ذيل الخطبة الشامية
التنقل
471. صفحة
إن الذي يحصر نظره في منفعته الشخصية يتجرد من الإنسانية، فيصبح وحشًا مفترسًا غير بريء، اللهم إلا من لا يقدر على فعل شيء، وله عذر حقيقي.
الكلمة السادسة
إن مفتاح سعادة المسلمين في الحياة الاجتماعية الإسلامية هو المشورة الشرعية، فالآية الكريمة ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾(الشورى:38) تأمر بالشورى من الأساس.
أجل؛ كما أن مشورة العصور والأزمان بعضها مع بعضٍ بواسطة التاريخ في نوع البشر باسم تلاحق الأفكار هي سبب رقي جميع البشر وأساس علومه؛ كذلك فإن أحد أسباب تخلف قارة آسيا التي هي أكبر القارات وتأخرها عن غيرها هو عدم تطبيقها هذه الشورى الحقيقية.
إن كشّاف قارة آسيا ومستقبلها ومفتاحها هو الشورى، وكما أن الأفراد يتشاورون، فعلى الطوائف والقارات أيضًا أن تقوم بهذه الشورى، فالذي يحل ويحطم قيود وسلاسل الاستبدادات المتنوعة المختلفة التي وضعت في أقدام ثلاثمائة مليون بل أربعمائة مليون من المسلمين إنما هو الحرية الشرعية التي تتولد عن الشورى الشرعية والشهامة والشفقة الإيمانية، فالحرية الشرعية تعني التزين بالآداب الشرعية ونبذ سيئات الحضارة الغربية الفاسدة.
إن الحرية الشرعية النابعة من الإيمان تأمر بأساسين اثنين:
"ألا يُذِلّ المرء ولا يتذلل".
"من كان عبدًا لله لا يكون عبدًا للعباد"، " لا يجعل بعضكم بعضًا أربابًا من دون الله" "الحرية الشرعية عطية الرحمن".
أي إن الإيمان يقتضي ألا يذل الإنسان غيره ولا يوقعه في الذل بالاستبداد والتحكم، وألا يتذلل للظالمين، ومن كان عبدًا لله عبوديةً حقيقية فلا يمكنه أن يكون عبدًا للعباد، فالذي لا يعرف الله تعالى يتوهم لكل شيء ولكل أحد بقدر قامته ربوبية معينة، ويسلطها على نفسه.
472. صفحة
نعم؛ "الحرية الشرعية عطية الرحمن"، أجل؛ إن الحرية الشرعية هدية الله بتجلي اسمه الرحمن والرحيم، وهي خاصية من خصائص الإيمان.
فليحي الصدق، ولا عاش اليأس، فلتدم المحبة والتقوى والشورى،
إن الملام على من اتبع الهوى، والسلام على من اتبع الهدى.
وإذا قيل:
لم تهتم بالشورى إلى هذا الحد؟ وكيف يمكن حياة البشر -وخاصةً آسيا وبالأخص الإسلام- ورقيه وتقدمه بهذه الشورى؟
فالجواب: وكما بُيِّن في لمعة "الإخلاص"، وهي "اللمعة الحادية والعشرون" من رسائل النور، فإن الشورى الحقة تنتج الإخلاص والتساند، فتصبح ثلاث ألفات مائة وأحد عشر، كذلك يمكن لثلاثة رجال أن ينفعوا الأمة بالإخلاص والتساند الحقيقي بقدر مائة رجل، وإن كثيرًا من الأحداث التاريخية تخبرنا أن عشرةً من الرجال بسر الإخلاص والتساند والشورى الحقيقية قاموا بأعمال ألف رجل.
وبما أن احتياجات البشر كثيرة لا حدَّ لها، وأعداءه لا يعدون ولا يحصون، وقوته ورأس ماله ضئيل جدًّا، ولاسيما أن عدد المضرين المخربين المتوحشين كَثُر بسبب الإلحاد؛ فلاشك ولاريب أن حياة البشر الاجتماعية لا تعيش ولا تستقيم ولا توقف الأعداء ولا تؤدي إلى تأمين تلك الاحتياجات وتوفيرها إلا بالشورى الشرعية النابعة من حقائق الإيمان، كما أن حياته الشخصية لا تصمد أمام أولئك الأعداء غير المحدودين وتلك الاحتياجات غير المتناهية إلا بنقطة الاستناد والاستمداد النابعة من الإيمان.
ذيل
إن ذيل الخطبة الشامية يبين بمثالٍ لطيف جدًّا ما ينبع من الإيمان من بطولةٍ معنوية لا تنكسر، ونبين خلاصة منها بمناسبة مسألتنا هذه كالآتي:
473. صفحة
لقد رافقت بنفسي السلطان رشاد في بداية عهد الحرية في سياحته إلى منطقة "روم ألي"[1] ممثلا عن الولايات الشرقية، ودار في قطارنا حوارٌ بيني وبين صديقين عالمين بالعلوم الحديثة، وسألاني:
أيهما أقوى وأيهما نحتاج إليه أكثر، الحَمِيَّة الدينية أم الحمية القومية؟
فقلت لهم آنذاك: نحن المسلمين، الدينُ والقومية عندنا متحدان، وليس بينهما فرقٌ، إلا فرق اعتباري وظاهري عرضي، بل الدين حياة القومية وروحها، والذي ينظر إليهما على أنهما مختلفان متغايران يرى أن الحمية الدينية شاملةٌ للعوام والخواص، وأن الحمية القومية تبقى خاصة في واحد بالمائة، أي فيمن يضحي بمصلحته الشخصية في سبيل قومه، إذن فلابد أن تكون الحمية الدينية أمرًا أساسيًّا في الحقوق العامة، ويجب أن تكون الحمية القومية خادمةً وقوة وحصنًا لها.
ونحن الشرقيين بالذات لسنا كالغربيين، فالحاكم على القلوب فينا هو الشعور الديني، إذ إن إرسال القدَر الأزلي أكثرَ الأنبياء في الشرق يشير إلى أن موقظ الشرق هو الشعور الديني وحده، وهو يسوق إلى الرقي والتقدم، وعصر السعادة والتابعين برهانٌ قاطع على ذلك.
فيا زملائي في المدرسة المتحركة التي تسمى القطار، ويا من تسألون عن الحمية الدينية والحمية القومية، أيهما يستحق الاهتمام أكثر من الآخر، ويا أيها الدارسون في المدارس الحديثة الذين ينطلقون معنا نحو المستقبل في قطار الزمن الحاضر، أقول لكم:
إن الحمية الدينية والقومية الإسلامية قد امتزجتا في الترك والعرب امتزاجًا كاملا بحيث لا يمكن فصلهما عن بعض، فالحمية الإسلامية هي أقوى وأمتن سلسلةٍ نورانية نزلت من العرش الأعظم، وهي العروة الوثقى لا انفصام لها ولا انقطاع، وهي قلعةٌ قدسية لا تُحطم ولا تُهدم.
وحين قلت هذا الكلام لهذين المعلمين المنورين، قالا لي:
ما دليلك على ذلك؟ لابد لهذا الادعاء الكبير من حجةٍ قاطعة ودليل قوي جدًّا، فما هو الدليل؟
[1] اسم أطلقه الأتراك على جنوب البلقان خلال القرن الخامس عشر.
474. صفحة
وإذا بقطارنا قد خرج من النفق، وأخرجنا رءوسنا من النوافذ ونظرنا فرأينا أن طفلا لا يبلغ الستة أعوام قد وقف بجانب السكة الحديد التي يمر عليها القطار، فقلت لصديقَيّ المعلمين: هذا الطفل يجيب على سؤالنا بلسان حاله إجابةً قاطعة، فليكن هذا الطفل البريء أستاذًا في مدرستنا المتحركة بدلا مني، فلسان حاله يقول هذه الحقيقة الآتية:
انظروا، هذا الطفل يقف بجانب السكة الحديد على مسافة متر واحد حينما خرجت دابة الأرض من النفق بهجومها المخيف وضجيجها وصرختها الرهيبة، فدابة الأرض هذه بتحكم هجومها تهدد صارخة: يا ويل من يلقاني، ولكن ذلك الطفل البريء يقف في طريقها، ولا يبالي بتهديدها وهو في حريةٍ كاملة وشجاعة وجرأة بالغة، ويستخف بهجوم دابة الأرض هذه، ويقول بشجاعته وجسارته الصغيرة: أيها القطار، إنك لا يمكن أن تخيفني بصرختك كالرعد، وكأنه يقول بلسان حال رباطة جأشه وصلابته: أيها القطار إنك أسير نظام، فلجامك وزمامك بيد من يسيِّرك، وليس في مقدورك أن تتعدى عليّ، ولا تقدر على أن تجعلني تحت استبدادك، هيا امض في طريقك، واسلكه بإذن قائدك.
فيا صديقَيّ في هذا القطار، ويا إخواني الدارسين للعلوم الحديثة بعد خمسين سنة، لو افترضنا أن رستم الفارسي وهرقل اليوناني مع مواقفهما البطولية العجيبة يطويان الزمان ويقفان في مكان هذا الصبي البريء، ولأن القطار لم يكن موجودًا في زمانهما فلن يعتقدا أن هذا القطار يتحرك وفق نظام معين؛ وإذا خرج فجأة من فتحة النفق هذا القطار الذي في رأسه النار ونفَسه كالرعد، وفي عيونه بروق المصابيح؛ فلاشك أنهما مع شجاعتهما العجيبة سيخافان خوفًا شديدًا من هذا القطار الذي يسعى نحوهما مهاجمًا ومهددًا، وسيهربان منه مذعورين أكثر من ألف متر.
انظروا كيف تزول وتضمحل حريتهما وشجاعتهما أمام تهديد دابة الأرض هذه، ولا يجدان حيلةً غير الفرار، ولأنهما لا يعتقدان بوجود قائد ونظام له فلا يظنان أنه مَركب مطيع؛ بل يتوهمانه وكأنه أسد ضار مفترس يجر وراءه عشرين أسدًا في حجم العربة.
475. صفحة
يا إخواني، ويا أصدقائي الذين يسمعون هذه الكلمات بعد خمسين سنة؛ الذي منح هذا الصبي الذي لم يبلغ الستة أعوام بعدُ الشجاعةَ والحرية أكثر من هذين البطلين، وأورثه طورَ الأمن والاطمئنان أكثر منهما؛ هو ما في قلب هذا الصبي الوادع من نواة للحقيقة، وهي اعتقاده واطمئنانه وإيمانه بأن لهذا القطار انتظامًا وأن زمامه بيد قائد، وأن حركته تجري تحت نظامٍ معين، وأن هناك من يسيِّره باسمه، وأما الذي خوّف هذين البطلين تخويفًا شديدًا والذي وضع وجدانهما تحت أسر الوهم فهو عدم الاعتقاد -عن جهلٍ- بوجود قيادة له وعدم إيمانهما بنظامه.
وكما في البطولة النابعة من الإيمان لدى ذلك الصبي البريء في هذا المثال فإنَّ بعض عشائر الطوائف الإسلامية، كالأتراك ومن صاروا منهم، قامت ببطولاتٍ معنوية فائقة؛ إذ رفعت راية الإسلام والكمالات المعنوية على وجه الأرض طوال ألف سنة في آسيا وإفريقيا ونصف أوربا، رفعتها ببسالةٍ نابعة من الإيمان والاعتقاد الكامن في قلبها تجاه الدول والأمم التي تفوقها بمائة ضعف، وإن جميع الشعوب الإسلامية، وعلى رأسها طائفتا الترك والعرب، الذين استقبلوا الموت بابتسامٍ وسرور قائلين: إذا متنا فنحن شهداء، وإذا قتلنا عدوًا فنحن مجاهدون، والذين قابلوا الأحداث المعادية المتسلسلة في الدنيا، حتى تهديدات تلك القِطارات المرعبة بدءا من الجراثيم وانتهاء إلى المذنبات التي اتخذت موقف العداء لاستعدادات البشر الكلية ببسالةٍ إيمانية، ولم يخافوا، وبدلا من الخوف والفزع منها فإنهم بتعاملهم مع القضاء والقدر الإلهي باستسلامٍ نابع من الإيمان اكتسبوا الحكمة والعبرة والسعادة الدنيوية نوعًا ما؛ قاموا ببطولاتٍ معنوية فائقة مثل ذلك الصبي البريء، فكل ذلك يدل على أن الحاكم المطلق للمستقبل في الدنيا هو القومية الإسلامية كما سوف تكون في الآخرة.
