَلاّلُ سَلطَنَةِ الرُّبُوبيَّةِ. مَدارُ ظُهورِ مَقَاصِدِ خالِقِ الكائِناتِ في خَلقِ المَوجُوداتِ. ووَاسِطَةُ تَظاهُرِ كَمالاتِ الكائِناتِ، المُرمِزُ بِشَخصيَّتِهِ المَعنَويَّةِ إلى أنَهُ نُصبَ عَينِ فَاطِرِ الكَونِ في خَلقِ الكائِناتِ "يَعني أنَّ الصَّانِعَ نَظَرَ إلَيهِ وَخَلَقَ لأَجلِهِ وَلأَمثالِهِ هَذا العَالَمَ". ذُو الدّينِ والشَّريعَةِ وَالإِسلامِ الَّذِي هو بِدَساتيرِه أنمُوذَجُ دَساتيرِ السَّعادَةِ في الدَّارَينِ. كَأنَّ ذلِكَ الدّينَ فِهرِستةٌ أخرِجَتْ مِنْ كِتَابِ الكائِناتِ. فَكأنَّ القُرآنَ المُنزَل عَليهِ قِراءَةٌ لآياتِ الكائِناتِ. المُشيرُ دِينُهُ الحَقُّ إلى أنَّهُ نِظامُ نَاظِم الكونِ. فَنَاظِمُ هذِهِ الكائِناتِ بِهذا النِّظامِ الأَتَمِّ الأَكمَلِ هُوَ نَاظِمُ ذلكَ الدّينِ الجَامِعِ بِهذا النّظمِ الاَحسَنِ الأَجمَلِ، سَيِّدُنا نَحنُ مَعَاشِرَ بَني آدَمَ، وهَادِينَا إلى الإِيمَان نَحنُ مَعَاشِرَ المَؤمِنينَ مُحَمَّدٌ عَليهِ وَعَلى آلِهِ أفضَلُ الصَّلَواتِ وَأتَمُّ التَّسْليماتِ ما دَامَتِ الأرض وَالسَّمواتُ. فَإنَّ ذلِكَ الشَّاهِدَ يَشهَدُ عَنِ الغَيبِ في عالَمِ الشَّهادَةِ عَلى رُءوسِ الأَشهَادِ بِطَورِ المُشَاهِدِ.

نَعَمْ؛ يُشَاهَدُ أنَّهُ يُشاهِدُ ثُمَّ يَشهَدُ مُنادِيًا لأَجيَالِ البَشَرِ خَلفَ الأعصَارِ وَالأَقطارِ بِأعلى صَوتِهِ.

نَعَمْ؛ فَهٰذَا صَدَى صَوتِهِ يُسْمَعُ مِنْ أعْمَاقِ الماضي إلى شَواهِقِ الاستِقبَالِ وبِجميعِ قُوَّتِهِ.

نَعَمْ؛ فَقَد استَولى عَلى نِصفِ الأرضِ. وَانصَبَغَ بِصبغِهِ السَّماويّ خُمُسُ بَني آدَمَ. وَدَامَتْ سَلطَنَتُهُ المَعنَويَّةُ ألفًا وَثَلَثمائة وَخَمسينَ سَنَةً في كُلِّ زَمانٍ، يَحكُمُ ظَاهِرًا وَباطِنًا عَلى ثَلاثَمائة وَخَمسينَ مِليُونًا مِنْ رَعِيَّتِهَ الصَّادِقَةِ المُطيعَةِ 

465. صفحة

بِانقيَادِ نُفوسِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ وَأروَاحِهِمْ وَعُقُولِهِمْ لأَوَامِرِ سَيِّدِهِمْ وَسُلطَانِهِمْ. وَبِغايَةِ جِدِّيَّتِهِ بِشَهاداتِ قُوَّةِ دَساتيرِهِِ المُسَمَّرَةِ عَلى صُخُورِ الدُّهُورِ وَعَلى جِبَاهِ الأقطَارِ. وَبِغَايَةِ وُثُوقِهِ بِشَهادَةِ زُهدِهِ واستِغنائِهِ عَنِ الدُّنيَا. وبغاية اطمئنانه ووُثُوقِِِِه بشهادَةِ سَيرهِ وِبِغايَةِ قُوَّةِ إيمَانِهِ بِشَهادَةِ أنَّهُ أعْبَدُ وَأتقى مِنَ الكُلِّ بِاتِّفاقِ الكُلِّ، شَهادَةً جازِمَةً مُكَرَّرَةً بـ:﴿فَاعْلَمْ أنَّهُ لَا إلٰهَ إلَّا اللهُ﴾ (محمد:19) الَّذي دَلَّ عَلى وُجُوبِ وُجودِهِ، وَصَرَّحَ بِأوصَافِ جَلالِِهِ وَجَمالِهِ وَكَمالِهِ، وَشَهِدَ أنَّهُ واحِدٌ أحَدٌ فَردٌ صَمَدٌ، الفُرقانُ الحَكيمُ الحَاوي لِسِرِّ إجماعِ كُلِّ كُتُبِ الأَنبِيَاءِ وَالأولِيَاءِ وَالمُوَحِّدِينَ المُختَلِفينَ في المَشَارِبِ والمَسَالِكِ المُتَّفِقَةِ قُلُوبُ هَؤلاءِ وَعُقولُ أولئكَ بِحَقائق كُتُبِهِمْ عَلى تَصديقِ أساساتِ القُرآنِ المُنَوَّرِ جِهاتُهُ السِّتُّ.

إذْ عَلى ظَهرِهِ سِكَّةُ الإِعجَازِ. وَفي بَطنِهِ حَقائِقُ الإِيمَان. وَتَحتَهُ بَرَاهينُ الإِذعَانِ. وَهَدَفُهُ سَعَادَةُ الدَّارَينِ. وَنُقطَةُ استِنَادِهِ مَحضُ الوَحيِ الرَّبَّانيِّ بِإجمَاعِ المُنزِلِ بِآياتِهِ. وَالمُنزَلِ بِإعجَازِهِ. وَالمُنزَلِ عَليهِ بِقُوَّةِ إيمَانِهِ وأمنيَّتِهِ. وَكَمالِ تَسليمِيَّتِهِ وَصَفوَتِهِ. وَوضعِيَّتِهِ المعلُومَةِ عِندَ نُزُولِهِ. مَجمَعُ الحَقائِقِ بِاليَقينِ. وَمَنبَعُ أنوارِ الإِيمَان بِالبَداهَةِ.

المُوصِلُ إلى السَّعادَاتِ بِاليَقينِ. ذُو الأَثمَارِ الكَامِلينِ بِالمُشَاهَدَةِ. مَقبُولُ المَلَكِ وَالإنسِ وَالجَانّ بِالحَدسِ الصَّادِقِ مِنْ تَفاريقِ الأمارَاتِ.

المُؤيَّدُ بِالدَّلائِلِ العَقليَّةِ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ الكاملينَ. وَالمُصَدَّقُ بالفِطرَةِ السَّليمَةِ بِشَهادَةِ اطمِئنانِ الوِجدَانِ بِهِ. المُعجِزَةُ الأبديَّةُ بالمُشَاهَدَةِ.

ذُو البَصَرِ المُطلَقِ يَرى الأشياء بِكَمالِ الوُضُوحِ، يَرى الغَائِبَ البَعيدَ كَالحَاضِرِ القَريبِ. ذُو الاِنبِساطِ المُطلَقِ يُعَلِّمُ المَلأَ الأَعلى مِنَ المُقَرَّبينَ بِدَرسٍ، وَيُعَلِّمُ أطفَالَ البَشَرِ بِعينِ ذٰلِكَ الدَّرسِ، وَيَشملُ تَعليمُهُ وتَعليمَاتُهُ طَبَقاتِ ذَوي الشُعُورِ مِنْ أعلى الأعَالي إلى أبسَطِ البَسائِطِ. لِسانُ الغَيبِ في عَالَمِ الشَّهادَةِ، شَهادَةً جَازِمَةً مُكَرَّرَةً بـ"لَا إلٰهَ إلَّا هُوَ" و "فَاعْلَمْ أنَّهُ لَا إلٰهَ إلَّا الله"

466. صفحة

 

الباب السادس

في مراتب "حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ"([1]) (آل عمران:173)، وَهُوَ خَمسُ نكت.

