ذيل المكتوب السادس عشر

80. صفحة

ذيل

المكتوب السادس عشر

باسمه

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

إن أهل الدنيا يتوهمون أن رجلا عاجزًا غريبًا مثلي له قوة كقوة آلاف الرجال، ومن ثم قيدوا تحركي بقيود كثيرة، ولم يسمحوا لي بالإقامة بضع ليالٍ في "بدرة" التي حي من أحياء "بارلا"، وفي جبل من جبال بارلا، وقد سمعتهم يقولون: إن سعيدًا في قوة خمسين ألف جندي، ولذلك لا نطلق سراحه.

وأنا أقول: يا أهل الدنيا الأشقياء، لم لا تعلمون شئون الدنيا مع أنكم تعملون للدنيا بكل قوتكم، وتحكمون كالمجانين، فإن كان خوفكم من شخصي فإن جنديًّا واحدًا وليس خمسين ألف جندي، يستطيع أن يقوم بالأعمال خمسين ضعف ما أقوم به أنا، أي يستطيع أن يقف على الباب ويقول لي: لا تخرج، وإن كان خوفكم من مسلكي ومن كوني داعيًا إلى القرآن ومن القوة الإيمانية المعنوية فلتعلموا إذن أنكم مخطئون، فإن لي حسب مسلكي قوة خمسين مليون جندي وليس خمسين ألف؛ لأني أتحدى أوروبا كلها وملاحدتكم معها بقوة القرآن الحكيم، وأحطم قلاعهم المحكمة التي يسمونها "العلوم الحديثة والطبيعة" بكل الأنوار الإيمانية التي نشرتها، وأهويت أكبر فلاسفتهم الملحدين إلى أدنى من الحيوانات، ولو اجتمعت أوروبا وملاحدتكم معها فلا تستطيع أن تعدلني عن مسألة من مسائل مسلكي بإذن الله وتوفيقه، ولا أن تغلبني.

وبما أن الأمر كذلك فإنني لا أتدخل في دنياكم، فلا تتدخلوا أنتم في آخرتي، وحتى لو تدخلتم فسيكون عبثًا.

قدر الله لا يرتدّ بقوة العضد

        وشمعة أوقدها المولى لا تنطفئ بالنفخ

إن أهل الدنيا أخذتهم الأوهام بصورة خاصة حولي وكأنهم يخشونني، فهم يتخيلون وجود ما ليس فيّ من أمور والذي لو وجد لا تشكل قصورًا سياسية ولا يكون سببًا

81. صفحة

للاتهام من أمثال أنني شيخ، وكبير وعظيم، وصاحب نسب عال وعشيرة عظيمة، وذو نفوذ وصوت مسموع، وكثير الأتباع، وأنني ألتقي بأهل بلدتي، وأنني ذو علاقة وثيقة بأحوال الدنيا، وأدخل السياسة، بل أعارض الحكومة، فوقعوا في الأوهام، وقد منعوني من كل شيء عندما كانوا يتذاكرون العفو عن القابعين في السجن، أو عمن كانوا في الخارج أو عمن لا يمكن العفو عنهم في نظرهم.

وقد قال رجل فاسد فان كلامًا جميلا خالدًا:

إن كان للظلم مدفع وقذيفة وحصن، فللحق ساعد لا ينثني ووجه لا ينحرف.

أما أنا فأقول: إن كان لأهل الدنيا هيمنة شوكة وقوة، فلخادم القرآن بفيضه علم لا يضل، وقول لا يسكت، وقلب لا يخطئ، ونور لا ينطفئ.

ولقد سألني الضابط المكلف بمراقبتي وكثير من الأصدقاء هذا السؤال مرارًا: لم لا تتقدم للحصول على وثيقة التصريح بالعودة إلى بلدك، ولا تقدم خطابًا في هذا الشأن؟

الجواب: هناك ستة أسباب تمنعني من التقدم، بل تجعلني لا أستطيع التقدم.