إن سبب خوف هذين البطلين العجيبين وقلقهما وتألمهما العجيب جدًّا في المثالين كان عدم اعتقادهما وجهلهما وضلالهما، فقد أثبتت رسائل النور بمئات الحجج حقيقةً من حقائقها ذُكرت بضعة أمثلة لها في مقدمة هذه الرسالة، فالقضية هي:
إن الكفر والضلال يُرِيان الكونَ لأهل الضلال مليئًا بآلافٍ من طوائف الأعداء المرعبة المذهلة وتسلسلها، وإن آلافًا من طوائف الأعداء بدءًا من المنظومة الشمسية وانتهاء إلى
476. صفحة
جراثيم السل في القلب تهجم على البشر المساكين بأيدي القوة العمياء والمصادفة العشواء والطبيعة الصماء، وإن الكفر والضلال زقوم جهنم لما يورثان من خوفٍ وألم وفزع وقلق دومًا، وباستمرار تجاه ماهية الإنسان الجامعة واستعداداته الكلية وحاجاته غير المحدودة ورغباته وآماله غير المتناهية، وأنهما يُلقيان صاحبهما في جهنم حتى في هذه الدنيا، وإن آلافًا من العلوم والتقدم والرقي البشري الخارجة عن الإيمان والدين لا تجديهم نفعًا مثلما لم تُجْدِ بطولة رستم وهرقل إياهما نفعًا، وتطعم البشر بالمغريات والسكْر حتى لا يشعروا بتلك المخاوف الأليمة مؤقتًا، فتبطل الشعور والوعي.
فكما أن المقارنة بين الكفر والإيمان تثمر ثمراتٍ ونتائج كالجنة وجهنم في الآخرة، فإن الإيمان يحقق الجنة المعنوية حتى في الدنيا، ويحوِّل الموت تذكرةً للتسريح والإعفاء من الوظيفة، والكفر يثمر جهنم معنوية حتى في الدنيا، ويدمر السعادة الحقيقية للبشر، ويحول الموت إلى صورة إعدامٍ أبدي، فنحيل تفصيلها إلى مئاتٍ من الحجج القاطعة المستندة إلى الحسّ والشهود لرسائل النور، ونختصر هنا.
إذا أردتم أن تروا حقيقة هذا المثال فارفعوا رءوسكم، وانظروا إلى هذا الكون، وانظروا إلى المناطيد والسيارات والطائرات والسفن البرية والبحرية الشبيهة بالقطار، وإلى كرات النجوم وأجرام الكون وسلسلة الحادثات والوقائع المتسلسلة التي خلقَتْها القدرةُ الأزلية بنظامٍ وحكمة في البر والبحر والجوّ، فإن كل من له عقل يُقِرّ بأن القدرة الأزلية لها نظائر متسلسلة أعجب من هذا في عالم الروحانيات والمعنويات كوجود هذه الأشياء في عالم الشهادة والكون الجسماني، ومن له عين يستطيع أن يرى أغلبها.
فكل تلك الأحداث المتسلسلة المادية والمعنوية في الكون تهاجم أهل الضلالة الذين لا إيمان لهم، وتهددهم، وتخوِّفهم وتحطم قوتهم المعنوية، ولكنها لا تهدد أهل الإيمان ولا تخيفهم، بل تمنحهم السرور والسعادة والأنس والأمل والقوة؛ لأن أهل الإيمان يرون من خلال الإيمان أن صانعًا حكيمًا يسوق ما لا يحد من سلاسل الأحداث والقطارات المادية والمعنوية والأكوان السيارة تلك في منتهى النظام والحكمة إلى وظائف معينة، هو الذي يستخدمها، فلا تنحرف عن وظائفها قيد أنملة، ولا يستطيع بعضها أن يتعدى على بعضها الآخر، ومن خلال الإيمان يرى أهل الإيمان كمال الإبداع
477. صفحة
في الكون، وأن تلك المخلوقات تنال تجليات جمال الله، ويمنحهم قوةً معنوية كاملة ويريهم نموذجًا من نماذج السعادة الأبدية.
ولا يستطيع أي شيء وأي علم وأي رقي بشري أن يمنح سلوانًا عن آلام أهل الضلال ومخاوفهم الشديدة النابعة من عدم الإيمان، ولا يستطيع أن يحقق لهم القوة المعنوية، فتتحطم جرأتهم وجسارتهم، إلا أن الغفلة المؤقتة تحول بينهم وبينها فتخدع.
بينما أهل الإيمان بسبب إيمانهم لا يخافون ولا تنكسر روحهم المعنوية، بل ينظرون إلى تلك الأمور والأحداث بروحٍ معنوية عالية جدًّا وصلابة متينة وحقيقةٍ إيمانية مثل ذلك الصبي البريء الوادع في المثال، ويشاهدون تدبير صانعٍ حكيم وإدارته ضمن دائرة حكمته، ويتخلصون من الأوهام والمخاوف، ويدركون أن هذه الأكوان السيارة لا تتحرك ولا تصيب شيئًا أو أحدًا إلا بأمر الصانع الحكيم وإذنه، وينالون السعادة في حياتهم الدنيوية كذلك بكمال الأمن والاطمئنان، كلٌّ حسب درجته.
ومن لم يكن في قلبه ووجدانه نواة هذه الحقيقة النابعة من الإيمان والدين الحق، وليست له نقطة استناد؛ تضمحل بالبداهة جسارته وروحه المعنوية كما انكسرت في المثال جسارة رستم وهرقل وبطولاتهم، ويتفسخ ضميره، ويكون أسيرًا لحادثات الكون، ويغدو كمتسولٍ جبان أمام كل شيء.
ولما كانت رسائل النور قد أثبتت بمئات الحجج القاطعة هذا السر لحقيقة الإيمان، وذلك الشقاء الدنيوي المذهل للضلال؛ نختصر هذه الحقيقة الطويلة للغاية.
إن البشر في هذا العصر الذين أحسوا باحتياجهم الشديد إلى القوة المعنوية والسلوان والعزيمة والصلابة، وفي مقدمتهم المسلمون الذين بدءوا ينتبهون سيشعرون في وقتٍ قريب جدًّا كيف أن استناد البشر إلى الضلال والغي والدعايات والسياسة الكاذبة التي تهدم السلوان وتكسر الثبات والصلابة وتحطم القوة المعنوية كليًّا تاركين باسم التغرب الحقائقَ الإيمانية التي تحقق تلك القوة المعنوية والسلوان والسعادة في هذا الزمان، والتي هي نقطة الاستناد في الإسلام والإيمان؛ نقول سيشعرون كيف أن استناد البشر إلى كل ذلك بدلا من الاستفادة من القومية الإسلامية تصرُّفٌ بعيد عن المصلحة البشرية والمنفعة الإنسانية، وسيتمسكون بحقائق القرآن إن بقي عمر للدنيا.
478. صفحة
وقد قال بعض النواب المتدينين في الماضي في بداية عهد الحرية لسعيد القديم -كما في هذا المثال-:
"إنك تتخذ السياسة أداةً للدين والشريعة في جميع النواحي، وتجعلها خادمةً للدين، ولا تقبل الحريةَ إلا لمصلحة الشريعة، ولا تعجب بالمشروطية إلا إذا كانت على صورة المشروعية، أي إن الحرية والمشروطية لا يمكن أن تكونا بدون الشريعة؛ لذا فقد أدرجوا اسمك في 31 مارس ضمن المطالبين بالشريعة"، فقال لهم سعيد القديم:
أجل؛ إن سبب سعادة الأمة الإسلامية لا يتحقق إلا بالحقائق الإسلامية وحدها، ولا تقوم حياتهم الاجتماعية وسعادتهم الدنيوية إلا بالشريعة الإسلامية، وإلا لضاعت العدالة، ولانقلب الأمن إلى الاضطراب والفساد، وعمَّت الخصال الذميمة وتغلبت الأخلاق الفاسدة، وبقي الأمر بيد الكذابين والمتملقين.
وألفت أنظاركم إلى هذه الحكاية التي تثبت هذه الحقيقة كنموذجٍ صغير من بين آلاف الحجج:
نزل رجلٌ ذات يوم ضيفًا عند واحد من أهل الحقيقة من البدو في الصحراء، فرأى أنهم لا يبالون بحفظ أموالهم، حتى إن صاحب الدار ترك نقوده مكشوفةً في زاوية من زوايا بيته، فقال الضيف لصاحب الدار:
ألا تخافون من السرقة حتى تركتم أموالكم هكذا في الزوايا.
فأجابه صاحب الدار: لا تحدث سرقة عندنا.
فقال الضيف: إننا نضع نقودنا في صناديق مقفلة ولكن كثيرًا ما تحدث السرقة.
فقال له صاحب الدار: إننا نقطع يد السارق باسم الأمر الإلهي والعدالة الشرعية.
فقال الضيف: إذن لابد أن الكثيرين منكم فقدوا إحدى يديهم!
فقال صاحب الدار: لقد بلغت الخمسين من العمر، ولم أشهد طوال عمري كله إلا يدًا واحدة قطعت.
فتعجب الضيف وقال: إننا نزج بخمسين رجلا في السجن كل يوم بسبب السرقة في بلادنا، ولا ينفع ذلك إلا بنسبة واحد في المائة مما تنفعه عدالتكم هنا.
479. صفحة
فقال له صاحب الدار: لقد غفلتم عن حقيقةٍ عظيمة وسرٍّ عجيب قوي وتركتموهما، ففقدتم حقيقة العدالة؛ إذ تتدخل تحت ستار العدالة النوايا السيئة والتيارات الظالمة المنحازة بدلا من المصلحة البشرية، وتكسر تأثير الأحكام، وسر هذه الحقيقة هو:
إن السارق فينا عندما يمد يده إلى مال غيره يتذكر تنفيذ الحد الشرعي والأمر النازل من العرش الإلهي، فيفيق ويفور إيمانه واعتقاده، وتتحرك وتهتز أحاسيسه السامية وكأنه يحس ويسمع بخاصية الإيمان وأذن القلب الآيةَ الكريمة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآتية من الكلام الإلهي والتي تحكم بإعدام يد السارق، وتحصل لديه حالة روحية أشبه ما تكون بهجومٍ على ميل السرقة من جوانب الروح ومن أعماق الضمير، ويتحطم الميل الآتي من النفس والهوى ويتراجع، وينقطع شيئًا فشيئًا، فيخمد كليًّا؛ لأنه لا يهجم على ذلك الحسّ وتلك الرغبة الوهمُ والفكر فحسب، بل قواه المعنوية أيضًا، كالعقل والقلب والضمير، تهجم دفعة واحدة، فبتذكر الحد الشرعي يبرز أمام ذلك الحس زجرٌ سامٍ ورادعٌ وجداني فيسكتانه.
أجل؛ إن الإيمان يودع في القلب والعقل زاجرًا معنويًّا دائمًا؛ لذا فكلما صدرت ميولٌ سيئة من الحس والنفس قال له هذا الزاجر: ممنوع، فيطردها، ويجعلها تلوذ بالفرار .
أجل؛ إن أفعال الإنسان تصدر عن ميول الحس والقلب، وهذه الميول تنشأ عن أحاسيس الروح واحتياجاتها، وأما الروح فتتحرك بنور الإيمان، فإن كانت خيرًا يفعلها، وإن كانت شرًّا يحاول أن ينصرف عنها ويجتنبها، فلا يمكن أن تسوقه الأحاسيس العمياء إلى الانحراف عن الاستقامة والصراط السوي، ولا تستطيع أن تغلبه.
الحاصل: عندما يُنفَّذ الحد والعقاب باسم الأمر الإلهي والعدالة الربانية يتأثر كلٌّ من الروح والعقل والضمير وما في ماهية الإنسانية من لطائف وترتبط بهما، ولأجل هذا المعنى فإن عقابًا واحدًا على مدى خمسين سنة يفيدنا أكثر من سجنكم المتكرر كل يوم، أما عقوبتكم باسم العدالة فلا تؤثر إلا وهمَكم؛ لأن الواحد منكم عندما ينوي السرقة يرد إلى ذهنه وَهْمُ أنه يُعاقَب باسم مصلحة الشعب ومنفعة الوطن، أو ينظر إليه الناس نظرةً سيئة إذا عرفوا بسرقته، أو يتذكر احتمال أن تسجنه الحكومة أيضًا إذا ما تبينت الأمر ضده، وعندها لا يتأثر إلا قوته الواهمة تأثرًا جزئيًّا، بيد أن
480. صفحة
ميلاً قويًّا نابعًا من نفسه وأحاسيسه يغلبه، خاصة إن كانت له حاجة إليها، فلا يجدي بعدُ عقابكم ذلك لردعه عن تلك السيئة.