 

النكتة الأولى

فهذا الكلام دواء مجرب لمرض العجز البشري وسقم الفقر الإنساني.

"حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"([2]) إِذْ هُوَ الْمُوجِدُ الْمَوْجُودُ الْبَاقِي فَلاَ بَأْسَ بِزَوَالِ الْمَوْجُودَاتِ لِدَوَامِ الْوُجُودِ الْمَحْبُوبِ بِبَقَاءِ مُوجِدِهِ الوَاجِبِ الْوُجُودِ. وَهُوَ الصَّانِعُ الْفَاطِرُ الْبَاقِي فَلاَ حُزْنَ عَلَى زَوَالِ الْمَصْنُوعِ لِبَقَاءِ مَدَارِ الْمَحَبَّةِ فِي صَانِعِهِ.

وَهُوَ الْمَلِكُ الْمَالِكُ الْبَاقِي فَلاَ تَاَسُّفَ عَلَى زَوَالِ الْمُلْكِ الْمُتَجَدِّدِ فِي زَوَالٍ وَذَهَابٍ.

َهُوَ الشَّاهِدُ الْعَالِمُ الْبَاقِي فَلاَ تَحَسُّرَ عَلَى غَيْبُوبَةِ الْمَحْبُوبَاتِ مِنَ الدُّنْيَا لِبَقَائِهَا فِي دَائِرَةِ عِلْمِ شَاهِدِهَا وَفِي نَظَرِهِ.

وَهُوَ الصَّاحِبُ الْفَاطِرُ الْبَاقِي فَلاَ كَدَرَ عَلَى زَوَالِ المُسْتَحْسَناتِِ لِدَوَامِ مَنْشَأِ مَحَاسِنِهَا فِي أسْمَاءِ فَاطِرِهَا.


[1]  قبل ثلاثة عشر عامًا نظرت إلى الدنيا من قمة تل "يوشع" الشاهق. وكنت مفتونًا كسائر الناس بطبقات الموجودات المتداخلة بعضها في بعض ومحاسنها، حتى كأنني كنت متعلقًا بها بحب شديد؛ والحال أنني شاهدت بعقلي تقلُّب تلك الموجودات في الفناء والزوال بصورة واضحة تمامًا، فشعرت بألم مرير وفراق أليم، وشعرت بظلمة ناشئة من فراقات لاحد لها. فإذا بآية

﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ أغاثتني بمراتبها الثلاثة والثلاثين، فأنا بدوري كنت أقرأها بشكل رمزيّ كالآتي (في أعلاه). إن كل جملة من الجمل السبع المباركة التي كنت أواظب عليها بين المغرب والعشاء كانت ستدخل -كلمعة- ضمن لمعات "المكتوب الحادي والثلاثين"، وقد دخلتْ خمسُ جمل منها فعلا وبقيت هاتان الجملتان، لذا كان قد بقي مكانُ اللمعة الرابعة واللمعة الخامسة فارغًا. وكانت ستكون إحدى هذه الجمل حول مراتب ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾، والأخرى حول مراتب ﴿لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ﴾. فقد ذُكرت مراتب هاتين الجملتين المباركتين بابًا خامسًا وبالعربية لكونها عبارة عن الذكر والفكر أكثر من كونها علمًا. (المؤلف).

 

[2]  لقد رأيت -ذات يوم- أنوارًا ومقامات كثيرة لهذه الجملة المباركة، فأنقذتني من ورطات وظلمات كثيرة. وكنت قد وضعت إشارات لتُشير إلى تلك الأحوال والمقامات، تارة في صورة فقرة مختصرة جدًا، وأخرى ببضع كلمات، لأتذكر أنا شخصيًّا. أما تلك الفقرة الأولى، فلأنني كنت أفكر في زوال وفناء الدنيا بكل ما فيها التي هي محبوبتي كما هي محبوبة الآخرين، وفي موت ذوي الحياة الذين يعيشون فيها، وجدت ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ مرهما لآلامي وهمومي الغائرة. فالجمل التي في البداية تسير حسب هذا السرِّ. (المؤلف).

 



467. صفحة

وَهُوَ الْوَارِثُ الْبَاعِثُ الْبَاقِي فَلاَ تَلَهُّفَ عَلَى فِرَاقِ الأَحْبَابِ لِبَقَاءِ مَنْ يَرِثُهُمْ وَيَبْعَثُهُمْ.

 وَهُوَ الْجَمِيلُ الْجَلِيلُ الْبَاقِي فَلاَ تَحَزُّنَ عَلَى زَوَالِ الْجَمِيلاَتِ الَّتِي هِيَ مَرَايَا لِلأَسْمَاءِ الْجَمِيلاَتِ لِبَقَاءِ الأَسْمَاءِ بِجَمَالِهَا بَعْدَ زَوَالِ الْمَرَايَا.

 وَهُوَ الْمَعْبُودُ الْمَحْبُوبُ الْبَاقِي فَلاَ تَأَلُّمَ مِنْ زَوَالِ الْمَحْبُوبَاتِ الْمَجَازِيَّةِ لِبَقَاءِ الْمَحْبُوبِ الْحَقِيقيِّ.

وَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْوَدُودُ الرَّءُوفُ الْبَاقِي فَلاَ غَمَّ وَلا مَأيُوسِيَّةَ وَلا أهَمِّيَّةَ مِنْ زَوَالِ الْمُنْعِمِينَ الْمُشْفِقِينَ الظَّاهِرِينَ لِبَقَاءِ مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ وَشَفَقَتُهُ كُلَّ شَيء.

وَهُوَ الْجَمِيلُ اللَّطِيفُ الْعَطُوفُ الْبَاقِي فَلاَ حرْقَةَ وَلا عِبْرَةَ بِزَوَالِ اللَّطِيفَاتِ الْمُشْفِقَاتِ لِبَقَاءِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهَا، وَلاَ يَقُومُ الْكُلُّ مَقَامَ تَجَلٍّ وَاحِدٍ مِنْ تَجَلِّيَاتِهِ؛ فَبَقَاؤهُ بِهَذِهِ الأَوْصَافِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّ مَا فَنَي وَزَالَ مِنْ أَنْوَاعِ مَحْبُوبَاتِ كُلِّ اَحَدٍ مِنَ الدُّنْيَا. "حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيل". نَعَمْ حَسْبِي مِنْ بَقَاءِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بَقَاءُ مَالِكِهَا وَصَانِعِهَا وَفَاطِرِهَا.

 

النُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ([1])

حَسْبِي مِنْ البَقَاء أَنَّ الله هُوَ إلَهِيَ الْبَاقِي([2])، وَخَالِقِيَ الْبَاقِي، وَمُوجِدِيَ الْبَاقِي، وَفَاطِرِيَ الْبَاقِي، وَمَالِكِيَ الْبَاقِي، وَشَاهِدِيَ الْبَاقِي، وَمَعْبُودِيَ الْبَاقِي وبَاعِثِيَ الْبَاقِي،

[1]  كما أنني رأيت تجليات الأسماء الباقية للباقي ذي الجلال وراء الآفاق ووراء فناء الدنيا وزوالها فوجدت سلوانًا كاملا، فكذلك نظرت إلى شخصي، وحيث إن طبقات الموجودات النفسية العديدة المختلفة في شخصي، والصفات والحقائق الشخصية التي أُفتَتَن وأولع بها تجري بسرعة هائلة نحو الزوال والفناء، بحثتُ في تلك الفانيات عن بقاء بسرّ عشق البقاء المغروز في فطرة الإنسان وكيانه. ورأيت تجليات أسماء خالقي الباقية، ورأيت في زوال كلّ صفة من صفاتي تجلّيا باقيًا من تجليات اسمٍ من الأسماء المتمثلة فيها. عندئذ أدركت يقينًا أن عشق البقاء الكامن في فطرة الإنسان محبة متشعبة عن المحبة الإلهية إلا أن الإنسان يبحث عن محبوبه بصورة خاطئة؛ ويروح يحب المرآةَ أو كيفيةَ التمثل فيها التي أصبحت زينة لها، بينما يجب عليه أن يحب الذي تمثّل في المرآة ويبحث عنه، فيعبد "أنا" بدلاً من أن يعبد "هو"، وبعد زوالها يدرك خطأه. فالقلب وماهية الإنسان مرآة ذات شعور، تحس بما يتمثل فيها بشعور، وتحبه بعشق البقاء. (المؤلف).

