رسالة الاستنساخ
التنقل
235. صفحة
رسالة خاصة إلى قسم من إخواني
سأذكرُ نكتة واحدة لحديثين شريفين لإخواني الذين يَملّون من كتابة واستنساخ رسائل النور، ويفضلون الأورادَ في الشهور الثلاثة -شهورِ العبادة- على كتابة واستنساخ رسائل النور التي تُعَدُّ عبادة من خمس جهات([1]).
أولهما: [يُوزَنُ مِدَادُ العُلَمَاءِ بِدِمَاءِ الشُّهَدَاءِ]([2]) أو كما قال، يعني: إن ما يصرفه علماء الحقيقة من مداد يُوزن يوم الحشر بدماء الشهداء ويعادلها.
ثانيهما: [مَن تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ]([3]) أو كما قال، يعني: إن الذي يتمسك بالسُّنَّة السَّنِيَّة([4])، والحقائق القرآنية، ويخدمهما عند استيلاء البدع والضلالات؛ يمكنه أن ينال ثواب مائة شهيد.
فيا إخواني الذين يَملّون من الكتابة والاستنساخ بسبب عِرق الكسل، والذين يحملون نزعةً صوفية، يبين مجموع هذين الحديثين أن درهمًا مما يسيل من نور أسود، ومن مداد باعث للحياة من الأقلام المباركة الخالصة التي تخدم الحقائقَ الإيمانيةَ وأسرارَ الشريعة والسُّنَّة السَّنِيَّة في مثل هذا الزمان؛ يمكن أن ينفعكم يوم الحشر كمائة درهم من دم الشهداء، فاسعوا إذن لتكسبوه.
فإن قلتم: إنه وردتْ في الحديث عبارةُ "العالِم"، بينما قسمٌ منَّا كُتَّاب ومستنسِخون فحسب.
[1] طلبنا من أستاذنا إيضاح خمسة أنواع من العبادة التي أشار إليها في هذه الرسالة القيمة، فأوضحها لنا كالآتي:
أ- الجهاد معنىً تجاه أهل الضلالة الذي هو الجهاد الأهم.
ب- خدمة أستاذه بمعاونته على نشر الحقائق.
ج- خدمة المسلمين من حيث الإيمان.
د- تحصيل العلم بالقلم.
ه- العبادة التفكرية، حيث إن ساعة منها أحياناً تكون بمنزلة عبادة سنة.
رشدي، خسرو، رأفت.
[2] انظر كنز العمال ١٠/١٤١.
[3] انظر مجمع الزوائد ١/١٧٢، وكنز العمال ١/١٠١، ومشكاة المصابيح ١/٦٢.
[4] السنية: المضيئة الرفيعة.
236. صفحة
فالجواب: إن من يقرأ هذه الرسائل وهذه الدروس بفهم وقبول خلال سنة كاملة، يمكن أن يكون عالمًا بالحقيقة([1]) مهمًّا لهذا الزمان.
وإن لم يفهمها؛ فبما أن لتلاميذ رسائل النور شخصيةً معنويَّةً فلاشك أن هذه الشخصيةَ المعنويةَ عالِمٌ كبير مهم لهذا الزمان.
وأما أقلامكم فهي أصابع تلك الشخصية المعنوية، وبما أنكم قد ارتبطتم بهذا الفقير؛ إذ منحتموه منزلة أستاذ وعالِم من حيث التبعية بناء على حسن ظنكم -مع أني لا أرى نفسي أهلا في نظري لهذه المنزلة- ولأني أمي لا أجيد الكتابة فإن أقلامَكم تُعَدُّ أقلامي أنا، وستنالون الأجرَ الوارد في الحديث الشريف.
ســعيد النورسـي
[1] يقصد هنا أن يكون واقفا على الحقائق الإيمانية وعلى دراية بها.