ثم ولأن تلك العقوبات ليست من الأمر الإلهي فإنها ليست بعدل، بل هي باطلة وفاسدة كمثل الصلاة بلا وضوء ولا قِبلة، إذن إن العدالة الحقة والعقاب المؤثر الفعال هو ما كان باسم الأمر الإلهي، وإلا لانخفض تأثيره من المائة إلى الواحد.
فلتقس على مسألة السرقة هذه سائر الأحكام الإلهية الكلية الشاملة حتى تفهم أن السعادة البشرية في الدنيا لا تتحقق إلا بالعدالة، وأما العدالة فلا تتحقق إلا بالطريقة التي بيَّنها القرآن. (انتهت خلاصة الحكاية).
وقد خطر إلى القلب أن البشر إن لم يعودوا إلى رشدهم بسرعة ولم يفتحوا المحاكم العاملة باسم العدالة الإلهية ضمن دائرة الحقائق الإسلامية؛ فإن أنواعًا من القيامات المادية والمعنوية ستقع على رءوسهم، وسيستسلمون للإرهابيين ومن هم كيأجوج ومأجوج.
فهذه الحكاية قالها سعيد القديم لبعض من النواب المتدينين في الوقت السابق، وقد أُدرجت قبل خمس وأربعين سنة في ذيل "الخطبة الشامية" التي طبعت مرتين(1).
(1) لقد رجونا من أستاذنا أن يدرّس لنا خلال بضعة أيام رسالة "الخطبة الشامية" المطبوعة بالعربية لجهلنا باللغة العربية، فسجلنا تقرير ما درّسه لنا، وكان الأستاذ في أثناء إلقاء الدرس يكرر بعض الجمل ليرسخها في أذهاننا.
إن سبب عرضنا للمثال والحكاية المذكورين في الأخير على أنظار الطلاب الجامعيين والنواب المتدينين لما وجدناهما واضحين موضحين هو: أن الأستاذ عندما كان يبدأ إلقاء الدرس كان يقول: إنني أتصوركم بدلا من المعلمَيْن في القطار في الماضي، وأتخيل النواب المتدينين حقّ التدين الآن بدلا من النواب الذين سألوني عن الشريعة قبل ما يقرب من خمسين سنة، هذا ما أتصور، وأتحدث من خلاله؛ لذا فنحن نبين هذا الدرس لأهل المعارف والعلم والنواب المتدينين لإعلامهم به، وإن شاءوا بينا لهم هذا الدرس من الخطبة الشامية، ونشرناه إذا وافق رأيهم.
كنا نريد أن نتلقى درسًا حول السياسة الإسلامية الدائرة في العالم الإسلامي، ولما كان الأستاذ قد ترك السياسة منذ خمس وثلاثين سنة فإن هذه الخطبة الشامية التي تمس السياسة درسٌ من دروس سعيد القديم.
جيلان، صنغور، عبد الله، حسني، ضياء، صالح، صادق، حمزة
481. صفحة
فهذه الحكاية والمثال الأول درسان مناسبان لهذا الزمان أكثر من ذلك الوقت، نبينهما لأنظار النواب المتدينين الباحثين عن المعلومات الحقيقية ليكونا عبرة لهم.
بديع الزمان
سعيد النورسي
ذيلٌ لذيل الخطبة الشامية
مقالات سعيد نشرت في الجرائد الدينية قبل اثنتين وأربعين سنة
مارس 1909
الجريدة الدينية، العدد: 73
لتَحي الشريعة الغراء
أيها النواب!
سأذكر جملةً واحدة موجزة على طولها، أصغوا جيدًا؛ إذ في الإطناب إيجاز، وهي:
إذا أظهرتم العدالة والشورى اللتين تسميان بالمشروطية والقانون الأساسي، وجمعَ القوة في القانون باسم الشريعة الغراء التي هي:
1- المالك الحقيقي الأصلي وصاحب الاسم العظيم.
2- والمؤثرة والمتضمنة للعدالة المحضة.
3- وتحقِّق نقطة استنادنا.
4- وتُسنِد المشروطية إلى أساسٍ متين.
5- وتنقذ ذا الأوهام والشكوك من ورطة الحيرة.
6- وتتكفل بمستقبلنا وآخرتنا.
7- وتخلصكم من التصرف دون إذنٍ في حقوق الله التي هي المصلحة العامة.
8- وتحافظ على حياة أمتنا.
9- وتنوم مغنطيسيًّا الذهن العام.
482. صفحة
10- وتظهر صلابتنا وكمالنا ووجودنا أمام الأجانب.
11- وتنقذكم من المؤاخذة الدنيوية والأخروية.
12- وتؤسس الاتحاد العام في المقصد والنتيجة.
13- وتولد الأفكار العامة التي هي روح ذلك الاتحاد.
14- وتمنع مساوئ الحضارة النخرة من الدخول في حدود حريتنا وحضارتنا.
15- وتنقذنا من التسول عند أوربا.
16- وتقفز بنا في زمن قصير -بناءً على سر الإعجاز- مسافة طويلة من الرقي الذي تخلفنا عنه.
17- وتوحد العرب والطوران وإيران والساميين(1) فتمنحنا قيمةً وأهمية عظيمة في زمنٍ قصير.
18- وتظهر إسلام الشخصية المعنوية للحكومة.
19- وتنقذكم من الحنث في يمينكم بالحفاظ على روح القانون الأساسي والمادة الحادية عشرة.
20- وتكذِّب الظنون الفاسدة القديمة لأوربا.
21- وتدفع إلى التصديق بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وأن الشريعة باقيةٌ خالدة.
22- وتُقيم سدًّا أمام الإلحاد الذي يدمر الحضارة.
23- وتزيل بصفحتها النورانية المشرقة الظلمةَ وتباين الأفكار وتشتت الآراء.
24- وتجعل جميع العلماء والوعاظ خادمين لاتحاد الأمة وسعادتها وإجراءات الحكومة المشروطة المشروعة.
25- وتؤلِّف قلوب الطوائف غير المسلمة وتربطهم بالشريعة الغراء، لما في عدالتها المحضة من رحمة.
(1) شعوب الشرق الأوسط؟؟؟؟
483. صفحة
- وتوقظ لدى أجبن الناس وأدناهم الشعورَ الحقيقي للرقي والتقدم، وروحَ التضحية وحب الوطن وكأنه أشجع الناس وأخصهم.
27- وتنقذنا من الفسق والإسراف والحاجات غير الضرورية التي تهدم الحضارة.
28- وتبعث فينا النشاط للسعي نحو التقدم الدنيوي وإعمار الأرض مع الحفاظ على الآخرة.
29- وتعلّم دساتير الأخلاق الحسنة والمشاعر السامية التي هي حياة الحضارة.
30- وتبرئ كل واحد منكم -أيها النواب- من المطالبة بحقوق خمسين ألف شخص منكم.
31- وتظهركم مثالا مصغَّرًا شرعيًّا لإجماع الأمة.
32- وتجعل أعمالكم كعباداتٍ بناء على حسن النية.
33- وتنجيكم من سوء القصد والجناية في حق الحياة المعنوية لثلاثمائة مليون مسلم.
نقول: فيا ترى ماذا تفقدون إذا أظهرتم قوانينكم باسم هذه الشريعة الغراء مع فوائدها الكثيرة إلى هذا الحد، واتخذتموها مصدرًا لأحكامكم، وطبقتم دساتيرها؟ والسلام.
ولتَحي الشريعة الغراء!
سعيد النورسي
484. صفحة
لتَحي الشريعة الأحمدية على صاحبها الصلاة السلام
الجريدة الدينية، العدد:77
18 مارس 1909 م
إن الشريعة الغراء آتيةٌ من الكلام الأزلي، فستمتد إلى الأبد، ولا سلامة لنا من استبداد النفس الدنيء إلا بالاستناد إلى الإسلام، وبالتمسك بهذا الحبل المتين، ولا استفادة من الحرية الحقة استفادة حقيقية إلا بالاستمداد من الإيمان؛ إذ ينبغي لمن هو عبدٌ لصانع العالم وخادم له بحق أن يترفع عن عبودية الخلق، ولما كان كل واحد قائدًا في عالمه فإنه مكلَّف بالجهاد الأكبر في عالمه الأصغر، وموظَّف بالتخلق بالأخلاق الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، وإحياء السنة النبوية.
فيا أولياء الأمور، إن أردتم التوفيق فتحركوا وفق قوانين عادة الله تعالى وسنته، وإلا فستتلقون ردًّا بعدم التوفيق؛ إذ إن ظهور جميع الأنبياء المعروفين من البلاد الإسلامية والعثمانية إشارةٌ ورمز للقدر الإلهي إلى أن بخار بلوغ ماكينة شعوب هذه البلاد إلى الكمال إنما هو الالتزام بالدين، ولا تنمو زهور مزارع آسيا وأفريقيا وبساتين روم ألي إلا بضياء الإسلام، ولا يضحَّى بالدين من أجل الدنيا، وقد كانت مسائل الشريعة تقدم كرشوة من أجل الحفاظ على الاستبداد البائد الهالك، وأي نفع حصل من ترك مسائل الدين والتضحية بها غير الضرر؟ إن داء قلب الأمة ضعف الالتزام بالدين، ولن تجد الصحة إلا بتقوية هذا.
إن منهج جماعتنا؛ هو محبة المحبة وخصومة الخصومة، أي إمداد المحبة بين المسلمين وتشتيت جيش الخصومة، أما مسلكنا فهو التخلق بالأخلاق الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، وإحياء السنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام، ومرشدنا الشريعة الغراء، وسيفنا البراهين القاطعة، وغايتنا إعلاء كلمة الله، وكل مؤمن
485. صفحة
منتسبٌ إلى جماعتنا معنىً، أما الانتساب بالصورة فهو بالعزم الجازم على إحياء السنة النبوية في عالمه الشخصي.
ونحن ندعو الجميع أولا إلى الاتحاد باسم العلماء والمشايخ وطلاب الشريعة الذين هم مرشدو الجميع.
تنبيه خاص: إن الخطباء العامّون الذين يُسمّون بالصحفيين قد أوقعوا الشعب في المستنقع بقياسين فاسدين:
أولهما: قياس الولايات الأخرى على إسطنبول، والحقيقة أن تعليم الفلسفة للأطفال الذين لم يدرسوا حروف الهجاء يبقى سطحيًّا.
ثانيهما: إنهم قاسوا إسطنبول على أوربا، والحقيقة أن الرجل إذا لبس لباس المرأة الذي استحسنه على قدها يكون موضع سخرية واحتقار.
سعيد النورسي
486. صفحة
حقيقة
الجريدة الدينية، العدد: 70
مارس 1909 م
نحن منتسبون إلى الجمعية المحمدية منذ أن أقرت الأرواح بربوبية الله تعالى، ونقطة التلاقي في اتحادنا هي التوحيد، وعهدنا وقسمنا هو الإيمان، وبما أننا موحدون ومتحدون فكل مؤمن مكلَّف بإعلاء كلمة الله، وأكبر وسيلة لذلك في هذا الزمان هي الرقي والتقدم المادي؛ إذ إن الأجانب يسحقوننا تحت استبدادهم المعنوي بسلاح العلوم والصناعة، ونحن بدورنا سنجاهد الجهل والفقر واختلاف الأفكار التي هي أعدى عدوٍّ لإعلاء كلمة الله بسلاح العلم والصناعة.
أما الجهاد الخارجي فنحيله إلى السيوف الألماسية للبراهين القاطعة للشريعة الغراء؛ إذ إن الغلبة على المتحضرين إنما تكون بالإقناع، وليست بالإجبار مثل الهمجيين الذين لا يفهمون الكلام، فنحن فدائيو المحبة، وليس لدينا وقت للخصومة.
فالجمهورية(1) عبارةٌ عن العدالة والشورى وحصر القوة في القانون، ولما كانت الشريعة الغراء تأسست قبل ثلاثة عشر قرنًا؛ فإن التسول لدى أوربا في الأحكام جنايةٌ عظيمة في حقّ الدين الإسلامي، وذلك يشبه أداء الصلاة بالتوجه إلى الشمال(1).