 

[2]    إن حروف "الياء" التي تتكرر في الكلمات الثمانية الآتية، ضمير متكلم تُرِي نفسَها. (المؤلف).

 



468. صفحة

فَلاَ بَأْسَ وَلاَ حُزْنَ وَلاَ تَأَسُّفَ وَلاَ تَحَسُّرَ عَلَى زَوَالِ وُجُودِي لِبَقَاءِ مُوجِدِي، وَإيجَادِهِ بِأسْمَائِهِ. وَمَا فِي شَخْصِي مِنْ صِفَةٍ إلَّا وَهِيَ مِنْ شُعَاعِ اِسْمٍ مِنْ أسْمَائِهِ الْبَاقِيَةِ؛ فَزَوَالُ تِلْكَ الصِّفَةِ وَفَنَاؤهَا لَيْسَ إعْدَامًا لَهَا، لأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي دَائِرَةِ العِلْمِ وَبَاقِيَةٌ وَمَشْهُودَةٌ لِخَالِقِهَا. وَكَذَا حَسْبِي مِنَ الْبَقَاءِ وَلَذَّتِهِ عِلْمِي وَإذْعَانِي وَشُعُورِي وَإيمَانِي بأنه إلَهِي الْبَاقِي الْمُتَمَثِّلُ شُعَاعُ اِسْمِهِ الْبَاقِي فِي مِرْآةِ مَاهِيَّتِي؛ وَمَا حَقِيقَةُ ماهِيَّتِي إلَّا ظِلٌّ لِذلِكَ الاِسْمِ. فَبِسِرِّ تَمَثُّلِهِ فِي مِرْآةِ حَقِيقَتِي صَارَتْ نَفْسُ حَقِيقَتِي مَحْبُوبَةً، لاَ لِذاتِهَا بَلْ بِسِرِّ مَا فِيهَا وَبَقَاءُ مَا تَمَثَّلَ فِيهَا أنْوَاعُ بَقَاءٍ لَهَا.

 

اَلنُّكْتَةُ الثَّالِثَةُ([1])

"حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" إِذْ هُوَ الْوَاجِبُ الْوُجُودِِ الَّذِي مَا هذِهِ الْمَوْجُودَاتُ السَّيَّالاَتُ إلَّا مَظَاهِرُ لِتَجَدُّدِ تَجَلِّيَاتِ إيجَادِهِ وَوُجُودِهِ؛ بِهِ وَبِالاِنْتِسَابِ إِلَيْهِ وَبِمَعْرِفَتِهِ أَنْوَارُ الْوُجُودِ بِلاَ حَدٍّ. وَبِدُونِهِ ظُلُمَاتُ الْعَدَمَاتِ وَآلاَمُ الْفِرَاقاتِ غَيْر الْمَحْدُودَاتِ.

وَمَا هذِهِ الْمَوْجُودَاتُ السَّيَّالَةُ إلَّا وَهِيَ مَرَايَا وَهِيَ مُتَجَدِّدَةٌ بِتَبَدُّلِ التَّعَيُّنَاتِ الاِعْتِبَارِيَّةِ فِي فَنَائِهَا وَزَوَالِهَا وَبَقَائِهَا بِسِتَّةِ وَجُوهٍ:

اَلأوَّلُ: بَقَاءُ مَعَانِيهَا الْجَمِيلَةِ وَهُوِيَّاتِهَا الْمِثَالِيَّةِ.

وَالثَّانِي: بَقَاءُ صُوَرِهَا فِي الأَلْوَاحِ الْمِثَالِيَّةِ.

والثَّالثُ: بَقَاءُ ثَمَراِتِها الأخْرَويَّةِ.

وَالرّابِعُ: بَقَاءُ تَسْبِيحَاتِِهَا الرَّبَّانِيَّةِ الْمُتَمَثِّلَةِ لَهَا الَّتِي هِيَ نَوْعُ وَجُودٍ لَهَا.

وَالخَامِسُ: بَقَاؤهَا فِي الْمَشَاهِدِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْمَنَاظِرِ السَّرْمَدِيَّةِ.


[1]  كنت أتذكر وأفكر منذ القديم في مراتب حقيقة مهمة -التي تمّ إيضاحها بخمسة رموز وخمس إشارات في "المكتوب الرابع والعشرين" الذي يكشف عن أهم معميات الكون وطلسم الفعّالية الدءوبة في الموت والحياة والزوال والفناء- على صورة إشارات في غاية الإجمال. أما هذه النكتة فتبين أن الفناء والزوال والعدم هي عناوين متنوعة مختلفة لأنواع من الوجود، وأنها تثمر وجودًا بكثرة، وأن الذي يمضي إلى الزوال يترك وراءه وجودًا بأعداد كثيرة عوضا عن وجوده. إن موت ذي حياة واحدة وزواله يثمر وجودًا كثيرًا، يُخلِّف تلك الثمارَ وراءه فيرحل. أجل، إن فانيا يظل باقيًا من عدة جهات. فإن الحبة تموت بالتفسُّخ، ولكنها تترك مكانها سنبلة تحتوي على مائة حبة. فبناء على هذا السر فإن الخوف من الموتِ والعدمِ، والتأسفَ على الزوال ليس صوابًا. (المؤلف).

 



469. صفحة

وَالسَّادِسُ: بَقَاءُ أَرْوَاحِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوِي الأَرْوَاحِ([1]). وَمَا وَظِيفَتُهَا فِي كَيْفِيَّاتِهَا الْمُتَخَالِفَةِ فِي مَوْتِهَا وَفَنَائِهَا وَزَوَالِهَا وَعَدَمِهَا وَظُهُورِهَا وَاِنْطِفَائِهَا: إلّا إظْهَارُ الْمُقْتَضِيَاتِ للأَسْمَاءِ الإِلَهِيَّةِ، فَمِنْ سِرِّ هذِهِ الْوَظِيفَةِ صَارَتِ الْمَوْجُودَاتُ كَسَيْلٍ فِي غَايَةِ السُّرْعَةِ تَتَمَوَّجُ مَوْتَاً وَحَيَاةً وَوُجُوداً وَعَدَمَاً. وَمِنْ هذِهِ الْوَظِيفَةِ تَتَظَاهَرُ الْفَعَّالِيَّةُ الدَّائِمَةُ وَالْخَلَّاقِيَّةُ الْمُسْتَمِرَّةُ. فَلاَ بُدَّ لِي وَلِكُلِّ أحد أَنْ يَقُولَ: "حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" يَعْنِي؛ حَسْبِي مِنَ الْوُجُودِ أنِّي أَثَرٌ مِنْ آثَارِ وَاجِِبِ الْوُجُودِ. كَفَانِي آنٌ سَيَّالٌ مِنْ هذا الْوُجُودِ المُنَّورِ الْمَظهَرِ مِنْ مَلايينَ السنين مِنَ الْوُجُودِ الْمُزَوَّرِ الأبْتَرِ.

نَعَمْ بِسِرِّ الاِنْتِسَابِ الإيمانيِّ تَقُومُ دَقِيقَةٌ مِنَ الْوُجُودِ؛ مَقَامَ ألُوفِ السنين بِلاَ اِنْتِسَابٍ إيمَانِيٍّ، بَلْ تِلْكَ الدَّقِيقَةُ أَتَمُّ وَأَوْسَعُ بِمَرَاتِبَ مِنْ تِلْكَ الآلاَفِ من السنين.

وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْوُجُودِ وَقِيمَتِهِ أنِّي صَنْعَةُ مَنْ هُوَ فِي السَّمَاءِ عَظَمَتُهُ، وَفِي الأرض آيَاتُهُ، وَخَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ.

وَكَذا حَسْبِيَ مِنَ الْوُجُودِ وَكَمالِهِ أنَّي مَصْنُوعُ مَنْ زَيَّنَ وَنوَّرَ السَّمَاءَ بِمَصَابِيحَ، وَزَيَّنَ وَبهَّر الأرض بأَزاهيرَ.

وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْفَخْرِ وَالشَّرَفِ أَنِّي مَخْلُوقٌ وَمَمْلُوكٌ وَعَبْدٌ لِمَنْ هذِهِ الْكَائِنَاتُ بِجَمِيعِ كَمَالاَتِهَا وَمَحَاسِنِهَا ظِلٌّ ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَمَالِهِ وَجَمَالِهِ، وَمِنْ آيَاتِ كَمَالِهِ وَإشَاراتِ جَمَالِهِ.

وَكَذا حَسْبِي مِنْ كُلِّ شيء مَنْ يَدَّخِرُ مَا لاَ يُعَدُّ وَلاَ يُحَْصَى مِنْ نِعَمِهِ فِي صُنَيْدِقَاتٍ لَطِيفَةٍ هِيَ بَيْنَ "الْكَافِ وَالنُّونِ" فَيَدَّخِرُ بِقُدْرَتِهِ مَلاَيِينَ قِنْطَارًا فِي قَبْضَةٍ وَاحِدَةٍ فِيهَا صُنَيْدِقَاتٌ لَطِيفَةٌ تُسَمَّى بُذُورًا وَنَوايَا.


[1]  كَمَا بَرْهَنَ عَلَى بَقَائِهَا بَالقَطْعِ وَالضَّرُورَةِ بِبَرَاهِينَ بَاهَرَةٍ فِي "الكَلِمَةِ التَّاسِعَةِ وَالعِشْرِينَ". وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوِي الأَرْوَاحِ، فَبَقَاءُ قَوَانِينِ حَقِيقَتِهَا وَخِلْقَتِهَا وَنَوَامِيسِ مَاهِيَّتِهَا وَدَسَاتِيرِ تَشَكُّلِهَا. فَإِنَّ ذٰلِكَ القَانُونَ وَالنَّامُوسَ وَالدُّسْتُورَ رُوحٌ أَمْرِيٌّ لِذٰلِكَ الفَرْدِ ولِنَوْعِهِ. كَمَا أَنَّ شَجَرَةَ التِّينَةِ تَمُوتُ وَتَنْعَدِمُ وَيَبْقَى رُوحُهَا الأَمْرِي الذَّي هُوَ قَوَانِينُ تَشَكُّلِهِ وَيدُومُ فِي نَوَاتِهِ الَّتي كَذَرَّةٍ؛ فَذٰلِكَ الرُّوحُ الأَمْرِي لاَ يَمُوتُ، بَلْ تَتَجَدَّدُ عَلَيْهِ الصُّوَرُ، بَلْ تَدُومُ مَاهِيَّةُ ذِي الحَيَاةِ. إِذْ مَاهِيَّتُهَا ظِلٌّ لاسْمٍ مِنَ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى البَاقِيَةِ، فَتَبْقَى تِلْكَ المَاهِيّةُ تَحْتَ شُعَاعِ الاِسْمِ البَاقِي، وَتَبْقَى هُوِيَّتُهُ أَيْضًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَلْوَاحِ المِثَالِيَّةِ. فَلاَ يَكُونُ العَدَمُ إِلَّا عُنْوَانًا لانْتِقَالِ وُجُودٍ زَائِلٍ إلى وُجُودَاتٍ دَائِمَةٍ. (المؤلف).

 



470. صفحة

وَكَذا حَسْبِي مِنْ كُلِّ ذِي جَمَالٍ وَذِي إحْسَانٍ؛ الْجَمِيلُ الرَّحِيمُ الَّذِي مَا هذِهِ الْمَصْنُوعَاتُ الْجَمِيلاَتُ إلَّا مَرايَا مُتَفَانِيَةٌ لِتَجَدُّدِ أنْوَارِ جَمَالِهِ بِمَرِّ الْفُصُولِ وَالْعُصُورِ وَالدُّهُورِ. وَهذِهِ النِّعَمُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَالأَثْمَارُ الْمُتَعَاقِبَةُ فِي الرَّبِيعِ وَالصَّيْفِ مَظَاهِرُ لِتَجَدُّدِ مَرَاتِبِ إِنْعَامِهِ الدَّائِمِ عَلَى مَرِّ الأنَامِ وَالأيَّامِ وَالأعْوَامِ.

وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْحَيَاةِ وَمَاهِيَّتِهَا أني خَرِيطَةٌ وَفِهْرَسْتَةٌ وَفَذْلَكَةٌ وَمِيزَانٌ وَمِقْيَاسٌ لِجَلَوَاتِ أسْمَاءِ خَالِقِ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ.

وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْحَيَاةِ وَوَظِيفَتِهَا كَوْنِي كَكَلِمَةٍ مَكْتُوبَةٍ بِقَلَمِ الْقُدْرَةِ، وَمُفْهِمَةٍ دَالَّةٍ عَلَى أسْمَآءِ الْقَدِيرِ الْمُطْلَقِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ بِمَظْهَرِيَّةِ حَيَاتِي لِلشُّئُونِ الذَّاتِيَّةِ لِفَاطِرِيَ الَّذِي لَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنى.

وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْحَيَاةِ وَحُقُوقِهَا إعْلانِي وَتَشْهِيرِي بَيْنَ إخْوَانِيَ الْمَخْلُوقَاتِ وَإعْلاَنِي وَإظْهَارِي لِنَظَرِ شُهُودِ خَالِقِ الْكَائِنَاتِ بِتَزَيُّنِي بِجَلَواتِ أسْماءِ خَالِقِي الَّذِي زَيَّنَنِي بِمُرَصَّعَاتِ حُلَّةِ وُجُودِي وَخِلْعَةِ فِطْرَتِي وَقِلاَدَةِ حَيَاتِي الْمُنْتَظَمَةِ الَّتِي فِيهَا مُزَيَّنَاتُ هَدَايَا رَحْمَتِهِ.

وَكَذا حَسْبِي مِنْ حُقُوقِ حَيَاتِي فَهْمِي لِتَحِيَّاتِ ذَوِي الْحَيَاةِ لِوَاهِبِ الْحَيَاةِ وَشُهُودِي لَهَا وَشَهَادَاتٌ عَلَيْهَا.

وَكَذا حَسْبِي مِنَ حُقُوقِ حَيَاتِى تَبَرُّجِي وَتَزَيُّنِي بِمُرَصَّعَاتِ جَوَاهِرِ إحْسَانِهِ بِشُعُورٍ إيمَانِىٍّ لِلعَرْضِ لِنَظَرِ شُهُودِ سُلْطَانِيَ الأزَلِيِّ.

وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْحَيَاةِ وَلَذَّتِهَا عِلْمِي وَإذْعَانِي وَشُعُورِي وَإيمَانِي، بِأَنِّي عَبْدُهُ وَمَصْنوعُهُ وَمَخْلُوقُهُ وَفَقِيرُهُ وَمُحْتَاجٌ إلَيْهِ؛ وَهُوَ خَالِقِي رَحِيمٌ بِي كَرِيمٌ لَطِيفٌ مُنْعِمٌ عَلَىَّ، يُرَبِّينِي كَما يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ.

وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْحَيَاةِ وَقِيمَتِهَا مِقْيَاسِيَّتِي بِأَمْثَالِ عَجْزِيَ الْمُطْلَقِ وَفَقْرِيَ الْمُطْلَقِ وَضَعْفِيَ الْمُطْلَقِ لِمَراتِبِ قُدْرَةِ الْقَدِيرِ الْمُطْلَقِ، وَدَرَجَاتِ رَحْمَةِ الرَّحِيمِ الْمُطْلَقِ، وَطَبَقَاتِ قُوَّةِ الْقَوِيِّ الْمُطْلَقِ.