السبب الأول: إنني لم أتدخل في دنيا أهل الدنيا حتى أخضع لهم، وأتقدم إليهم وأراجعهم، إنني أخضع للقدر الإلهي، ولي تقصير تجاهه، ولا أراجع غيره.

السبب الثاني: لقد علمت يقينًا أن هذه الدنيا دار ضيافة سريعة التبدل، وهي ليست وطنًا حقيقيًّا، بل كل مكان فيها سواء، وبما أني لن أبقى في وطني خالدًا، فلا تفيد محاولة الذهاب إليه شيئًا، وبما أن كل مكان في الدنيا دار ضيافة، فإن كل واحد صديق وكل مكان صديق إن كانت رحمة صاحب دار الضيافة صديقًا لك، أما إن كانت غير صديق فإن كل مكان ضيق للقلب، وكل إنسان عدو.

السبب الثالث: التقدم والمراجعة إنما يكونان ضمن القانون، مع أن ما يعاملونني به طوال هذه السنوات الست على هوى وغير قانونية، وهؤلاء لم يعاملونني معاملة المنفيين، بل اعتبروني وكأنني مسحوب الحقوق المدنية بل الحقوق الدنيوية، والتقدم والمراجعة لمن يعامِلونني معاملة غير قانونية باسم القانون لا معنى لهما.

السبب الرابع: لقد تقدم عمدة بارلا الجهات الرسمية هذه السنة باسمي للإقامة في قرية بدرة التي هي كحي من أحياء بارلا بضعة أيام من أجل تغيير الجوّ، ولم يسمحوا،

82. صفحة

وكيف يراجَع الذين يرفضون حاجة تافهة من حوائجي، ولو روجعوا لكانت مراجعتهم تذللا مهينًا غير مفيد.

السبب الخامس: إن ادعاء حق ضد من يدعون الظلم حقًّا ومراجعتهم إنما هو ظلم وإساءة إلى الحق، ولا أريد أن أرتكب هذا الظلم ولا هذه الإساءة إلى الحق. والسلام

السبب السادس: إن العنت والمشقة التي يوقعني فيها أهل الدنيا ليست من أجل السياسة؛ لأنهم يعلمون أني لا أتدخل في السياسة، بل أفر منها، وإنما يعذبونني -متعمدين أو غير متعمدين- لالتزامي بالدين من أجل الزندقة، أي إن مراجعتهم تعني الندامة عن الدين وملاطفة طريق الزندقة، فإن راجعتهم ولجأت إليهم سيعذبني القدر الإلهي بأيديهم الظالمة؛ لأنهم يضيقون عليّ لالتزامي وتمسكي بالدين، والقدر الإلهي يضيق عليّ لريائي لأهل الدنيا أحيانًا ولنقائصي في الدين والإخلاص، إذن فليست لي نجاة الآن من هذا العنت، فإن راجعت أهل الدنيا سيقول لي القدر: "أيها المرائي، تجرع عقاب هذه المراجعة، وإن لم أراجع سيقول لي أهل الدنيا: إنك لا تعترف بنا، فلازم العنت والمشقة إذن".

السبب السابع: من المعلوم أن وظيفة أي موظف هي عدم السماح للأشخاص المضرين بالقيام بالأمور المضرة في المجتمع، ومعاونة النافعين فيه، فعندما كنت أشرح لضيف عجوز اقترب من باب القبر لذة لطيفة/ذوقًا لطيفًا للإيمان في "لا إله إلا الله"؛ جاءني الموظف الذي وضعني تحت المراقبة وكأنه يريد أن يقبض علي متلبسًا بجريمة، مع أنه ما كان يأتيني في أغلب الأوقات، فحرم ذلك المسكين الذي كان يستمع إلى الدرس بإخلاص، وأثار حفيظتي، في حين كان هناك بعض الأشخاص ما كان يهتم بشأنهم، ثم بدأ يثني عليهم ويقدرهم عندما قاموا بتصرفات سيئة وأفعال تسمم الحياة الاجتماعية في القرية.