يجب أن تكون القوة في القانون، وإلا فسيكون قد وُزِّع الاستبداد، ولابد أن تكون ﴿إنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾(الذاريات: 58) مهيمنةً على الضمائر وآمرةً لها، وهذا يجب أن يكون بالمعرفة التامة والحضارة العامة، أو باسم الدين الإسلامي، وإلا فسيتحكم الاستبداد دائمًا.
حقيقة
الجريدة الدينية، العدد: 70
مارس 1909 م
نحن منتسبون إلى الجمعية المحمدية منذ أن أقرت الأرواح بربوبية الله تعالى، ونقطة التلاقي في اتحادنا هي التوحيد، وعهدنا وقسمنا هو الإيمان، وبما أننا موحدون ومتحدون فكل مؤمن مكلَّف بإعلاء كلمة الله، وأكبر وسيلة لذلك في هذا الزمان هي الرقي والتقدم المادي؛ إذ إن الأجانب يسحقوننا تحت استبدادهم المعنوي بسلاح العلوم والصناعة، ونحن بدورنا سنجاهد الجهل والفقر واختلاف الأفكار التي هي أعدى عدوٍّ لإعلاء كلمة الله بسلاح العلم والصناعة.
أما الجهاد الخارجي فنحيله إلى السيوف الألماسية للبراهين القاطعة للشريعة الغراء؛ إذ إن الغلبة على المتحضرين إنما تكون بالإقناع، وليست بالإجبار مثل الهمجيين الذين لا يفهمون الكلام، فنحن فدائيو المحبة، وليس لدينا وقت للخصومة.
فالجمهورية(1) عبارةٌ عن العدالة والشورى وحصر القوة في القانون، ولما كانت الشريعة الغراء تأسست قبل ثلاثة عشر قرنًا؛ فإن التسول لدى أوربا في الأحكام جنايةٌ عظيمة في حقّ الدين الإسلامي، وذلك يشبه أداء الصلاة بالتوجه إلى الشمال(1).
يجب أن تكون القوة في القانون، وإلا فسيكون قد وُزِّع الاستبداد، ولابد أن تكون ﴿إنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾(الذاريات: 58) مهيمنةً على الضمائر وآمرةً لها، وهذا يجب أن يكون بالمعرفة التامة والحضارة العامة، أو باسم الدين الإسلامي، وإلا فسيتحكم الاستبداد دائمًا.
(1) لقد وُضعت كلمة الجمهورية الآن بدلا من المشروطية الموجودة آنذاك. (المؤلف).
(1) وذلك بالنسبة لمن يتوجهون إلى الجنوب لاستقبال القبلة.
487. صفحة
الاتفاق في الله، وليس في الهوى والنوازع، ولقد تحرر الناس ولكنهم عبيد الله، فكل شيء حر، حتى الشريعة حرة، وكذلك المشروطية، ولن نبذل مسائل الشريعة رشوة، ولا يمكن أن يكون تقصير أحد عذرًا لأحد.
إن اليأس مانع كل كمال، فمقولة "ما لي أنا، فليفكر غيري" تذكار للاستبداد، ولما كنت لا أجيد اللغة التركية فإنني أحيل المقدمات التي تربط هذه الجمل بعضها ببعض إلى أفكار المطالعين الكرام.
سعيد النورسي
مقالة لسعيد النورسي نشرت قبل ثلاث وأربعين سنة
صدى الحقيقة
27 مارس 1909
ولأن الطريق المحمدي على صاحبه الصلاة والسلام منزه عن الشبهة والحيلة؛ فإنه مستغنٍ عن الإخفاء الذي يومئ إليهما، فحقيقةٌ عظيمة واسعة محيطة إلى هذا الحد لا تُخفى أبدًا، ولاسيما عن أهل هذا الزمان، وهل يختفي البحر المحيط في جَرّة؟!
أقول مرة أخرى؛ إن نقطة التلاقي للاتحاد المحمدي الذي هو حقيقة الاتحاد الإسلامي التوحيدُ الإلهي، وعهده وقسمه الإيمانُ، ومجالسه وجمعياته المساجد والمدارس والزوايا، ومنتسبوه جميع المؤمنين، ولوائحه الداخلية السنن الأحمدية، وقانونه الأوامر والنواهي الشرعية، وهذا الاتحاد ليس من العادات وإنما هو عبادة.
إن الإخفاء والخوف ناشئان من الرياء، ولا رياء في الفرائض، وأعظم وظيفةٍ واجبة في هذا الزمان هي الاتحاد الإسلامي، فهدف الاتحاد وغايته هزّ تلك السلسلة النورانية الطويلة المتشعبة المحيطة التي تربط المراكز والمعابد الإسلامية بعضها ببعض، ومن ثم إيقاظ من يرتبطون بها، ودفعهم إلى طريق الرقي والتقدم عن رغبة، وبأمرٍ وجداني.
488. صفحة
ومنهج هذا الاتحاد هو المحبة، أما خصومته فهي للجهل والضرورة والنفاق، فليطمئن غير المسلمين أن اتحادنا هذا إنما هو هجومٌ على هذه الصفات الثلاث، ومنهجنا نحو غير المسلمين: الإقناع؛ إذ إننا نعتبرهم متحضرين، وعملنا تجاههم أن نظهر لهم الإسلام محبوبًا ساميًا؛ إذ إننا نظنهم منصفين.
وليعلم جيدًا المتهاونون غير المبالين أنهم لا يستطيعون أن يحببوا أنفسهم لأي أجنبي بالإلحاد؛ لأنهم يكونون قد أظهروا له أنه لا فكر ولا منهج لديهم، فانعدام المنهج والفوضى غير محبوبين، والذين انضموا إلى هذا الاتحاد بالتحقيق لا يخرجون منه بتقليد هؤلاء.
إننا نقدم للرأي العام أفكار الاتحاد الإسلامي الذي هو الاتحاد المحمدي ومنهجُه وحقيقته، فمن شاء فليعترض، ونحن مستعدون للإجابة.
جُمْلَه شِيرَانِ جِهَانْ بَسْتَهِٔ اِينْ سِلْسِلَه اَنْد رُوبَه اَزْ حِيلَه چِه سَانْ بِگُسَلَدْ اِينْ سِلْسِلَه رَ ا [1]
فقرة أبقيتها من "فهرس المقاصد"
ينبغي أن تمر العلوم والمعارف الوافدة علينا من الخارج على بعض أهل المدارس الدينية حتى تتصفى من الغلّ والغشّ؛ إذ إنها جاءت متعفنة من مجرى آخر بتعكره، وهذا الماء المتعفن أحدث رد فعلٍ مضاد في الأفكار التي نشأت في مستنقع البطالة وتنفست سموم الاستبداد وانسحقت تحت ضغوطات الظلم، فلابد من تصفيته بمصفاة الشريعة، وهذا يقع على كاهل همة أهل المدارس الدينية، والسلام على من اتبع الهدى.
سعيد النورسي
رد الأوهام
31 مارس 1909
سأردّ الأوهام التسعة الفاسدة التي أسندوها إلى جماعة الاتحاد المحمدي.
الوهم الأول: لا يناسب طرح قضية الدين في مثل هذا الزمان الحساس.
489. صفحة
الجواب:أولا: نحن نحب الدين، ونحب الدنيا أيضًا من أجل الدين، و"لا خير في دنيا بلا دين".
ثانيًا، وبما أن الحكم في المشروطية بيد الشعب؛ فلابد من إظهار وجود الشعب، وقوميتنا هي الإسلام وحده وليس غير؛ إذ ليست هنالك رابطة وقومية قوية حقيقية غير الإسلام بين العرب والترك والكرد والألبان والشركس واللاظ؛ إذ يتم إرساء دعائم ملوك الطوائف بإهمال جزئي وإثارة الفتن بإحياء العصبية الجاهلية الميتة منذ ثلاثة عشر قرنًا، وقد شهدنا حدوث ذلك بالفعل.
الوهم الثاني: تخصيص هذا العنوان وهذه التسمية -أي الاتحاد المحمدي- يوقع من لم ينتسبوا إليه في الوهم والقلق.
الجواب: لقد قلت في البداية، فإما أنه لم يُقرأ قولي وإما أنه أُسِيء فهمُه؛ لذا فأنا مضطر إلى بيانه مجددًا بما يلي:
عندما نتحدث عن الاتحاد المحمدي الذي هو الاتحاد الإسلامي، فالمراد منه الاتحاد الثابت بين جميع المؤمنين بالفعل أو بالقوة، وليس المراد الجماعة الموجودة في إسطنبول أو في الأناضول، فقطرةٌ من الماء أيضًا ماء، ولا يعني هذا الاسم التخصيصَ.
أما تعريفه الحقيقي فكالتالي:
إن أساسه يمتد من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، ومركزه الحرَمان الشريفان، وجهة وحدته التوحيد الإلهي، وعهده وقسمه الإيمان، ولائحته الداخلية السنة السنية، وقانونه الأوامر والنواهي الشرعية، ومقرات جمعياته ونواديه جميع المدارس والمساجد والزوايا، وناشر أفكار هذه الجماعة في خلود إلى الأبد في كل وقتٍ جميع الكتب الإسلامية وعلى رأسها القرآن وتفاسيره، وأحد تفاسيره في هذا الزمان رسائل النور، وجميع الصحف والجرائد الدينية المستقيمة التي تتخذ إعلاء كلمة الله هدفًا وغاية لها، ومنتسبوه جميع المؤمنين، ورئيسه فخر العالم عليه الصلاة والسلام.
والنقطة التي نود أن نركز عليها هنا هي توجه المؤمنين إلى الاتحاد المحمدي ويقظتهم وصحوتهم، فلا يُنكَر تأثير توجه الناس وإقبالهم، وإن هدف الاتحاد وغايته
490. صفحة
إعلاء كلمة الله، ومنهجه الجهاد الأكبر مع النفس وإرشاد الآخرين، وإن تسعة وتسعين بالمائة من همة هذه الهيئة المباركة ليست السياسة، بل هي منصبة إلى ما في خارج السياسة من حسن الأخلاق والاستقامة وما إلى ذلك من المقاصد المشروعة؛ لأن الجمعيات المتوجهة إلى القيام بتلك الوظائف قليلة جدًّا، ولكن الوظيفة قيمتها عظيمة وأهميتها بالغة، ولا يتعلق إلا واحد بالمائة من تلك الوظائف بالسياسة عن طريق إرشاد السياسيين، أما سيوفه فهي البراهين القاطعة، ومنهجه المحبة وتنمية المحبة المندمجة في نواة الأخوة الموجودة بين المؤمنين، وكأنها شجرة طوبى.
الوهم الثالث: أي فائدة لهذه الجمعية غير التفرقة، وغير إيقاع الآخرين في اليأس؟!
الجواب: هذا توحيد وليس تفريقًا، وأمل وليس يأسًا، وهذه الحقيقة العظمى هي شعلةٌ جديدة تجلّت بكشف زاوية من زواياها كعروق الذهب المكنوزة في الكرة الأرضية.
وكما أن البحر المحيط لا تسعه الجرة؛ فكذلك الاتحاد المحمدي لن تسعه إدارة جريدة البركان[1] أو إسطنبول، بل إن جزءًا من الاتحاد المحمدي، وهو الذي خرجت من حيز القوة إلى حيز الفعل؛ عبارة عن الإيقاظ والتنبيه كتنبيه عصا الطبيب، وعن سَوْقِ جميع المؤمنين المرتبطين بالسلسلة النورانية الطويلة المتسلسلة التي تربط المراكز الإسلامية بعضها ببعض ودفعِهم -بهزّ هذه السلسلة النورانية- بحماسٍ ودافع وجداني إلى التقدم والرقي المادي والمعنوي الذي هو أعظم وسيلةٍ لإعلاء كلمة الله في هذا الزمان؛ لأن التخلص من الاستبداد والتحكم إنما يكون بالرغبة والحماس والتشوق الوجداني، بيد أن واحدًا من الألف فقط من ذوي الأفكار المنورة لهم وجدان، أما إذا كان التخلص من الاستبداد بالعواطف والمشاعر الدينية؛ فإن أخص الخواص وأدنى العوام يتساويان مع ذوي الأفكار المنوَّرة في طريق التقدم والرقي.