وَكَذا حَسْبِي بِمَعْكَسِيَّتِي بِجُزْئِيَّاتِ صِفَاتِي مِنَ الْعِلْمِ وَالإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ الْجُزْئِيَّةِ لِفَهْمِ الصِّفَاتِ الْمُحِيطَةِ لِخَالِقِي. فَأَفْهَمُ عِلْمَهُ الْمُحِيطَ بِمِيزَانِ عِلْمِي الْجُزْئِيِّ.

471. صفحة

وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْكَمَالِ؛ عِلْمِي بِأنَّ إلَهِي هُوَ الْكَامِلُ الْمُطْلَقُ. فَكُلُّ مَا فِي الْكَوْنِ مِنَ الْكَمَالِ مِنْ آيَاتِ كَمَالِهِ، وَإشَاراتٌ إلى كَمَالِهِ.

وَكَذا حَسْبِي مِنَ الْكَمَالِ فِي نَفسِي، الإِيمَان بِالله. إذ الإِيمَان لِلْبَشَرِ مَنْبَعٌ لِكُلِّ كَمالاَتِهِ.

وَكَذا حَسْبِي مِنْ كُلِّ شيء لأنْوَاعِ حَاجَاتِيَ الْمَطْلُوبَةِ بِأنْوَاعِ ألْسِنَةِ جِهَازاتِيَ الْمُخْتَلِفَةِ، إلَهِي وَرَبِّي وَخَالِقِي وَمُصَوِّرِيَ الَّذِي لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الَّذِي هوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي وَيُرَبِّينِي وَيُدَبِّرُنِي وَيُكَمِّلُنِي، جَلَّ جَلاَلُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ.

 

اَلنُّكْتَةُ الرَّابِعَةُ

حَسْبِي لِكُلِّ مَطَالِبِي مَنْ فَتَحَ صُورَتِي وَصُورَةَ أمْثَالِي مِنْ ذَوِي الْحَيَاةِ فِي الْمَاءِ بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وَلَطِيفِ قُدْرَتِهِ وَلَطِيفِ حِكْمَتِهِ وَلَطِيفِ رُبُوبِيَّتِهِ.

وَكَذا حَسْبِي لِكُلِّ مَقَاصِدِي مَنْ أنْشَأَنِي وَشَقَّ سَمْعِي وَبَصَرِي، وَأدْرَجَ في جِسْمِي لِسَانًا وَجَنانًا، وَأوْدَعَ فِيهَا وَفِي جِهَازاتِي؛ مَوَازِينَ حَسَّاسَّةً لاَ تُعَدُّ لِوَزْنِ مُدَّخَرَاتِ أنْوَاعِ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ. وَكَذا أدْمَجَ فِي لِسَانِي وَجَنَانِي وَفِطْرَتِي آلاتٍ جَسَّاسَةً لا تُحْصَى لِفَهْمِ أنْوَاعِ كُنُوزِ أسمائه.

وَكَذا حَسْبِي مَنْ أدْرَجَ فِي شَخْصِيَ الصَّغِيرِ الْحَقِيرِ، وَأدْمَجَ فِي وُجُودِيَ الضَّعِيفِ الْفَقِيرِ هذِهِ الأَعْضَاءَ وَالآلاتِ وَهذِهِ الْجَوَارِحَ وَالْجِهَازاتِ وَهذِهِ الْحَوَاسَّ وَالْحِسِّياتِ وَهذِهِ اللَّطَائِفَ وَالْمَعْنَوِياتِ؛ لإحْسَاسِ جَمِيعِ أنْوَاعِ نِعَمِهِ، وَلإذاقَةِ أكْثَرِ تَجَلِّيَّاتِ أسْمَائِهِ بِجَلِيلِ ألُوهِيَّتِهِ وَجَمِيلِ رَحْمَتِهِ وَبِكَبِيرِ رُبُوبِيَّتِهِ وَكَرِيمِ رَأْفَتِهِ وَبِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَلَطِيفِ حِكْمَتِهِ.

 

اَلنُّكْتَةُ الْخَامِسَةُ

لا بُدَّ لِي وَلِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَقُولَ حَالاً وَقَالاً وَمُتَشَكِّرًا وَمُفْتَخِرًا: حَسْبِي مَنْ خَلَقَنِي، وَأخْرَجَنِي مِنْ ظُلْمَةِ الْعَدَمِ، وَأنْعَمَ عَلَيَّ بِنُورِ الْوُجُودِ.

وَكَذا حَسْبِي مَنْ جَعَلَنِي حَيًّا فَأَنْعَمَ عَلَيَّ نِعْمَةَ الْحَيَاةِ الَّتِي تُعْطِي لِصَاحِبِهَا كُلَّ شيء وَتُمِدُّ يَدَ صَاحِبِهَا إلى كُلِّ شَيء.

472. صفحة

وَكَذا حَسْبِي مَنْ جَعَلَنِي إنْسَانًا فَأَنْعَمَ عَلَيَّ بِنِعْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي صَيَّرَتِ الإنسان عَالَمًا صَغِيرًا أكْبَر مَعْنىً مِنَ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ.

وَكَذا حَسْبِي مَنْ جَعَلَنِي مُؤْمِنًا فَأنْعَمَ عَلَيَّ نِعْمَةَ الإِيمَان الَّذِي يُصَيِّرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ كَسُفْرَتَيْنِ مَمْلُوءتَيْنِ مِنَ النِّعَمِ يُقَدِّمُهُمَا إلى الْمُؤْمِنِ بِيَدِ الإِيمَان.

وَكَذا حَسْبِي مَنْ جَعَلَنِي مِنْ أمَّةِ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، فَأنْعَمَ عَلَيَّ بِمَا فِي الإِيمَان مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْمَحْبُوبِيَّةِ الإِلَهِيَّةِ، الَّتِي هِيَ مِنْ أعْلَى مَرَاتِبِ الْكَمَالاتِ الْبَشَرِيَّةِ.. وَبِتِلْكَ الْمَحَبَّةِ الإيمانيَّةِ تَمْتَدُّ أيَادِي اِسْتِفَادَةِ الْمُؤْمِنِ إلى مَا لاَ يَتَنَاهى مِنْ مُشْتَمَلاَتِ دَائِرَةِ الإِمْكَانِ وَالْوُجُوبِ.

وَكَذا حَسْبِي مَنْ فَضَّلَنِي جِنْسًا وَنَوْعًا وَدِينًا وَإيمَانًا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَخْلُوقاتِهِ، فَلَمْ يَجْعَلْنِي جَامِدًا وَلا حَيَوانًا وَلا ضَالاًّ. فَلَهُ الْحَمْدُ وَلَهُ الشُّكْرُ.

وَكَذا حَسْبِي مَنْ جَعَلَنِي مَظْهَرًا جَامِعًا لِتَجَلِّيَّاتِ أسْمَائِهِ، وأنْعَمَ عَلَيَّ بِنِعْمَةٍ لا تَسَعُهَا الْكَائِنَاتُ بِسِرِّ حَدِيثِ "لا يَسَعُنِي أَرْضِي وَلا سَمَائِي وَيَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ([1])" يَعْنِي أنَّ الْمَاهِيَّةَ الإِنْسَانِيَّةَ مَظْهَرٌ جَامِعٌ لِجَمِيعِ تَجَلِّيَاتِ الأَسْمَاءِ الْمُتَجَلِّيَةِ فِي جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ.

وَكَذا حَسْبِي مَنِ اشْتَرى مُلْكَهُ الَّذِي عِنْدِي مِنِّي لِيَحْفَظَهُ لِي، ثُمَّ يُعِيدَهُ إلَىَّ، وَأعْطانا ثَمَنَهُ الْجََنَّةَ. فَلَهُ الشُّكْرُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِعَدَدِ ضَرْبِ ذَرَّاتِ وُجُودِي فِي ذَرَّاتِ الْكَائِنَاتِ.