  ومن لمعلوم أيضًا أن رجلا في السجن وقد ارتكب مائة جريمة؛ يستطيع دائمًا أن يقابل الموظف المسئول عن المراقبة سواء كان ضابطًا أو جنديًّا عاديًّا، ولكن الضابط، ورجلان مهمان في الحكومة مسئولان عن مرقابتي مرّوا على باب غرفتي كثيرًا ولكن

83. صفحة

لم يتحدثوا معي قطّ ولم يسألوا عن أحوالي أبدًا، وكنت أظن في البداية أنهم لا يقتربون مني لعداوتهم لي، ثم تبين لي أن الأوهام أخذتهم فيهربون مني وكأني سأبتلعهم.

فمراجعة حكومة لها أجزاء وموظفين من أمثال هؤلاء ليس من العقل في شيء، وإنما هي ذلة لا جدوى منها، ولو كان سعيد القديم موجودًا قال مثلما قال عنترة:

                        ماء الحياة بذلة كجهنم                 وجهنم بالعزّ أطيب منزلي

ولكن لا وجود لسعيد القديم، أما سعيد الجديد فيقول: "إنه لا جدوى من الحديث مع أهل الدنيا، فلتسقط عليهم دنياهم، وليفعلوا ما يريدون فعله، فسنتحاكم في المحكمة الكبرى" ويسكت. 

السبب الثامن لعدم مراجعتي: إن القدر الإلهي العادل يعذبني حسب القاعدة: "إن نتيجة محبة غير مشروعة عداوة قاسية" بالأيدي الظالمة لأهل الدنيا هؤلاء الذين أميل إليهم، مع أنهم لا يستحقون الميل إليهم، وكنت أقول إنني أستحق هذا العذاب، وأسكت؛ لأني عملت وحاربت سنتين قائدًا لكتيبة المتطوعين في الحرب العالمية الأولى، وضحيت بتلاميذي وأصدقائي الأعزاء تحت تقدير القائد العام وأنور باشا(2)، ووقع أسيرًا، وبعد الأسر ألقيت بنفسي في المخاطر بكتابي "الخطوات الست(2)؛ إذ ضربت به رءوس البريطانيين الذين احتلوا إسطنبول، وعاونت هؤلاء الذين ألقوني بلا سبب في الأسر المعذب، وهكذا يجازوني لقاء معاونتي لهم، وما لاقيته من العنت والمصاعب طوال ثلاث سنوات من الأسر في روسيا جرعونيه هؤلاء الأصدقاء هنا في ثلاثة أشهر، ولكن الروس لم يمنعوني من الدروس على الرغم من أنهم كانوا يرونني قائد المتطوعين الأكراد والظالم الذي يذبح القازاق والأسرى، فكنت ألقي الدروس على أغلب أصدقائي من الضباط الأسرى الذين يبلغ عددهم التسعين، وذات مرة جاء القائد الروسي واستمع إلى الدرس، وظنه درسًا سياسيًا لعدم معرفته باللغة التركية، ومنعني مرة واحدة، لكنه سمح




(2)؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟  enver pasa

(2) لقد حارب الإمام النورسي ضد الروس في شرق أناضول بين أعوام 1914-1916، وكسرت رجله في أثناء القتال، وسقط أسيرًا حين استولى الروس على مدينة بتليس، واقتيد إلى سيبريا، وظل هناك أسيرًا مدة أكثر من سنتين، وعندما حدثت الثورة الشيوعية استطاع أن يهرب من الأسر، ووصل إلى إسطنبول، وبعد مدة وجيزة من الزمن احتل البريطانيون إسطنبول، وقام الإمام ضد الاحتلال والدعايات البريطانيين بنشر كتابه المسمى بـ"الخطوات الست."