[1] Osmanlı zamanında çıkan bir dergi…Arapçası burkan…Cemale sorup volkan dergisi ile ilgi 1-2 satırlık kısa bilgi yazarsınız…
491. صفحة
ولما كانت المعرفة العامة أو الحضارة التامة -اللتان هما سبب تنوير الفكر- غير موجودتين عندنا؛ كان علينا أن نجعل الدين الإسلامي -الذي هو نور النور- منارًا لنا؛ حتى لا يختل انسجامُ الرقي والتقدم.
الوهم الرابع: سيخاف ويتحفظ غير المسلمين فينا من هذا الاتحاد، أو سيتخذونه ذريعة لهم.
الجواب: التذرع بالاتحاد طفولةٌ وخيانةٌ، والخوف والتحفظ جهلٌ أو تجاهل؛ ففي الوقت الذي كان غير المسلمين فيه همجيين في القرون الوسطى؛ كان الأقوام الأديان والمختلفة في صون تام في حماية الحضارة الإسلامية بالحكم الإلهي ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ومن ثم يتجلى -كالشمس- سمو أخلاق الإسلام، وتنعدم المحاذير التي يتوهمها غير المسلمين.
ثم إن سلامة غير المسلمين إنما تكون بسعادة الوطن، وإن دوام المشروطية، وروحها، ونقطة استنادها، ومرشدها يكون بالشريعة والإسلام اللذين هما قوميتنا؛ لذا ينبغي ألا يخاف وألا يتحفظ غير المسلمين من هذا الاتحاد، بل ينبغي أن يقدسوه ويستأنسوا به.
الوهم الخامس: قد يخاف ويستوحش الأجانب من هذا الاتحاد.
الجواب: الذين يقبلون هذا الاحتمال هم أنفسهم الخائفون المستوحشون؛ لأن تعظيمهم الإسلام في مراكز تعصبهم بمؤتمراتٍ(1) وتقديسهم إياه يردّ هذا الاحتمال.
ثم إن أعداءنا ليسوا هؤلاء، وإنما الذي أسقطتنا هذا السقوط ومنعنا من إعلاء كلمة الله هو مخالفتنا الشريعةَ نتيجة جهلنا، والضرورةُ وثمرتها التي هي سوء الأخلاق وسوء السلوك، والاختلافُ ومحصوله الذي هو سوء الطوية والنفاق، فاتحادنا هجومٌ على هؤلاء الأعداء الثلاثة الظالمين، أما في القرون الوسطى التي كان الأجانب أقوامًا همجيين فيها فإن الإسلام فيها قد حافظ على العدل والاعتدال مع أنه كان مضطرًّا إلى الخصومة والتعصب ضد الهمجية في ذلك الزمان، ولم يقم بما قامت به محاكم
(1) تشير إلى الخطب المعروفة لبسمارق والسيد كارلايل وغيرهما. (المؤلف).
492. صفحة
التفتيش قط، ولما تحضر الأجانب وصاروا أقوياء في عصر الحضارة زالت الخصومة والتعصب المضران؛ إذ الغلبة على المتحضرين من وجهة نظر الدين إنما تكون بالإقناع وليس بالإكراه، وإظهار الإسلام لهم محبوبًا وساميًا عن طريق الأفعال والأخلاق بامتثال أوامره، أما الإجبار والخصومة فتكون تجاه همجية الهمجيين ووحشيتهم.
الوهم السادس: يقول بعض الناس: إن الاتحاد الإسلامي الذي يتخذ السنة السنية هدفًا وغاية له يحدّ من الحريات، وذلك منافٍ لمقتضيات الحضارة.
الجواب: الذي يملك الحرية الحقة هو المؤمن في الحقيقة، فمن كان عبدًا لصانع العالم وخادمًا له فيجب أن يترفع عن التذلل للخلق، أي كلما قوَّيتَ الإيمان قويت الحرية.
أما الحرية المطلقة فهي الهمجية المطلقة، بل البهيمية، فتحديد الحرية أمر ضروري من ناحية الإنسانية.
ثانيًا: تظن الذنوب المغرية ومساوئ المدنية -بدافع الطبائع الطفولية والرغبات والهوى- محاسن، والحيقيقة أنه ما من محاسن ذات حقيقةٍ للحضارة إلا وفي الإسلام مثلها أو أحسن منها صراحةً أو ضمنًا.
ثالثًا: إن بعض الفساق والمتهاونين لا يريدون أن يعيشوا أحرارًا؛ لذا فإنهم يريدون أن يدخلوا تحت الأسر المهين للنفس الأمارة.
الحاصل: إن الحرية الخارجة عن دائرة الشريعة إما استبدادٌ وإما أسر للنفس، أو بهيمية في وحشية، أو وحشية بذاتها، فليعلم المتهاونون والزنادقة يقينًا أنهم لا يستطيعون أبدًا أن يحببوا أنفسهم بالكفر والفسق إلى أي أجنبي يملك ضميرًا، ولا يستطيعون أن يشبهوا أنفسهم بهم؛ إذ الفاسق ومن ليس له فكر ولا منهج يُتَّبَع غيرُ محبوب، فإذا استحسن رجلٌ لباسًا يليق بالنساء ولبسه؛ صار موضع سخرية واستهزاء.
الوهم السابع:
إن جمعية الاتحاد الإسلامي هي شقّ العصا بالنسبة لسائر الجمعيات الدينية، فيتولد التنافس والتنافر بينها وبين غيرها.
الجواب: أولا: لا حسد ولا مزاحمة ولا مشاجرة في الأمور الأخروية، فأية جمعية تحاول المشاجرة والتنافس تكون وكأنها ترائي في العبادة وتنافق فيها.
493. صفحة
ثانيًا: إننا نهنئ كل الجمعيات التي تشكلت بدافع محبة الدين، ونتحد معها على شرطين:
الشرط الأول: الحفاظ على الحرية الشرعية والأمن العام.
الشرط الثاني: العمل على الحب، وعدم محاولة اكتساب الأهمية والقيمة عن طريق الانتقاص من شأن الجمعيات الأخرى؛ فإن كان لإحدى الجمعيات خطأ فيحال أمرها إلى جمعية العلماء التي هي مفتي الأمة.
ثالثًا: إن الجمعية التي تتخذ إعلاء كلمة الله تعالى هدفًا وغاية لها لا يمكن أن تكون وسيلةً لأية نية سيئة، حتى لو كانت ترغب في ذلك فلن توفق فيه؛ لأن ذلك نفاق، فإن مقام الحق سامٍ وعالٍ، ولا يمكن التضحية به لأجل أي شيء مهما كان؛ فهل تكون نجوم الثريا مَكانس، أو تؤكل مثل عناقيد العنب؟ فالذي ينفخ في شمس الحقيقة ليطفئها إنما يعلن عن حمقه وجنونه!
فيا أيتها الصحف الدينية، إن غايتنا أن تتحد الجماعات الدينية في الغاية والهدف؛ إذ إن اتحادها في المنهج والمسلك غير ممكن وليس بجائز، حيث يمهد ذلك السبيل إلى التقليد، ويجعل المرء يقول: "ما لي أنا، فليفكر غيري".
الوهم الثامن: إن أكثر الذين ينتمون معنًى وصورة إلى هذه الجمعية التي تحتضن أهل اتحاد الإسلام هم من العوام، وبعضهم غير معروفين ومبهمو الأحوال، وهذا يومئ إلى الفتنة والاختلاف.
الجواب: بل هو –أي هذا الإيماء- مبني على عدم سماحها بالأغراض الشخصية.
وبما أن غايتها الاتحاد وإعلاء كلمة الله؛ فإن سعيها وحركاتها عبادة، ففي جامع العبادة يتساوى الملك والمتسول، والمساواة الحقيقية دستور، ولا مكان للامتياز؛ إذ الأكرم هو الأتقى، والأتقى أكثر تواضعًا، وبناء على هذا فإن المرء في الحقيقة يتشرف بالانتساب معنى إلى حقيقة الاتحاد، وبالانتساب صورة إلى هذه الجماعة الأخروية والدينية البحتة التي هي نموذج لها، ولا يزيدها شرفًا، فقطرةٌ واحدة لا تزيد البحر المحيط.
494. صفحة
ثم إن الإنسان كما لا يخرج عن الإيمان بارتكاب كبيرةٍ؛ فإن باب التوبة مفتوح لعدم طلوع الشمس من المغرب، وكما أن إبريقًا من الماء النجس لا ينجس البحر، بل يتطهر هو به؛ كذلك فإن مجهولي الحال القليلين الذين ينضمون إلى هذا النموذج للاتحاد بعزمٍ جازم؛ لا يلطخون هذه الحقيقة السامية إذا استطاعوا أن يقوموا بما اشترطنا على من ينتسب إلى هذا الاتحاد من شروط، وهي إحياء السنة النبوية، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وعدم الإخلال بالأمن، حتى لو كان الرجل مشوبًا ملطخًا فإن إيمانه مقدس، والرابطة رابطة الإيمان، وإن إسناد الشوائب لهذا الاسم المقدس بحجج واهية يعني الجهل بقيمة الإسلام وسموه، كما يعني إعلان المرء عن أنه أحمق الناس.
إننا نرفض بكل قوتنا التعريض بجمعيتنا، وتشويه صورة تلك الجماعة التي هي نموذج الاتحاد الإسلامي قياسًا على سائر الجمعيات الدنيوية، فإن كانت لهم اعتراضاتٌ عن طريق الاستفسار فنحن مستعدون للإجابة عنها، وإنني أتحداهم، فها هو ذا الميدان، إن الجماعة التي أنا من منتسبيها هي اتحاد الإسلام الذي تحدثت عنه ههنا بتفصيل، وليست الجمعية الخيالية التي يتوهم المعترضون أنها باطل، فنحن جميعًا مع أفراد هذه الهيئة الدينية، حتى لو كانوا في الشرق أو الغرب أو الجنوب أو الشمال.
الوهم التاسع:
ما هو الدافع لإظهار أسرار الاتحاد المحمدي على الرغم من أن للجمعيات مخططات خفية؟
الجواب: الإسلام واضح جلي، فإن ضُيِّق على قوة اتساعه فسيزلزل العالَم، ولما كان الإخفاء يدعو الحيلة والشبهة؛ كانت الحقيقة المنزَّهة عن الحيلة والشبهة مستغنية عن الخفاء.
ثم إن الحيلة إنما هي الصدقُ وتركُ الحيلة، ولا يقارن الاتحاد المحمدي بالجمعيات الأخرى؛ لأن الجمعيات الأخرى بدأت تتأسس، أما هذا فيتجلى من بعض الزوايا، وهو مؤسَّس أصلا، وعندما بلغ عدد المسلمين أربعين مسلما في صدر الإسلام؛ لم يتخفوا، فكيف سيتخفون وقد صاروا ثلاثمائة مليون؟!
495. صفحة
وقد يرى العقل شيئًا ثم يقبل به، ويتأمله الفكر ثم يسلم به، فالحقيقة ترفض حجاب الخفاء، ونقول بلسان جميع المؤمنين بمائة ألف مرة: لتحي الشريعة الغراء!
سؤال: إنك توقِّع أحيانًا باسم "بديع الزمان"، وهذا اللقب يشير إلى المدح؟
الجواب: ليس من أجل المدح، وإنما أبرز تقصيري وسند عذري ومعذرتي بهذا الاسم؛ إذ إن البديع يعني الغريب، فأخلاقي غريبة كمظهري، وأسلوب بياني غريب كملابسي، ومخالف للجميع، فبلسان حال هذا الاسم، وبواسطة أساليبي وأفكاري أرجو ألا تُتخذ الأفكار والأساليب الرائجة عن طريق التقليد مقياسًا ومحكًّا يُعتبر، ثم إن مرادي من البديع هو العجيب.
وقد صرت مصداقًا لمقولة:
إليَّ لَعَمْرِي قَصْدُ كُلِّ عَجِيبَةٍ كَأنِّي عَجِيبٌ في عُيُونِ العَجَائِبِ[1]
وأحد أمثلته هو أني جئت إلى إسطنبول منذ سنة، وشهدت من الانقلابات ما قد يحدث في مائة عام، والسلام على من اتبع الهدى.
نقول بعدد الناس بلسان جميع المؤمنين؛ لتَحي الشريعة الأحمدية على صاحبها الصلاة والسلام!