حَسْبي رَبِّي جَلَّ الله نُورُ مُحَمَّد صَلَّى الله لَا إِلٰهَ إِلَّا الله

حَسْبِي رَبِّي جَلَّ الله سِرُّ قَلْبِي ذِكْرُ الله ذِكْرُ أحْمَد صَلَّى الله لَا إِلٰهَ إِلَّا الله.


[1]  انظر كشف الخفاء للعجلوني 2/195 باختصار (وقال السيوطي في الدرر المنتثرة: قلت أخرج الإمام أحمد في الزهد عن وهب بن منبه: إن الله فتح السموات لحزقيل حتى نظر إلى العرش فقال حزقيل: سبحانك ما أعظمك يارب! فقال الله: إن السموات والأرض ضعفن أن يسعنني ووسعني قلب المؤمن الوادع اللين) ا.هـ. قال ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الحديثية: وذكرُ جماعةٍ له من الصوفية لا يريدون حقيقة ظاهره من الاتحاد والحلول لأن كلاًّ منهما كفر، وصالحو الصوفية أعرف الناس بالله، وما يجب له وما يستحيل عليه، وإنما يريدون بذلك أن قلب المؤمن يسع الإيمان بالله ومحبته ومعرفته. ا هـ

 



473. صفحة

 

الباب السابع([1])

في "لَا حَولَ ولَا قُوَّةَ إلَّا بِالله العَلِيِّ العَظِيمِ"

وَهَذِهِ الكَلِمَةُ الطَّيِبَةُ المُبَارَكَةُ خَامِسَةٌ مِنَ الخَمْسِ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ المَشْهُورَاتِ الَّتي هِيَ: "سُبْحَانَ اللهِ. وَالحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلٰهَ إلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ".

إلهي، وَسَيِّدي وَمَالِكي! لِي فَقرٌ بِلا نِهايَةٍ، مَعَ أنَّ حاجَاتي وَمَطالِبي لا تُعَدُّ وَلا تُحصى، وَتَقصُرُ يَدي عَنْ أدنى مَطالِبي. فَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إلّا بِكَ يا رَبِّيَ الرَّحيمِ! وَيا خالِقي الكَريم! يا حَسيبُ يا وَكيلُ يا كافي.

إلهي، اختيَاري كَشَعرَةٍ ضَعيفَةٍ، وَآمالي لاتُحصَى. فَأعْجَزُ دائِمًا عَمَّا لا أستَغني عَنه أبَدًا. فَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إلّا بِكَ ياغَنيُّ ياكَريمُ ياكَفيلُ ياوَكيلُ ياحَسيبُ ياكَافي.

إلهي، وَسَيِّدي وَمَالِكي! اقتِداري كَذَرَّةٍ ضَعيفَةٍ، مَعَ أنَّ الأعدَاءَ وَالعِلَلَ وَالأَوهامَ وَالأهوالَ وَالآلامَ وَالأَسقَامَ وَالظُّلُماتِ وَالضَّلالَ وَالأسفَارَ الطِّوالَ ما لا تُحصى. فَلا حَولَ عَنها، وَلا قُوَّةَ عَلى مُقابَلَتِها إلّا بِكَ ياقَوِيُّ ياقَديرُ ياقَريبُ يامُجيبُ ياحَفيظُ ياوَكيلُ.

إلهي، حَياتِي كَشُعلَةٍ تَنطَفئ كَأمثَالِي. وَآمالي لا تُحصَى. فَلا حَولَ عَنْ طَلَبِ تِلكَ الآمَالِ، وَلا قُوَّةَ عَلى تَحصِيلِها إلّا بِكَ ياحَيُّ ياقَيُّومُ ياحَسيبُ ياكافِي ياوَكيلُ يَاوافي.

إلهي، عُمري كَدَقيقَةٍ تَنْقَضي كَأقرانِي؛ مَعَ أنَّ مَقَاصِدي وَمَطَالِبي لا تُعَدُّ وَلا تُحصَى. فَلا حَولَ عَنها وَلا قُوَّةَ عَليها إلّا بِكَ ياأزَليُّ ياأبَدِيُّ ياحَسيبُ ياكافي ياوَكيلُ ياوَافي.


[1]  لقد بيّنا في رسائل كثيرة أنه مع أن في فطرة الإنسان عجزًا لا حدّ له وفقرًا لا نهاية له، فله أعداء لاحد لهم ومطالب لاتنتهي، فالإنسان بسبب عجزه وفقره هذين محتاج فطرةً إلى الالتجاء إلى قدير رحيم. فكما أن آية: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ (آل عمران:173) تقدم جملتَها الأولى مرهما لعجزه وملجأ تجاه كل أعدائه؛ وتقدم جملَتَها ﴿وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ دواءً لفقره ووسيلة لتحقيق جميع مطالبه، كذلك [لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ] تقدم دواء بصورة أخرى لعجز البشر وفقرهم كـ ﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾ تمامًا، فكلمة [لاَ حَوْلَ] نقطة استناده تجاه أعدائه وتعني الالتجاءَ إلى القدرة الإلهية متبرِّأً من قوته، وكلمة [وَلاَ قُوَّةَ] تعني الاعتماد على القدرة الإلهية بالتوكل الذي هو وسيلة مطلقة لتحقيق مطالبه وحاجاته. ولقد أحسست في نفسي بمراتب كثيرة لجملة [لاَحَوْلَ وَلَا قُوَّةَ] هذه بتجارب كثيرة، فوضعت إشارات إلى تلك المراتب واحدة تلو الأخرى بكلمات مختصرة حيث ألاحظ تلك المراتب بواسطة تلك الإشارات. وستُذكر في هذا الباب الكلماتُ -بعينها- التي ترمز إلى حد ما إلى تلك المراتب. (المؤلف)

 



474. صفحة

إلهي، شُعُوري كَلَمْعَةٍ تَزُولُ؛ مَعَ أنَّ ما يَلزَمُ مُحافَظَتُهُ مِنْ أنوَارِ مَعرِفَتِكَ، وَما يَلزَمُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ مِنَ الظُّلُماتِ وَالضَّلالاتِ لا تُعَدُّ وَلا تُحصَى. فَلا حَولَ عَنْ تِلكَ الظُّلُماتِ وَالضَّلالاتِ وَلَا قُوَّةَ عَلى هاتيِكَ الأنوَارِ وَالهِداياتِ إلّا بِكَ ياعَليمٌ ياخَبيرُ ياحَسيبُ ياكافي ياحَفيظُ ياوَكيلُ.

إلهي، لِي نَفْسٌ هَلُوعٌ وَقَلبٌ جَزُوعٌ وَصَبرٌ ضَعيفٌ وَجِسمٌ نَحيفٌ وَبَدَنٌ عَليلٌ ذَليلٌ، مَعَ أنَّ المَحمُولَ عَلَيَّ مِنَ الأحمَالِ المَادِّيَّةِ والمَعْنَويِّةِ ثَقيلٌ ثَقيلٌ. فَلا حَولَ عَنْ تِلكَ الأحمَالِ وَلا قُوَّةَ عَلى حَملها إلَّا بِكَ يارَبِّي الرَّحيمُ ياخالِقي الكَريمُ ياحَسيبُ ياكَافي ياوَكِيلُ ياوَافي.

إلهي، لِي مِنَ الزَّمَانِ آنٌ يَسيلُ في سَيْلٍ وَاسِعٍ سَريع الجَرَيانِ؛ وَلِيَ مِنَ المَكانِ مِقدارُ القَبرِ مَعَ عَلاقَتي بِسائِرِ الأمكِنَةِ وَالأزمِنَةِ. فَلا حَولَ عَنِ العَلاقَةِ بِهَا، وَلاقُوَّةَ عَلى الوُصُولِ إلى ما فيها إلّا بِكَ يارَبَّ الأمْكِنَةِ وَالأَكوَانِ، وَيارَبَّ الدُّهُورِ وَالأزمَانِ ياحَسيبُ ياكَافي ياكَفيلُ ياوَافي.

إلهي، لِي عَجْزٌ بِلا نِهايَةٍ وَضَعفٌ بِلا غَايَةٍ، مَعَ أنَّ أعدَائي وَما يُؤلِمُني وَما أخَافُ مِنهُ وَما يُهَدِّدُني مِنَ البَلايَا وَالآفاتِ ما لا تُحصَى. فَلا حَولَ عَنْ هَجَماتِها وَلا قُوَّةَ عَلى دَفعِها إلّا بِكَ ياقَويُّ ياقَديرُ ياقَريبُ يارَقيبُ ياكَفيلُ ياوَكيلُ ياحَفيظُ ياكَافي.

إلهي، لِي فَقْرٌ بِلا غايَةٍ وَفَاقَةٌ بِلا نِهايَةٍ؛ مَعَ أنَّ حاجاتي وَمَطالِبي وَوَظائِفي ما لا تُحصَى. فَلا حَولَ عنها وَلاقُوَّةَ عَليها إلّا بِكَ ياغَنيُّ ياكَريمُ يامُغني يارَحيمُ.

إلهي، تَبَرَّأْتُ إلَيكَ مِنْ حَولي وَقُوَّتي، وَالتَجأْتُ إلى حَولِكَ وَقُوَّتِكَ فَلا تَكِلني إلى حَولي وَقُوَّتي. وَارحَمْ عَجزي وَضَعفي وَفَقري وَفَاقَتي. فَقَد ضاقَ صَدري، وَضاعَ عُمري، وَفَني صَبري، وَتَاهَ فِكري، وَأنتَ العَالِمُ بِسِرِّي وَجَهري، وَأنتَ المَالِكُ لِنَفعي وَضَرِّي، وَأنتَ القَادِرُ عَلى تَفريجِ كَربي وَتَيسِيرِ عُسري. فَفَرِّجْ كُلَّ كَربَتي وَيَسِّرْ عَلَيَّ وَعَلى إخواني كُلَّ عَسيرٍ.

475. صفحة

إلهي، لا حَولَ عَنِ الزَّمانِ الآتي، وَعَنِ أهوالِهِ مَعَ سَوقٍ إلَيهِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى الماضي وَلَذَائِذِهِ مَعَ عَلاقَةٍ بِهِ إلّا بِكَ ياأزَلِيُّ ياأبَديُّ.

إلهي، لا حَولَ عَنِ الزَّوالِ الَّذي أخَافُ وَلا أخلِصُ مِنهُ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى إعَادَةِ ما فَاتَ مِنْ حَياتيَ الَّتي أتَحَسَّرُ عَلَيْهَا، وَلَا أصِلُ إلَيهَا إلّا بِكَ ياسَرمَدِيُّ يَابَاقِي.

إلهي، لا حَولَ عَنْ ظُلمَةِ العَدَمِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى نُورِ الوُجوُدِ إلّا بِكَ يامُوجِدُ يامَوجُودُ ياقَديمُ.

إلهي، لا حَولَ عَنِ المَضارِّ اللاّحِقَةِ بِالحَياةِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى المَسارِّ اللاّزِمَةِ للِحَياةِ إلّا بِكَ يامُدَبِّرُ ياحَكيمُ.

إلهي، لاَ حَولَ عَنِ الآلامِ الهَاجِمَةِ عَلى ذي الشُّعُورِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى اللَّذائِذِ المَطلُوبَةِ لِذي الحِسِّ إلّا بِكَ يامُرَبِّي ياكَريمُ.

إلهي، لا حَولَ عَنِ المَساوي العَارِضَةِ لِذَوي العُقُولِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى المَحَاسِنِ المُزَيِّنَةِ لِذَوي الهِمَمِ إلّا بِكَ يامُحسِنُ ياكَريمُ.

إلهي، لا حَولَ عَنِ النِّقَمِ لأَهلِ العِصيَانِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى النِّعَمِ لأَهلِ الطَّاعَاتِ إلّا بِكَ ياغَفُورُ يامُنْعِمُ.

إلهي، لا حَولَ عَنِ الأَحزَانِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى الأفراحِ إلّا بِكَ. فَإنَّكَ أنتَ الَّذي أضْحَكَ وَأبْكى ياجَميلُ ياجَليلُ.

إلهي، لا حَولَ عَنِ العِلَلِ، وَلا قُوَّةَ عَلى العَافِيَةِ إلّا بِكَ ياشافٍ يامُعَافٍ.

إلهي، لا حَولَ عَنِ الآلامِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى الآمالِ إلّا بِكَ ياَمُنجٍّ يامُغيثُ.

إلهي، لا حَولَ عَنِ الظُّلُماتِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى الأَنوَارِ إلّا بِكَ يانُورُ ياهادِي.

إلهي، لاحَولَ عَنِ الشُّرورِ مُطلَقًا؛ وَلا قُوَّةَ عَلى الخَيراتِ أصلاً إلّا بِكَ يامَنْ بيَدِهِ الخَيرُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قديرٌ، وَبِعِبَادِهِ بَصيرٌ، وَبِحَوائجِ مَخلُوقَاتِهِ خَبيرٌ.

إلهي، لا حَولَ عَنِ المَعاصي إلّا بِعِصمَتِكَ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى الطَّاعَةِ إلّا بِتَوفيقِكَ يامُوَفِّقُ يامُعينُ.

476. صفحة

إلهي، لِي عَلاقَاتٌ شَديدَةٌ مَعَ نَوعِي الإنسانيِّ، مَعَ أنَّ آيَةَ "كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوتِ" تُهَدِّدُني وَتُطفِئُ آمالي المُتَعَلِّقَةِ بِنَوعي وَجِنسي، وَتَنْعِي عَلَيَّ بِمَوتِهما. فَلا حَولَ عَنْ ذاكَ الحُزنِ الاَليمِ النَّاشِئ مِنْ ذلكَ المَوتِ وَالنَّعِي، وَلا قُوَّةَ عَلى تَسَلٍّ يَملأُ مَحَلَّ مازالَ عَنْ قَلبي وَروحي إلّا بِكَ. فَأنتَ الَّذي تَكفي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلا يَكفي عَنكَ كُلُّ شَيء.

إلهي، لِي عَلاقاتٌ شَدِيدَةٌ مَعَ دُنيَايَ الَّتي كَبيْتِي وَمَنْزِلي؛ مَعَ أنَّ آيَةَ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (الرحمن:26-27) تُعلِنُ خَرابِيَّةِ بَيتي هذَا، وَزَوَالَ مَحبُوبَاتي التي ساكَنْتُهُا في ذلكَ البَيتِ المُنهَدِمِ؛ وَلاحَولَ عَنْ هذِهِ المُصيبَةِ الهائِلَةِ، وَعَنْ الفِراقَاتِ مِنَ الأَحبَابِ الآفِلَةِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى ما يُسَلِّيني عَنها، وَيَقُومُ مَقَامَها إلّا بِكَ يا مَنْ يَقُومُ جلوَةٌ مِنْ تَجَلِّياتِ رَحمَتِهِ مَقَامَ كُلِّ ما فارَقَني.([1])

إلَهي، لِي عَلاقَاتٌ بِجامِعيَّةِ ماهِيَّتي، وَغايَةِ كَثرَةِ جِهازاتي الَّتي أنْعَمْتَها عَلَيَّ، وَاحتياجاتٌ شَديدَةٌ إلى الكائِناتِ وَأنوَاعِها؛ مَعَ أنَّ آيَةَ ﴿كُلُّ شَىْءٍ هالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرجَعُونَ﴾ (القصص:88) تُهَدِّدُني وَتَقطَعُ عَلاقَاتي الكَثيرَةَ بِالأشيَاء. وَبِانقِطاعِ كَلِّ عَلاقَة يَتَولَّدُ جَرْحٌ وَألَمٌ مَعنَويٌّ في رُوحي. وَلا حَولَ عَنْ تِلكَ الجُرُوحاتِ غَيرِ المَحدُودَةِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى أدويَتِها إلّا بِكَ يا مَنْ يكفي لِكُلِّ شَيْءٍ، وَلا يَكفي عَنْ شَيْءٍ واحِدٍ مِنْ تَوَجُّهِ رَحمَتِهِ كُلُّ الأَشيَاءِ، وَيا مَنْ إذا كَانَ لشيء كَانَ لَهُ كُلُّ شيء ومَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الأشيَاءِ.