بديع الزمان سعيد النورسي
إلى أخي السيد رئيس التحرير:
على الأدباء أن يكونوا متؤدبين، وأن يتأدبوا بالآداب الإسلامية، فلينظم الشعور الديني الذي في وجدانهم لوائح المطبوعات والمنشورات، فقد أظهر هذا الانقلاب الشرعي أن المهيمن على الضمائر هو النخوة الإسلامية التي هي نور النور، وقد تبين أن الاتحاد الإسلامي شاملٌ لكل الجنود وجميع أهل الإيمان، ولا أحد خارج عنه.
سعيد النورسي
[1] البيت للمتنبي في ديوانه.
496. صفحة
الأجزاء الأخيرة من ذيل الذيل الأول للخطبة الشامية
درسان ساقا ثماني كتائب تمردت في حادثة الواحد والثلاثين من شهر مارس إلى الطاعة، وخفضا تأثير المصيبة من المائة إلى الواحد، وقد نُشرا في الجرائد الدينية في سنة 1325هـ الموافق 1909 م.
إلى جنودنا الأبطال:
أيها الجنود الموحدون الأمجاد، ويا أيها الأبطال العظام الذين أنقذوا هذا الشعب المظلوم والإسلام المقدس مرتين من ورطةٍ كبيرة، إن جمالكم وكمالكم في الانتظام والانضباط، وقد أظهرتم ذلك حقًّا في أكثر الأوقات اضطرابًا، فحياتكم وقوتكم في الطاعة، فأظهروا هذه المزية المقدسة حتى لأصغر أمرائكم، فإن عِرض ثلاثين مليونًا من العثمانيين وثلاثمائة مليون من المسلمين متعلق بطاعتكم بعد هذا، والراية والتوحيد الإلهي في أيدي شجاعتكم، فقوة أيديكم المباركة هي الطاعة، وضباطكم هم آباؤكم الرحماء، وإنه ثابت بالقرآن والحديث والحكمة والتجربة أن الطاعة لآمرٍ محقّ فرضٌ، وإنكم تعلمون أن ثلاثة وثلاثين مليونًا من الناس لم يستطيعوا القيام بمثل هذين الانقلابين خلال مائة سنة، وقد جعلت قوتُكم الحقيقية الناشئة عن طاعتكم تلك جميعَ الشعوب الإسلامية مدينةً لكم بالشكر، فتأييد هذا الشرف حق التأييد إنما يكون بطاعتكم لضباطكم، فعِرض الإسلام أيضًا في هذه الطاعة.
إنني أعلم أنكم لم تُدخلوا ضباطكم الذين هم آباؤكم الرحماء في هذا الأمر لئلا يدخلوا تحت تبعات المسئولية، أما الآن فقد انتهى الأمر، فارتموا في أحضان ضباطكم الحنونة، فإن الشريعة الغراء تأمر بهذا؛ إذ الضباط هم أولو الأمر، فطاعة أولي الأمر في سبيل مصلحة الوطن والشعب -ولاسيما في نظام الجيش- فرض، والحفاظ على الشريعة المحمدية إنما يكون بالطاعة.
497. صفحة
خطاب إلى الجنود
الجريدة الدينية رقم 110، 31 أبريل 1909
أيها الجنود الموحدون، إنني أبلغكم أمر فخر العالم عليه الصلاة والسلام، ألا وهو أن الطاعة لأولي الأمر ضمن دائرة الشريعة فرضٌ، وأولياء أموركم وأساتذتكم هم ضباطكم.
إن الثكنات العسكرية تشبه المصنع المنظم الكبير، فإذا تحرك ترس من تروسه بطيشٍ ورعونة صار المصنع كله في هرج ومرج، فمصنع جنديتكم المنتظم القوي هذا نقطة استنادٍ ومعدن استمداد لثلاثين مليونًا من العثمانيين، وثلاثمائة مليون من المسلمين، وإن قتلكم استبدادَيْن رهيبين دفعة واحدة وبدون إراقة دماء لهو أمر خارق للعادة، وإنكم قد أظهرتم بهذا معجزتين باهرتين للشريعة الغراء، ومن ثم أظهرتم ببرهانين قوة الحمية والنخوة الإسلامية وقدسية الشريعة لضعاف العقيدة، فلو كان وقع منا آلاف الشهداء في سبيل هذين الانقلابين لعَدَدْنا ذلك رخيصًا، ولكن لو ضحيتم بجزء واحد من ألف جزء من طاعتكم لكان ذلك عظيمًا غاليًا؛ إذ إن تناقص طاعتكم يؤدي إلى الموت كما يؤدي تناقص العقدة الحياتية أو الحرارة الغريزية إليه.
إن تاريخ العالم كله من أوله إلى آخره يشهد أن تدخل الجنود في السياسة أنتج أضرارًا بالغة للدول والشعوب، فلابد أن حميتكم ونخوتكم الإسلامية ستمنعكم مما يضر الحياة الإسلامية التي هي في عهدتكم، فالذين يفكرون في السياسة هم ضباطكم وأولياء أموركم الذين هم كقوة تفكيركم، وقد يحدث أحيانًا أن ما تظنونه ضررًا يكون عين المصلحة من حيث السياسة بسبب دفعه ضررًا كبيرًا، فضباطكم يرون تلك المصالح بفضل تجاربهم، فيصدرون إليكم الأوامر، فلا يجوز ترددكم في تنفيذ تلك الأوامر.
إن الأفعال الخاصة غير المشروعة لا تنافي المهارة والحذاقة في الفنون والصنعة، ولا تجعل الصنعة مكروهة مبغوضة، وكما أن السلوك غير المشروع لطبيب حاذق أو
498. صفحة
مهندس ماهر لا يمنع من الاستفادة من طب الطبيب أو من هندسة المهندس؛ كذلك فإن بعضًا من ضباطكم من ذوي الخبرة والمهارة في فن الحرب وذوي الفكر المنور بالنخوة الإسلامية إذا قاموا بتصرفاتٍ غير مشروعة جزئية فلا تُخِلُّوا أنتم بطاعتكم، إذ إن فن الحرب فنّ مهم.
ثم إن قيامكم بالشريعة الغراء قد بلع –مثل يد موسى عليه السلام البيضاء- سائر الجمعيات التي هي سبب التفرقة وتشتت الأفكار، وأرغم السحرة على السجود، فكان تصرفكم في هذا الانقلاب كالعلاج، فلو كان زائدًا لانقلب إلى السمّ، وجعل الحياة الإسلامية هدفًا لداء عضال.
ثم إنه قد زال بهمتكم الاستبداد فينا مؤقتًا، ولكننا من أجل التطور والتقدم تحتَ الاستبداد المعنوي لأوربا، فلابد من الحذر والاعتدال بأقصى درجة.
لتَحْي الشريعة الغراء وليَحْي الجنود.
تنبيه مهم للجمعيات
إن جمعيتنا الآن هي الحكومة المشروطة المشروعة، وقد تبين ضرر حكومة داخل حكومة، فالخصومة بين الفِرَق تؤدي إلى التعصب والانحياز لاختلاف مستويات العلم والمعرفة وتباينها، وسيكون التعصب والانحياز حتمًا أرضيةً صالحة لأصحاب الأضغان الذين سيتدخلون في السياسة باستخدام تلك القوة، ويمارسون الاستبداد اللذيذ لدى كل أحد في الإدارة العامة للبلاد، وبناء على هذا فإن استمرار الفرق الموجودة فينا بهذا الوضع الحالي مضر جدًّا؛ ولكن قد تنبع مصلحة من انتقاد السياسة في الشركة أو فيما بين ذوي الفكر المنور المحايدين، أو من النصيحة والإرشاد بين أهل العلم، فحكومتنا المشروعة الآن هي الجمعية الكبيرة الحقيقية.
صدى الضمير
لقد سيطر الاتحاد المحمدي، وهذا حق الجميع، ولا يقبل التخصيص، ولا يقبل هذا الاسم الهزل والمزاح، وقد أدى الاتحاد إلى اهتزاز المسلمين كلهم وتزلزُل العالم أجمع بتجلٍّ جزئي من هذا الجوهر العظيم، ولا تتحمل طبيعة استبداد العالم تجليه التامّ
499. صفحة
الآن، فلابد من التدرج، وعلينا الآن أن نحتفظ بالجوهر الغالي السامي في مكانٍ مقدس، ويمكن أن تحمل بعض الفرق الخاصة صفة خادم الشريعة كمقدمةٍ لهذا.
من أعضاء جمعية الاتحاد الإسلامي
سعيد النورسي
نسخة من الخطبة التي ألقاها بديع الزمان سعيد النورسي ارتجالا في اليوم الثالث من إعلان الحرية ثم أعادها في ميدان الحرية بسالونيك[1] ونشرتها الجرائد آنذاك.
إن ثمار الجبل دواء حتى لو كانت مرّة، ولكن هضمها ثقيل.
اعتذار: لما كانت هذه الخطبة أول تجربة وأول إنشاء وأول خطبة، فمن الطبيعي أن تكون ناقصة ومبهمة، وأشكركم إن عذرتموني، وإن لم تعذروني فأنتم معذورون؛ إذ هناك حرية.
إن طريقة بياني مخالفة لعادة هذا الزمان كما تخالف ملابسي التي تشبه جلد النمر؛ لأني لا أعلم الخياطة العثمانية التركية، حتى أفصل لباسًا لهذا المعنى، وأخيط الأزرار له، فأرجوكم ألا تمنعوا خطابي من الدخول في بيت خيالكم، وافتحوا مثلي بابًا من الخيال حتى يدخل القلبَ، إذ هنالك أعمال ستتذاكرها خطبتي مع نخوتكم وتدينكم وسعيكم الجادّ، وسينورون النور في زوايا القلب المظلمة.
خطاب للحرية
أيتها الحرية الشرعية، إنك تنادين بصدى مذهل ولكن جميل مبشر حتى أيقظتِ كرديًّا مثلي وهو راقد بين طبقات الغفلة، فلولاك لبقينا أنا والأمة كلها معًا في زنزانة الأسر، إنني أبشرك بعمرٍ أبدي، وأبشر بأن هذه الأمة المظلومة ستتقدم وتتطور ألف ضعفٍ بالنسبة للماضي إن جعلتِ الشريعةَ التي هي عينُ الحياة منبعَ الحياة وترعرعتِ ونَمَوْتِ في تلك الجنة، فإن اتَّخذتكِ هذه الأمة مرشدًا بحق ولم تُلوِّثكِ بالأضغان الشخصية وفكرة الثأر؛ أخرجتِنا من وحشة القبر والاسبتداد ودعوتِنا إلى جنة الاتحاد ومحبة الأمة، و"العظمة لله، والمنّة له".
[1] إحدى المدن اليونانية.
500. صفحة
يا رب، ما أسعد هذه القيامة وما أجمل هذا الحشر حيث يصف هذا الزمان مثالا صغيرًا لحقيقة "البعث بعد الموت حقّ"، وذلك:
لقد دبت الحياة في الحضارة القديمة المدفونة في أنحاء آسيا وروم ألي، والذين يريدون مصالحهم في مَضَرّة العامة ويرغبون في الاستبداد بدءوا يقولون: ﴿ياَلَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.
إن حكومتنا المشروطية الجديدة ولدت معجزةً، فسنتشرف خلال سنة واحدة إن شاء الله بأن نكون مصداق الآية "تَكَلّمَ فِي المـهْدِ صَبِيًّا"، فثواب صوم السكوت بالتوكل والتصبر طوال ثلاثين سنة قد فتح لنا أبواب جنة الرقي والتقدم والحضارة بلا عذاب، والقانون الشرعي الذي هو براعة الاستهلال لحاكمية الأمّة يدعونا كخازن الجنة إلى الدخول فيها.
فيا إخوان الوطن المظلومين، هيا ندخلها، فبابها الأول هو اتحاد القلوب ضمن دئرة الشريعة، والثاني محبة الأمة، والثالث المعارف والعلوم، والرابع سعي الإنسان، والخامس ترك الفسق والهوى، والباقية أتركها لأذهانكم؛ إذ إجابة الدعوة واجبة، وقد بدأت فاتحة هذا الانقلاب العظيم معجزة، فإننا متفائلون أن خاتمته هي الأخرى ستكون خيرًا، وذلك:
كما أن هذا الانقلاب حطّم السلاسل الثقيلة المقيدة لفكر البشر، ودمَّر السدود التي أمام استعداد الترقي من أساسها، فخلَّص الحكومة من ورطة الموت، وكشف جوهر الإنسانية الكامن في هذه الأمة المظلومة، وأرسلها نحو كعبة الكمالات حرةً طليقة؛ كذلك فإن فأل الخير هذا يبشرنا بأن ختام هذا الانقلاب أيضًا سيكون خيرًا، ولذلك فإن مساوئ الحضارة البراقة المتلألئة من أمثال الفسق والمفاسد والإسرافات والرغبات النفسية والملذات غير المشروعة التي لا تستمر إلا ثلاثين عامًا، والأمور التي تدفع الدولة المدنية إلى الانقراض مثل الحكومة المستبدة؛ سوف يُحَسُّ بأضرارها ماديًّا، فإن ذلك السحاب المظلم الكثيف سينقشع برغبة الجميع، ومن ثم فإن شمس الشريعة، وقمر المدنية الذي هو معكسها صافيان براقان، وسينوران آسيا وروم ألي، وسينمو ويترعرع ما فيها من بذور استعداد الكمال بأمطار الحرية وستزين آسيا وروم ألي بألوانٍ زاهية.
501. صفحة
إنه لمن المعجزة النبوية، ومن العناية الإلهية لهذه الأمة المظلومة، ومن كرامة النية الخالصة لمجتمع الأمة أننا حصلنا على اتحاد القلوب ومحبة الأمة بلا مقابل ضمن دائرة الشريعة التي هي معدن السعادة والحرية، ولكن سائر الشعوب لم تستطع أن تحصل عليها إلا بعد التضحية بملايين من جواهر النفوس.
إن صدى الحرية والعدالة الذي يرن في أذن الجوال المجذوب الذي يسمى بالكرة الأرضية وكأنه المولوي الذي أخذته الجذبة، والذي يهز جميع الأمة هزًّا عجيبًا غريبًا بسروره؛ يحيي كنفخ إسرافيل عليه السلام في الصور مشاعرَنا وآمالنا والميول السامية لأمتنا وأخلاقنا الإسلامية الحسنة التي ماتت.
فإياكم يا إخوان الوطن أن تقتلوها مرة أخرى بالفسق واللهو والتهاون في الدين وعدم الاكتراث به، فالقانون الأساسي المؤسَّس على الشريعة الغراء صار كملك الموت عزرائيل، وقتل جميع الأفكار الفاسدة والأخلاق الرذيلة والدسائس الشيطانية والمداهنات والتملقات الدنيئة، فلا تحيوها يا إخوان الوطن الأماجد مرة أخرى بالإسرافات ومخالفة الشريعة واللذائذ غير المشرورعة!
إذن؛ لقد كنا حتى الآن في القبر نتفسخ، والآن قد انتقلنا إلى رحم الأم بهذا باتحاد الأمة هذا وبهذه المشروطية، وسننمو ونكبر، وسننتقل إن شاء الله تعالى من مسافة الرقي التي تخلفنا عنها مائة سنة وأكثر، وسنركب قطار القانون الأساسي الشرعي عملا، وبراقَ الشورى الشرعية فكرًا، كمعجزةٍ من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، وسنطوي في وقتٍ قصير بُعد هذه الصحراء الكبيرة الموحشة من حيث تكمل المبادئ، فسننافس الأمم المتحضرة جنبًا إلى جنب؛ لأنهم ركبوا أحيانًا عربة الثيران، وقطعوا الطريق، ولكننا سنركب المبادئ ونتقدم مثل القطار أو المنطاد، بل سنسبقهم بكثير بعون الحقيقة الإسلامية التي تجمع الأخلاق الحسنة والاستعداد الفطري والفيض الإيماني وبتسهيل شدة الجوع للهضم، كما سبقناهم في الماضي.
وإنني، يا أبناء الوطن، أذكِّركم بما كلفتني التلمذة من وظيفة وبوثيقة التخرج التي منحتني إياها الحرية؛ لا تفسروا الحرية تفسيرًا خطأ، حتى لا تفلت من أيدينا
502. صفحة
وتجرعنا الأسر المتعفن القديم في إناءٍ آخر فتغرقنا[1]؛ لأن الحرية إنما تتحقق وتنمو وتكبر بمراعاة الأحكام وآداب الشريعة والأخلاق الحسنة، فحرية الصدر الأول -أي الصحابة الكرام- وعدالتهم ومساواتهم على الرغم من سيطرة الهمجية والجبر والاستبداد في العالم آنذاك؛ برهانٌ باهر على هذا الادعاء، وإلا فإن تفسير الحرية تفسيرًا عمليًّا بالحرية في السفاهة واللذائذ غير المشروعة والإسرافات والتجاوزات واتباع الأهواء النفسية يعني الخروج من أسر سلطانٍ واحد والخضوع لاستبداد السفلة وأسرهم المهين المزري ويدل على أن الشعب يحمل استعدادًا طفوليًّا، وأن عنده سفهًا، ومن ثم يدل على أن أفراده يستحقون الأسر القديم المحطم وغير جديرين بالحرية؛ لأن السفيه محجورٌ عليه.
وإن عدم الاستحقاق للحرية الشرعية الجديدة الواسعة الباهرة (حيث لا تتسع لطفل) سيجعل اتحاد الأمة العظيم هدفًا لعلةٍ سيئة بالحالات الفاسدة المتعفنة؛ لأن تفسير أهل التقوى والضمير للحرية ليس هكذا، فسيكون مذهبهم هو الآخر مخالفًا.
إننا الشعب العثماني رجال، ولا يليق بقامة رجولة استعدادنا القومي اللهوُ والأهواء النفسية والإسرافات المزينة كلباس النساء، وبناء على ذلك فعلينا ألا ننخدع، وعلينا أن نتخذ قاعدة "خذ ما صفا دع ما كدر" دستورَ عمل، وذلك:
سنأخذ من الأجانب بكل رضا كل ما سيعين على تقدمنا الحضاري كالعلوم والصناعات، أما بعض العادات والأخلاق السيئة التي هي ذنوب الحضارة ومساوئها فهي محاطة بكثيرٍ من محاسن الحضارة عند الأجانب؛ لذا لا تُظهِر قبحها ومساوئها كثيرًا، ولكننا حينما أخذنا منهم تركنا -لسوء الطالع وسوء الاختيار- محاسن الحضارة التي يصعب الحصول عليها، واكتسبنا مثل الأطفال ما هو موافق للهوى والنوازع النفسية من ذنوب الحضارة؛ لذا فصرنا كالمخنث أو المترجلة، فالمرأة إذا لبست كالرجل صارت موضع سخرية، والرجل إذا تزين كالمرأة فذلك تخنث ولا يليق به، فالرجل الشهم العالي الهمة يجب ألا يكون كالمرأة المدلَّلَة المتزينة بأنواع الزينة المزيفة، والمتجملة بأنواع المجمِّلات.
[1] نعم، لقد جرّعونا باستبدادٍ أشد أسرًا مرًّا سامًّا. (المؤلف).
503. صفحة
الحاصل: إننا سنمنع بسيف الشريعة ذنوب الحضارة ومساوئها من الدخول في حدود حريتنا وحضارتنا، حتى تكون شبابيةُ حضارتنا وفتوتها مصونةً بالشريعة التي هي زلال عين الحياة، وللحصول على الحضارة ينبغي أن نقتدي باليابانيين، فهم قد أخذوا من أوربا محاسن الحضارة ولكنهم حافظوا على عاداتهم وتقاليدهم القومية التي هي خميرة بقاء كل أمة، ولأن عاداتنا القومية الشعبية نمت وتربت في الإسلام، فمن الضروري أن نستمسك بها من ناحيتين.
فيا أبناء الوطن الغيورين الشهام، إن الأمة قد ضحى أفرادها بأرواحهم، فمهدوا السبيل لسعادتنا، فلنساعدهم بترك بعض ملذاتنا؛ لأننا نجلس معًا على مائدة النعمة تلك.
إنني أريد أن أضع سدًّا حديديًّا منيعًا لا يخرق بين الماضي والحاضر ببيان تاريخ حياة الحرية حتى لا يشاهد مرة أخرى أصحاب الأفكار الفاسدة، أي الذين يرغبون في الاستبداد والمظالم باسم الحرية الاستبداداتِ التي أصابها الموت الأبدي ودُفنت في حفرة الماضي، أو المظالم التي تدحرجت في السيل الجياش للزمان، وذلك:
أن هذا الانقلاب إذا سلم الحرية التي ولدها لتربية الشورى الشرعية فستحيي شوكة هذه الأمة القديمةَ وقوتها، وإذا صادف وباء الأضغان الشخصية السيئة فستتحول إلى الاستبداد المطلق، فسيموت ذلك الطفل، فقد وُلدت الحرية في وقتٍ مناسب جدًّا، فإن الأحوال والضرورات الزمانية تتطلب الخدمة لتربيتها تربيةً كاملة، وليست مصطنعةً أو اختيارية، حتى تحتاج إلى جهدٍ شديد.
إن الحمية الإسلامية التي ليس من شأنها اليأسُ والانهيار إلى هذا الحد تحت ضغوطاتٍ منذ القديم، قد ثارت وانتفضت إلى حدٍّ وكأن الحرية معه قد بلغت سن الكمال في رحم الأم، فإنها حالما تضع قدمها في ساحة الوجود فسوف تعلن هيمنتها وحكمها، وسوف تتأسس على حقائق خمسة ثابتة كسدٍّ منيع لا يتزلزل ولا يُخرق أمام أية صدمة، أو كعرش بلقيس:
الحقيقة الأولى: إن في الاجتماع قوة، ولا يملك أي فردٍ تلك القوة، وهي كقوة حبلٍ سميك وخيطٍ سميك منه، أو كحكومتنا الجديدة التي تتضمن الأفكار العامة، وكحكومتنا القديمة.
504. صفحة
فيا قوم؛ نحن الشريط السميك الآن، فكل من أضعفه بالمخالفة والمعارضة أو التكبر والعنجهية فتلك جنايةٌ لا تغتفر بحق الجميع.
الحقيقة الثانية: كان السائد في العالم في الماضي، أي في وقت هيمنة الهمجية مُلك القوة والجبر اللذين هما ثمرة الهمجية، والمحكوم عليه بالتدني والانقراض، فأية دولة استقرت القوة والجبر في دورتها الدموية فكأن صفحات تاريخها مساكن البوم، سطورها تعلن انقراضها وتدعو إليه.
أما سلطان العالم في وقت تسلط الحضارة فهو العلم والمعرفة، ولأنهما وليدا الحضارة، ومن شأنهما التزايد، وعمرهما أبدي، فأية دولة صار العلم والمعرفة حياةً ومدبرين لها؛ فإنهما ينقذانها من قيد العمر الطبيعي وأجل الانقراض، ويعطيانها استعدادًا لتعيش بقدر ما تعيش الكرة الأرضية، وصفحات كتاب أوربا تُظهِر ذلك علنًا.
وإذا قيل: كان بإمكان رجالٍ عاديين إدارة هذه الحكومة الضعيفة حتى الآن، أما الحكومة الجديدة التي نأمل بقوةٍ أن تكون صلبةً قوية عظيمة فلابد من عباقرةٍ أقوياء يحملونها على أكتافهم، فيا ترى هل تثمر مزرعة آسيا وروم ألي مثل هذه المحاصيل؟
أقول جوابًا عن ذلك: نعم؛ إن لم تحدث انقلابات أخرى.
الحقيقة الثالثة: انتبه إلى هذه الحقيقة، وهي:
مع أن الإنسان يملك استعدادًا غير متناه فإنه كان يتحرك في الماضي في دائرةٍ ضيقة محدودة وكأنه كان يعيش كالحيوانات وهو إنسان، فتدنت أفكاره وأخلاقه بنسبة ضيق تلك الدائرة وظلت محصورة.
وإن عاشت هذه الحرية العادلة الشرعية ولم تفسد، فإنها يمكن أن تحطم السلاسل الثقيلة التي تلجم أفكار البشر، وتدمر السدود التي تحول دون الاستعداد للتقدم والرقي، ومن ثم يمكن أن توسع تلك الدائرة الصغيرة بسعة الدنيا، حتى إن رجلا قرويًّا عاديًّا مثلي سيهتم بإدارة البلاد العامة العالية علو الثريا، ويعلق شتلات آماله وميولاته هناك، ويهتز كل فعل من أفعاله وحال من أحواله، وسيتدخل في تلك الإدارة، ومن ثم ستتعالى همته علو الثريّا، وتكتمل أخلاقه بالدرجة نفسها،
505. صفحة
وتتوسع أفكاره بسعة الممالك العثمانية، فسيسبق أمثال أفلاطون وابن سينا وبيسمارق وديكارت والتفتازاني إن شاء الله تعالى.