إلَهي، لِي عَلاقاتٌ شَديدَةٌ وَابتِلاءٌ وَمَفتُونِيَّةٌ مَعَ شَخصيَّتي الجِسمانيَّةِ، حَتَّى كَأنَّ جسمي عَمُودٌ في نَظَري الظَّاهِريِّ لِسَقفِ جَميعِ آمالي وَمَطَالِبي؛ وَفِيَّ عِشقٌ شَديدٌ لِلبَقاءِ؛ مَعَ أنَّ جِسمي لَيسَ مِنْ حَديدٍ وَلا حَجَر لِيَدُومَ في الجُملَةِ، بل مِنْ لَحمٍ وَدَمٍ وَعَظمٍ عَلى جَناحِ التَّفَرُّقِ في كُلِّ آنٍ؛ وَمَعَ أنَّ حَياتي كَجِسمي

[1]  لقد أشيرت في مراتب "لاَحَوْلَ وَلَا قُوَّةَ" هذه إلى حقائقها فحسب، ولم تُذكَر البراهينُ والدلائلُ، لأن المئات بل الآلاف من براهين الوحدانية ودلائل الربوبية المذكورة في الأبواب السابقة هي دلائل على حقائق "لاَحَوْلَ وَلَا قُوَّة" في الغالب، لذا لم تُذكَر أدلة مستقلة أخرى. (المؤلف).

 



477. صفحة

مَحدودةُ الطَّرَفَينِ، سَتُختَمُ بِخَاتَمِ المَوتِ عَنْ قَريبٍ؛ مَعَ أنِّي قَد اشتَعَلَ الرَّأسُ شَيبًا مِنِّي، وَقد ضَرَبَ السَّقَمُ ظَهري وَصَدري، فَأنا في قَلَقٍ وَضَجَر وَاضطِرابٍ وَتَأَلُّم وَتَحَزُّنٍ شَديدٍ مِنْ هذِهِ الكَيفيَّةِ. فَلاحَولَ عَنْ هذِهِ الحَالَةِ الهَائِلَةِ؛ وَلا قُوَّةَ عَلى ما يُسَلِّيني عَمَّا يَحزُنُني، وَعَلى ما يُعَوِّضُني ما يَضيعُ مِنِّي، وَعَلى ما يَقُومُ مَقَامَ ما يَفُوتُ مِنِّي إلّا بِكَ يا رَبِّيَ الباَقي، وَالباقي ببَقَائِهِ وَإبقائِهِ مَنْ تَمَسَّكَ بِاسم ٍ مِنْ أسمائِهِ الباقِيَةِ.

إلَهي، لِي وَلِكُلِّ ذي حَياةٍ خَوفٌ شَديدٌ مِنَ المَوتِ وَالزَّوالِ اللَّذَينِ لا مَفَرَّ مِنهُما، وَلِي مَحَبَّةٌ شَديدةٌ لِلحَياةِ وَالعُمْرِ اللَّذينِ لا دَوامَ لَهُما؛ مَعَ أنَّ تَسارُعَ المَوتِ إلى أجسامِنا بِهُجُومِ الآجالِ لا يُبقي لِي وَلا لأحَدٍ أمَلاً مِنَ الآمالِ الدُّنيَويَّةِ إلّا وَيَقطَعُها، وَلا لَذَّةً إلّا وَيَهْدِمُها. فَلا حَولَ عَنْ تِلكَ البَلِيَّةِ الهائِلَةِ وَلا قُوَّةَ عَلى ما يُسَلِّينَا عَنها إلّا بِكَ ياخَالِقَ المَوتِ وَالحَياةِ! وَيامَنْ لَهُ الحَياةُ السَّرمَدِيَّةُ، الَّذي مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ وَتَوجَّهَ إلَيهِ وَيَعرِفُهُ وَيُحِبُّهُ؛ تَدُومُ حَياتُهُ وَيَكُونُ المَوتُ لَهُ تَجَدُّدَ حَياةٍ وَتَبديلَ مَكانٍ. فَإذاً فَلا حُزنَ لَهُ وَلا ألَمَ عَليهِ بِسِرِّ ﴿أَلَا إِنَّ أولِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحزَنُونَ﴾ (يونس:62)

إلَهي، لِي لأجلِ نَوعي وَجِنسي عَلاقَاتٌ بِتَألُّماتٍ وَتَمَنِّياتٍ بِالسَّموَاتِ وَالأرضِ وَبِأحوَالِها. فَلا قُوَّةَ لي بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ عَلى إسماعِ أمري لَهُما، وَتَبليغِ أمَلي لِتِلكَ الأجرامِ، وَلاحَولَ عَنْ هذا الاِبتِلاءِ وَالعَلاقَةِ إلّا بِكَ يا رَبَّ السَّموَاتِ وَالأَرضِ! وَيا مَنْ سَخَّرَهُما لِعِبادِهِ الصَّالِحينَ.

إلَهي، لِي وَلِكُلِّ ذي عَقلٍ عَلاقَاتٌ مَعَ الأزمِنَةِ الماضِيَةِ وَالأوقاتِ الاِستِقبَاليَّةِ؛ مَعَ أنَّنا قَدِ انْحَبَسْنَا في زَمانٍ حاضِرٍ ضَيّقٍ لا تَصلُ أيدِينا إلى أدنى زَمانٍ ماضٍ وَمُستَقبَلٍ لِجلبٍ مِنْ ذاكَ ما يُفرِّحُنا، أو لِدَفْع ٍ مِنْ هذا ما يُحزِنُنا. فَلاحَولَ عَنْ هذِهِ الحالَةِ، وَلا قُوَّةَ عَلى تَحويلِها إلى أحسَنِ الحالِ إلّا بِكَ يارَبَّ الدُّهُورِ وَالأزمَانِ.

إلَهي، لِي في فِطرَتي وَلِكُلِّ أحَدٍ في فِطرَتِهِ آمالٌ أبَديَّةٌ وَمَطالِبُ سَرمَديَّةٌ تَمْتَدُّ إلى أبَدِ الآبادِ. إذ قَد أوْدَعْتَ في فِطرَتِنَا استِعدادًا عَجيبًا جامِعًا، فيهِ احتياجٌ وَمَحَبَّةٌ لا يُشبِعُهُما الدُنيا وَما فيها، وَلا يَرضى ذلِكَ الاِحتِياجُ وَتِلكَ المَحَبَّةُ إلّا بِالجَنَّةِ 

478. صفحة

الباقِيَةِ؛ ولايَطمَئِنُّ ذلِكَ الاِستِعدادُ إلّا بِدارِ السَّعادَةِ الأبَديَّةِ. يارَبَّ الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَيارَبَّ الجَنَّةِ وَدَارِ القَرارِ.([1])

 

﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَـنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ (البقرة:32)

 

﴿الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي هَدَانَا لِهٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ (البقرة:43)

اللهم صل على سيدنا محمد بعدد حسنات أمته وعلى آله وصحبه وسلم. آمين.

 والحمد لله رب العالمين


[1]  كانت ستُكتب عشرون مرتبة من مراتب [لاَحَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ] في البداية، وكنتُ قد أجلتها لأكتبها في النهاية. ولما بلغنا النهاية أُجِّلتْ من جديد؛ لأنها لو كُتِبَت بإيضاح لطالت كثيرًا. ولو كُتبت بإشارات تخصني أنا فحسب، لكانت الاستفادة منها قليلةً، لذا قد أحيلت إلى وقت آخر. (المؤلف).