إننا نأمل بقوةٍ أن تنبت مزرعة آسيا وروم ألي الخصبة وستعطي كثيرًا من محاصيل شبان الوطن، وبخاصةٍ في هذه البلاد العثمانية التي هي محل ظهور جميع الأنبياء عليهم السلام، ومهد تشكل الدول المتحضرة السالفة، ومشرق طلوع شمس الإسلام؛ لذا فإن استعدادات الكمال الثلاثة هذه التي زرعها الناس في فطرهم إن نمت وكبرت بمطر الحرية هذا؛ فسيمتد استعداد كل إنسانٍ وأغصانُ وفروع فكره المنوَّر كشجرة الطوبى إلى كل الأنحاء، وستجعل تقارب الشرق من الغرب كتقارب السَّحر من الغروب إن لم تُجفَّف بالكسل والبطالة أو سموم النوايا السيئة.
الحقيقة الرابعة: إن الشريعة الغراء آتية من الكلام الأزلي فستمتد إلى الأبد.
أجل؛ إن الإنسان غصن شجرة ميل تكمل العالم، أما استعداداته فمحصول وثمرة ميل الرقي الكامن فيه، وأما نتائج تلك الاستعدادت فهي تحصل بتلاحق الأفكار، فإن الشريعة الغراء ستتوسع وستتطابق كالكائن الحي المادي بنسبة نمو نتائج استعدادات الإنسان بالطعام والشراب، الأمر الذي هو برهانٌ باهر على أن الشريعة الغراء آتية من الأزل وستمتد إلى الأبد.
إن الحرية والعدالة والمساواة في الصدر الأول للإسلام وهو عصر السعادة؛ لهي دليلٌ قاطع -ولاسيما في ذلك الزمان- على أن الشريعة الغراء جامعةٌ للمساواة والعدالة والحرية الحقيقية بجميع روابطها ولوازمها، فآثار الإمام عمر والإمام علي رضي الله عنهما وصلاح الدين الأيوبي الكردي دليلٌ عَلَنِي على دعوانا هذه.
وبناء على هذا فإني أحكم جازمًا أن نقصنا وتخلفنا وسوء أحوالنا حتى الآن ناشئة عن "أربعة أسباب":
الأول: عدم مراعاة أحكام الشريعة الغراء.
الثاني: تفسير بعض المداهنين للشريعة الغراء تفسيرًا سيئًا حسب أهوائهم.
الثالث: تعصب الجهلة العلماء المولعين بالظاهر أو العلماء الجهلة تعصبًا غير ضروري.
506. صفحة
الرابع: لسوء الطالع ولسوء الاختيار تركنا محاسن أوربا التي يصعب الحصول عليها وقلدناهم كالببغاء ومثل الأطفال في ذنوب الحضارة الغربية ومساوئها التي توافق الأهواء والنوازع النفسية؛ ومن ثم ظهرت تلك النتيجة السيئة.
إذا أدى الموظفون وظائفهم حق الأداء، وإذا سعى غير الموظفين سعيًا موافقا لضرورات الزمان، فلن يجدوا وقتًا للهو والفسق، فمن ينهمك في اللهو والفسق من هاتين الفئتين يكن كجرثومة مضرة في المجتمع.
الحقيقة الخامسة: إن روابط الاجتماع ولوازم التعيش وفوائد الحضارة لم تكثر ولم تتشعب كثيرًا في الزمان السالف، فكانت أفكار بعض الرجال القليلين شبه كافية في إدارة الدولة، ولكن هذا الزمان قد كثرت فيه روابط الاجتماع وتعددت لوازم التعيش، وتنوعت وتعمقت نتائج الحضارة، إلى درجةٍ لا يستطيع معها أن يحمل تلك الدولة ولا أن يديرها وينميها إلا مجلس النواب الذي هو بمنزلة قلب الشعب، والشورى الشرعية التي هي في مقام فكر الأمة، وحرية الأفكار التي هي بمنزلة السيف وقوة الحضارة، والمثال على هذه الحقيقة هو الحكومة المستبدة القديمة والحكومة الجديدة المشروطة.
إنني أنبه إلى "ثلاثة أشياء" بما كلفتني "الحقيقة الثالثة" من وظيفةٍ وبإذن مرسوم الحرية:
الأول: إنَّ تحلل ذرات جسمٍ فجأة وتشكله مرة أخرى من ذراتٍ جديدة محال، فعزل جسم الدولة موظفيها فجأة وإتيانه مكانهم بجدد متعذر وصعب إن لم يكن محالا، وبناء على هذا فإن جسم الدولة سيفرز ويدفع فعلا ذوي الاستعداد الخبيث وغير القابلين للإصلاح دفعًا طبيعيًّا إلى الخارج، أما الذين يمكن إصلاحهم فباب التوبة مفتوح أمامهم فعلا لعدم شروق الشمس من المغرب، ويجب الاستفادة من تجاربهم، فسدّ فراغهم يحتاج إلى أربعين سنة، وإلا فإن تسليط اللسان على الجميع والسخرية منهم سيعرض اتحاد الأمة المجيد هذا للمرض لما لهم من أفكارٍ وأخلاق فاسدة.
الثاني: إنني نشأت في جبال كردستان، وكنت أتخيل مركز الخلافة جميلا بديعًا، فحينما حضرت إلى إسطنبول قبل سبعة أو ثمانية شهور كنت قد رأيت أنها تشبه رجلا
507. صفحة
متوحشًا همجيًّا لبس لباس المدنيين بسبب توحش القلوب وتنافرها فيها، ولكنها الآن تكشف عن وجهها في لباس رجلٍ مدني بسبب اتحاد الأمة إلا أنه نصف مدني ونصف همجي.
وكنت أظن في السابق أن سبب المساوئ في كردستان هو مرض هذا العضو، ولكن متى ما رأيت إسطنبول المريضة، وجسست نبضها، وشرّحتها، أدركت أن المرض الكامن في قلبها هو الذي يسري في جميع أطرافها، فحاولت مداواته، ولكنني شُرِّفت بأن اتهموني بالجنون.
ورأيت أيضًا أن الإسلام الذي يشكل الحضارة الحقيقية قد تخلف عن الحضارة الحاضرة من حيث التقدم المادي، وكأن الإسلام هجرنا بسبب سوء أخلاقنا، وعاد يرجع إلى ناحية الماضي، وسيشكونا إلى زمان السعادة، وأكبر سببٍ لذلك هو أنه قد تباينت بعد عهد الاستبداد أفكار أكبر الشُّعب الثلاث التي كانت مرشد الجميع، واختلفت مناهجهم ومشاربهم، وتلك هي: أهل المدارس الدينية وأهل المدارس الحديثة وأهل الزوايا، الذين هم مصداق المقولة: "مقصود الجملة واحد ولكن الروايات مختلفة"، أو كبيت:
عباراتنا شتى وحسنك واحدٌ وكلٌّ إلى ذاك الجمال يشير
وهذا التباين في الأفكار قد زعزع أسس الأخلاق الإسلامية، وفرَّق اتحاد الأمة، وجعلنا متخلفين عن الرقي الحضاري؛ لأن أحدهم يُفرِط فيكفر الآخر ويتهمه بالضلال، والآخر يُفرِّط فيتهمه بالجهل ويَعدُّه غير معتمد وغير موثق، وعلاج هذا هو المصالحة بالتوحيد والتعاضد والتأليف بين أفكارهم، حتى يتفقوا بالمصافحة على خط الاعتدال، فلا يُخِلُّوا بانسجام التقدم والرقي.
الثالث: إنني استمعت إلى الوعاظ فلم تؤثر فيّ نصائحهم، وتأملت في الأمر فوجدت أن هناك "ثلاثة أسباب" فضلا عن قساوة قلبي:
الأول: يقيسون الزمان الحاضر على الزمان الماضي، ويبالغون في تصوير المدعى ويلمعونه، ومع أنه يجب إثبات المدعى وإقناع الباحث عن الحقيقة من أجل التأثير؛ فإنهم يهملون ذلك.
508. صفحة
الثاني: إنهم يبالغون في الترغيب في شيءٍ مهم أو الترهيب منه، فيحطون من شأن الأهم، فلا يحافظون على توازن الشريعة.
الثالث: إنهم لا يتحدثون حديثًا مطابقًا لمقتضى الحال الذي هو مقتضى البلاغة، أي ما يتفق مع ضرورات الزمن، أي ما يناسب تشخيص العلة، وكأنهم يجذبون الناس إلى زوايا الزمن القديم، ثم يتحدثون إليهم.
حاصل الكلام: ينبغي أن يكون وعاظنا الكبار علماء محققين، حتى يثبتوا ويقنعوا، وحكماء مدققين حتى لا يفسدوا توازن الشريعة، وبلغاء مقنعين حتى يتحدثوا حديثًا موافقًا لمقتضى الحال والضرورات الزمانية، ويزنوا بميزان الشريعة، وينبغي لهم أن يكونوا هكذا.
فلتَحي الشريعة الغراء، ولتعش العدالة الإلهية، وليحي اتحاد الأمة، وليمت الاختلاف، ولتَحي محبة الأمة، ولتهلك الأغراض والأضغان الشخصية وفكر الثأر، وليعش الجنود الذين هم شجاعة مجسمة، ولتعش الجيوش التي هي الشوكة المشخصة، ولتعش جمعية الأحرار المتدينين الذين هم عقل وتدبير مجسَّم، وتلاميذُ رسائل النور(1).
سعيد النورسي
(1) إنه مثير للعبرة والتعجب أن سعيدًا القديم وقف ضد آلاف السياسيين في إسطنبول في اليوم الثالث من الحرية قبل ثلاث وأربعين سنة، وفي ميدان الحرية في سلانيك، وطالب بالشريعة بكل قوته، وجعل الحرية والمشروطية خادمة للشريعة، ثم اتهم جيشُ الحركةِ الذين يطالبون بالشريعة بالوقوف وراء حادثة الواحد والثلاثين مارس اتهامًا شديدًا، ولكنه نال البراءة التامة في المحكمة العرفية بسبب خطبه الجريئة، ومع كل ذلك فإن الذين يعذبونه تعذيبًا شديدًا أليمًا ويعاقبونه عقابًا شديدًا الآن مع أنه ترك السياسة منذ ثلاثين سنة ولم ينشغل بها إلا قليلا مقارنة بخطبه القديمة تلك؛ ليثبتون أنهم يظلمونه من أجل الدين، وأنهم أظلم من محاكم التفتيش.(المؤلف).
509. صفحة
الذيل الثاني للخطبة الشامية
كلمات موجزة من رسالةٍ تسمى "نوى الحقائق" طبعت قبل خمس وثلاثين سنة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
(1) وصفة الدواء لعصرٍ مريض وعنصر سقيم وعضو عليل؛ اتباع القرآن.
(2) وصفة الدواء لقارةٍ عظيمة سيئة الحظ ولدولةٍ مجيدة سيئة الطالع ولقوم نجباء لا حامي لهم؛ اتحاد الإسلام.
(3) إن الذي لا يملك يدًا قوية ترفع الأرض وجميع النجوم والشموس وتدورها كحبات المسبحة لا يستطيع أن يدعي الخلق والإيجاد في الكون؛ إذ كل شيء مرتبط بكل شيء.
(4) لا يمكن أن يكون إحياء جميع ذوي الأرواح في الحشر أثقل على القدرة الإلهية من إحياء ذبابة نامت في الشتاء نومًا شبيها بالموت وإنشائها في الربيع؛ لأن القدرة الأزلية ذاتيةٌ لا تتغير، ولا يمكن أن يتخللها العجز، ولا يمكن أن تُدَاخلها العوائق، ولا يمكن أن تكون فيها مراتب، فكل شيء متساو بالنسبة لها.
(5) إن الذي خلق عين البعوض هو الذي خلق الشمس.
(6) إن الذي نظم معدة البرغوث هو الذي نظم المنظومة الشمسية.
(7) إن في تأليف الكون إعجازًا بحيث لو أصبحت جميع الأسباب الطبيعية فاعلة مختارة مقتدرة بفرض المحال لسجدت بكمال العجز أمام ذلك الإعجاز قائلة: "سبحانك لا قدرة لنا إنك أنت العزيز الحكيم".


